المورد
Let Them Not Return

Let Them Not Return

David Gaunt١ كانون الثاني ٢٠١٧enBerghahn Books

في كتابه "Let Them Not Return"، يقدم المؤرخ ديفيد غانت وزملاؤه بحثاً شاملاً عن واحدة من أكثر الإبادات الجماعية التي طالها النسيان في التاريخ الحديث، وهي إبادة الآشوريين المعروفة باسم "السيفو" خلال الحرب العالمية الأولى. الموضوع المحوري للكتاب هو إثبات أن ما تعرض له الآشوريون – وهم جماعة مسيحية ناطقة بالسريانية – من مذابح وترحيل منهجيين في الإمبراطورية العثمانية يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وفقاً لتعريف الأمم المتحدة، وليس مجرد ضحايا حرب أو أحداث عشوائية. يدافع المؤلف عن هذا الموقف من خلال تفكيك آليات العنف، وتقديم أدلة وثائقية وشهادات تاريخية، ورسم خريطة جغرافية للإبادة تشمل ثلاث مناطق رئيسية: جبال حكاري، ومنطقة أورميا الإيرانية، ومحافظة ديار بكر. يرى غانت أن هذه الإبادة كانت مشروعاً مشتركاً بين الدولة العثمانية ممثلة بلجنة الاتحاد والترقي والنخب المحلية من العائلات الكردية القوية، وأن الأسباب تمتد من الهندسة الديموغرافية القومية بعد حروب البلقان، إلى الكراهية الدينية المتراكمة، والصراعات القبلية، والسياق الجيوسياسي لـ"منطقة الصدم" بين الإمبراطوريات.

يسير الكتاب بتسلسل منطقي واضح، فيبدأ بوضع الإطار النظري والتاريخي للإبادة في المقدمة، التي تحدد الأرقام (ما بين 180,000 و275,000 ضحية من أصل 500,000 إلى 600,000 آشوري)، وتشرح الأنماط الجغرافية الثلاثة للعنف. ثم ينتقل الفصل الأول إلى اختبار فرضية أن إبادة عام 1915 كانت "أرمنية" حصراً، ليكتشف من خلال حالة ولاية ديار بكر أن الحاكم المحلي الدكتور محمد رشيد وسّع دائرة الاضطهاد لتشمل جميع المسيحيين، متجاوزاً الأوامر المركزية التي كانت تستهدف الأرمن في المقام الأول. يتعمق الفصل الثاني في جذور العنف، مجادلاً بأن السيفو كان ذروة "ثقافة عنف" تراكمت منذ حملات بدرخان في أربعينيات القرن التاسع عشر ومذابح الحميدية في تسعينياته، وصولاً إلى الفرق الكردية الحميدية التي عملت بإفلات من العقاب. ينتقل الفصل الثالث إلى منطقة أورميا الإيرانية ليحلل مقاومة الآشوريين المحلية، سواء من خلال تحرير النساء المختطفات قانونياً أو تنظيم الدفاع المسلح، قبل أن يسقطوا في مأزق الصراع التركي-الروسي. يتناول الفصل الخامس التحول السياسي المأساوي للقيادة السريانية الأرثوذكسية بعد الحرب، حيث انتقل البطريرك إغناطيوس إلياس الثالث شاكر من المطالبة بالحكم الذاتي في مؤتمر باريس 1919 إلى إعلان الولاء للجمهورية التركية، مما يسلط الضوء على مفهوم "استراتيجية البقاء" في حالة أزمة. يركز الفصل السادس على منظور الضحايا أنفسهم من خلال تحليل ثلاثة مفاهيم سريانية مركزية: سيفو (السيف/الإبادة)، فرمان (المرسوم الإلهي بالعقاب)، وقفلة (قوافل التهجير)، رافضاً الروايات التركية عن "ثورة سريانية" ويؤكد أن ما حدث كان اضطهاداً دينياً ممنهجاً. يقدم الفصل السابع وثيقة نادرة كتبت في دير الزعفران في 15 أكتوبر 1915، أي بعد أشهر من بدء المذابح، مما يمنح القارئ نافذة مباشرة على الرعب المعاصر للأحداث. يتحول الفصل الثامن نحو التحليل الأدبي، فاحصاً قصيدة غالو شابو التي تفسر السيفو كعقاب إلهي على خطايا الجيل الثامن من السريان، متجنبة إلقاء اللوم المباشر على المسلمين الذين تراهم مجرد أدوات في يد الله. يكشف الفصل التاسع عن الإرث النفسي لهذه الصدمة عبر الأجيال، موثقاً كيف ينتقل الخوف وعدم الثقة من الناجين إلى أحفادهم في الشتات السويدي، مكوناً هوية قائمة على الضعف والهشاشة. أخيراً، يخصص الفصلان العاشر والحادي عشر مساحة واسعة لتحليل سياسات الإنكار التركية، من المراقبة الرسمية إلى التضليل الأكاديمي عبر منشورات الجمعية التاريخية التركية (TTK)، التي تقلب دور الضحية والجاني وتتهم الآشوريين بالخيانة كمبرر لتطهيرهم العرقي. يختتم الكتاب بمقارنة شيقة بين النقاشات البرلمانية في فرنسا والسويد حول الاعتراف بالإبادة، مظهراً كيف تشكل الأطر الاجتماعية للذاكرة وتركيبة الجاليات طريقة معالجة المأساة سياسياً.

من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها في هذا الكتاب، تبرز إحصائية أن حوالي 250,000 آشوري وأكثر من مليون أرمني كانوا قتلى أو مفقودين بنهاية الحرب. كما يذكر الكتاب أن 91% من المشاركين في دراسة أجريت بين آشوريين في السويد عام 2010 أفادوا بأن لديهم قريباً قُتل خلال السيفو. تبرز شهادات مروعة مثل محاولة رشوة قائد فرقة الجنود في دير الزعفران بـ200 دينار ذهبي لتسليم الدير للأكراد، ومشهد إحراق نحو 300 شخص أحياء في كهف بـمركادة. من بين الشخصيات التي لا تُنسى في الكتاب: جودت بك قائد "كتائب الجزارة"، وعزيز فيضي من عائلة بيرينجيزاده الذي تورط في مذابح 1895 ثم السيفو ثم أصبح وزيراً كمالياً، والمرأة باتيستيفا التي رفضت التحول والإسلام ونجحت في تحرير نفسها قانونياً في أورميا، والكاهن يوسف أكبولوت الذي اتهمته الدولة بالخيانة في عام 2000 لمجرد اعترافه بقتل السريان. كما يلفت الانتباه وثيقة عثمانية من عام 1965 تعترف بتهجير السريان وتناقش إجراءات إعادة ممتلكاتهم، وهي وثيقة تدحض بشكل قاطع الادعاءات التركية الراهنة بعدم وجود تهجير.

لم يتردد المؤلفون في الإقرار بحدود معرفية وتحفظات مهمة. يعترفون بأن أرقام الضحايا "مستحيلة التحقق" بسبب تشتت السكان وتدمير المؤسسات الكنسية، ويقرون بأن بعض الجماعات المسيحية ارتكبت بدورها فظائع ضد المسلمين، كما ورد في شكاوى السلطات الروسية من انتقام المتطوعين الآشوريين والأرمن. يتركون أسئلة مفتوحة مثل مدى صدقية برقية طلعت باشا في 12 يوليو 1915 التي أمرت بوقف تمديد الإجراءات لتشمل المسيحيين الآخرين، هل كانت صادقة أم مجرد خداع دبلوماسي؟ كما يعترفون بصعوبة الحصول على الحقيقة الكاملة في بلد مضطرب، ووجود روايات متضاربة بين المصادر، خاصة فيما يتعلق بتواريخ محددة مثل تاريخ طرد البطريركية من تركيا الذي يتراوح بين ربيع 1924 وأواخر 1925. يقر الفصل النفسي بأن البحث حول تأثير الصدمة عبر الأجيال لا يزال جديداً جداً، ويدعو إلى مزيد من الدراسات.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الكتاب يقدم حجة قوية ومقنعة لاعتبار ما حدث للآشوريين إبادة جماعية، مستنداً إلى أدلة وثائقية وشهادات تاريخية متنوعة. ومع ذلك، يظل هناك جدل حول مدى مركزية القرار الإبادي. فبعض الفصول تشير إلى أن الإبادة كانت نتيجة مباشرة لأوامر صارمة من اسطنبول عبر طلعت وأنور، بينما تشير فصول أخرى (خاصة في ديار بكر) إلى أن الحكام المحليين مثل رشيد بك وسّعوا نطاق الإبادة بشكل يتجاوز التعليمات المركزية. هذا التوتر بين "القرار من أعلى" و"المبادرة المحلية" يحتاج إلى مزيد من التمحيص ليفهم الباحثون هل كان التوسع في دائرة الضحايا قراراً ممنهجاً أم خروجاً عن السيطرة. كما أن التركيز على "ثقافة العنف" كتفسير رئيسي، رغم أهميته، قد يقلل من شأن العوامل الجيوسياسية الخارجية مثل التدخل الروسي في المنطقة. وأخيراً، فإن استراتيجية البقاء التي انتهجتها القيادة السريانية بإعلان الولاء للجمهورية التركية، رغم فهمها سياقياً، قد تطرح أسئلة أخلاقية حول التوازن بين حماية الأحياء ومحاسبة الجناة، وهو إرث لا يزال يؤثر في علاقة الآشوريين بدول الشرق الأوسط حتى اليوم.

الفصول(12)

1.مقدمة: سياقات السيفو في الحرب العالمية الأولى11–42▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل التمهيدي من كتاب "Let Them Not Return" على إبادة جماعية غير معروفة نسبياً تعرض لها الشعب الآشوري خلال الحرب العالمية الأولى، بالتزامن مع الإبادة الأرمنية المعروفة. يقدم المؤلف ديفيد غانت وزملاؤه حجة مفادها أن ما حدث للآشوريين، والذي يُشار إليه بمصطلح "السيفو" (أي السيف بالسريانية)، يرقى إلى مستوى إبادة جماعية، ويناقش السياقات والأسباب والأنماط المختلفة لهذه المأساة التي راح ضحيتها ما بين 180,000 و275,000 شخص، أي حوالي نصف تعدادهم السكاني قبل الحرب البالغ 500,000 إلى 600,000.

يسير الفصل بتسلسل منهجي، حيث يبدأ بتعريف المشكلة وصعوبة البحث فيها بسبب قلة المصادر الأكاديمية والنفي التركي الرسمي. ثم ينتقل إلى تقديم خلفية تاريخية عن أعمال العنف المتصاعدة ضد الآشوريين منذ منتصف القرن التاسع عشر، مثل حملات بادرخان أمير بوتان في أربعينيات القرن التاسع عشر ومذابح الحميدية في تسعينيات القرن نفسه. يحدد المؤلف ثلاث أنماط جغرافية مختلفة للإبادة: التطهير العرقي في جبال حكاري لطائفة كنيسة المشرق، والغزو الإمبريالي في منطقة أورميا الإيرانية، والهجمات المنهجية في محافظة ديار بكر ضد السريان الأرثوذكس والكاثوليك. يستعرض الفصل بعد ذلك مراحل الإبادة بالتفصيل، بدءاً من أمر الترحيل الصادر في 26 أكتوبر 1914 عن وزير الداخلية طلعت باشا، والذي استهدف الآشوريين على الحدود الإيرانية بدعوى "الشك في ولائهم"، وصولاً إلى أمر وقف العدوان في 25 ديسمبر 1915 (والذي استثنى الأرمن). ويذكر المؤلف أن قوات الإبادة ضمت الجيش العثماني، والفرسان الأكراد غير النظاميين، والمجرمين المفرج عنهم، والجهاديين، و"كتائب الجزارة" بقيادة جودت بك حاكم فان. من الأمثلة المهمة التي يوردها الفصل مذبحة قرية هفتفان في 10 مارس 1915، حيث تم إعدام 707 من الرجال الآشوريين والأرمن بعد اكتشاف القوات الروسية للجثث.

في معرض نقاشه لقضية الإبادة الجماعية، يوضح الفصل أن مصطلح "السيفو" استخدم شفوياً منذ وقوع الأحداث، لكنه بدأ يظهر في المنشورات الأوروبية منذ الثمانينيات. يشرح المؤلف كيف أن مفهوم الإبادة الجماعية، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948، لا يتطلب القضاء التام على الجماعة المستهدفة بل يمكن أن يكون "جزئياً"، وهو ما ينطبق على حالة الآشوريين. ويستشهد بعدة أدلة على نية الإبادة: أوامر ترحيل صريحة من طلعت وأنور (وزير الحرب)، ورفض الإدارة العثمانية للانتقادات الدولية رغم تحذير الحلفاء في 24 مايو 1915، وتجاهل احتجاجات القنصل الألماني في الموصل. ويشير الفصل إلى جدل حول صدقية برقية طلعت في 12 يوليو 1915 التي أمرت الوالي رشيد بك بوقف تمديد الإجراءات ضد الأرمن لتشمل المسيحيين الآخرين، حيث يعتبرها بعض الباحثين مجرد مناورة دبلوماسية، إذ لم يوقف رشيد بك حملته بل كوفئ بمنصب حاكم أنقرة.

بخصوص الأسباب، يعتمد الفصل على تفسيرات متعددة المستويات: على المستوى الجيوسياسي، يقع آشوريون في "منطقة صدم" بين الإمبراطوريات المتنافسة (العثمانية والروسية والفارسية)، وهي منطقة صنفها الباحثون كمنطقة عنف شديد. على المستوى القومي، أدت هزائم حروب البلقان 1912-1913 وتدفق اللاجئين المسلمين إلى خطة "هندسة ديموغرافية" من قبل طلعت لإعادة توطينهم على أراضي المسيحيين المشتبه بعدم ولائهم. على المستوى المحلي، برزت نخب سياسية عنيفة مثل عشيرة بيرينجيزاده في ديار بكر، التي كانت تسيطر على نادي حزب الاتحاد والترقي المحلي، واستغلت الكراهية الدينية الشعبية لتنفيذ عمليات القتل. كما يعترف الفصل بضعف الوحدة بين الطوائف الآشورية المختلفة (كنيسة المشرق، السريان الأرثوذكس، الكلدان)، مما سهّل سياسة "فرّق تسد" التي اتبعتها السلطات العثمانية.

يُقرّ المؤلفون بحدود معرفية وتحفظات مهمة. منهم أن دقة أرقام الضحايا "مستحيلة التحقق" بسبب تشتت السكان وتدمير المؤسسات الكنسية. كما يعترفون بأن بعض الجماعات المسيحية ارتكبت بدورها فظائع ضد المسلمين، مستشهدين بشكاوى السلطات المدنية الروسية من انتقام المتطوعين الآشوريين والأرمن. ويتركون أسئلة مفتوحة مثل: هل كانت برقية طلعت (12 يوليو 1915) صادقة أم مجرد خداع دبلوماسي؟ وكيف يمكن تفسير الإبادة المتزامنة للآشوريين دون أن يكونوا هدفاً واضحاً مثل الأرمن، مع الإشارة إلى أن العوامل الخلفية نفسها أدت إلى تدمير جزئي للجماعات المسيحية الأخرى. أخيراً، يسلط الفصل الضوء على فشل الوفد الآشوري-الكلداني في مؤتمر باريس للسلام 1919، حيث تنازعت الوفود المختلفة (بما في ذلك مطالب متطرفة بإعادة الإمبراطورية الآشورية القديمة)، ولم تحصل على اعتراف رسمي لتبلغ قضيتها، بينما تم تجاهل وعود الاستقلال التي قطعها البريطانيون والروس خلال الحرب.

2.الفصل 1: كيف كانت الإبادة الجماعية لعام 1915 أرمنية؟43–63▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: إلى أي مدى كانت الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1915 "أرمنية" حصراً؟ يجيب الكاتب بأن الإبادة لم تقتصر على الأرمن فقط، بل طالت جماعات مسيحية أخرى، خاصة في ولاية ديار بكر، مما يجعلها عملية تدمير متعددة الطبقات والضحايا. يقدم الفصل أدلة تفصيلية على أن الحاكم المحلي الدكتور محمد رشيد وسّع نطاق الاضطهاد الموجّه ضد الأرمن ليشمل جميع المسيحيين دون تمييز، متجاوزاً بذلك الأوامر المركزية الصادرة من وزير الداخلية محمد طلعت، والتي كانت تستهدف الأرمن في المقام الأول.

يسير الفصل عبر تتبع تسلسل زمني للإبادة. يبدأ بوصف المراحل الأربع للعملية من وجهة نظر مركزية: تبدأ بالتهميش الاقتصادي والاجتماعي للأرمن في شتاء 1914، مروراً بتجريد الجنود الأرمن من سلاحهم وإعدام النخب الأرمنية في 24 نيسان/أبريل 1915، وصولاً إلى قرار الترحيل العام في 23 أيار/مايو 1915، وانتهاءً بالمذابح الجماعية المنظمة في الصحراء السورية. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى التركيز على ولاية ديار بكر كحالة دراسية تظهر التوسع في دائرة الضحايا. يصف الكاتب كيف رفض متصرّف ماردين، حلمي بك، أوامر رشيد باعتقال مسيحيي ماردين، مدعياً أنهم أرمن كاثوليك ناطقون بالعربية ومواطنون شرفاء. لم يرقَ هذا الرفض لرشيد، فأرسل زعيم حزب الاتحاد والترقي المحلي عزيز فيضي لتحريض الزعماء المسلمين والقبائل الكردية لتدمير مسيحيي ماردين.

يقدم الفصل وصفاً دموياً دقيقاً لسير المذابح في ماردين، منذ 15 أيار/مايو 1915. يسرد عملية القبض على المئات من المسيحيين من جميع الطوائف (أرمن، سريان، كلدان)، وتعذيبهم على يد القاضي خليل أدب، ثم إعدامهم في مجموعات في وديان قريبة. يورد الفصل تفاصيل مروعة عن الموكب الأول الذي ضم 400 مسيحي في 10 حزيران/يونيو، حيث قادهم ممدوح بك إلى كهوف سيحان، وقرأ عليهم حكم الإعدام، وخيّرهم بين الموت أو اعتناق الإسلام. رفض الأسقف الأرمني الكاثوليكي إغناطيوس مليويان وأغلبيتهم التحول، فذُبحوا وأُحرقوا. يُظهر الفصل تبايناً في تطبيق الأوامر المركزية: فبينما أمر طلعت بإقصاء المسيحيين غير الأرمن عن الترحيل في 4 آب/أغسطس، استمر رشيد وعصاباته في قتل الجميع.

تستخدم الأدلة في الفصل بشكل رئيسي شهادات شهود عيان غربيين، مثل القنصل الألماني في الموصل فالتر هولشتاين الذي أرسل برقيات غاضبة يصف فيها فظائع رشيد، والقنصل الفرنسي هياسنت سيمون، بالإضافة إلى تقارير من القنصل الأمريكي جيسي جاكسون وشهادات ناجين سريان. يُظهر الفصل كيف أن احتجاجات هولشتاين المتكررة أجبرت طلعت على توجيه توبيخ رسمي لرشيد في 12 تموز/يوليو 1915، مكرراً عبارة "يُذبحون مثل الخراف". ومع ذلك، لم يلتزم رشيد بالأوامر بشكل كامل؛ إذ يُوثق الفصل حالات لجأ فيها إلى الفصل بين الأرمن والمسيحيين الآخرين بعد هذا التاريخ، كما حدث مع الموكب الثاني في 14 حزيران/يونيو حيث أُطلق سراح السريان والكلدان، وأُعدم الأرمن. لكن في المقابل، تُظهر فظائع مثل تدمير قريتي تل أرمين وإقصور (غلية) في الأول والثاني من تموز/يوليو، وجرائم نصيبين وجزيرة، أن رشيد تجاهل التوجيهات تماماً وواصل القتل الجماعي لجميع المسيحيين.

يعترف الكاتب بحدود الأدلة، واصفاً إياها بأنها "غير مكتملة"، ويفتح مساحة للنقاش حول كيفية تفسير التناقض بين الأوامر المركزية والممارسات المحلية. يشير إلى أن بعض الإبادة الجماعية قد تكون "عفوية" أو مبادرة من الحكام المحليين. يخلص الفصل إلى أن إبادة عام 1915 كانت عملية "متعددة الطبقات ومتعرجة" لا يمكن اختزالها في عبارة "الإبادة الجماعية للأرمن" فحسب، لأنها طالت أيضاً الآشوريين واليونانيين وغيرهم من المسيحيين. يرى الكاتب أن التركيز على الأرمن فقط، كما فعلت دراسات سابقة، أدى إلى "عدم تذكر" معاناة الطوائف الأخرى، لكنه يقر بأن الأرمن استُهدفوا بشكل ممنهج وفريد عبر كامل الإمبراطورية، بينما طالت المذابح الجماعات الأخرى في مقاطعات محددة. الجدل الذي يثيره الفصل يدور حول مدى سيطرة المركز (اسطنبول) على أطرافه (ديار بكر)، وهل كان التوسع في دائرة الضحايا قراراً ممنهجاً أم خروجاً عن السيطرة، وهو سؤال يبقى مفتوحاً.

3.الفصل 2: إبادة السيفو الجماعية: ذروة ثقافة العنف في الأناضول64–79▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً جوهرياً حول أسباب الإبادة الجماعية التي استهدفت المسيحيين في الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى، ويقدم إجابة واضحة: إن إبادة السيفو (التي استهدفت الآشوريين و الكلدان و السريان) لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل كانت تتويجاً لتراكم طويل من العنف الممنهج والمتصاعد في المنطقة، أي ذروة "ثقافة عنف" رسخت في جنوب شرق الأناضول. الفصل برمته هو تفكيك لهذه الثقافة من جذورها التاريخية وحتى لحظة انفجارها الإبادي.

يبدأ الفصل بتأصيل نظري، مستعيناً بدراسات هيلين فاين و باربرا هارف اللتين تشيران إلى أن مرتكبي الإبادة الجماعية غالباً ما يكونون "مرتكبين متكررين" اعتادوا على القتل الجماعي. ثم ينتقل إلى وصف البنية الاجتماعية والسياسية في الولايات العثمانية التي جعلت من العنف أداة رئيسية لحل النزاعات. يشير إلى التوتر المزمن بين المركز (الحكومة العثمانية) والأطراف (المناطق الحدودية)، حيث كان الحكام المعينون لفترات قصيرة يفتقرون إلى المعرفة المحلية، فيضطرون للتحالف مع الزعماء المحليين (الأعيان) من العائلات الكبيرة، مما جعل هذه المناطق شبه محصنة ضد السياسات الوطنية إلا إذا خدمت مصالح هؤلاء الزعماء. هذا الوضع خلق، حسب المؤرخ هيلمار كايزر، فوضى شبه تامة في ديار بكر بعد ثورة 1908.

يستخدم الفصل، في تتبعه لتصاعد العنف، شهادات شهود عيان ومصادر تاريخية متعددة. يورد تقريراً مطولاً للقس الإنجليكاني دبليو. أي. ويغرام يصف فيه تدهور الأخلاقيات القبلية في حروب الآشوريين مع الأكراد. فقبل عهد السلطان عبد الحميد، كانت هناك "قواعد شرف" غير مكتوبة تحمي النساء والممتلكات غير المنقولة خلال الغارات. لكن توزيع البنادق الحديثة على الفرق الحميدية الكردية قلب ميزان القوى، وأصبحت الهجمات أكثر دموية وهمجية. كما تنقل رسالة الرحالة البريطانية غيرترود بل عام 1909 عن ديار بكر الأجواء المشحونة بالخوف المتبادل والاستعداد للعنف.

يغوص الفصل في تاريخ الإمارات الكردية الطموحة، ويشرح بالتفصيل كيف تحولت صراعات صغيرة إلى حروب إبادة. يذكر غزو الأمير بدر خان لمنطقة هكاري عام 1843، والذي استهدف الآشوريين الجبليين خصيصاً، مما أسفر عن مقتل ما بين سبعة وعشرة آلاف شخص في حملة وصفها أحد المبشرين بأنها "حرب إبادة". كما يذكر غزوات أخرى مثل غزوة أزدان سير عام 1855 لمنطقة طور عبدين، والتي استمرت آثارها قرابة ثلاثين عاماً، وثورة أبناء بدر خان عام 1877 التي استمرت ثمانية أشهر. في هذه المرحلة، تحالف المسيحيون مع الحكومة العثمانية ضد الأكراد وحصلوا على مكافآت، لكن هذا التحالف انقلب ضدهم فيما بعد خلال الإبادة.

يخصص الفصل فقرة مفصلة لـ "الفرق الحميدية" التي أنشأها السلطان عبد الحميد عام 1882، والتي يصفها بأنها كانت "عاملًا مزعزعاً للغاية" وحاسماً في خلق ثقافة العنف. هذه الفرق كانت خاضعة لسلطة السلطان وحده، وبالتالي كانت خارج نطاق القانون المدني والعسكري، مما جعلها تعمل بإفلات تام من العقاب. ازداد وضع المسيحيين سوءاً لأنهم أصبحوا "فِلّاحين" (مزارعين) تابعين لزعماء القبائل المتناحرة، وكانوا الضحايا الرئيسيين في صراعاتهم، حيث يحرق أعداء الزعيم قرى المسيحيين التابعين له وينهبونها.

يتناول الفصل بعد ذلك مذابح 1895-1896، والتي يصفها بأنها "أعمال شغب عرقية مميتة" بدأت بإشارة محددة. في ديار بكر، قاد رئيس البلدية عارف (من عائلة بيرينجيزاده) التحريض. تشير التقارير الدبلوماسية الفرنسية إلى أن هذه المذابح طالت جميع المسيحيين وليس الأرمن فقط، وأنها نتجت عن "كراهية دينية". يذكر الفصل أن 167 آشورياً قتلوا في تلك الأحداث، وتم نهب 89 منزلاً و 308 متاجر. ثم ينتقل إلى ما بعد ثورة 1908، حيث رحب الآشوريون بالوعود بالمواطنة الكاملة، بينما ثار الأكراد خوفاً على نفوذهم، وبدأت موجة جديدة من العنف استهدفت اليزيديين في فيرانشهير عام 1909.

يصل الفصل إلى ذروته بشرح تفصيل كيفية تنفيذ الإبادة الجماعية خلال الحرب العالمية الأولى. يصف كيف أن سياسة "التركنة" القسرية للحكومة القومية (لجنة الاتحاد والترقي) تحولت إلى إبادة ممنهجة، بتوافق بين المصالح الوطنية (إزالة "الخطر" المسيحي) والمصالح المحلية (الاستيلاء على ثروات وأراضي المسيحيين). يقدم نموذجاً صارخاً على هذا التوافق في والي ديار بكر، رشيد بك، الذي عُين في مارس 1915 بإصرار من النخبة المحلية، ووقع في أيدي عائلة بيرينجيزاده، التي تعتبر مثالاً على "المرتكب المتكرر". فقد نظم عارف (الأب) مذابح 1895 وإبادة قبيلة يزيدية، بينما واصل ابنه فيضي تنظيم مذابح الأرمن والآشوريين، ثم أصبح نائباً في البرلمان ووزيراً في الحكومة الكمالية لاحقاً.

يتناول الفصل أيضاً الاختلاف في نسب النجاة. لم تكن إبادة الآشوريين شاملة مثل إبادة الأرمن؛ فحسب تقديرات الراهب جاك ريتوري حتى عام 1916، بلغت خسائر الأرمن الغريغوريين 97% من سكانهم، بينما بلغت خسائر السريان الأرثوذكس في عموم ديار بكر 72%، وفي منطقة ماردين كانت 57%. يشرح الفصل أسباباً لذلك: الجغرافيا (قربهم من إيران والمناطق العربية للفرار)، وإمكانية التحذير المسبق بعد بدء مذابح الأرمن، والأهم من ذلك، قدرة الآشوريين على تنظيم دفاع عن النفس، مستفيدين من خبرتهم الطويلة في مجتمع عنيف، حيث تحصنوا في قرى مثل آزاخ و عين وردو وصدوا هجمات كبرى. لكنه يقر بأن هذه المقاومة كانت استثناءً، وأن الغالبية سحقت بعد معارك مثل معركة ميدياد التي دمرت البلدة.

أما بالنسبة للعلاقة مع السكان الأكراد، فيعترف الفصل بتعقيدها. فبينما انخرطت بعض القبائل الكردية بضغط حكومي في عمليات القتل (مثل قبيلتي ميلي و دكسوري)، إلا أن قبائل أخرى مثل حيفركان بقيادة شلبي آغا و عليكي باتي قامت بحماية المسيحيين وإخفائهم، مما يظهر أن الإبادة لم تقطع كل الروابط القديمة بشكل كامل، لكنها تركت جرحاً غائراً لا يمكن جبره.

يختتم الفصل بتأكيد أن الفارق الحاسم بين عنف ما قبل الحرب والإبادة هو النظامية والشمولية: شبكة من المنظمات المحلية نفذت القتل الجماعي الممنهج جغرافيا واسعاً، مع عمليات "تمشيط" لضمان عدم نجاة الضحايا. كانت الموجة الرئيسية من مايو إلى أكتوبر 1915، لكنها تبعتها موجة ثانية في 1916 استهدفت الناجين في مخيمات الاعتقال والمتخلفين. ويورد تقديراً ختامياً بأن حوالي 250,000 آشوري وأكثر من مليون أرمني كانوا قتلى أو مفقودين بنهاية الحرب.

يركز الفصل في نقاشه على أن الإبادة كانت مشروعاً مشتركاً بين الدولة والنخب المحلية، بدوافع دينية وقومية واقتصادية ممتزجة. وبينما يقدم التحليل بأسلوب أكاديمي، إلا أن الاعتماد الكبير على شهادات غربية (مبشرين، دبلوماسيين) والتركيز على "ثقافة العنف" كنموذج تفسيري قد يكون قابلاً للنقاش، خاصة فيما يتعلق بإمكانية تعميم هذا النموذج على كامل فترة العنف أو تغييب دور العوامل الجيوسياسية الخارجية بشكل أكبر.

4.الفصل 3: مقاومة آشوريو أرومية للعنف في بداية القرن العشرين80–119▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على مقاومة المسيحيين الآشوريين في منطقة أورميا شمال غرب إيران للعنف الذي تعرّضوا له في أوائل القرن العشرين، ويسعى إلى تفسير كيف واجهت هذه الجماعة اضطهاداً مزدوجاً: تمييزاً قانونياً داخل المجتمع الإيراني، وهجمات مسلحة من القبائل الكردية والجيش العثماني.

يبدأ الفصل بوضع السياق التاريخي، فيذكر أن كنيسة المشرق نشأت في الإمبراطورية الساسانية وتميزت عن المسيحية الغربية. بعد هجمات تيمورلنك في القرن الرابع عشر، لجأ مسيحيون إلى جبال هَكَّاري. في عام 1552، حدث انشقاق في الكنيسة أدى إلى نشوء الكنيسة الكلدانية المتّحدة مع روما. في القرن الثامن عشر، عادت مجموعات مسيحية لتستقر في واديي أورميا وسَلماس. يُقدّر عدد المتحدثين بالسريانية في أذربيجان الإيرانية في القرن التاسع عشر بين 30 و40 ألف نسمة. يوضح الفصل أن المسيحيين كانوا يُعتبرون "أهل كتاب" لكن دون حقوق متساوية مع المسلمين، وأن ممارسة "تبادل الهدايا" كانت تولد نوعاً من التضامن بين الأديان.

يتتبع الفصل تطور الأمل القصير الذي علقه المسيحيون على الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906. شارك مسيحيو أورميا في الانتفاضة أملاً بالحصول على الجنسية الكاملة وحرية الضمير. في نوفمبر 1906، شُكّلت أنجمن (مجلس) في أورميا ضم سبعة ممثلين مسلمين. في يناير 1907، فكر بعض المسيحيين بتشكيل أنجمن خاص بهم، لكن المبشرين البروتستانت ثنوهم عن ذلك. صدرت صحيفة آشورية باسم "كوكبا" (النجم) باللغة السريانية، والتي مثّلت خطوة نحو بناء هوية آشورية ترتبط بتاريخ الإمبراطوريتين الآشورية ونينوى بدلاً من تاريخ الكنيسة. لكن الآمال تحطمت مع القوانين التكميلية الأساسية التي أصدرها محمد علي شاه في أكتوبر 1907، والتي نصّت على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وأن وزير الحكومة يجب أن يكون مسلماً. في يوليو 1909، صدر قانون انتخابي حدد تمثيل الأقليات الدينية بنائب واحد لكل منها، مما أحبط آمال المسيحيين بالمساواة الكاملة.

يتناول الفصل بالتفصيل مسألة اختطاف النساء المسيحيات من قبل المسلمين، والتي اعتُبرت شكلاً من أشكال العنف الممنهج. يُشير الفصل إلى أن عام 1910 كان مفصلياً لأن المقاومة التي أبدتها النساء المختطفات كانت أقوى من خاطفيهن. يورد الفصل قصص أربع نساء هن: باتيستيفا من بالولان (16 عاماً)، وإليزابيث من سردرود، وباتيستيفا من أنهار، وكاثرين من أورميا. جميع النساء رفضن التحول إلى الإسلام والزواج من خاطفيهن، وتمكّنت السلطات الإيرانية والدينية بمساعدة القنصل العثماني شريف الدين من إطلاق سراحهن بعد محاكمات. يصف الفصل كيف أن امرأة اختفت في ملابسها بينما كانت هي مختبئة، مما يكشف تطور تكتيكات الخاطفين. هذا النجاح في المقاومة القانونية أثار حفيظة الأكراد والأتراك، مما زاد من توتر الأوضاع.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن تصاعد عنف القبائل الكردية. يوضح أن إلغاء الإمارات الكردية من قبل العثمانيين في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتشكيل كتائب حميدية الكردية في تسعينيات القرن التاسع عشر، زادا من عدم الاستقرار. يُقدّم الفصل وصفاً تفصيلياً لتوزيع القبائل الكردية في المنطقة، مشيراً إلى تداخل سكنها مع القرى المسيحية، مما كان مصدراً للتبادل السلمي والعنف في آن واحد. يُذكر أن اغتيال المطران مار جاوريل في عام 1896 على يد شيخ كردي كان بمثابة تحذير. في عام 1903، نهبت القبائل الكردية قرى مسيحية في منطقة ترغوار، وأحرقت ثلاث قرى، وقتلت 21 رجلاً و4 نساء وسرقت 1600 رأس من الغنم.

نتيجة لذلك، يصف الفصل تنظيم المسيحيين للدفاع عن أنفسهم. يُشيد بكفاءة قرية ماوانا التي أُطلق عليها اسم "إسبرطة الكلدانية"، حيث كان 300 رجل قادرين على صدّ 3000 كردي. في عام 1907، شُكّلت لجنة آشورية لإدارة شؤون الدفاع، ووفر الحاكم مهتشم السلطنة أسلحة للجنة بقيادة فرامرز خان لحماية القرى الكبرى. يُظهر الفصل أن مقاومة المسيحيين، والتي تجسدت في تحرير النساء وتنظيم الدفاع المسلح، أثارت غضب العثمانيين والأكراد الذين اتهموهم بالولاء للسلطات الإيرانية.

في الختام، يُظهر الفصل كيف وقع آشوريو أورميا في مأزق بين الخطط التركية والروسية. فمن جهة، احتل الروس المنطقة بعد انسحاب العثمانيين في خريف 1912، ووفروا درجة من الأمن لكنهم تدخلوا بشكل مفرط وتحالفوا مع بعض الزعماء الأكراد. ومن جهة أخرى، بدأ القوميون الأتراك في القسطنطينية بقيادة أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا بالتخطيط لترحيل المسيحيين من شرق الأناضول. يُناقش الفصل شائعات متعمدة نشرها الأتراك القوميون لتشويه صورة المسيحيين واتهامهم بدعم التوسع الروسي، مما مهّد لعمليات القتل الجماعي التي حدثت لاحقاً. يشير الكاتب إلى أن الوثائق التي تركها المبشرون، مثل ويليام أمبروز شيد وفريدريك جي. كون، والقناصل، مثل ألفونس نيكولا، هي مصادر أساسية لفهم هذه الأحداث، لكنه يحذر من ضرورة التعامل بحذر مع بعضها، خاصة تلك التي تحمل نزعات معادية للإسلام.

يُقرّ الفصل ضمنياً بحدود معينة، مثل صعوبة الحصول على الحقيقة الكاملة في بلد مضطرب، ووجود روايات متضاربة بين المصادر المختلفة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى مسؤولية الحركات القومية المتنافسة (الأرمينية والكردية والتركية) في تأجيج العنف، وحول إمكانية تفسير المجازر اللاحقة كنتيجة حتمية لسوء الفهم المتبادل أو كسياسة ممنهجة.

6.الفصل 5: القيادة السريانية الأرثوذكسية في فترة ما بعد الإبادة الجماعية (1918–26) وإزالة البطريركية من تركيا123–140▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تحول موقف قيادة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية السياسي في فترة ما بعد الإبادة الجماعية (بين عامي 1918 و1926)، وتحديداً موقف البطريرك إغناطيوس إلياس الثالث شاكر، الذي انتقل من المطالبة بالحكم الذاتي لشعبه في مؤتمر باريس للسلام عام 1919 إلى إعلان الولاء للجمهورية التركية الناشئة بعدها بسنوات قليلة. يسعى المؤلفان ناوريس أتو وسونر بارثوما إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: كيف يمكن تفسير هذا التحول في الموقف السياسي؟ وما تأثيره على نتائج معاهدة لوزان بالنسبة للآشوريين؟ وما الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إزالة البطريركية السريانية الأرثوذكسية من تركيا؟

يسير الفصل بشكل متسلسل، فيبدأ بعرض السياق العام للمفاوضات المعقدة بين دول الوفاق وتركيا والأقليات بعد الحرب العالمية الأولى. ثم ينتقل إلى تفصيل جهود القيادة السريانية، حيث يذكر أن البطريرك إلياس الثالث فوض وفداً برئاسة المطران أفرام برصوم (الذي أصبح لاحقاً البطريرك) لتقديم ستة مطالب في مؤتمر باريس، وكان أبرزها طلب الحكم الذاتي في منطقة تمتد من أورميا شرقاً إلى تكريت جنوباً وبتليس شمالاً وأديامان غرباً. يستخدم المؤلف اقتباساً مباشراً من المطران برصوم يعبر فيه عن خيبته العميقة من رد فعل القوى الغربية، التي وصفها بأنها كالتماثيل الحجرية التي لم تذرف دمعة على مأساة شعبه، مما يوضح شعور القيادة بعدم جدوى مخاطبة هذه القوى.

بعد فشل هذه الجهود، يوضح الفصل كيف تغير موقف البطريرك إلياس الثالث، ويعزو ذلك إلى استراتيجية البقاء التي انتهجها في ظل ظروف بالغة الصعوبة. يقدم المؤلفان سيرة ذاتية للبطريرك، مشيرين إلى أنه كان شاهداً على مذابح سيفو بصفته أسقفاً في ديار بكر ثم الموصل، وأن تجربته السابقة في مشاهدة مذابح المسيحيين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1894-1896) شكلت وعيه. يوضح الفصل أن البطريرك، إدراكاً منه لضعف موقفه وعدم اكتراث الغرب، اختار التوجه نحو تركيا معلناً ولاءه صراحةً، كما في مقابلته مع صحيفة إيليري في فبراير 1923 حيث نفى أي مطالبة بحقوق الأقليات. يستشهد المؤلفان بمقابلة مع سكرتير البطريرك زكريا شاكر تؤكد أن البطريرك كان يحذر الناشطين الآشوريين من تحريك حساسيات الدولة التركية، قائلاً: "علينا حماية الأحياء لأن الموتى لن يعودوا"، وأن هدفه كان "ضمان أن تستقر السيوف". وتُظهر الوثائق أن البطريرك حظي بثناء من مصطفى كمال أتاتورك نفسه، الذي وصفه في تقويم ماردين بأنه أحد أبطال حرب الاستقلال.

ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة تأثير هذا الموقف على معاهدة لوزان، ويخلص المؤلفان إلى أنه سيكون من الخطأ تحميل ولاء البطريرك مسؤولية عدم الاعتراف بالآشوريين كأقلية في المعاهدة. يقدمان أدلة قوية على أن القوى الغربية، وخاصة بريطانيا، لم تكن جادة في دعم حقوق الأقليات أصلاً، حيث كانت مصالحها النفطية والاقتصادية (قضية الموصل) هي الأولوية. يستشهدان بكتاب إدوارد هيل بيرستادت "الخيانة العظمى" الذي يقول صراحة: "النفط هو الذي كسب اليوم". كما يوردان محاضر جلسات مؤتمر لوزان التي تُظهر رفض الوفد التركي بقيادة عصمت إينونو مناقشة "المسألة الآشورية الكلدانية" بشكل قاطع، وانسحابه من الجلسات التي تُطرح فيها. ويؤكدان أن النتيجة النهائية كانت فقدان الآشوريين لوضعهم القانوني السابق كـ"مِلَّة"، وتحديد الأقليات غير المسلمة في القانون التركي لاحقاً عام 1932 باليهود واليونانيين والأرمن فقط، مما استثنى الآشوريين.

أما الجزء الأخير من الفصل فيتناول إزالة البطريركية من تركيا. يستعرض المؤلفان الأدلة المتناقضة حول تاريخ الطرد، فبعض المصادر تشير إلى ربيع 1924، بينما يذكر خطاب من أرشيف الفاتيكان السري تاريخ أواخر 1925. كما يرويان رواية شفهية عن وصول برقية من أتاتورك تأمر بطرد "القائد الكهنوتي ذو العباءة السوداء" فوراً. يشرح الفصل أن الطرد حدث رغم ولاء البطريرك المعلن، ويعزو ذلك إلى سياسة العلمنة الكمالية التي رأت في المؤسسات الدينية المستقلة تناقضاً مع الدولة الحديثة، وإلى أحداث مثل "التمرد النسطوري" عام 1924 ودعم بعض الآشوريين لتمرد شيخ سعيد عام 1925، مما استُخدم كذريعة لتصفية أي معارضة محتملة. بعد نفيه، سافر البطريرك إلى الهند حيث توفي عام 1932، وفي العام التالي نُقلت البطريركية رسمياً إلى حمص بيد خلفه البطريرك أفرام برصوم، ثم استقرت في دمشق عام 1959.

في خاتمة الفصل، يعود المؤلفان إلى تأطير موقف القيادة السريانية ضمن مفهوم "استراتيجية البقاء"، مؤكدين أنها لم تكن خياراً سياسياً محسوباً لتحقيق أقصى فائدة، بل كانت رد فعل اضطراري في حالة أزمة حددت خيارات القادة وحدود نفوذهم. ويقر المؤلفان بوجود أسئلة مفتوحة، مثل عدم معرفة التفاصيل الدقيقة لما فعله البطريرك لينال ثقة النخبة التركية، وعدم وجود تفسيرات واضحة للتناقض في تواريخ طرده. كما يلمحان إلى أن خطاب الولاء الديني الذي يستخدمه رجال الدين السريان حتى اليوم (مثل البطريرك زكا الأول عيواص في خطابه عام 2004) هو استمرار لهذه الاستراتيجية التي تخفي خوفاً عميقاً وتسعى لضمان التسامح في بلدان الشرق الأوسط، مما يجعله نموذجاً قابلاً للنقاش حول علاقة الأقليات بالسلطة في المنطقة.

7.الفصل 6: سيفو، فرمان، قفلة: الحرب العالمية الأولى من منظور المسيحيين السريان141–157▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على منظور المسيحيين السريان (السريان الأرثوذكس في طور عابدين) أنفسهم لما حلّ بهم خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال تحليل ثلاثة مفاهيم أساسية يستخدمونها لوصف ما جرى: سيفو (السيف/الإبادة)، فرمان (المرسوم/العقوبة)، وقفلة (قوافل التهجير/الإبادة عبر الترحيل). يقدّم الكاتب، شابو طلاي، حجة واضحة مفادها أن هذه المفردات تعكس تجربة الضحايا وذريّاتهم الذين يرون ما حدث كحرب إبادة دينية ممنهجة ضد المسيحيين، خطط لها ونفذها تحالف تركي كردي، وليس مجرد نتائج ثانوية للحرب أو أحداث عشوائية. يرفض الكاتب الطرح القائل بأن ما حدث كان "ثورة سريانية" أو مجرد ضحايا حرب، مؤكداً على الطابع المنظّم والديني للاضطهاد.

يسير الفصل بتسلسل واضح، حيث يبدأ باستعراض المصادر التاريخية التي دوّنت هذه الأحداث من وجهة نظر سريانية. يذكر الكاتب القليل من المونوغرافيات الشاملة، مثل كتاب "دماء مهراقة" (Dmé Zlihe) للأب عبد المسيح نعمان قرباشي الذي سجل شهادات اللاجئين في دير الزعفران، وكتاب "الفظائع المرتكبة ضد السريان في طور عابدين" للأب سليمان هنو، ومخطوطة إسرائيل أودو، آخر أسقف كلداني في ماردين. ويؤكد أن أغلب الأدب السرياني عن هذه المأساة اتخذ شكل "ميمرا" (قصائد شعرية إيقاعية تُتلى بصوت باكٍ)، مثل قصيدة "إبادة المسيحيين السريان في جزيرة" (Qossalla d-qolla d-saraye d-'alra do-gzira) للشاعر عيسو سليمان غريب، وأشرطة مسجلة بلغة طور عابدين (Turoyo). يوضح الكاتب أن هذه الأعمال، التي كُتب معظمها بعد عقود من الصمت، تشترك في الافتراض الأساسي بأن ما جرى كان اضطهاداً عاماً للمسيحيين بدافع ديني، ويصف الكاتب هذا التفسير بأنه محوري في فهمهم للمأساة.

في القسم الذي يتناول الأبعاد الدينية للاضطهاد، يشرح الكاتب كيف يرى المؤلفون السريان، مثل قرباشي وأودو، أن ما حدث هو استمرار لسلسلة اضطهاد المسيحيين عبر التاريخ (بدءاً من الأباطرة الرومان ومروراً بالملك الساساني شابور الثاني ووصولاً للفتوحات العربية الإسلامية). يقدم أودو الضحايا كـ "شهداء" (sahde) لأنهم قُتلوا بسبب إيمانهم، حيث عُرض عليهم اعتناق الإسلام للنجاة، فرفضوا. بينما يرى المطران يوليوس يشوع جيجك أن الدوافع السياسية للحرب كانت أساسية، لكنه يقر فوراً بالدافع الديني للمسلمين الأتراك والأكراد الذين استغلوا الفرصة "للخلاص من المسيحيين". ينقل الكاتب إحصائية من جيجك تفيد بأن أكثر من 100,000 مسيحي سرياني و 1.5 مليون أرمني قُتلوا بدون سبب عادل. ويستخدم الكاتب وثائق عثمانية كمثال على التبرير الديني، مشيراً إلى برقية بتاريخ 15 نوفمبر 1915، تذكر أن المسيحيين السريان هاجموا "الإسلام" (islam-a hücüm)، وأن القوات الوطنية سميت "مجاهدين" وليس "جنوداً"، مما يعزز عند السريان فكرة أن ما حدث كان "جهاداً" إسلامياً.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل المعاني الثلاثة العميقة للمفاهيم المذكورة:

  1. سيفو: يشرح أن المعنى الأساسي هو "السيف"، لكنه يمثل اختصاراً لـ "سيف الإسلام"، وأن له معاني ثانوية منذ القرن العاشر مثل "الإبادة" و"الإفناء" حسب معجم حسن بار بهلول. يصف الكاتب كيف أن معظم الضحايا، مثل سكان قرية ميدون (التي كان يسكنها 3-5 آلاف نسمة ولم يبق منها إلا حوالي 70 عائلة من أصل 500)، فوجئوا بالهجوم لأن المصادر الرسمية كانت تطمئنهم بأنهم آمنون طالما أنهم موالون للدولة.
  2. فرمان: يروي الكاتب قصة جدته التي سمعت المؤذن في نصيبين يهتف بالكردية "gel musilmano, firmana filliha-va" أي "يا مسلمون، فرمان المسيحيين قد حان"، مما يعني أن الأمر بالإبادة صدر من أعلى مستوى في الدولة العثمانية، أي من السلطان أو الحكومة (الفرمان). يناقش الكاتب مزاعم الأرشيف العثماني عن "ثورة سريانية" في قرى مثل عواردة (Aynwardo) وبصورينو، ويرفضها بقوة، مستشهداً ببرقيات من السفارة الألمانية في القسطنطينية بتاريخ يوليو 1915، والتي تذكر أن المسيحيين بين ماردين وميدياط "ثاروا" فقط نتيجة "الإجراءات المتطرفة" التي قام بها رشيد بك، والي ديار بكر، ضدهم، أي أنهم كانوا يدافعون عن حياتهم لا يثورون على الدولة.
  3. قفلة: يصف الكاتب هذا المفهوم بأنه يشير إلى قوافل التهجير ونقل الرجال للسخرة (بناء الطرق والمقالع) ثم قتلهم، تاركين القرى بلا حماية لتُنهب وتُحرق من قبل الفرق الكردية (الحميدية) وسكان القرى المجاورة. ينقل شهادة امرأة من قرية ملاحسو في لواء ليجه تقول إن "الحكومة أصبحت كالنار، هي التي حملت الرجال بعيداً"، ويشير إلى أن النساء والمسنين والأطفال لم يسلموا من هذه المسيرات، مستشهداً برواية عن مسيرة حشدت حوالي 300 شخص في كهف بـ مركادة (شمال شرق سوريا) وأُحرقوا أحياء.

في الختام، يقدم الفصل إحصائية ديفيد غونت بأن أكثر من 70% من السريان لم ينجوا من الحرب. ويصف حالة الصمت التي تلت الكارثة لعقود، والنزوح الجماعي من تركيا بين عامي 1925 و 1995، حيث لم يبقَ في الوطن اليوم سوى حوالي 2000 شخص من أصل كانت نسبتهم تتجاوز 30% من سكان شرق تركيا. يشير إلى أن مأساة السريان طواها النسيان مقارنة بالإبادة الأرمنية، إلى أن أثار القضية الكاهن يوسف أكبولوت من ديار بكر في عامي 2000-2001، حيث اتهمته الدولة بالخيانة لمجرد اعترافه بقتل المسيحيين السريان، وأُفرج عنه لـ "نقص الأدلة" وليس لبراءته. يختتم الكاتب بالإشارة إلى أن السريان لا يطالبون بمحاكمة الأجيال الحالية من الأتراك والأكراد، بل يريدون اعترافاً بالحدث لمنع تكراره، ويأملون أن يكون انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي فرصة للتحرر من هذا العبء التاريخي، لكنه يقر بأن النقاش في تركيا لم يبدأ بعد رسمياً. ويختتم باقتباس من أحد الأناشيد السريانية الذي يلقي اللوم جزئياً على "خطايا أبناء الكنيسة والرهبان" لفهم المأساة، مما يعكس محاولة الضحايا فهم الألم بصفتهم مسيحيين.

8.الفصل 7: ملاحظة تاريخية من أكتوبر 1915 كتبت في دير الزعفران (ديرولزعفران)158–166▼ ملخص

يقدم هذا الفصل، الذي كتبه سيباستيان بروك، ترجمة وتحليلاً لملاحظة تاريخية نادرة، وهي ملاحظة ختامية (كولوفون) دوّنها راهب يُدعى مراد (أوجين) في دير الزعفران (ديرولزعفران) بتاريخ 15 أكتوبر 1915. تكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها كُتبت بعد أربعة أشهر فقط من بدء المذابح المنظمة واسعة النطاق، مما يجعلها وثيقة معاصرة نادرة للأحداث، على عكس معظم الروايات الأخرى التي كُتبت بعد سنوات. فيقدم الفصل ترجمة كاملة لهذه الملاحظة، بالإضافة إلى شروح وتعليقات من بروك، ثم يضيف ترجمة مقابلة لمقطع من رواية لاحقة كتبها عبد المسيح نعمان قراباشي عن الهجوم على الدير، وذلك للمقارنة.

يبدأ بروك بوضع السياق، مشيراً إلى أن معظم روايات السيفو (المذابح) كتبت بعد سنين، مما يمنح هذه الملاحظة قيمة استثنائية. ويذكر أن هذه الملاحظة موجودة في مخطوطة طقسية (فنقيذا للصوم الكبير) نُسخت في دير الزعفران، واكتشفها وأدرجها في فهرسه المطران والمؤرخ يوحنا دولباني (1885-1969). تحوي الملاحظة بخط الناسخ مراد قائمتين: الأولى بأسماء المطارنة الذين نجوا حتى تلك اللحظة، والثانية بأسماء من استشهدوا. يسرد الناسخ بألم شديد أسماء الناجين مثل مار قورلس جرجس (وكيل البطريركية في ماردين)، ومار إيوانيس إلياس حلولي (المطران العام)، وغيرهم. ثم يذكر من قُتلوا: مار أثناسيوس دنحو (مطران سيفريك)، ومار أنثيموس يعقوب (من كربوران). ويشير إلى عجزه عن حصر أسماء الرهبان والكهنة، لأن الاضطهاد لم يقتصر على قرى قليلة، بل امتد من بدليس حتى جزيرة ابن عمر (غوزرت دقردو)، وذكر أن قرى الدير مثل قلعت وبفاوه ومصرتح وقصرا وإبراهيمية لم يبق منها إلا "بقية لا تُعد".

يصف النص الحدث الأبرز: في السابع عشر من يونيو 1915، حاصرت جحافل من الأكراد الدير. نجى الدير في ذلك اليوم بسبب تدخل حكومي؛ فقد أرسل والي ماردين، الذي كان آنذاك شفيق بك، حوالي 90 جندياً مسلحاً طردوا الأكراد. بقي الجنود يومين ثم غادروا، تاركين عشرة حراس، بقي أربعة منهم في الدير حتى وقت كتابة الملاحظة. وتذكر الملاحظة في ختامها أسماء الرهبان والمبتدئين والطلاب المقيمين في الدير في تلك الفترة، بمن فيهم يوحنا دولباني نفسه (والد كاتب الفهرست)، وتسرد أسماء عدد من اللاجئين الفقراء من حصن دأنيتو وبنابيل.

يضيف دولباني ملاحظة لاحقة إلى النص يصف فيها مصير الناسخ مراد (أوجين)، الذي رُسّم كاهناً وأصبح رئيساً لدير مار قرياقوس، ثم قُتل على يد "الظالمين" في زمن ثورة الشيخ سعيد (عام 1925) حين كان يدافع عن فقراء. ويضيف دولباني تفصيلاً بطولياً عن يوم الحصار: عندما أحاط الأكراد بالدير، تطوّع مراد للخروج بمفرده من نافذة (لأن الباب كان مغلقاً) ليذهب إلى ماردين ويُخبر المطران مار قورلس جرجس، الذي بدوره ذهب إلى الوالي وطلب النجدة.

بعد الترجمة، يُقدم بروك تعليقاً علمياً (تعليقاً توضيحياً) على النص، فيشرح بعض الأسماء والمصطلحات مثل "أبناء توغارما" (كناية عن الأرمن)، ويؤكد هوية الأساقفة المذكورين. ثم يتناول التناقض في التواريخ بين رواية هذه الملاحظة (17 يونيو) ورواية قراباشي (4 يوليو)، مشيراً إلى أن هذا الخلاف لا يمكن تفسيره بفارق التقويمين اليولياني والغريغوري فقط. ويناقش أيضاً التفاصيل العددية للجنود (90 مقابل 100 وفقاً لقراباشي).

في القسم الأخير، يُرفق بروك ترجمة للمقطع المقابل من كتاب دم زليحو (الدم المسفوك) لقراباشي، ليتسنى للقارئ المقارنة المباشرة. يصف هذا المقطع تفاصيل أكثر دراماتيكية: امتلاء الدير بآلاف اللاجئين، محاولة رشوة قائد فرقة الجنود الخمسين (فرهان) بـ200 دينار ذهبي لتسليم الدير للأكراد، ثم وصول جنود آخرين من ماردين أفسدوا المخطط. ويضيف قراباشي تفاصيل عن المعاناة اللاحقة من المجاعة والمرض داخل الدير بعد رفع الحصار، وعن صعوبة مغادرة اللاجئين خوفاً من القتل.

يمكن القول إن الفصل يُظهر بوضوح قيمة المصادر المعاصرة في توثيق الأحداث التاريخية الكبرى، ويقدم نموذجاً مقنعاً لكيفية رؤية الضحايا أنفسهم للأحداث من داخل الحصار، بألمهم المباشر وتفاصيلهم اليومية. رواية مراد (أوجين) تنقل شعوراً فورياً بالكارثة، في حين أن رواية قراباشي، رغم أنها كتبت لاحقاً، تضيف تفاصيل سردية عن الخيانة والنجاة. معاً، تؤكدان على أن النجاة كانت أحياناً نتاج تدخل حكومي محلي (والي ماردين) وتضامن بشري، أكثر من نتيجة أي خطة منظمة، وأن المعاناة لم تنتهِ برفع الحصار بل استمرت بالجوع والمرض.

9.الفصل 8: تفسير 'السيفو' في قصيدة غالو شابو167–187▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل قصيدة الشاعر السرياني غالو شابو عن مذبحة "السيفو" عام 1915، ويُجادل بأن شابو يقدم تفسيراً لاهوتياً فريداً لهذه الأحداث، حيث يصفها بأنها عقاب إلهي وقضاء من الله على الجيل الثامن من السريان بسبب خطاياهم وخطايا أسلافهم. يرى المؤلف أن شابو يختلف عن غيره من الشعراء السريان المعاصرين له، الذين استخدموا اللغة الدينية للتعبير عن الحزن والألم، بينما يذهب شابو خطوة أبعد ليُصوّر المذبحة على أنها مشيئة الله وعقابه المحتوم.

يبدأ الكاتب برسم صورة موجزة لشخصية غالو شابو، الذي وُلد عام 1875 في قرية عيوَرْدو في طور عابدين. كان شابو قائداً علمانياً في قريته، كما كان شماساً في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وملمّاً بعدة لغات منها السريانية والعربية والفارسية والتركية العثمانية. ويشير الفصل إلى أن شابو اعتُقل مرتين قبل عام 1915 في مَيْدات وماردين، وأنه فرّ من قريته عام 1920 إلى الموصل، ثم انتقل إلى قامشلي في سوريا عام 1928 حيث توفي عام 1966.

أما بالنسبة للقصيدة نفسها، فيوضح الفصل أنها كُتبت باللغة السريانية الكلاسيكية، وتتكون من 207 مقطعاً، كل منها من أربعة أسطر، وقد أُلّفت لتنشد كرثاء تقليدي. يقسم المؤلف القصيدة إلى ستة أجزاء رئيسية: تبدأ بصلاة يستمد فيها شابو القوة لسرد الأحداث، ثم يصف المرسوم الصادر عن السلطان العثماني محمد رشاد في عام 2226 حسب التقويم السلوقي (أي عام 1914/1915م) والذي أمر بقتل المسيحيين، متّهماً إياهم بالخيانة والاستيلاء على الأراضي. يُبرز الفصل أن شابو يصور المذبحة على أنها جزء من سياسة إمبراطورية عثمانية، وليس مجرد حدث محلي.

يقدم الفصل العديد من الأدلة على تفسير شابو اللاهوتي، فيذكر أن شابو يستخدم مفهوم "الخطيئة" ثلاث مرات فقط في قصيدته، لكنه يربط الأحداث بنبوءات من العهدين القديم والجديد، مستلهماً من كتابات سريانية سابقة مثل قصيدة "اللوز" التي تتحدث عن نهاية الزمان. على سبيل المثال، يقارن شابو وضع السريان في مَيْدات بمدينة سدوم وعمورة، ويُشبّه نفسه بالنبي إرميا الذي رثى تدمير أورشليم، مؤكداً أن مأساة السيفو لم يسبق لها مثيل في القسوة والوحشية. ويستشهد الكاتب بأبيات من القصيدة مثل: "ويل لنا لأن كل شيء انقلب علينا... هذا السهم أصابنا وهو لا يزيد عما نستحق".

يتناول الفصل أيضاً وصف شابو للمسلمين في قصيدته. يُظهر بأن شابو لا يستخدم ألفاظاً مهينة بكثرة مقارنة بكتّاب سريان آخرين، وذلك لأنه يرى المسلمين مجرد أدوات في يد الله لمعاقبة السريان. وبالتالي، لا يلقي شابو باللوم الحقيقي عليهم، بل على خطايا السريان التي جلبت غضب الله. يستند شابو في هذا الفهم إلى تقليد سرياني قديم، حيث كانت الشعوب الأخرى تُستخدم كأدوات للعقاب الإلهي، كما في قصة الآشوريين والبابليين في الكتاب المقدس.

يخلص الكاتب إلى أن شابو لم يطرح أي فكرة عن التوبة أو الرجوع إلى الحياة السابقة، لأن المذبحة كانت فريدة ومروعة لدرجة أن العودة إلى الوضع السابق أصبحت مستحيلة. عوضاً عن ذلك، يُعلّق شابو أمله الوحيد على الله نفسه، معتقداً أن الجيل الثامن المُعاقَب هو نفسه الجيل الذي سيشهد الخلاص في نهاية الزمان. ويُختتم الفصل بالإشارة إلى أن شابو يقدم تفسيره كطريقة علاجية لتجاوز الصدمة، حيث أن قبول الألم كعقاب إلهي هو السبيل الوحيد لفهمه وتحمل عواقبه، تاركاً السريان في حالة من العجز والأمل المعلق بانتظار التدخل الإلهي.

10.الفصل 9: الإرث النفسي للسيفو: انتقال الخوف وعدم الثقة بين الأجيال188–222▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الإرث النفسي لمذبحة السيفو (التي تعني "السيف" بالآشورية، وتُعرف أيضاً بـ فرمان وقفلة) وكيف ينتقل الخوف وعدم الثقة عبر الأجيال بين الآشوريين. يبدأ المؤلف أونفر أ. جيترز بمقدمة شخصية عن جده سيغو الذي كان يروي له في طفولته قصصاً عن أرواح أناس من الماضي مختبئين في الكهوف، ليكشف لاحقاً أن هذه القصص لم تكن مجرد خيال بل كانت جزءاً من ذاكرة جماعية للمعاناة. يطرح المؤلف سؤالاً محورياً: لماذا تعتبر الأبعاد النفسية لصدمة مثل الإبادة الجماعية مهمة؟ ويجيب باقتباس يُظهر أن عدم معالجة "جرح الروح التاريخي" يؤدي إلى معاناة نفسية وروحية دائمة للفرد وأحفاده.

يسير الفصل بخطى منهجية؛ يبدأ بعرض خلفية تاريخية عن السيفو التي وقعت في الإمبراطورية العثمانية عام 1915، مشيراً إلى أنها لم تكن الأخيرة بل تبعتها مذابح أخرى مثل مجزرة سميل في العراق عام 1933، وحملات التوحيد في عهد البعث بعد الأربعينيات، والحرب الأهلية في جنوب شرق تركيا بعد الثمانينيات، وصدمة الهجرة الجماعية إلى الغرب بعد السبعينيات. يذكر أن 91% من المشاركين في دراسة أجريت بين آشوريين في السويد عام 2010 أفادوا بأن لديهم قريباً قُتل خلال السيفو. يوضح المؤلف أن الاعتراف بالمذبحة يزداد اليوم من خلال إنشاء النصب التذكارية في أستراليا والولايات المتحدة وأرمينيا وغيرها، وأن الذكرى تُحيي في 24 أبريل من كل عام.

ثم يستعرض الفصل الأبحاث السابقة حول الصدمة عبر الأجيال، خاصة تلك المتعلقة بالناجين من الهولوكوست والإبادة الأرمنية، موضحاً أن النتائج كشفت عن أعراض مثل الانسحاب الاجتماعي والشك، وصعوبات في تكوين الارتباطات العاطفية، ونقل الخوف وعدم الثقة بين الأجيال. يذكر الفصل أن أطفال الناجين غالباً ما يظهرون مشاكل عاطفية أكثر من آبائهم، وأن الصدمة غير المعالجة تُورث لأجيال قادمة، وتؤدي إلى "فشل في التمثيل الرمزي" و"اضطراب في الإحساس بالزمن"، مما يخلق مشاكل في الذاكرة والهوية.

يعتمد المؤلف على نظرية العلاقة بالموضوع، وتحديداً مفاهيم الصورة والتخيل كما طورها بول دبليو برويزر، لتحليل كيفية تشكيل الصور الذهنية للآخرين وللذات. يشرح أن الطفل يتعلم تمييز الخبرات إلى فئات "جيدة" و"سيئة"، وقد تظل بعض الصور منقسمة إلى أقصى الحدود (كلها جيدة أو كلها سيئة) ويُسقطها على الآخرين. هذا الخلق للثنائيات، رغم أنه يوفر شعوراً بالأمان للجماعة الداخلية، إلا أنه يشوه الأحكام ويساهم في تكوين الصور النمطية. كما يستخدم مفهومي "موت الزمن" و"موت اللغة" من أبحاث الصدمة عبر الأجيال، لشرح كيف يعيش الناجون وأحفادهم في حالة انقطاع بين الماضي والحاضر، وكيف يؤدي الحرمان الشديد إلى "عالم بلا استعارات" مما يعيق القدرة على الترميز والتخيل السليم.

في الجزء الميداني، يُحلل الفصل مقابلات مع آشوريين عراقيين في السويد ولاجئين آشوريين سوريين في إسطنبول. تُظهر النتائج أن أكثر الرموز تكراراً هي "السيفو وعواقبه" (خاصة التمايز الديني)، يليها "الخوف" (بآثاره الاجتماعية)، ثم "العلاقات بين الأجيال"، و"القصص"، و"عدم الثقة". يقدم الفصل حالتين دراسيتين مفصّلتين: حالة سيتو (امرأة آشورية عراقية، من الجيل الثالث للناجين) التي تعكس موضوع "عدم الثقة" (دلو أولى). تروي سيتو كيف ورثت عن جدتها التي شوهت أنفها خلال السيفو درساً بعدم الثقة بالمسلمين مهما كانوا طيبين، وتنقل هذا الدرس لأطفالها. شعرت بأن جيرانها Muslims تحولوا ضدها بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، مما أكد لها صحة تحذيرات جدتها. الحالة الثانية هي سيمون (رجل آشوري عراقي، من الجيل الرابع) الذي يعكس موضوع "الخوف" (زيكتو). يصف سيمون خوفاً داخلياً مزروعاً فيه منذ الطفولة، يجعله يتردد في الاقتراب من المجتمع السويدي، ويشعر بالقلق من كل ما هو جديد. يربط هذا الخوف بتاريخ عائلته بعد السيفو، وكيف أن القرى بُنيت في أماكن مخفية خوفاً من تكرار المذابح، وهو يعتقد أن التاريخ قد يعيد نفسه مع تصاعد التطرف.

يخلص التحليل النظري إلى أن التخيل غير المتوازن حول السيفو يخلق ثنائية حادة بين "نحن" (الضحايا الأبرياء) و"هم" (المضطهدون)، مما يبني هوية قائمة على الضعف والهشاشة. يرى المؤلف أن هذه الثنائية تمنع التكيف الإبداعي والتغيير، وتجعل الثقافة جامدة. يناقش الفصل أيضاً "فقدان التاريخ والاستمرارية" عبر "عمل الذاكرة"، مشيراً إلى أن الصمت المحدق حول السيفو في بعض السياقات (مثل تركيا) يحد من القدرة على التعبير عن الصدمة بشكل بنّاء. في المقابل، فإن السياق السويدي المنفتح سياسياً يسمح بمطالبة بالاعتراف، مما قد يساعد في الشفاء. وأخيراً، يؤكد الفصل على أن هذه النتائج لا يمكن فهمها بمعزل عن كون الآشوريين أمة بلا دولة، عاشوا كأقلية مضطهدة في تركيا والعراق وسوريا، وهو ما يميز حالتهم عن غيرهم من الناجين مثل اليهود أو الأرمن.

في خاتمته، يطرح الفصل توصيات للمستقبل، داعياً إلى مقاربة من "علم نفس التحرر" لمساعدة المجتمع على إيجاد توازن في علاقته بالصدمة بدلاً من البقاء ضحية، والتركيز على المصالحة الداخلية والخارجية، وإجراء تقييم نقدي لصور العداء والصور النمطية. يعترف المؤلف أن البحث النفسي حول السيفو لا يزال جديداً جداً، ويدعو إلى دراسات مستقبلية حول عمليات التنشئة الاجتماعية، ونقل الصدمة عبر الأجيال، والرفاهية والتكيف، ودور الفن والأدب في الذاكرة، والهوية الدينية. يختتم الفصل بعودة إلى ذكريات الطفولة مع جده، معتبراً أن قصصه لم تكن مجرد حكايات بريئة، بل كانت جزءاً من رعاية عبر الأجيال وتوجيهاً نحو فهم الماضي الجماعي.

11.الفصل 10: السيفو والإنكار: مجال جديد للنشاط لعملاء الجمهورية التركية223–228▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل من كتاب ديفيد غونت أساليب إنكار الإبادة الجماعية السريانية (السيفو) التي تمارسها الدولة التركية والمؤرخون التابعون لها، مع التركيز على كيفية تشكيل هذه الأساليب لخطاب عام يهدف إلى محو الجريمة تاريخياً. يقدّم المؤلف، راتشو دونيف، وهو الباحث المستقل الذي كتب هذا الفصل، أدلة على أن الإنكار ليس مجرد موقف سياسي سلبي بل هو نشاط دؤوب يتخذ أشكالاً متعددة، من المراقبة الرسمية إلى التضليل الأكاديمي، وحتى الترهيب الجسدي.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من الحالات التي توضح آليات الإنكار. يبدأ بالإشارة إلى أن جهاز الاستخبارات التركي (MIT) كان يراقب المواقع الإلكترونية السريانية في عام 2001، وذلك بعد ظهور تقرير عن السريانيين في مجلس الأمن القومي التركي في 6 مارس 2001 بعنوان "تقرير سرياني لمجلس الأمن القومي". ثم ينتقل إلى أمثلة على الهجمات الإعلامية، مثل سلسلة مقالات للصحفي أوزدمير إينجه في عام 2003 بعنوان "أكاذيب بالسريانية"، والتي وصف فيها كل من يخالف الأطروحة الرسمية بالمرتزق، واتهم السريان والأرمن الذين قُتلوا بالخيانة، مقلباً بذلك الضحية والجلاد.

يُفصّل الفصل تكتيكاً معرفياً أكثر تعقيداً من خلال مثالين لأكاديميين يخدمان الإنكار. الأول هو مهمت جيليك، الذي كتب كتاباً عن التاريخ السرياني الأرثوذكسي، لكنه في مقابلة صحفية مع صحيفة زمان عام 2008، زعم أن وزير الداخلية طلعت باشا أرسل سبعة تعاميم تحذر من "عدم إراقة دماء حتى لسرياني واحد"، مما يعني أن السريان لم يُرحّلوا، عكس الأرمن الذين خانه طموحهم. الثاني هو عثمان سليم كوجاهان أوغلو، الذي قام بترجمة كتاب "اللجنتان، المجزرتان" من العثمانية إلى اللاتينية، وادّعى في مقدمته أنه "لا توجد مذابح أرمنية أو إبادة جماعية للأرمن"، على أمل أن لا يقرأ القارئ النص الأصلي للكتاب الذي يتحدث عن الترحيل والمذابح.

يستخدم الفصل أسلوباً لافتاً لدحض هذه الادعاءات، فيستشهد بوثيقة من الأرشيف العثماني يعود تاريخها إلى عام 1965 (من أعمال الباحث م. ت. جوكبيلجين). تنص الوثيقة بوضوح على وجود تهجير للسريان، وتناقش إجراءات عودتهم إلى منازلهم، وإعادة ممتلكاتهم، وتقديم مساعدات مالية للأرامل والأيتام، وكفالة تعليم طفلين سريانيين مجاناً في المدارس الحكومية، وحتى إغلاق بيوت الدعارة حول إسطنبول. هذه الوثيقة الرسمية التي تعترف بتشريد السريان تدحض بشكل قاطع ادعاء "لم يُرق دم سرياني واحد". يصف المؤلف هذا الادعاء بأنه نموذج لأسوأ أنواع الإنكار، ويقارنه باستخدام طريقة غوبلز الدعائية لتكرار الكذب حتى يتحول إلى حقيقة مزيفة للاستهلاك المحلي فقط.

يوضح الفصل أن الجمهور المستهدف لهذه الأكاذيب المبسطة هم الأتراك أنفسهم، وليس المجتمع الدولي. يستشهد الفصل بمؤرخ تركي بارز هو خليل بركتاي الذي صرّح بأن "تركيا تعيش في عزلة تامة وانغلاق محكم عن بقية العالم في هذه القضية، وأن التكرار اللامتناهي بأن لا شيء حدث هو تهويدة مريحة للرأي العام التركي، لكنها لا تخدع بقية العالم". يضرب الفصل مثلاً على هذا التناقض بالاحتفال الرسمي التركي بـ 9 سبتمبر كذكرى "استعادة إزمير"، حيث يتم تمجيد إلقاء الأعداء (اليونانيين) في البحر، وهو ما يتناقض مع إنكار أي شكل من أشكال التطهير العرقي.

يتطرق الفصل أيضاً إلى تحول الإنكار إلى عنف مادي، عبر حادثة تخريب نصب تذكاري للإبادة السريانية في ضاحية فيرفيلد بجنوب غرب سيدني، أستراليا، حيث رُسم الهلال والنجمة عليه مع عبارات مسيئة. ويرى المؤلف أن المفارقة هنا أن من ينكرون عنف أجدادهم يلجأون إليه بأنفسهم، وأن التخريب زاد من شهرة قضية السيفو. يختتم الفصل بإشارة إلى اعتذار رئيس الوزراء التركي آنذاك أردوغان في 10 أغسطس 2011 عن "إبادة درسيم" (ضد الأكراد العلويين) عام 1939، معرباً عن أمله بأن يكون هذا مؤشراً على تحول محتمل في سياسة الإنكار، وإن كان يعترف بأن ذلك يبدو غير مرجح في ضوء التطورات اللاحقة، مشيراً إلى أن السياسة الحالية للدولة التركية تقوم على إقناع نفسها بأن الإنكار هو الطريق الوحيد الممكن.

12.الفصل 11: حجج تركيا الرئيسية في إنكار الإبادة الجماعية للآشوريين229–244▼ ملخص

هذا الفصل، وهو الحادي عشر من كتاب "Let Them Not Return" لديفيد غونت، يُحلّل بإسهاب حجج الإنكار الرسمية التركية تجاه الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الآشوريون خلال الحرب العالمية الأولى. يركّز الفصل على منشورات الجمعية التاريخية التركية (TTK)، التي يصفها الكاتب بأنها أداة مؤسساتية لإنكار الإبادة، حيث تنتقل من النفي المطلق إلى التبرير والتفاهة تحت غطاء المناقشة الأكاديمية. يقدّم الفصل نقداً مفصّلاً لكتابين رئيسيين صادرين عن هذه الجمعية، ويكشف عن آليات التلاعب بالحقائق التاريخية وتحميل الضحايا مسؤولية ما حلّ بهم.

يسير الفصل وفق هيكل منهجي واضح. يبدأ بتقديم خلفية عن الجمعية التاريخية التركية، التي أُسست عام 1931 بأمر من مصطفى كمال (أتاتورك)، ورسالتها المعلنة في البحث ونشر المبادئ الكمالية والتاريخ التركي. ينتقل بعدها إلى تحليل الكتاب الأول للدكتور صلاحي صونيال (2001) بعنوان "آشوريو تركيا: ضحايا سياسة القوى العظمى". يُظهر الكاتب أن صونيال يصف الآشوريين في مقدمته بلغة قاسية، ويتهمهم بالتعاون مع "منظمات إرهابية انفصالية". حجة صونيال الأساسية، كما يلخصها غونت، هي أن الآشوريين أعلنوا الحرب على الدولة العثمانية في مايو 1915، مما يُبرر التطهير العرقي العنيف الذي تعرضوا له، دون أن يقدم أي دليل وثائقي على هذا "الإعلان المزعوم". يلقي صونيال باللوم على المبشرين الغربيين في خلق شرخ بين المسيحيين والدولة، متجاهلاً بشكل انتقائي مذابح حميدية في أواخر القرن التاسع عشر وأي دور منظم للجيش العثماني في القتل الممنهج. يصل الفصل إلى استنتاج مفاده أن صونيال يقلب دور الضحية والجاني، مصوّراً الآشوريين كمتمردين خطرين يهددون وجود الإمبراطورية. ولتوضيح مدى القمع في تركيا، يذكر الكاتب قصة الكاهن السرياني الأرثوذكسي يوسف أكبولوت الذي اتهم بـ"التحريض على الكراهية" في أكتوبر 2000 لمجرد تصريحه بأن الآشوريين تعرضوا للإبادة مثل الأرمن.

ينتقل الفصل بعدها لتحليل الكتاب الثاني للأستاذ بولنت أوزدمير (2009) بعنوان "الآشوريون ماضياً وحاضراً: الآشوريون خلال الحرب العالمية الأولى". يعترف الفصل بأن هذا الكتاب أكثر شمولاً وتطوراً في حججه من سابقه، لكنه يظل متمسكاً بجوهر تهمة "الخيانة الآشورية". يستخدم أوزدمير استراتيجية التصنيف التمييزي: فهو يفرّق بين الآشوريين "المحايدين" (الغربيين في طور عابدين) الذين بقوا أوفياء للدولة وبالتالي لم يُقتلوا، والآشوريين "المتمردين" (الشرقيين في هكاري وأورميا) الذين انحازوا إلى الحلفاء وبالتالي يُعتبر مصيرهم المأساوي نتيجة طبيعية لخيارهم الحربي. يحاول أوزدمير تفنيد مزاعم الإبادة مستنداً إلى وثائق أرشيفية خارجية وعثمانية، ويزعم أن روايات الناجين الشفوية هي مجرد "أساطير" تم بناؤها في الشتات لتعزيز الهوية. يتجاهل الكاتب تماماً دور منظمة "تشكيلات خاصة" (Teşkilat-ı Mahsusa) في عمليات القتل، ويقدم تفسيراً ساذجاً لفتوى الجهاد التي أُعلنت في نوفمبر 1914، زاعماً أنها كانت "مناورة سياسية" تستهدف حشد المسلمين في الخارج وليس قتل المسيحيين داخل الدولة. يذهب أوزدمير إلى حد القول بأن الهدف النهائي للآشوريين من وراء مطالبتهم بالاعتراف بالإبادة هو إقامة دولة مستقلة في أجزاء من الأراضي التركية، وهي استنتاجات يصفها الفصل بأنها "مبالغة غير ضرورية". في مناقشته للإحصائيات، يورد أوزدمير أرقاماً متضاربة يتراوح عدد الآشوريين قبل الحرب بين 144,483 (حسب تقدير مكارثي) و435,000 (حسب تقدير ديفيد ماجي عام 1918)، لكنه يرفض الرقم الأعلى البالغ 811,000 الذي قدمته وثائق بريطانية لمؤتمر باريس للسلام، ويرفض تقدير الخسائر البالغ 200,000 ضحية معتبراً إياه غير قابل للتحقق.

يكرّس الفصل استنتاجاً واضحاً مفاده أن كلا الكتابين، رغم اختلافهما في الأسلوب والنطاق، يخدمان نفس الهدف: نفي وجود أي إبادة ممنهجة ومنظمة للآشوريين، وتحميل الضحايا مسؤولية مصيرهم. يستخدم الكاتب مصطلح "دولشستوسليغنده" (أسطورة الطعن في الظهر) لوصف الرواية التركية التي تقلب الحقائق. يعترف الفصل بأن حجج هذين الكتابين تُستخدم الآن كمراجع للطلاب الجامعيين الأتراك وحتى في الكتب المدرسية الثانوية، مما يشير إلى تأثير هذه الرواية الإنكارية على الخطاب العام والتعليمي في تركيا. في المقابل، يذكّر الكاتب بأن الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) أصدرت في ديسمبر 2007 قراراً يؤكد أن المجازر التي تعرض لها الآشوريون والأرمن واليونانيون خلال الحرب العالمية الأولى كانت إبادة جماعية، مما يبرز الفجوة الواسعة بين الإجماع الأكاديمي الدولي والرواية الرسمية التركية.

أما بالنسبة للحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، فيمكن القول إن بعض قراء هذا الفصل قد يتساءلون عما إذا كان التركيز الحصري على منشورات الجمعية التاريخية التركية يقدم صورة كاملة عن مشهد الإنكار في تركيا، والذي قد يكون أكثر تنوعاً وتعقيداً. كما أن اعتماد الفصل بشكل كبير على نقد خطاب هذين الكتابين قد لا يترك مجالاً كبيراً لمناقشة آليات إنكار أخرى، كالضغوط الدبلوماسية أو الحملات الإعلامية. ومع ذلك، يظل التحليل دقيقاً في كشفه عن البنية المنطقية لحجج الإنكار وكيفية استخدامها لتبرير العنف التاريخي.

13.الفصل 12: من قتل من؟ مقارنة للمناقشات السياسية في فرنسا والسويد حول إبادة عام 1915245–274▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على المقارنة بين الطريقة التي تناولت بها البرلمانات في فرنسا والسويد قضية الاعتراف بالإبادة الجماعية التي تعرض لها المسيحيون الشرقيون عام 1915، والتي تُعرف لدى الأرمن باسم "ميدس ييغيرن" (الجريمة الكبرى) وعند الآشوريين باسم "سايفو" (السيف). يرى المؤلف أن الجدل حول هذه الإبادة يكشف عن هوية المجموعات العرقية المصابة ويُساهم في تشكيلها، مستنداً إلى نظرية عالم الاجتماع موريس هالبواكس حول الأطر الاجتماعية للذاكرة، والتي تشير إلى أن الجماعات تستحضر الماضي لتعزيز هويتها.

يبدأ الفصل بوضع السياق الدولي، مشيراً إلى أن مفهوم الإبادة الجماعية يعود لعام 1948 عندما أسس رفائيل ليمكين اتفاقية الأمم المتحدة. ويوضح أن الجدل حول الاعتراف بإبادة الأرمن ليس جديداً، وأن العديد من الدول والهيئات اعترفت بها، بما في ذلك البرلمان الأوروبي في 18 يونيو 1987، والذي أشار أيضاً إلى الأعمال الإرهابية التي ارتكبتها جماعات أرمينية راديكالية بين 1973 و1986. من المهم أن النصوص البرلمانية في بعض الدول لا تقتصر على تسمية الأرمن كضحايا، بل تشمل أيضاً الآشوريين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف الخلفية التاريخية للمجموعتين في البلدين. في السويد، وصل أول آشوريين في عام 1967 كلاجئين عديمي الجنسية من لبنان، تلاهم موجات أخرى هرباً من التوترات الدينية في جنوب شرق تركيا، وخاصة من مناطق ماردين ومديات وطور عبدين. يُشير الفصل إلى أن سيفو (سيف) هو حدث تأسيسي لهذه الجالية. في المقابل، وصل الأرمن إلى فرنسا في أعقاب أحداث 1915 بشكل مباشر في عشرينيات القرن العشرين، مما جعل جماعتهم أكثر استقراراً وأقدم حضوراً. يذكر الفصل أن عدد الأرمن في فرنسا يُقدر بـ 600,000، بينما يبلغ عدد الآشوريين في السويد أكثر من 100,000.

في تحليل المناقشات البرلمانية، يصف الفصل كيف أن النقاش في فرنسا يدور حول "قوانين الذاكرة" التي بدأت بقانون 18 يوليو 1990 الذي يُجرم إنكار الهولوكوست، مما أثار جدلاً سياسياً وتاريخياً حول تدخل البرلمان في تحديد الحقائق التاريخية. في 29 يناير 2001، صدر قانون للاعتراف العام بالإبادة الأرمينية. يُلاحظ المؤلف أن الأحزاب في فرنسا، سواء اليسارية أو اليمينية، تجمع على ضرورة الاعتراف، لكن الخلاف يظهر حول معاقبة المنكرين. ففي 22 ديسمبر 2011، تم تمرير قانون لمعاقبة إنكار الإبادة الأرمينية، لكن المجلس الدستوري ألغاه في فبراير 2012، مما دفع الحكومة الاشتراكية الجديدة برئاسة فرانسوا أولاند إلى التعامل بحذر مع القضية. تركز النقاشات الفرنسية بشكل حصري تقريباً على الأرمن.

أما في السويد، فالنقاش مختلف. على الرغم من وجود قانون عام 1964 يُعاقب على إنكار الإبادة الجماعية (الذي كان موجهاً أساساً للهولوكوست)، فإن النقاش حول إبادة 1915 بدأ في أواخر التسعينيات. كان موراد أرتين، نائب من حزب اليسار ومن أصل أرمني، من أوائل من طرح الموضوع، مثيراً مسألة توسيع نطاق مفهوم الإبادة ليشمل ما حدث للأرمن والآشوريين. لكن وزيرة الخارجية آنذاك آنا ليند أكدت أن مؤتمراً عن الهولوكوست سيبقى مركزاً على الهولوكوست نفسه. على عكس فرنسا، تشمل المناقشات السويدية طيفاً أوسع من الضحايا مثل الآشوريين/السريان والكلدان وحتى اليونانيين البنطيين، مما يعكس التنوع الأكبر للجاليات المسيحية الشرقية في السويد. يُظهر الفصل أن النواب الأكثر نشاطاً هم من الأحزاب اليسارية، مثل يلماز كيريمو، في حين أن الحكومات (سواء الاشتراكية الديمقراطية أو المحافظة) كانت أكثر حذراً حفاظاً على العلاقات مع تركيا. في مارس 2010، اعترف البرلمان السويدي بمفهوم الإبادة الجماعية، معارضاً بذلك موقف الحكومة التي رفضت قوانين الذاكرة.

يختتم الفصل بأن النقاش حول إبادة 1915 هو جزء من تاريخ أوروبا، لأن هذه الهجرات أدت إلى استيطان دائم. في فرنسا، النقاش أكثر تركيزاً على الأرمن ويتأثر بالعلاقة الجيوسياسية مع أرمينيا، حيث وصف الرؤساء الفرنسيون أرمينيا بأنها "دولة شقيقة". في السويد، النقاش أوسع ويشمل جميع الطوائف المسيحية الشرقية، وذلك بسبب وجود جالياتهم المتنوعة وحاجتهم الملحة للاعتراف الرسمي بالأحداث لتثقيف الأجيال الشابة المولودة في أوروبا. في كلا البلدين، يلعب أعضاء البرلمان المنحدرون من هذه الجاليات دوراً حاسماً في طرح القضية. يُقرّ الفصل بأن التوجهات السياسية (نظام شبه رئاسي في فرنسا مقابل برلماني في السويد) وتوقيت الهجرة (فورية للأرمن لفرنسا مقابل متأخرة للآشوريين للسويد) أثرت في كيفية معالجة الملف. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية الموازنة بين الاعتراف التاريخي والعلاقات الدبلوماسية، خاصة مع تركيا التي ما زالت تنكر الإبادة، وحول كيفية التعامل مع "قوانين الذاكرة" التي يرغب البعض في توسيعها لمعاقبة المنكرين، وهو ما يثير قلق المؤرخين الذين يخشون تسييس التاريخ.