
Masculinity and Syrian Fiction
ملخص كتاب “Masculinity and Syrian Fiction” للكاتبة Lovisa Berg
يتخذ هذا الكتاب من الذكورة موضوعاً محورياً له، لكنه لا ينظر إليها كحقيقة بيولوجية ثابتة أو كمجرد صفات ذكورية جامدة. بل يدرسها كأداء اجتماعي متغير، يتم بناؤه وتفكيكه وإعادة تشكيله داخل عوالم الروايات التي كتبتها نساء سوريات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. الحجة الأساسية التي يدافع عنها المؤلف هي أن هذه الروايات ليست مجرد قصص عن النساء أو عن معاناتهن، بل هي مساحة إبداعية تعمل فيها الكاتبات على إنتاج تصورات متنوعة للذكورة، تتجاوز النماذج التقليدية وتكشف عن الدور الفاعل للنساء في دعم أو تقويض أنماط معينة من الرجولة. يرى المؤلف أن دراسة هذه الذكورات الأدبية تسد فجوة في الأبحاث السابقة التي ركزت غالباً على الشخصيات النسائية فقط، بينما عوملت الشخصيات الذكورية كإضافات أو أدوات حبكة.
يبدأ الكتاب باقتباس افتتاحي من رواية دمشق يا بسمة الحزن (1980) للكاتبة ألفت الإدلبي، حيث يقول معلم لطالباته: “المرأة هي التي تصنع الرجال”. يستخدم المؤلف هذا الاقتباس كنقطة انطلاق ليُظهر أن الشخصيات الخيالية والكاتبات أنفسهن يشاركن في عملية اجتماعية تتمثل في “صناعة” الرجال عبر الأدب. يعتمد الإطار النظري للكتاب بشكل أساسي على نظرية راوين كونيل عن “الذكورة المهيمنة”، التي تفترض تعددية الذكورات وتنافسها على السلطة، وأن الذكورة المهيمنة هي الشكل المقبول اجتماعياً في وقت ومكان معينين. يقر المؤلف بإشكالية تطبيق نظرية غربية على سياق شرقي، لكنه يجادل بأن مرونة النظرية تجعلها قابلة للتكيف. يعتمد التحليل على ثلاثة افتراضات رئيسية: أن الشخصيات الذكورية والأنثوية تبنى الذكورة معاً، وأن تصور الذكورة يختلف باختلاف السياق والمكان، وأن قيمة أداء الذكورة تحددها موافقة الآخرين وليس أفعال الفرد وحده.
يمتد نطاق الدراسة من عام 1959 (بعد رواية كوليت خوري “أيام معه”) إلى عام 2000، ويقسمها المؤلف إلى ثلاث “موجات أدبية” بدلاً من فترات قطعية: “الرجل الحلم” (1959-1970)، و”الرجل السياسي” (1970-1980)، و”الذكورة الإشكالية” (1980-2000). اختار المؤلف رواياته بناءً على ظهورها في الصحف والمجلات الأدبية مثل الموقف الأدبي وفصول والمعرفة، مما أدى إلى قائمة تضم 34 رواية من تأليف 26 كاتبة. يرفض المؤلف فكرة الحكم على “صدق” الشخصيات الذكورية التي تنتجها الكاتبات، معتبراً أن الانتقادات التي وجهها نقاد مثل حسام الخطيب وميسون الجرف للشخصيات الذكورية غير الواقعية هي في حد ذاتها دليل على قوة هذه الشخصيات في تحدي الصور النمطية وتقديم بدائل جديدة.
في الموجة الأولى، التي يسميها “ذكورة الحلم”، لم تكن الكاتبات ينتقدن الذكورة السائدة بصورة مباشرة، بل يبنين نموذجاً ذكورياً مثالياً يركز على دور الرجل كوسيلة لتمكين المرأة وتحقيق ذاتها. هذا النموذج، الذي يظهر في روايات مثل أيام معه لكوليت خوري وثلج تحت الشمس لليلى اليافي والحب والوحل لإنعام المسالمة، يعمل من داخل النظام الأبوي ولا يخرجه، لكنه يعيد تعريف محتواه ليصبح الأب أو الحبيب داعماً لتعليم المرأة وعملها وحريتها الشخصية. تنظر البطلات إلى الرجال من خلال “نظرة أنثوية جديدة”، حيث يكون الرجل (الأب أو الحبيب) هو “الشيء” المُركز عليه بإعجاب. تستخدم الشخصيات النسائية ما تسميه دنيز كانديوتي “المساومة الأبوية”: يقبلن بامتياز الرجل مقابل حصة من هذه الأرباح (حماية، دراسة، عمل). المثال الواضح هو ريم في أيام معه التي توافق على الزواج من ابن عمها رغم كرهها للزواج، لأنه السبيل الوحيد لتحقيق أحلامها.
تتحول الذكورة في الموجة الثانية إلى “الذكورة المتأثرة سياسياً وأيديولوجياً”، أو ما يسميه المؤلف “عصر الرجل السياسي”. في روايات مثل كوابيس بيروت (1976) لغادة السمان وبستان الكرز (1977) لقمر كيلاني والوطن في العينين (1979) لحميدة نعنع، لم تعد الذكورة مجرد أداة لتحقيق الذات الفردية، بل أصبحت أيقونة للقضية السياسية نفسها. يمثل هؤلاء الرجال رمزاً للتغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، ويصبحون مصدر افتتان للبطلات اللواتي يرين فيهم تجسيداً لأمل أفضل للوطن. يكشف التحليل أن هذه الذكورة الثورية، وإن بدت ثورية، تستقرئ من نفس الأسس القديمة المتعلقة بالسيطرة والحماية والمعرفة. فالرجل يظل هو المصدر الأساسي للمعرفة والمبادرة، والمرأة هي من تتلقى الدعوة للمشاركة. في جميع هذه الروايات، يموت الرجال المثاليون أو يختفون قبل أن يتمكنوا من بناء علاقة جنسية أو زواج، مما يحافظ على بقائهم أيقونات وأساطير لا يمكن نقدها.
يشهد العقد الأخير من القرن العشرين تحولاً جذرياً في الموجة الثالثة، حيث تتحول الذكورة من حل أو أمل إلى مشكلة ونقد اجتماعي. لم يعد الرجال يُصوَّرون كداعمين ومخلصين للبطلات، بل تحولوا إلى شخصيات إشكالية: إما قمعية وعدوانية، وإما ضعيفة وغير قادرة على الوفاء بأدوارهم التقليدية. في روايات مثل فرات (1998) لمايا الرحبي وقبو العباسين (1995) لهيفاء بيطار وهرولة فوق صقيع طليطلة (1993) لماري رشو، تبدأ الكاتبات بافتراض أن البطلات يعرفن ما هو جيد لهن، ويُمنحن صوتاً نقدياً أقوى. يتحول الأب من شخصية مثالية تدافع عن تعليم ابنتها في الموجة الأولى، إلى “طاغية وحشي” يُلام علناً على مصائب بناته وزوجاته في الموجة الثالثة. يستشهد الفصل بمقولة من رواية دمشق يا بسمة الحزن حيث تقول إحدى الشخصيات: “مهما يكن، الأب عز أو قوة”، مما يدل على مكانته المطلقة. يقدم الفصل أيضاً فكرة “الوعود الكاذبة”، حيث يتزوج “الرجل الحالم” الذي يدعم المساواة من البطلة فعلاً، لكنه يتحول بعد الزواج إلى شخص قمعي تحت ضغط المجتمع.
يتوسع الكتاب في مفهوم “الذكورة كدور صعب الأداء”، حيث تتحول الذكورة بدلاً من أن تكون مصدر قوة وسلطة إلى عبء وهمّ يُثقل كاهل الشخصيات الذكورية. تستخدم الكاتبات مثل غادة السمان في رواية بيروت 75 (1975) وهنرييت عبودي في رواية الظهر العاري شخصيات ذكورية تظهر كضحايا لتوقعات اجتماعية صارمة ومتناقضة، وعاجزين عن الوفاء بها بسبب الفقر أو التهميش أو الظروف الاقتصادية القاسية. الذكورة هنا ليست امتيازاً يُمنح، بل هي دور صعب الأداء، يؤدي الفشل فيه إلى فقدان الهوية والاحترام. يعاني فرح في بيروت 75 من اغتصاب يفقده ما يُوصف بأنه “رجولته”، فيبدأ في ارتداء ملابس النساء. ويعاني أبو مصطفى في نفس الرواية من إنجاب أحد عشر طفلاً كدليل على رجولته (الخصوبة)، لكن هذا يزيد من فقره وعجزه عن إعالتهم، مما يخلق حلقة مفرغة. يستشهد الفصل بعالم الاجتماع بيير بورديو الذي يرى أن امتيازات الرجال تتحول بسرعة إلى عبء عندما يجب إثبات الرجولة وإعالة المُعالين، وأن نجاح هذا الأداء يظل رهناً بتقييم المجتمع.
يختتم الكتاب باستكشاف “الذكورة الأنثوية والأنوثة الذكورية”، حيث يُظهر أن الأدوار الجندرية ليست ثابتة بيولوجياً بل هي نتاج للتوقعات المجتمعية والتنشئة والعلاقات بين الجنسين. في روايات مثل الرواية المستحيلة لغادة السمان وخطوات في الضباب لملاك الخاني ونعناع بري لعنيسة عبود، تظهر شخصيات تعاني من عدم الأمان في سلوكها الجندري، أو تؤدي أفعالاً تُصنف تقليدياً على أنها خاصة بالجنس الآخر. يُبرز الفصل دور النساء (الأمهات والجدات والخالات) في الحفاظ على البنى الجندرية، ليس كضحايا لها، بل كمشرفات على تنشئة الأطفال وفق التوقعات المجتمعية. في مشهد من رواية أعاصير في المشرق لنادية خوست، تمنع الأم ابنها قيس من الجلوس معها ومع صديقاتها وتأمره بالذهاب إلى والده لأنه “أصبح رجلاً”. التمرد على الأدوار الجندرية لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير الفرد، بل قد يُعرّضه لعقوبات اجتماعية تصل إلى فقدان الهوية والمكانة.
يربط الكتاب في خاتمته التغيرات في تصوير الذكورة بالتغيرات السياسية في سوريا. في المرحلة الأولى صورت الروايات مستقبلاً مختلفاً بأمل في التعليم والعمل ضمن إطار أبوي. في المرحلة الثانية صيغ التغيير حول رجولة قوية ترمز للتغيير السياسي. أما في المرحلة الأخيرة فتصبح الذكورة المضطربة نتيجة لفشل الدولة، حيث تستخدم الكاتبات الذكورة الضعيفة للإشارة إلى عدم المساواة الاجتماعية والفقر. يقر المؤلف بأن قراءة العلاقة بين صورة الأب في الروايات والسلطة السياسية للدولة قد تكون تبسيطاً لتعقيد العلاقة بين الخيال الأدبي والواقع السياسي. أخيراً، يشير إلى أن العديد من الروايات من هذه الفترة تظهر بوادر لما سيصبح في القرن الحادي والعشرين اتجاهاً للكتابة بأصوات مهمشة ورجولة شديدة العنف، خاصة بعد فترة “ربيع دمشق” التي أعقبت وفاة حافظ الأسد وتولي بشار الأسد.
الأشخاص
الفصول(7)
1.مقدمة12–30▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل التمهيدي هو تقديم إطار نظري ومنهجي لدراسة كيفية بناء الشخصيات الذكورية والأدوار الذكورية (الماسكولينية) في روايات كاتبات سوريات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الروايات ليست مجرد قصص عن النساء، بل هي مساحة إبداعية تعمل فيها الكاتبات على بناء وتفكيك وإعادة تشكيل مفهوم الذكورة، ليس كحقيقة ثابتة، بل كأداء اجتماعي متغير يتفاعل مع الأنوثة ومع المجتمع الأبوي داخل "المجتمعات الخيالية" للروايات. يرى المؤلف أن دراسة هذه الذكورات الأدبية تكشف عن دور النساء الفاعل في دعم أو تقويض أنماط معينة من الذكورة، مما يسد فجوة في الأبحاث السابقة التي ركزت غالباً على الشخصيات النسائية فقط.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من اقتباس افتتاحي من رواية دمشق يا بسمة الحزن (1980) للكاتبة ألفت الإدلبي، حيث يقول معلم لطالباته: "المرأة هي التي تصنع الرجال". يستخدم المؤلف هذا الاقتباس كنقطة انطلاق لتوضيح أن الشخصيات الخيالية، والكاتبات أنفسهن، يشاركن في هذه العملية الاجتماعية المتمثلة في "صناعة" الرجال عبر الأدب. بعد ذلك، يحدد المؤلف الفجوة البحثية التي يسدها الكتاب، مشيراً إلى أن معظم الأبحاث السابقة عن أدب النساء العربيات ركزت على تطور الشخصيات النسائية بينما تم التعامل مع الشخصيات الذكورية على أنها مجرد "إضافات" أو أدوات حبكة. يستشهد المؤلف بأعمال سابقة مثل كتاب سميرة عقيصي "الهوية الذكورية فيfiction الشرق العربي منذ 1967" وكتاب هدى الصدة "الجنس والأمة والرواية العربية: مصر 1892-2008"، بالإضافة إلى كتاب ميسون الجرف الصادر عام 2014 عن بناء الشخصية الذكورية في الرواية السورية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شرح الإطار النظري المعتمد، وهو دراسات الذكورة، ويبني بشكل خاص على نظرية راوين كونيل عن "الذكورة المهيمنة" (Hegemonic Masculinity). يوضح المؤلف أن هذه النظرية تفترض تعددية الذكورات وتنافسها على السلطة، وأن الذكورة المهيمنة هي الشكل المقبول اجتماعياً في وقت ومكان معينين، وهي قابلة للتغير. يقر المؤلف بوجود إشكالية محتملة في تطبيق نظرية غربية على سياق شرقي، لكنه يجادل بأن مرونة النظرية، التي تعترف بالاختلافات الثقافية والتاريخية، تجعلها قابلة للتكيف. كما يوضح أن التحليل سيستند إلى ثلاثة افتراضات رئيسية: (أ) أن الشخصيات الذكورية والأنثوية تبنى الذكورة معاً، (ب) أن تصور الذكورة يختلف باختلاف السياق والمكان، (ج) أن قيمة أداء الذكورة تحددها موافقة الآخرين وليس أفعال الفرد وحده.
يتناول الفصل أيضاً مسألة المنهجية، مؤكداً على استخدام "السرديات النسوية" (Feminist Narratology) التي تركز على كيفية بناء النص للجندر من خلال عمليات سردية، بدلاً من التحليل الكلاسيكي الذي يتجاهل دور الجنس والجندر. يوضح المؤلف أن التحليل لن يهتم بنوايا الكاتبة بقدر ما سيركز على كيفية ظهور الذكورة في النص نفسه من خلال تقنيات مثل التبئير (Focalization) وبناء الشخصية. ثم يقدم مفهوم "المجتمع الخيالي" (Fictional Society) المستعار من سمر روحي الفيصل، والذي يستخدم لفصل القوانين والأعراف داخل الرواية عن الواقع، مع الاعتراف بالعلاقة الجدلية بين الأدب والمجتمع الذي ينشأ فيه.
يناقش الفصل حقيقة أن الكاتبات يعشن في "نظام جندري" (Gender Regime) أبوي، وأن وجهة نظرهن كـ"التابعات" (subordinates) في هذا النظام تجعل بناءهن للذكورة أمراً بالغ الأهمية. تشير المؤلفة إلى أن النساء في رواياتهن يمكنهن مكافأة الذكورات التي يقدرنها أو "معاقبة" تلك التي لا يدعمنها، مما يمنح الأدب قوة هائلة لطرح بدائل. كما تناقش المؤلفة النقد الذي وُجه للكاتبات، مثل اتهام حسام الخطيب لهن بعدم القدرة على بناء أبطال ذكور واقعيين، أو اتهام ميسون الجرف لهن بإنتاج شخصيات ذكورية إما وحشية أو مخنثة. لكن المؤلفة ترفض فكرة الحكم على "صدق" الشخصيات، وتعتبر أن هذه الانتقادات نفسها دليل على أن الشخصيات تخترق التوقعات الجندرية وتقدم أفكاراً جديدة.
أخيراً، يخصص الفصل جزءاً كبيراً لوصف المشهد الأدبي السوري. يشرح المؤلف اختيار سوريا كحالة دراسية واحدة نظراً لخصوصية تقاليدها وعاداتها وتأثير الأحداث السياسية مثل اتفاقية سايكس بيكو (1916) وحرب 1967 والحرب الأهلية اللبنانية. يذكر أن الأدب السوري لعب دوراً مهماً في بناء الأمة بعد الاستقلال عام 1946، وأن الواقعية الاجتماعية كانت النمط الأدبي المهيمن بين الخمسينيات والتسعينيات، مدعومة من قبل الدولة والحزب. ينتقد المؤلف أن روايات النساء كثيراً ما تم إقصاؤها من النقد الأدبي السائد باعتبارها ذاتية و"برجوازية"، بينما يرى هو أن استخدام القصص الشخصية هو استراتيجية سياسية لمعالجة القضايا الكبرى، كما تؤكد الناقدات بثينة شعبان وعاطفة فيصل. يوضح المؤلف أن فترة الدراسة تمتد من 1959 (بعد رواية كوليت خوري "أيام معه") إلى 2000، ويقسمها إلى ثلاث "موجات أدبية" (بدلاً من فترات قطعية): "الرجل الحلم" (1959-1970)، و"الرجل السياسي" (1970-1980)، و"الذكورة الإشكالية" (1980-2000). يختار المؤلف رواياته بناءً على ظهورها في الصحف والمجلات الأدبية مثل الموقف الأدبي وفصول والمعرفة، مما أدى إلى قائمة تضم 34 رواية من تأليف 26 كاتبة.
يعترف المؤلف بحدود المنهجية، مثل مشكلة تطبيق نظرية غربية على سياق عربي، ويقر بأن الكاتبات لا يشكلن مجموعة متجانسة من حيث الطبقة والتعليم والدين. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت الذكورة في هذه الروايات تمثل الجانب الوحشي المعيق للمرأة أم أنها تمثل أفضل الصفات الممكنة في الرجل، مؤكداً أن الإجابة قد تختلف من رواية لأخرى.
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص، هو تأكيد المؤلف على أن انتقادات النقاد الذكور للشخصيات الذكورية غير الواقعية في روايات النساء هي في حد ذاتها دليل على قوة هذه الشخصيات في تحدي الصور النمطية. هذه حجة مثيرة للاهتمام، حيث إنها تحول نقطة ضعف محتملة (عدم الواقعية) إلى نقطة قوة (الجرأة على تقديم بدائل). كما أن تقسيم الموجات الأدبية إلى "رجل حلم" و"رجل سياسي" و"ذكورة إشكالية" هو تبسيط قد لا ينطبق بسلاسة على كل رواية، لكن المؤلف يعترف بذلك حين يصف السنوات بأنها "علامات تقريبية للبدايات والنهايات".
1.ذكورة الحلم – أو الذكر كوسيلة لتحقيق الذات30–61▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول مفهوم "ذكورة الحلم" كما تقدمه روايات نسائية سورية صدرت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الروايات لا تنتقد الذكورة السائدة بصورة مباشرة، بل تبني نموذجاً ذكورياً مثالياً يركز على دور الرجل كوسيلة لتمكين المرأة وتحقيق ذاتها. هذا النموذج، الذي يسميه المؤلف "ذكورة الحلم"، يعمل من داخل النظام الأبوي ولا يخرجه، لكنه يعيد تعريف محتواه ليصبح الأب أو الحبيب داعماً لتعليم المرأة وعملها وحريتها الشخصية.
يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن الرواية النسائية السورية، مشيراً إلى أن أول رواية لكاتبة عربية يُقال إنها حسن العواقب: غادة الزاهرة لـزينب فواز عام 1899. لكن الكاتبات الأوائل بعد تأسيس الدولة السورية عام 1946 هن وداد سكاكيني وسلمى الحفار الكزبري. الرواية التي تبدأ بها الفترة التي يدرسها الكتاب هي أيام معه لـكوليت خوري الصادرة عام 1959، التي اعتُبرت نقلة نوعية في الكتابة النسائية لأنها حررت نفسها من "اللغة الذكورية" وصاغت صوتاً نسائياً جديداً واضحاً في التعبير عن الرغبات.
يقدم الفصل بعد ذلك ملخصاً لثماني روايات هي أساس التحليل. في أيام معه (1959)، تبحث ريم عن الخلاص عبر حبيبها زياد الذي يمثل لها الحرية والفن. في ليلة واحدة (1961) لنفس الكاتبة، تموت رشا بعد ليلة حب عابرة مع كامل هرباً من زواج بلا حب. في ثلج تحت الشمس (1961) لـليلى اليافي، ترفض ريما الزواج من ابن عمها حتى يصبح مثل أبيها المتبني المتفهم. في الحب والوحل (1963) لـإنعام المسالمة، يرفض أحمد مبادئ المجتمع الذكورية ويكتب لصديقه عن حبه لـإيناس الطبيبة المستقلة. في أعين من إشبيلية (1965) لـسلمى الحفار الكزبري، تجد كارمن الخلاص في زوجها الحامي بعد طردها من المنزل. في الرواية الملعونة (1968) لـأمل جراح، تقع حنان في حب أبيها لكن المرض يمنع سفاح القربى. وأخيراً، في أرصفة السأم (1973) لـهيام نويلاتي وأم عصام، تترك ماريا حبيبها حبيب خوفاً من الفضيحة، رغم أنه يمثل لها الاحترام والمساواة.
يشرح المؤلف الوظيفة الأدبية لهذه الروايات من خلال مفهوم "التركيز البصري" (Focalization). ينظر إلى الرجال في هذه القصص من خلال عين الأنثى، مما يبرز كيف أن الذكورة مفهوم متغير يعتمد على من ينظر. في معظم الروايات، يكون الرجل (الأب أو الحبيب) هو "الشيء" المُركز عليه، ويُنظر إليه بإعجاب. مع ذلك، يلفت المؤلف النظر إلى أن بعض الروايات، مثل الحب والوحل وأرصفة السأم، تستخدم راوياً ذكراً، مما يعطي مساحة لتجربة الرجل الذكورية نفسها. هذا "النظرة الأنثوية الجديدة" لا تقطع مع التقاليد، بل تضاف إلى النظرة الذكورية السائدة، حيث ما زالت الشخصيات النسائية تُخلق حول مركز ذكوري، والرجال يؤدون وظيفة الدعوة لتحرير المرأة.
ينتقل الفصل إلى صياغة مفهوم "ذكورة الحلم" (Dream Masculinity)، وهي ذكورة تتخيلها البطلة لتلبي رغباتها في نموذج مثالي. هذا الرجل المثالي ليس مجرد زوج غني، بل هو الضامن لتحقيق ذاتها: الدراسة، الحرية، الحماية. الفرق بين هذه الذكورة والذكورة السائدة في المجتمع الروائي يشكل نقطة التوتر في القصة. البطلة تجد نفسها محصورة بين رغبتها الشخصية (ذكورة الحلم) والمطالب الاجتماعية (الذكورة السائدة). هيلينا إريكسون في دراستها عن الرواية الأمريكية تشير إلى أن ذكورة الحبيب تكون أداة لتحقيق الحرية، لكن في الروايات السورية، الخلاف ليس بين الزوج والحبيب، بل بين ذكورة المجتمع ككل وذكورة الحلم الفردي.
يعمق الفصل فكرة أن الرجال في هذه الروايات يحصلون على "أرباح أبوية" (Patriarchal Dividend) لمجرد كونهم ذكوراً، وهو ما يميزهم عن النساء. البطلات لا يرفضن هذا النظام، بل يتفاوضن داخله. يستخدمن "المساومة الأبوية" (Patriarchal Bargain) كما صاغتها دنيز كانديوتي: يقبلن بامتياز الرجل مقابل حصة من هذه الأرباح (حماية، دراسة، عمل). هذا الموقف المتناقض - استخدام الذكورة للهروب من ذكورة أخرى - هو السبيل الوحيد المتاح لهن للتأثير في حياتهن. مثال واضح هو ريم في أيام معه التي توافق على الزواج من ابن عمها رغم كرهها للزواج، لأنه السبيل الوحيد لتحقيق أحلامها، كما تقول: "أجبت بـ'نعم' فوراً رغم أنني أكره الزواج، لأنني افترضت أن زواجي به هو الطريق الوحيد لتحقيق أحلامي".
يناقش الفصل بالتفصيل صفات "ذكورة الحلم" المطلوبة لدى البطلات. أهمها الاهتمام بتعليم المرأة، وإعطاؤها حق اختيار الزوج، مع الإبقاء على دور الرجل الحامي والمقرر. في أيام معه، تريد ريم من زياد أن يحميها جسدياً وعاطفياً حتى تستطيع أن تفعل ما تريد، لكنها في الوقت نفسه ترفض حماية أبيها التي تقيد حركتها. الصديقة نادية تنتقد هذه الرغبة في الحماية وتصفها بالكسل، لكن الحوار يثبت أن فكرة الرجل الحامي هي حجر الزاوية في "ذكورة الحلم"، حتى لو اختلفت طريقة تنفيذها. في الحب والوحل، يمثل أحمد نموذجاً للذكورة المتفهمة والمتسامحة، لكنه في النهاية لا يستطيع كسب حب إيناس التي لا تثق بأنه مختلف حقاً عن بقية الرجال.
يتطرق الفصل إلى شخصية الأب المثالي كتجسيد لـ"ذكورة الحلم". الأب في روايتي ثلج تحت الشمس والرواية الملعونة لا يفقد رجولته أو قوته بتشجيعه لابنته على الدراسة واتخاذ قراراتها. بل على العكس، يُنظر إليه بإعجاب من قبل أصدقاء ابنته اللواتي يصفنه بـ"الأمل". في الرواية الملعونة، تحاول البطلة حنان استبدال أمها المتوفية لتصبح حبيبة أبيها، مما يقدم نقداً ضمنياً لخطورة الإعجاب المطلق بالأب القوي. مرض القلب الذي يقتل حنان يؤكد أن الثقة العمياء بالرجل المثالي ليست دائماً مضمونة النتائج. يذكر المؤلف أن أمل جراح فازت بالجائزة الأدبية لكنها اختارت عدم نشر الرواية خوفاً من ردود الفعل.
يعرض الفصل حدوداً واضحة في تحليله. يعترف المؤلف بأن روايات هذه الفترة لا ترفض الذكورة السائدة بل تتبناها بصيغة معدلة، مما يعني أن "ذكورة الحلم" تدعم النظام الأبوي في جوهره. المثال الأوضح هو أن لا أحد من الأبطال يتصور أن المرأة قد تختار عدم الزواج. البطلات يستخدمن الرجل لتحقيق الذات، لكنهن لا يخرجن من إطار العلاقة الزوجية أو الأبوية. رواية ليلة واحدة تكشف عن وجه مأساوي لهذه الاستراتيجية: رشا تموت بعد ليلة واحدة مع حلمها، مما يشير إلى استحالة تحقيق الذات بالكامل ضمن هذا النظام. كما أن فكرة "الحماية" تظهر كسلاح ذو حدين: حماية المحبوب المثالي قد تتحول إلى سيطرة، كما حدث مع أبي ريم الذي منعها من الذهاب للجامعة بحجة حمايتها.
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، يبرز التناقض في دور أحمد في الحب والوحل. النص يصفه كنموذج للذكورة الجديدة والمتفهمة، لكنه في النهاية لا يستطيع تغيير مخاوف إيناس ويفشل في الزواج بها. هل هذا يعني أن النموذج الجديد غير مقنع حتى في عالم الرواية؟ وهل الإصرار على أن تكون "ذكورة الحلم" معادلة للقوة التقليدية والحماية الجسدية (كما في أيام معه) يجعلها مجرد نسخة مكررة من الذكورة السائدة بغطاء حديث؟ يختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذا النموذج استمر استخدامه من قبل الكاتبات حتى نهاية القرن العشرين، لكن رواية أرصفة السأم (1973) تشير إلى بداية تغير، حيث أصبح توقع العمل والمساهمة في المجتمع هو القاعدة وليس الاستثناء، مما يفتح الباب لمراجعة هذا المفهوم في الفصول التالية.
2.الذكوريات المتأثرة سياسيًا وأيديولوجيًا62–78▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تصوّر الروائيات السوريات للذكورة المتأثرة سياسياً وأيديولوجياً، خاصةً خلال الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، والتي أطلق عليها المؤلف اسم "عصر الرجل السياسي". الجواب المحوري الذي يقدمه الفصل هو أن هذه الذكورة الثورية أو السياسية، التي تجسدها شخصيات شابة مثالية، لم تكن مجرد تعبير عن أدوار جندرية جديدة، بل كانت بمثابة أيقونة للقضية السياسية ذاتها. لقد مثّل هؤلاء الرجال رمزاً للتغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، وأصبحوا مصدر افتتان للبطلات اللواتي رأين فيهم تجسيداً لأمل أفضل للوطن، حتى وإن ظلت العلاقات بين الجنسين قائمة على أسس هرمية تقليدية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تحليل ست روايات رئيسية، تبدأ بـ "كوابيس بيروت" (1976) لـغادة السمان، والتي تصور الفوضى في بيروت أثناء الحرب الأهلية من وجهات نظر متعددة، حيث يمثل الجيش، وقائده تحديداً، نموذج الذكورة المثالي الذي ينقذ البطلة. ثم تنتقل المناقشة إلى رواية "بستان الكرز" (1977) لـقمر كيلاني، والتي تروي قصة سنية، الطالبة الجامعية الثرية التي تنجذب إلى صديقها سامي وأفكاره السياسية، وتقرر القتال إلى جانبه في الحرب اللبنانية، في مقابل والدها الثري الذي يهرب. تليها رواية "الوطن في العينين" (1979) لـحميدة نعنع، والتي تتناول القضية الفلسطينية من خلال ندى، الفتاة السورية التي تنضم إلى حركة المقاومة الفلسطينية وتعشق المقاتل المثالي أبو مشهور، الذي يصبح معياراً تقارن به كل الرجال الآخرين وتفشل في العثور على مثله. أما رواية "من يجرؤ على الشوق" (1989) لنفس الكاتبة، فتصور مجموعة من المقاتلين السابقين المحبطين في باريس، وتتابع ندى أخرى التي تترك حبيبها عمر بعد أن يتبدل إيمانه بالنضال المسلح. وأخيراً، يناقش الفصل روايتين تدور أحداثهما في سوريا: "دمشق يا بسمة الحزن" (1980) لـألفت الأدلبي، والتي تجري في بداية القرن العشرين خلال فترة الانتداب الفرنسي، وتقدم صبّرية التي تستلهم أفكارها التقدمية من أخيها سامي وحبيبها عادل قبل أن يموتا كليهما، ورواية "الدوامة" (1983) لـقمر كيلاني، حيث تتزوج سامية من مدرسها كريم المثقف والنشط سياسياً، لكنها تصاب بخيبة أمل لاحقاً لعدم قدرته على إحداث تغيير حقيقي.
يُظهر التحليل كيف تعمل هذه الروايات على بناء تصور للذكورة المثالية من خلال مقارنتها بنماذج ذكورية أخرى، غالباً ما تكون "تقليدية" أو "ماضوية". على سبيل المثال، في رواية "دمشق يا بسمة الحزن"، تقارن صبّرية باستمرار بين سامي وعادل (اللذين يمثلان الرجل الجديد الحساس والشجاع والمتعاطف مع الفقراء) وبين والدها وأخيها الأكبر راغب اللذين يجسدان الذكورة القديمة القمعية. خاصية البكاء، التي تُعتبر ضعفاً في أخيها الآخر محمود، تُعتبر حساسية مرغوبة في عادل. وبالمثل، في "بستان الكرز"، سنية ترى في والدها الثري رمزاً للفساد واللامبالاة، بينما يمثل سامي الالتزام والتضحية من أجل القضية. هذا التناقض الواضح بين "الخير" و"الشر" في هذه الشخصيات يدعم الفكرة الأيديولوجية الشاملة للرواية بأن التغيير ضروري. ويؤكد الفصل أن الذكورة السياسية الجديدة، وإن بدت ثورية، تستقرئ من نفس الأسس القديمة المتعلقة بالسيطرة والحماية والمعرفة، حيث يظل الرجل هو المصدر الأساسي للمعرفة والمبادرة، والمرأة هي من تتلقى الدعوة للمشاركة.
يكشف الفصل عن تحفظات كبيرة لدى المؤلفة بشأن المساواة الحقيقية التي تعد بها هذه الذكورة الجديدة. فعلى الرغم من أن الرجال السياسيين يدعون إلى تعليم المرأة ودورها في المجتمع الجديد، فإن العلاقة بين الجنسين تظل غير متكافئة. ففي لقاءات عادل وصبّرية، يظل هو من يفكر وينظم ويفهم، بينما تتمنى صبّرية أن تصل إلى مستواه. وفي رواية "من يجرؤ على الشوق"، عندما يهاجم العدو معسكر عمر، يأمرها بالبقاء في الداخل بينما يذهب هو للتحقق من الأمر، لأنها "امرأة". ويخلص الفصل إلى أن "الرجل السياسي" هو إعادة تشكيل لأساسيات القوة الداخلية لدى الرجل، وليس إعادة صياغة جذرية للعلاقات بين الجنسين. ويُستخدم علاقاته مع النساء كوسيلة لبناء قاعدة سلطة جديدة في مواجهة الجيل الأكبر، بدلاً من تغيير ميزان القوى بين الذكر والأنثى. وتستشهد الكاتبة بـدنيز كانديوتي التي ترى أن كون المرء "رجلاً جديداً" هو وسيلة للتمرد على الآباء لا ثورة فعلية من أجل تعليم النساء.
تترك المؤلفة سؤالاً مفتوحاً حول اختفاء هذا النموذج من الذكورة المثالية. ففي جميع الروايات التي نوقشت، يموت الرجال المثاليون أو يختفون أو ينهار حلمهم (مثل كريم في "الدوامة" الذي يعترف بالفشل) قبل أن يتمكنوا من بناء علاقة جنسية أو زواج. هذا الموت الرمزي ضروري في بنية الروايات، فهو يجعل منهم أيقونات وأساطير لا يمكن نقدها، ويحافظ على بقاء حلمهم حياً في أذهان البطلات. ويوضح الفصل أنه بحلول التسعينيات، يختفي البطل الثوري المثالي بالكامل من الروايات السورية، ويسود شعور بالإحباط وخيبة الأمل، مما يشير إلى أن هذه الذكورة كانت انعكاساً لفترة تاريخية سياسية محددة، وقد انتهت بتغير الظروف. النقطة القابلة للنقاش في الفصل هي أن التغيير الذي تعد به الذكورة السياسية هو تغيير سطحي في الأداء أكثر منه تغيير جوهري في البنى الأبوية، وهو ما تثبته الكاتبة بالأمثلة من النصوص الروائية التي تُظهر استمرار التبعية النسائية للمعرفة والقرار الذكوري.
3.الذكورة المتغيرة – تحول من حل إلى مشكلة86–105▼ ملخص
يطرح هذا الفصل من كتاب "الذكورة والرواية السورية" للكاتبة لوفيسا بيرغ موضوعاً محورياً هو تحول صورة الذكورة في الروايات النسائية السورية من حل أو أمل إلى مشكلة ونقد اجتماعي. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن نظرة الكاتبات السوريات للشخصيات الذكورية والقيم المرتبطة بالذكورة قد تغيرت جذرياً بين ستينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذ لم يعد الرجال يُصوَّرون كداعمين ومخلصين للبطلات، بل تحولوا إلى شخصيات إشكالية: إما قمعية وعدوانية، وإما ضعيفة وغير قادرة على الوفاء بأدوارهم التقليدية.
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح. يبدأ بوصف الموجة الأولى من الروايات (تقريباً ستينيات وسبعينيات القرن العشرين) حيث كان يتم تقديم نموذج مثالي للذكورة: رجل كريم وحامٍ ومخلص يوجه البطلة نحو الطريق الصحيح. لكن الكاتبات، وفقاً للفصل، لم يسمحن لهذه النماذج المثالية بالنجاح؛ ففي نهاية هذه الروايات المبكرة كانت البطلات تتخلين عن هؤلاء الرجال. في الموجة الثانية (تقريباً سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين)، أصبحت الذكورة مرتبطة بالسياسة والأيديولوجيا، لكن هذه النماذج ماتت أو اختفت أيضاً، مما يشير إلى أن الكاتبات أنفسهن لم يثقن تماماً بإمكانية التغيير من خلال هذا النوع من الرجال.
التحول الجذري يحدث في الموجة الثالثة، التي يحددها الفصل بدءاً من أواخر الثمانينيات وحتى حوالي عام 2000. هنا، تبدأ الكاتبات بافتراض أن البطلات يعرفن ما هو جيد لهن، ويُمنحن صوتاً نقدياً أقوى. بدلاً من استخدام الذكورة كرمز للأمل، أصبحت أداة لتحليل وانتقاد المشاكل المجتمعية مثل الفقر والفروق الطبقية، ولم تعد الذكورة مثالاً يُحتذى به، بل أصبحت مشكلة تُناقش. يذكر الفصل ثلاثة محاور رئيسية تظهر في هذه الفترة: الذكورة التابعة (المهيمَن عليها)، والذكورة المتواطئة، والذكورة القمعية العدوانية.
يستشهد الفصل بدراسة إيمان القاضي التي تربط هذا التغيير بظهور كاتبات من مناطق وطبقات اجتماعية جديدة في التسعينيات، مثل كاتبات من المنطقة الساحلية. ويضيف أن الكاتبات بثينة شعبان وميسون الجرف من بين من ناقشن هذه التحولات. تشير ميسون الجرف إلى أن تصوير الذكورة السلبي يعود إلى عدم قدرة الذكورة التقليدية على التكيف مع رؤية عالمية متغيرة، وتقترح تقسيم الشخصيات الذكورية إلى نوعين فقط: "الرجل الوحش" أو "الذات الأنثوية البديلة" (شخصية ذكورية كُتبت كما لو كانت أنثوية). لكن الفصل ينتقد هذا التبسيط، مؤكداً أن تعدد أشكال الذكورة الإشكالية أكثر تعقيداً.
لتطوير حجته، يحلل الفصل بالتفصيل عدداً من الروايات المهمة كأمثلة. رواية "فرات" (1998) لمايا الرحبي تروي قصة امرأة من قرية قرب نهر الفرات تنتقل إلى دمشق بعد زواجها، وتتحمل الضرب والإذلال من زوجها في البداية، ثم تتمرد عليه لاحقاً وتهدده بمسدسه الخاص. في رواية "قبو العباسين" (1995) لهيفاء بيطار، تقرر البطلة خلود الانتقام من جميع الرجال بعد أن رأى والدها يؤذي أمها، وتبدأ علاقات جنسية مع الشباب ثم تتركهم فجأة لإيذائهم. رواية "أفراح صغيرة، أفراح أخيرة" (1998) لهيفاء بيطار أيضاً تظهر التغير في شخصية الزوج الذي كان متفتحاً في باريس لكنه يتحول إلى رجل تقليدي قاسٍ بعد العودة إلى سوريا، بسبب "الضغط الاجتماعي".
تستمر الأمثلة مع رواية "هرولة فوق صقيع طليطلة" (1993) لماري رشو، حيث تسافر البطلة هند إلى أمريكا للزواج من ابن عمها جاد، لكنها تكتشف أنه لا ينوي مساعدتها بل يسيء معاملتها، فتُجبر على تعلم اللغة والبحث عن عمل ثم تطلب الطلاق. رواية "حنين" (1997) لأميمة الخش تقدم شخصية ثرى التي تناضل ضد الإقطاعيين مع شقيقها وصديقها السابق من أجل الحرية السياسية، وينتصرون في النهاية. أما رواية "صبح امرأة" لغالية قباني فتصف غزو الكويت من وجهة نظر طبيبة سورية تعمل هناك، وتختبر العلاقات تحت ضغط الحرب. ويذكر الفصل أيضاً روايات أخرى مثل "أنا خلف الضباب" لنوال تقي الدين التي تركز على رجل مخادع وغير موثوق يستخدم علاقته بالبطلة لتعزيز شعوره بالقوة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة شخصية "الأب" كمحور أساسي للسلطة في المجتمع الأبوي السوري. يوضح كيف كان الأب يتمتع بـ"التفويض" أو "الإذن الاجتماعي" (Authorisation)، وهو وضع يمنحه القوة والاحترام بغض النظر عن سلوكه. في الموجة الأولى، كان الأب مثالياً يدافع عن تعليم ابنته ومستقبلها. في الموجة الثانية، أصبح رمزاً للأفكار القديمة. أما في الموجة الثالثة، فيصفه الفصل بأنه "طاغية وحشي" يُلام علناً على مصائب بناته وزوجاته. يستشهد الفصل بمقولة من رواية "دمشق يا بسمة الحزن" لألفت الإدلبي حيث تقول إحدى الشخصيات: "مهما يكن، الأب عز أو قوة"، مما يدل على مكانته المطلقة. ويذكر الفصل أن نقد الأب في الروايات هو نقد للنظام الاجتماعي برمته والذكورة المهيمنة.
يقدم الفصل أيضاً فكرة "الوعود الكاذبة" والتغير في الذكورة بعد الزواج. يصف "الرجل الحالم" الذي يظهر في الموجة الأولى والذي يدعم المساواة وحرية المرأة، لكنه يتحول بعد الزواج إلى شخص قمعي. في الموجة الثالثة، تتزوج البطلات فعلاً من هؤلاء الرجال الذين يتحولون بعد الزواج، على عكس الموجة الأولى حيث لم يتحقق ذلك الزواج. هذا التغير يُقرأ تعليقاً على قوة المجتمع والضغط الاجتماعي، حيث يبدو أن الرجال يفهمون المساواة لكنهم يختارون الحفاظ على السلطة الأبوية.
يقر الفصل بحدود وتحفظات، منها أن بعض الروايات مثل "فرات" و**"الرواية المستحيلة"** لغادة السمان لا تزال تحتفظ بصورة الأب المثالي كمرجعية لقياس الرجال الآخرين. كما يعترف الفصل بأن إلقاء اللوم على الأب ليس شاملاً لكل الروايات في الموجة الثالثة. ويترك سؤالاً مفتوحاً: "ما هو شكل الذكورة الجديد المقبول؟" دون أن يجيب عليه بشكل قاطع، بل يكتفي بتتبع التغيرات.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن التغيير الجوهري لم يكن في صفات الرجال ذاتها، بل في تفسير البطلات والكاتبات لهذه الصفات. فالأفعال التي كانت تُرى حماية في الماضي (مثل مرافقة الرجل للمرأة) أصبحت تُرى تقييداً للحرية في الروايات اللاحقة. هذا التغير في النظرة هو ما جعل الذكورة تتحول من حل يُحتذى به إلى مشكلة تُنقد وتُكشف من خلال الأدب.
4.الذكورة – دور صعب الأداء106–137▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل، المعنون "الذكورة – دور صعب الأداء"، من كتاب لوفيزا بيرغ، بطرح إشكالية محورية: كيف تتحول الذكورة، بدلاً من أن تكون مصدر قوة وسلطة، إلى عبء وهمّ يُثقل كاهل الشخصيات الذكورية في الروايات السورية التي كُتبت بعد الثمانينيات؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الروايات، التي كتبتها نساء في الغالب، تستخدم شخصياتها الذكورية كنقد اجتماعي. بدلاً من إظهار الرجال كطبقة مضطهدة أو مستبدة، تُظهرهم كضحايا لتوقعات اجتماعية صارمة ومتناقضة، وعاجزين عن الوفاء بها بسبب الفقر أو التهميش أو الظروف الاقتصادية القاسية. الذكورة هنا ليست امتيازاً يُمنح، بل هي دور صعب الأداء، يؤدي الفشل فيه إلى فقدان الهوية والاحترام.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل عدد من الروايات السورية الرئيسية. يبدأ بمناقشة تقنية "النظرة الذكورية" التي توظفها الكاتبات. يوضح الفصل أن الكاتبات مثل غادة السمان في رواية "بيروت 75" (1975) وهنرييت عبودي في رواية "الظهر العاري"، يستخدمن راوياً ذكراً يصف العالم من وجهة نظر ذكورية نمطية، لكن الحبكة نفسها تنقض هذه النظرة وتجردها من قيمتها. على سبيل المثال، بطل رواية "الظهر العاري"، أدهم، يحدق في جسد حبيبته كلير بنظرة مفترسة، لكنه في الواقع عاجز عن اتخاذ القرارات وفرض سلطته في العلاقة. يُظهر الفصل أن هذه "النظرة الذكورية" تصبح فارغة ومضللة، ويتم استخدامها لكشف زيف الصورة النمطية للرجل القوي المسيطر.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مفهوم "الذكورة التابعة" الذي استعاره من منظّر علم الاجتماع راون كونيل. يشرح كيف أن الشخصيات الذكورية في هذه الروايات لا تنتمي إلى النموذج المهيمن للرجولة، بل هي "تابعة" ومهمشة لأسباب مختلفة. في رواية "بيروت 75"، يُظهر نشان، المدير الثري، ازدواجية واضحة: فهو يفضل الرجال جنسياً، لكنه يتظاهر بأنه مغاير الجنس بإظهار الفتيات في الأماكن العامة، خوفاً على مكانته. المقابل، فرح، الشخصية الفقيرة التي يغتصبها نشان لاحقاً، تفقد ما يُوصف بأنه "رجولتها" وتبدأ في ارتداء ملابس النساء. يُظهر هذا أن الأداء الجنسي (كونك الفاعل لا المفعول به) هو ما يحدد الرجولة، وليس الجنس البيولوجي. أما في رواية "النسر الأعور" لـهيفاء بيطار، فيعاني الطبيب كريم من الفقر والتهميش رغم مكانته العلمية، مما يعجزه عن أداء دوره كمعيل، ويجعله تحت رحمة نظرات الشفقة من جيرانه.
يتعمق الفصل في فكرة أن النموذج المهيمن للذكورة هو "مثال مستحيل". الشخصيات تسعى جاهدة للوصول إليه، لكنها تفشل دائماً، مما يوقعها في أزمة دائمة. يعاني سامي في رواية "امرأة في دائرة الخوف" لـديمة قصابجي من العقم، فيعوض ذلك بالقسوة والسيطرة على زوجته حسناء. وفي نفس الرواية، عندما يكتشف أن عجزه هو مصدر مشكلته، يطلق زوجته بدلاً من مواجهة العار. في "بيروت 75"، يُنجب أبو مصطفى أحد عشر طفلاً كدليل على رجولته (الخصوبة)، لكن هذا يزيد من فقره وعجزه عن إعالتهم، مما يخلق حلقة مفرغة. الفصل يدعم هذه الفكرة باقتباس من عالم الاجتماع بيير بورديو، الذي يرى أن امتيازات الرجال تتحول بسرعة إلى عبء عندما يجب إثبات الرجولة وإعالة المُعالين، وأن نجاح هذا الأداء يظل رهناً بتقييم المجتمع.
يخصص الفصل قسماً هاماً لمناقشة دور الخلفية الطبقية. يُظهر أن الفقر هو العقبة الأكبر أمام أداء الرجولة. يُقارن الفصل بين علي الفقير في رواية "النعناع البري"، الذي يغار من زميله الغني سامي الذي يستطيع بسهولة شراء سيارة وتكوين علاقات، وبين أبي الملة في "بيروت 75" الذي أُجبر على إرسال بناته الصغيرات للعمل كخادمات. عدم القدرة على الإعالة المالية لا تعني فقط الفشل الاقتصادي، بل هي فشل في إظهار الحب والرجولة معاً، لأن الإعالة هي اللغة الوحيدة المتاحة للرجل للتعبير عن حبه. من ناحية أخرى، يستطيع الرجال الأثرياء، مثل زوج أخت كريم في "النسر الأعور"، الانحراف عن بعض التوقعات الاجتماعية دون أن يفقدوا مكانتهم، لأن أموالهم تحميهم.
في ختام الفصل، يعترف المؤلف بوجود تحفظات وحدود. فبينما تؤكد الروايات على فشل الشخصيات في تحقيق النموذج الذكوري المهيمن، إلا أنها لا تقدم هذا النموذج نفسه على أنه صحيح أو إيجابي. على العكس، تُظهر الروايات النموذج السائد على أنه "معيب، وغير إنساني، وفاسد". الشخصيات الذكورية التابعة تبدو عاجزة ومثيرة للشفقة، وهي ضحية الظروف أكثر منها فاعلة. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول "الفاعلية" (Agency) الفردية، مشيراً إلى أن المساحة المتاحة للشخصية لتشكيل هويتها ضئيلة جداً في مواجهة الضغوط الاجتماعية والطبقية. التحليل النهائي للفصل يشير إلى أن هذه الروايات، بدلاً من الاحتفاء بالذكورة أو إدانتها، تستخدمها كأداة لنقد اجتماعي لاذع يفضح هشاشة الرجل في مواجهة نظام يتوقع منه المستحيل.
5.الذكورة الأنثوية والأنوثة الذكورية – استكشاف صياغة النوع الاجتماعي138–169▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على استكشاف كيفية تشكّل الهوية الجندرية (النوع الاجتماعي) من خلال التفاعل بين الذكورة والأنوثة، وكيف أن هذه الأدوار ليست ثابتة بيولوجياً بل هي نتاج للتوقعات المجتمعية والتنشئة والعلاقات بين الجنسين. يقدّم المؤلف إجابة مفادها أن الذكورة والأنوثة يتم بناؤهما معاً في سياق اجتماعي، وأن الأدوار الجندرية المنحرفة عن المعايير السائدة (كالذكورة الأنثوية والأنوثة الذكورية) تُستخدم في الروايات كوسيلة لنقد المجتمع وكشف هشاشة هذه الأدوار.
يسير الفصل عبر تحليل مجموعة من الروايات السورية التي كُتبت في أواخر القرن العشرين، ويوضح كيف تختلف عن روايات الموجة السابقة التي كانت تقدّم نماذج مثالية للذكورة. فبدلاً من تقديم نماذج يُحتذى بها، تُظهر هذه الروايات شخصيات تعاني من عدم الأمان في سلوكها الجندري، أو تؤدي أفعالاً تُصنف تقليدياً على أنها خاصة بالجنس الآخر. يستخدم المؤلف الحجج النظرية لعلماء مثل كونيل وجوديث بتلر وجوديث هالبرستام لتحليل هذه الظواهر، ويدمجها مع أمثلة روائية محددة.
يبدأ الفصل بمناقشة نظرية حول كيفية ظهور النوع الاجتماعي كرد فعل لمحفزات خارجية وتوقعات المجتمع. ثم ينتقل إلى تحليل روايات مختارة، منها رواية "الرواية المستحيلة" لـغادة السمان، حيث تُربى البطلة زين كصبي، مما يخلق صراعاً بين حريتها وتوقعات المجتمع الأنثوي حولها. وفي رواية "خطوات في الضباب" لـملاك الخاني، يتحول الشاب المدلل هيثم فجأة إلى معيل للأسرة بعد مرض والده، مما يُظهر كيف يشكل المجتمع الذكورة من خلال تغيير التوقعات. وتستخدم رواية "نعناع بري" لـعنيسة عبود السرد من وجهة نظر شخصية غير محددة الجنس في البداية لإرباك القارئ وإظهار كيف يبحث عن إشارات جندرية لتقييم الشخصية. أما رواية "أعاصير في المشرق" لـنادية خوست فتُظهر الفصل المبكر بين الأولاد والبنات في المجتمع الريفي، وكيف تُجبر الأمهات أبناءهن على الانتقال من عالم النساء إلى عالم الرجال. وتظهر رواية "الظهر العاري" لـهنريت عبودي الانعكاس الساخر للأدوار الجندرية من خلال شخصية أدهم الذي يجد نفسه يؤدي دور "الزوجة المطيعة" بينما صديقته كلير تؤدي دور "الزوج". وأخيراً، تناقش الرواية الأخيرة "يوميات مطلقة" لـهيفاء بيطار تأثير القوانين الشخصية (خاصة قوانين الطلاق للمسيحيين) على حياة المرأة وتقييد حريتها في إعادة تشكيل حياتها.
يستخدم الفصل أمثلة مهمة لتوضيح حججه، مثل مشهد في رواية "الرواية المستحيلة" حيث لا يستطيع الأولاد تحديد جنس طفل جديد، وعندما يكتشفون أنه بنت ينصدمون، مما يدفع الجدة إلى ثقب أذنيها كعلامة واضحة على الجنس. وفي رواية "خطوات في الضباب"، تصف صديقة هيثم العلاقة بينهما بأنها مقلوبة لأنها هي من تتخذ القرارات وتقول له: "لقد تبدّل دورنا، أنا الذي صرت الولد وأنت الذي صرت البنت". ويبرز الفصل أيضاً دور النساء (الأمهات والجدات والخالات) في الحفاظ على البنى الجندرية، لا كضحايا لها، بل كمشرفات على تنشئة الأطفال وفق التوقعات المجتمعية، كما في مشهد رواية "أعاصير في المشرق" حيث تمنع الأم ابنها قيس من الجلوس معها ومع صديقاتها وتأمره بالذهاب إلى والده لأنه "أصبح رجلاً".
يقرّ المؤلف بحدود هذا التحليل، مشيراً إلى أن مفهومي "الذكورة الأنثوية" و"الأنوثة الذكورية" كما طرحتهما هالبرستام ونوردبرغ قد يكونان محافظين على القوالب النمطية بدلاً من كسرها، لكنه يبرر استخدامهما كأدوات تحليلية مناسبة للروايات التي تتعامل مع ثنائية الجنس بشكل واضح. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل شخصية زين في "الرواية المستحيلة" التي تترك قبل أن تواجه المجتمع الأوسع، مما لا يعطي إجابة واضحة عن إمكانية نجاح نموذجها خارج محيطها العائلي.
في الختام، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن الذكورة ليست مجرد سمة ذكورية، بل هي مشروع جماعي تشارك فيه النساء والرجال معاً، وأن التمرد على الأدوار الجندرية أو الانحراف عنها لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير الفرد، بل قد يُعرّضه لعقوبات اجتماعية تصل إلى فقدان الهوية والمكانة. النظرة المتوازنة للفصل تكمن في أنه لا يمجد التمرد الجندري ولا يدعم الجمود التقليدي، بل يكتشف تعقيد العلاقة بين الجنسين في سياق مجتمعي وسياسي وقانوني معين.
7.خاتمة170–178▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل الختامي بعرض الأطروحة المركزية للكتاب، وهي أن الروائيات السوريات استخدمن بناء الشخصيات الذكورية كوسيلة للتعبير عن رؤاهن حول المجتمع والجندر على مدى نصف قرن. يجيب الفصل بأن التغيير في تصور الرجولة ليس مجرد تغيير في الصفات، بل هو مرتبط بشكل وثيق بمشاركة الشخصيات النسائية في الحياة الاجتماعية وفهمهن لأدوارهن. الرواية بالنسبة للكاتبات ليست فقط انعكاساً للواقع، بل هي أداة تشكيل وتجريب لأدوار جندرية جديدة.
يسير الفصل خطوة بخطوة معيداً صياغة الإطار النظري الذي استند إليه الكتاب، وهو نظرية راون كونيل للرجولة المهيمنة ومستوياتها الهرمية، بالإضافة إلى مفهوم جوديث بتلر للجندر كنتاج للتفاعل الاجتماعي. يوضح المؤلف أن الرجولة في الروايات ليست مجرد سلوك، بل هي طريقة لتشكيل موقع للذات داخل الأسرة والمجموعة الاجتماعية. ثم يوجز الفصل التقسيم الزمني الذي اعتمده الكتاب لثلاث مراحل، وكل مرحلة تحمل عنواناً دالاً على نمط الرجولة السائد فيها.
في المرحلة الأولى، "الرجولة الحلمية" (1959-1970)، أظهر التحليل كيف استخدمت الشخصيات النسائية الأعراف الأبوية لصياغة مستقبل أفضل. لم ترفض هذه الروايات الرجولة المهيمنة في مجتمعاتها الخيالية، بل اقترحت تعديلاً لها. الشخصيات الذكورية هنا لا تزال قوية، لكنها تؤيد تعليم النساء والمساواة والزواج بحرية. يعمل هؤلاء الرجال، بصفة خاصة كآباء، على تفويض هذه الأفكار، مما يجعلهم تجارب خيالية لمجتمع تكون فيه النظرة المتساوية بين الرجل والمرأة هي المهيمنة.
في المرحلة الثانية، "الرجل السياسي" (1970-1980)، تتحول الرجولة إلى رمز للتغيير السياسي والاجتماعي بدلاً من التركيز على العلاقات الشخصية. من خلال علاقاتها مع الرجال المنخرطين سياسياً، تصوغ الشخصيات النسائية رؤية جديدة للعالم. يلاحظ الفصل أن خطاب هذه المرحلة يشير إلى تغييرات كبيرة، لكن الفهم الأساسي للرجولة يظل مشابهاً لما ترفضه الأجيال الأكبر سناً، خاصة فيما يتعلق بالإعالة والحماية. جميع الشخصيات الذكورية التي تؤدي هذه الرجولة السياسية تموت أو تختفي مبكراً من السرد، لتصبح رموزاً مثالية للتغيير والإيديولوجيا وليس شخصيات حياتية واقعية.
أما المرحلة الثالثة، "الرجولة الإشكالية" (1980-2000)، فتشهد تحولاً جذرياً حيث يكون للشخصيات النسائية تأثير فعلي على الرجولة المؤداة، مما يزعزع المكانة القوية لمن يؤدي الرجولة. لم تعد الرجولة مجرد تجارب خيالية أو رموز جامدة، بل التركيز ينصب على الرجولة التابعة والمهمشة والعدوانية. تبرز في هذه المرحلة شخصيات هجينة تكسر الحدود الجندرية، مثل "الرجولة الأنثوية" و"الأنوثة الذكورية". القبول أو الرفض لرجولة معينة يعتمد على كيفية أدائها وليس فقط على وجود صفات معينة، مما يظهر سيولة مفهوم الرجولة المهيمنة التي تختلف من بيئة إلى أخرى، وحتى داخل الرواية الواحدة. يصبح العنف، على سبيل المثال، دليلاً على الرجولة المهيمنة في سياق وعلى الرجولة التابعة في سياق آخر.
يعترف الفصل بقيود الدراسة، مشيراً إلى أن كل رواية على حدة لا تمثل أكثر من نفسها، ولا يمكن أخذ أي رواية كمثال وحيد لكتابة المرأة السورية. ولكن، عند قراءتها معاً ومقارنتها عبر الزمن، فإنها تبني فكرة جماعية عن كيفية تغير صياغات الرجولة منذ خمسينيات القرن العشرين. يربط الفصل هذا التغيير بتطور أدب النساء من وجهة نظر نسوية. كما يشير إلى أن جميع الروايات التي نوقشت تتفق على أهمية التعليم والأدب والفن، لكن المراحل المتأخرة تركز على دور المجتمع في تشكيل الجندر منذ الطفولة، وكيف يؤثر أفراد الأسرة على فهم الرجولة. من خلال اختياراتها، تظهر الشخصيات النسائية وعيها بالنظام الأبوي، وعند الالتزام به، فإنها تدعمه بنفس قدر مشاركة الشخصيات الذكورية في تشكيل الرجولة وتغييرها.
في القسم الأخير عن "الأدب والمجتمع"، يربط الفصل التغيرات في تصوير الرجولة بالتغيرات السياسية في سوريا. في المرحلة الأولى، صورت الروايات مستقبلاً مختلفاً بأمل في التعليم والعمل ضمن إطار أبوي. في المرحلة الثانية، صيغ التغيير حول رجولة قوية ترمز للتغيير. أما في المرحلة الأخيرة، فتصبح الرجولة المضطربة نتيجة لفشل الدولة، حيث تستخدم الكاتبات الرجولة الضعيفة للإشارة إلى عدم المساواة الاجتماعية والفقر. يقر الفصل بأنه من المغري قراءة التصور المتغير للرجولة، وخاصة صورة الأب، كعلاقة متغيرة بين الكاتبات والدولة. ففي الروايات المبكرة كان الأب محولاً لحياة ابنته، وفي السبعينيات كان يمثل التقاليد. أما في المرحلة الأخيرة، فيمكن انتقاده وكسر هالة السلطة الأبوية. ينتهي الفصل عند عام 2000، ويشير إلى أن العديد من الروايات من هذه الفترة تظهر بوادر لما سيصبح في القرن الحادي والعشرين اتجاهاً للكتابة بأصوات مهمشة ورجولة شديدة العنف. يستعرض الفتح السياسي المتمثل بفترة "ربيع دمشق" بعد وفاة حافظ الأسد وتولي بشار الأسد، وتأثير ذلك على الجرأة في الكتابة، وظهور "الرواية السورية الجديدة" المنشغلة بالواقع السياسي، وتنوع الأصوات التي تنتقل من شخصيات من الطبقة الغنية في المدينة إلى شخصيات من الأرياف والأحياء الفقيرة، مثل البدو في روايات لينا هاويان الحسن والعلويين في روايات سمر يزبك.
بشكل عام، يقدم الفصل تحليلاً مقنعاً لكيفية استخدام الرجولة كأداة أدبية وسياسية في الرواية النسائية السورية. الحجة الأكثر قابلية للنقاش قد تكون تلك المتعلقة بقراءة العلاقة بين صورة الأب في الروايات والسلطة السياسية للدولة، فهي قراءة ذكية لكنها قد تبسط تعقيد العلاقة بين الخيال الأدبي والواقع السياسي.