المورد
Mémoires sur les colonies juives et les voyages en Palestine et en Syrie

Mémoires sur les colonies juives et les voyages en Palestine et en Syrie

Scheid١ كانون الثاني ٢٠٢٠dePeeters

الموضوع المحوري لهذا الكتاب هو توثيق النشأة المبكرة للاستيطان الزراعي اليهودي في فلسطين خلال أواخر القرن التاسع عشر، كما عاشها ونفذها إيلي شايد، الرجل الذي اختاره البارون إدمون دي روتشيلد ليكون منظم هذه المستعمرات ومشرفها الأول. يدافع المؤلف (سيمون شوارزفوكس كمحرر، وشايد نفسه كراوٍ) عن فكرة أن هذا المشروع لم يولد من أيديولوجيا صهيونية سياسية، بل من كارثة إنسانية: موجات المذابح (البوغروم) التي ضربت يهود روسيا الجنوبية ابتداءً من عام 1881. بينما هاجر نحو مليوني يهودي إلى أمريكا، فضل تيار متواضع التوجه إلى "الأرض المقدسة". الكتاب هو شهادة من الداخل على كيف تحولت مساعدة إنسانية عاجلة إلى مشروع استيطاني ضخم تحت إدارة البارون، مع التركيز على الجوانب العملية والإدارية والاجتماعية، بعيداً عن الأيديولوجيا.

يسير الكتاب وفقاً لمنطق السيرة الذاتية والتقرير الميداني. يبدأ بتمهيد يضع الخلفية الدرامية للمشروع، مروراً بمؤتمر فوكساني في رومانيا عام 1882 والمؤتمر الأكبر في كاتوفيتس عام 1884، ويصف سذاجة المستعمرين الأوائل التي أدت إلى مجاعة كادت تقضي عليهم. هنا يدخل فينيزياني كمنقذ، ويكلف البارون روتشيلد سكرتيره الجديد إيلي شايد بالتدخل. ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى وصف رحلة شايد الأولى إلى القدس في أكتوبر 1883، ثم يتوسع في وصف مفصل للحياة اليهودية في القدس، ناقداً نظام "الحلوكة" (التوزيع) الذي شجع الفقر والزواج المبكر، ومشيداً بدور التحالف الإسرائيلي العالمي في التعليم.

بعد ذلك، يتحول الكتاب إلى سلسلة من الرحلات الاستكشافية المكلفة من البارون. هناك رحلة إلى البحر الميت في أبريل 1891 لتقييم شراء أرض، ورحلة مضنية إلى السلط للبحث عن غابة أسطورية وأراضٍ زراعية، وكلاهما انتهى بخيبة أمل واكتشاف أن الأرض قاحلة وغير صالحة للزراعة. يصف الكتاب بعدها تأسيس مستعمرة زكرون يعقوب (التي تطورت من موقع سامارين) بالتفصيل، بما في ذلك الظروف القاسية ووفيات المستوطنين، واستراتيجية البارون الزراعية الحذرة التي فضلت المحاصيل المربحة على المساحات الواسعة، وخلاف شايد مع البارون حول العمل المشترك. يخصص فصل كامل لتمرد الدكتور مونتور في المستعمرة عام 1885، وهو تمرد كاد أن يدمرها بسبب سوء التفاهم حول السلطة واستغلال طبيب انتهازي لضعف المستوطنين. تتوالى فصول عن مشاريع البناء (الآبار، المستشفيات، مخازن النبيذ الضخمة)، وعن العادات العربية في الريف، وعن رحلة شاقة أخرى حول بحيرة طبريا وشرق الأردن بتكليف من البارون لتقييم أراضٍ زراعية واعدة، لكن شايد يخلص إلى أن المنطقة قاسية وغير صالحة للاستيطان الأوروبي، في تناقض مع حماس زميله أوسوفيتسكي. أخيراً، يخصص فصل مؤثر لمعاناة شايد الجسدية من الأمراض (الحمى والدوسنتاريا) التي أصابته خلال رحلاته، ومرارته من الوعود التي لم تتحقق له.

من الأرقام والوقائع اللافتة: تعداد سكان القدس كان 60,000 نسمة نصفهم يهود (28,000). بلغت مساحة مستعمرة زكرون يعقوب بعد التوسع 23 ألف دونم. مات 29 شخصاً من أصل 328 من سكان زكرون يعقوب في صيف 1883 بسبب الجوع والحميات، أي ما يقرب من 10% . كان راتب مدير الجمارك في حيفا 100 فرنك شهرياً. بلغت حرارة إحدى ينابيع الحمة 61 درجة مئوية، ووصلت حرارة الجو في طبريا إلى 44 درجة في الظل. استغرقت رحلة شايد الأولى إلى القسطنطينية قرابة عام بدلاً من ستة أسابيع، حيث نجح في الحصول على موافقات قانونية لتملك الأراضي. رسوم العبور بالمعدية لنهر الأردن كانت 25 قرشاً للفرد و15 قرشاً للحصان. وتكلفة بناء المستشفى الصغير في زكرون يعقوب بلغت 30,000 فرنك.

يقر المؤلف بعدة حدود وتحفظات. في المقدمة، يقر شوارزفوكس بأن أسباب قرار البارون المفاجئ بإنهاء مهام شايد عام 1899 تظل غامضة، وأن شايد نفسه التزم الصمت حيالها. يقر شايد في فصول أخرى بأن مشاريع البناء تجاوزت أحياناً قدرة فرد واحد، مما استدعى تعيين مساعدين. كما يعترف بأن غرس أشجار الكينا لم يقضِ تماماً على خطر الملاريا. وفي نقاشه مع البارون، يقر شايد بخطأ تمسك البارون بالعمل المشترك، وهو رأي يخالف توجّه البارون الذي ساد. كما تترك العديد من الفصول أسئلة مفتوحة حول كيفية تغيير الواقع اليائس في مناطق مثل الجولان، وحول التكاليف الباهظة للرحلات والجهود.

أخيراً، يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح. نظرة شايد الاستعلائية تجاه السكان المحليين (العرب والبدو) واضحة، حيث يصفهم بعبارات سلبية ويتهمهم بـ"اللامبالاة" و"الفقر المدقع"، ويصف عاداتهم (مثل صبغ الشفاه باللون الأزرق) بأنها "بشعة"، مما يضعف موضوعية تحليله الإثنوغرافي. اعترافه باستخدام الرشوة ("البخشيش") لتجاوز طابور المعدية وتبريره ذلك بأن البدو لا قيمة للوقت عندهم، يكشف عن تناقض أخلاقي في سعيه لتحقيق أهدافه. كما أن دفاعه عن استراتيجية البارون الحذرة مقابل رغبته في منح المستوطنين مساحات أكبر، يظهر أن مسألة الحجم الأمثل للأرض وطريقة العمل كانت نقطة خلاف رئيسية حتى بين المهتمين بالمشروع. هذه التحفظات تجعل من الكتاب شهادة قيّمة لكنها غير محايدة، تعكس الرؤية والتحيزات الأوروبية لرجل كرس حياته لمشروع رأى فيه "واجباً دينياً وأخلاقياً" في إطار الإمبراطورية العثمانية، وليس مشروعاً سياسياً.

الفصول(20)

1.مقدمة عامة بقلم سيمون شوارزفوكس6–27▼ ملخص

الموضوع المحوري يدور هذا الفصل التمهيدي حول نشأة الاستيطان الزراعي اليهودي في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، ويقدمه من خلال سيرة حياة إيلي شايد، الرجل الذي اختاره البارون إدمون دي روتشيلد ليكون منظم هذه المستعمرات ومشرفها الأول. الإجابة التي يقدمها المؤلف، سيمون شوارزفوكس، هي أن هذا المشروع لم يولد من أيديولوجيا صهيونية سياسية، بل من كارثة إنسانية: موجات المذابح (البوغروم) التي ضربت يهود روسيا الجنوبية ابتداءً من عام 1881، والتي أقنعت الملايين منهم أن لا مستقبل لهم في الإمبراطورية الروسية. بينما هاجر نحو مليوني يهودي إلى العالم الجديد (أمريكا)، فضل تيار متواضع التوجه إلى "الأرض المقدسة". ويؤكد المؤلف أن الفصل هو مدخل لمذكرات شايد نفسه، ويركز على كيف تحولت مساعدة إنسانية عاجلة إلى مشروع استيطاني ضخم تحت إدارة البارون.

سير الفصل وحججه يبدأ الفصل برسم الخلفية الدرامية: "عواصف الجنوب" التي جعلت يهود أوروبا الشرقية ييأسون من أي تحسين في أوضاعهم داخل روسيا. ثم ينتقل إلى تشكل حركة "أحباء صهيون" (Hovevei Tsiyon) في روسيا ورومانيا أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر. يذكر المؤلف تفصيلاً مهمين: المؤتمر الأول في فوكساني برومانيا في 11 يناير 1882، حيث أُنشئ "المجلس المركزي لاستعمار أرض إسرائيل وسوريا" ومقره في غالاتس (غالاتي)، الميناء الذي انطلقت منه أولى سفن المستعمرين. والمؤتمر الأكبر في كاتوفيتس (في سيليزيا الألمانية) الذي انعقد في 6 نوفمبر 1884، بمشاركة 36 منظمة، كان الهدف منه إنقاذ المشروع من الفشل الذريع. يصف شوارزفوكس سذاجة المستعمرين الأوائل الذين اعتقدوا أن الأرض ستمنحهم "الحليب والعسل" دون عناء، فأقاموا مستعمرات مثل ريشون لتسيون، جيديرا، ريش بينا، وزخرون يعكوف، لكن الأموال نفدت بسرعة وانهاروا بسبب الجهل بالزراعة في بلاد حارة.

هنا يدخل المنقذ: إيمانويل فيليكس فينيزياني، ناشط يهودي مقيم في باريس. في عام 1883، أثناء تفقده مدارس التحالف الإسرائيلي العالمي في فلسطين، شهد بنفسه المجاعة المروعة للمستعمرين: "هياكل عظمية متحركة تموت جوعاً". بعد فشله في إقناع البارون موريس دي هيرش (الذي ركز على الهجرة إلى الأمريكتين)، لجأ فينيزياني إلى البارون إدمون دي روتشيلد. هذا الأخير، الذي كان حتى ذلك الحين بعيداً عن مشاريع الاستعمار، تحرك بدافع إنساني وكلف سكرتيره العام الجديد، إيلي شايد، بالذهاب فوراً إلى فلسطين.

يشكل القسم التالي من الفصل سيرة ذاتية مفصلة لشايد. يصف المؤلف نشأته في هاغويناو (الألزاس) عام 1825، حيث كان طالباً ممتازاً لكن وفاة والده أجبرته على ترك الدراسة والعمل محاسباً عام 1860. برز نشاطه المجتمعي في تأسيس "خيفرا كاديشا" (جمعية الدفن) التطوعية الجديدة. بعد الحرب الفرنسية البروسية وضم الألزاس لألمانيا، هاجر شايد إلى فرنسا عام 1883، حيث عُيّن سكرتيراً عاماً للجنة الخيرية الإسرائيلية في باريس. يذكر المؤلف راتبه السنوي (4200 فرنك) وشقة الخدمة، ودور الحاخام الأكبر زادوك-كان في إقناعه بقبول المنصب.

يصف الفصل الرحلة الأولى لشايد إلى فلسطين والتي بدأت في 4 أكتوبر 1883، مع مبلغ 25,000 فرنك ذهبي من روتشيلد. وبسبب وباء الكوليرا في مصر، اضطر للسفر عن طريق إزمير، وأمضى يوم كيبور (يوم الغفران) في البحر وهو يعاني من دوار البحر. يصف شوارزفوكس كيف وجد شايد في القدس مدينة تعداد سكانها 60,000 نسمة، نصفهم تقريباً يهود (28,000). بعد أربعة أشهر من التحقيق، عاد شايد إلى باريس في منتصف فبراير 1884 بتقرير مفصّل. وقد أدرك أن المشكلة لا تقتصر على الإغاثة الفورية؛ بل تتطلب "توطيداً حقيقياً للاستعمار": بناء مساكن، تأمين المياه، فتح مدارس، بناء معابد، واستقدام خبراء زراعيين. كان هذا بمثابة تحول جذري جعل روتشيلد يتحمل مسؤولية الأرض والمستعمرين.

مع تزايد المهام، استقال شايد من منصبه في لجنة الخيرية ليتفرغ لمشروع الاستعمار، وسافر إلى فلسطين 22 مرة لإقامات طويلة. من عام 1892، كان يسافر مرتين سنوياً بتكليف من روتشيلد ليقرر أي المستعمرين يستحق الدعم وأيهم يجب إعادته. يوضح المؤلف أن شايد التزم بخط واضح: رفض أي طابع سياسي للاستعمار، ورأى أنه "واجب ديني وأخلاقي" يجب أن يتم في إطار الإمبراطورية العثمانية. كان يخشى أن تثير المطالب السياسية غضب الأتراك، فعمل على بناء علاقات ثقة مع الحكام المحليين وحكومة القسطنطينية لحل مشاكل تسجيل الأراضي.

في ختام الفصل، يتناول المؤلف الجوانب الإشكالية في علاقة شايد بالبارون والمستعمرين. يُقر شوارزفوكس بأن شايد اتُهم بالنبرة الأبوية في تعامله مع المستعمرين، وبأنه أظهر اهتماماً مبالغاً به بتلميذات الشابات اللواتي أرسلهن لإنهاء دراستهن في فرنسا، وهي تهمة يرفضها المؤلف بشدة بدعوى أن روتشيلد المتدين لم يكن ليتسامح معها. عام 1899، أنهى البارون فجأة مهام شايد، ونقل إدارة المستعمرات إلى "جمعية الاستعمار اليهودي" (JCA) التي أسسها البارون دي هيرش، والتي زودها روتشيلد بـ 15,000,000 فرنك. يقر شوارزفوكس بأن أسباب هذا القرار تظل غامضة، ويلاحظ أن شايد نفسه التزم الصمت التام حوله في مذكراته. ويستنتج أن شعوراً بالمرارة يسود كتابات شايد، الذي شعر أن روتشيلد لم يكافئه مادياً بالشكل الكافي على تضحياته وأسفاره وأمراضه. ومع ذلك، يبقى شايد ممتلئاً بالإعجاب للبارون، معتقداً بأن الاستعمار كان سينهار لولاه.

خاتمة مع إشارة إلى نقاط قابلة للنقاش تُظهر المقدمة أن "الاستعمار" ولد من رحم الفشل والمعاناة، وليس من خطة سياسية محكمة. الدور المحوري الذي يمنحه الكاتب لشايد، هذا المحاسب البسيط الذي تحول إلى مهندس مشروع استعماري، يثير تساؤلات حول طبيعة البيروقراطية التي حكمت تلك المستعمرات. النقطة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص نفسه هي قرار روتشيلد المفاجئ بإنهاء مهمة شايد وشركائه. هل كان السبب ضغطاً من المستعمرين أنفسهم الذين ضاقوا بالوصاية الأبوية لـ "عميل البارون"؟ أم كان خوفاً من تعقيدات سياسية مع العثمانيين مع تزايد الوعي القومي اليهودي؟ يفتح الفصل هذا الباب دون أن يغلقه، مما يجعل القارئ يتساءل عن الأحاسيس المكبوتة وراء النغمة الرسمية للتاريخ.

2.القدس35–48▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الحياة اليهودية في القدس في أواخر القرن التاسع عشر، ويقدمه المؤلف إيلي شايد من منظور وثائقي واجتماعي، مع اهتمام خاص بالجماعات اليهودية المختلفة وتنظيمها الديني والاجتماعي والاقتصادي. لا يهدف الفصل إلى سرد تاريخي شامل للمدينة، بل إلى تقديم صورة واقعية عن وضع اليهود فيها، وتحدياتهم، وعاداتهم، وانتقاداتهم الذاتية، مع طرح رؤية إصلاحية لمستقبلهم.

يبدأ الفصل بتقسيم سكان القدس، الذي يقدّر بنحو ستين ألف نسمة، إلى نصفين: المدينة القديمة داخل الأسوار والضواحي. ويحدد عدد اليهود بـ ثمانية وعشرين ألف نسمة، مشيراً إلى أنهم عاشوا تاريخياً في خوف من الاضطهاد، مما منعهم من بناء معبد كبير. ثم ينتقل الكاتب إلى وصف الانقسام الطائفي بين السفارديم (الإسبان) والأشكناز (الألمان). يذكر أن للأشكناز كنيسين رئيسيين: "الشورفة" (الخراب)، التي بناها الحاخام يهودا حاسيد في بداية القرن الثامن عشر وأحرقت عام 1720 ثم أعيد بناؤها، وكنيس "تيفيريت إسرائيل". أما السفارديم فلديهم أربع كنائس متصلة ببعضها البعض، بُنيت تباعاً مع ازدياد عدد الجماعة، منها كنيس "القسطنطينيين" (أو "الاستنبولي") وكنيس "التلمود توراة" وكنيس "الوسط". كما يذكر كنائس للمغاربة، من بينها كنيس "أرام تسوبا" (حلب)، وكنيس صغير للقبّاليين اسمه "بيت إيل". ويشير الكاتب إلى وجود العديد من المصليات الخاصة في المنازل لتلبية احتياجات المصلين.

بعد وصف أماكن العبادة، ينتقل شايد إلى الحديث عن التعليم واللغة. يذكر أن الجماعات اليهودية قد أنشأت مدارس لتعليم العبرية التوراتية والتلمودية، وأضافت لاحقاً العربية في بعضها. لكنه يلاحظ أن الأشكناز ما زالوا يتحدثون باللغة اليديشية (الجَرْمانية العامية) ولا يتقنون العربية، بينما حافظ السفارديم على الإسبانية كلغة أم. ثم يثني على دور "الإليانس إسرائيليت" (التحالف الإسرائيلي العالمي) الذي افتتح مدرسة في القدس بتوجيه من المدير نسيم بيهار، المولود في القدس. ويصف شايد الصعوبات الكبيرة التي واجهها بيهار، بدءاً من جذب الطلاب تحت ستار الدروس الخصوصية المجانية، وصولاً إلى مواجهة موجات من النبذ والحرمان الكنسي (الإكسكومونيكا)، حتى نجح في تأسيس المدرسة وتوسيعها بشكل غير مسبوق.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى نقد لاذع للممارسات الاجتماعية، حيث يصف الكاتب بدهشة واستنكار تمسك بعض الأشكناز، خاصة الوافدين من بولندا وروسيا، بارتداء قبعة الفرو التقليدية (السترايْميل) حتى بعد خمسين عاماً من وصولهم، معتبراً أنها عادة قذرة وبالية. في المقابل، يمدح السفارديم لاندماجهم في اللباس المحلي خلال أيام الأسبوع، مع الاحتفاظ بزي مميز في السبت والأعياد. ثم ينتقد شايد بشدة ظاهرة الزواج المبكر، خاصة عند الأشكناز حيث يتزوج الشاب في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة والفتاة في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، ويعزو ذلك إلى نظام "الحلوكة" (التوزيع). يشرح الكاتب أن "الحلوكة" هي تبرعات مالية تُجمع في أوروبا وتُوزع على فقراء اليهود في فلسطين وفقاً لأصولهم. هذا النظام شجّع على الزواج المبكر وإنجاب الأطفال لزيادة نصيب الأسرة من المساعدات، مما أدى إلى فقر مدقع وتشويه لسوق العمل.

يدافع شايد عن استمرار "الحلوكة" لكن بصورة منظمة، مقترحاً أن تُصرف فقط لفئات محددة: الفقراء الذين تجاوزوا الخمسين، والأطفال دون الخامسة عشرة وغير المتزوجين، والحاخامات المعترف بهم رسمياً. في هذا السياق، ينتقد الظروف المعيشية السيئة لكل من الحاخام الأكبر للسفارديم والحاخام الأكبر للأشكناز، اللذين يعيشان في أكواخ دون رواتب ثابتة، مما يعطي انطباعاً سيئاً عن يهود العالم. يصف الكاتب بعدها الوضع الاقتصادي المتردي، حيث يعيش حوالي ثلاثة آلاف يهودي فقط من تجارة صغيرة، ويكسب التاجر الناجح فرنكين فقط في اليوم. أما الحرفيون (خياطون، إسكافيون، نجارون) فيعانون من قلة الطلب لأنهم يعملون حصراً لليهود، ولا يشتري منهم العرب أو المسيحيون.

يخصص شايد فصلاً هاماً لمسألة العمل والاستيطان الزراعي، مستعيداً تجربته الشخصية. يروي أنه في زيارته الأولى للقدس، قابله والي المدينة "رؤوف باشا" بعدم تصديق أن اليهود سيعملون في الزراعة وهدد بمنع المستوطنات. كما قابله الحاخام الأكبر للأشكناز، صموئيل سالانت، بالرفض خوفاً من أن تحوّل أموال "الحلوكة" لتمويل المستوطنات. ويضيف أن اليهود في القدس أنفسهم رفضوا العمل بأجر في الزراعة اعتقاداً منهم أنه مهين. لكن مع مرور السنين، وخاصة مع تدفق المهاجرين الفقراء من روسيا ورومانيا الباحثين عن العمل، تغير هذا الموقف. اليوم، يرى شايد أن الفكرة قد نجحت وأن العمل بالزراعة أصبح نبيلاً، ويقترح الاستفادة من هذه الحماسة بشراء الأراضي وتوطين الشباب اليهودي من القدس والمدن الأخرى كمزارعين، بدلاً من جلب مهاجرين جدد. هذا، برأيه، سيحل مشكلة الفقر ويقلص التكدس في المدن وينظم نظام "الحلوكة".

بعد هذا التحليل الاقتصادي والاجتماعي، يعود الكاتب للحديث عن المؤسسات التعليمية والخيرية، فيذكر مدرسة البنات التي أسستها عائلة روتشيلد من لندن (مدرسة إيفلين دي روتشيلد)، والتي تجمع بين التعليم النظري والحرف اليدوية. كما يذكر دور الأيتام التي أسسها اليهود الألمان. ثم ينتقل إلى وصف مفصل للعادات والتقاليد، حيث يصف طقوس زيارة النساء للنفساء في اليوم الخامس، والتي تشمل الموسيقى العربية الصاخبة والرقص في غرفة المريضة. وفي طقس الختان، يصف كيف يُمرّر الطفل كلفيفة التوراة ويُقبّل من قبل النساء، معتقدات أنه نبي. وينتقد بحدة نظام الزواج، الذي يتم بالاتفاق بين الآباء دون استشارة الأبناء (بعمر 12-15 سنة)، ويؤدي إلى زوجات يبدون أكبر من سنّهن بكثير، وهجران الأزواج لزوجاتهم، وتعدد الزيجات. كما ينتقد سهولة الطلاق، خاصة في حالات العقم أو عدم إنجاب الذكور، واصفاً سلطة الحاخامات في هذا الشأن بأنها تعسفية. ويقارن بين طقوس الزواج والدفن عند اليهود وعند المسيحيين والمسلمين، مشيراً إلى أن اليهود الأرثوذكس يتجنبون دخول منطقة المسجد الأقصى خوفاً من وطء موضع قدس الأقداس.

في جزء لاحق، يصف شايد الشعائر الدينية، فيمدح خشوع السفارديم في الصلاة وينتقد سرعتهم وعادة خلع الأحذية التي يعتبرها تقليداً إسلامياً دخيلاً. ويصف بأسلوب درامي أجواء ليلة "تيشعا بآب" (ذكرى خراب الهيكل) في كنيس السفارديم، حيث البكاء والعويل في الظلام الدامس. في المقابل، ينتقد فوضى صلاة الأشكناز في عيد "سمحات توراه" (فرحة التوراة) وكثرة الخروج والركض. ينتقل بعدها إلى وصف "حائط المبكى" (الكوتيل المعرابي)، الذي يعتبره الأثر الوحيد الحقيقي من الهيكل. يصف ارتفاعه (18 متراً) وطوله (48 متراً) وحجارته الضخمة، ويوضح أنه يعمل ككنيس مفتوح طوال العام، ويكون مزدحماً بشكل خاص بعد ظهر يوم الجمعة. يصف مشهد المصلين وهم يبكون أثناء صلاة "شمونة إسري"، خاصة عند طلب الشفاء، معتبراً أن الصلاة هناك أخلص من أي مكان آخر.

يتناول الفصل الخدمات الصحية، فيذكر مستشفى "مشغاب لاداخ" للسفارديم و**"بيكور حوليم"** للأشكناز داخل الأسوار، وكلاهما نشأ من مستشفى صغير أسسه ألبرت كوهين عام 1854 بتمويل من البارون جيمس دي روتشيلد. لكنه يقر بأن هذه المستشفيات غير كافية. ثم يلفت الانتباه إلى النشاط التبشيري البروتستانتي المكثف، خاصة الإنجليزي، الذي يدير ثلاثة مستشفيات، أحدها مخصص لليهود ويقدم طعاماً حلالاً (كوشر) وخبزاً فطيراً في عيد الفصح، مقابل استماع المرضى لعظة يوم الأحد. ومع ذلك، يلاحظ أن عدد المتحولين إلى المسيحية ضئيل جداً. ويختتم هذا القسم بذكر مبادرة بعض اليهود الأرثوذكس من فرانكفورت لبناء مستشفى كبير جديد (شعاري تسيدك)، ومشروع دار لرعاية المجانين اليهوديات أسسته السيدة ميشيل بينيس، والتي تؤوي نحو خمس عشرة مريضة.

أخيراً، يتناول الكاتب مسألة القبور التاريخية، معبراً عن شكه في صحة نسبها. يرفض الانخراط في وصف قبور الملوك والقضاة وصموئيل وداوود لعدم ثبوتها، لكنه يتوقف عند قبر راحيل على طريق الخليل. يصف القبر بأنه بناء حجري أبيض نصف دائري، وقد أحاطه السير موسى مونتفيوري ببناء من غرفتين، وتضاء فيه شعلة أبدية. لكن شايد يشكك في نسبه، ويقدم حجة عقلية: إذا كان يعقوب، وهو محتضر في مصر، قد أصر على أن يُدفن في حبرون (الخليل) مع أجداده، فلماذا لم ينقل راحيل التي أحبها كثيراً إلى نفس المكان، خاصة أنه كان متوجهاً إلى هناك عند وفاتها؟ يترك الكاتب السؤال مفتوحاً، معترفاً بأن موقع القبر الحقيقي لراحيل يظل لغزاً محيراً له ولغيره.

في مجمله، يُظهر الفصل القدس كمدينة ذات كثافة يهودية عالية يعاني سكانها من فقر مدقع وهياكل اجتماعية متصلبة، وفي نفس الوقت كمسرح لجهود التحديث والإصلاح التي يقودها التحالف الإسرائيلي العالمي وعائلة روتشيلد. التحليل النقدي للمؤلف واضح، خاصة في رفضه لنظام الحلوكة المشوه والعادات الاجتماعية الضارة، مقابل دعمه القوي للعمل المنتج والاستيطان الزراعي كحلول جذرية. يترك الفصل القارئ مع صورة معقدة ليهود القدس، بين التمسك بالتقاليد والرغبة في التغيير، وبين المعاناة المادية والأمل في مستقبل أفضل.

3.البحر الميت51–55▼ ملخص

يقدم هذا الفصل من مذكرات شيد وصفاً لرحلة قام بها إلى البحر الميت بتكليف من البارون إدمون دي روتشيلد في أبريل من عام 1891. كان الدافع وراء الرحلة هو تقييم شراء محتمل لأرض كبيرة بين أريحا والسلط، على الجانب الشرقي من نهر الأردن، والتي قيل إنها تحتوي على غابة بلوط رائعة يمكن أن توفر الخشب اللازم لمستعمرات البارون. لم تكن هذه الرحلة مجرد استكشاف للموقع بل كانت أيضاً اختباراً لقدراته التنظيمية في البرية.

يبدأ الفصل بتفصيل دقيق لكيفية استعداد شيد لهذه الرحلات التي وصفها بالمستحيلة، متجنباً بذلك المصاعب التي واجهها مسافرون آخرون مثل بيير لوتي. يصف بالتفصيل نظامه المتقن من العلب المصممة خصيصاً: صناديق عسكرية مبطنة باللباد لحفظ المعلبات المتنوعة من لحوم وأسماك وخضروات وفواكه، وآلة طهي مزدوجة تعمل بالكيروسين، وأدوات مائدة كاملة لاثني عشر شخصاً، ومؤونة من الخبز والنبيذ والمياه المعدنية. لقد حرص على أن يكون طعامه دائماً طازجاً وساخناً بواسطة هذه التجهيزات.

ولم يقتصر استعداده على الطعام، فكانت له خيمة ذات سقف مزدوج للحماية من أمطار الربيع، وكان يغطي جميع صناديقه ومعداته ببطانات مطاطية. أما هو شخصياً فكان يرتدي معطفاً مطاطياً مع قبعة تغطي وجهه، وسروالاً مطاطياً فوق حذائه، وقفازات مطاطية فوق قفازات قماشية. سمح له هذا التجهيز بالمشي لساعات تحت المطر دون أن يتأذى كثيراً، ونصب خيمته الجافة في أي محطة يصل إليها. أما مشكلة العطش أثناء المسير تحت شمس حارقة فلم يجد حلاً لها حتى العام التالي 1892، حين اكتشف أن شرب الشاي الخفيف المحلى قليلاً يروي العطش أفضل من القهوة أو الماء العذب.

بعد الانتهاء من وصف تجهيزاته، ينتقل شيد إلى وصف الرحلة نفسها من القدس إلى أريحا، والتي كانت تتم آنذاك على ظهور الخيل قبل إنشاء الطريق للعربات. يصف المسير بالنزول المستمر بفارق ارتفاع يبلغ حوالي ألف متر، والتوقف في خان في منتصف الطريق لتناول الغداء. يؤكد أن الأرض هناك لم تعد كما كانت في زمن إبراهيم، فهي قاحلة لا تكفي إلا لرعي بعض الماعز الهزيلة التي يشبه لونها الصدأ. ويصف أريحا بأنها لم تعد مدينة ذات نخل شهير، بل أصبحت صحراء شاسعة باستثناء بقعة صغيرة من الأراضي الخصبة تنتج البرتقال والليمون، والتي تحتاج إلى مشاتل دائمة لاستبدال الأشجار التي تموت بعد اثنتي عشرة سنة عندما تلامس جذورها الطبقة الملحية تحت الأرض. ويلفت الانتباه إلى كرمة عنب ضخمة بشكل غير عادي.

يصف شيد البحر الميت نفسه بأنه بحيرة طولها 76 كيلومتراً، وعرضها يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً، وعمقها حوالي 330 متراً، وتقع على عمق 400 متر تحت مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط. يسميه العرب بحر لوط، واليونانيون البحر الميت. يشير إلى ظاهرة فريدة بعد هطول الأمطار، حيث يطفو الملح إلى السطح على التلال، مما يجعلها تبدو من بعيد كتماثيل ملحية، مذكرة بقصة زوجة لوط. يصف الأرض المحيطة بأنها مدمرة تماماً وكأنها مر بها خنازير ضخمة حفرت خنادق بكل المقاييس.

على الضفة الغربية للبحيرة، يشير شيد إلى موقعين: الأول هو حصن شمعون الذي يروي عنه دليله أن جنوداً روماناً رفضوا الاستسلام بقيادة جنرال شمعون، فانتحروا جميعاً بدلاً من التخلي عن دين آبائهم. والثاني هو دير يوناني قريب يرسل إليه الرهبان الذين يعاقبون، ليعيشوا على الخبز والماء لسنوات أو لبقية حياتهم في هذه العزلة القاسية. يصف الجو العام بالكآبة ورائحة الكبريت المنبعثة من الماء التي تجعل الطيور تتجنب المكان، ويجعل الزائر يشعر بالضيق ويرغب في المغادرة بسرعة خشية لقاء البدو اللصوص.

في ختام الرحلة، يصف شيد العودة المبكرة في ساعات الصباح الأولى، ونظام إطعام الحيوانات وترتيب الأمتعة. ويذكر أنه خالف نصيحة الطبيب ماسييه، الذي حذره من الخروج قبل شروق الشمس لاستنشاق الضباب الضار المسبب للحمى، لكنه شعر بأنه مضطر لإنجاز مهامه بأسرع وقت ممكن لتجنب التعرض للتوبيخ، مفضلاً الحصول على الثناء على إرهاقه الشديد. يختم الفصل باعترافه بأن الطبيب كان على حق، ولكن إحساسه بالواجب كان يدفعه لفعل المستحيل ليكون قدوة للشباب، رغم اعتقاده بأن العمل بوتيرة معقولة كان كافياً لتحقيق النتائج نفسها على المدى الطويل.

4.رحلة إلى السلط56–61▼ ملخص

ملخص الفصل السابع: «رحلة إلى السلط»

يصف هذا الفصل رحلة قام بها المؤلف من أريحا إلى مدينة السلط (التي يسميها راموث جلعاد) والعودة، وهي رحلة استكشافية للبحث عن غابة وأراضٍ زراعية مزعومة. الموضوع المحوري هو معاناة المؤلف ومشاق السفر في هذه المنطقة القاحلة، والإجابة التي يقدمها هي أن الأرض هناك غير صالحة للزراعة وأن "الغابة" و"الملكية" المزعومتين كانتا مجرد أسطورة.

تبدأ الرحلة بالخروج من أريحا والسير لمدة ربع ساعة في حقول مزروعة، ثم تبدأ التلال الرمادية التي تشبه تلك الموجودة قرب البحر الميت. بعد ساعة من السفر في نفس التلال، يجد المؤلف بعض النباتات القليلة، خاصة شجر الأثل، الذي تأكله الخيول. يصل الفريق في الساعة السادسة إلى نهر الأردن، حيث كان هناك قديماً "جسر اليهود" الذي جرفته السيول في شتاء عام 1890، مما اضطر المسافرين لاستخدام المعدية. يصف المؤلف ازدحام المكان بالبدو والجمال والبضائع الذين باتوا هناك ليكونوا أول العابرين.

لاحظ المؤلف أن دوره في المعدية لن يأتي قبل انتهاء اليوم، فقرر استخدام "إله البخشيش" ليتجاوز الطابور، معترفاً بأن هذا ظلم، لكنه يبرر ذلك بأن الوقت لا يساوي شيئاً عند البدوي. في الساعة السابعة والنصف، عبرت قافلته النهر. بعد خمس دقائق، يعبرون نهر الكفرين (بعرض مترين وعمق عشرين سنتيمتراً)، ثم نهر النمرين الصغير، ويواصلون الصعود شمالاً عبر مرتفعات غير صالحة للزراعة وسهل يفرز الملح من مسامه.

يواصل الفريق الصعود والهبوط في مرتفعات رمادية خالية من النباتات، محاذين نهر الشعيب، أحياناً يعبرونه في الأسفل وأحياناً يسمعون خريره من عمق ثلاثمئة متر وهم فوق القمم. لا يصادفون أي قرية أو أثر، مما يدل على أن الأرض غير صالحة للزراعة. يقارن المؤلف ذلك بزمن يثرون الذي سكن في هذه النواحي عندما كانت الأرض خصبة. يحاول الفريق باستمرار البحث عن الغابة المزعومة بالمناظير، فلا يجدون شيئاً. كان برفقة المؤلف طبيب مستشفى روتشيلد في القدس والشخص الذي يفترض أن يدلهم على هذه الملكية الضخمة، لكنه كان يردد باستمرار: "أبعد قليلاً". كما كان معهم مفتش الزراعة السيد إيرمانس.

في الساعة الحادية عشرة، يتوقف الفريق قرب النهر تحت ظل أشجار الدفلى البرية. كان المؤلف مريضاً بالفعل، فطلب من رفاقه تحضير الغداء بأنفسهم بينما هو استلقى في سريره. يستطرد المؤلف في وصف الأمراض التي يتعرض لها المسافر في هذه البلاد: حمى المستنقعات المتقطعة التي تسببها البحيرات الصغيرة التي تتشكل بعد الأمطار الغزيرة ثم تتحول إلى مستنقعات، والحرّار (بثور الحرارة)، والبعوض الذي ينقل جراثيم الأمراض الملاريا. ويشير إلى أنه رغم وجود الناموسيات في المستعمرات والفنادق، فإنه لا يمكن استخدامها في الطريق تحت الخيمة، وأن النوم يكون سيئاً رغم استخدام قطع من التول لحماية الوجه.

يضيف المؤلف أنه أصيب مع السيد إيرمانس بمرض آخر بسبب شرب مياه مسمومة من نبع يخرج من بين جذور أشجار الدفلى. هذا التسمم تسبب في ظهور بثرة على ذراع كل منهما، وهي ما يسمى طبياً "بثرة حلب" أو "النيل" أو "بسكرة"، والتي تقيح لمدة عام كامل. وصف لهم أطباء باريس الصبر لمدة اثني عشر شهراً مع وضع مرهم السالول يومياً، وبالفعل سقطت البثرة بعد عام تاركة ندبة عميقة.

كمحنة إضافية، يذكر المؤلف أنه في عام 1893 تعرض لهجوم من قبل ثمانية لصوص بين عكا وصفد، حيث أخذوا أمتعته وضربوه بحجر في كليته، لكنه نجا بفضل سرعة حصانه. تم القبض على اللصوص وحكموا بثلاث سنوات سجن، لكن لم يُسترد إلا جزء ضئيل من الأمتعة. ويشير المؤلف بمرارة إلى أنه تخلى عنه الذين كان يجب أن يحرسوه.

عندما انتهى رفاقه من الغداء، رغم آلامه، اضطر لركوب الحصان ومواصلة الطريق. يصف بشكل درامي معاناته من مغص كبدي وهو على ظهر الحصان تحت شمس حارقة، لدرجة أن الشوكولاتة في صناديقه ذابت. كان بعد الظهر مماثلاً للصباح، يلتفون حول مجرى مائي في أراضٍ خالية من التربة السطحية، ولم يروا في المنطقة كلها خمسين هكتاراً من الأراضي الصالحة للزراعة. بطبيعة الحال، بقيت الغابة مفقودة والملكية أسطورة.

في الساعة السادسة مساءً، دخل الفريق مدينة السلط، وصفها بأنها مدينة صغيرة لطيفة فيها كروم وبساتين برتقال ورمان. يلفت الانتباه إلى البعثة الإنجليزية التي ذكرها سابقاً، وبيتها المغطى بالقرميد، وهو الوحيد في المدينة، مما يدل على ثرائها لأن الجمل لا يستطيع حمل أكثر من خمسين قرميدة في المرة الواحدة، وتستغرق الرحلة من يافا خمسة أيام. يوجد في المدينة أيضاً نحو عشر عائلات يهودية. ما أثار دهشته أكثر هو شفاه النساء المحليات المصبوغة باللون الأزرق، وهو أمر مقزز في نظره لكن البدو يجدونه جميلاً.

كان السيد إيرمانس قد وعد بإعداد العشاء مع خضروات طازجة أحضرها من القدس، لكنه ورفيقه كانا منهكين لدرجة أنهما تخلّيا عن الأكل والعشاء، وناما كمن سيُسلم الروح. أما المؤلف، الذي كان مريضاً طوال اليوم، فاضطر ليكون المشرف العام، فطلب من إحدى النساء إحضار اثنتي عشرة بيضة طازجة وستة لترات من الحليب، وأشعل النار وقدم لكل من رفاقيه في سريره بيضتين مقليتين مع لتر حليب. وضع أمام كل سرير زجاجة حليب للعطش الذي سيعذبهم ليلاً، وقد أصاب توقعه لأن كل الزجاجات فُرغت قبل الفجر.

في اليوم التالي، استيقظ المؤلف في الرابعة صباحاً وسأل مرشديه عن طريق آخر للوصول إلى المعدية أكثر جنوباً لاكتشاف الغابة. أخبروه بوجود طريق لكن بلا ماء، وهو أكثر استواءً، وإذا قبلوا بالهرولة فيمكن الوصول إلى نهر الأردن في ست ساعات. وافق المؤلف قائلاً: "عرق من أجل عرق"، مفضلاً الخروج السريع من هذا الجحيم. كانت الرحلة عجيبة، كأنهم يهربون من مكان ملعون، يهرولون ويهرولون حتى فقدوا أنفاسهم واحترقوا بنار جهنم. في التاسعة صباحاً شعروا بنسيم بارد آتٍ من الأردن، وفي الساعة الواحدة بالضبط وصلوا إليه بعد مغادرة السلط في السادسة صباحاً. ولم يجدوا إلا الخراب، دون أي أثر لأراضٍ صالحة للزراعة، ناهيك عن غابة.

عرفهم الملّاح، فنقلهم فوراً بالمعدية. في الساعة الثانية ركبوا الخيول وانطلقوا كالسهام نحو أريحا. كل من في القافلة، حتى البغال المحملة بالأمتعة، كان يشعر بالحمى والرغبة في العودة. في الساعة الخامسة مساءً نُصبت الخيام وبدأ العشاء يُطهى. ملؤوا القرب من ماء النبع المسمى "عين السلطان" لوضع النبيذ وماء سانت غالمييه ليبردا. يصف المؤلف هواء أريحا المسائي بأنه لذيذ المنعش، فامتدوا على أسرتهم أمام الخيمة واستسلموا لـ"كيف" تركي (نعاس بدون نوم)، ثم طلبوا من العرب بعض لترات من الحليب الطازج شربوه كالبيرة.

في اليوم التالي، استيقظوا في الرابعة صباحاً وتركوا كل من معهم خلفهم ليلحقوا بهم مع الأمتعة، وركبوا نحو القدس بمرافقة جندي واحد. وصلوا في العاشرة والنصف صباحاً إلى المدينة المقدسة بين الناس المتحضرين. يشتكي المؤلف من أنه لم يُسمح له بالراحة بعد مثل هذه الرحلات، خاصة في القدس حيث كان المتسولون كثيرين ولا يتركوه إلا عندما يحبس نفسه في غرفة نومه ليلاً ويرفض الزيارات.

يختتم المؤلف هذا الفصل بالقول إنه أعطى فكرة تقريبية عن رحلاته في هذه المنطقة، مع وعد برواية جولات أخرى لاحقاً، ثم سيعود ليصف ما فعله لكل مستعمرة على حدة.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، اعتراف المؤلف باستخدام الرشوة (البخشيش) لتجاوز طابور المعدية، وتبريره لذلك بأن البدو لا قيمة للوقت عندهم مقارنة به. كما أن الفصل يظهر بوضوح نظرة استعلائية تجاه السكان المحليين، سواء البدو أو العرب، حيث يصفهم بعبارات سلبية ويتهم مظهرهم بالمخيف، واصفاً عاداتهم (كصبغ الشفاه باللون الأزرق) بالبشعة، مع إشارة ساخرة إلى أن "الأذواق تختلف".

5.زيكرون يعقوب. البدايات62–81▼ ملخص

ملخص الفصل السابع: «زيكرون يعقوب. البدايات»

يصف الفصل الظروف القاسية التي صاحبت تأسيس مستعمرة زيكرون يعقوب على جبل الكرمل، والمشاكل التي واجهها المستوطنون اليهود القادمون من رومانيا، وكيف حاول المؤلف إخراجهم من أزمتهم بدعم من البارون إدمون دو روتشيلد.

يصل المؤلف إلى ميناء حيفا في 28 أكتوبر 1883 بعد رحلة شاقة من القدس عبر يافا، حيث اضطر للانتظار ثلاثة أيام بسبب إلغاء مواعيد السفن إثر وباء الكوليرا في مصر. يصف الفوضى في الميناء وهجوم العرب على السفن والمبالغة في أسعار النقل، وهي مشاهد تمهيدية تُظهر صعوبة الوصول إلى المنطقة.

عند وصوله، يجد المستوطنين في حالة يرثى لها. يروي المؤلف كيف تشكلت جمعية في غالاتس برومانيا برئاسة إسحق لوبل لجمع التبرعات، وأرسلت وفداً اشترى مزرعة مساحتها 550 هكتاراً تقريباً جنوب حيفا بثمن باهغ بلغ 42 ألف فرنك، رغم أن ثلثي الأرض كان صخوراً غير صالحة للزراعة. وصلت 60 عائلة دفعة واحدة على متن سفينة، ورفضت السلطات التركية إنزالهم في البداية، ثم نزلوا بعد أسابيع من المعاناة.

يشرح الفصل كيف أُهدرت أموال الجمعية التي تجاوزت 200 ألف فرنك بسبب سوء الإدارة والفساد، حتى لم يتبقَّ سوى بقرات قليلة ومحاريث وقمح. حاول المستوطنون الزراعة بمساعدة عمال عرب، لكنهم أهملوا العمل وانتظروا المعونات. في يونيو 1883، زارهم فينيتسياني ووزع عليهم آلاف الفرنكات، ثم توسط لدى البارون دو روتشيلد الذي أرسل مساعدات عبر فرانك وبراسير، لكن دون جدوى.

يصف المؤلف تفاصيل المأساة: 328 شخصاً (54 عائلة) كانوا على قيد الحياة عند وصوله، لكن 29 منهم ماتوا خلال صيف 1883 بسبب الجوع والحميات، أي ما يقرب من 10%. كان المستوطنون يعيشون في أكواخ طينية في موقع يُدعى سامارين، مع انعدام水源 صالحة للشرب.

يجمع المؤلف المستوطنين ويشرح لهم شروط البارون: العمل الجاد والطاعة العمياء، مع حق البارون في طرد المخالفين إلى رومانيا. وقَّع 42 شخصاً على التزام بذلك، ورفض 12. بدأ المؤلف بتحسين أوضاعهم: منحهم سكناً مجانياً في حيفا، و12 فرنكاً شهرياً لكل فرد مع دعم إضافي للعائلات الصغيرة والمرضى والنساء الحوامل، وأحضر أدوية وطبيباً وصيدلانياً. وبعد عودته من زيارة لـروش بينا، وجد المستوطنين قد استعادوا قوتهم.

يصف الفصل بالتفصيل عملية إعمار الموقع القديم في سامارين. نظَّم المؤلف المستوطنين في فرق عمل: فريق لإنتاج الجير، فريق لصنع الأرائك الخشبية، نجارون وحدادون وبناؤون. قاموا بتنظيف الغرف المليئة بالأتربة، وبناء فرن ومطبخ وقاعة طعام، وإسطبل للبقر الذي نفقت كلها لاحقاً رغم العناية. وعندما رفض المستوطنون القيام بأعمال التسقيف، بدأ المؤلف العمل بنفسه فأجبرهم ذلك على المشاركة. خلال 48 ساعة، أصبحت الغرف صالحة للسكن تستوعب حوالي 100 شخص (بما فيهم الأبناء) بمعدل 10 أشخاص في كل غرفة.

كانت ظروف المعيشة قاسية: مصدر المياه الوحيد كان بركة راكدة مليئة بالعلق، واضطر المستوطنون لتصفية الماء بقطع من القماش، وكان المؤلف يخلط الماء الرمادي بالنبيذ الحلو ليشربه. ومع ذلك، لم يمرض أحد ذلك الشتاء. كان الطعام بسيطاً: حساء وخضار مرتين يومياً، مع جبن أو زيتون أو رنكة يوم الجمعة ظهراً، ولحم فقط عشية السبت ويومه. كان الخبز يُصنع أسبوعياً بواسطة أربعة خبَّازين من المستوطنين، ويُشترى 500 كيلوغرام من الطحين أسبوعياً.

يخصص الفصل مساحة لوصف علاقة المستعمرة بالسلطات العثمانية، التي كانت تشتبه بأن المشروع استعماري فرنسي. يروي المؤلف كيف نصحه قائمقام حيفا بتعيين شخص يُدعى مورغنشترن باعتباره مخبراً للسلطات، ليكون مراقباً في المستعمرة بدلاً من تركه يتجسس في المدينة. يقدم المؤلف عدة أمثلة على الترهيب: في إحدى المرات، اتهم موظف مفصول المستعمرة بإخفاء بارود لاستخدامه ضد الدولة العثمانية، فأرسلت السلطات 20 جندياً لتفتيش المنازل دون جدوى. وفي 1887، أبلغ مخبر السلطات أن المستعمرة استقدمت كتيبة من الجنود الفرنسيين، فجاءت القوة المسلحة يوم عيد الغفران لتجد المعاول والمجارف تحت الأسرة بدلاً من البنادق. وفي روش بينا، اتهمت المستعمرة بتهريب مدافع بينما كانت أنابيب حديدية لقنوات المياه.

يصف المؤلف رحلته الأولى إلى سامارين مع دوغورد، وكتب في 20 نوفمبر 1883 تقريراً إلى البارون يقترح فيه زراعة الزيتون والخروب، لأن الأرض صخرية ولا تصلح للزراعة الكثيفة. لكن البارون ردَّ في نهاية ديسمبر: «أنت لست هناك لتقديم مقترحات زراعية»، فالتزم المؤلف الصمت، وعادوا لزراعة الزيتون بعد 12 سنة، وهو ما اعتبره المؤلف متأخراً جداً.

يعود المؤلف إلى قصة الـ12 الممتنعين عن التوقيع، الذين بدأوا بالانضمام واحداً تلو الآخر. يحكي أن أحدهم اعترف له لاحقاً بأنهم استهانوا به لأنه قصير القامة مقارنة بمن زاروهم قبله، فظنوا أنهم سيتخلصون منه بسهولة، لكنهم أدركوا خطأهم.

يصف الفصل نظام العمل الجماعي: إزالة الحجارة من الحقول لاستخدام المحراث الأوروبي بدل العربي، وحرث الأراضي الصالحة. اعترف المؤلف بوجود كسالى بين المستوطنين، وأجبرهم على العمل بمثاله الشخصي. ويشير إلى أن العمل الجماعي أفسد المجتهدين أيضاً، لكن المستوطنين لم يشتكوا من الطعام.

يقدم الفصل حكاية طريفة عن زيت زيتون فاسد اشتراه المؤلف لمطبخ المستعمرة. عندما احتج المستوطنون على طعم الحساب، تظاهر المؤلف ومساعده دوغورد بأن الحساء لذيذ وأكلاه رغم مرارته، مما جعل المستوطنين يتراجعون عن شكواهم ويقبلون الطعام. ويعلق المؤلف على أن التواضع مع البسطاء ضروري أحياناً.

يصف الفصل أيضاً سكن المؤلف المتواضع الذي كان بمثابة مكتب ومخزن للحبوب وغرفة نوم في آن واحد، مساحته حوالي 30 متراً مربعاً، مع سرير من ألواح خشبية. ويقارن ذلك بظروف الموظفين لاحقاً الذين تذمروا من سوء السكن بينما كان هو يكتفي بالغرف الصغيرة لمدة 10 سنوات.

يتناول الفصل موضوع البقشيش في الدولة العثمانية كممارسة ضرورية بسبب رواتب الموظفين البخسة: مدير الجمارك في حيفا يتقاضى 100 فرنك كحد أقصى شهرياً، مدير البريد والبرق أقل من ذلك، شرطي يتقاضى 60 فرنكاً، دركي يحصل على 20 فرنكاً، وغالباً ما تتأخر الرواتب لأشهر. يشرح نظام الضرائب الزراعية التركي القائم على العُشر، حيث يُحمَّل الفلاح ديوناً ربوية بفوائد تتراوح بين 30% و50% ، مما يؤدي إلى إفلاس القرى وتحول الفلاحين إلى بدو رُحَّل، أو إهمالهم للأراضي خوفاً من المصادرة إذا تركت غير مزروعة لمدة ثلاث سنوات. ويقترح المؤلف نظاماً ضريبياً أوروبياً ثابتاً بدلاً من النظام الحالي، لكن العقبة هي تفسير القرآن الذي يمنع فرض الضريبة مقدماً على محصول الفلاح.

6.القسطنطينية84–91▼ ملخص

يصف هذا الفصل رحلة الكاتب إلي شيد المضنية إلى القسطنطينية (إسطنبول حالياً) خلال عام 1884، والتي استغرقت شهوراً طويلة بهدف إنهاء الإجراءات القانونية والإدارية لتثبيت ملكية الأراضي الزراعية لصالح المستعمرات اليهودية الناشئة في فلسطين، نيابةً عن البارون إدمون دي روتشيلد. الموضوع المحوري هو الصعوبات البيروقراطية الهائلة التي واجهها، وكيف تغلب عليها بالصبر والمثابرة والدهاء، ليحقق في النهاية ما بدا مستحيلاً.

يبدأ الفصل بعودة الكاتب إلى القسطنطينية قادماً من يافا بعد قضاء أسبوعين دون جدوى. يصف معاناته من حرارة الصيف القاسية خلال رحلة البحر، ثم يصل ليجد المدينة في شهر رمضان، حيث تتعطل الدوائر الرسمية نصف النهار، وينام الجميع صباحاً بعد سهر الليل. يحمل رسالة توصية من أخ وزير كان قد تعرف عليه في الشتاء الماضي، إضافة لرسائل من باريس، لكن الأخيرة لا تفيد لأن المسؤولين يرفضون التدخل في مسائل الملكية. بمساعدة أحد اليهود المحليين، يبدأ بترجمة العرائض إلى التركية ويقدم حكم قاضي بيروت إلى شيخ الإسلام للحصول على المصادقة عليه.

بعد أسابيع من الجري بين المكاتب، يصل إلى طريق مسدود مع نهاية أغسطس، وتزداد حيرته وسط نصائح المحتالين والمتربصين. يقرر ألا يستعين بمحامٍ، لأنه سيفقد السيطرة على القضية. تصل رسالة من البارون في 18 سبتمبر توقعه بالفشل، مما يثير تحديه. يذهب إلى المسؤول التركي الذي يملك توصية أخيه، ويقنعه بالذهاب معه صباحاً إلى شيخ الإسلام للحصول على التوقيع. في اليوم التالي، يحضر المبكر، ويصادف المسؤول الذي يفي بوعده، وفي غضون دقائق يخرج موظف ويأخذ أوراقه، وبعد يومين يحصل على التوقيع المنشود في 20 سبتمبر.

يزداد أمل الكاتب، ويحول هدفه إلى إلغاء حكم محكمة دينية (إلام) صادر من عكا يقضي ببيع أراضي سامرين في مزاد. يتوجه إلى لجنة تسجيل الأراضي (دفتير هانيه) برئاسة سريا باشا، ومع صديقه اليهودي كمترجم، يقدم شهادات نمساوية وحكم القاضي المصدق، مما يلزم اللجنة بإلغاء الحكم. لكن إجراءات إلغائه تستغرق وقتاً، ويضطر لدفع تكاليف برقية إلى عكا لطلب الحكم، يتبعها بأخرى بعد أسبوعين. في 25 سبتمبر، تصل برقية من البارون تخبره بتمرد خطير في سامرين تستدعي عودته، فتبدد فرحه. في 27 سبتمبر يصل الحكم من عكا، لكن عطلة بيرم تعطل الأمور لأيام.

يبدأ بممارسة ضغوط يومية على الموظفين، وفي 7 أكتوبر يُلغى الحكم رسمياً، فيرسل برقية نصر إلى البارون: "مازل توف، لقد تم إلغاؤه". يطلب منه البارون البقاء في القسطنطينية لنقل ملكية الأراضي باسم السيد إرلانجر، ثم يُكلفه بالحصول على تصريح بناء. يواجه تعنتاً بسيطاً: يُطلب الكتابة إلى عكا للتحقق من عدم وجود رهون أو متأخرات ضرائب. يقترح إرسال استفسار برقياً على نفقته الخاصة، وبعد 15 يوماً تأتي الإجابة بالإيجاب. في 11 نوفمبر يحصل على السندات المؤقتة، وفي 22 نوفمبر على السندات النهائية. بعدها ينجح في إقناع اللجنة بإرسال برقية إلى عكا ويافا تؤكد إنهاء كل شيء وتطلب عدم عرقلة المالك الجديد، وذلك في 17 نوفمبر.

ينتهي الفصل بمغادرته القسطنطينية في 27 نوفمبر 1884، عائداً إلى فلسطين للمرة الثالثة في نفس العام. يصل يافا في ديسمبر، ويستقبله العرب والمستوطنون بحفاوة. يتعامل مع الطبيب هامبورغر الذي حاول إثارة المشاكل، فيعرضه على القنصل الفرنسي مونج الذي يجبره على ترك الخدمة. يصلح العلاقات في روش بينا وسامرين ويتفقد ريشون لتسيون وعقرون حديثة التأسيس. يعود إلى عائلته في باريس خلال النصف الثاني من فبراير 1885، أي بعد رحلة دامت قرابة عام بدلاً من ستة أسابيع كما وعد. ويعترف بأن نجاحه كان أول خطوة في الاستعمار، وأن فشله كان سيعني انهيار المشروع بأكمله.

تخلو الحجج المطولة في الفصل، لكنه يقر بفضل صديقه اليهودي المحلي الذي أرشده في المتاهة البيروقراطية، ويذكر صراحة أن الوعود التركية غالباً ما تكون مجرد تخلص من المُلحّين. يظل السؤال مفتوحاً حول تكلفة هذه الرحلة الباهظة، وما إذا كان البارون قد أدرك حجم المشقة الحقيقية خلف البرقيات المنتصرة. الإشارة إلى أن نجاحه هو "أول خطوة في الاستعمار" قد تُعتبر نقطة نقاش حول دور الكاتب في دفع المشروع الاستعماري الصهيوني المبكر، وإن كان النص لا يطرحها كمبرر بقدر ما يقدمها كوصف واقعي للنتيجة المترتبة على جهوده.

7.سامارين الموسعة92–97▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التوسّع الذي شهدته مستعمرة سامارين الزراعية وتطوّرها إلى مستعمرة زكرون-يعقوب، وذلك تحت إشراف البارون إدموند دي روتشيلد. يَطرح المؤلّف إلي شيد المشكلة المحوريّة في إيجاد التوازن بين منح المستوطنين أراضٍ كافية لضمان استقرارهم، وخوف البارون من أن يُؤدّي الإثراء السريع إلى هجرانهم للأرض. الإجابة التي يُقدّمها المؤلّف هي أن البارون اختار نهجاً حذراً وتدريجياً قائماً على التجربة والخطأ، مع إعطاء الأولوية للزراعات المُربحة على المساحات الصغيرة بدلاً من الزراعة الواسعة.

يسير الفصل بخطىً متأنية، فيبدأ بعرض فكرة المؤلّف الثابتة بضرورة شراء أراضٍ إضافية مُجاورة لسامارين، وتحديداً نسلاي، شيفايا، أم الجومة، وملكية سليم خوري. يُشير النص إلى أن البارون وافق على شراء الثلاثة الأولى، لكنه استبعد الرابع لارتفاع ثمنه، وهو ما لم يُشترَ لاحقاً. مع إضافة هذه الأراضي، تجاوزت مساحة المستعمرة 23 ألف دونم (ما يُعادل حوالي 15,333 هكتاراً تقريباً)، لكن المؤلّف يُوضح أنّ هذه المساحة لم تكن كافية للزراعة الواسعة، خاصةً مع وجود ما يزيد قليلاً عن سبعين مستوطناً.

يُفسّر المؤلّف منطق البارون الذي فضّل الاعتماد على محاصيل مُربحة في مساحات صغيرة، وكان يخشى أن يُؤدّي منح مساحات كبيرة من الأرض إلى ثراء المستوطنين وهجرتهم لأمريكا. لذلك، كان هدف البارون هو ربط المستوطنين بالأرض من خلال إبقائهم تحت السيطرة، وإشراك أبنائهم في أعمال البستنة والتعاونيات لزيادة تعلقهم بالعمل الزراعي. يُضرب مثالاً على ذلك عندما طلب العديد من المستوطنين المغادرة في عام 1888 دون سببٍ وجيه، وهو ما يُثبت صحة مخاوف البارون.

بعد ذلك، يُوضح المؤلّف أن البارون اعتمد أسلوب التجربة، حيث كتب إليه في يونيو 1891 يقول إنّ الأولوية هي تنظيم الأمور لتحقيق محاصيل مُربحة، وبعدها يُمكن اتخاذ القرارات التالية. يُدافع المؤلّف عن هذا النهج، مُنتقداً من يقولون إنه كان ينبغي اتباع الزراعة الواسعة. ويُقدّم حججاً ضدّ ذلك: أولاً، كانت ستحتاج إلى شراء أكثر من 150 ألف دونم من الأراضي الفاخرة، وتجاهل الأراضي التي اشتراها المستوطنون بأنفسهم والتي لم تكن صالحة للزراعة الواسعة. ثانياً، يتساءل عن مدى نجاح الزراعة الواسعة في بلدٍ قد تتأخر فيه الأمطار لأسابيع وأشهر، مُستشهداً بفشل المحصول في دجيدة، مستعمرة الإتحاد الإسرائيلي العالمي في تونس آنذاك، وحتى في أوروبا نادراً ما تُرضي الزراعة الواسعة وحدها المزارعين. وأخيراً، يُوضح أن البارون أراد أولاً معرفة مردود الزراعات الصناعية قبل تحديد حصة كل فرد من أراضي الزراعة الواسعة.

يُقرّ المؤلّف بوجود تحفظ واضح لديه، حيث يذكر أنه كان يُعارض فكرة العمل المشترك التي تمسّك بها البارون. في يوليو 1890، كتب البارون إليه يقول إنّ العمل المشترك قد يسير بشكلٍ سيئ في البداية لكنه سيتحسّن مع الوقت، ولا ينبغي التخلّي عنه باكراً. لكن المؤلّف يُصرّح أنه كان ضدّ العمل المشترك منذ البداية، وكان يرى أنه لن يُؤتي ثماراً جيّدة. ويعترف بأن رأي البارون هو الذي ساد. ومع ذلك، يرى المؤلّف أنه كان ينبغي منح المستوطنين، إلى جانب العمل المشترك، أراضٍ كافية للتخلّص من المساعدات الشهرية.

ينتقل الفصل بعد ذلك لسرد التطور العمراني. فبعد أن منح والي عكا التصريح بالبناء عام 1884، توقف كل شيء بوفاة أحد المسؤولين وحدوث مصادرة. لكن المؤلّف أصرّ على النجاح، واقترح على البارون شراء بيوت خشبية قابلة للفك والتركيب من غالاتس في رومانيا. تم شراء خمسين بيتاً، ونُصبت في الشارع الرئيسي للمستعمرة المستقبلية. ولتجنب الخلط، أُطلق اسم سامارين على التجمّع القديم، واسم زكرون-يعقوب (تيمناً بوالد البارون يعقوب) على القرية الجديدة المُقامة على التلّة العالية.

توسّع المؤلّف في وصف المباني العامة التي أُقيمت في المركز: بناء كنيس يتسع لنحو 150 مقعداً للرجال في الطابق الأرضي ومثلها للنساء في الطابق الأول، وهو ما كان يُعتبر مساحةً ضخمة آنذاك، لكنه أصبح ضيقاً بعد عشر سنوات مع تضاعف عدد السكان. ثم بُنيت مدرسة يُدرّس فيها العبرية والعربية ثم الفرنسية لاحقاً، وفي نفس المبنى كانت توجد صيدلية. وإلى جانبها، بُنيت إدارة المستعمرة ومنزل السيد دوغور (كبير البستانيين)، مشكّلين مع الكنيس ساحة عامة نُصبت فيها نافورة لاحقاً. كما تم بناء حمامات للرجال والنساء قرب النبع القديم، وسكن للحاخام والخدم.

يُفرد المؤلّف فقرةً عن ولاء المستوطنين الرومانيين، الذين اختاروا سوريا وفلسطين وطناً جديداً لهم بعد أن طردهم معاداة السامية، واضعين ثقتهم في حماية الدولة العثمانية. ويذكر أنهم حرصوا على التجنّس بالجنسية العثمانية، وأقاموا كل مستعمرة كقرية تركية برئاسة مختار. وفي كل سبت، يُصلّون من أجل السلطان، ويقرؤون دعاءً خاصاً، ويقف الجميع بخشوع. ثم يُضيفون دعاءً ثانياً من أجل البارون، الذي كان يُسمّونه «النذيب» أو «المحسن الخفي»، رغم محاولاته إخفاء هويته، إلا أن فضائله كانت واضحة للجميع.

يختتم الفصل بالحديث عن الصعوبات الأولية في تحويل أناس لم يسبق لهم العمل في الزراعة إلى فلاحين حقيقيين. وبفضل توجيه السيد دوغور، لم تدم الصعوبات طويلاً. ولتلبية رغبة البارون في زراعة أشجار الكينا (الأوكالبتوس) لمكافحة مستنقعات طنطورة، أُنشئت مشاتل ضخمة. ونظراً لضغط العمل، تم إرسال ثلاثة شبان من أبناء المستوطنين وهم: الأخوان أبراهام ودان بريل وبيرتس باسكال إلى مدرسة البستنة في فرساي، ثم لحق بهم آبلفاوم وجول روزنيك الذي درس في مدرسة زراعة الكروم في رويبة قرب الجزائر. إضافة إلى زراعة التوت والكينا والصنوبر، جُرّبت زراعة الكروم دون نجاح واضح، وركزوا على زراعة القمح والشعير لعلف الماشية. وعند عودة المؤلّف للتفتيش في 1886، وجد المركز قد تغيّر تماماً، وأشاد بشكل خاص بالحديقة العامة التي أنشأها دوغور من أرض صخرية قاحلة، والتي تحوّلت إلى واحة خضراء يستمتع بها المستوطنون وعائلاتهم.

الحجة الأكثر وضوحاً للنقاش في هذا الفصل هي تلك المتعلقة باستراتيجية البارون مقابل رؤية المؤلّف. فالمؤلّف يقرّ بأن البارون أخطأ في تمسكه بالعمل المشترك، ويرى أن إعطاء المستوطنين أراضٍ كافية كان سيُغنيهم عن المساعدات الشهرية. ومع ذلك، يُقدّم المؤلّف دفاعاً مقنعاً عن حذر البارون بشأن الزراعة الواسعة، مستنداً إلى الظروف المناخية المتقلبة وتجارب أخرى فاشلة. يُظهر هذا التناقض الداخلي في النص نفسه أن مسألة الحجم الأمثل للأرض وطريقة العمل كانت نقطة خلاف رئيسية، حتى بين المهتمين بالمشروع، مما يطرح تساؤلاً حول أي النهجين كان أكثر فاعلية على المدى الطويل.

8.تمرد102–111▼ ملخص

بدأت أحداث هذا الفصل في عام 1885، الذي يصفه الكاتب إلي شيد بأنه عام أسود في تاريخ المستعمرات. يعود شيد من رحلته ليجد تمرداً مفتعلاً يقوده طبيب المستعمرة الجديد، الدكتور مونتور، ضد الإدارة ممثلةً بالمدير السيد وورمسر. يصرح شيد بأن واجبه كراوٍ يلزمه بنقل هذا الجانب المظلم، بعد أن امتدح المستوطنين سابقاً، ليفهم القارئ كيف نشبت هذه الأزمة.

يبدأ شيد بتبرير صعوبة الخدمة الطبية في المستعمرات، مشيراً إلى أن المستوطنين يسرفون في طلب الطبيب لأتفه الأسباب، على عكس ما يحدث في أوروبا. يصف الأطباء بأنهم أكثر الموظفين تعاسة، إذ يعاملهم المستوطنون كخدم متاحين ليل نهار. ويضيف أن الأطباء ملزمون أيضاً بعلاج العرب الفقراء المحيطين بالمستعمرات مجاناً بأمر من البارون، دون أن يبدي هؤلاء العرب امتناناً يذكر. ويشرح شيد سياسة الإدارة المتسامحة مع سرقات العرب البسيطة، مفضلةً حلها وديّاً مع شيوخ القرى بدلاً من رفع دعاوى قضائية مكلفة، حفاظاً على العلاقات مع الحكومة العثمانية وتجنباً لإفلاس السارق.

يعود شيد إلى تفاصيل التمرد، فيصف الدكتور مونتور بأنه شاب روسي قادم من ألمانيا، يظهر تديناً مصطنعاً، متحذلقاً في أمور الشعائر الدينية كغطاء الرأس للمستوطنات، بينما يتساهل مع زوجته. يصفه شيد بالممثل المتملق، موثقاً كذبه بتركه والده العجوز في القدس ليموت جوعاً لولا صدقة الغرباء. أما السيد وورمسر، مدير المستعمرة، فكان يعيش بائساً بعيداً عن عائلته في باريس، يعاني الحمى وسوء الطعام والمسكن، مما جعل طباعه حادة، فساءت العلاقات مع المستوطنين.

يسهب شيد في شرح سوء الفهم الجوهري لدى المستوطنين والموظفين على حد سواء، الذين ظنوا أن له وللمدير صلاحيات مطلقة بتصريف الأموال، رافضين تصديق أن البارون نفسه يُدقق في الحسابات. ويقر شيد بمرارة أن هذه الأوهام جعلته إلهاً في أعينهم حين يلبي رغباتهم، وأقل من كلب حين يرفضها. ويضيف أن حالة المستعمرات التجريبية، مع عدم اليقين حول نجاح الكروم والأشجار، زادت من إحباط المستوطنين.

يتحالف الدكتور مونتور مع المستوطنين الناقمين، مستغلاً ضعفهم بمبالغته في تشخيص الأمراض على أنها خطيرة، ثم يدّعي الفضل في الشفاء، مما جعله إلهاً في أعينهم. تكونت عصبة مسائية في بيته للتآمر ضد المدير وورمسر، وانقسم المستوطنون إلى معسكرين: مؤيد للإدارة، وتابع للطبيب. على رأس المتمردين وقف السيد أبراموفيتش، عميل أعمال سابق من رومانيا، وصفه شيد بأنه تجسيد للشر، والذي حصل على توكيل عام من المتمردين بهدف السيطرة على المستعمرة. انضم إليهم أيضاً الأستاذ أوشيه، مدرس اللغة الفرنسية، حاقداً على المدير وورمسر ومتظاهراً بالتدين.

تأزم الموقف في أواخر أبريل، بعد عيد الفصح، حين كان شيد في البحر قادماً من باريس. في يوم السبت، بينما كان المدير وورمسر طريح الفراش بالحمى، صعد الدكتور مونتور إلى منبر الكنيس (المعبد) ودعا لحملة صليبية ضد الإدارة. نهض المدير المريض وتوجه إلى الكنيس، وما إن رآه الدكتور مونتور حتى تظاهر بالإغماء في مسرحية ناجحة. أرسل المستوطنون، بدفع من الطبيب، فارساً ليحضر طبيباً من ريشون-لي-صهيون، مما تسبب بنفاد فرسه. الطبيب القادم، الدكتور داربيلا، فحص مونتور وأعلن بصراحة أنه ليس مريضاً ولا يحتاج لعلاج.

عند وصوله، توجه شيد مباشرة إلى زكرون-يعقوب وقابل الدكتور مونتور في فراشه، وتركه يتحدث لمدة خمس وأربعين دقيقة دون انقطاع. أثبت شيد له أن طول كلامه دليل صحته، وأبلغه أن مسرحية الكنيس قد فشلت. كحيلة انتقامية، زعم مونتور أن الدكتور داربيلا قد سمم طفلاً لعائلة روبنشتاين، أحد المتمردين، ورفض علاجه، مما تسبب في وفاته لاحقاً لعدم تلقيه أي رعاية.

تحقق شيد من الوصفة الطبية ووجدها صحيحة، فأدرك أن مونتور قد تجاوز حدوده بترك طفل يموت، وقرر فصله. إلا أن البارون رفض تصديق شيد بدايةً، متلقياً رسالة دعم لمونتور من حاخامين في ألمانيا وروسيا، واتهم فيها المدير وورمسر بالتقصير وطلب المثول أمامه في باريس. شعر شيد بمرارة الظلم وأراد الاستقالة، لكنه قرر البقاء حفاظاً على استقرار المستعمرة.

خلال هذه الفترة، ظل التمرد سلمياً نسبياً رغم الاجتماعات. حاول مونتور استفزاز شيد في الكنيس بإمامة الصلاة، لكن شيد لم يمانع وسخر منه باقتراح تعيينه حزاناً (مرتلاً) مقابل ستين فرنكاً شهرياً، مما أذل الطبيب. لكن شيد عانى كثيراً من نساء المتمردات، اللواتي وصفهن بالغضب، وصف إحداهن بأنها وقفت أمامه بقبضاتها تصرخ أنه لا حاجة لهم بالبارون وأن باروناتاً آخرين سيأتون لنجدتهم. انكسر قلبه من جحودهم، فترك المكان لافتتاح بيوت في مستعمرة بات-شيلومو.

انتهت الأزمة عندما أرسل مونتور شكوى لمدام البارون روتشيلد، أعاد فيها سرد حادثة الطفل روبنشتاين كما رواها شيد، مما جعل البارون يدرك حقيقة الأمر ويأمر بطرده. استعان شيد بحاكم عكا، إبراهيم باشا، الذي استدعى مونتور والأستاذ أوشيه وأمرهما بمغادرة المستعمرة فوراً، مذكراً إياهما بأنهما مجرد خدم للبارون. غادرا، وحل محلهما الدكتور زوسمان من القدس والأستاذ تسيفرين من مسكرة-بتيا. استقال المدير وورمسر، وخلفه المدير بن شمول. طرد شيد قادة التمرد الثلاثة: أبراموفيتش، ساندينوفر، وكلاينمان بتعويضات، ورفض عودة من غادر منهم.

يقر شيد في هذا الفصل بمرارة أنه وقف باستمرار بين المستوطنين والبارون، متحملاً وطأة الطرفين، وأنه اعتاد جحود من خدمهم. ويختتم بأنه لم يخبر البارون إلا بالحقيقة، وترجم له كل الرسائل ضده بأمانة. هذا الفصل هو شهادة صريحة ومريرة على تعقيد العلاقات الإنسانية تحت ضغط المشروع الاستيطاني، حيث يتحول الطبيب إلى محرض، والمستوطنون الممتنون إلى ثوار، والإدارة الصارمة إلى كبش فداء. حجة شيد الأساسية هي أن سوء الفهم حول السلطة المطلقة للإدارة، واستغلال ضعف المستوطنين من قبل شخص انتهازي، هما السببان الجذريان وراء هذا التمرد الذي كاد أن يدمر المستعمرة.

9.إنشاءات130–135▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تفاصيل مشاريع البناء والتطوير التي نُفّذت في مستعمرة زخرون-يعكوف في فلسطين، تحت رعاية البارون. المحور الرئيسي هو حل مشكلات البنية التحتية الناتجة عن النمو السكاني والتوسع الزراعي، من خلال إنشاء مرافق جديدة مثل الآبار والمستشفيات ومخازن النبيذ الضخمة.

يسير الفصل خطوة بخطوة مناقشاً كل مشروع بناء على حدة. يبدأ بمعالجة مشكلة نقص المياه في الصيف، حيث تم حفر بئر جديد عام 1897 في سهل نسلاي بعمق 14 متراً، وزوّد بمحرك بخاري وأنابيب تصل إلى خزان المياه الرئيسي، مما وفّر إمدادات كافية للمستعمرة. في المقابل، يستمر استخدام مياه النبع القديم في القبو الرئيسي وفي مستعمرة سامرين.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحديث عن مشكلة صحية تمثلت في انتشار "الحمى الصفراء" (وهي في الواقع حمى صفراوية)، والتي كان ينقلها البعوض. رغم غرس كميات كبيرة من أشجار الكينا لتنقية الهواء من مستنقعات المنطقة المجاورة، إلا أن مكافحة الملاريا ظلت صعبة. كان المستوطنون الفقراء في مستعمرة هدارة (التي تأسست عام 1891 وكانت تبعد نحو فرسخين) الأكثر تضرراً، لافتقارهم إلى الرعاية الطبية. ولمواجهة ذلك، وافق البارون على بناء مستشفى صغير يتسع لنحو عشرة أسرّة، ويحتوي على غرف للفحص والعمليات والمطبخ وحمامات، بالإضافة إلى بناء خشبي مجاور للنساء، وحوله حديقة صغيرة للمرضى الناقهين تزرع فيها أشجار الكينا والصنوبر.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل بناء مخازن النبيذ، وهو المشروع الأبرز. قام السيد بينشمول (بدون مهندس أو معماري) بتصميم وتنفيذ ثلاثة أقبية متجاورة مقببة تحت جبل سامرين، طول كل منها 50 متراً، وتطل على الطريق المؤدي إلى حيفا. فوق هذه الأقبية بُنيت غرف التخمير. ولتلبية الطلب المتزايد، شُيّدت ثلاثة أقبية أخرى تحت الأرض بنفس الطول. كما حُفر نفق بطول 80 متراً في جبل أم الطوت تحت إشراف المهندس ستاركميتس ليُستخدم كقبو عند الحاجة.

بجوار المخازن الأولى، أُنشئت ورشة حدادة يديرها عمال إسرائيليون تحت إشراف السيد ميلر كبير الميكانيكيين. يضم المبنى نفسه محركاً بخارياً قوياً يُستخدم لتبريد النبيذ أثناء التخمير وللحفاظ على درجة حرارة مناسبة للتخزين. كما تم تركيب خط لعربات صغيرة تنقل العنب من رصيف التفريغ إلى المعاصر، حيث يُدفع للمستوطنين ثمناً لعنبهم، مع أمل أن يتمكنوا من العيش من ثمار عملهم بمجرد تعافي كرومهم من آفة الفيلوكسيرا، وأن يُمنحوا مساحات من الأراضي وأشجار الفاكهة ليضمنوا عملاً دائماً.

يتخلل الفصل فقرات عن حادثة مرض السيد بينشمول في نوفمبر 1892، وكيف أنقذه المؤلف بإحضار طبيب جراح من بيروت على متن سفينة إنجليزية إلى ميناء طنطورة (وهو إنجاز غير مألوف آنذاك)، قبل أن يستقر بعدها بباريس لاستعادة صحته. ويحتوي الفصل أيضاً على خروج عن الموضوع لانتقاد حاد لسكان فلسطين، متّهماً إياهم بنشر الشائعات والأكاذيب، مستشهداً بمقولة لأحد الحاخامات من القدس. ثم يعود ليذكر أن البارون عيّن السيد غولدستاين مشرفاً خاصاً على البناء، وساعده السيد كانتور الذي أشرف أيضاً على بناء الطرق وتشكيل فرقة إطفاء.

أخيراً، يصف الفصل توسعة المباني الإدارية والمدرسية. بُني مبنى إداري جديد قرب المنزل القديم للمستوطنين الطلاب، والذي أصبح بحجم قصر على غير رغبة البارون. حوّل المبنى القديم إلى مدرسة فصلت بين الأولاد والبنات، مع روضة أطفال قريبة. كما نُقلت الصيدلية إلى مبنى جديد في شارع الموظفين، مع غرفة للفحص وأخرى لإعداد الأدوية. استُخدمت الصيدلية القديمة كمسكن لمساعد كرّام، والبناء المدرسي القديم كمسكن للعمّال الإسرائيليين العزّاب مع مطبخ مشترك. ويُختتم الفصل بوصف ساعات العمل التي تتوقف عند الحادية عشرة صباحاً في الصيف لشدة الحر، مع توفير سماور للشاي الساخن في مواقع العمل لمنع الأمراض الناجمة عن شرب الماء البارد.

أقرّ المؤلف بحدود في معالجة مشكلة الملاريا، معترفاً بأن غرس أشجار الكينا لم يُلغِ خطر الحمى التي ينقلها البعوض بشكل كامل. كما أشار إلى أن إدارة المشاريع كانت تفوق قدرة فرد واحد، مما استدعى تعيين مساعدين، وهو ما يُظهر تحدياً تنظيمياً ضمنياً. مع ذلك، يُظهر الفصل تحيزاً واضحاً في انتقاده الشديد لأخلاقيات سكان فلسطين المحليين، وهي حجة قابلة للنقاش وتبدو أنها تأتي من إحباط شخصي للمؤلف أكثر من كونها تحليلاً موضوعياً، وتُضعف مصداقية السرد في ذلك الجزء.

10.العادات العربية144–150▼ ملخص

يصف هذا الفصل رحلة الكاتب من حيفا إلى صفد، متوقفاً عند مدن وقرى مثل عكا ورامة وميرون، ليرسم صورة حية للعادات العربية والريفية في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر. المحور الأساسي للفصل هو معايشة الكاتب للحياة اليومية والقيم الاجتماعية للفلاحين والعرب، وكيف أن هذه المعايشة تفسر العديد من النصوص التوراتية التي قد تبدو غامضة للقارئ الأوروبي.

يسير الفصل على هيئة يوميات سفر، فيبدأ بمغادرة حيفا فجراً بالعربة. يصف الكاتب الطريق الوعرة على شاطئ البحر، ثم عبور نهر المقطع (نهر قيشون التوراتي) الذي يغير مجراه سنوياً، وصولاً إلى نهر بلوس (نهر النعمان حالياً) حيث يتأمل اختراع الفينيقيين للزجاج في رماله. يدخل مدينة عكا، ويصفها بأنها مدينة صغيرة ذات أسوار قديمة ومدفع صدئة، يقطنها مجتمع يهودي صغير مكون من اثنتي عشرة عائلة تعاني من الفقر المدقع.

بعد مغادرة عكا، يتحول السفر إلى ركوب الخيل في الجبال. يصف الكاتب آبار الماء، مثل البئر الذي يذكره بقصة لقاء يعقوب وراحيل، حيث تجتمع النساء لملء قرب الماء الجلدية. يصف الكاتب هؤلاء النساء بتفصيل لافت: غير محجبات، ذوات وشوم زرقاء على وجوههن وأذرعهن، شعر أشعث، ولا يغتسلن إلا نادراً. يلاحظ الكاتب قوة الجبهة العربية التي تتحمل أثقالاً ثقيلة بواسطة حبال تربط حول الرأس.

يصف الكاتب رحلته الشاقة على ظهور الخيل في ممرات جبلية ضيقة ووعرة، حيث تتبلل المجموعة بأول مطر في العام دون أي حماية. يمرون بسهول مزروعة بأشجار الزيتون والتين، ويشير إلى أن الإهمال الحكومي والضرائب الباهظة هما السبب في هجرة الفلاحين إلى أمريكا وهجر أراضيهم. ففي قرية مجد الكروم، يخبره السكان أنهم اقتلعوا كروم العنب واستبدلوها بالحبوب هرباً من الضرائب الجائرة، مفضلين العيش بسلام على إثراء الحكومة.

يصف الكاتب أيضاً جمع النساء لروث البقر، وعجنه مع الماء والتراب، وتجفيفه على جدران المنازل لاستخدامه كوقود في الشتاء. يصل المسافرون إلى رامة في بستان ليمون، فيتناولون طعام الغداء المكون من الخبز العربي والدجاج والليمون والماء. يصف الكاتب ضيافة الفلاحين العرب، مستشهداً بقصة استضافة إبراهيم للملائكة في سفر التكوين، موضحاً أن هذه العادة العربية في كرم الضيافة وتقديم الماء والطعام فسرت له النص التوراتي الذي حير المفسرين الأوروبيين.

يختم الفصل برحلة شاقة أخرى من رامة إلى ميرون وصولاً إلى صفد، واصفاً المسالك الجبلية الوعرة التي تشبه السلالم الطبيعية، وخطر التحول إلى سيول بعد المطر. عند الوصول إلى ميرون، يستقبله مضيفه من صفد مع رفاقه بإطلاق الرصاص في الهواء احتفاءً به، وأحدهم يسقط عن حصانه لكنه ينهض بسلام، مما يدفع الكاتب للتعليق على صلابة عظام العرب ومرونة جلودهم.

في خاتمة الملخص، يمكن القول أن الفصل يقدم مادة إثنوغرافية غنية، لكنه ليس محايداً. نظرة الكاتب إلى النساء العربيات ووصفه لهن بأنهن "غير مستساغات" تعكس تحيزاً ثقافياً واضحاً. كما أن تأكيده على أن الضرائب والإهمال العثماني هما سبب هجرة السكان، هو حكم قوي وقابل للنقاش، حيث يبسّط أسباباً اقتصادية وسياسية معقدة في صورة نقد مباشر للإدارة العثمانية، دون تقديم أدلة إحصائية أو تاريخية مفصلة.

11.رحلة حول بحيرة طبريا173–180▼ ملخص

هذا الفصل، وهو الثلاثون من مذكرات شيخ عن رحلاته في فلسطين وسوريا، يحكي قصة رحلة استكشافية قام بها المؤلف ورفاقه حول بحيرة طبريا وفي منطقة شرق الأردن، بتكليف من البارون روتشيلد. المحور الأساسي للفصل هو وصف هذه الرحلة المليئة بالمشقة والمغامرة، والتي تهدف إلى تقييم الأراضي الزراعية الواعدة شرقي الأردن، مع تسليط الضوء على أحوال المستوطنات اليهودية الأولى، والتفاعلات مع البيئة المحلية والسكان، والوعود والتحديات الكبيرة التي تحملها هذه الأرض القاسية. يقدم المؤلف، عبر سرد يوميات الرحلة، إجابته الواقعية والحذرة التي تتعارض جزئياً مع حماس زميله أوسوفيتسكي، مؤكداً على أهمية التخطيط المدروس قبل الاستيطان بدلاً من الاندفاع وراء شراء مساحات شاسعة من الأراضي.

تبدأ القصة في مستعمرة روش بينا في يونيو 1891، حيث أمر البارون روتشيلد المؤلف بمرافقة كل من السيد إرمينس والسيد ديهاي وأوسوفيتسكي وديزنغوف (رئيس بلدية تل أبيب المستقبلي) في رحلة تستمر حوالي اثني عشر يوماً. كان الهدف هو تفقد الأراضي الخصبة التي سمع عنها أوسوفيتسكي على الضفة الأخرى من نهر الأردن وتحت بحيرة طبريا، والتي يمكن شراؤها بأسعار زهيدة تصل إلى فرنكين للدونم الواحد. يورد المؤلف نصاً من رسالة البارون الذي يحذر من حماس أوسوفيتسكي المفرط، ويؤكد على ضرورة التخطيط الدقيق وعدم شراء أراضٍ تتجاوز حاجة كل عائلة (عشرة إلى اثني عشر هكتاراً)، وضرورة إنشاء كتلة استيطانية كبيرة ومتماسكة لمواجهة هجمات البدو المحتملة، على عكس أسلوب الاستيطان المتفرق في اليهودية.

ينطلق الفريق من روش بينا عبر سهل صخري، ماراً ببئر يوسف (حيث يعتقد العرب أن إخوة يوسف ألقوه فيه)، ويصلون إلى شاطئ بحيرة طبريا. في الطريق، يصف المؤلف مشاهدات دقيقة، مثل نبع مياه معدنية مثلجة بالقرب من خراب كفرناحوم، ومجموعة صيادين غريبة على شاطئ البحيرة تضم مسلمين ومسيحيين ويهوداً سفارديم وأشكناز، يعملون معاً ويقتسمون الصيد مع رجل إنجليزي يملك القارب. ثم يمرون بقرية مجدلا البائسة المبنية من الطين، ويصف حرارة المكان الخانقة، حيث أن البحيرة تقع على عمق 208 أمتار تحت سطح البحر. يعبر الفريق البحيرة بالقارب من الشمال إلى الجنوب هرباً من الحر، ليجدوا أن ماء البحيرة غير صالح للشرب (درجة حرارته 38، ورائحته كبريتية).

يصلون إلى طبريا، المدينة التي يصفها المؤلف بأنها حارة جداً (تصل الحرارة إلى 44 درجة في الظل)، وقد دمرها زلزال 1837. يلفت الانتباه إلى فندق يهودي تديره عائلة وايزمان، والذي استضاف في 1851 كل من دي سولسي وغوستاف دي روتشيلد. ثم يذكر ينابيع طبريا الحمّامات الكبريتية الشهيرة، ومقام الحاخام مئير صاحب المعجزة، حيث اشترى السيد دي بولياكوف منزلاً لتحويله إلى مستشفى للمرضى الفقراء. من ملاحظاته الطريفة، أن مياه نهر الأردن التي تبلغ حرارتها 28 درجة بدت باردة كالثلج مقارنة بحرارة الجو البالغة 41 درجة.

بعد مغادرة طبريا، يدخل الفريق سهل الأردن الخصب، واصفين إياه بأنه يشبه جنوب فرنسا بطرقه المعبدة وغطائه النباتي الكثيف. كانوا في قرية سيماخ التابعة للسلطان. التحدي الأكبر كان عبور نهر اليرموك، وهو نهر شديد الاندفاع، حيث كان عليهم المرور من فوق سد حجري ضيق، مما أصاب الجميع برعب شديد خوفاً من السقوط والتيار القوي الذي كان سيحطمهم. بعد هذه المغامرة، يصف المؤلف سهل الأردن بخصوبته المدهشة، من زراعة البرتقال والموز إلى القطن وقصب السكر، لكنه يلحظ بأسف أن المنطقة شبه مهجورة تماماً بسبب الحرارة اللافحة (أكثر من 170 متراً تحت سطح البحر)، ويستنتج أن هذه الجهة غير صالحة للاستيطان الأوروبي. أما المنطقة الواقعة شمال سيماخ بين البحيرة والجبل، فيقدر مساحتها بـثلاثة إلى أربعة آلاف هكتار من الأراضي الممتازة التي تنتظر الأيادي العاملة، ويعتبر أن الجبال نفسها يمكن تحويلها إلى كروم وبساتين.

تنتهي الرحلة بمشقة شديدة في الليل، حيث يضيع دليلهم في الجبال المظلمة المليئة بالأشواك العملاقة. بعد جهد جهيد، يصل الفريق إلى مخيم بدوي قرب قرية مدمرة تدعى أداميه، حيث استضافهم شيخ القبيلة وقدم لهم الحليب مجاناً رفضاً للبيع. ينام الفريق في أرض مستنقعية، ويغادرون في الصباح الباكر بمساعدة الشيخ الذي يتولى حراسة خيولهم ليلاً ببندقيته. تنتهي الرحلة مع شعور المؤلف بالقلق من النوم في المستنقعات وتأثير ذلك على صحتهم.

في خلاصة الفصل، يقدم المؤلف رؤية حذرة ومتوازنة، تتناقض مع حماس أوسوفيتسكي. النص يقر بثراء الأرض وإمكانياتها الهائلة، لكنه في الوقت نفسه لا يخفي الصعوبات الجسدية والمناخية القاسية، وعدم ملاءمة بعض المناطق للاستيطان الأوروبي، خاصة تلك الواقعة في المنخفضات الحارة. يترك شيخ القارئ مع انطباع بأن الاستيطان في هذه المناطق مهمة شاقة تتطلب تخطيطاً حكيماً، وصبراً على المشاق، وحذراً في التعامل مع الوعود البراقة، مما يعكس نهجاً عملياً يختلف عن الحماسة الأيديولوجية الجامحة التي يمثلها أوسوفيتسكي.

12.أمراضي181–189▼ ملخص

ملخص الفصل الحادي والثلاثين: "أمراضي"

يصف هذا الفصل معاناة المؤلف الجسدية والنفسية خلال رحلاته المتكررة إلى فلسطين، ويكشف عن الصعوبات التي واجهها نتيجة الأمراض التي أصابته هناك، مثل الحمى الشديدة والدوسنتاريا، وتأثير هذه الأمراض على صحته التي تدهورت بشكل دائم، وكيف أن تفانيه في العمل لم يُقابل بالوفاء بالوعود التي قُطعت له.

يبدأ الفصل في 21 يوليو 1891 لدى وصول المؤلف ورفيقه السيد إرمينس إلى بيروت، حيث كانا في طريقهما إلى مستعمرة ريشون لتسيون لحضور موسم قطاف العنب. أثناء تناول الغداء في منزل السيد والسيدة فرانك، شعر المؤلف بتوعك شديد واضطر للعودة إلى الفندق. وقد أصيب بحمى شديدة بلغت 39 إلى 40 درجة، وطلب من رفيقه ألا يتركه في الفندق، مفضلاً السفر إلى ريشون لتسيون حيث يثق بطبيبها ويكاد يشعر بأنه في بيته. تم نقله إلى السفينة حيث أمضى ليلة مروعة على سطح السفينة بسبب الحر والحمى.

عند وصوله إلى يافا في صباح اليوم التالي، كان في استقباله السيد بلوخ (مدير المستعمرة) والطبيب ماسيي. ولكن حالته كانت خطيرة لدرجة أنه لم يكن قابلاً للنقل، فنُقل إلى فندق كامينيتز لتلقي العلاج حتى الرابعة عصراً، ثم نُقل في عربة إلى مبنى الإدارة في ريشون لتسيون حيث وضع في غرفة مساحتها 14 إلى 16 متراً مربعاً. يصف المؤلف معاناته الجسدية والمعنوية التي لا توصف، حيث كان يتقيأ كل ما يتناوله. الطبيب ماسيي، بمساعدة الثلج الذي كان يُحضر من يافا، كان ينجح بصعوبة في إبقائه يتناول القليل من الحليب أو الشراب الساخن مع البراندي. ضعف يوماً بعد يوم، ويصف كيف أن ملامحه أصبحت مخيفة، بلحية طويلة وخدين غائرين وبشرة صفراء. فقد الأمل في رؤية أهله، وعلم لاحقاً أن السيد بلوخ كاد يبرق لزوجته ليخبرها بحالته لولا أن منعه الطبيب والموظفون. عانى من كوابيس مرعبة عن "مندوبين روس" يقتربون منه بوجوه كريهة، واستمر على هذه الحال قرابة خمسة عشر يوماً، بين التحسن والتدهور.

في حوالي الخامس من أغسطس، سمح له الطبيب بالنهوض قليلاً يومياً استعداداً للسفر. كان موعد رحيله المقرر في 12 أغسطس على متن باخرة الخطوط البحرية الفرنسية المتجهة إلى مرسيليا. كان مجرد التفكير في الصعود على متن سفينة فرنسية يمنحه قوة مصطنعة. غادرت السفينة يافا عند الساعة السادسة مساءً، وشعر المؤلف وكأنه نجا. ومع ذلك، نزل إلى البر في بورسعيد في 13 أغسطس لشراء حليب الماعز، لكنه لم يستطع حفظه. في الإسكندرية في 14 أغسطس قضى يوماً في فندق ووجد حليباً جيداً، لكنه انتكس ليلاً. بقي وحيداً في غرفته طوال الليل يعاني دون مساعدة لأن جرس الاستدعاء كان معطلاً. في الصباح، جاءه رفاقه ووجدوه في حالة يرثى لها، فأعادوه إلى السفينة. بفضل 25 كيلوغراماً من الثلج اشتراها رفاقه في الإسكندرية، بالإضافة إلى 2 كيلوغرام تمنحها الشركة يومياً، تمكن من تبريد مشروباته حتى الوصول إلى مرسيليا. كان يخشى الموت في البحر ويُلقى به في الماء.

وصل المؤلف أخيراً إلى مرسيليا حياً، لكن في حالة يرثى لها. نُزل من السفينة في قارب، وما زال يتقيأ حتى في الجمارك. نُقل إلى فندق بالقرب من محطة القطار، وشعر بالراحة في سرير الفندق. تتالت بعدها المصائب؛ فوصوله بهذه الحالة إلى منزله صدم ابنته المتزوجة منذ خمسة أشهر والحامل، مما تسبب في إجهاضها بسبب الخوف. حاول المؤلف تجهيز أهله للخبر بإرسال برقيات موقعة باسمه تفيد بإصابته بحمى متقطعة، بينما أرسل الحقيقة لطبيبه الخاص.

بعد فترة نقاهة في نوفمبر، انتكس مرة أخرى في يناير 1892. تلقى رسالة من البارون إدمون دي روتشيلد ينصحه فيها باستشارة طبيب معين وأخذ قسط من الراحة. تداوى المؤلف حتى منتصف أبريل، ثم توسل إلى البارون للبقاء في باريس، لكنه لم يستطع الرفض لوجود الكثير من العمل، فسافر إلى القسطنطينية في نهاية أبريل بعد عيد الفصح اليهودي. نجح في مهمته هناك، وكتب له البارون رسالة شكر في مايو 1892 يشيد فيها بنجاحه. عاد إلى باريس في يونيو، ولكن في ديسمبر كان لا بد من عودته إلى سوريا. يعلّق المؤلف بمرارة على أن وعد البارون بعدم إرساله إلى فلسطين في الصيف لم يُحترم طويلاً، والسبب كان ضرورة إنهاء إجراءات نقل ملكية المستعمرات من اسم ميشيل إيرلانجر (الذي توفي حديثاً) إلى اسم البارون روتشيلد نفسه، والحصول على موافقة الحكومة العثمانية.

في مايو 1893، سافر المؤلف إلى القسطنطينية لإنجاز تلك المهمة الشاقة ونجح فيها. عاد إلى باريس في بداية يونيو، لكن البارون أصر على ذهابه شخصياً إلى فلسطين لإنهاء المعاملات، رغم توسلات المؤلف ووعده السابق. انطلق المؤلف في رحلة حزينة أصيب خلالها بالحمى منذ وصوله إلى مرسيليا. نجح في مهمته سريعاً وحصل على رسائل شكر متتالية من البارون في أغسطس 1893 تشيد بنجاحه مع حاكم القدس ووالي بيروت في إنهاء مسألة نقل الملكية. عاد المؤلف سالماً من هذه الرحلة بمعجزة.

لاحظ البارون أن المؤلف يستطيع تحمل الحر مجدداً، فأرسله في فبراير 1894 وبقي حتى ما بعد موسم قطاف العنب. خلال زياراته، حاول تقليل النفقات، مما كسبه متاعب وأعداء. عاد في مايو، ثم اضطر للسفر مرة أخرى في أواخر يونيو لحضور موسم القطاف، حيث عانى بشدة من الحمى مجدداً. في يوليو 1894، قدم استقالته للبارون من الخدمة، معلناً أنه قد سئم المستعمرات. ردّ البارون برسائل تشجيعية من مصحة فيشي في أغسطس لإقناعه بالبقاء. غادر المؤلف يافا في نهاية ذلك الشهر. في طريق عودته، أصيب بالدوسنتاريا بعد مغادرته الإسكندرية. تبادل مع البارون برقيات ورسائل حول حالته الصحية، حيث أصرّ البارون على زيارته في سان موريتس بسويسرا للراحة، مؤكداً له مودته واهتمامه بصحته.

على الرغم من رغبته في التقاعد، تمكن البارون من إقناعه بالبقاء بوعود براقة وليس أقلها وعد البارون بأنه سيضع مسؤولية الوفاء بها على رأس أبنائه إذا مات. استمر المؤلف في السفر إلى المستعمرات في جميع الفصول، حتى مرتين في السنة في 1895 و1896 و1897، وكان يعود مريضاً في كل مرة. يختم المؤلف فصله بمرارة، معترفاً بأنه ضحى بنفسه حتى النهاية، لكن الوعود التي كانت مدفونة بالذهب لم تنفذ أبداً، وكانت تُؤجل سنة بعد أخرى بسبب عدم وجود أرباح على النبيذ، إلى أن قرر البارون أنه وعد بأكثر مما يستطيع الوفاء. حصل المؤلف أخيراً على إذن بالتقاعد في مايو 1899، على أن يسري مفعوله في 1 يناير 1900، معترفاً بأنه لم يعد صالحاً لأي عمل بعد أن أشبعه الملاريا وضمور كبده تقريباً.

13.تابع الرحلة190–197▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل استكمالاً لرحلة الكاتب إلياس شيَّد في منطقة الجولان وحوران، وهو يروي تفاصيل الرحلة الميدانية التي قام بها لصالح البارون روتشيلد بهدف تقييم إمكانية إنشاء مستعمرات زراعية يهودية في المنطقة. الإجابة التي يقدمها الفصل واضحة وحاسمة: الأرض التي زارها ليست صالحة للاستيطان الأوروبي على الإطلاق، فهي أرض وعرة، جرداء، ومليئة بالحجارة، وتعاني من نقص حاد في المياه والبنية التحتية، ويعيش فيها سكان عرب وكرد وبدو يعيشون في فقر مدقع ولا يبدون أي رغبة في التغيير.

يسير السرد بترتيب زمني دقيق، حيث يصف الكاتب ويومياته بشكل متتابع. يبدأ الفصل بوصفهم يغادرون موقع أم قيس (جادارا القديمة) فجراً بعد صباح يومهم الأول. يصف الكاتب آثار المدينة القديمة بالتفصيل، مشيراً إلى أن شوارعها مرصوفة بالبلاط، وأن فيها أعمدة دائرية سميكة، ومدرجاً نصف دائري من الغرانيت الأسود شبه سليم، وقناطر جريئة لم ينكرها مهندسو العصر الحديث رغم أنها تعود لعشرين قرناً. يعجب الكاتب بكبر حجم كل شيء في العصور القديمة، مقارناً إياه بآثار بعلبك والقاهرة.

بعد مغادرتهم، يواجهون صعوبة في عبور نهر اليرموك الذي يجري بسرعة بين الجبال، واضطرّ مرشدوهم لقطع أغصان الغار الكثيفة لتجنب جرح وجوههم. عند أحد المنعطفات، وجدوا مخاضة حيث ينقسم النهر لمئة متر، فعبروا. عند وصولهم إلى الحمّة (حمات جدَر)، لاحظ الكاتب رائحة الكبريت، واكتشفوا ينابيع مياه حارة وكبريتية. صُدموا عندما بلغت حرارة إحداها 61 درجة مئوية، بينما كانت مياه أخرى عند 31 درجة. يعلق الكاتب بأن هذه الثروة المعدنية ستكون ثروة لأي مدينة أوروبية، لكنها هنا تُهمل تماماً.

ثم بدأت مرحلة التسلق الأصعب، حيث ارتفعوا 670 متراً في خط مستقيم على منحدر شديد الانحدار. ينصح الكاتب بعدم النظر إلى الخوف من الدوار. بعد ساعة من هذا الصعود، وصلوا إلى هضبة الجولان الممتدة حتى دمشق. وجدوا في منطقة كفر حارِب أراضي زراعية خصبة ذات نباتات وفيرة لكنها مهملة "لفقدان الأيدي العاملة". هنا يطرح الكاتب حجته المركزية: مع قلة المبادرة لدى العرب و"لا مبالاتهم"، فهم لا يحتاجون سيارات أو زوارق بخارية، يعيشون كما عاش آباؤهم دون طموح لتحسين حالهم. ويستنتج أنه طالما تفتقر المنطقة لوسائل النقل، لا يمكن التفكير في إنشاء مستعمرات أوروبية. يصف لقاء زعيم قبيلة عربية يقبل مرشدهم ويتبادلان التحية وفق تقاليد صارمة تمنع ذكر النساء في الحديث.

يستكمل الكاتب مسيره متجهاً نحو فيق (عفيك القديمة)، حيث لا يجد سوى أطلال حجرية سوداء وآثار رومانية، وعمود يحمل نقشاً بالعبرية. يصف منازل القرية بـ"الحداد" و"القبيحة" لأنها مشيدة من صخور سوداء. يواصل طريقه إلى خسفين (شيسفين)، الذي يصفه بأنه قرية من حوالي ثلاثين بيتاً بائساً. عند التخييم بالقرب منها، يسجل أن الخرائط تظهر المنطقة شمال هذا المكان بيضاء، معتبراً ذلك علامة سيئة للمسافرين.

بدافع من الإرهاق والعطش المميت ونقص المياه الصالحة للشرب، يقرر الكاتب القيام بمسير قسري يوم الجمعة لقطع مسافة طويلة إلى ساسا شمالاً، بالقرب من دمشق. يصف يوم الجمعة بأنه كان الأكثر قسوة، حيث عانوا من سموم (رياح حارة جافة) وصلت درجة حرارتها إلى أكثر من 50 درجة مئوية، دون أي ظل. يكاد ينامون على خيولهم، ويعاني أحد رفاقه، السيد ديزنغوف، من عطش شديد لدرجة أنه يشرب ماءً أصفر قذراً من قرية كناقر الكردية، مما أدى لإصابته بحمى شديدة في اليوم التالي. عند الوصول أخيراً إلى ساسا، يصف الكاتب تعبه الشديد، وكيف غسل وجهه من أثر ضربات الشمس التي جعلته يبدو أكبر بثلاثين عاماً.

يقررون المغادرة ليلاً بضوء القمر في مساء يوم السبت، ويصلون صباح الأحد إلى القنيطرة، وهي مدينة سوداء أخرى. ثم يواصلون مسيرهم في سموم اليوم الثالث، متجهين كالسهام صوب مستعمرة روش بينا. بعد توقف قصير في مشمار هايردن، يصلون أخيراً إلى روش بينا مساءً، وقد أنهوا واحدة من أقسى الرحلات. يختتم الفصل بأن تقريره للبارون روتشيلد كان نسخة طبق الأصل من رحلته، ويضيف ملاحظة لاذعة: إن أفضل طريقة لاستصلاح الأرض هي إرسال جميع جنود القوى الأوروبية لالتقاط الحجارة لمدة ستة أشهر، وعندها فقط يمكن الحديث عن الاستيطان.

يقرّ الكاتب بأن رحلته كانت "مجنونة" وأنه كاد يفقد صحته. يعترف أيضاً أنه على الرغم من وجود أراضٍ خصبة في بعض الزوايا، إلا أن الواقع العام هو الصخور والعطش وقلة السكان وفقرهم. الأسئلة المفتوحة التي يطرحها الفصل تتعلق بكيفية تغيير هذا الواقع اليائس، وكيف يمكن التغلب على لامبالاة السكان المحليين ونقص البنية التحتية، وهو ما لا يقدم له إجابة سوى التشاؤم.

أخيراً، من الواضح أن حجة الكاتب قابلة للنقاش. فمن ناحية، يعتمد تقييمه على معايير أوروبية للزراعة والاستيطان والرفاهية، ولا يخفي ازدراءه لأسلوب حياة البدو والعرب. من ناحية أخرى، يقدم الفصل أدلة ملموسة من وصف الأراضي الجرداء ونقص المياه، مما يجعل تقييمه يبدو قائماً على الملاحظة المباشرة، وإن كانت مشبعة بإحباط وضيق أفق تجاه القائمين على تلك الأرض.

14.روش بينا. التوسع198–202▼ ملخص

يصف هذا الفصل عملية التوسع العمراني والزراعي في مستعمرة روش بينا تحت إدارة إيلي شيد، بدعم من البارون إدمون دو روتشيلد. يروي شيد كيف بدأ التوسع بعد عودته إلى المستعمرة، حيث ذهب لزيارة الوالي عزيز باشا في صفد، وبعدها بيوم جاء الوالي لزيارة روش بينا برفقة زاديك باشا متصرف عكا وقائم مقام صفد. خلال هذه الزيارة، قاد شيد هؤلاء المسؤولين خلف مبنى الإدارة وأشار إلى الصخور قائلاً للوالي إنها غير مفيدة للحكومة، وسأله إن كان سيسمح له بتفجير هذه الصخور وبناء منازل عليها. وافق الوالي بسعادة وأمر من معه بتسهيل جميع الإجراءات لشيد.

بعد حصوله على الموافقة، أبلغ شيد البارون فوراً عبر بريد بيروت، فرد عليه البارون برسالة هنأه فيها على دبلوماسيته مع الوالي، وأعرب عن أمله في أن يأتي أيام أفضل لفلسطين، وأن لشيد دوراً كبيراً في هذا العمل. بعد ذلك، تم بناء المدرسة، والصيدلية، وبيت الطبيب، ومنازل لنحو عشرين مستوطناً، مع إسطبل لكل منزل منفصل بفناء. ثم جاء بناء محلج القطن ومخازن الشرانق ومخازن تحضير الزبيب على طراز مالقة. في غضون عامين، تغيرت هذه المنطقة بالكامل بفضل عمل شاق، حيث جلب المستوطنون التربة لصنع مصاطب زراعية غرسوها بأشجار التوت ونباتات أخرى، كما صنعوا حدائق صغيرة خلف منازلهم.

بعد التوسع العمراني، انتقل الفصل إلى مشكلة المياه. على الرغم من أن روش بينا كانت تمتلك ثلثي ملكية الماء وثلثاً إضافياً اشترته من فلاحين رحّلوا، إلا أن فلاحي جاعونة لم يتنازلوا عن حقوقهم القديمة. نشبت نزاعات قانونية طويلة انتهت بإعلان البارون مالكاً للمياه شرعاً. قام البارون بجمع الينابيع الثلاثة في حوض واحد، ثم مدّ المياه عبر قنوات إلى حوض خاص لعرب جاعونة، وأقام لهم حماماً ونوافير في شوارع قريتهم التي لم تشهد مثل هذا من قبل، ثم أوصل المياه إلى كل منزل إسرائيلي بفضل ضغط المياه.

استمر البارون في شراء الأراضي المحيطة، فاشترى الثلث الثاني من مسلمي صفد، وأراضي من فيرم وكباعة ودبورية وعيرون وبيرية، وهي أراضٍ متجاورة، ليصبح مجموع ما بيده نحو 4000 هكتار. خصم من هذه المساحة حوالي 800 هكتار بيعت لجمعية أحباب صهيون من تارنوف، وحوالي 1550 هكتار من الأراضي الصخرية، ليتبقى 1650 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة. مع ذلك، لم توزع هذه الأراضي على المستوطنين مباشرة لظروف ذكرها سابقاً، وأصر البارون في رسائله بين عامي 1890 و1897 على الاحتفاظ بحقه في تحديد ما يمنحه لكل مستوطن، رافضاً فكرة منح الأراضي كلها لهم، ومؤكداً أن متوسط ما سيحصل عليه كل واحد هو 6 إلى 8 هكتارات، منها 4 أو 5 للكروم والباقي للتوت والمشمش والزيتون، منتظراً نتائج الغرسات قبل وضع تنظيم نهائي.

حرصاً على توسيع الاستعمار، كان البارون يرحب بجمعيات أخرى مهتمة. بناءً على طلب الدكتور سالتس رئيس جمعية أحباب صهيون في تارنوف، بيع للجمعية 8000 دونم من أراضي كباعة، مع بقاء الثلث الثالث لصالح روش بينا. أما بالنسبة للمحاصيل المربحة، فكان أولها الكروم، ولكن ليس لصنع النبيذ بسبب صعوبة نقل البراميل على الجمال، بل لصنع الزبيب على طراز سلطانية من إزمير. تقرر غرس 80 هكتاراً من الكروم عام 1886 بإشراف السيد دوشاي، الذي نجح بزراعة العنب السلطاني، لكن بسبب الرسوم الباهظة على الاستيراد في فرنسا وأمريكا، استُبدل هذا الصنف بتطعيم عنب مالقة. ثم أمر البارون بزراعة أشجار التين، لكن الأمر لم يُنفذ لعدم ملاءمة التربة.

أما التوت، فكان هناك نحو 100 ألف شجرة على 122 هكتاراً تكفي لتربية ديدان الحرير. أنشأ دوشاي مشتلاً لأشجار المشمش واللوز والتوت، لكنه استقال بسبب الإصابة بالحمى في أبريل 1894، وخلفه السيد بيرتس باسكال خريج مدرسة البستنة في فرساي، ثم حل محله السيد حاييم كوهن. مع ذلك، واجهت الزراعة صعوبات. غرس باسكال نحو 85 هكتاراً من اللوز، نجا منها 55 هكتاراً فقط بـ 28 ألف شجرة، والباقي هلك لرداءة التربة. وفشلت زراعة الزيتون لأنه غرسها فسائل برية بدلاً من شتلات مشتل. نجح في غرس بستان أترج صغير على مساحة نصف هكتار باستخدام مياه ضائعة، وأنشأ خليفته كوهن بستان برتقال على هكتارين. غرس باسكال نحو 50 هكتاراً من المشمش الذي نما جيداً في السنة الأولى، لكن دودة أكلت جذوره مما أدى إلى فشل زراعته بالكامل في روش بينا.

في النهاية، تقرر توزيع الأراضي المتبقية على المستوطنين، لكن 60 عائلة موجودة حالياً لا تكفيها الأرض، وأصبح الرأي السائد هو توجيههم نحو الزراعة الكبيرة بدلاً من البساتين فقط، فيحصل كل منهم على قسم من الكروم والتوت والزيتون واللوز مع قطعة أرض للزراعة الكبيرة، وسيتم توطين الباقين في الجوار. لتدريب العمال على تجفيف العنب، استقدم البارون عاملين إسبانيين في 1897 و1898 أشرفا على إنتاج الزبيب. كما بدأت تجارب زراعة التبغ بأنواع فاخرة، نجحت أولها، لكن الثانية تضررت بشدة بسبب الجراد الذي ظهر في فلسطين، وما زالت تبحث المستعمرة عن أسواق لتصريف منتجاتها.

15.يسود هاميلة206–210▼ ملخص

يسود هاميلة (Yessod-Hamalah) هو الفصل الذي يتناول تأسيس مستعمرة زراعية يهودية على ضفاف بحيرة ميرون، شمال نهر الأردن، ويصف رحلة المستوطنين الروس الأوائل من الفقر والمرض والعمل المشترك مع البدو، حتى تحولها إلى قرية منظمة تحت رعاية البارون روتشيلد. الموضوع المحوري هو نشأة هذه المستعمرة وتطورها ونضال روادها، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الإصرار والعمل الجاد، إلى جانب الدعم الخارجي، هما مفتاح النجاح في الاستيطان.

يبدأ الفصل بذكر أبراهام غرونبرغ، رئيس حركة "أحباء صهيون" في أوديسا، الذي جمع أموالاً من حوالي عشرين عائلة روسية راغبة في الاستيطان في فلسطين. بهذه الأموال، اشترى حوالي مائتين وعشرين هكتاراً من الأرض على ضفاف بحيرة ميرون، التي يسميها العرب بحيرة الحولة. يصف الفصل المنطقة بأنها شديدة المستنقعات، خاصة على الضفة الشمالية الشرقية من البحيرة حيث توجد ما يقرب من عشرة آلاف هكتار من المستنقعات على طول نهر الأردن. أدى هذا المستنقع إلى مناخ غير صحي للغاية، حيث أودت حمى المستنقعات بحياة رجال أقوياء وشباب في أكثر من عائلة. وقد حاول المستوطنون محاربة ذلك بإحاطة المستعمرة بأشجار الكينا، لكن ذلك لم يكن كافياً.

من المشاكل الأخرى التي واجهتها المستعمرة أنها كانت مشتركة وغير مقسمة مع قبائل البدو الرحّل الذين كانوا يقيمون فيها بشكل دائم تحت خيامهم. الأرض كانت مسجلة في السجلات العقارية باسم "شبـِد"، وأطلق عليها الإسرائيليون اسم "يسود هاميلة"، أي "التأسيس الأعلى". في عام 1886، وصلت اثنتا عشرة عائلة من تلك العائلات الروسية إلى المكان، فوجدوا كوخاً وإسطبلًا قديمين على وشك الانهيار. عمل المستوطنون مع البدو لمدة عشر سنوات تقريباً بحصص متساوية من المحصول، لكن البدو رفضوا أي حديث عن تقسيم الأرض، ولم تنشب أي خلافات بين الطرفين.

بعد حوالي ثلاث سنوات من كتابة النص، تمكن السيد أوسوفيتسكي من الاتفاق مع البدو بشراء أرض لهم على بعد فرسخين شمالاً، مقابل الأرض التي يتركونها في يسود هاميلة. وهكذا أصبح المستوطنون سادة أراضيهم. كما قام أبراهام غرونبرغ بأخذ ثلاثمائة دونم من الأرض في منطقة كاستينيه (قرب غزة) مقابل أرضه في يسود هاميلة، وذلك بعد أن اشتراها البارون روتشيلد. ويشير الفصل إلى أن غرونبرغ قاد حركة "أحباء صهيون" الروسية لمدة أربعة عشر عاماً.

يصف الفصل بعد ذلك كيف عاش المستوطنون كفلاحين حقيقيين، مثبتين ذلك بأفعالهم. لم يكن لديهم صندوق مال قوي، فاعتمدوا على أنفسهم كرواد حقيقيين. بنى كل منهم لنفسه كوخاً من أغصان شجر الدفلى، وأقاموا أكواخاً مماثلة لكنيس يهودي وصيدلية. عاشوا هكذا لمدة خمس سنوات دون تلقي أي مساعدة من أحد، ودون أن يطلبوا أي شيء، حيث كان الجميع يعملون: رجالاً ونساءً وأطفالاً.

ومع ذلك، لم تكن الأرض التي يمتلكها كل فرد كافية، إذ كان لكل عائلة حوالي تسعين دونماً، مما لم يكن ليكفي لطعامهم لولا وجود البارون روتشيلد كجار لهم. أرسل البارون بِخور ألحاتف، وهو أول تلميذ في مدرسة ميكفيه إسرائيل، ليكون مسؤولاً عن الزراعة. مهمته كانت إنشاء مشتل لإنتاج جميع أنواع الأشجار التي ستُزرع لاحقاً، مما وفر للمستوطنين عملاً بأجر يومي. هذا الأجر، مضافاً إلى حصتهم من المحصول، مكنهم من تدبير أمورهم حتى نهاية العام. في عام 1891، أشفق البارون عليهم لعدم قدرتهم على بناء منازل صحية. وجدوا أطلال مدينة مياه قديمة على بعد فرسخ واحد، بالقرب من جسر بنات يعقوب، حيث بقايا حوض به ينبوع مياه كبريتية. وعدهم البارون ببناء منازل لهم إذا قاموا بنقل الحجارة اللازمة بأنفسهم. أعطى كل منهم عربة، فبنوا طريقاً إلى الجسر ثم نقلوا الحجارة في أوقات فراغهم، وبنوا بها منازل مريحة مغطاة بالقرميد.

امتدت القرية في شارع مستقيم واحد، يضم منزل المسؤول أبو العافية، ومنزل البستاني، ومخزناً ضخماً، ومدرسة، وكنيساً يهودياً صغيراً. تصف الفقرة المنظر الخلاب للشارع الطويل المزين بأشجار الكينا على جانبيه، مع بحيرة ميرون في الخلفية، وتصف البحيرة نفسها بأنها صغيرة، على ارتفاع مائتي متر، وعمقها يتراوح بين خمسة وعشرة أمتار، لكنها تشهد عواصف شتوية هائلة وتحتوي على كميات هائلة من الأسماك، ونهر الأردن يدخلها من الشمال كنهر صغير ويخرج من الجنوب كنهر كبير.

بعد أن اشترى البارون أراضٍ مجاورة، قام بتوزيع ألفي دونم على السيد دي بولياكوف ليقيم عليها عشرة مستوطنين. كما قام البارون بتوطين عدد من الأشخاص من مزارع أخرى لتجربة الحياة الزراعية، ومن بينهم وارحتس، وبابو، وبلومنفلد، وغراف. هؤلاء الأربعة بنوا منازلهم وإسطبلاتهم على أراضيهم الخاصة، مما أدى إلى ظهور أربع مزارع شابة منفردة خارج القرية.

يتناول الفصل تجارب البارون الزراعية، خاصة في زراعة النباتات العطرية. بدأ بزراعة الغرنوقي الوردي (géranium-rosa)، لكن البرد القارس من جبل الشيخ، الذي يصل إلى درجة التجمد صفر، أتلفه في ليلة واحدة. ثم انتقل إلى زراعة الورود من منطقة كان الفرنسية، وكانت نتائجها الأولية جيدة. تناوب على إدارة تقطير الورود كل من بروتسِنر، وتيشير، وجوزيف باسكال، وأرسيل. ولكن مع تقدم عمر شجيرات الورد، قلت النتائج، رغم أن الزيت العطري الناتج كان أفضل من زيت كازانليك البلغاري.

بالإضافة إلى الورود، تمت زراعة مساحات من شجر النارنج لاستخراج زهر البرتقال، وكروم البرتقال، وأشجار الزيتون والتوت والمشمش واللوز. كل هذه المحاصيل كانت تحت الإشراف المباشر من السيد ش. كبير البستانيين في روش بينا. يورد الفصل أوامر البارون في يوليو من عام غير مذكور لزراعة 300 إلى 350 هكتاراً من النباتات العطرية، بالإضافة إلى مئة هكتار من التوت لأطفال صفد، ومئة هكتار من اللوز، ومئة من الفستق، ومئة من التين والمشمش. لكن المساحة الأصلية التي تبلغ 400 هكتار لم تكن كافية، فقام البارون بشراء أراضٍ إضافية: خمسمائة وثمانين هكتاراً في ألما، ومائتين وعشرين هكتاراً في ماروتيه، وستين هكتاراً في مكان قريب، ليصبح المجموع ألف ومائتين وستين هكتاراً، بعد أن أخذ دي بولياكوف ألفي دونم.

يوضح الفصل أن الأرض لم تكن مناسبة لتحقيق جميع طموحات البارون. فقد فشلت زراعة خمسة عشر هكتاراً من المشمش وأربعة من اللوز بسبب نفس الأسباب التي فشلت بها زراعتها في روش بينا، لكن النجاح تحقق في عشرين هكتاراً من بساتين البرتقال الرائعة، يبلغ عدد أشجارها سبعة آلاف، بالإضافة إلى ألف شجرة نارنج وأربعمائة شجرة برغموت. كما توجد ثلاثة وأربعون هكتاراً من أشجار الزيتون في نمو كامل، وستة عشر هكتاراً من التوت، وحوالي هكتارين من التين. يختتم الفصل باعتراف المؤلف بأن النتائج لا تزال بعيدة عن الأوامر الأولية للبارون، لكنه يكرر فكرة أن البارون بدأ يقتنع تدريجياً بأن الأفضل هو التركيز على الزراعة الكبيرة الواسعة حيثما أمكن، وتأجيل الزراعات المتخصصة إلى وقت يصبح فيه المستوطنون في حالة اقتصادية جيدة، وذلك في فقرة تعتبر تحفظاً واضحاً من المؤلف على طموح البارون المفرط الذي لم يتوافق مع واقع الأرض والمناخ.

16.جولان220–230▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على منطقة الجولان (التي يخلطها الكثيرون خطأً مع حوران، موضحاً أن الجولان هو الجزء الممتد من نهر الأردن حتى جبال الدروز، بينما تبدأ حوران بعد هذه الجبال حيث وقعت معارك الأتراك والدروز). المحور الرئيسي هو محاولة قام بها يهود من روسيا وأمريكا لشراء أراضٍ ضخمة في الجولان وتأسيس مستعمرات زراعية عليها، وكيف تطورت هذه القضية من صفقة بسيطة إلى مشروع معقد واجه عقبات كارثية كشفت عن تزوير في المساحات وطبيعة الأرض.

يسير الفصل بترتيب زمني واضح. يبدأ بوصف هيئة المفاوضين الأوائل: أرسل اليهود الروس مهندساً اسمه سايدنر وآخر اسمه نيميروفيتش من يكاترينوسلاف، وأرسل الأمريكيون محامياً من نيويورك هو أدولف روزنبرغ. عُرضت عليهم أرض في الجولان تحدها من الجنوب نهر اليرموك، وتضم قرى ساخم ودجيلين وآثار قرى قديمة مثل جوبلا وبيتـا كـار وكوكاب. كان قد اشتراها شخص اسمه تش. إبشتاين الذي سعى لبيعها للمبعوثين عبر مندوبه فينبرغ من يافا.

تفاصيل الصفقة الأولية كانت متفائلة بشكل غير واقعي. قام المبعوثون بقياس الأرض تقريبياً سيراً على الأقدام وركوباً للخيل، وقدروا مساحتها بـ 120 ألف دونم من الأراضي من الدرجة الأولى، وتهامسوا أنها قد تصل إلى 150 ألف دونم بعد المسح الدقيق. أبرم إبشتاين اتفاقاً معهم يمنحه 50 سنتماً ربحاً عن كل دونم من أول 100 ألف دونم، ويحتفظ هو بـ 20 ألف دونم للمضاربة. كان لدى اليهود الروس 40 ألف فرنك، بينما الأمريكيون لم يملكوا هذا المبلغ.

هنا يتدخل البارون (لم يُذكر اسمه صراحةً لكنه واضح من السياق أنه البارون روتشيلد) بعد أن ذهب الوفد إلى باريس عام 1891 والتقوا بـ السيد إرلانجر. شرح الوفد حاجتهم إلى ستة أشهر لجمع التبرعات من جمعيات في روسيا وأمريكا وإنجلترا، لكن إبشتاين يريد الدفع فوراً لأنه ملزم بالتسوية مع أحمد باشا البائع الأول. عرض إرلانجر على البارون مذكرة تطلب الجمعيات بموجبها: الأمريكيون 25 ألف دونم، الإنجليز 10 آلاف، يكاترينوسلاف 25 ألفاً، مع إضافة 20 ألف دونم خاصة بإبشتاين ليصبح المجموع 80 ألف دونم. وأشار في ملحق إلى أن بياليستوك تريد أرضاً أيضاً ولديها 185 ألف فرنك.

وافق البارون على دفع ثمن الأرض كاملةً على أن تسترده من الجمعيات لاحقاً. وضع البارون الأرض باسمه محل إبشتاين، وأحال الإدارة إلى لجنة فلسطينية برئاسة إيزيدور براون. ما إن تشكلت اللجنة حتى ظهرت جمعية رومانية طلبت 18 ألف دونم. لكن الأمور تعثرت: لم تدفع الجمعيات كامل المبلغ، وواجهوا صعوبات حكومية، فقرر البارون تسجيل الأراضي باسم إي. فرانك من بيروت. ولإنهاء المعضلة، سافر المؤلف (شايد) إلى القسطنطينية في ربيع عام 1892 وحصل على التصريح اللازم. على الرغم من منعهم من الاستقرار قبل سداد الثمن، أرسلت الجمعيات الرومانية والروسية حوالي 20 عائلة إلى هناك بشكل عصيان.

يصف المؤلف بعدها رحلته الشخصية إلى الجولان في ربيع عام 1895 لإعداد تقرير دقيق. يبدأ برحلة شاقة من روش بينا، عبر جسر الأردن، في طقس ماطر وبارد، على طريق رومانية قديمة، عبر أراضٍ وعرَة مليئة بالحجارة السوداء والقرى المهجورة. يصف معاناتهم مع المطر الغزير الذي اضطرهم للتوقف عند أطلال قرية جوهدار لإنعاش الطبيب المرافق كوهانيسكو. في صباح اليوم التالي يفقدون بغلين. يصلون بعدها إلى نهر الرقاد (أحد روافد اليرموك) ويعبرونه عبر جسر روماني قديم، حيث يستقبلهم موكب من الفرسان بقيادة ضابط أرسله متسرف شيخ سعد، ويشهدون استعراضاً (فانتازيا) بدوياً عنيفاً تسبب بإصابتين.

أثناء تفحصه للأرض، يصاب المؤلف بخيبة أمل كبيرة ويكتشف أمراً خطيراً: الأرض ليست كما وُصفت. يجد أن نهر اليرموك يجري في وادٍ عمقه 80 أو 100 متر، مما يجعل الري منه مستحيلاً. والأسوأ أن الأرض مليئة بالصخور التي لم يذكرها أي تقرير سابق، ويتساءل إن كانت التقارير قد زُورت عمداً أو إنها بنيت على كلام إبشتاين فقط. ويشير إلى أنه كان قد أرسل للبارون تقارير صادقة عن المنطقة عام 1891 لكنه نسيها.

يكشف المسح القانوني الذي تم عام 1896 في زيارته الثانية الحقيقة المرة: بدلاً من 120 ألف دونم من الأراضي الممتازة، وُجد فقط 50 ألف دونم من الأراضي الجيدة، و10 آلاف دونم متوسطة تشمل الوديان التي اعتُبرت سيئة، و10 آلاف دونم من الصخور الثابتة والمتحركة. وهكذا خسر البارون 30 ألف دونم، وخسر إبشتاين حصته، ولم تحصل الجمعيات على الكميات المطلوبة.

يتناول الفصل بعدها المصير المأساوي للمستعمرين الأوائل الذين تجاهلوا التحذيرات. أرسلت نيويورك مندوبها آدم روزنبرغ الذي بنى منزلاً وزرع كرماً وتوتاً لكن الجمعية قطعت التمويل فماتت المزروعات، وأصيب هو بالحمى والملاريا وأجبر على المغادرة. أما بركوفيتش رئيس الجمعية الرومانية فأحضر معه رومانيين وبلغاريين وبنى بيوتاً، لكنه نفد ماله وانسحب. يلاحظ المؤلف بمرارة أن هؤلاء المستعمرين لم يكن لديهم المال الكافي (أقل من 1000 فرنك) وكانوا يأملون أن يتحمل البارون مسؤوليتهم بعد وصولهم.

يختتم الفصل بوصف الحياة في ساخم ودجيلين. في سخم، وجد المؤلف الماء غير صالح للشرب (مالح وقذر)، لكن الحفر حتى 15 متراً يكشف عن ماء جيد. أما دجيلين فكانت رطبة وموبوءة بالحمى، وأصيب جميع العمال والموظفين هناك بالمرض وتوفي بعضهم، باستثناء 30 عائلة من السود أقوياء البنية يصنعون المسكر من الذرة. يذكر أن البارون بنى هناك مساكن ومخازن ومشغلاً. في نهاية الفصل يقدم تقييماً نهائياً للزراعة التي أُنشئت: 4 هكتارات من التوت، و20 هكتاراً عليها 10 آلاف شجرة زيتون وأشجار فاكهة، و20 هكتاراً مزروعة بـ 80 ألف شجرة حور، والتي إن بقيت على قيد الحياة لمدة ست سنوات، فستسدد نصف ثمن الأرض المشتراة، لأن خشب الحور مطلوب جداً في سوريا للبناء.

يقر المؤلف صراحةً بحدوده وتحفظاته: يقر بأن التقارير السابقة كانت خاطئة أو مزيَّفة، وأن تقدير المساحات الأولي كان وهماً كاملاً. يترك السؤال مفتوحاً حول نية إبشتاين الحقيقية: هل زور المعلومات عن قصد؟ ويشير إلى فشل سياسة منع الهجرة التي لم تمنع المستعمرين من القدوم، مما عرضهم للمرض والفشل.

الحجة القابلة للنقاش في النص هي مقدار السذاجة التي وقع فيها البارون واللجنة، حيث اشتروا قطعة أرض شاسعة بناءً على تقرير سطحي واحد دون معاينة شخصية أو مسح قانوني مسبق، مما يعكس إدارة غير مهنية للمشروع. كما أن الفصل يحمل نبرة نقدية لاذعة من المؤلف ضد كل من المروجين الأوليين والمستعمرين المندفعين، معتبراً إياهم مسؤولين عن المعاناة والموت الذي حل بالجميع.

17.السامريون ونابلس241–245▼ ملخص

يصف هذا الفصل رحلة الكاتب إيلي شيد إلى مدينة نابلس، وزيارته للطائفتين اليهودية والسامرية فيها. الموضوع المحوري هو وصف أحوال هاتين الطائفتين، وعاداتهما الدينية والاجتماعية، وعلاقتهما ببعضهما وبالمسلمين في المدينة. يقدم الكاتب إجابته من خلال سرد يومياته وتفاصيل لقاءاته، مع التركيز على غرابة بعض العادات بالنسبة له.

يبدأ شيد رحلته من طبريا بعد أن لعب حاخامات المدينة دوراً في تغيير خططه. فبدلاً من النزول في الدير البروتستانتي كما كان يأمل، استقبله وفد من اليهود عند مدخل نابلس وأخبروه أن حاخامات طبريا أرسلوا برقية تعلن وصوله، وأن طبيباً يهودياً يُدعى الدكتور جي قد أعد له غرفة. يصف الكاتب مشاعر الحرج والارتياب التي انتابته، إذ شعر أنه مفروض على هذا الطبيب رغماً عنه، مستشهداً بعدة أمور: اختفاء زوجة الطبيب طوال 36 ساعة قضاها عنده، تقديم الطعام الذي كان يُحضر من خارج المنزل، الجو العام من التكلف الذي لاحظه. يضيف الكاتب تفصيلة طريفة عن السرير الذي وجده مليئاً بالحشرات، مما اضطره للنوم على الأرض طوال إقامته.

يقدم الفصل لمحة عن الجالية اليهودية الصغيرة في نابلس، ويصفها بأنها فقيرة جداً وتضم حوالي عشر عائلات سفاردية ومثلها أشكنازية. يعمل أفرادها كعمال أو باعة متجولين. ويلاحظ الكاتب أن المسلمين في نابلس متعصبون، ولا يحبون اليهود، وإن كانوا يكرهون المسيحيين أكثر. يذكر أن الطائفة لم يكن لديها كنيس، واضطرت لاستئجار غرفة كبيرة في بيت تركي، وأن البارون إدموند دي روتشيلد هو من يدفع إيجارها حالياً. يحضر شيد صلاة الفجر هناك، ويلاحظ أن الخدمة سريعة وتتم على الطريقة السفاردية.

ينتقل الكاتب إلى محور الفصل الثاني وهو السامريون. يذكر أنه لم يعد لهم وجود إلا في نابلس، ويبلغ عددهم حوالي أربعين عائلة. يوضح أن اليهود الآخرين يرفضون مصاهرتهم، لأن السامريين لا يعرفون التلمود ويتبعون حرفياً تعاليم أسفار موسى الخمسة فقط من الكتاب المقدس. يصف الكاتب بالتفصيل اختلافاتهم الدينية والطقسية: لا يضعون التفيلين (التمائم)، ونقش شعار "شماع إسرائيل" على أبواب بيوتهم بدلاً من المزوزاه، ولا يستخدمون الطاليت (شاش الصلاة) بل يرتدون كفناً أبيض في المعبد. صلواتهم هي في الغالب مزامير من تأليفهم، وخطهم العبري هو الخط العبري القديم.

يزور شيد معبدهم ويشاهد لفيفة التوراة الخاصة بهم. يروي السامريون له أن هذه اللفيفة تعود لزمن أبيشوع بن فينحاس بن ألعازار بن هارون الكوهين. يطلب شيد التحقق من ذلك، لكنهم يرفضون. يشير الكاتب بسخرية لطيفة إلى أنهم عاملوه كشخصية مهمة، وأحضروا له كرسياً في المعبد بينما هم يصلون واقفين أو جالسين على الأرض، بل وقدموا له القهوة. يشتري منهم سراً أحد كتب صلواتهم.

يشرح الفصل العديد من العادات السامرية الفريدة المستمدة من تفسيرهم الحرفي للتوراة. نساؤهم لا يختبئن شعورهن. جميعهم يعتبرون أنفسهم من نسل هارون (كوهانيم)، لذا لا يلمسون النجاسة. لذلك، يختنون أولادهم على يد مسلم، ويدفن موتاهم على يد العرب. الحائض تنعزل في غرفة خاصة وتخدم نفسها أو تخدَم من امرأة عربية. ذبح الحيوانات يقوم به الكاهن الأعظم. في يوم السبت لا يشعلون ناراً ولا يضيئون أنواراً ويأكلون طعاماً بارداً.

يتطرق الفصل لموقع جبل جرزيم المقدس عند السامريين، والذي يعتبرونه بديلاً عن قدسية القدس وجبل صهيون. يذكر الكاتب أنهم بنوا عليه هيكلاً في زمن نحميا، وقد هدم قبل تدمير هيكل القدس. يصف احتفالهم بعيد الفصح: ينتقلون بأكملهم إلى الجبل قبل أيام قليلة، وينصبون خيامهم، وفي ليلة العيد يذبحون سبعة حملان في قدر ضخم، ويغمس المؤمنون أصابعهم في الدم ويضعون خطاً على جباههم تذكاراً للخروج من مصر. تحرق العظام مع بعض الأعضاء، ويقوم الكاهن الأعظم بقراءة سفر الخروج بصوت عالٍ بدلاً من "الهجاداه" المعتادة.

في ختام الفصل، يقدم الكاتب معلومات عامة عن مدينة نابلس. يصفها بأنها مدينة نظيفة، تتدفق فيها مياه الينابيع في قنوات على جانبي الشوارع، ويسكنها عشرون ألف نسمة على الأقل. يذكر أن تعصب المسلمين يمنع الأوروبيين من دخول المساجد. يزور الكاتب قبر يوسف المزعوم، وهو قبر مكشوف بين أربعة جدران، ويذكر أن قنصلاً إنجليزياً في دمشق قد أقام في 1858 لوحة رخامية هناك تخليداً لذكرى يوسف واسمه هو أيضاً. بالقرب منه يقع بئر يعقوب، على مقربة من سهل واسع يسمى حقل يعقوب.

بشكل عام، يبدو الفصل وكأنه يوميات سفر أكثر منه دراسة أكاديمية. الحجج التي يقدمها الكاتب هي شهادات عينية وتفاصيل جمعها بنفسه، مما يمنح النص قيمة وثائقية على الرغم من أسلوبه السردي. من الممكن مناقشة دقة بعض الروايات، مثل ادعاء السامريين بأن لفيفة التوراة تعود لعصر هارون، أو مشروعية "قبر يوسف" كموقع تاريخي حقيقي، لكن الكاتب نفسه يبدو متحفظاً إزاء هذه الادعاءات ويشير إليها كما رُويت له.

18.الموظفون وتوسيع المستوطنة252–258▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف الصعوبات التي واجهها موظفو المستعمرة اليهودية في بداياتها، وخصوصاً السيد بن شيمول الذي كان وحيداً في عمله، ينتقل بين يافا والقدس لشراء المواد اللازمة مع الإشراف على ريشون لتسيون. ولتخفيف العبء، ألحق البارون روتشيلد به السيد أوسويتسكي، ولكن الحياة كانت قاسية على هؤلاء الموظفين؛ إذ لم تكن هناك طباخة توافق على العمل لديهم لعدم وجود زوجات في المستعمرة، فاضطروا لطبخ طعامهم بأنفسهم، وكان طعامهم سيئاً كالزيت العفن. كما عانوا من الحمى الناتجة عن مستنقع منصور القريب من إكرون ومن الأبخرة المتصاعدة من تربة لم تُحرث منذ قرون.

وعند عودة الكاتب من جولته في شمال سوريا في نهاية يناير 1884، وجد السيد كافلان طريح الفراش في مستشفى يافا بسبب الحمى المتقطعة، بينما أصيب السيد بن شيمول بالحمى أيضاً واضطر لتقديم استقالته والعودة إلى المغرب لدى أهله للعلاج. في هذه الأثناء، كان البارون قد عين السيد إيتينغر للإشراف على بيتح تكفا التي كانت تطمح للعمل، لكن إيتينغر لم يبق طويلاً وعاد إلى باريس، ثم عاد مرة أخرى في 1886 ليصبح مساعداً للمدير في روش بينا.

بعد بن شيمول، عيّن البارون السيد ليون الذي كان كبيراً في السن ومغروراً، فأطلق أسماء فخمة على شوارع المستعمرة وأطلق على بيوت المستوطنين اسم "فيلات"، وفكر في بناء بازار ضخم في وسط ريشون لتسيون لتدمير متاجر يافا، بل وأراد إضافة حديقة حيوانات لجذب الزبائن، لكنه استقال في النهاية. ويشير الكاتب إلى صعوبة العثور على إداريين أكفاء، فالأوروبيون لا يرغبون في العيش في أماكن نائية ومملة دون تعويضات ملموسة، سواء كانوا عازبين أو متزوجين، فالعازب يموت من الملل، والمتزوج يواجه مشكلة تعليم أولاده التي تتطلب مربيات أوروبيات أو إرسالهم لمدارس داخلية في أوروبا، مما يجعل التضحيات أكبر من العائد.

يورد الكاتب أسماء العديد من الموظفين الذين مروا بالإدارة وغادروها، منهم: ليون وورمسر، ألفونس بلوخ، إميل إيتينغر، أوسي أوسويتسكي، ج. غروس، ج.ل. سيت، سالمون، ليون، أوشير، ج.ل. هازان، نيوشتاين، بينس، كايزرمان، سولومون. كما يذكر أطباء المستعمرات مثل: الدكاترة سيزار، كلاين، شتاين، مونتور، زوسمان، يوفتيه، نورا، هامبورغر، بليدن، كوهانيسكو، والصيدلي بوسيسيلسكي. أما البستانيون الذين غادروا فكان منهم: جوستين دوغور، كافلان الأب، كافلان الابن، فوراي، ديشاي، بن دانو، لوستغارتن، آرونسون، شاليت، غولد، بوكشختر، بيلينكي، بيريتس، جوزيف باسكال. وغادر أيضاً: بروسينر، نيسلر، أرصيل (كيميائيون)، دوبوي، بيتشو، دوبان، ب. كوفمان (مدراء قبو)، ليبوويتز، أندلسمان، إ.ل. غولدشتاين، كلوتز، يونس (معلمون). ويشير إلى أن البارون وعد الموظفين الرئيسيين بإشراكهم في أرباح بيع الخمور، لكنه لم يفِ بوعده.

عندما عانى البارون من نقص المديرين، تولى السيد أوسويتسكي إدارة المستعمرة رغم صغر سنه. لكنه واجه معارضة شديدة من المستوطنين الروس، فتشكل حزبان ضده، وأراد إجبارهم على تأسيس جمعيات لا تناسبهم، مما أدى إلى تمرد صريح هددوا فيه بقتله ومنعوه من دخول المستعمرة، فهرب إلى السيد هيرش في ميكفه إسرائيل عام 1887. وعندما وصل البارون إلى ريشون لتسيون في نفس العام أثناء جولته الأولى في فلسطين، وجد ثورة عارمة، فلم يستطع تهدئتها رغم مساعدة هيرش، فقبل استقالة أوسويتسكي شكلياً وأرسله إلى بيتح تكفا، ثم أمر بطرد المتمردين الأكثر حماساً، فهدأت الأوضاع فور رحيل أوسويتسكي. وعين البارون إيتينغر مؤقتاً لحين وصول ألفونس بلوخ في 1886.

بسبب كثرة رسائل اليهود الروس الذين يطلبون أراضي في ريشون لتسيون بأموالهم الخاصة، اشترى البارون أرضاً من جار للمستعمرة مساحتها ثلاثة آلاف دونم قرب أفون كارا، ثمنها سبعة فرنكات للدونم، وهو ثمن باهظ كما يؤكد الكاتب. وقد باع البارون الأرض مباشرة لليهود الروس الأثرياء، الذين زرعوها كرماً، مما ضاعف الإنتاج المستقبلي وجعل المستعمرة تضم حوالي ستين عائلة. وهذا، بحسب الكاتب، كان خطأً فادحاً لأنه لم يكن معروفاً بعد هل سيكون هناك سوق لبيع الخمور.

عند وصول ألفونس بلوخ، المدير الجديد والقنصل الفرنسي السابق، حاول المستوطنون التمرد عليه كما فعلوا مع أوسويتسكي، لكنهم فشلوا؛ فقد فرض هيبته عليهم وجعل المستعمرة تسير بأمره. ويصف الكاتب بلوخ بأنه صارم لكنه عادل، وقد قدم خدمة حقيقية بجعله من المستوطنين رجالاً، فامتنوا له لاحقاً. ثم يذكر الكاتب قصة بناء الكنيس في أعلى تل في المستعمرة، حيث أشيع أن البارون يبني حصناً، مما تطلب فرماناً من السلطان، الذي وصل أخيراً، كما تطلبت القضية وقتاً طويلاً. وقد بدأ البناء تحت إشراف أوسويتسكي وأكمله بلوخ.

أما السيد كافلان، رئيس البستانيين، فكان مثالاً للصبر والنشاط رغم معاناته المستمرة من الحمى، واستمر في العمل لأكثر من ثلاث عشرة سنة قبل أن يتقاعد ويعود إلى بريتاني ليكون مشتلاً، بعد أن درب عدداً كبيراً من الشبان الذين أصبحوا مستوطنين ممتازين قادرين على العمل دون إشراف. ويصف الكاتب كيف يعتني المستوطنون العاديون بكرومهم يومياً في الربيع، وينامون في الكروم مع اقتراب موعد الحصاد لطرد الغزلان وبنات آوى واللصوص. وقد خلف كافلان السيد ج. روزينيك، ثم د. بريل الذي جمع بين الإشراف على الكروم والمحاسبة لخبرة المستوطنين.

انتقل إدارة القبو بعد ذلك إلى السيد إيتينغر، مدير مسكريت بيتيا السابق، ثم استقال في 1896 ليحل محله السيد ب. فايل. ويذكر الكاتب الموظفين الحاليين من معلمين ومدرسات عبرية وفرنسية وتركية، وخياطة، وحاخام، وشحيط، وقابلة. كما عين البارون السيد شاركون، خريج المعهد الديني في باريس، ليكون مساعد مدير في مسكريت بيتيا وواعظاً للمستعمرات في منطقة يافا.

أما الخدمات الطبية، فكان أول طبيب استشاري هو الدكتور شتاين في يافا. ثم في 1887، أثناء جولة البارون، أدرك ضرورة وجود طبيب دائم في ريشون لتسيون، فعين الدكتور داربيلا، طبيب سلطان زنجبار سابقاً، الذي أصبح في 1889 مديراً لمستشفى روتشيلد في القدس، وخلفه الدكتور ماسييه، مساعد عيادة البروفيسور ماير في باريس. وكان الدكتور ماسييه يقدم استشارات مجانية يومياً ويعالج مرضى المستعمرات المستقلة مثل وادي حنين ورحوبوت وقطرة وكستينة. كما بنى البارون مستشفى صغيراً من ستة أكواخ خشبية خلف الكنيس لعلاج العمال المرضى.

أول صيدلي كان بوسيسيلسكي الذي غادر بسبب المرض، وخلفه ماير آلتشيستر، الذي كان صيدلياً سابقاً في يافا، ويتولى استلام الأدوية من باريس وتوزيعها على صيادلة بيتح تكفا ومسكريت بيتيا.

وبعد ثماني سنوات من الخدمة الجيدة، استقال ألفونس بلوخ ليهاجر إلى مكسيكو، لأنه كان أعزب يعاني من الوحدة والملل القاتل. وفي النهاية، يذكر الكاتب أن السيد بوريس، رئيس القبو، وهو شقيق أوسويتسكي، أسس فرقة موسيقية (فانفار) من العمال والمستوطنين وأبنائهم، وقد حققت تقدماً مذهلاً، وكان الموظفون يقضون أكثر من ساعة مساءً في حضور التدريبات والحفلات الموسيقية العامة في الحديقة.

في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل يؤكد بوضوح على أن أحد أهم التحديات التي واجهت مشروع الاستيطان لم تكن فقط طبيعة الأرض والمناخ والأمراض، بل كانت صعوبة استقطاب موظفين أكفاء وصالحين والاحتفاظ بهم في بيئة نائية ومملة، مما أدى إلى دوران مستمر في الكوادر الإدارية والفنية. كما يظهر أن العلاقات المتوترة بين الإدارة الأوروبية والمستوطنين الروس، والاعتماد المفرط على كرم ووعود البارون غير المحققة، كلها كانت عوامل أدت إلى عدم استقرار الإدارة.

19.المزارع284–288▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من مذكرات شيد وصفاً تفصيلياً لتطور المستعمرة الزراعية اليهودية "مشكيرت بيتيا" (المعروفة باسم إكرون سابقاً) تحت إشراف البارون إدموند دي روتشيلد، محورياً حول تحولها من زراعة الحبوب إلى بستان ضخم للأشجار المثمرة، وما صاحب هذا التحول من صراعات مع المستوطنين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المشروع نجح رغم المعوقات البشرية والطبيعية، بفضل إصرار الإدارة وحزم البارون، ليصبح المستوطنة نموذجاً للازدهار الزراعي.

يبدأ الفصل بوصف التحديات الأولى: كان البستاني الأول (شقيق السيد كافيلان) ضعيف الصحة فغادر، ثم حلّ محله السيد أبراهام بريل، وهو خريج مدرسة الزراعة في فرساي. واجهت الزراعة التقليدية صعوبات بسبب تضاريس الأرض غير المستوية، حيث تغمر السيول الأجزاء المنخفضة في السنوات الممطرة بينما تعاني الأجزاء المرتفعة في سنوات الجفاف الشتوي. في الوقت نفسه، كانت أعداد العائلات تتزايد بسرعة، وأدركت الإدارة أن الأرض لم تعد تكفي لزراعة الحبوب لإطعام الجميع، خاصة أن البارون لم يكن مولعاً بهذا النوع من الزراعة بل فضّل الزراعات الصناعية.

قرر البارون جعل كل من إكرون ونانيه بستاناً واسعاً، فبدأ بإنشاء مشتل ضخم ضمّ جميع أنواع الأشجار التي قد تنجح: التوت، الزيتون، اللوز، المشمش، والأترج. عندما كبرت الأشجار وأصبحت جاهزة للغرس الدائم، واجه البستانيون مقاومة شرسة من المستوطنين الذين رفضوا السماح لهم بزراعة الأشجار في أراضيهم. يكشف المؤلف سبب هذا العناد: القانون التركي ينص على أن من يزرع أشجاراً حتى على أرض لا يملكها، تصبح الأرض والأشجار ملكاً له بعد خمس سنوات. كان المستوطنون يعتزمون حرمان البارون من ممتلكاته، معتقدين أنه سيملّ منهم في النهاية ويترك لهم كل شيء.

تطوّرت المقاومة إلى تمرد عنيف. فبعد أن فشلت خطتهم الأولى، ادّعوا أن كل شيء ملك لهم وأن البارون وهبهم إياه. في إحدى الليالي، هجموا على مبنى الإدارة والصيدلية وكسروا الأبواب والنوافذ، وشاركهم في ذلك المستوطن روبينشتاين الذي كان قد عُذّب سابقاً خلال سنة الشميتا (السنة السابعة للراحة الزراعية). في هذه الأثناء، تدخل حاخامات القدس والحاخام موهيليفر وكتبوا للمستوطنين يوضحون لهم أخطاءهم ويؤكدون أن كل شيء ملك للبارون، لكن المحرضين استمروا في عصيانهم.

عندما طفح الكيل، لجأ السيد بلوخ إلى الحكومة؛ فأرسل قائمقام يافا جنوداً مع ضابط. اشتبكت النساء مع الجنود بالعصي، لكن السلطة سرعان ما سيطرت واعتقلت أربعة من أشد المحرضين وأرسلتهم إلى سجن يافا. بدأت تدخلات بالعفو والتماس، بحجة أن "من العار أمام العالم أن يُسجن يهود على يد يهود آخرين". لكن الإدارة ثبتت. أبرق البارون لبلوخ بأمر صارم: "أمنع سحب الشكوى قبل طرد ليفيتا أو لاسكوسكي وثلاثة آخرين، المجموع خمسة. استخدم كل الوسائل لتنفيذ هذا فوراً. برق فور تنفيذ الأمر. إدموند". دفع بلوخ آلاف الفرنكات لهؤلاء ليغادروا. أُسقِطت الشكوى بعد أن أفاد السجن، وعاد الهدوء.

أما من بقي، فقد وقّعوا وثيقة يعترفون فيها بأنهم لن يصبحوا مالكي القرية إلا بعد سداد ديونهم للبارون. في العام التالي، 1894، عندما عاد المؤلف للتفتيش، وعدوه بكل شيء لكنه شكّ في صدقهم، وانتظر ثورتهم في سنة الشميتا التالية 1895/1896. يعترف المؤلف بأنهم تحسّنوا بعد ذلك، وأذعنوا لفتوى حاخامات القدس التي أجازت العمل مع بعض القيود، وفهموا واجباتهم ومصالحهم بعد أن تخلّصوا من المحرضين.

ثم يصف المؤلف النهضة العمرانية والزراعية: تم استخدام المنازل الأربعة التي تركها المطرودون لإسكان أربع عائلات شابة. في البداية كان يعيش تحت سقف واحد يصل إلى اثنين وعشرين شخصاً، فتدخل البارون في يناير 1899 وأضاف ستة منازل أخرى. طوروا حماماتهم وأضافوا حمامات بخار على الطراز الروسي، وأصبحوا لا يُعرفون. صنعوا حدائق صغيرة أمام منازلهم مسيجة بأسوار خشبية أنيقة، وزرعوا التوت على طول الطرق داخل وخارج القرية.

يعطي المؤلف تفصيلاً دقيقاً لحجم البستان ومساحاته وأعداد الأشجار، معلناً أن السيد شاعرون يأتي مرة أسبوعياً لحسابات البستاني، بينما يدير السيد بريل كل شيء بنشاطه المعروف، وكافأه البارون بمنزل أكبر. كما حفروا بئرين جديدتين بعمق 33 متراً مع سواقٍ تدار بالبغال، لتوفير المياه للمستعمرة والمشتل الضخم. نُقلت الأشجار إلى الحقول على مسافات متباعدة كافية لزراعة الحبوب بينها مراعاة للشريعة اليهودية.

يورد المؤلف تعداداً دقيقاً للأشجار:

  • 33 هكتاراً مغطاة بـ 8200 شجرة مشمش من النوع الفرنسي الكبير غير المعروف في البلاد، أنتجت آلاف الكيلوغرامات في 1899، وبدأت تجارب المربى والكومبوت. نظراً لأن ثمارها تنضج بعد شهر من ثمار البلاد المحلية، سيجدون لها سوقاً في فلسطين.
  • 8000 شجرة توت موزعة على 69 هكتاراً، إضافة إلى 1700 شجرة على طول الطرق والحدود، نجح المستوطن نومان وآخرون في تربية دودة القز عليها.
  • 7500 شجرة زيتون على 73 هكتاراً، كلها من المشاتل، وهي أشجار ملساء قوية على عكس أشجار العرب القصيرة التي تزرع بطرق بدائية تستغرق 15 إلى 20 عاماً حتى تؤتي ثمارها، بينما تنتج أشجار بريل خلال 8 إلى 10 سنوات.
  • 6200 شجرة لوز من نوع "الأميرة" و"السيدة" على 31 هكتاراً.
  • كما احتفظ البارون بالمشتل القديم الذي يحتوي على: 150 شجرة لوز، 900 شجرة أترج، 100 شجرة تفاح، 200 شجرة رمان، و 13000 شجرة زيتون صغيرة على مساحة هكتار ونصف فقط.
  • هناك أيضاً 2000 شجرة أترج، 500 شجرة برتقال، 750 شجرة نارنج على مسافة تزيد قليلاً عن 4 هكتارات.
  • وأخيراً 1450 شجرة تفاح، 400 شجرة تين، و 150 شجرة قشطة (أنونا) على 4.5 هكتار، و 7500 شجرة كينا (أوكالبتوس) على 6 هكتارات.

يختتم المؤلف بقوله إن هذا البستان الضخم المتعدد الألوان في الربيع يبدو كجنة عدن أخرى، نتاج الأيدي والآبار. كما يذكر أن في نانيه، هناك 67 هكتاراً مزروعة بـ 7800 شجرة زيتون يبلغ ارتفاعها مترين، وأن الـ 50 هكتاراً المتبقية سوف تُحرث وتُزرع بالزيتون بالكامل.

بصدد الملاحظات النقدية، يمكن القول إن الفصل يعكس بوضوح علاقة سلطوية أبوية من جانب إدارة البارون تجاه المستوطنين، ويرسم صورة سلبية عن المستوطنين ككُسالى ومتآمرين وجاحدين. لا يطرح المؤلف أي احتمال لمشروعية مخاوف المستوطنين أو رغبتهم في الاستقلالية والملكية الحقيقية. بالنسبة للقارئ، تبدو الأرقام الزراعية ضخمة وتعكس تحولاً جذرياً وناجحاً، لكن الوصف يبقى من وجهة نظر الإدارة الفرنسية، ولا يعطي صوتاً للمستوطنين أنفسهم لفهم دوافعهم غير المادية.

20.بتاح تكفا. البدايات289–296▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على بدايات مستعمرة بتاح تكفا في فلسطين، ويقدّم سرداً تفصيلياً لظروف تأسيسها الأولى، مع الإشارة إلى أن هذه المستعمرة كانت الأولى التي تم شراؤها في فلسطين، وقد خضعت لاحقاً للحماية الفعلية لـالبارون (روتشيلد). يرفض المؤلف فكرة أن المؤسسين كانوا يهدفون إلى إنشاء مستعمرة زراعية منذ البداية، بل يرى أن الدافع الأساسي كان تجارياً، وأن الاسم "بتاح تكفا" (بوابة الأمل) كان يعبر عن أمل غامض بجذب عائلات يهودية إلى فلسطين، لكن ليس بهدف العمل الزراعي.

يسير الفصل خطوة بخطوة مبتدئاً بعملية الشراء الأولى في أغسطس 1878، حيث اجتمع السادة غوتمان، سالومون، وستامبتر واشتروا ما يزيد قليلاً عن ثلاثة آلاف دونم من الأرض، بجوار قرية ملبس القديمة، على بُعد فرسخين شمال يافا، على حدود نهر العوجا. كان البائع هو السيد كسار من يافا. يذكر المؤلف تفاصيل توزيع هذه الأرض الأولى على عدد من المشترين، بما في ذلك أسماء مثل لاخمان من برلين، وشابيرا، وبلومنتال، وبارنت من لندن، وغيرهم. ويؤكد أن هؤلاء المشترين لم تكن لديهم أي نية لأن يصبحوا مزارعين، بل كانوا ينظرون إليها كصفقة تجارية لإعادة البيع. تم تقسيم الأرض إلى أربعة وعشرين قطعة، وباعها بعض مشتري القدس بدورهم إلى الآخرين كقطاعات أصغر، كنوع من "الترف" لامتلاك موطئ قدم في فلسطين. ويشير المؤلف إلى أن فكرة الاستعمار الحقيقية لم تظهر بجدية إلا بعد اضطهادات 1881/1882 في روسيا ورومانيا.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الصعوبات الإدارية، وخاصة فيما يتعلق بالحصول على سندات الملكية، والتي استغرقت عاماً كاملاً بفضل علاقات البائع. ثم يتناول محاولة بعض ملاك الأراضي من القدس لتطوير الأرض، حيث اتحدوا في جمعية، واشتروا ماشية، وبنوا منزلاً، وحفروا بئراً، وزرعوا القمح. كانت المحصول الأول ممتازاً، مما دفع العديد من أهالي القدس إلى مطالبة المشترين الأوائل بتوسيع الملكية. وبالفعل، اشترى المؤسسون بمساعدة السيد ناثان غرونغراد من القدس حوالي تسعة آلاف دونم إضافية من السيد تيان من يافا، بالإضافة إلى ألفين وستمائة وثمانية وسبعين دونماً أخرى. لم يتمكنوا من حيازة هذه الأرض رسمياً إلا في سبتمبر 1880.

يوضح المؤلف أن العديد من المشترين الجدد لم يكن لديهم المال الكافي لدفع ثمن قطعهم نقداً، مما اضطر غوتمان وسالومون وغرونغراد لتقديم ضمانات للبائع تيان. يسأل المؤلف سؤالاً بلاغياً عن نوع المستوطنين الذين يمكن أن يصبحوا أولئك الذين لا يملكون حتى رأس المال الأولي لدفع ثمن الأرض، مجيباً بأنهم كانوا أناساً يتوقعون أن ترسل لهم السماء كل شيء. ثم يسرد كارثة صحية: قام بعض القادرين ببناء منازلهم على ضفاف نهر العوجا مباشرةً، غير مدركين أن النهر ينبع من سلسلة من المستنقعات الصغيرة، مما جعلهم في الصف الأول للإصابة بالحمى المتقطعة. وبالفعل، أصيبوا بها، ومات بعضهم، مما أدى إلى هروب جماعي وترك المباني غير المكتملة للعرب الذين سرقوا المواد. وبهذا، وبحلول عام 1881، كان هذا الجهد الثاني قد فشل واختفى.

يعرج المؤلف على أسباب هذا الفشل، فيلمح إلى "كسل وراثي" لدى يهود القدس، الذين اعتادوا العيش على التبرعات الأوروبية. يقر بأن هناك يهوداً متدينين حقيقيين يستحقون الدعم، لكنه يهاجم بأسلوب قاس "الكتلة من المتدينين المزيفين" الذين لا يعملون ويعيشون على الحيل والصدقات. ويؤكد أن وجود مستعمرات مجاورة ناجحة في ذلك الوقت كان سيمنع هذا الهروب، لأن المستوطنين الفقراء كانوا سيقتدون بجيرانهم. يضرب مثلاً بمستوطني يسود هامعالا الذين بنوا أكواخاً بأيديهم بعيداً عن النهر ونجحوا. مع ذلك، يعرب المؤلف عن قناعته بأن أهالي القدس، إذا أُعطوا الوسائل، سيصبحون مستوطنين ممتازين.

بعد فشل المحاولة الأولى، وجد غوتمان وسالومون نفسيهما مثقلين بالديون والضرائب للحكومة التركية، مما هدد بمصادرة الأرض. قاموا، بمساعدة السيد بينس، بجهود مضنية لخفض الضرائب إلى مستوى أكثر معقولية. ثم أعادوا الأموال لمن أراد المغادرة من القدس، وأرسلوا نداءً لليهود الأثرياء في روسيا لشراء "موطئ قدم في أرض إسرائيل". استجاب البعض، وتم بيع معظم أراضي بتاح تكفا لأشخاص لا علاقة لهم بالاستعمار. يقدم الفصل قائمتين طويلتين من الأسماء وملكياتهم بالدونم، الأولى تعود لشهر أغسطس 1887 وموقعة من السيد أوسوفيتسكي والسيد هيرش، والأخرى لاحقة، تضم شخصيات مثل لاخمان، راينارت من رومانيا، وهوفيفي صهيون من روسيا، وغيرهم الكثير.

يختتم الفصل بوصف النتيجة النهائية لهذا النظام. لمنع الأرض من أن تصبح "مخلول" (أي مملوكة للحكومة)، قام الملاك الجدد الذين لم يأتوا إلى فلسطين بتأجير قطع صغيرة لفلاحين فقراء. عندما لم يكن لدى هؤلاء الفلاحين ما يكفي من الأرض، كانوا يزرعون الأراضي المجاورة. اعتمد الأفقر منهم على مساعدات الجمعيات الفلسطينية (هوفيفي صهيون)، لكن المؤلف ينتقد هذه الجمعيات لسوء توجيه أموالها، حيث أعطوا الأرض لمن لا يملك بيتاً، والبيت لمن لا يملك أرضاً كافية، وهكذا. المثال الوحيد الإيجابي كان شراء لاخمان من برلين لحوالي تسعمائة دونم، حيث بنى مزرعة حقيقية، لكنه كان سيئ المساعدة. وأخيراً، يروي المؤلف فكرة غريبة: خوفاً من الأمراض، اشترى بعض المؤسسين بقيادة غوتمان نحو ثلاثين هكتاراً من الرمال في قرية يهودية، بهدف أن ينام المستوطنون هناك ويعملوا نهاراً في بتاح تكفا. ويصف المؤلف هذه الفكرة بأنها "غير مفهومة" وجديرة بأن تُعلَّم لكل من يريد تأسيس مستعمرة لكي يفشل. ولسوء الحظ، تم تنفيذ هذه الخطة فعلاً، حيث بنى اثنا عشر شخصاً منازلهم في يهودية وحفروا بئراً عميقة جداً لم تستطع النواعير إخراج الماء منها.

في فقرة ختامية تحليلية، يُظهر هذا الفصل بوضوح أن بدايات بتاح تكفا كانت نموذجاً للفشل المخطط له، أو بالأحرى للافتقار إلى التخطيط. الحجة الأساسية للمؤلف هي أن الخلط بين الدوافع التجارية والخيرية والاستعمارية، بالإضافة إلى الجهل بالظروف الصحية والزراعية المحلية، وغياب رأس المال الكافي والعمالة المهرة، كلها عوامل أدت إلى انهيار المحاولات الأولى. النقد الأكثر وضوحاً هو توجيهه اللوم إلى المستوطنين الأوائل من القدس لاتكالهم على المساعدات وافتقارهم إلى المثابرة، وهو رأي يمكن مناقشته في ضوء الصعوبات الهائلة التي واجهوها. المقارنة الضمنية مع المستوطنين الروس والرومانيين الذين أتوا لاحقاً وأسسوا مستعمرات ناجحة تظل حاضرة في النص، مما يشير إلى أن المؤلف يرى في الفارق الثقافي والاقتصادي والدافع الداخلي سبباً رئيسياً للنجاح أو الفشل.