
تسلطيات الشرق الأوسط: الحوكمة، الاحتجاج وتأقلم أنظمة سوريا وإيران
يتمحور كتاب “Middle East Authoritarianisms” لستيفن هايدمان حول فكرة أن الاستبداد في الشرق الأوسط ليس نظاماً جامداً ينتظر الانهيار، بل هو كيان سياسي مرن وقابل للتكيف، يعيد تشكيل أدوات حكمه باستمرار لمواجهة التحديات والبقاء في السلطة، حتى في وجه انتفاضات شعبية كبرى مثل تلك التي بدأت في أواخر عام 2010. يدافع المؤلف عن مفهوم أسماه "الاستبداد التجميعي" (Recombinant Authoritarianism)، وهو قدرة النظام على إعادة تركيب وتشكيل ترتيباته المؤسسية والخطابية والتنظيمية والاقتصادية لخلق حلول جديدة للتحديات المتغيرة، بدلاً من مجرد التشبث بالسلطة بشكل أعمى. يرفض الكتاب النظر إلى هذه الأنظمة على أنها بقايا من الماضي، ويجادل بأنها كيانات سياسية معقدة تتعلم من أخطائها وتتكيف، مما يجعل بقاءها أو سقوطها مرتبطاً بقدرتها على إعادة اختراع نفسها.
تبدأ حجة الكتاب بتقديم السياق الدراماتيكي للأحداث في 2011، حيث انهار نظام زين العابدين بن علي في تونس، وأُجبر حسني مبارك على التنحي في مصر، وقُتل معمر القذافي في ليبيا. لكن المؤلف يقر بأن هذه الأحداث، رغم هولها، لا تعني نهاية الاستبداد. على العكس، يرى أن أنظمة مثل النظام السوري بقيادة بشار الأسد والنظام الإيراني أظهرت مرونة مذهلة، مستشهداً بالحالة السورية حيث تحولت الاحتجاجات السلمية إلى مقاومة مسلحة واستخدم النظام قمعاً وحشياً واسع النطاق، وبحالة إيران حيث فشلت "الحركة الخضراء" في 2009 في إحياء احتجاجاتها بعد الانتفاضات العربية. الهدف هنا هو إثبات أن هذه الأنظمة تتعلم من بعضها البعض وتتكيف من خلال تقديم تنازلات شكلية، واعتماد سياسات اقتصادية مخففة، وتقسيم المعارضة، واستخدام القمع المكثف. يرفض الكتاب مفهوم "الاستمرارية" البسيط ويستبدله بـ "المرونة" كإطار تحليلي أساسي.
ينتقل الكتاب بعدها إلى تفكيك آلية عمل هذا "الاستبداد التجميعي" في كلا البلدين من خلال فحص الحوكمة الاقتصادية. في سوريا، يصف الكاتب تحول النظام من اقتصاد قائم على المحسوبية الحكومية إلى نظام محسوبية قائم على السوق، حيث قاد بشار الأسد إصلاحاً اقتصادياً انتقائياً تحت اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" في 2005. لم يكن الهدف تحرير الاقتصاد حقاً، بل خلق فرص جديدة للإثراء لحلفاء جدد مثل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، الذي أصبح المستثمر الخاص الأكبر، وتجديد شبكات الولاء من خلال خصخصة أصول القطاع العام وفتح المجال للبنوك الخاصة. هذا التحديث الاستبدادي خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال الموالين، لكنه في الوقت نفسه ولّد توترات مع شبكات المحسوبية القديمة داخل حزب البعث وزاد من التفاوت الاقتصادي، مما خلق أرضية خصبة للاحتجاجات لاحقاً. في إيران، يصف الكتاب نظام رعاية اجتماعية مزدوجاً: "نظام رعاية ثوري" يستهدف الفقراء عبر مؤسسات مثل لجنة الإمام الخميني للإغاثة التي تخدم حوالي 6 إلى 7 ملايين شخص، و"نظام نقابي" موروث من عهد الشاه يخدم الطبقتين الوسطى والعاملة عبر منظمة الضمان الاجتماعي التي تخدم 27 مليوناً. هذا الهيكل المزدوج منح النظام مرونة في الحفاظ على قاعدة عريضة من الدعم، لكنه في الوقت نفسه خلق توقعات جديدة لدى الطبقة الوسطى، مما ساهم في ظهور الحركة الخضراء.
يتناول الكتاب أيضاً إدارة الدولة للدين في سوريا كمثال صارخ على التكيف. يصف توماس بييريت كيف انتقلت الدولة من سياسة "التدخل المحدود الخبيث" في الشؤون الدينية بعد صعود حزب البعث، إلى سياسة "المقاولة الفرعية" حيث تم التعاقد مع جماعات دينية مخلصة مثل جماعة الكفتارية لإدارة الحقل الديني، ثم إلى سياسة "تأميم الإسلام" في صيف 2008 رداً على ضغوط إقليمية مثل الغزو الأمريكي للعراق في 2003. في تلك الفترة، خطط النظام لزيادة عدد موظفي وزارة الأوقاف بنسبة 1500% (من 103 إلى 1500)، لتأكيد السيطرة المباشرة على كل شيء من المعاهد الشرعية إلى الواعظات. لكن مع اندلاع انتفاضة 2011، تراجع النظام عن هذه السياسات وعاد لاسترضاء رجال الدين، مما يظهر أن هذه العلاقة كانت مرنة وتخضع للحسابات السياسية اللحظية.
أما بالنسبة للاستجابات الاجتماعية، فيتحدى الكتاب النظرة التقليدية التي تفصل الدولة عن المجتمع. في سوريا، يشرح تيجي دونكر أن الحركات الإسلامية لم تتحول إلى تعبئة جماهيرية ضد النظام قبل 2011 بسبب آلية "الوساطة" . نخبة من العلماء والدعاة، مثل محمد سعيد رمضان البوطي ومحمد حبش، عملوا كوسطاء بين النظام والحركات الإسلامية، مما أتاح تمثيلاً محدوداً لمصالحهم دون تعبئة علنية، مما عزز صمود النظام بشكل غير مباشر. في إيران، تظهر آرزو أوسانلو كيف أن النساء الإيرانيات استغللن الطبيعة الهجينة للنظام (مزجها بين الثيوقراطية والجمهورية) للمطالبة بحقوقهن عبر المحاكم المدنية. على سبيل المثال، نجحن في تقييد حق الرجل الأحادي في الطلاق (المادة 1133) من خلال اشتراط دفع المهر والتسوية الإلزامية، مما يظهر أن النظام يولد مساحات للمقاومة الداخلية وليس فقط القمع.
يستخدم الكتاب أيضاً الأدب كعدسة لفهم الحياة تحت الاستبداد. يصف ماكس فايس كيف أن الروائيين السوريين، مثل خالد خليفة في روايته "مديح الكراهية" ونهاد سيريس في "الصمت والصراخ"، استخدموا السخرية والرمزية كمساحة للتفاوض مع السلطة والتعبير عن نقد خفي، في استراتيجية وصفها بـ"المقاومة الرمزية". في الفصل المتعلق بـالقضاء، يحلل رينود ليندرز كيف استخدم النظام السوري المحاكم كأداة لقمع المعارضة، موضحاً أن النظام كان يتنقل بين "القضائية" (عبر محكمة أمن الدولة العليا التي تأسست عام 1968) والقمع خارج القضاء (مثل مجزرة حماة عام 1982 حيث قُتل ما بين 5,000 و10,000 شخص)، وذلك بناءً على كيف ينظر النظام إلى خصومه: كمجرمين يمكن مقاضاتهم أم كـ"محاربين" يجب استئصالهم.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة. يعترف بأن الأحداث التي بدأت في 2011 ستغير المشهد السياسي، لكنها لن تمحو الاستبداد. كما يقر بأنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت دول مثل تونس ومصر ستتحول إلى ديمقراطيات حقيقية أم ستشهد إعادة تشكيل للحكم الاستبدادي. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا وإيران، معترفاً بأنه سيكون من الحماقة افتراض أن النظام السوري سينجح في محاولاته العنيدة للتمسك بالسلطة، أو أن الاحتمالات المستقبلية للتحول الديمقراطي مستبعدة تماماً. أحد الحجج القابلة للنقاش بوضوح هي التركيز على مفهوم "المرونة" بدلاً من "الاستمرارية". بينما يرى المؤلف أن هذا تمييز جوهري، يمكن القول إنه قد يبالغ في تقدير الاختلاف عن مفاهيم سابقة مثل "التحديث الاستبدادي"، لكن النقطة الأساسية هي أن الكتاب يبني حالة قوية على أن هذه الأنظمة ليست مجرد بقايا، بل كيانات معقدة وقابلة للتكيف، مما يجعل مساهمته مهمة في فهم السياسة في الشرق الأوسط بعد عام 2011.
الفصول(10)
1.الجزء الأول: الحوكمة الاقتصادية والحكم الاستبدادي المعاد تشكيله24–47▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو دراسة أنماط الحوكمة الاقتصادية في كل من سوريا وإيران، وكيف تساهم هذه الأنماط في تعزيز مرونة النظامين الاستبداديين. يقدم المؤلف، ستيفن هايدمان، مفهوم "الاستبداد المعاد تشكيله" (Recombinant Authoritarianism) لوصف قدرة هذه الأنظمة على إعادة تشكيل وتكييف استراتيجيات حكمها باستمرار لمواجهة التحديات المتغيرة، وذلك من خلال خلق وتعديل أنظمة متعددة ومتداخلة من القواعد والمؤسسات.
يبدأ الفصل بمقارنة بين النظامين، مشيراً إلى أن سوريا تُعد من أكثر الأنظمة الاستبدادية تشدداً في العالم العربي، بينما كانت إيران، حتى احتجاجات يونيو 2009، تجمع بين الحكم الثيوقراطي القمعي ودرجة محدودة من المنافسة الانتخابية. على الرغم من هذه الاختلافات الجوهرية، يرى المؤلف أن كلا النظامين يشتركان في القدرة على إعادة تشكيل استراتيجيات الحكم، ما يجعلهما مثالين واضحين على "الاستبداد المعاد تشكيله".
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل الحوكمة الاقتصادية في كلا البلدين. في سوريا، يركز على التحول الذي قاده بشار الأسد بعد توليه السلطة في يوليو 2000، من نظام المحسوبية القائم على الدولة إلى نظام المحسوبية القائم على السوق. يصف المؤلف كيف استغل الأسد الإصلاح الاقتصادي لخلق فرص جديدة للريع لصالح حلفائه الجدد، عبر خصخصة أصول القطاع العام المتحكم بها، وتحرير قطاعات مثل المصارف، وتوجيه الاستثمارات الأجنبية. تم تغليف هذه السياسات تحت اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" في 2005 كاستراتيجية تنموية جديدة. يوضح الفصل أن هذه المرونة سمحت للنظام بتعزيز قبضته على السلطة على المدى القصير، لكنها خلقت أيضاً توترات جديدة بين المستفيدين الجدد والقدامى من النظام، مما ساهم في خلق ظروف مهيأة للاحتجاجات الشعبية لاحقاً.
في المقابل، يركز الفصل على نظام الرعاية الاجتماعية المختلط في إيران. يصف الباحث هاريس وجود نظامين متوازيين للرعاية الاجتماعية: نظام "كوربوراتي" موروث من عهد الشاه (1925-1979)، يخدم الطبقتين الوسطى والعاملة في المدن، ونظام "ثوري" أنشأته الجمهورية الإسلامية بعد ثورة 1979، ويستهدف الفقراء والمحرومين من خلال مؤسسات مثل "لجنة الإمام الخميني للإغاثة" ومؤسسات الأوقاف. يوضح الفصل أن الحفاظ على هذين النظامين المتوازيين، وعدم دمجهما، منح النظام الإيراني مرونة كبيرة في الحفاظ على قاعدة عريضة من الدعم الشعبي، حتى في ظل العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، فقد خلق هذا أيضاً توترات، حيث شعرت الطبقة الوسطى بأنها تخسر أمام المستفيدين من النظام الثوري، وهو ما انعكس في مشاركتها الواسعة في حركة الاحتجاج الخضراء.
في أقسام لاحقة، يتناول الفصل إدارة الشؤون الدينية في سوريا، ويقدم مثالاً آخر على المرونة التكيفية. يصف بييريه تحول النظام من سياسة "التدخل المحدود الخبيث" في الشؤون الدينية، إلى سياسة "تأميم الإسلام" الأكثر تدخلاً في صيف 2008. يوضح أن هذا التحول جاء كرد فعل على ضغوط خارجية (مثل الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 واغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005)، ثم تراجع بعد زوال هذه الضغوط. من ناحية أخرى، يركز تجي دونكر على دور الشبكات غير الرسمية والوسطاء بين النخبة الحاكمة والإسلاميين، وكيف أن هذه العلاقات سمحت للنظام بضبط درجة الحيز المسموح به للفاعلين الإسلاميين بمرونة كبيرة، مما ساهم في إحباط أي عمل جماعي منظم ضد النظام.
أخيراً، يبحث الفصل في استجابات المجتمع والثقافة للاستبداد، وكذلك مسألة الشرعية. تشير أوزانلو إلى أن النساء الإيرانيات استطعن استغلال الطبيعة الهجينة للنظام (مزجها بين الثيوقراطية والجمهورية) للمطالبة بحقوقهن، لكن مع صعود التيار المتشدد بعد 2005، تقلص هذا الحيز. في سوريا، يصف فايس كيف أن الروائيين استغلوا فترة الانفتاح الثقافي المحدود بعد وصول بشار الأسد لمعالجة مواضيع محظورة، لكن هذا الانفتاح ظل محدوداً ومشروطاً. في قسم الشرعية، يبحث ليندرز في استخدام النظام السوري للقضاء كأداة لقمع المعارضة، مقارناً بين فترات "القضائية" وفترات القمع خارج القضاء، ويربط ذلك بمستوى التهديد الذي يشعر به النظام. بينما يركز تزكور على كيفية استخدام المتشددين في إيران للانتخابات كأداة لتعزيز شرعيتهم وترجيع الإصلاحات بعد 2004، مما مهد لظهور الحركة الخضراء في 2009.
يعترف المؤلف في الختام بأن قدرة هذه الأنظمة على التكيف لا تضمن بقاءها إلى أجل غير مسمى، ومثال ذلك الانتفاضة السورية في 2011. ويشير إلى أن احتجاجات الربيع العربي برهنت على هشاشة شرعية هذه الأنظمة، وجعلت مسألة الشرعية في صدارة الاهتمام. يختتم الفصل بدعوة الباحثين إلى التركيز على أربعة محاور رئيسية لدراسة الاستبداد في الشرق الأوسط: أولاً، القدرة على التعلم والتكيف. ثانياً، كيفية استغلال المؤسسات الديمقراطية الشكلية (كالقضاء والانتخابات) لتعزيز الشرعية. ثالثاً، أهمية تعدد الأنظمة والقواعد المتداخلة في تعزيز المرونة. رابعاً، قدرة الفاعلين الاجتماعيين أيضاً على إدارة علاقاتهم مع النظام الاستبدادي.
1.الحوكمة الاستبدادية في سوريا وإيران: تحديات، إعادة تشكيل، وصمود16–23▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل كيفية حكم النظامين الاستبداديين في سوريا وإيران، وكيفية مواجهتهما للتحديات، وإعادة تشكيل استراتيجياتهما، وقدرتهما على الصمود، خاصة في أعقاب الانتفاضات العربية التي بدأت في أواخر عام 2010. يقدم المؤلف، ستيفن هايدمان، الإجابة بأن الاستبداد في الشرق الأوسط لم ينتهِ، بل إنه أثبت مرونة وقدرة على التكيف، ويتوقع أن يستمر في الوجود بشكل معاد تشكيله، حتى في حالات مثل سوريا حيث يواجه النظام تحديات وجودية. يركز الفصل على أن النظم الاستبدادية ليست كتلاً جامدة، بل هي كيانات قادرة على إعادة ترتيب أدوات حكمها وتكييفها مع الظروف المتغيرة.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تقديم سياق واسع للأحداث الجارية، ثم الانتقال إلى تأطير نظري لدراسة الاستبداد. يبدأ الفصل بسرد التغيرات الدراماتيكية في 2011، حيث انهار نظام زين العابدين بن علي في تونس، وأُجبر حسني مبارك على التنحي في مصر، وقُتل معمر القذافي في ليبيا، وتنحى علي عبد الله صالح في اليمن. يقر المؤلف بأن هذه الأحداث هائلة الأهمية، لكنه يجادل بأنها لا تعني نهاية الاستبداد. على العكس، يرى أن أنظمة مثل النظام السوري بقيادة بشار الأسد والنظام الإيراني أظهرت مرونة كبيرة. يستشهد المؤلف بالحالة السورية كمثال على تحول الاحتجاجات السلمية إلى مقاومة مسلحة، واستخدام النظام لقمع وحشي واسع النطاق. وفي حالة إيران، يشير إلى فشل "الحركة الخضراء" في 2009 في إحياء احتجاجاتها بعد الانتفاضات العربية، مما يدل على قدرة النظام على الصمود. يستخدم المؤلف هذه الأمثلة كدليل على أن النظم الاستبدادية تتعلم من بعضها البعض وتتكيف، من خلال تقديم تنازلات شكلية، واعتماد سياسات اقتصادية مخففة، وتقسيم المعارضة، واستخدام القمع المكثف، والسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
يمضي الفصل في بناء حجته المركزية من خلال تقديم إطار مفاهيمي جديد. يرفض المؤلف التركيز على مجرد "استمرارية" الأنظمة الاستبدادية، ويتبنى بدلاً من ذلك مفهوم "المرونة" . الفرق بين المفهومين أساسي: الاستمرارية توحي بأنظمة متخلفة تتشبث بالسلطة بشكل أعمى، أما المرونة فتشير إلى قدرة النظام، بوصفه نظاماً مؤسسياً، على تكييف استراتيجيات الحكم مع الظروف المتغيرة. يقدم المؤلف مفهوم "الاستبداد التجميعي" (Recombinant Authoritarianism) لوصف هذه القدرة. هذا المفهوم يعني أن النظام لديه القدرة على إعادة ترتيب وتشكيل أدوات الحكم، وإعادة تركيب الترتيبات المؤسسية والخطابية والتنظيمية القائمة لخلق حلول جديدة للتحديات المتغيرة. هذه المرونة ليست مجرد رد فعل دفاعي وقت الأزمات، بل هي سمة من سمات الحكم اليومي العادي.
يستخدم الفصل عدة أمثلة من فصول لاحقة في الكتاب لتوضيح كيف يعمل "الاستبداد التجميعي" في سوريا وإيران. كمثال على ذلك، يشير إلى توسع السلطة التنظيمية للدولة السورية على الشؤون الدينية منذ 2008، مما يمثل تحولاً كبيراً عن علمانية النظام العلوي السابقة، كما يظهر في فصل توماس بييريت. مثال آخر هو قدرة النظام السوري على تعديل أدوار المؤسسات القضائية وفقاً لمتطلباته، كما يوضح رينود ليندرز. في إيران، يظهر المفهوم في الأطر المؤسسية المتعددة والمتنافسة التي يحافظ عليها النظام لإدارة السياسة الاجتماعية، كما يوثق كيفان هاريس. هذه الأمثلة تظهر أن الأنظمة لا تكتفي بالبقاء، بل تعيد تشكيل نفسها باستمرار.
كما يوسع الفصل نطاق التحليل من مستوى النظام إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. بدلاً من افتراض وجود فضاء مدني منفصل ومعارض للدولة، تركز فصول الكتاب على التداخلات والتداخلات بين الطرفين. يرى المؤلف أن الفجوات بين الحاكم والمحكوم هي نفسها منتجة لأنواع معينة من التكيفات الاجتماعية مع الحكم الاستبدادي. على سبيل المثال، يظهر في كتابات أرزو أوسانلو كيف تستغل النساء الإيرانيات تركيز النظام على حقوق المرأة كأساس لتوسيع استقلالهن القانوني بطرق تتحدى نوايا النظام. وفي فصل ماكس وايس، تُظهر الأدب السوري المعاصر كيف يتبنى الروائيون استراتيجيات تخريبية هادئة لنقل تأثير الحياة تحت الاستبداد. هذا يتجاوز النظرة التقليدية للمجتمع المدني كقوة معارضة.
يتناول الفصل أيضاً قضية "الشرعية الاستبدادية" بشكل جاد وديناميكي. يرفض المؤلف الفكرة الساذجة بأن الشرعية عالية تعني البقاء ومنخفضة تعني الانهيار. بدلاً من ذلك، يرى أن الأنظمة مثل السورية والإيرانية تظهر مرونة كبيرة في مواجهة تحديات الشرعية. يستخدمون استراتيجيات متعددة لتأمين الدعم المحلي، مثل ترتيبات قضائية وتوزيعية، واستغلال التهديدات الخارجية لتعزيز الشرعية الداخلية. يقر الفصل بأن النظام السوري فقد الكثير من شرعيته بسبب قمعه للاحتجاجات، لكنه يصر على أن هذه الخسارة لا تعني بالضرورة انهياراً وشيكاً، بل إن قدرة النظام على التكيف مع هذه الخسارة هي ما يهم. تشير فصول أنوشيروان إحتشامي وريموند هينيبوش إلى أن للشرعية جودة ديناميكية أكثر مما يُفترض عادةً.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة. يعترف بأن الأحداث التي بدأت في 2011 ستغير المشهد السياسي، ولكنها لن تمحو الاستبداد. كما يقر بأنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت دول مثل تونس ومصر في طريقها إلى ديمقراطية حقيقية أم أنها ستشهد إعادة تشكيل للحكم الاستبدادي. يصرح المؤلف بأن النظريات الحالية لدراسة الاستبداد فشلت في توقع الموجة الاحتجاجية، لكنه يجادل بأنها لا تزال صالحة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الضغوط. الأهم من ذلك، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا وإيران، معترفاً بأنه سيكون من الحماقة افتراض أن النظام السوري سينجح في محاولاته العنيدة للتمسك بالسلطة، أو أن الاحتمالات المستقبلية للتحول الديمقراطي مستبعدة تماماً.
هناك حجة قابلة للنقاش بوضوح في الفصل وهي التأكيد على "المرونة" بدلاً من الاستمرارية. بينما يركز المؤلف على القدرة على التكيف وإعادة التشكيل، يمكن القول إن هذا التمييز قد يبالغ في تقدير الاختلاف الجوهري عن مفاهيم سابقة مثل "الاستراتيجيات الدفاعية" أو "التحديث الاستبدادي". النقطة الأساسية هي أن الفصل يبني حالة قوية على أن هذه الأنظمة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي كيانات سياسية معقدة وقابلة للتكيف، وأن بقاءها أو سقوطها يعتمد على قدرتها على إعادة اختراع نفسها، وهو ما يجعله مساهمة مهمة في فهم السياسة في الشرق الأوسط بعد عام 2011.
2.اقتصاد التحديث الاستبدادي في سوريا: التحرير وإعادة تشكيل الشبكات الاقتصادية48–74▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل عملية "التحديث الاستبدادي" في سوريا في العقد الذي سبق انتفاضة 2011، مركزاً على الإصلاحات الاقتصادية الانتقائية التي قادها بشار الأسد. الجواب المحوري الذي يقدمه المؤلف هو أن هذه الإصلاحات لم تكن تهدف إلى الانتقال نحو الديمقراطية أو تحرير الاقتصاد حقاً، بل إلى تجديد شبكات المحسوبية والولاء التي تقوم عليها السلطة الاستبدادية، وتوليد موارد جديدة (إيجارات) لتعويض تراجع الإيرادات التقليدية (مثل النفط) وتعزيز تماسك النظام في وجه الضغوط الداخلية والخارجية.
يسير الفصل خطوة بخطوة لشرح هذه الآلية: يبدأ بتأكيد أن النظام لم يتخلَ عن هيمنته، بل أعاد تشكيل نفسه وفق معايير السوق لضمان بقائه. ثم ينتقل لتفصيل عملية "اقتصاد السوق الاجتماعي" التي بدأت في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تضمنت تحرير القطاع المصرفي والتجارة الخارجية. يوضح الكاتب أن هذا التحرير كان انتقائياً وموجهاً، حيث تم فتح المجال أمام البنوك الخاصة ولكن دون إصلاح البنوك الحكومية، مما خلق فرصاً جديدة للإثراء مرتبطة بالنظام. المثال الأبرز هنا هو رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، الذي أصبح "المستثمر الخاص" الأكبر في البلاد، مستحوذاً على قطاعات الاتصالات والإعلام والمقاولات وغيرها، مستغلاً قربه من السلطة وإجهاض أي منافسة عبر تحالفه مع أجهزة الأمن.
يواصل الفصل شرح كيفية قيام النظام بتجديد "النخبة التجارية" الخاصة به. لم يعد يعتمد فقط على كبار تجار الغرف التجارية القدامى، بل عمل على خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال الموالين له، مثل عماد غريواتي وبسام غراوي. تمثلت خطوة أخرى في إنشاء شركتين قابضتين، الشام (برأسمال 350 مليون) وسورية (برأسمال 80 مليون)، لجمع رجال الأعمال الجدد حول مشاريع كبرى مثل تطوير محطة الحجاز ومحطة البرامكة في دمشق، مقابل ولائهم السياسي والدعم المالي للنظام. هذه الشبكات الجديدة حصلت على عقود حصرية طويلة الأمد وحماية من أجهزة الدولة، بينما تمت معاقبة المعارضين أو منافسيهم عبر أجهزة الضرائب والتراخيص.
ينتقل الفصل إلى تحليل "الخصخصة" التي طالت وظائف الدولة ذاتها، وليس فقط الاقتصاد. فمن خلال إنشاء منظمات غير حكومية حكومية (GONGOs) مثل صندوق تنمية الريف السوري (فردوس) ومشروع سورية ترست، واللذين تشرف عليهما السيدة الأولى أسماء الأسد، قام النظام بخصخصة التنمية الاجتماعية. هذه المنظمات استقطبت تمويلات دولية (مثل 75% من ميزانية فردوس من الاتحاد الأوروبي) وتبرعات من رجال الأعمال، وجرى استخدامها لشراء الولاء وتقديم خدمات اجتماعية (كالقروض الصغرى) في المناطق الريفية، بديلاً عن مؤسسات الحزب التي تآكل دورها. كما قامت بإنشاء شبكات موازية للحزب، مثل جمعية الكمبيوتر السورية، لتجنيد النخب التقنية والشابة.
يتناول الفصل أيضاً التوترات والتناقضات الناتجة عن هذا النموذج. أدى صعود "السماسرة" (رجال الأعمال الجدد المرتبطين بالأمن) إلى خلق صراع مع شبكات المحسوبية القديمة داخل حزب البعث نفسه، التي شعرت بأن امتيازاتها مهددة. يذكر الفصل أمثلة على هذه الصراعات، مثل إضراب عمال ميناء اللاذقية ضد خصخصة إدارة الحاويات لصالح شركة فرنسية-سورية خاصة، مما اضطر الدولة للتدخل وفرض شروط لحماية مصالح النقابات والعمال (المكون من القاعدة الاجتماعية للنظام).
في القسم الأخير، يناقش الفصل تداعيات هذا التحديث الاستبدادي على المجتمع. أدى التراجع عن العقد الاجتماعي البعثي (الذي كان يضمن التوظيف والدعم) وزيادة التفاوت الاقتصادي، إلى تهميش فئات واسعة، خاصة في الأرياف مثل منطقة حوران التي انطلقت منها الانتفاضة لاحقاً. الإصلاحات لم تولد فرص عمل كافية لـ 300 ألف باحث جديد عن عمل سنوياً، وأدت إلى تفاقم البطالة بين الخريجين (وهو ما تسبب بمظاهرات غير مسبوقة في 2004). هذه الضغوط الاجتماعية، إلى جانب السياسات الطائفية والتمييزية (مثل تهميش الأكراد)، خلقت أرضية خصبة للاحتجاج.
يعترف المؤلف بحدود هذا النموذج، حيث يقر بأن التوازن بين شبكات المحسوبية القديمة والجديدة كان هشاً، وأن اعتماد النظام على رجال أعمال من الطائفة العلوية أثار حفيظة رجال الأعمال السنة. كما يترك أسئلة مفتوحة عن مدى ولاء الجيش، خاصة أن جنوده السنة من القبائل المهمشة قد لا يكون ولاؤهم مضموناً في أزمة كبرى (وهو ما حدث لاحقاً بانشقاقات الجيش الحر). بشكل عام، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش حول فكرة أن "الإصلاح الاقتصادي" لم يكن إلا أداة لتجديد الاستبداد وجعله أكثر مرونة، وليس خطوة نحو التحرر السياسي أو الاقتصادي العادل.
3.الجزء الثالث: الاستجابات الاجتماعية والأدبية لصمود الاستبداد119–135▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا لم تؤدِّ الحركات الإسلامية في سوريا، رغم وجودها واستمرار نشاطها، إلى تعبئة جماهيرية واسعة النطاق ضد النظام الاستبدادي قبل انتفاضة 2011؟ يجيب المؤلف بأن الإجابة لا تكمن في قمع الدولة وحده، بل في الديناميكيات الاجتماعية التي تجعل هذه الحركات جزءاً من نسيج النظام نفسه، عبر آلية "الوساطة" (Brokerage) التي يمارسها نخبة من العلماء والدعاة السوريين.
يسير الفصل خطوة بخطوة على النحو التالي: يبدأ بإطار نظري من دراسات الحركات الاجتماعية، ناقداً "الانحياز الثنائي" الذي يفصل الدولة عن المجتمع ويعتبر الحركات الاجتماعية معادية جوهرياً للسلطة. ويؤكد أن هذا النموذج غير صالح في السياقات الاستبدادية حيث الحدود بين الرسمي وغير الرسمي، وبين الدولة والمجتمع، غير واضحة. ثم يُعرِّف الحركة الاجتماعية بأنها عمليات تشمل علاقات صراعية، وشبكات غير رسمية كثيفة، وهوية جماعية مشتركة. بالنسبة للحركات الإسلامية، الهوية الجماعية هي الهوية الإسلامية، وقد لا يكون الصراع موجهاً بالضرورة ضد الدولة بل قد يستهدف أسلمة المجتمع في مواجهة التيارات العلمانية.
بعد ذلك، يستعرض الفصل تنوع الحركات الإسلامية في سوريا، مقدماً أمثلة ملموسة. الحركة النسائية حول منيرة القبيسي (القبيصيات) التي تهدف لتمكين المرأة ضمن إطار إسلامي محافظ من خلال حلقات التعليم غير الرسمية، وقد بلغ أتباعها عشرات الآلاف بحلول 2006. والحركات الليبرالية والمحافظة التي تجادلت حول قانون الأحوال الشخصية الجديد في 2009؛ حيث أدى تسريب مسودة محافظة للغاية إلى احتجاجات صامتة من التيار الليبرالي، مما دفع النظام إلى التجميد خوفاً من رد فعل الحركات المحافظة الواسع. ويُعرِّف الفصل النخب الدينية الفاعلة، ومنهم: أحمد كفتارو (مفتي سوريا الراحل 1912-2004) الذي بنى معهد أبي نور بالاعتماد على علاقاته الوثيقة بالنظام؛ وهشام الدين فرّفور (معهد الفتح الإسلامي)؛ ومحمد سعيد رمضان البوطي (رئيس كلية الشريعة سابقاً ومستشار الرئيس للشؤون الدينية)؛ وراتب النابلسي (داعية إذاعي وعضو مجالس بوزارة الأوقاف)؛ ومحمد حبش (خطيب ونائب في البرلمان). تتراوح مواقف هؤلاء بين المحافظين (كالبوطي والفرّفور) والليبراليين (كحبش).
ينتقل الفصل إلى "سياق التعبئة" في سوريا، موضحاً أن السلطة تتركز في شبكات غير رسمية حول شخصيات مثل رامي مخلوف (ابن خال الرئيس) وآصف شوكت (صهر الرئيس) وهشام بختيار (مستشار الأمن القومي). النظام منقسم داخلياً، وتعكس الوزارات صراعات الحركات الإسلامية؛ فوزير الأوقاف محمد عبد الستار معروف بميوله المحافظة، بينما يتهم وزير الثقافة رياض نعسان آغا بأنه إسلامي. لكن المؤسسات الرسمية (وزارة الأوقاف، وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة التربية) تمارس رقابة صارمة عبر تعيين الأئمة وإدارة الجمعيات الخيرية ومنح الاعتماد للمعاهد. مع ذلك، حافظت الحركات على استقلال نسبي. يورد الفصل حادثتين دالتين على القمع العشوائي: شاب اعتُقل لحيازته قرصاً مضغوطاً "جهادياً" (وهو أمر غير ممنوع) وظل مسجوناً أكثر من عام؛ وجثة يوسف جابولي التي سُلّمت لعائلته بعد أسبوع من اعتقاله مع منع فتح التابوت، في مشتبه تعذيب. ويصف ناشط هذه العشوائية بأنها "قوة النظام".
يقدم الفصل مفهوم "الوساطة" كآلية تفسيرية أساسية: ربط موقعين أو أكثر غير مرتبطين سابقاً بواسطة وحدة تتوسط علاقاتهم. يستخدم المؤلف هذا المفهوم لوصف موقع النخب الدينية التي تعمل كمُيسّرات بين النظام والحركات. يوضح ذلك بالأمثلة: محمد حبش عضو برلمان، والشيخ فرّفور مستشار لوزارة الأوقاف، والشيخ النابلسي تاجر دولي في المنتوجات الزراعية إلى جانب وضعه الديني، والبوطي مستشار غير رسمي للرئيس وخطيب الجامع الأموي. هذه المواقع المتعددة تمنحهم نفوذاً وموارد تخدم مشاريعهم الدينية. الأهم أن الوساطة تتجاوز مفهوم "الزبائنية" أو "الإدماج" البسيط؛ فهي تتيح تمثيلاً لمصالح الحركات في دوائر القرار دون تعبئة علنية. فمثلاً، يُعزى إغلاق الحانات في دمشق خارج الحارة المسيحية (باب توما) إلى ضغط غير معلن من قبل التيارات المحافظة عبر علاقاتها. وفي قضية قانون الأحوال الشخصية، يصف ناشط علماني العلاقة بين النظام والمحافظين بأنها "زواج" يصعب فيه التمييز بين الطرفين، مما جعل النظام يتراجع عن المسودة الليبرالية خوفاً من رد فعل الحركات.
أما بالنسبة للآثار المترتبة على صمود النظام، فيرى الفصل أن انتشار الوساطة يعزز أنماطاً غير رسمية لتمثيل المصالح ويعيق انتشار أنماط التعبئة العامة والمواجهة. المواقف الاحتجاجية موجودة لكنها تُعبر عنها في الخفاء. يستشهد الفصل بناشط يقول إن "كل واحد عنده مكتب مخابرات جواه" (مقتبس عن ناشط علماني). شاب مسلم يوضح أنهم لا يناقشون السياسة في حلقات التعليم لكنهم يلتقون ويتحدثون خارجها خوفاً. ذكرى 1982 ومذبحة حماة تتردد كتحذير دائم. بالتالي، فإن قبول دور الوساطة من قبل النخب والقواعد معاً يعزز شرعية النظام ضمنياً ويبقي التعبئة في المجال الخاص، مما يحافظ على الوضع القائم. يرى المؤلف أن استمرار هذا التصور للتهديد هو ما يجعل النظام صامداً، وليس القمع وحده.
في الختام، يعترف المؤلف بأن التحليل يقتصر على دمشق قبل انتفاضة 2011، ويدعو لاختبار الفرضيات في سياقات أخرى. يقر بأن الحركات الإسلامية لم تكن محور التعبئة في البداية، وهو ما يتسق مع تحليله القائل بأن الوساطة كانت تمنع التعبئة العلنية. يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل الوساطة في ظل الاستقطاب الحاد بعد الانتفاضة: هل ستختفي لأن النخب ستضطر للاختيار بين النظام والجماهير؟ أم ستتكيف وتبقى قناة اتصال؟ ويؤكد أن الانتفاضة أجبرت النخب على إعادة تقييم علاقتها بالنظام.
حجة قابلة للنقاش: يرى الفصل أن قبول الوساطة يعزز صمود النظام، لكن يمكن القول إنها أيضاً منحت الحركات هامشاً للمناورة ومنعت توجيه القمع الشامل ضدها، مما أبقاها حية. النص نفسه يشير إلى أن هذه الوساطة "تغذي صمود النظام"، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الحركات تمتلك بديلاً استراتيجياً آخر في سياق استبدادي عنيف.
3.دولة الرفاه للشهداء وتناقضاتها: صمود النظام وحدوده من خلال منظور السياسة الاجتماعية في إيران75–94▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول دولة الرفاه في إيران، ويقدم إجابة مفادها أن النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم ينجح في البقاء والاستمرار لمدة ثلاثة عقود من خلال شراء ولاء المواطنين ببساطة، بل من خلال نظام رعاية اجتماعية مزدوج متناقض. هذا النظام المزدوج، الذي يتألف من "نظام رعاية ثوري" وآخر "نقابي" (أو مؤسسي)، هو في آن واحد آلية للسيطرة ومصدر للاحتجاج. يجادل المؤلف بأن هذا الهيكل البيروقراطي المعقد يسمح للحكومة بالتكيف بمرونة مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يولد توقعات جديدة ويخلق أجيالاً من المواطنين المتمكنين الذين يتحولون إلى قوة معارضة، كما تجسد في الحركة الخضراء عام 2009.
يبدأ الفصل بتمييز واضح بين نظامين للرعاية الاجتماعية في إيران. النظام الأول هو "نظام الرفاه الثوري"، الذي وصفه المؤرخ إرفاند أبراهاميان ذات مرة بـ"دولة الرفاه للشهداء". تشكل هذا النظام بعد ثورة 1979، وخاصة خلال الحرب مع العراق (1980-1988)، ويستهدف الفئات الأفقر والدنيا في المجتمع من خلال مؤسسات شبه حكومية مثل لجنة الإمام الخميني للإغاثة ومؤسسات أخرى مثل مؤسسة الشهداء. النظام الثاني هو "النظام النقابي" للرعاية الاجتماعية، الذي يعود أصله إلى عهد الأسرة البهلوية قبل الثورة، ويهدف بشكل أساسي إلى حماية الطبقات الوسطى والعاملة نظامية التوظيف. المؤسسات الرئيسية هنا هي منظمة الضمان الاجتماعي ومنظمة تقاعد الخدمة المدنية، إلى جانب نظام الدعم الهائل للسلع الأساسية والطاقة. يوضح المؤلف الفرق الهائل في الحجم بين النظامين: بينما تخدم لجنة الإمام الخميني للإغاثة حوالي 6 إلى 7 ملايين شخص من أصل أكثر من 70 مليوناً، تخدم منظمة الضمان الاجتماعي 27 مليوناً.
ينتقل الفصل إلى شرح جذور هذين النظامين. بالنسبة للنظام النقابي، يربطه المؤلف بجهود بناء الدولة في عهد محمد رضا بهلوي، مستلهماً نموذج بسمارك الألماني. كانت سياسات "الثورة البيضاء" في ستينيات القرن الماضي تهدف إلى خلق طبقة تكنوقراطية وتوسيع التأمين الاجتماعي ليشمل العمال في القطاع الرسمي والمؤسسات الصناعية الكبرى، مع إهمال شبه تام للقطاع الريفي وغير الرسمي. ويقدم المؤلف مثالاً ملموساً على فشل هذه السياسات في الريف، عبر دراسة أنثروبولوجية تصف كيف قام أحد أعضاء "فيلق الصحة" بتركيب صندوق بريد أصفر لامع في قرية أمية لا توجد فيها خدمة بريدية، وذلك فقط للحصول على منحة دراسية. أما النظام الثوري، فيصفه المؤلف بأنه نتاج مباشر للثورة، حيث تم إنشاء مؤسسات موازية بعد عام 1979 بسبب عدم الثقة في البيروقراطية القديمة. استهدفت هذه المؤسسات، مثل لجنة الإمام الخميني للإغاثة، الفئات المهمشة، وتم تمويلها من ممتلكات النظام السابق المصادرة، وبررت بإطار إسلامي للصدقة.
يتعمق الفصل في تحليل مؤسستين محوريتين من النظام الثوري. بالنسبة للجنة الإمام الخميني للإغاثة، يصف ميزانيتها السنوية البالغة 2 مليار دولار (أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي)، ويذكر أنها تقدم معونات شهرية لـ 4.5 مليون شخص (حوالي 6-7% من السكان). يقدم المؤلف مشهداً حياً لزيارته لأحد مكاتبها في تبريز، حيث رأى موظفين يفرزون أكواماً من الأوراق النقدية الصغيرة، مما يثبت أن هذه المؤسسة تستفيد من التقاليد الدينية مثل الزكاة والنذر حتى من الإيرانيين المنتقدين للنظام. ويشير إلى أن هذه السياسات خلقت "حقاً ثورياً" يمكن للفقراء استخدامه في تعاملاتهم مع الدولة، وهو ما يمثل آلية لضبط الاحتجاجات الاجتماعية وتوجيهها إلى قنوات روتينية.
أما المثال الثاني فهو نظام "بيوت الصحة" الريفية، الذي يعتبره الكاتب أنجح أجزاء النظام الثوري. يوضح أن 95% من القرى الإيرانية تبعد أقل من ساعة عن إحدى هذه المحطات الصحية المزودة بعاملين صحيين مدربين، وتقدم خدمات مجانية مع متابعة مستمرة للسكان. يربط المؤلف هذا النظام بشكل مباشر بالانخفاض الحاد في معدل الخصوبة في إيران من 7 أطفال لكل امرأة عام 1980 إلى 2 طفل فقط بعد عشرين عاماً، وهو رقم أقل من معدل الإحلال السكاني. يجادل بأن سر نجاح هذا النظام لم يكن فقط في التوجيهات الحكومية لتحديد النسل، بل في "صلابة المؤسسات المستقبلية"؛ لقد بنت بيوت الصحة ثقة الأسر بأن الدولة ستستمر في توفير الرعاية، مما شجعها على تقليل عدد أطفالها. يذكر أن أحد الباحثين الاقتصاديين وصف هذه السياسة بأنها كانت جزءاً من برنامج تنمية ريفية وليس مجرد وسيلة للتحكم في السكان.
على النقيض، يعود الفصل لتحليل النظام النقابي عبر منظمة الضمان الاجتماعي. يصف المؤلف "هابيتوسها البيروقراطي" المليء بالتكنوقراط، على عكس الهيئات الثورية. ويكشف عن مفارقة صارخة: بينما تهدف سياسات هذا النظام إلى حماية الطبقة الوسطى، فإن نسبة تعويض الدخل الإجمالي (نسبة المعاش التقاعدي إلى الراتب) تبلغ 116% في منظمة الضمان الاجتماعي، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم، وأعلى بكثير من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (78%) أو أمريكا اللاتينية (57%). يقدم المؤلف مثالاً شخصياً على فعالية دعم الصحة، حيث تكلفته زيارته لغرفة الطوارئ في شيراز (بدون تأمين) حوالي 6 دولارات أمريكية فقط. لكنه يشير إلى أن أكبر المستفيدين من هذه الإعانات هم الطبقات التي تستهدفها سياسات هذا النظام، وليس الفقراء بالضرورة.
في القسم الأخير، يعالج المؤلف التناقض المركزي: لماذا تخرج الطبقات الأكثر حماية اقتصادياً (المستفيدة من النظام النقابي) في احتجاجات مثل الحركة الخضراء عام 2009؟ يجيب بأن سياسات الرفاه لم تكن مجرد هبة من فوق، بل غيرت "آفاق الإمكانية" للفئات الاجتماعية المختلفة. فمن خلال توسيع التعليم العالي وخلق طبقة وسطى جديدة، ولد النظام توقعات جديدة بالاستقلالية والحرية. يوضح المؤلف أن "الفقر النسبي" أصبح أكثر أهمية من الفقر المطلق. شعرت هذه الطبقة الوسطى أنها "تجري بسرعة لتبقى في مكانها"، متخلفة عن دول مثل تركيا، وأن المكانة الاجتماعية والثقافية التي تستحقها أصبحت مسدودة أمامها. بينما حصلت فئات أخرى على امتيازات على أساس وضع "الشهيد" أو "المحارب القديم"، مما خلق شعوراً بالظلم لدى من لم يحاربوا في الحرب.
يعترف المؤلف بحدود تحليله، مشيراً إلى أنه لا يقلل من أهمية مواقع أخرى للصراع السياسي، لكنه يركز على العناصر التوزيعية للسياسة الاجتماعية. كما يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الرعاية الاجتماعية مجرد أداة للسيطرة أم تمكين للفاعلين الاجتماعيين، ويجيب بأنها "كليهما". في الختام، يرى أن الحركة الخضراء ليست "أمة" أو "مجتمعاً مدنياً" ضد الدولة، بل هي نتيجة لجهود بناء الدولة نفسها، حيث تم تمكين طبقات اجتماعية جديدة من خلال سياساتها، وهذه الطبقات تطالب الآن بحقوق سياسية ومدنية، وهو تحدٍ خطير ومباشر لصمود النظام.
4.إدارة الدولة للدين في سوريا: نهاية "الحكم غير المباشر"؟96–117▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بطرح سؤال محوري: كيف تدير الدولة السورية شؤون الدين، وهل يمكن الحديث عن "نهاية الحكم غير المباشر" في هذا المجال؟ يجيب المؤلف بأن سياسة الدولة السورية تجاه الدين لم تكن ثابتة بل تطورت عبر مراحل متعددة، وكان جوهرها التنقل بين محاولات بناء مؤسسات دينية رسمية، ثم إهمالها والاستعانة بجهات خاصة (المقاولة الفرعية)، ثم العودة بقوة لفرض السيطرة المباشرة عليها في السنوات الأخيرة التي سبقت انتفاضة 2011. يرى المؤلف أن هذه التحولات تكشف عن قوة النظام في تكييف سياسته، ولكنها تكشف أيضاً عن ضعفه المتمثل في عدم قدرته على استقرار علاقته مع النخبة الدينية على المدى الطويل.
يسير الفصل زمنياً. يبدأ بفترة ما بعد الاستقلال، حيث كانت الدولة الفتية بحاجة لبناء مؤسساتها، وتأثر قادتها العسكريون الأوائل مثل حسني الزعيم (1949) و أديب الشيشكلي (1949-1954) بفكر التحديث الكمالي المستلهم من تركيا. كانت أولوياتهم هي التنظيم الرسمي وبناء المؤسسات الدينية من الصفر تقريباً، فظهر أول مفتٍ للجمهورية عام 1947، وصدر أول قانون لتنظيم شؤون رجال الدين عام 1949 وأسس مديرية للأوقاف ومجالس للعلماء. كما سعوا إلى "تحديث" المجتمع بتنظيم تفاصيله، ففرضوا زياً موحداً لرجال الدين واصفين إياه بأدق التفاصيل (لون العمامة والجبة والجوارب السوداء)، واستهدفوا مؤسسات دينية قديمة كتكايا الدراويش، ليس بدافع أمني بل أيديولوجي بحت لإزالة "التخلف".
مع انقلاب حزب البعث عام 1963، حدث تحول جذري. يتوقف بناء المؤسسات الدينية الرسمية ويحل محله إهمال واضح. يوضح المؤلف أن البعثيين، وخاصة جناحهم الماركسي الراديكالي (البعث الجديد) الذي حكم بين 1966 و1970، كانوا يختلفون عن أسلافهم. فبينما كان سابقوهم "حداثيين محافظين" يسعون لترشيد المجتمع، كان البعثيون الجدد "حداثيين بنيويين" يرون أن المفتاح للتحديث هو تحويل البنية الاقتصادية والعلاقات الإنتاجية، معتبرين أن الدين ورجاله هم جزء من "الرجعية" التي سيزيلها التقدم الحتمي. لذلك، بدلاً من تطوير البيروقراطية الدينية، سعى النظام لإضعاف نفوذ العلماء سياسياً، فتم تجريد منصب المفتي العام من قوته الفعلية، وانتقل تعيين أئمة المساجد من المجالس الدينية إلى مجلس الرئاسة. كما منح رجال الدين استقلالية كبيرة في تدريب جيل جديد من العلماء، إذ لم يتم تأميم المعاهد الشرعية الخاصة رغم بقاء كليات الشريعة تحت رقابة أمنية مشددة لاتهامها سابقاً بالتأثر بالإخوان المسلمين. يشير المؤلف إلى أن التفسير الأرجح لهذا الإهمال هو مزيج من نقص الإرادة الأيديولوجية (اعتبار الدين ظاهرة زائلة) ونقص الإمكانيات المالية والشعبية لبناء بيروقراطية دينية موالية.
بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، لم تشهد السياسة تغييراً جوهرياً، رغم الانفراج النسبي وزيادة رواتب رجال الدين ومنح المساجد دعماً. لكن الانتفاضة الإسلامية (1979-1982) مثلت صدمة كشفت فشل سياسة الإهمال، حين لعبت الحركات التربوية التي تغاضى عنها النظام دوراً كبيراً في توسيع رقعة التمرد. بعد قمع الانتفاضة، لم يلجأ النظام إلى بناء مؤسسات دينية قوية. بل على العكس، يؤكد المؤلف أن الموظفين الإداريين في وزارة الأوقاف تقلص عددهم بأكثر من الثلثين بين 1980 و2000 (من 296 إلى 103). والسبب أن النظام، بعد أن فقد الثقة بكثير من موظفيه الدينيين الذين انشقوا خلال الانتفاضة، كان يدرك أن تقوية الوزارة ستخلق لوبياً سنياً محافظاً داخل الدولة، وهذا سيكون مزعزعاً للاستقرار في ظل نخبة حاكمة علمانية ذات أغلبية علوية. فاختار بديلين: القمع من ناحية، و"المقاولة الفرعية" من ناحية أخرى. تم انتقاء فصائل دينية مخلصة و"تعاقدت" معها لإدارة الشؤون الدينية. ففي حلب، تم تسليم الإدارة الدينية للشيخ سهيب الشامي، الذي منح المناصب والمساجد الكبرى لأتباع شبكته الصوفية (النبهانية). وفي دمشق، أسست جماعتان مخلصتان (الكفتارية وأتباع الشيخ صالح الفرفور) معاهد دينية خاصة عليا ممولة من التجار، بينما ظلت كلية الشريعة العامة الوحيدة تحت الرقابة. كانت هذه استراتيجية "دولة ضعيفة": أكثر أماناً (لأنها لا تدخل المحافظين في الجهاز الرسمي) وأقل تكلفة (التمويل من القطاع الخاص).
لكن لهذه الاستراتيجية نتائج غير متوقعة، خاصة مع حلول الألفية الجديدة ومواجهة النظام لضغوط إقليمية ودولية متصاعدة (الغزو الأمريكي للعراق 2003، أزمة لبنان). كان بشار الأسد بحاجة لدعم محلي أوسع، فاتجه لاسترضاء التيار الديني: رفع رواتب رجال الدين بنسبة 50%، سمح بارتداء الحجاب في الجامعات، وضاعف عدد المدارس الشرعية أربع مرات بين 2005 و2008. لكنه تجاوز شركاءه التقليديين ليكسب ولاء حركات كانت على خلاف مع النظام سابقاً، مثل جماعة زيد و القبيسيات. يرى المؤلف أن هذا الاعتراف ضمني بفشل "المقاولة الفرعية" في السيطرة على الحقل الديني، فالنظام اضطر للتعامل مع جماعات أكثر استقلالية ونفوذاً لتنال الشرعية المطلوبة. لكن سرعان ما تحولت هذه الحرية النسبية إلى مصدر قلق، إذ أصبح العلماء أكثر تحدياً للعلمانيين في الدولة، وأكثر انتقاداً، بل وبدأ شركاء تقليديون مثل صلاح الدين كفتارو يطالبون بإصلاحات سياسية. كان هذا أفضل دليل على فشل النظام في تحويل النخبة الدينية إلى شريك مستقر.
هذا التدهور، إلى جانب تحسن الوضع الدولي لسوريا بعد 2008 (انتصار حلفائها في بيروت، وعودة بشار الأسد إلى الساحة الدبلوماسية مع فرنسا)، مهد الطريق لانعطافة حادة نحو "إعادة الدولة إلى الواجهة". في 2008، قام وزير الأوقاف الجديد محمد السيد بانقلاب على سياسة "الحكم غير المباشر". أعلن عن "نهاية عهد الفوضى" وبدأ بإخضاع المعاهد الشرعية الخاصة والجمعيات الخيرية والواعظات لسيطرة الوزارة، مهدداً بتوحيد المناهج واعتبار الأساتذة موظفين حكوميين. أعطى تفجير سيدي قزاز (سبتمبر 2008) ذريعة مثالية لتوسيع هذه الإجراءات بذريعة محاربة التطرف. تم تأميم المعاهد الخاصة جزئياً (تخضع إدارياً ومالياً للوزارة)، وأُنشئ أول معهدين دينيين عليا حكوميين منذ عام 1954، معهداً متوسطاً وآخر دولياً. كما أعلن عن زيادة هائلة في عدد موظفي الوزارة بنسبة 1500% (من 103 إلى 1500)، وبدأت حملة قمع واسعة: إغلاق قنوات إسلامية، وسجن رجال دين مستقلين (مثل صلاح الدين كفتارو)، وفصل موظفات منتقبات، وإغلاق غرف الصلاة في الأماكن العامة، ومنع إظهار الرموز الدينية على السيارات للحد من التعبير عن الهويات الطائفية. اعترف المؤلف هنا بمفارقة أساسية: بناء مؤسسات دينية رسمية قوية يتعارض مع الهدف العلماني، لأن هذه البيروقراطية ستضم حتماً محافظين، وقد تجلت هذه المفارقة في صراعات داخلية حول قانون الأحوال الشخصية بين وزارتي الأوقاف والعدل المحافظتين ولجنة شؤون الأسرة العلمانية.
يختتم الفصل بالإشارة إلى انتفاضة 2011. يوضح المؤلف أن العلاقة بين النظام والعلماء كانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها قبل الانتفاضة، لكن سرعان ما عاد النظام لاسترضائهم. تراجع عن سياسات "إعادة العلمنة"، وأعاد الموظفات المنتقبات، وأنشأ قناة فضائية دينية ومعهداً عالياً جديداً للدراسات الدينية كان بمثابة "تأميم" كامل للتعليم الديني العالي بدمج المعاهد الخاصة تحت إشراف حكومي مباشر. ورغم أن هذا كفل ولاء الحلفاء التقليديين مثل الدكتور البوطي، إلا أنه لم يمنع علماء مستقلين من إدانة القمع. لكن مع تدهور الأوضاع نحو حرب أهلية، يرى المؤلف أن أولويات النظام تحولت بالكامل نحو البقاء، وأصبح مستقبل المؤسسات الدينية الرسمية قضية من الدرجة الثالثة، فلم يعد هناك مجال لاستكمال المشروع الطموح للسيطرة المباشرة على الدين، بل كان مصير الدولة نفسها هو الرهان الأكبر.
6.تنازع الحوكمة: السلطة، الاحتجاج، وخطاب الحقوق في إيران ما بعد الجمهورية136–151▼ ملخص
ملخص الفصل: «تنازع الحوكمة: السلطة، الاحتجاج، وخطاب الحقوق في إيران ما بعد الجمهورية»
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو فهم طبيعة الدولة الإيرانية بعد ثورة 1979، وكيف أن شكلها الهجين كـ"جمهورية إسلامية" يولّد في الوقت نفسه القمع والاحتجاج، بدلاً من أن يكون مجرد نظام استبدادي جامد. ترى الكاتبة، آرزو أوسانلو، أن الصراعات الحالية في إيران، بما فيها حركة الاحتجاج بعد انتخابات يونيو 2009، ليست مجرد رد فعل على قمع خارجي أو ضغوط دولية، بل هي نتاج مباشر لبنية الدولة نفسها. الإجابة التي تقدمها هي أن هذا النظام لم يكتمل بعد، ولا يزال في حالة تشكّل مستمر، وأن تفاعل المؤسسات الجمهورية (كالقوانين المدنية والانتخابات) مع المبادئ الإسلامية (كتفسير الشريعة) يخلق مساحات جديدة للمواطنين للمطالبة بالحقوق، حتى داخل إطار الدولة التي تقمعهم.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من نقد فكرة أن الدولة الإيرانية كيان متجانس. تستخدم الكاتبة نظرية تيموثي ميتشل القائلة إن الدولة ليست كياناً منفصلاً عن المجتمع، بل هي "أثر" لممارسات يومية (تنظيم مكاني، زمني، قانوني، مراقبة). في حالة إيران، يركز هذا الأثر على احتكار تفسير الشريعة إلى جانب احتكار العنف المشروع، مما يمنح الدولة سيطرة مضاعفة. لكن هذا الاحتكار نفسه يولّد تناقضاً: فالمؤسسات الجمهورية (كالقضاء المدني والقوانين المدنية) تستدعي الأفراد كأصحاب حقوق مستقلين، مما يخلق وعياً بالحقوق الفردية والديمقراطية، وهو ما يظهر في حركات الاحتجاج.
تنتقل الكاتبة لتحليل "الجمهورية الإسلامية" كمشروع قائم على مساومة تاريخية. فبعد انتصار الثورة، أراد الخميني دولة إسلامية خالصة بلا تشريع بشري، وألغى قوانين مثل "قانون حماية الأسرة" لعام 1967 (الذي منح النساء حقوقاً في الطلاق وحضانة الأطفال). لكن الفوضى التي نتجت عن غياب القوانين المدنية أجبرت النظام على إعادة سن قوانين مدنية، لكن بعد "إضفاء الشرعية الإسلامية" عليها من قبل مجلس صيانة الدستور. هذا المزج بين الشريعة والقانون المدني أنتج نظاماً قانونياً "إسلامياً-مدنياً" هجيناً، له آثار عميقة: من ناحية، جعل الشريعة ملزمة قانونياً لأول مرة؛ ومن ناحية أخرى، جعل القانون متاحاً للجمهور (في كتيبات جيب)، مما قوض سلطة القاضي التقليدي وفتح الباب أمام المواطنين العاديين للمطالبة بحقوقهم.
تستخدم الكاتبة وضع المرأة كعدسة لفحص هذه التناقضات. فبينما جعل النظام الإسلامي تحسين وضع المرأة محوراً لشرعيته (معتبراً إياها نواة الأسرة والنظام الاجتماعي)، فإن تأكيده على دورها كأم وزوجة خلق استراتيجية قانونية للمرأة للمطالبة بالحماية من الدولة عبر القوانين المدنية. وكانت النتيجة أن النساء أصبحن فاعلات قانونيات ماهرات في محاكم الأسرة، حيث يقدمن دعاوى الطلاق والحضانة. وقد نجحن في إعادة تحقيق حقوق كانت قد ألغيت، بل وتجاوزها، مثل تقييد حق الرجل الأحادي في الطلاق (المادة 1133) من خلال اشتراط دفع المهر والتسوية الإلزامية. بهذا، يظهر النساء كأفراد مستقلين ذوي حقوق، رغم أن الأيديولوجية الثورية كانت ترفض "الفردية الغربية".
يركز الجزء الأخير من الفصل على فترة رئاسة محمد خاتمي (منذ 1997) كدليل على مرونة النظام وحدوده. فقد أظهرت إصلاحات خاتمي أن المؤسسات قابلة للتغيير، وشجعت على مشاركة أكبر، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حدود السلطة الجمهورية بسبب سيطرة المرشد الأعلى علي خامنئي على القضاء والإعلام والجيش. احتجاجات الطلاب في يوليو 1999 أظهرت أن الخطاب الحقوقي أصبح أداة نضال رئيسية، لكنها أدت أيضاً إلى رد فعل عنيف من المحافظين. في النهاية، تستنتج الكاتبة أن المقاومة لا تأتي فقط من الخارج، بل من داخل النظام نفسه، مثلما حدث مع أعضاء سابقين في الثورة أو رجال دين إصلاحيين.
تقرّ الكاتبة بحدود واضحة: فهي لا تدّعي أن النظام ديمقراطي، بل تشير إلى أن القمع أصبح أكثر تعسفاً وعشوائية منذ وصول أحمدي نجاد للرئاسة في 2005، وأن خطاب حقوق الإنسان يُستخدم الآن ضد الناشطين أنفسهم، كما حدث في اتهام قادة الاحتجاج بـ"التحريض على الثورة المخملية" أو إلغاء درجة الماجستير في حقوق الإنسان بعد 2009. كما تترك سؤالاً مفتوحاً حول كيفية استمرار الدولة رغم السخط الواسع، وتجد الإجابة في المساحات الإجرائية الصغيرة (كالقوانين واللوائح) التي تتيح المجال للطعن القانوني والمقاومة المؤسسية.
أخيراً، هناك حجة قابلة للنقاش وردت بوضوح في النص: وهي أن النظام الإيراني ليس مجرد ديكتاتورية، بل هو "تأثير" لممارسات متعددة تنتج الدولة وتعيد إنتاجها، وأن إصلاحاته الداخلية وقمعه هما وجهان لعملة واحدة. تأتي هذه الحجة في سياق نقدي لتحليلات تركز على الضغوط الخارجية أو ما قبل الثورة، وتصرّ على أن الاحتجاج الحقوقي هو نتاج محلي للجمهورية الإسلامية نفسها، وليس مجرد استيراد غربي.
7.من يضحك أخيرًا: التحولات الأدبية للاستبداد السوري152–176▼ ملخص
يتمركز هذا الفصل حول العلاقة بين الأدب السوري ونظام الحكم الاستبدادي في سوريا تحت حكم حافظ الأسد وبشار الأسد، ويسعى المؤلف ماكس فايس للإجابة على سؤال محوري: كيف يتعامل الكتّاب السوريون مع الاستبداد من خلال أعمالهم الأدبية، وإلى أي مدى يمكن لهذه الأعمال أن تشكل نقداً فاعلاً للنظام دون أن تتجاوز حدود الرقابة والقمع؟ يرى المؤلف أن الأدب السوري المعاصر، وخاصة الرواية، أصبح مساحة للتفاوض مع السلطة، وللتعبير عن أشكال من المقاومة الرمزية عبر السخرية والتهكم والرمزية.
يبدأ الفصل بمقابلة مع بشار الأسد في يناير 2011، حيث يتحدث عن ضرورة "فتح العقول" كشرط للإصلاح، ويستخدم المؤلف هذه المقابلة لبيان المفارقة: فبينما يتحدث النظام عن الانفتاح، يمارس قمعاً شديداً على المثقفين. ينتقل بعدها إلى استعراض النقد الموجه للدراسات الأكاديمية التي ركزت على الجوانب السياسية والمؤسسية للاستبداد وأهملت الحقل الثقافي. يستشهد بعمل ليزا ويدين عن "سياسة الـ "كما لو"" في عهد حافظ الأسد، حيث يتظاهر السوريون بالقبول بينما يمارسون النقد الخفي في الأماكن الخاصة، كما يشير إلى دراسة ميريام كوك عن تداخل الثقافة الرسمية والمنشقة في التسعينيات.
يناقش المؤلف مفهوم "المنفى الداخلي" المقتبس من دراسات عن أنظمة استبدادية في إسبانيا والبرازيل، كحالة يعيشها الكاتب داخل النظام لكنه يشعر بالاغتراب التام عنه. لكنه يضيف أن جزءاً كبيراً من الإنتاج الثقافي السوري يعيش منفى حقيقياً بسبب الحظر أو ضعف التوزيع الداخلي، مما يضطر الكتاب للنشر في الخارج، لا سيما في بيروت.
يصف الفصل تطور المشهد الأدبي السوري، مشيراً إلى أن الرقابة لا تزال قائمة رغم بعض الانفتاح الثقافي النسبي بعد تولي بشار الأسد. يذكر قانون المطبوعات لعام 1949 والمادة 38 من الدستور التي تحمي حرية التعبير، لكنه يشير إلى غموض المادة 24.2 التي تسمح بتدخل تعسفي من الدولة. يوضح أن النظام لا يلاحق الروائيين بقدر ما يلاحق النشطاء السياسيين، خاصة بعد "ربيع دمشق" 2001 والانتفاضة السورية 2011.
يقدم الفصل نموذجين روائيين سوريين. الأول هو رواية "مديح الكراهية" لخالد خليفة (2008) التي تتناول قمع الدولة للإسلاميين، وقد حُظرت في سوريا ورُشحت للجائزة العالمية للرواية العربية. الثاني والأكثر تفصيلاً هو روايتان لفواز حداد: "المترجم الخائن" و"عزف منفرد على البيانو". في الأولى، يترجم بطل الرواية حميد سليم رواية أفريقية ويغير نهايتها، مما يعرضه لملاحقة المؤسسة الثقافية. في الثانية، يتابع البطل فاتح القلج، وهو مثقف علماني، بعد تعرضه للاعتداء، وتتطور الأحداث لتكشف عن شبكة من العلاقات بين الدولة والإسلاميين وأجهزة أمنية دولية. يستخدم حداد أسلوباً واقعياً صلباً حيث يظل البطل مشلولاً بسبب الخوف والبارانويا.
النموذج الثاني هو رواية "الصمت والصراخ" لنهاد سيريس (2004)، التي تدور أحداثها في يوم واحد خلال مسيرة تنظمها الدولة. بطلها فتحي شين كاتب عاطل عن العمل يصادر الأمن هويته بعد أن حاول حماية شاب يتعرض للضرب. يضطر فتحي لمواجهة خيار صعب: التعاون مع النظام عبر زواج أمه من مسؤول حزبي، أو المقاومة. تستخدم الرواية السخرية والتهكم بشكل واسع، وتحول الاستبداد إلى "ضجيج" يمكن السخرية منه، حيث يجد فتحي ولاما (حبيبته) في الضحك وسيلة للخلاص الرمزي.
يختتم الفصل بتأملات مفتوحة حول دلالات الضحك والسخرية في مواجهة الاستبداد. يستشهد الفصل بسلافوي جيجيك الذي يحذر من المبالغة في تقدير القوة التحررية للسخرية، وبأدورنو الذي يرى أن السخرية قد تكون أقوى من الضحك. في النهاية، يرى المؤلف أن كلا الروايتين تطرحان إشكاليات أخلاقية وسياسية: هل الضحك على النظام يضعفه أم يمنحه شرعية غير مباشرة عبر تحويله إلى مادة للنكتة؟ هل الكشف عن عبثية النظام يفضحه حقاً أم يجعله أكثر قدرة على التحمل؟ يترك الفصل هذه الأسئلة مفتوحة، مؤكداً أن التحولات الأدبية للاستبداد السوري تظل مساحة جدلية بين النقد والتواطؤ، وبين المقاومة واليأس.
فيما يتعلق بالمناقشة المحتملة بناءً على النص: يثير الفصل سؤالاً قابلاً للنقاش حول فعالية الأدب كأداة للمقاومة السياسية في ظل أنظمة استبدادية، وهل يمكن للسخرية والرمزية أن تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم أنها مجرد صمام أمان يسمح بتفريغ الضغط دون تغيير جوهري؟ يبدو أن المؤلف يميل إلى الاعتراف بحدود النقد الأدبي، لكنه لا ينفي قيمته كمساحة للحرية النسبية والتعبير عن الذات.
8.ملاحقة المعارضة السياسية: المحاكم وصمود الاستبداد في سوريا178–206▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل موضوع "ملاحقة المعارضة السياسية" في سوريا، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: لماذا يستخدم النظام الاستبدادي السوري المحاكم أحياناً لقمع المعارضة، ويتخلى عنها في أحيان أخرى ليلجأ إلى القمع خارج القضاء بشكل وحشي؟ يقدم المؤلف إجابة معقدة لا تركز على نية النظام في تحقيق الشرعية بقدر ما تركز على دوافعه المتعلقة بمفهومه للسيادة الدولة، والصراع التاريخي مع الطبقة القانونية، وتصوراته لطبيعة التحديات التي تواجهه.
يسير الفصل عبر عدة خطوات. أولاً، يصف بدقة طيف القمع القضائي في سوريا، من المحاكم المدنية العادية إلى محاكم أمن الدولة العليا ومحاكم الإعدام الميدانية، والتي تمثل أدنى درجات التقاضي. يعرض المؤلف تفاصيل صارخة حول محكمة أمن الدولة العليا، التي تأسست عام 1968، والتي كانت أشبه بـ"مركز معالجة" لقوانين الطوارئ، حيث كان القاضي الوحيد فيها، فائز النوري، يدير الجلسات دون التزام بالإجراءات القانونية، وكثيراً ما كان يتم منع المحامين من المشاركة. ويذكر أنه بموجب القانون، كانت أحكام هذه المحكمة تحتاج إلى تصديق وزير الداخلية، وكان رئيس الجمهورية قادراً على إلغائها، وكان الاستئناف مستحيلاً. ثم ينتقل إلى رصد التقلبات التاريخية في مستوى القمع القضائي، بدءاً من عام 1963 وحتى 2011، مظهراً نمطاً متعرجاً. في الستينات، تعايشت المحاكم العادية مع الخاصة. في السبعينات، تصاعد دور محكمة أمن الدولة العليا. ومع اندلاع العنف في أواخر السبعينات والثمانينات، تحول النظام إلى القمع خارج القضاء بشكل كامل، خاصة في أحداث حماة عام 1982 حيث قُتل ما بين 5,000 و10,000 شخص. بعد ذلك، شهدت التسعينات تحسناً طفيفاً مع إعادة بعض المعتقلين إلى المحاكم. مع تولي بشار الأسد الحكم في عام 2000، ازدادت درجة التقاضي القضائي بشكل ملحوظ، وبدأت القضايا السياسية تُحال إلى المحاكم المدنية العادية اعتباراً من عام 2002، وإن ظلت محكمة أمن الدولة العليا تتفوق عليها في عدد القضايا حتى عام 2011.
يجادل المؤلف بأن الدافع الأساسي وراء تمسك النظام ببعض مظاهر التقاضي ليس اكتساب الشرعية الشعبية المحلية، كما يُفترض عادةً. فالسرية والخفاء يكتنفان هذه المحاكمات، مما ينفي أي جمهور محلي يمكن استهدافه. بدلاً من ذلك، يقدم الفصل دليلاً على أن النظام يستخدم المحاكم كرموز للدولة ذات السيادة أمام الجمهور الخارجي، خاصة الدول الأخرى. يذكر المؤلف أن المسؤولين السوريين يفتخرون بإجراءات محاكمهم أمام الدبلوماسيين الغربيين، ويؤكدون على أن "سوريا دولة ذات سيادة ولها قوانينها وإجراءاتها". كما يشير إلى أن النظام سارع في مارس 2009 إلى تشكيل لجنة قضائية للتحقيق في اغتيال رفيق الحريري، ليس لتقديم العدالة، بل لدرء أي تهديد للسيادة السورية قد يمثله محكمة دولية. يعزو الفصل هذه الأهمية المفرطة للسيادة إلى تاريخ سوريا الاستعماري وصعوباتها في ترسيخ هويتها كدولة قومية.
ولكن، لماذا فشلت هذه الدوافع في منع الانتكاسات إلى القمع خارج القضاء؟ هنا ينتقل الفصل إلى تفسير بنيوي وتاريخي أعمق، وضعه المؤلف في سياق ما يسميه "الصراع من أجل سوريا"، والذي يشير إلى الصراع على تنظيم الاقتصاد السياسي للبلاد. يوضح أن الطبقة القانونية في سوريا كانت قبل عام 1963 مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنخبة التجارية والزراعية الحاكمة القديمة، مما جعلها في صدام مباشر مع نظام حزب البعث الذي استولى على السلطة بدعم من طبقات ريفية وعسكرية. نتيجة لذلك، تم تهميش المحامين والقضاة تدريجياً، وتم إنشاء محاكم خاصة كبديل مخلص، وسحبت السلطة من القضاء المدني عبر الدستور. يخلص المؤلف إلى أن انعدام ثقة النظام في القضاء، الناتج عن هذا الصراع الطبقي والطائفي، هو ما وضع سقفاً لمستوى التقاضي القضائي، ومنع تحقيق مستويات أعلى منه.
أما بالنسبة لانفجار القمع خارج القضاء في أواخر السبعينات والثمانينات، فيقدم الفصل تفسيراً مرتبطاً بكيفية رؤية النظام لمعارضيه. فحينما شعر النظام بأن المعارضة، وخاصة الإخوان المسلمين، أصبحت مدعومة من قوى أجنبية مثل العراق والأردن والسعودية، تحول تصوره لهم من "مجرمين" يمكن مقاضاتهم إلى "محاربين" و"عملاء للخارج" يجب استئصالهم بالقوة العسكرية. فقدوا "الحق في أن تكون لهم حقوق". هذا التصور، برأي المؤلف، هو ما يفسر التحول من القمع القضائي إلى الحرب الشاملة، كما حدث في حماة.
في الفقرة الأخيرة، يقر المؤلف بحدود دراسته ويطرح أسئلة مفتوحة. يشير إلى أن تفسيراته لا تقدم نظرية شاملة، بل تعتمد على سياق سوريا الفريد. كما يعترف بأن التحليل يركز على فترة ما قبل انتفاضة 2011، ويلمح إلى أن الرد الوحشي عليها يجعل من الصعب تطبيق نفس المنطق. يختتم الفصل بالقول إن فهم عملية التقاضي القضائي للقمع أمر مهم، ليس فقط من منظور حقوق الإنسان، ولكن لأن المحاكم، حتى في شكلها المشوه، لعبت دوراً في صمود النظام عبر "تطوير الاستبداد"، حيث ساعدت في تجنب مخاطر تحول قوات الأمن المكلفة بالعنف المباشر ضد النظام نفسها، وذلك بإضفاء غطاء من الإجراءات وإن كان صورياً.
10.صمود الاستبداد والروابط الدولية في إيران وسوريا208–305▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل من كتاب "استبداديات الشرق الأوسط" لستيفن هايدمان موضوع صمود الأنظمة الاستبدادية في إيران وسوريا، مع تركيز خاص على كيفية استخدام هذه الأنظمة للروابط والموارد الدولية لتعزيز بقائها في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن قدرة النظام على التكيف والبقاء لا تعتمد فقط على قمعه المحلي أو هيكله الاقتصادي، بل تعتمد بشكل حاسم على قدرته على استغلال الموارد الخارجية – مثل الشرعية السياسية الناتجة عن معارضة الغرب، والعوائد المالية كالنفط والمساعدات – لتعزيز شرعيته المحلية، وتمويل شبكات المحسوبية (الزبائنية)، وقمع المعارضة بفعالية أكبر. يؤكد الفصل أن هذه الموارد الخارجية ليست مجرد عوامل مساعدة، بل هي أدوات مركزية في استراتيجية الأنظمة الاستبدادية لتدوير أزماتها وإطالة أمد حكمها.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من إطار نظري يشرح طبيعة السلطة في أنظمة الشرق الأوسط، ويقسمها إلى ثلاثة مكونات رئيسية: (1) الأيديولوجيا والهوية، حيث يسعى النظام للحصول على الشرعية عبر خطابات قومية أو دينية. (2) النظام الأبوي الجديد (Neopatrimonialism)، الذي يجمع بين السلطة الرسمية وتوزيع المكافآت والمنافع على أتباع النظام لضمان ولائهم. (3) القمع، الذي يكون أكثر فعالية حين يكون مدعوماً بالولاء الناتج عن المكونين السابقين. يوضح الكتّاب أن إدارة النظام لضغوط المشاركة السياسية تُقاس ببعدين: مستوى التنافس بين النخب، ومدى إدماج القوى الاجتماعية. ويرون أن التحرير السياسي المحدود في المنطقة غالباً ما يكون بديلاً عن الديمقراطية الحقيقية، حيث يتم توسيع نطاق التنافس بين النخب بشكل طفيف مقابل تقليص إدماج الجماهير.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة أنواع الموارد الخارجية التي تؤثر في صمود الأنظمة. النوع الأول هو رأس المال السياسي، والذي تكتسبه الأنظمة من خلال استخدام السياسة الخارجية لاكتساب شرعية قومية، خصوصاً عبر معاداة الغرب. فعلى سبيل المثال، يمكن لتهديدات خارجية أن تشرعن مركزية السلطة وتصوغ السياسة بلغة أمنية، مما يحيد خطابات المعارضة الديمقراطية. النوع الثاني هو رأس المال المالي، ويتمثل في تدفق الإيرادات والهبات والمساعدات الخارجية إلى الدولة، مما يجعل النظام أكثر استقلالاً عن المجتمع المحلي ويقلل حاجته إلى فرض ضرائب قد تستلزم مفاوضات سياسية. هذه الأموال تتيح للنظام شراء ولاء أتباعه دون الحاجة إلى تقديم تنازلات سياسية جوهرية، وقد تؤدي إلى تقليص التنافس بين النخب مع استمرار إدماج الجماهير من خلال شبكات الرعاية. في المقابل، فإن تراجع هذه الإيرادات غالباً ما يدفع نحو تحرير اقتصادي يوسع التنافس لصالح المستثمرين لكنه يقلص إدماج الشرائح الشعبية.
يخصص الفصل القسم الأكبر من تحليله للفترة من 2001 (أحداث 11 سبتمبر) حتى 2010، معتبراً أنها فترة غنية للتحليل لأنها شهدت تهديدات أمنية خارجية كبيرة (مثل التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق المجاورتين) وموارد جديدة (طفرة نفطية ثالثة وأرباح شرعية من تحدي الولايات المتحدة). يركز الكتّاب على مقارنة تجربتي سوريا وإيران تحت قيادة بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد على التوالي. في حالة سوريا، يظهر الفصل كيف أن غياب الموارد المالية الكبيرة (مقارنة بإيران) جعل النظام يعتمد بشكل أكبر على الروابط الإقليمية (مثل التحالف مع إيران وحزب الله) لتعزيز قدرته على الصمود، بالإضافة إلى استغلال خطاب المقاومة والتحدي لإسرائيل والولايات المتحدة للحصول على الشرعية الإقليمية والشعبية. النظام السوري، وفقاً للمؤلفين، استخدم "رأس المال السياسي" الناتج عن موقفه المعارض للغرب لتعويض نقص الموارد المالية، مما سمح له بالحفاظ على قبضته وتجنب الإصلاحات السياسية الجذرية.
أما في حالة إيران، فيشرح الفصل كيف كان النظام أكثر قدرة على الاستفادة من الموارد المالية الهائلة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط. هذه العوائد مكنت حكومة أحمدي نجاد من تمويل برامج اجتماعية ودعم شبكات المحسوبية التي عززت قاعدته الشعبية، خصوصاً بين الفقراء والمحرومين، في وقت كان فيه يخوض صراعاً مع النخب الإصلاحية. الإشارة هنا واضحة: استخدام العوائد النفطية ليس مجرد إدارة اقتصادية، بل هو أداة سياسية فعالة لشراء الاستقرار الاجتماعي وإضعاف المعارضة. يُظهر الفصل أن كلا النظامين، السوري والإيراني، أظهرا قدرة عالية على "التعلم الاستبدادي" من خلال تكييف استراتيجياتهما، حيث استخدما مزيجاً من القمع والخطاب القومي/الديني والموارد الخارجية لإدارة الأزمات.
لم يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاض بشكل واضح من داخل النص نفسه، لكنه يقر بحدود منهجية وتحفظات مهمة. من أبرزها أن تأثير الموارد الخارجية ليس ميكانيكياً أو ثابتاً، بل يعتمد على كيفية تفاعلها مع السياقات المحلية. على سبيل المثال، الإشارة إلى أن التهديدات الخارجية يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين إذا لم تتمكن الأنظمة من السيطرة على السردية القومية. أيضاً، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول استدامة نموذج الاعتماد على الريع (النفطي) في ظل تقلبات الأسعار، وكيف قد يؤدي تراكم الاستياء الشعبي في النهاية إلى تجاوز قدرة شبكات المحسوبية على احتوائه. في الختام، يمكن القول إن الفصل يقدم رؤية مقنعة مفادها أن صمود الأنظمة الاستبدادية في إيران وسوريا ليس مجرد نتاج عوامل داخلية بقدر ما هو نتيجة لإدارة ذكية ونشطة للروابط الدولية، حيث يتم تحويل كل من التهديدات والفرص الخارجية إلى أدوات تعزز قوة النظام محلياً وتطيل أجله.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص