المورد
Mirror to Damascus

Mirror to Damascus

Colin Thubron١ كانون الثاني ١٩٦٧ptVintage

ملخص كتاب "Mirror to Damascus" لكولن ثوبرون

يقدّم كولن ثوبرون في كتابه "مرآة لدمشق" محاولة لفهم مدينة دمشق عبر غوص عميق في طبقات تاريخها المتراكمة، معتبراً أن العقل الغربي الذي يحب النظام لا يمكنه فهم فوضى المدينة الظاهرة إلا بالبحث في الزمن. الموقف المحوري الذي يدافعه عنه المؤلف هو أن دمشق ليست مجرد مدينة مادية، بل كيان حي يحمل في شوارعه وأزقته وسكانه آلاف السنين من التاريخ المختلط، وأن فهمها يتطلب تتبع هذه الطبقات من الأسطورة إلى الواقع، ومن الماضي إلى الحاضر.

يبدأ الكتاب من قمة جبل قاسيون المطل على دمشق، حيث يصف المشهد البانورامي لدمشق وواحتها الخضراء، ويذكر جبل الشيخ (حرمون) الذي يبلغ ارتفاعه تسعة آلاف قدم، وينبع منه نهر الأردن. هنا يطرح ثوبرون فكرته الأساسية: أن العقل الغربي لا يمكنه فهم دمشق إلا بالغوص في تاريخها، أي البحث في الزمن. نقطة البداية هي أساطير الخلق، حيث يعتبر المسلمون أن دمشق كانت موقع جنة عدن، وأن آدم خُلق من طين نهر بردى، وتجول على جبل قاسيون حيث بنى إبراهيم مذبحاً وصلى موسى ولوط وأيوب والمسيح.

ينتقل المؤلف بعدها إلى الطبقات التاريخية المادية للمدينة من خلال تل الصالحية على بعد عشرة أميال شرق دمشق، وهو تل يعلو مئة قدم فوق البساتين. يشرح أن علماء الآثار عثروا هنا على آثار بشر من العصر النحاسي عاشوا في الألف الخامس قبل الميلاد، مما يجعل دمشق أقدم مما ترويه الأساطير. يتتبع تاريخها عبر تحتمس الثالث الذي سيطر عليها للأُسرة الثامنة عشرة، ثم أمنحتب الثالث وإخناتون الذين أطلقوها للأموريين، ورمسيس الثاني الذي استعادها لكن الحيثيين طردوه. في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، جعل الآراميون دمشق عاصمة لمملكة غنية، وطوروا الري، وبنوا شوارع على نظام بابل، وعبدوا الإله هدد. يمر على فترة الملك داود الذي احتل دمشق، ثم رزون الذي استعادها، وحكم الملك بن هدد، وحزائيل الذي قتله وفق نبوءة إليشع. وينتقل إلى الفترة الآشورية حيث شلمنصر الثالث حارب تحالفاً من اثني عشر ملكاً بقيادة ملك دمشق، لكن المعركة كانت غير حاسمة، ولم يسيطر الآشوريون على دمشق إلا بعد تخلي حلفائها عنها عام 732 قبل الميلاد، حيث قام تجلات فلاسر الثالث بتدنيس البساتين وترحيل الناس.

يتتبع ثوبرون مسار نهر بردى إلى منبعه في نبع فيجة، حيث يكتشف أن المنظر الطبيعي قد شوهته المطاعم والمنشآت الحديثة. وفي قرية عشرافية، يدعوه شاب يدعى مصطفى لتناول العشاء في منزله، في مشهد يعكس كرم الضيافة العربية وسط فقر قاسٍ. يتجه بعدها إلى أبيلا، المدينة اليونانية القديمة عند سفح جبل هابيل، حيث يكتشف مقابر منحوتة في الصخر تعود لعائلات يونانية، ونقوشاً رومانية. يصعد إلى قمة الجبل حيث يجد قبراً يبلغ طوله عشرين قدماً بشكل غير طبيعي، ويناقش الأساطير المحيطة به: يروي الأهالي أن قابيل قتل هابيل في قرية الزبداني شمالاً، ثم حمله على ظهره أربعين عاماً حتى رأى غراباً يحفر قبراً فقلده ودفن أخاه هنا. كما يقترح أن القبر قد يكون لبعض الأباطرة الرومان مثل كركلا أو ماكرينوس أو غورديان أو فاليريان.

ينتقل الكتاب إلى الفترة الرومانية، حيث يصف كيف دخل الإسكندر الأكبر دمشق عام 333 ق.م بعد هروب داريوس الثالث من معركة إيسوس. يلاحظ ثوبرون أن المظهر السائد لدمشق اليوم هو مظهر عصور وسطى، لكن بعد التأمل يبدأ في تمييز "عظام مدينة أخرى"، وهي البنية الرومانية. يصف كيف أن مستوى المدينة القديمة يقع على عمق 15 قدماً تحت المستوى الحالي، وكيف تظهر أعمدة رومانية مدمجة في جدران المباني والأسواق. يخصص وصفاً مطولاً لـالشارع المستقيم الذي لا يزال يسير على خط الرومان رغم أن عرضه تقلص إلى الربع. يتحدث عن الفيلق الروماني الرابع "السكيثي" المتمركز في القلعة، وعن التجارة العالمية التي جعلت دمشق غنية من خلال تقاطع طريقين عظيمين: طريق البخور من اليمن وطريق الحرير من الصين، حيث كانت القوافل تصل إلى 3000 جمل في الأوقات الخطرة.

يصف ثوبرون الأسوار الرومانية وأبوابها، متوقفاً عند باب الشمس الروماني الذي لا يزال قائماً، وعند باب توما الذي حل محل بوابة الزهرة، وعند باب السلام الذي بناه المسلمون في القرن الثالث عشر على موقع بوابة القمر. يصل إلى باب الجابية القائم على موقع بوابة جوبيتر، ويستعرض تاريخ الحكام الرومان: بومبي الذي أنشأ المعسكر، كراسوس الذي هزمه البارثيون وسكبوا الذهب المذاب في فمه، مارك أنتوني الذي أهدى دمشق لـكليوباترا، هيرودس الكبير الذي زينها بمسرح وجيمنازيوم، وهادريان الذي منحها لقب متروبوليس.

في الفصل المخصص للمسيحية، يبدأ ثوبرون رحلته إلى تلة كوكب على بعد ستة أميال جنوب دمشق، حيث يُقال إن القديس بولس أصيب بالعمى الإلهي. يبحث في الحي المسيحي عن بيت يهوذا، الرجل الذي نزل عنده بولس بعد إصابته بالعمى، ليكتشف في النهاية أن البيت الأسطوري يقع في الحي الإسلامي وقد بُني فوقه مسجد صغير. يقوده أطفال إلى المكان التقليدي لمنزل حنانيا، وهو كنيسة صغيرة تحت الأرض تعود للشارع الروماني القديم، وربما تكون الكنيسة المبكرة الوحيدة الباقية في المدينة. يتناول هروب القديس بولس من دمشق حيث أنزله التلاميذ في سلة من فوق السور، وبنيت كنيسة مبكرة قرب باب كيسان ثم مسجد فوق أنقاضها.

يزور ثوبرون دير سيدة صيدنايا، الذي تقول التقاليد إن الإمبراطور جستنيان بناه عام 547 بعد أن رأى غزالاً تحول إلى سيدة بيضاء. تدير الدير راهبة كبيرة تتحدث الفرنسية بطلاقة، وتخبره أن حوالي خمسين راهبة يعشن هناك، وأن الجميع يأتون - مسيحيون ومسلمون ودروز - ويُشفى الكثيرون. تُريه الأيقونات في الخزانة المقدسة، وتفتح تابوتاً فضيًا يُقال إنه يحتوي على أول أيقونة للعذراء والطفل رسمها القديس لوقا الإنجيلي. يصل أخيراً إلى معلولا، القرية المعلقة على الجبل حيث يسمع القرويين يتحدثون بالآرامية، لغة المسيح، التي كادت العربية أن تمحوها تماماً، لكن معلولا ما زالت إحدى آخر معاقلها في العالم.

ينتقل الكتاب إلى الفتح الإسلامي لدمشق عام 634 ميلادية، حيث يصف حصار الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيدة وخالد بن الوليد، ويبلغ قوامه أربعين ألف مقاتل، يواجه جيشاً بيزنطياً أرسله الإمبراطور هرقل من أنطاكية. يبقى سقوط دمشق لغزاً، حيث تقول الروايات إنها استسلمت لأبي عبيدة سلمياً بينما اقتحمها خالد عنوة. ثم ينتقل إلى انقسام المسلمين بعد وفاة النبي، والصراع بين الأمويين والهاشميين، وصولاً إلى مقتل الخليفة عثمان عام 655م، ثم تولي علي بن أبي طالب الخلافة. بعد اغتيال علي، يُعلن معاوية بن أبي سفيان نفسه خليفة ويتخذ من دمشق عاصمة له.

يستعرض ثوبرون فترة الخلافة الأموية بتفصيل، متناولاً مقتل الحسين بن علي في معركة كربلاء بصحبة مائتي رجل فقط، وكيف أن الشيعة لا يزالون يحيون ذكراه. يصف حكم عبد الملك بن مروان الذي اتخذ الحجاج بن يوسف الثقفي أداة عقابية، ورغم فظاعاته التي تضخمت في كتابات المؤرخين إلى مئة وعشرين ألف قتيل وسجون تسع خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة، إلا أنه اقترن بإصلاحات مالية وريّ. ثم ينتقل إلى الوليد بن عبد الملك الذي يراه الدمشقيون أعظم خلفائهم، حيث بنى المساجد والمدارس والمستشفيات والحصون، وأدخل إعانات للأيتام وملاجئ للمجذومين والمجانين، وأعطى كل أعمى قائداً وكل أعرج خادماً.

يخصص ثوبرون قسماً كبيراً لوصف الجامع الأموي الكبير، معتبراً إياه أكثر بناء إسلامي إثارة للاهتمام في العالم. يروي كيف هدم الوليد الأول كنيسة القديس يوحنا ليبني المسجد مكانها، مستخدماً اثني عشر ألف صانع من بيزنطة، وجالباً أعمدة من المدن المجاورة. أنفق الوليد دخل سبع سنوات على المسجد، ما يعادل حوالي خمسة ملايين ونصف المليون جنيه إسترليني. يصف الفسيفساء الضخمة التي تغطي حوالي عشرين ألف قدم مربع، مع الذهب والأنماط النباتية. ويذكر أن للمسجد خواصاً عجيبة، مثل احتوائه على القرآن الأول بخط عثمان بن عفان، وقبر السيدة عائشة، واعتقاد بأن صلاة واحدة فيه تعدل ثلاثين ألف صلاة في غيره.

يسرد ثوبرون أسباب سقوط الأمويين، ماراً بعدد من الخلفاء: سليمان بن عبد الملك الذي حكم سنتين ونصف ومات بداء السمنة بعد أن أكل سبعين رمانة وخروفاً وستة دجاجات، عمر بن عبد العزيز الزاهد الذي مات مسموماً عن عمر 39 سنة، يزيد الثاني الذي هام حباً بجاريته "حَبَّابة" حتى مات بعدها بأيام من الحزن، هشام بن عبد الملك الذي حكم 19 سنة وشهدت ولايته صعود حركة العباسيين، والوليد الثاني الشاعر الخليع الذي رمى المصحف بالنبال فقتله الناس بعد عام واحد. يختم القسم التاريخي بذكر معركة الزاب شرق دجلة حيث هُزم الأمويون، وسقوط دمشق في 26 أبريل 750 الموافق 14 رمضان تحت قيادة جيش عباسي قوامه ثمانون ألف مقاتل، والمذبحة التي تعرض لها الأمويون حيث نبشت قبور الخلفاء وأُحرقت جثة هشام.

ينتقل الكتاب إلى فترة المماليك، مستعرضاً بزوغ نجم السلطان بيبرس، ذلك العبد التركي الذي بيع في سوق دمشق بثمانمئة قطعة فضة. يصف كيف تحول بيبرس إلى قائد عسكري بارع بعين واحدة، شارك في هزيمة المغول في معركة عين جالوت قرب الناصرة، ثم اغتال السلطان قطز لينفرد بالحكم سبعة عشر عاماً. يصف الروتين اليومي لدمشق تحت حكم المماليك، والغزو المغولي الثاني بقيادة غازان حيث انقسم الدمشقيون بين التعاون والمقاومة مما أسفر عن ذبح مئة ألف شخص. يختتم بوصف كوارث تيمورلنك الذي لم يتمكن من اقتحام دمشق إلا بالخيانة، حيث أُحرقت المدينة ثلاثة أيام وليالٍ، وحُشر ثلاثون ألف رجل وامرأة وطفل في المسجد الأموي ليلقوا حتفهم في النيران، ونُقل كل ذكر نجا يزيد عمره عن خمس سنوات عبودية إلى سمرقند.

مع قدوم العثمانيين بقيادة سليم الأول عام 1516، أصبحت سوريا تحت الحكم التركي لأربعة قرون، حيث شهدت المدينة 133 حاكماً مختلفاً في أول 184 عاماً من الحكم التركي. يصف ثوبرون التكية السليمانية التي بناها المعماري سنان بأمر من السلطان سليمان القانوني، وخان أسعد باشا، متأملاً في التراث المعماري العثماني. يتعمق في عالم التصوف الإسلامي والطريقة المولوية، ويزور شيخاً للدراويش في منزله، ثم يدعوه الشيخ لحضور طقس الدوران حيث يصف تفاصيل الطقس بدقة: ارتداء الدراويش للجلباب الأبيض والعباءة السوداء، ثم خلع العباءة والبدء بالدوران البطيء الذي يقلد دوران الأفلاك.

يصف ثوبرون حكام دمشق العثمانيين، ومن بينهم أسعد باشا العظم الذي بنى قصره عام 1749، مستخدماً كل النجارين والبناءين في المدينة، وجالباً أعمدة كلاسيكية من أطلال درعا وبصرى الرومانية. يصف القصر بتفاصيل حية: مدخله المهيب، تصميمه السوري الكلاسيكي بأفنيته، الحرملك للسكن والسلاملك لاستقبال الضيوف. يروي كيف احترق جناح السلاملك عام 1925 أثناء الثورة ضد الفرنسيين. وبعد سبع سنوات من إتمام قصره، عُزل أسعد باشا وغادر دمشق بمرارة، ثم خُنق في الحمامات العامة في أنقرة عام 1758 بأمر من الباب العالي.

يستعرض ثوبرون مذبحة عام 1860 حيث قام الدروز بإبادة القرى المارونية في لبنان، ثم امتدت الفتنة إلى مسلمي دمشق فاجتاحوا الحارة المسيحية، واستمر القتل ثلاثة أيام، وقُدر عدد القتلى بـألفين وخمسمائة رجل. تدخل عبد القادر الجزائري ورجاله لإنقاذ المسيحيين، وأرسل السلطان وزير خارجيته ليحقق العدالة، فأُعدِم الوالي ورئيس الشرطة ومئة وخمسون آخرون.

يتناول ثوبرون الأقليات الدينية والعرقية في دمشق، فيصف حي اليهود (حارة اليهود) جنوب شرق دمشق، ويذكر أن عدد سكانه انخفض من أربعة عشر ألف نسمة في عام 1947 إلى حوالي أربعة آلاف فقط بسبب الهجرة إلى فلسطين. ينتقل بعدها إلى قرية دُوَير حيث كان يوجد معبد يهودي يُعتقد أن إيليا مسح فيه أليشع، ليكتشف أن معظم باحة المعبد تحولت إلى مدرسة للاجئين الفلسطينيين. ثم ينتقل إلى الحديث عن المسيحيين الذين يشكلون حوالي عشرة بالمائة من سكان دمشق (نحو خمسة وستين ألف نسمة)، وأغلبيتهم العظمى تنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والكنيسة الكاثوليكية اليونانية. يتناول الأقليات داخل المجتمع الإسلامي نفسه، مثل العلويين والإسماعيليين والدروز، حيث يصف الكرد الذين استوطنهم صلاح الدين الأيوبي على سفوح جبل قاسيون، والدروز الذين يصفهم بأنهم أجمل شعب في دمشق بملامحهم الأوروبية وعيونهم الزرقاء.

يختتم ثوبرون كتابه بوصف أسواق دمشق، متنقلاً بين حي النجارين في الحارة المسيحية حيث الخشب المطعم، وسوق النحاس المموج بالفضة في الكيمارية، وسوق الحرير القديم حيث الأقمشة المنسوجة يدوياً من الحرير الخالص بأسلوب يسمى داماسين، وسوق البزورية للبهارات والعطور والحلويات. يذكر أن عطور غراس وأمستردام تقف بجانب ماء الورد الدمشقي الذي يباع بسعر مضاعف. يصف سوق الحميدية مركز التسوق العصري في دمشق، حيث تبيع المحلات منتجات غربية وأقمشة سورية وتشكيلة متنوعة من التحف الشرقية الرخيصة. يلاحظ أن أسواق دمشق أحزن من غيرها لأن جمال الماضي قد تدهور بدلاً من أن يختفي، وأن الحرف نفسها تتضاءل إلى تجارة سياحية.

يقر ثوبرون صراحة بحدود معرفته، معترفاً بأن اكتشافاته محدودة لأن المدينة "تحتضن نفسها بإحكام شديد للتنقيب"، ولذلك فإن المتحف لا يحوي سوى قطعاً قليلة من دمشق نفسها. كما يشير إلى أن الروايات الإسلامية عن حصار دمشق متفاوتة، وأن تفاصيل سقوط المدينة تظل لغزاً. يترك أسئلة مفتوحة حول هوية المدفون الحقيقي في قبر هابيل، وعن مدى صحة الأساطير التي تخلط بين التاريخ اليوناني والروماني والتقاليد الإسلامية والدرزية.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، نظرة ثوبرون الفريدة التي تركز على كيفية استيعاب المدينة للغزاة بلا مبالاة عربية تجاه القدماء، وكيف أن السلام الروماني كان مجرد غطاء لتجارة جشعة وحياة عابرة للثقافات، بينما بقيت الهوية السامية الأساسية صامدة تحت السطح. كما أن التركيز على الصفات الجسدية للدروز وافتراض أصلهم الصليبي، رغم نفيه، قد يُقرأ كإسقاط ثقافي أكثر منه تحليلاً موضوعياً. يمكن القول إن ثوبرون يقدم رؤية بانورامية ملحمية لدمشق، تخلو من أي حكم أخلاقي مباشر، وتتأرجح بين إبراز بطش الحكام وحكمتهم، وتركز على تحول المدينة عبر العصور مع بقاء جوهرها متماسكاً في وجه كل التغيرات.

الأشخاص

الفصول(16)

1.ثمار أولى23–33▼ ملخص

يبدأ الفصل بمشهد صعود الراوي إلى جبل قاسيون المطل على دمشق، برفقة شيخ مسن لا يبدي اكتراثاً بالمنظر الخلاب. من قمة الجبل، يصف الراوي المشهد البانورامي لدمشق وواحتها الخضراء، ويذكر جبل الشيخ (حرمون) الذي يبلغ ارتفاعه تسعة آلاف قدم، وينبع منه نهر الأردن. يلفت نظر الراوي أن الشيخ يرى أن دمشق ليست مكاناً يستحق الإقامة لشهور، فهو يعتبر أن رؤية الجامع الأموي والسوق الكبير تكفي لزيارتها، ثم يمكن السفر إلى بيروت حيث نساء أفضل. لكنه في الوقت نفسه يصف بساتين دمشق بأنها "فردوس".

يطرح الفصل موضوعه المحوري: محاولة فهم دمشق عبر تاريخها، لأن المدينة من فوق تبدو فوضى من شوارع متشابكة وأزمنة مختلفة. المؤلف يرى أن العقل الغربي، الذي يحب النظام، لا يمكنه فهم دمشق إلا بالغوص في تاريخها، أي البحث في الزمن. نقطة البداية هي أساطير الخلق، حيث يعتبر المسلمون أن دمشق كانت موقع جنة عدن، وأن آدم خُلق من طين نهر بردى، وتجول على جبل قاسيون، حيث بنى إبراهيم مذبحاً وصلى موسى ولوط وأيوب والمسيح.

يتجول الراوي على سفح الجبل، ويصل إلى قرية بَرزَة التي تبعد ميلين شمالاً. يذكر أن الرحالة ابن جبير كتب قبل ثمانمئة عام أنها مسقط رأس إبراهيم وموقع إخفاء قايين لجثة هابيل في مغارة. يصف الفصل تتبع الراوي لهذه المغارة، حيث يقوده صبيان إلى ما يسمى "مسجد إبراهيم". داخل المغارة الضيقة، يجد الراوي حفرة صغيرة ملطخة باللون الأحمر، وهي بحجم رجل. يخبره الصبية أن هذا هو المكان الذي وُضع فيه هابيل، مشيرين إلى البقع الحمراء التي يعتقد أنها دمه.

بعد هذه الرحلة الأسطورية، ينتقل الفصل إلى التاريخ المادي لدمشق. يتوجه الراوي إلى تل الصالحية على بعد عشرة أميال شرق دمشق، وهو تل يعلو مئة قدم فوق البساتين، وهو مقبرة متراكمة لعصور متتالية. يشرح الفصل أن علماء الآثار عثروا هنا على آثار بشر من العصر النحاسي عاشوا في الألف الخامس قبل الميلاد، مما يجعل دمشق أقدم مما ترويه الأساطير. يذكر المؤرخ يوسيفوس أن مؤسسها هو عوص، حفيد نوح.

يتتبع الفصل طبقات التل تاريخياً: تحتمس الثالث سيطر على دمشق للأُسرة الثامنة عشرة، ثم أطلقها الفراعنة أمنحتب الثالث وإخناتون للأموريين. بعد قرن، استعاد رمسيس الثاني المدينة لكن الحيثيين طردوه. في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، جعل الآراميون دمشق عاصمة لمملكة غنية، وطوروا الري، وبنوا شوارع على نظام بابل، وعبدوا الإله هدد. يمر الفصل على فترة الملك داود الذي احتل دمشق، ثم رزون الذي استعادها، وحكم الملك بن هدد، وحزائيل الذي قتله وفق نبوءة إليشع.

ينتقل الفصل إلى الفترة الآشورية: شلمنصر الثالث حارب تحالفاً من اثني عشر ملكاً بقيادة ملك دمشق، لكن المعركة كانت غير حاسمة. لم يسيطر الآشوريون على دمشق إلا بعد تخلي حلفائها عنها عام 732 قبل الميلاد. عندئذ، قام تجلات فلاسر الثالث بتدنيس البساتين وترحيل الناس. بعد ذلك، حل صمت طويل حتى عام 717 قبل الميلاد، عندما أصبحت المدينة خاوية لدرجة أن قبيلتين حثيتين استوطنتاها.

من قمة التل، ينظر الراوي إلى أسفل ويرى المدينة: سقف الجامع الأموي، القلعة، مآذن جامع سليمان. ينزل إلى المدينة ويدخل سوق الحميدية، حيث يمشي بين خليط من البشر: فلاحات، تجار، رجال دين، جنود، وعرب من شتى المناطق. يمر ببقايا أعمدة رومانية، ثم يتجه إلى حارة النصارى حيث يبحث عن "بيت نعمان الأبرص". يلتقي بطالب قانون اسمه رزوق يعرض عليه جولة في المدينة، لكنه يبدو غير ملم بقصة نعمان.

يستعيد الفصل قصة نعمان من سفر الملوك: كان قائداً لجيش بن هدد ملك دمشق، وكان أبرص. بعد أن أسر فتاة عبرانية، نصحته بالذهاب إلى النبي إليشع. لكن إليشع أمره بالاغتسال سبع مرات في الأردن. غضب نعمان أولاً، قائلاً: أليس أبانة وفرفر، نهري دمشق، أفضل من كل مياه إسرائيل؟ لكنه أطاع فبرئ. عندما رفض إليشع الهدية، ابتز خادمه جحازي أموالاً من نعمان بالكذب، فحكم عليه إليشع بالبرص هو وذريته إلى الأبد.

بمساعدة رجل من مصنع للأقمشة، يصل الراوي إلى موقع المنزل شمال شرق باب شرقي الروماني بمئة ياردة. يجد قوساً واهياً بين أكواخ، وفي غرفة مظلمة قبر يشبه عموداً عملاقاً، عليه شمعة ولوحة مكسورة بخط كوفي، مع حكاية تقول إن قبر جحازي موجود في منزل نعمان. يختتم الفصل بهذا المشهد، تاركاً القارئ مع إحساس بالغموض التاريخي والأسطوري المتراكم حول دمشق.

2.قبر هابيل34–48▼ ملخص

يصف هذا الفصل رحلة الكاتب كولن ثوبرون إلى منطقة نهر بردى وجبل قابيل، سعياً وراء مصدر النهر الذي يروي دمشق، وقبر هابيل الذي يرمز إلى أصل الشر في المدينة. يطرح الفصل سؤالاً ضمنياً: كيف يمكن لنبع صغير أن يمنح الحياة، بينما يقبع فوقه قبر يذكّر بأول جريمة قتل في التاريخ؟

يبدأ الفصل بمشهد في مطعم رديء السمعة، حيث يطلب الكاتب مشروب العرق دون أن يعلم أنه يأتي مع أطباق مقبلات كثيرة، في موقف محرج مع صديقيه رزوق و سهيل. بعد محاولات لشراء دراجة هوائية تنتهي بمزايدة طويلة في شارع يسمى المستقيم، ينطلق الكاتب في رحلته. يصف الطريق الوعر والجميل المؤدي إلى نبع فيجة، المصدر الرئيسي لنهر بردى، ليكتشف أن المنظر الطبيعي قد شوهته المطاعم والمنشآت الحديثة، ولم يعد كما وصفه رحالة قبله بمئة عام.

في قرية عشرافية، يدعوه شاب يدعى مصطفى لتناول العشاء في منزله، في مشهد يعكس كرم الضيافة العربية. يقضي الكاتب الليلة مع عائلة مصطفى الفقيرة، حيث الأب طريح الفراش بعد حادث سيارة، والأم حياة تطبخ وتعتني بالأطفال. يصف الفصل تفاصيل الحياة اليومية القاسية: عزاء الجيران، فقدان الدجاج بسبب كلب، وتناول الطعام حيث تأكل النساء ما يتركه الرجال. قبل المغادرة، يترك الكاتب نقوداً للأب كمساعدة، متظاهراً أنها من وزارة الصحة.

يتجه الكاتب بعدها إلى أبيلا، المدينة اليونانية القديمة التي تقع عند سفح جبل هابيل. يكتشف مقابر منحوتة في الصخر تعود لعائلات يونانية، ونقوشاً رومانية ترمز إلى قوة الإمبراطورية. يستمر في الصعود الشاق إلى قمة الجبل، حيث يجد قبة بيضاء تبدو كبيضة ثلجية. بعد عناء، يصل إلى القبر الذي يبلغ طوله عشرين قدماً بشكل غير طبيعي، مما يذكره بقصص العمالقة في سفر التكوين.

يناقش الكاتب الأساطير المحيطة بالقبر: يروي الأهالي أن قابيل قتل هابيل في قرية الزبداني شمالاً، ثم حمله على ظهره أربعين عاماً، حتى رأى غراباً يحفر قبراً ليموت، فقلده ودفن أخاه هنا. كما يقترح أن القبر قد يكون لبعض الأباطرة الرومان مثل كركلا أو ماكرينوس أو غورديان أو فاليريان، مما يفتح باباً للتأمل في هوية المدفون الحقيقية.

يلتقي الكاتب برجل عجوز اسمه أحمد عاش ثلاثين عاماً في ميشيغان كسائق قطار، وعاد إلى قريته بلهجة أميركية ومال يكفيه. يخبره أحمد أن الدروز هم من يزورون القبر، ويشعلون النيران ويطلقون النار احتفالاً، وأن حارس الضريح يسمع دائماً نداءهم من أسفل الجبل ليصعد ويفتح لهم. ينام الكاتب في منزل أحمد، حاملاً أحلاماً عن قطارات ميشيغان المندفعة.

في اليوم التالي، يواصل الكاتب رحلته إلى سهل الزبداني، حيث يجد أخيراً بحيرة المنبع الصغيرة لنهر بردى. في لحظة تأمل، يختبر الكاتب وهماً بصرياً حيث يبدو النهر وكأنه يتدفق إلى أعلى التل ضد قوانين الطبيعة. يجلس تحت أشجار التنوب المقدسة للإله بان، ويتخيل أن حوريات الماء اليونانيات ما زلن يعشن بين الجبال، مختلطات مع الرجال، يحتفظن بجمالهن وأعيادهن القديمة في الليل.

في نهاية الفصل، يترك الكاتب أسئلة مفتوحة عن هوية المدفون الحقيقي في قبر هابيل، وعن مدى صحة الأساطير التي تخلط بين التاريخ اليوناني والروماني والتقاليد الإسلامية والدرزية. يقر بأن الفصل لا يقدم إجابة قاطعة، بل يكتفي باستعراض التناقضات بين الواقع القاسي للفقر والأساطير الخصبة التي تنسجها الذاكرة الجماعية حول المكان.

3.السلام الروماني49–59▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل، «السلام الروماني» من كتاب "Mirror to Damascus" لـكولن ثابرون، باستعراض تاريخ دمشق منذ لحظة دخول الإغريق إليها على يد الإسكندر الأكبر عام 333 ق.م، بعد هروب داريوس الثالث من معركة إيسوس. يصف المؤلف كيف وجد الأوروبيون مدينة آرامية منظمة بعناية على الضفة الشمالية لنهر أبانا، ذات بساتين غنية وأنظمة ري تحت الأرض معقدة، ويشير إلى أن هذه الأنفاق ظلت تستخدم حتى العصر الحديث. يبني اليونانيون مدينتهم في موقع الجامع الأموي الحالي، لكن ثابرون يصف الهلينة بأنها كانت «سفينة هشة على بحر سامي عميق»، مؤكداً أن دمشق لم تعرف سلاماً حقيقياً، حيث تقاذعها السلوقيون والبطالمة وتحولت طرق التجارة عنها إلى سلوقية وأنطاكية، قبل أن تضع نفسها تحت حماية مملكة الأنباط.

يسير الفصل بطريقة تأملية تجمع بين الملاحظات الميدانية للمؤلف أثناء تجواله في المدينة القديمة والبحث التاريخي. يلاحظ ثابرون أن المظهر السائد لدمشق اليوم هو مظهر عصور وسطى، ولكن بعد التأمل يبدأ في تمييز «عظام مدينة أخرى»، وهي البنية الرومانية. يصف كيف أن مستوى المدينة القديمة يقع على عمق 15 قدماً تحت المستوى الحالي، وكيف تظهر أعمدة رومانية مدمجة في جدران المباني والأسواق بشكل اعتيادي. يضرب أمثلة حية: عمودان رومانيان يدعمان قبر شيخ، ونقوش بازلتية حول باب تاجر، وعمود في مصنع طباعة تعلوه حزام مطبعة. يخصص وصفاً مطولاً لـالشارع المستقيم، الذي لا يزال يسير على خط الرومان رغم أن عرضه تقلص إلى الربع، ويصف كيف عثر العمال على قوس روماني وأعيد ترميمه، وكيف تحدد الأزقة المنحنية موقع مسرح قديم.

بعد إعادة بناء المدينة الرومانية وصفياً، يغوص الفصل في الحياة اليومية والتنوع العرقي فيها. كان المارة يشملون المقدونيين والفينيقيين والأرمن واليهود، بالإضافة إلى شيوخ البادية والموظفين الرومان. يصف المؤلف الأسواق المزدحمة بالعبيد والبدو والتجار تداخلت فيها الأزياء: عباءات مهدبة، تيجان مذهبة، حرير صيني. يتحدث عن الفيلق الروماني الرابع "السكيثي" المتمركز في القلعة، وعن تجنيد الآراميين في الجيش الروماني. ثم ينتقل بالتفصيل إلى التجارة العالمية التي جعلت دمشق غنية، ويتحدث عن تقاطع طريقين عظيمين: طريق البخور من اليمن وطريق الحرير من الصين. يسرد السلع: العاج، الأبنوس، اللبان، المر، التوابل، اللؤلؤ، اليشم، ويذكر أن تدمر كانت تحتكر التجارة وأن القوافل كانت تصل إلى 3000 جمل في الأوقات الخطرة. يذكر أن طبريوس منع الرجال من ارتداء الحرير بسبب هوس الرومان به، وأن تجار العطور الدمشقيين كانوا مسؤولين عن الروائح التي تتبع النساء في أنحاء الإمبراطورية، كما يصف كيف أنتجت دمشق النبيذ والصوف والكتان والبرقوق المجفف الذي وُجدت بقاياه حتى في بريطانيا.

يوثق الفصل التناقض الحضاري: أخذ الدمشقيون ذهب الرومان ورفضوا ثقافتهم. يصف كيف أن الرومان، على عكس اليونان، بقوا غرباء في سوريا، ويستشهد برسالة جندي روماني يشكو من أن «السوريين جنس مقرف». يذكر حتى أن بعض أباطرة الرومان في القرن الثالث كانوا سوريين، مثل إل جبل الذي أثار اشمئزاز أعضاء مجلس الشيوخ بطقوسه الشرقية. يعود ثابرون بعدها إلى وصف الموقع الأهم: السوق الحميدي المؤدي إلى جدار مقام جوبيتر هدد. يصف كيف ابتلع الجامع الأموي المعبد الروماني، لكنه لا يزال يستخدم أعمدة تحمل نقوشاً يونانية. يكشف عن اكتشاف نقش آشوري لـأبو الهول يعود لـ3000 عام، كان جزءاً من معبد آرامي أقدم للمعبود هدد، الذي دمره الرومان لبناء معبدهم، لكنه استمر في الحياة تحت اسم روماني. يتحدث عن المعبودة أتارغاتس، زوجة هدد، التي بقيت طقوسها وثنية بصورة صارخة رغم المظهر الهليني.

ينتقل أخيراً إلى وصف تفصيلي لبقايا الأسوار الرومانية وأبوابها. يمشي المؤلف على طول السور المتداعي، متوقفاً عند باب الشمس الروماني الذي لا يزال قائماً، وعند باب توما الذي حل محل بوابة الزهرة، وعند باب السلام (باب السلام) الذي بناه المسلمون في القرن الثالث عشر على موقع بوابة القمر ويحمل نقشاً بخط كوفي جميل. يصل إلى باب الجابية القائم على موقع بوابة جوبيتر. يتوقف عند القلعة التي تقع على أنقاض المعسكر الروماني، ويستعرض تاريخ الحكام الرومان الذين مروا بدمشق: بومبي الذي أنشأ المعسكر، كراسوس الذي هزمه البارثيون وسكبوا الذهب المذاب في فمه، مارك أنتوني الذي أهدى دمشق لـكليوباترا، هيرودس الكبير الذي زينها بمسرح وجيمنازيوم، وهادريان الذي منحها لقب متروبوليس. يختتم الفصل بقصة عن مسرح في أنطاكية عام 260 م، حيث صرخ ممثل قائلاً إن الفرس قادمون فصفق الجمهور حتى وقعت عليهم الرماح، وهي نهاية توحي بأن هذه الحضارة العظيمة كانت دائماً على شفا الانهيار من جهة الصحراء.

يتضمن الفصل تحفظاً واحداً واضحاً: اعتراف المؤلف بأن اكتشافاته محدودة لأن المدينة «تحتضن نفسها بإحكام شديد للتنقيب»، ولذلك فإن المتحف لا يحوي سوى قطعاً قليلة من دمشق نفسها. كما يصف الفن الدمشقي بأنه كان وسطاً تعيساً بين الفن الهليني والنحت الحوراني، دون أن يصل إلى مستوى أي منهما. لا يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح، لكنه يحمل نظرة فريدة: بدلاً من تمجيد الماضي الروماني، يركز ثابرون على كيفية استيعاب المدينة للرومان بلا مبالاة عربية تجاه القدماء، وكيف أن السلام الروماني كان مجرد غطاء لتجارة جشعة وحياة عابرة للثقافات، بينما بقيت الهوية السامية الأساسية صامدة تحت السطح.

4.النهر البارد60–66▼ ملخص

بدأ الفصل بأوصافٍ غنائية لأشجار دمشق وبساتينها التي يطلق عليها الدمشقيون اسم "الغوطة"، معتبرين إياها فردوساً يغذي المدينة ويحيط بها. ربط المؤلف وجود هذه المدينة بفضل نهر البردة، "النهر البارد"، الذي ينبع من مغاور لبنان ويصلها بارداً، متشعباً إلى ملايين الجداول التي قُسِّمت مياهها بعناية منذ عهد الآراميين. وصف ثراء الغوطة في فصول السنة المختلفة: من زهر المشمش والبرقوق في الربيع، إلى ثقل الأشجار بالفواكه في الصيف حيث تطحن النساء المشمش في الأحواض الحجرية، وصولاً إلى وفرة الزيتون والرمان والجوز في الخريف، قبل أن يحل الخمول مع نهايته.

على أطراف هذه البساتين، حيث تتحول الحقول إلى صحراء، تقع بقايا مدن إغريقية ورومانية اختفى تاريخها. رأى المؤلف في جدرانها وأعمدتها المبعوثة في الرمال دليلاً على ألف عام من السيطرة الأوروبية، مما يمنحها سحراً خاصاً يزيد على أطلال أوروبا الكلاسيكية. تابع مسار النهر من عنق البساتين إلى الصحراء، ماراً بمنطقة المزة حيث كان الدمشقيون يعتبرون "تقسيم المياه" مركز فردوسهم ونهر عدن الذي "صار أربعة رؤوس"، وكانوا يضعون هنا قبر أم مريم ومولد وطفولة المسيح نفسه.

لاحظ المؤلف أن نقاء المزة الخاص قد اختفى، حيث سحق طريق بيروت النهر بالضجيج، وأصبحت مياهه تتدفق في قاع مليء بالنفايات. رغم ذلك، لا تزال روح القرية القديمة حية في بستان واحد من الحور والصفصاف، حيث رجال مسنون يصلون بين الأواني وفناجين القهوة محاطين بأجهزة الراديو والأراجيح. عبرت الفكرة عن تناقض صارخ بين صخب الطريق وجمال الورود الحمراء التي لا تزال تنمو كما في حدائق سميراميس. انطلق النهر من هنا ليتفرق في دمشق وبساتين الخريف، حيث تتراجع كثافة الأشجار والأوراق الملونة تدريجياً حتى تتحول إلى خط رفيع من أشجار الحور.

على امتداد الطريق، رأى المؤلف حقولاً ناعمة بالقطن ونساءً وأطفالاً يحملون بالات ضخمة على رؤوسهم مثل الكاريتيدات، [تماثيل النساء في المعابد الإغريقية]. أخيراً، يموت نهر البردة نفسه في مساحة من القصب، ليبدأ بعدها الامتداد الصحراوي بتلاله وفوهاته الخامدة، حيث تكتسب أبسط الأشجار أو المباني أهمية قصوى. تذكر المؤلف بيوت "هيشانة" المتجمعة بين الصخور البازلتية، وأكوام القبور حيث كانت الجمال تأكل الأغصان الخضراء الموضوعة على القبور.

وصف قرية "حران الأعمدة" كمثال على القرى المنكوبة، حيث يعيش الناس في خمول بسبب الصيف الحار والملاريا، وفوق سقوفها ترتفع ثلاثة أعمدة أيونية سوداء من عهد الرومان، تذكّر بزمن ازدهرت فيه الصحراء. في الشمال، في بلدة "ضُمير"، يقع معبد روماني محفوظ جيداً يعود لعام 245 ميلادي، وفي مكان آخر، على بعد أميال، تقع بلدة رومانية غارقة في الرمال حتى اسمها فقد. تتخلل الصحراء أيضاً مدن جبلية أقدم، مثل "حلبون" التي كانت نبيذها الشراب المفضل لملوك فارس، وجبال "منين" المليئة بمغاور المعابد التي صعد المؤلف إلى أكروبوليسها الشمالي ليجد نفسه في مسرح من الصخور البيضاء، مع معبد مقطوع في الجرف لمسافة 24 قدماً.

من "منين"، يمكن رؤية قمة جبل الشيخ في يوم صافٍ، وهو جبل مقدس يعود اسمه إلى معنى "المقدس". يصل بعضهم إلى أنه جبل التجلي، وقد جذب تقديس البشر منذ عهد العموريين. على قمته، توجد معاً أحجار مذبح بعل العالي ومعبد روماني. إلى الجنوب بعد أن تجف آخر قطرات نهر الأوج، تصبح الأرض جرداء. لكن في الربيع، يحدث إزهار مذهل عبر الجبال والبساتين، تنتشر زهور الباستيل الصغيرة وزهر البرتقال الذي كان يُجمع لعروسات السراسنة. أشار الكاتب إلى نبات "عدونيس" الغريب، وهو الشقائق الحمراء، وربطه بأسطورة أدونيس التي قتله خنزير بري في وادي لبنان، حيث يجري نهر أدونيس كل ربيع أحمر كالدم نحو البحر، ولا تزال نساء لبنان يحدن عليه في يوم وفاته السنوي.

على الرغم من هذا الحضور الأسطوري، لاحظ المؤلف أن البقايا الكلاسيكية في سوريا تُهمل دوماً، وينسبها القرويون إلى النبي سليمان أو الجن، أو في حال الكنائس إلى القديسة هيلانة. غالباً ما تُنسب الآثار غير المعروفة إلى شخصيات العهد القديم التي تظهر في القرآن أيضاً. ففي قرية "قادم" التي تعني "القدم"، كانت منطقة توجد فيها "مسجد الأقدام"، والتي نسبت آثارها أولاً لموسى، قبل أن تتحول النسبة إلى النبي محمد. في زمن الطاعون عام 1348، وبعد صيام ثلاثة أيام، سار سكان دمشق إلى هذا المسجد، حفاة الأمراء، والمسيحيون مع الإنجيل، واليهود مع التلمود، يصلون طلباً للنجاة.

عند محاولة دخول المسجد في زمن المؤلف، وجد بابه مقفلاً، لكن رجلاً عجوزاً بغطاء رأس ممزق ومعطف عسكري قديم فتحه له. أظهر الرجل ضريحاً مقبباً داخل المسجد، حيث كان قبر أحد الباشوات مغطى بثوب أخضر وعمامة. في نهاية الغرفة، كان هناك محراب، وعند قاعدته حجر منحوته وعليه أثر قدم، والذي اعتبره الرجل أثر النبي محمد عندما التفت عائداً نحو مكة. حاول الرجل العجوز أن يشرح بالفرنسية كيف عاد النبي من outskirts دمشق نحو مكة، واصفاً إياه بالعودة العسكرية إلى الخلف ثم الانطلاق بالقدم اليسرى. حاول المؤلف أن يذكر تقليد موسى القديم، لكن الرجل بدا مرتبكاً.

5.دمشق المسيحية67–81▼ ملخص

يبدأ الفصل برحلة الكاتب إلى تلة كوكب، الواقعة على بعد ستة أميال جنوب دمشق، والتي يُقال إنها المكان الذي أصيب فيه القديس بولس بالعمى الإلهي في طريقه لاضطهاد المسيحيين. يصف الكاتب المشهد البسيط لكن القاسي: مزاراً حديثاً للقديس بولس لم يُكتمل بعد، وبقايا كنيسة بيزنطية وقبور يعود تاريخها لألف وأربعمئة عام. يعود الكاتب إلى دمشق عبر طريق القدس، متتبعاً الطريق الرومانية القديمة التي يُفترض أن أتباع القديس بولس قادوه منها إلى المدينة.

يبحث الكاتب في الحي المسيحي عن بيت يهوذا، الرجل الذي نزل عنده بولس بعد إصابته بالعمى. لا أحد يعرف شيئاً عن البيت. كاهن أرثوذكسي يوناني يخبره بأن البيت اختفى منذ قرون، ويسخر من احتمالية أن يكون الكاثوليك قد اخترعوا مكاناً له. لكن الكاتب يكتشف أن التقاليد كانت موجودة بكثرة في الماضي، منها وجود نافورة بالقرب من البيت وعمود قديم يُقال إن حنانيا، شافي بولس، دُفن تحته. بعد شهر، يأخذه تاجر إلى نافذة ويخبره أن بيت يهوذا كان يقف هناك، ويظهر له حائطاً يزعم أنه مليء بالحجارة القديمة. يكتشف الكاتب في النهاية أن البيت الأسطوري يقع في الحي الإسلامي، وقد بُني فوقه مسجد صغير.

يقوده أطفال إلى المكان التقليدي لمنزل حنانيا، وهو كنيسة صغيرة تحت الأرض تعود للشارع الروماني القديم، وربما تكون الكنيسة المبكرة الوحيدة الباقية في المدينة. لكن الكاتب يشعر بالإحباط عندما يكتشف أن صلاح الدين الأيوبي حوّلها إلى مسجد، ثم كشفت حفريات عام 1921 عن بقايا معبد وثني ومذبح مخصص للإله جوبيتر-هدد، ما أثار الشكوك حول صحة التقليد. لكن المؤرخين حددوا تاريخ المذبح بأنه يعود لقرنين بعد المسيح، مما يشير إلى أن المعبد الروماني بُني ربما لطمس المكان المسيحي، مما يعني أن الأطفال الذين يهتفون "أنانيا!" قد يكونون على حق.

يتناول الكاتب بعد ذلك هروب القديس بولس من دمشق عندما حاول اليهود اغتياله، حيث أنزله التلاميذ في سلة من فوق السور. بنيت كنيسة مبكرة قرب باب كيسان، ثم مسجد فوق أنقاضها، واليوم تقع هناك بوابة عثمانية جميلة بنى اليونانيون الكاثوليك تحتها مزاراً للقديس بولس. يصف الكاتب المزار بأنه بسيط لكنه يفتقر إلى الهالة الروحية. تروي التقاليد المحلية قصة القديس جاورجيوس، الحارس الحبشي المسيحي الذي ساعد بولس على الهروب وأُعدم بعد ذلك. قبره في المقبرة المسيحية خارج الأسوار كان مكان حج لقرون.

يزور الكاتب المقبرة مع صديقه جاورجيوس. تصادف وجود امرأة ثكلى تبكي بصوت عالٍ على قبر ابنها. يعلق جاورجيوس بأن البكاء قبيح وعديم الفائدة، وأن القديس جاورجيوس لن يساعد هؤلاء الموتى. يتجولان بين القبور المزينة بصور الموتى، ويقرأان شاهد قبر لفتاة انتحرت لأن أسرتها منعتها من الزواج بحبيبها. تحت الشاهد قصيدة حزينة كتبتها الفتاة قبل موتها.

ينتقل الكاتب ليصف ازدهار المسيحية في دمشق بعد أن دفنت الآلهة الوثنية. كانت الكنائس تملأ المدينة، والأديرة تنتشر في بساتينها. ازدهرت مدرسة دمشق بالجدل الفلسفي حول طبيعة المسيح، بين المؤمنين بالطبيعة الواحدة والملكيين والآريوسيين والمارونيين والنساطرة. لكن لا يتبقى من هذا النشاط اليوم سوى القليل من الحجارة والفسيفساء. ينتقل الكاتب إلى قرى الجبال مثل معلولا التي حافظت على تقاليدها المسيحية بمعزل عن التغيير.

يقرر الكاتب زيارة القرية الجبلية التي سبق أن زارها والتي يصادف أنها في طريقه إلى معلولا. يجد الرجل العجوز الذي تعرض لكسر في ضلوعه قد تعافى، وتدعوه الأسرة للبقاء معهم. يصف أجواء المنزل الدافئة، وتناول الخبز في ضوء الفوانيس، والنوم في غرفة مضاءة طوال الليل.

بعد رحلة شاقة بالدراجة، يصل الكاتب إلى دير سيدة صيدنايا. يصف الدير بأنه مبني على صخرة وقلعة من الحجر الجيري بأعمار مختلفة. تقول التقاليد إن الإمبراطور جستنيان بناه عام 547 بعد أن رأى غزالاً تحول إلى سيدة بيضاء. تدير الدير راهبة كبيرة تتحدث الفرنسية بطلاقة، وتخبره أن حوالي خمسين راهبة يعشن هناك، وأن الجميع يأتون إلى الدير - مسيحيون ومسلمون ودروز - ويُشفى الكثيرون. يقضي الكاتب الليلة في زنزانة بالدير، ويستيقظ لصلاة الفجر، فيصف القداس الأرثوذكسي بأنه طقس غامض ومسرحي، يبقي الله بعيداً في سحابة من الدخان والظل.

بعد القداس، تُريه الأم الكبيرة الأيقونات في الخزانة المقدسة، وتفتح باباً خلف المذبح لتريه تابوتاً فضيًا يُقال إنه يحتوي على أول أيقونة للعذراء والطفل رسمها القديس لوقا الإنجيلي. يصف الكاتب معجزات الأيقونة، وكيف كانت تدمع، وكيف استُخدمت دموعها لعلاج العقم وأمراض العيون. راهبات الدير يبكين ويقبلن الأيقونات، وتسيل الدموع من أيقونتين. تمسح الأم الكبيرة وجه الكاتب بهذه الدموع وتدعو له. تعطيه ميدالية من أيقونة القديس لوقا لحمايته في رحلته.

يصل الكاتب أخيراً إلى معلولا، القرية المعلقة على الجبل والمليئة بالحياة والزهور والكهوف والقباب. الجبال خلفها مشققة بواديين غريبين. تروي الأسطورة أن القديسة تقلا، تلميذة القديس بولس، انشقت الجبال أمامها عندما كانت هاربة من أبيها الوثني. يصف الكاتب دير القديسة تقلا، وهو حديث البناء لكن أساساته يُقال إنها الأقدم في العالم. يزور ممر القديسة تقلا الذي يمر عبر الجبل لمسافة ربع ميل، وعرضه في بعض الأماكن يصل إلى ياردة واحدة فقط، وجدرانه ترتفع لمئتي قدم. في هذا الممر، يسمع القرويين يتحدثون بالآرامية، لغة المسيح، التي كادت العربية أن تمحوها تماماً، لكن معلولا ما زالت إحدى آخر معاقلها في العالم.

يزور الكاتب دير مار سركيس، حيث يعيش كاهن يوناني كاثوليكي، الأب ثيودور أبو حنا. يخبره الأب أن الأيقونة الوحيدة المعلقة في الكنيسة هي أقدم نسخة من أيقونة القديس لوقا الأولى للعذراء والطفل، والتي سرقها الصليبيون من دير صيدنايا وأخذوها إلى روما. يرفض الأب ادعاء راهبات صيدنايا بأنهن يمتلكن الأيقونة الأصلية. يجلس الكاتب مع الأب ورجل القرية المسن، الذي يحاول أن ينطق بالصلاة الربانية بالآرامية، لكنه ينسى بقيتها. يقفون على الشرفة ويطلون على معلولا التي لم تتغير كثيراً في ألفي عام، والطريق الباهت من صيدنايا الذي قد يظن راهب بيزنطي أنه خطى خارج الزمن، والحقول المحيطة بحقول الخشخاش الأحمر التي ترمز للنوم الأبدي.

6.الراية البيضاء82–92▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على لحظة محورية في تاريخ دمشق، وهي الفتح الإسلامي للمدينة عام 634 ميلادية، وكيف تحولت بعد ذلك بعقود قليلة إلى عاصمة الخلافة الأموية. لكن الفصل لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يُقدّم قصة تحول المدينة وهوية حكامها الجدد، من زهد الصحابة الأولين إلى بذخ وطرب البلاط الأموي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فتح دمشق كان بداية عصر جديد، لكنه عصر اتسم بالتناقضات.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من مشهد وفاة النبي محمد في 632م في المدينة، حيث يوضح كيف أن وحيَه بموته الوشيك علّق مسيرة الجيش الإسلامي المتوجه إلى سوريا. ثم ينتقل مباشرة إلى وصف موقعين في دمشق مرتبطين بالفتح: قبر أبي عبيدة بن الجراح، الذي يُقال إنه قائد الفتح، وقبة الشيخ أرسلان. هذا الموقع الهادئ على نهر بردى هو المكان الذي يُعتقد أن الجيش الإسلامي صلّى فيه قبل دخول المدينة.

بعد ذلك، يُفصّل الفصل رواية حصار دمشق. الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيدة و خالد بن الوليد، ويبلغ قوامه أربعين ألف مقاتل، يواجه جيشاً بيزنطياً أرسله الإمبراطور هرقل من أنطاكية. يصف الفصل المعارك بخلفياتها الأسطورية، مثل خدعة خالد لـوِردان القائد البيزنطي، ودور النساء المحاربات. يبقى سقوط دمشق لغزاً، حيث تقول الروايات إنها استسلمت لأبي عبيدة سلمياً، بينما اقتحمها خالد عنوة.

يستطرد الفصل ليحكي قصصاً جانبية مثل قصة أودوكيا و يونس، التي ترمز إلى التحولات الشخصية والمأساوية التي رافقت الفتح، وكيف أسلم يونس بحثاً عن حبيبته. ثم ينتقل إلى الحديث عن المرحلة التالية، حيث يشرح كيف استقر العرب في دمشق بحذر وإعجاب، تاركين إدارتها تعمل كما هي.

لكن سرعان ما ينتقل الفصل إلى نقطة تحول كبرى: انقسام المسلمين بعد وفاة النبي. يصف الفصل الصراع بين الأمويين و الهاشميين، وصولاً إلى مقتل الخليفة عثمان عام 655م، ثم تولي علي بن أبي طالب الخلافة. يذكر الفصل معركة صفين بين علي و معاوية والي الشام، والتي انتهت بتحكيم لم يحسم شيئاً، قبل أن يُغتال علي. هذا الحدث عمّق الانقسام بين السنة والشيعة، حيث يصف الفصل كيف تحولت شخصية علي التاريخية إلى شخصية أسطورية لدى أتباعه.

بعد اغتيال علي، يُعلن معاوية بن أبي سفيان نفسه خليفة ويتخذ من دمشق عاصمة له، مؤسساً بذلك الدولة الأموية. يقدم الفصل صورة مفصلة عن شخصية معاوية، ويصفه بأنه رجل حِلْم وسياسة داهية، مفضلاً الدبلوماسية والرشوة على الحرب. يُظهر الفصل كيف حافظ معاوية على طقوس الدين لكنه تعامل معه بتشكك عملي.

ثم يتناول الفصل عهد يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي الثاني، والذي يختلف تماماً عن والده. نشأ يزيد في البادية ويعشق الصيد والخمر والشعر، ويصف الفصل بلاطه بأنه كان يجمع بين حياة البدو والصيد بالصقور والفهود، وبين حياة القصور الماجنة المليئة بالشعر والموسيقى وحفلات الشرب، حتى أن يزيد اشتهر بـ "يزيد الخمور" وكان له قرد اسمه أبو قيس جلسه نديم في شربه. بهذا الوصف، يختتم الفصل صورته لدمشق التي تحولت من مدينة الصحابة الزاهدين إلى عاصمة مترفة تختلط فيها المقدسات بالملذات.

يقر المؤلف صراحة بأن الروايات الإسلامية عن حصار دمشق متفاوتة، وأن تفاصيل سقوط المدينة تظل لغزاً. كما يشير إلى أن المؤرخين العرب، المنحازين ضد الأمويين، يلوّنون سردياتهم عن بلاط دمشق بما يتناسب مع ميولهم. الفصل لا يخفي أن هذا الترف والخمر كان بمثابة فضيحة أخلاقية للمسلمين الأوائل، وأن النبلاء الأمويين أنفسهم كانوا يوفقون بين واجباتهم الدينية ونزواتهم، مما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى تناقض هذه المرحلة مع مبادئ الإسلام الأولى.

7.جيوش العسل93–106▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل من كتاب “مرآة لدمشق” جانياً مظلماً ومشرقاً من تاريخ الخلافة الأموية، مركزاً على فترة حكم عدد من الخلفاء، وأبرز إنجازاتهم وتجاوزاتهم، حتى بلوغ المدينة ذروة مجدها. يبدأ الفصل بعنفوان العصر، متذكراً البيت الشعري الذي يقرن مجد العرب بالقتل والسيوف. ثم ينتقل مباشرة إلى الجانب المظلم من حكم يزيد الأول، فيروي مقتل الحسين بن علي في معركة كربلاء بصحبة مائتي رجل فقط، وكيف أن الشيعة لا يزالون يحيون ذكراه بتمثيلية سنوية. ويضيف أن يزيد بكى حين أحضر له رأس الحسين إلى دمشق، ووبخ قتلته. ثم يتناول الفصل تمرداً آخر بقيادة الخليفة المنافس ابن الزبير، ويروي قصة دخول الأمويين المدينة المنورة لمدة ثلاثة أيام، وما صاحبها من فظائع مزعومة، ثم حصارهم لمكة التي أمطروها بالصخور حتى اشتعلت الكعبة النار وانشق الحجر الأسود إلى ثلاث قطع. انتهى الحصار بموت يزيد في الصحراء قرب تدمر عن عمر تسعة وثلاثين عاماً، لتحل الفوضى بعده.

يواصل الفصل سرد اضطرابات الخلافة بعد يزيد، فيذكر كيف كادت قوة الأمويين تنقرض قبل أن ينتصر مروان بن الحكم في معركة عند حافة واحة دمشق، لكنه قُتل مخنوقاً بوسادة من قبل زوجة يزيد. يخلفه ابنه عبد الملك بن مروان، الذي تخلى عن تقواه السياسية فور توليه الحكم، وأظهر مزيجاً من الطاقة والتسامح وحب الشعر والمكر. وقد لقب بـ “عرق الحجر” لبخله، لكن مسرحياته السياسية كانت باذخة، كما في حكاية إغرائه لمنافسه عمرو بن سعيد ووضعه في قفص قبل قتله. لمواجهة التحديات، اتخذ عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي أداة عقابية، وهو المعلم السابق الذي صار شبحاً يخوف به الأطفال، ورغم فظاعاته التي تضخمت في كتابات المؤرخين إلى مئة وعشرين ألف قتيل وسجون تسع خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة، إلا أنه اقترن بإصلاحات مالية وريّ، وأسكت الناس.

هذا الجزء يصور مسار الصراع على السلطة بعنف دامٍ، لكنه يخلو من أي حكم أخلاقي من المؤلف. بعد وفاة عبد الملك في عام 705، خلفه ابنه الوليد، الذي يراه الدمشقيون أعظم خلفائهم رغم وصف المؤرخين العرب له بالقصر، وسيلان أنفه، والغرور. يكشف الفصل عن طاقته التي لا تكل وإنسانيته، فيذكر أنه بنى المساجد والمدارس والمستشفيات والحصون، وأدخل إعانات للأيتام وملاجئ للمجذومين والمجانين، وأعطى كل أعمى قائداً وكل أعرج خادماً. ثم ينتقل الفصل إلى مناقشة الشعر في العصر الأموي، الذي كان يمثل أرشيفاً للفكر والتاريخ عند القبائل البدوية. كان الشعراء يحظون بحرية الفكر، مستلهمين ماضيهم الوثني، لكن الفصل يلاحظ أن الإلهام الصحراوي بدأ يذبل بنهاية الخلافة، مختنقاً بمديح البلاط واستعاراته المفرطة، وبفعل اختلاط العربية بلغات الأمم المغلوبة. ولكن، ولعقود، استطاع الأمويون رعاية شعر يجمع بين ذكرى الصحراء وتطبيقه على الحضارة.

قصص البلاط والشعراء تأخذ منحى غرامياً مأساوياً بحكاية الوليد وزوجته التي أحبت الشاعر وضاح في مكة، وتتبعه إلى دمشق، مختبئاً في خزانة ملابسها كلما داهمها زائر. اكتشف الخليفة أمر العاشقين، لكنه بدلاً من المواجهة، أمر بنقل الخزانة إلى غرفته ودفنها في حفرة عميقة، مختتماً القصة باختفاء الشاعر من دمشق دون أن يذكر الحادث مجدداً.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لوصف المسجد الأموي الكبير، معتبراً إياه أكثر بناء إسلامي إثارة للاهتمام في العالم. يروي كيف نقض الوليد الأول عهد خالد بن الوليد للمسيحيين، وهدم كنيسة القديس يوحنا ليبني المسجد مكانها، متجاهلاً تحذيرات الأساقفة بأنه سيصاب بالجنون. استخدم الوليد اثني عشر ألف صانع من بيزنطة، حسب التقاليد الإسلامية، وجلب أعمدة من المدن المجاورة، ونهب توابيت الرصاص من القبور حتى أصابهم الرعب من جثة تدفق الدم من فمها، قيل إنها قبر الملك شاول. أنفق الوليد دخل سبع سنوات على المسجد، ما يعادل حوالي خمسة ملايين ونصف المليون جنيه إسترليني، ورفض الاطلاع على الحسابات لأنه أنفقها لله. يصف الفصل تفاصيل المسجد: الحرم المكون من ثلاث بلاطات، ومئتا قنديل من سلاسل الذهب الخالص، وأرض رخامية بيضاء، وألواح رخامية ملونة تغطي الجدران الرومانية، والفسيفساء الضخمة التي تغطي حوالي عشرين ألف قدم مربع، مع الذهب والأنماط النباتية. ثم يصف الحياة حول المسجد في العصور الوسطى: الرواق المحيط المملوء بالجواهرجيين وصانعي الكتب والزجاج المطلي، والموثقين والمنجمين، ومحلات العطارين، وأكواخ الزهاد والصوفية في المآذن. ويذكر أن للمسجد خواصاً عجيبة، مثل احتوائه على القرآن الأول بخط عثمان بن عفان، وقبر السيدة عائشة، واعتقاد بأن صلاة واحدة فيه تعدل ثلاثين ألف صلاة في غيره، وأن القديس جرجس كان يأتي للصلاة فيه. ثم يستعرض تاريخ الحرائق التي أصابت المسجد في أعوام 1069 و 1400 و 1893. يصف المؤلف جولته في المسجد، متأملاً الأروقة والأعمدة والفسيفساء التي يميل بعضها بزاوية خمس وثلاثين درجة، ويعلق على أن هذه المناظر غير المأهولة هي أقرب ما وصل إليه السوريون لتصوير الكائنات الحية في مساجدهم. يختلف المفسرون حول معناها، بين من يراها تمثل وادي بردى، ومن يعتبرها مشهداً للجنة المفقودة.

بعد ذلك، يتوسع الفصل في وصف مجد دمامةة، فدولتها كانت أكبر من الإمبراطورية الرومانية، وامتدت أسلحتها إلى ضفاف السند وثغور الصين، وأفغانستان التي غزاها جيش باذخ الأسلحة دعي “جيش الطواويس”. في عام 715، تلقى الوليد في فناء المسجد الجامع إشادة من أربعمئة من الأسرى القوط الغربيين الملكيين من إسبانيا. كما جرت هجمات على بيزنطة مرتين في السنة، وفي عام 668 حاصر العرب القسطنطينية، لكنها أنقذت بـ “النار الإغريقية” التي اخترعها مهاجر من دمشق. في دمشق نفسها، كانت النقاء العربي شرطاً للأرستقراطية، وتحول إلى هوس، حيث كان يُشترط في الخليفة أن يكون عربياً خالصاً، وكان اعتناق الإسلام للموالي غير مرغوب به، وكانوا يشكلون طبقة ساخطة إلى جانب المسيحيين واليهود الذين تحملوا ضرائب خاصة ومنعوا من الخدمة العسكرية، لكنهم احتفظوا بأنظمة قضائية خاصة. سوق العبيد كان باذخاً، لكن نظام “أم الولد” قوض تفوق الدم العربي تدريجياً. تحولت دمشق إلى مدينة عربية سريعاً، فأسس عبد الملك أول دار سك إسلامية مستقرة، واستبدلت العربية اللغة اليونانية كلغة حكم، وتغير المظهر الخارجي للمدينة بفضل المهندسين السوريين اليونانيين. يصف الفصل المجلس العام للخليفة بكل بهرجة، لكنه يلاحظ أن الخصيان والحريم المنظمين تعلموا من بلاطي بيزنطة وبلاد فارس، ولم يتبنهم الأمويون بالكامل إلا قبل سقوط خلافتهم بقليل. أما نساء العرب فلم يكن مجرد زينة لأزواجهن، فقد كانت زوجة عبد الملك تدبره بلطف، وامتلكت إحدى الأميرات إسطبلاتها وشاركت في سباقات الخيل، وغزلت بأخرى في شعر عام. يختم الفصل بأن الخلفاء فضلوا الفنون التي جاء بها العرب من الحجاز، متجاهلين وزارة الإسلام الصارمة ومستحضرين أرواح الجزيرة العربية القديمة، وأن الخلافة الأموية حين سقطت، نقلت إلى بغداد بذور ثقافة جديدة.

لا يضع المؤلف تحفظات واضحة على الروايات التاريخية التي يقدمها، بل يسردها كما هي، مشيراً إلى أساطير مثل قصة دفن الوليد للشاعر، وخرافات حول خواص المسجد. كما يترك علامات استفهام مفتوحة حول إعادة بناء الفسيفساء، معترفاً بفقدان إلهام الفنانين الأوائل. يمكن القول إن الفصل يقدم رؤية بانورامية ملحمية للأمويين، تخلو من أي حكم أخلاقي مباشر، وتتأرجح بين إبراز بطشهم وحكمتهم، وتركز على تحول مدينة دمشق إلى مركز إمبراطوري باذخ، سواء في عمارته أو ثقافته أو صراعاته.

8.يموت الشاعر107–119▼ ملخص

يموت الشاعر

هذا الفصل من كتاب "Mirror to Damascus" لكولن ثبرون يتناول موضوعين متشابكين: انهيار الدولة الأموية في دمشق، وتأثير هذه الحقبة التاريخية على روح المدينة وسكانها حتى العصر الحديث. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن تاريخ العنف والصراع لم يندثر، بل ظل حياً في الذاكرة الشعبية والممارسات الدينية وفي طبائع الناس، وأن دمشق تعيش في ماضيها بدلاً من أن تطمسه.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال استعراض الأسباب التي أدت إلى سقوط الأمويين. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى أن إمبراطورية الأمويين لم تكن قوية كما بدت، وأن أعداءهم، وعلى رأسهم الشيعة، لم ينسوا جرائمهم حتى بعد 1200 سنة من انتهاء الحكم. ينتقل بعدها إلى وصف الأضرحة الشيعية في دمشق، مثل ضريح "السيدة زينب" حفيدة النبي، وضريح ابن الحسين داخل الجامع الأموي الكبير، وضريح "سكينة بنت الحسين" في مقبرة باب الصغير. يصف المؤلف زوار هذه الأضرحة، وهم ليسوا كما تخيلهم من الفرسان المتعصبين، بل رجال أعمال أنيقون وفتيات قرويات. يشير إلى أن هذه الأضرحة تحيط بها الغموض، فكثير منها يحمل نقوشاً يُرجح أنها غير صحيحة، مثل قبر يُنسب خطأً لفاطمة بنت محمد. يصف المقبرة كاملةً بأنها مليئة بقبور الصحابة والشهداء الذين أعدمتهم الأتراك، وتظل مكتظة بالنساء السوداوات اللواتي يقرأن القرآن ويعيدن ترتيب أغصان الآس.

ثم ينتقل المؤلف من مشهد القبور إلى صوت الأذان عند الغسق. يقف عند قبر "بلال الحبشي" مؤذن النبي الأول، ويصف كيف تتصاعد أصوات الأذان من مساجد دمشق المختلفة، وكيف تتشابك وتنتشر. في خياله، يمتد هذا الصوت ليعبر الحدود، فيبلغ قيليقيا والأناضول واسطنبول، ثم يعبر إلى بلغاريا ويوغوسلافيا، ويصل إلى مكة والمدينة والقاهرة، ثم ليبيا وتونس والمغرب، وحتى البرازيل وسنغافورة وإندونيسيا. يعود بعدها إلى الواقع ليطلب منه متسول صدقة، فيعطيه قطعة نقدية أكبر مما كان ينوي.

بعد هذا المشهد الصوفي، يقدم المؤلف تحليلاً تاريخياً لسقوط الأمويين. يذكر أن الشيعة كانوا أول من قوض حكمهم، وأن المؤرخين شوهوا سيرتهم بعد سقوطهم. لكنه يضيف أن الحكام الأمويين، في مجملهم، كانوا متسامحين وذوي عقلية منفتحة، وحكاماً أذكياء. يمر على عدد من الخلفاء: سليمان بن عبد الملك الذي حكم سنتين ونصف، وكان محباً للشعر والنساء والطعام حتى مات بداء السمنة بعد أن أكل سبعين رمانة وخروفاً وستة دجاجات. يليه عمر بن عبد العزيز الزاهد الناسك الذي صهر الحلي الذهبية للمسجد وألبس الخرق، ومات مسموماً عن عمر 39 سنة. ثم يزيد الثاني الذي هام حباً بجاريته "حَبَّابة" حتى إنها ماتت بعد أن رمى في فمها نواة رمان، فمات بعدها بأيام من الحزن. وهشام بن عبد الملك الذي حكم 19 سنة، وشهدت ولايته صعود حركة العباسيين. وأخيراً الوليد الثاني الشاعر الخليع الذي رمى المصحف بالنبال وأرسل جارية سكرى لتؤم الناس في الصلاة، فقتله الناس بعد عام واحد. يختم القسم التاريخي بذكر معركة الزاب شرق دجلة حيث هُزم الأمويون، وسقوط دمشق في 26 أبريل 750 الموافق 14 رمضان تحت قيادة جيش عباسي قوامه ثمانون ألف مقاتل. يصف المذبحة التي تعرض لها الأمويون في البصرة وفلسطين والحجاز، وهروب حفيد هشام إلى الأندلس، وكيف نبشت قبور الخلفاء وأُحرقت جثة هشام. يذكر أن قبر معاوية بن أبي سفيان لايزال في دمشق، لكن موقعه الحقيقي غير مؤكد، وأن قبر يزيد بن معاوية دُمر تماماً بحجارة الشيعة حتى لم يعد أحد يذكر مكانه.

بعد هذا السرد التاريخي، ينعطف الفصل نحو الحاضر. يقترح المؤلف أن الأمويين ربما ورثوا لدمشق حباً للترف والموسيقى والملابس الفاخرة، وأن الدمشقيين لايزالون يتمتعون بهذه الصفات. يصف لقاء رجلين سمينين في أحد الأزقة يتبادلان التحية بطقوسية وكياسة. يذكر أن حلب تتهم دمشق بالكسل، لكن الدمشقيين يردون بأن الحلبيين بلا ذوق.

ثم ينتقل الفصل إلى تجربة شخصية للمؤلف. حلق له حلاق وحذره من العداء لاسمياً لإنجلترا، ثم رشح له رجلاً طيباً اسمه باهينا للسكن معه. يقيم المؤلف في شقة لعائلة باهينا في "الشارع المستقيم". يصف أفراد العائلة: إلياس باهينا النجار الضخم واللطيف، وزوجته أم توني التي تُدعى باسم ابنها البكر رغم أنها لا تحبه، وابنتها راهدة الصبية المرحة التي تهيمن على إخوتها. يصف الحياة اليومية في المنزل: أم توني تمشط شعرها، والأجداد يدخلون في المساء لشرب القهوة، والأقارب يتناقشون بصخب دون أن يكون الأمر يستحق كل هذه الضجة. إلياس يعد بأن يشتري بيتاً أكبر، ويحكي كيف ضرب مشرفاً فرنسياً في لبنان فهرب إلى دمشق، وكيف سرق هو ورفاقه من الجنود الإنجليز خلال الحرب، ويعود ليقول بأسى إنه كان يجب ألا يضرب ذلك الفرنسي.

يختتم الفصل بمشهدين عن الحياة في دمشق. الأول: مؤلفه يقابل رزوق، وهو شاب دمشقي يصف كيف أن أخاه انضم للجيش المسكور رغم كرهه له لأنه لم يحصل على درجات جيدة في الثانوية، ولا توجد وظائف في البلاد. رزوق نفسه يتحدث عن رغبته في مغادرة دمشق إلى أوروبا، لكنه يشعر أن أصدقاءه يعتبرونه خائناً لمجرد أنه تحدث عن إيطاليا. المشهد الأخير: رزوق يخبر المؤلف أن أربعة من أصدقائه سيغادرون إلى باريس، لكنه يعترف بأنهم لن يحصلوا على الطوابع اللازمة في جوازات سفرهم، وينتهي قائلاً بمرارة: "إنهم يتحدثون كلاماً فارغاً". ويعلق المؤلف بأن الكلام الفارغ، هنا أكثر من أي مكان آخر، هو علاج المرارة والملل.

ما يقدمه الفصل هو سرد تاريخي غني بالتفاصيل عن سقوط الأمويين، لكنه يربط هذا الماضي البعيد بحاضر دمشق من خلال وصف الأضرحة وصوت الأذان وطيبة الناس وكرمهم، ولكن أيضاً من خلال شعورهم بالحصار وفقدان الأمل. لا يقدم الفصل إجابة واحدة قاطعة، بل يترك القارئ مع إحساس بأن دمشق مدينة تحمل في شوارعها وأضرحتها وأهاليها طبقات متراكمة من التاريخ والمجاز والحلم والمرارة.

10.تحت حكم الملوك العبيد124–142▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل فترة حكم المماليك (الملوك العبيد) لدمشق، وهم طبقة من العبيد الجنود الذين استولوا على السلطة في مصر وسوريا. الموضوع المحوري هو تحول هؤلاء العبيد إلى حكام، وكيف شكل إرثهم العنيف والبارع في آنٍ واحد هوية المدينة وطابعها المعماري وذاكرتها المحلية. يقدم المؤلف إجابة ضمنية مفادها أن هذه الفترة، رغم ما شابها من عدم استقرار سياسي ووحشية، كانت حقبة ازدهار تجاري وديني فريد، لكنها انتهت بكارثة الغزو التيموري التي مزقت المدينة إرباً.

يسير الفصل زمنياً وعبر الأمكنة، متنقلاً بين السرد التاريخي للوقائع الكبرى والتأمل في الآثار المعمارية. يبدأ ببزوغ نجم السلطان بيبرس، ذلك العبد التركي الذي بيع في سوق دمشق بثمانمئة قطعة فضة. يصف المؤلف كيف تحول بيبرس إلى قائد عسكري بارع بعين واحدة، شارك في هزيمة المغول في معركة عين جالوت قرب الناصرة، ثم اغتال السلطان قطز لينفرد بالحكم سبعة عشر عاماً. يوضح الفصل أن إنجازه الأكبر كان توحيد مصر وسوريا وتحصين دمشق وقلعتها، إلى جانب تدمير نصف مملكة الصليبيين. يستخدم المؤلف وصف قبر بيبرس، الذي كان في الأصل بيتاً لأسرة صلاح الدين الأيوبي، ليجسد التناقض بين الإرث الفخم الذي تركه الحاكم وقسوته الوحشية، مستشهداً بمذبحة ألفي أسير من صفد. يقف المؤلف في القبر، وسط مخطوطات المكتبة الوطنية، ليتأمل ذلك المزيج من الجمال والبربرية.

ينتقل السرد بعدها إلى الروتين اليومي لدمشق تحت حكم المماليك، الذين حكموا من القاهرة وزرعوا عدم الثقة في حكام دمشق المحليين. يورد المؤلف مقتطفات من يوميات تاريخية تصف حياة المدينة في تلك الفترة: أخبار سقوط عكا، وإصلاح القلعة، وحملات صلاة الاستسقاء على جبل قاسيون، وأسعار الخضروات، ونوبات البرد القارس. ثم يصف الغزو المغولي الثاني بقيادة غازان، حيث انقسم الدمشقيون بين التعاون والمقاومة، مما أسفر عن ذبح مئة ألف شخص. يشير المؤلف إلى أن الدمشقيين نجوا بتكيفهم وازدهارهم، فطوروا صناعاتهم الفاخرة من السيوف الدمشقية والمنسوجات والنحاس المطعم بالفضة، حتى أن الأوروبيين القلائل الذين اخترقوا المدينة أُبهروا ببضائعها. يلفت النظر إلى أن الحرفيين عاشوا على حافة المجاعة رغم ثراء المدينة، متجاهلين في قبورهم التي تظهر "بؤساً في البناء".

يخصص الفصل مساحة لوصف الطقوس الدينية والاجتماعية، مثل عودة قافلة الحج السنوية التي كانت تغمر المدينة بعشرة آلاف جمل، وتجلب حجاجاً من أقصى بلاد الإسلام. يحلل المؤلف الانحطاط المعماري للمماليك، واصفاً إياه بـ"العاهرات المعمارية" التي استبدلت التناسق الحجري القديم بالزخارف المتكلفة والإطارات الملونة. يتجول في أحياء مثل الميدان ويصف مدارس مثل السباعية ذات المئذنة المتضخمة والمذابح الصليبية المحصورة فيها. يزور مسجد يبلغا، المهمل والمتداعي، حيث لا يزال شريط الكتابة الرقيق يرقص على جدار القبلة تحت طبقة من الجص.

يختتم الفصل بوصف كوارث عصبية، حيث ثار الدمشقيون على حاكم حلب، فأحرق السلطان أحياء من المدينة. لكن اللحظة الأكثر فظاعة تأتي مع تيمورلنك، الذي لم يتمكن من اقتحام دمشق إلا بالخيانة. يصف المؤلف مشهداً لا يمحى من الذاكرة حيث أُحرقت المدينة ثلاثة أيام وليالٍ، وحُشر ثلاثون ألف رجل وامرأة وطفل في المسجد الأموي ليلقوا حتفهم في النيران. نُقل كل ذكر نجا يزيد عمره عن خمس سنوات عبودية إلى سمرقند، وتُركت دمشق بين بساتينها كجثة جبل، يسكنها أطفال صغار. يترك هذا المشهد النهائي سؤالاً مفتوحاً حول قدرة المدينة على النهوض مرة أخرى، وهو سؤال يجيب عنه التاريخ في فصول لاحقة.

11.التركي الذي لا يوصف143–154▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تجربة الكاتب الشخصية في دمشق، متتبعاً مسارين متوازيين: الأول هو الحياة اليومية لعائلة الباهينا المسيحية في يوم عيد الميلاد، والثاني هو التأمل في التاريخ العثماني للمدينة وتراثها الصوفي، وخاصة طقوس الدراويش المولوية. يقدم الفصل صورة معقدة لدمشق، مدينة تتعايش فيها التقاليد الدينية المتنوعة مع الذاكرة التاريخية المؤلمة، وتستمر فيها الممارسات الروحانية رغم محاولات القمع.

يبدأ الفصل بمشهد حيوي في منزل عائلة الباهينا في يوم عيد الميلاد. يثير الكاتب نقاشاً حول تيمورلنك، فيرد إلياس، رب الأسرة، بحماس عنيف، مشيراً إلى أن التتار أقاموا في دمشق وتركوا وراءهم أبناءً، وهو ما يفتخر به الدمشقيون على طريقته الخاصة. يصف الكاتب تفاصيل العيد البسيطة في المنزل: شجرة عيد الميلاد الصغيرة، هدايا الأطفال الرخيصة المصنوعة في الصين واليابان، ودهشة الأطفال باللعب الميكانيكية. يُظهر إلياس امتنانه العميق للكاتب، ويطلب منه عناوين ليكتب إليه كل عيد ميلاد. يغادر إلياس إلى بيروت لرؤية ابنه، وتبقى أم توني في المنزل، حزينة لغيابه. في المساء، تخرج أم توني ألبوم صور قديم، وتتأمل صورها وهي شابة في السابعة عشرة، وتندب فقدان جمالها وشبابها بعد ستة أطفال وحمل جديد.

ينتقل الكاتب من دفء المنزل إلى فضاء المدينة والتاريخ. يذكر أن دمشق لم تدمّر بالكامل بعد تيمورلنك كما يعتقد البعض، بل أعاد المماليك بنائها. لكن التجارة تراجعت بسبب اكتشاف البرتغاليين للطريق البحري حول أفريقيا، وفقدت دمشق صناعة السيوف الفاخرة. مع قدوم العثمانيين بقيادة سليم الأول عام 1516، أصبحت سوريا تحت الحكم التركي لأربعة قرون. يصف الكاتب سوء الإدارة العثمانية، حيث شهدت المدينة 133 حاكماً مختلفاً في أول 184 عاماً من الحكم التركي. تحولت الخانات التي كانت تستقبل قوافل التجارة إلى أسواق صامتة، وتقلصت البضائع الفاخرة، وأصبحت تجارة القهوة والتبغ هي السائدة، كما أن افتتاح قناة السويس قضى على أهمية الطرق الصحراوية.

يتأمل الكاتب في التراث المعماري العثماني، فيصف التكية السليمانية التي بناها المعماري سنان بأمر من السلطان سليمان القانوني، والتي حوّلها الجيش الآن إلى متحف أسلحة. يصف أيضاً خان أسعد باشا وخان الزيت والمدرسة السليمية المهجورة، مظهراً كيف تتداخل الحياة اليومية مع المعالم التاريخية، حيث تحول الحمامات إلى مغاسل والمدارس الدينية إلى مشاغل للأساتذة. يلاحظ الكاتب أن المساجد العثمانية، المستوحاة من آيا صوفيا، تعبر عن الخضوع والقدرية، وتختلف عن الكنائس الأوروبية التي توقظ الخيال.

يتعمق الفصل في عالم التصوف الإسلامي والطريقة المولوية أو الدراويش الدوارين. يتحدث الكاتب عن كيفية تطور التصوف في وجه العداء من فقهاء الإسلام الصارمين، وصولاً إلى حالة الحلول والاتحاد مع الله. يزور الكاتب شيخاً للدراويش في منزله، محاطاً بصور جلال الدين الرومي والدراويش ذوي اللحى المهيبة. يظهر التناقض في شخصية الشيخ: فهو رجل دين متصوف، لكنه في الوقت نفسه يصف أطفاله بإشارات جسدية فجة، قائلاً إن لديه اثني عشر طفلاً، ستة منهم ذكور يمكنهم أن يصبحوا دراويش.

في ذروة الفصل، يدعو الشيخ الكاتب لحضور طقس الدوران. يصف الكاتب تفاصيل الطقس بدقة: ارتداء الدراويش للجلباب الأبيض والعباءة السوداء، ثم خلع العباءة والبدء بالدوران البطيء الذي يقلد دوران الأفلاك. تخلع الأيدي وتنفتح كبتلات الزهرة، والنخلة اليسرى تتجه للأعلى لتلقي البركة واليمنى للأسفل لتمريرها للأرض. يتصاعد الأنين والإيقاع حتى يصل البعض إلى حالة من الوجد الشديد. يجذب الكاتب ابن الشيخ خارجاً، فيواجهه رجل غاضب يصف الطقس بأنه همجي وليس من الإسلام. بعد انتهاء الطقس، يعود الكاتب لغرفة الشيخ حيث يبدو الدراويش قلقين من المتاعب التي قد يسببها هذا الرجل لهم، متسائلين كم من الوقت سيبقى بإمكانهم الدوران قبل أن يجبروا على السرية. يختتم الكاتب بالتساؤل عن رأيه في المشهد، معترفاً بأنه لا يملك جواباً جاهزاً، وأن صورة الشيخ بقبّعته ونظارته وعباءته كانت تخيم عليها ذكريات حديثه الفج عن النساء والأطفال، مما يخلق شعوراً بالارتباك وعدم اليقين.

12.الموت الأبيض155–164▼ ملخص

يبدأ الفصل بعرض تناقض حاد: دمشق، المدينة التي تبدو في أوقات الخطر مهيبة، كانت في فترات السلام الطويلة تحت الحكم العثماني تعاني من ذل أعمق من كوارثها السابقة. يصف الكاتب فترة الركود العثماني التي شهدت تحول طرق التجارة نحو حلب، وانسداد المدينة أمام التجار الأوروبيين الذين لم يُسمح لهم بالإقامة داخلها، واضطرار المسيحيين واليهود إلى السير في مجاري المياه وارتداء ملابس خاصة. يصف الحياة اليومية: المقاهي على ضفاف بردى التي لا يكاد فيها رنين فناجين القهوة يقطع الهدوء، حيث كلمة همس قد تسقط باشا أو تقتل أميراً. يصف ملابس التجار المزركشة كطيور برازيلية، والإنكشارية الذين تدهورت كفاءتهم في نهاية القرن الثامن عشر، ورجالاً حليقي الرؤوس باستثناء خصلة شعر يتشبثون بها ليمسك بها ملاك الخلاص يوم القيامة. النساء يخرجن تحت غطاء الإزار المتكامل، وأحذيتهن الصفراء تعطيهن مظهر بطة ضخمة، وأحياناً تمشي خلفهن جواري نوبيات لا يُميز منهن إلا بياض العيون.

يتناول الفصل بعد ذلك حكام دمشق، مشيراً إلى قلة من كانوا يمارسون الحكم بكفاءة وضمير وسط تخلف مزمن وفساد مستشري. من بينهم أسعد باشا العظم، الذي يعتبره الدمشقيون أدهى حكامهم، والذي ظل والياً لمدة أربعة عشر عاماً، وهي مدة استثنائية. يروي الفصل كيف بنى أسعد باشا قصره عام 1749، وهو القصر الذي لا يزال قائماً. استمر البناء لأشهر استخدم فيها كل النجارين والبناءين في المدينة، وحُوّلت المياه من المساجد والبيوت لري حدائقه الجديدة، وجُلبَت أعمدة كلاسيكية من أطلال درعا وبصرى الرومانية، وحُوِّر مجرى نهر بانياس لاستخراج أرضيات قديمة من قاع النهر. يصف الكاتب القصر بتفاصيل حية: مدخله المهيب، تصميمه السوري الكلاسيكي بأفنيته، الحرملك للسكن والسلاملك لاستقبال الضيوف. يروي كيف احترق جناح السلاملك عام 1925 أثناء الثورة ضد الفرنسيين، وكيف أن النار طالت الزخارف والأثاث لأيام، لتطهر المكان مما يصفه الكاتب بـ"تفاهات الباروك"، وتعيده إلى بساطته الأولى. يتجول الكاتب في القصر، الذي أصبح متحفاً للفنون والتقاليد الشعبية، ويصف تماثيل الشمع المنتشرة، وعروسة في ثوب أزرق ملكي، والمحمل، القبة الخضراء والذهبية التي كانت ترافق الحجاج إلى مكة. يصف سيوف دمشق النادرة، المصنوعة قبل عهد تيمورلنك، والتي كانت حادة لدرجة أنها تشطر ورقة تسقط في الهواء أو تقطع فارساً مصفحاً، لكنها تبدو في واجهة القصر المظلم هشة، مصقولة ومموهة بالذهب.

بعد سبع سنوات من إتمام قصره، عُزل أسعد باشا وغادر دمشق بمرارة، فأطلق سراح المساجين قبل رحيله، فانفجرت المدينة في فوضى عارمة. يتصارع الإنكشارية والدروز والقوات المختلفة في الشوارع، وفي الوقت نفسه تعرضت قافلة الحج لهجوم بدو، فنهبت وابتلعت في الصحراء حيث مات عشرون ألف شخص عطشاً أو تحت سيوف البدو. اتُهم أسعد باشا، ربما ظلماً، بتحريض البدو، وفي عام 1758 خُنق في الحمامات العامة في أنقرة بأمر من الباب العالي. ينتقل الكاتب من قصر الباشا إلى البيوت الدمشقية القديمة التي تعكسه على نطاق أصغر. يصف الواجهات الفقيرة التي لا تخفي شيئاً عن جباة الضرائب العثمانيين، والممرات المظلمة المنعطفة التي تصد النظرات الفضولية، ثم الصدمة الحسية للفناء الداخلي بنافورته وأواني النباتات ورخامه ورائحة أشجار الفاكهة. يصف بيت الموالد، النموذج الباروكي في دمشق، بجدرانه المرصعة بالرخام الملون وأقواسه المزخرفة ولوحاته الجدارية لقبور وأشجار سرو إسطنبول. لكن جوهر البيت الدمشقي، كما يرى الكاتب، هو البساطة، ورفاهيته الحقيقية هي الماء والظل. يصف بيت السبع بأبوابه المطعمة وألوان أسقفه الهادئة، وقصر الدهده في الحارة اليهودية القديمة، بجدرانه المطعمة بالجص الملون وعملاته القديمة وتماثيل حثية.

يصف الفصل الحياة المنزلية التي تغيرت للأبد. قبل خمسين سنة فقط كان الرجل يستطيع أن يتزوج أربع نساء ويملك جواري، أما الآن فله زوجة واحدة فقط. لم يعد هناك حريم في دمشق. كان الجواري فلاحات أجنبيات يبعهن آباؤهن الفقراء. يصف الكاتب جمالهن المتفنن في ملابسهن الحريرية، وغصونهن المزينة بالعملات الذهبية واللؤلؤ، وكيف كن يمضين وقتهن في حمامات معطرة يتناولن الحلويات ويتحاسدن. يتناول أيضاً قسوة معاقبة الزوجات العصيات في العصر العثماني، والعار الذي يلحق برجل يذكر اسم نساء مسلم. يستشهد الكاتب بقصة راهب إسباني، القس فير مونرو، الذي زار دمشق عام 1833 ووصف جمال النساء بوله، لكنه ترك المدينة "بخيبة أمل ممزوجة بالأسف"، متهماً إياها بالفسق. يرد الكاتب بأن دمشق كانت في الواقع مدينة محافظة أخلاقياً لأجيال، حيث كانت المرأة غير المحجبة تُعتبر عاهرة وتُعدم دون محاكمة، ويُروى أن فتاة رفعت نقابها أمام فرنسي عام 1818 فرمى ألباني عابر رأسه بالرصاص ومضى في طريقه.

ينهي الفصل بالإشارة إلى التغيير الوحيد الذي حدث في أربعة قرون من الحكم العثماني، حين دخل إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا المصري، دمشق عام 1832. خلال السنوات العشر من الحكم المصري المستنير المتأثر بفرنسا، مُنع حمل السلاح، وسُوّي المسيحيون واليهود بالمسلمين، ودخل الأجانب بملابسهم الأوروبية. لكن الدمشقيين استاؤوا من التغيير، وطردوا إبراهيم باشا وعادوا تحت الحكم العثماني. يصف الكاتب كراهية الأجانب العميقة في دمشق، والعزلة التي فرضتها جبال لبنان بينها وبين تأثير البحر المتوسط المتحضر، وانفتاحها على الصحراء من الشرق مما جعلها جسراً يحول المحاربين والبدو إلى تجار وحرفيين. يعدد ثورات الدمشقيين: ضد مجرد احتمال قدوم قنصل بريطاني، وضد خطة لتنظيف شوارع المدينة لأنها بدعة أوروبية، فاقتحموا الوالي التقدمي في قلعته وألقوا رأسه فوق أسوار دير الفرنسيسكان وعليها بطاقة مكتوب عليها: "هذا صديقكم". يختم الفصل بمذبحة عام 1860، حيث قام الدروز بتحريض من إسطنبول بإبادة القرى المارونية في لبنان، ثم امتدت الفتنة إلى مسلمي دمشق فاجتاحوا الحارة المسيحية. استمر القتل ثلاثة أيام، واحترقت الكنائس الرئيسية، وقُدر عدد القتلى بـألفين وخمسمائة رجل. تدخل عبد القادر الجزائري ورجاله لإنقاذ المسيحيين، وأرسل السلطان وزير خارجيته ليحقق العدالة، فأُعدِم الوالي ورئيس الشرطة ومئة وخمسون آخرون، وتدلت جثثهم من المشانق في شوارع المدينة لأيام. أُعلن لبنان دولة منفصلة تحت إدارة خاصة ضمن الإمبراطورية العثمانية، وهدأت أوروبا.

13.مجموعة من الفتيان الطائشين165–182▼ ملخص

يُقدّم هذا الفصل من كتاب "مرآة إلى دمشق" لمؤلفه كولن ثابرون لمحةً عن تاريخ المدينة من خلال عيون الرحّالة والزوار الذين قصدوها عبر القرون، من أوائل الحجاج المسيحيين في العصور المظلمة حتى السياح المنظمين في القرن العشرين. الموضوع المحوري هو تحوّل نظرة الزائر إلى دمشق، من التقديس الديني والرهبة إلى الفضول العلماني والاستشراق الرومانسي، وأخيراً إلى السياحة السريعة والسطحية. لا يُقدّم المؤلف إجابةً محددة بقدر ما يرسم صورة متغيّرة للمدينة كما رآها الآخرون، معتمداً على وصف انطباعاتهم وتفاصيل رحلاتهم.

يسير الفصل ترتيباً زمنياً تقريبياً، فيبدأ بالرحّالة الأوائل الذين كانت دوافعهم دينية بحتة. يذكر الأسقف الغالي أركلف في عام 670 ميلادية، الذي سجّل ببساطة أن ملك الصراصين (معاوية) قد استولى على الحكم وبنى كنيسة. ثم ينتقل إلى القديس ويليبالد الذي زار المدينة ورأى كنيسة تحوّل بولس. ينتقل الفصل بعدها إلى الرحّالة العرب في العصور الوسطى، وهم أكثر انطلاقاً وملاحظة. يصف مكادسي في القرن العاشر مناخ دمشق الحار وسكانها المضطربين، بينما يصفها ابن جبير في زمن صلاح الدين بأنها "جنة الشرق"، مفصلاً زيارته للمسجد الأموي قبل تدمير تيمورلنك له، ومستغرباً عادات الدمشقيين كالمصافحة. أما ابن بطوطة، فقد عاد إلى دمشق بعد واحد وعشرين عاماً في خضم الطاعون الأسود عام 1348 ليجد أن ابنه الذي ولد له فيها قد مات قبل اثني عشر عاماً.

يتطرق الفصل إلى الرحّالة اليهود، كبنيامين التطيلي الذي وصل عام 1160 ورأى في المسجد الأموي "جداراً من الزجاج" وعظماً ضخماً. ثم يذكر كاتب رحلات شهيراً هو السير جون ماندفيل، الذي مزج الحقائق بالخيال في وصفه لأراضٍ بعيدة، معتبراً دمشق معروفة أكثر من أن يُخترع عنها القصص. يختتم قسم العصور الوسطى بذكر ثلاثة حجاج توسكانيين عام 1384، الذين وصفوا أسواق دمشق وطعامها، لكنهم عانوا من مضايقات وإهانات السكان، بما في ذلك رشقهم بالحجارة والبصق عليهم، قبل أن يغادروا تاركين اثنين من خدمهم ميتين بالطاعون.

بعد صمت دام خمسين عاماً بعد تيمورلنك، يصل يوهان شيلتبرجر، المرتزق البافاري، الذي روى كيف أحرق أو اختنق ثلاثون ألف شخص في المسجد الأموي، وكيف بنى المغول ثلاثة أبراج من رؤوسهم. ثم يصل برتراندون دو لا بروكيير عام 1432، وهو فارس واقعي، قدّر عدد سكان المدينة بمئة ألف، ولاحظ مستعمرة التجار الإيطاليين والفرنسيين. ويذكر أرقاماً ضخمة عن قوافل الحج، مثل سبعمئة ألف شخص يغادرون دمشق سنوياً. يليه أرنولد فون هارف الألماني عام 1499، الذي كان دليلاً للحجاج، يحدد المسافات بين الأماكن المقدسة وعدد أيام الغفران التي يمكن جمعها.

مع بزوغ عصر النهضة، يتحول اهتمام الرحّالة من الحج إلى التجارة والاستكشاف. يمر الفصل على شخصيات مثل لودوفيكو دي فارتيما الذي اعتنق الإسلام مؤقتاً، وويليام ليثغو الاسكتلندي الذي وصف الأتراك بخشونة لكنه اعتبر دمشق "أجمل مكان في آسيا". ويبرز بيترو ديلا فالي الإيطالي الرومانسي، الذي اشترى مخطوطات عبرانية من السامريين في ضواحي المدينة، ثم توفيت زوجته الحامل في الخليج الفارسي فطاف بها محنطة في نعش. ويصف الفصل أيضاً الراهب البرتغالي سيباستيان مانريك الذي اختبأ في قبو تسعة أيام، وقتل لاحقاً في لندن وطاف في نهر التايمز بصندوق خشبي.

يتناول الفصل رحّالة القرن السابع عشر الأكثر دقة كموسيو دي تيفينو، الذي دخل القلعة ونظر إلى المسجد الأموي، ولاحظ عادات لا تزال موجودة كزيارة النساء لقبور أزواجهن يوم الخميس. تبعه شوفالييه دارفيو، سفير ملك الشمس، الذي اهتم بأساطير الجنة. ثم هنري موندرل، القس الإنجليزي، الذي وصف دير سيدنايا بدقة. يُشير الفصل هنا إلى ظاهرة التأليف دون سفر، مثل تشارلز تومسون الذي خلط رحلات غيره في كتابه. يختتم هذا القسم بذكر بوكوك، وكارستن نيبور، وفولني، الذين مثّلوا ظهور الرحالة الجنتلمان في القرن الثامن عشر، الذين يقيسون الأعمدة ويتأملون هوية المدن القديمة.

يصف القرن التاسع عشر بأنه زخة من الرومانسيين. تبرز الليدي هيستر ستانهوب التي دخلت المدينة المحجبة على ظهر حصان، وركبت مئة ميل عبر البرية إلى تدمر. ثم يذكر لامارتين الذي اشترى جوادين أبيض وخوخي اللون. ومع منتصف القرن، أصبح السفر مقبولاً للسياح الأثرياء، فجاء ميشو، وجيمس سيلك باكنغهام الذي حظي بمقابلة الباشا، وألكسندر كينغليك الذي رأى دمشق أكثر أماناً من أكسفورد. ينتقل الفصل إلى أربعينيات القرن التاسع عشر، حيث يظهر لايارد، مكتشف نينوى لاحقاً، وفيكونت كاسلريه الغاضب. تظهر أيضاً رحّالات مثل هارييت مارتينو العملية، والأميرة ترلفولتشي دي بلجيويوسو التي استأجرت راقصتين بدينتين.

يصف الفصل شخصيات غريبة تعلّقت بالشرق، مثل بوركهارت السويسري الذي دخل مكة، والسير ريتشارد بورتن الذي أصبح قنصلاً بريطانياً في دمشق عام 1868، وعاش هناك مع زوجته إيزابيل. كان بورتن متعدد اللغات وغريب الأطوار، وجلس على سطح منزله مع الأمير عبد القادر والليدي إلينبورو التي تزوجت شيخاً من تدمر بعد سلسلة زيجات فاضحة. بينما كان العرب يحبون بورتن، تمت إقالته عام 1871.

يختتم الفصل بالحديث عن تحول المشرق إلى أرض سياحية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ظهور توماس كوك. يذكر مارك توين الذي جاء على متن الباخرة "كويكر سيتي" عام 1867، ووصف الدمشقيين بأنهم "أبشع الأشرار". ثم تشارلز دوگتي الذي عاش في دمشق لدراسة العربية قبل أن يغامر في صحراء الجزيرة العربية. ويختتم الفصل بشخصيات القرن العشرين، مثل غيرترود بل، وجون دوس باسوس، وهيلير بيلوك، وفريا ستارك المريضة. يُنهي الفصل بذكر الشاعر جيمس إلفروي فليكر الذي كتب قصيدته عن دمشق عام 1912، وموريس باريس الذي وقف على جبل قاسيون عام 1914 واصفاً دمشق بأنها "بلاد الخيال"، ليكون آخر زائر تحدث عن اكتشاف "شرارة صوفية" في الشرق. ويختتم الفصل بملاحظة أن السياح اليوم يمرون بدمشق في يوم واحد مرشد، ويغادرون دون كدمات غوتشي أو وجع قلب إيزابيل بورتن.

14.الأقليات183–190▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوع الأقليات الدينية والعرقية في مدينة دمشق، مبيّناً كيف أن التقسيمات التاريخية للمدينة لا تزال قائمة رغم مرور ألف عام. يصف الكاتب كولن ثابرون المشهد الديني والعرقي في دمشق، مركزاً على اليهود والمسيحيين والعديد من الفرق الإسلامية مثل العلويين والإسماعيليين والدروز والكرد. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الجماعات تعيش في جيوب منفصلة إلى حد كبير، وأن هوياتها استمرت عبر قرون من التغيرات السياسية والصراعات، محافظةً على تقاليدها وذاكرتها الجماعية، حتى وهي تتقلص أو تندمج أو تهاجر.

يبدأ الفصل بوصف حي اليهود (حارة اليهود) الواقع جنوب شرق دمشق، ويذكر أن عدد سكانه من اليهود انخفض من أربعة عشر ألف نسمة في عام 1947 إلى حوالي أربعة آلاف فقط. يشرح الكاتب أن هذا الانكماش يعود بشكل رئيسي إلى الهجرة إلى فلسطين، ويصوّر أجواء الحي الهادئة والمتداعية، حيث لا شيء يُرمم وتُغلَق الأبواب بسرعة لاستقبال الأطفال من المدرسة. ينتقل بعدها إلى قرية دُوَير الواقعة على بعد ميلين شرق المدينة، حيث كان يوجد معبد يهودي يُعتقد أن إيليا (إلياهو) مسح فيه أليشع (إليشع بن شافات). يكتشف الكاتب أن معظم باحة المعبد قد تحولت إلى مدرسة للاجئين الفلسطينيين، ويصف لقاءه مع المعلمين الذين أعربوا عن كراهيتهم لإنجلترا بسبب وعد بلفور، ويصرحون بأنهم يعلّمون الأطفال "أن يكرهوا". يُظهر هذا الجزء من الفصل التوتر السياسي والديني العميق، واستخدام الذاكرة التاريخية والدينية كأداة للصراع.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن المسيحيين، الذين يشكلون حوالي عشرة بالمائة من سكان دمشق (نحو خمسة وستين ألف نسمة). يوضح الكاتب أن أغلبيتهم العظمى تنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والكنيسة الكاثوليكية اليونانية، وأن حيهم الرئيسي يتركز في منطقة باب توما والقصاع. يصف الكاتب الكنائس المختلفة، بدءاً من كنيسة القديس سركيس (سركيس) الأرمنية الأرثوذكسية التي تقلص عدد أتباعها من سبعة عشر ألف إلى خمسة آلاف بسبب دعوة الروس للعودة إلى أرمينيا، وصولاً إلى كنيسة القديسة مريم (كاتدرائية السيدة العذراء) الأرثوذكسية اليونانية. يروي الكاتب حواراً مع البطريرك السرياني الذي يعلن أنهم لا يحملون كراهية للمسلمين، وأن مئة عام كافية لنسيان الماضي، في إشارة إلى مجازر الستينيات من القرن التاسع عشر. ويختتم القسم المسيحي بوصف مقبرة بروتستانتية صغيرة تضم قبر المؤرخ هنري توماس باكل الذي توفي عام 1862، وقربانه الكونتيسة هارلي تيليكي التي أوصت بالدفن بجانبه.

في الجزء الأخير، يتناول الفصل الأقليات داخل المجتمع الإسلامي نفسه. يصف الكاتب وصول نحو أربعة آلاف علوي إلى دمشق، ويشير إلى الافتراءات التي تُقال عن دينهم، والذي يصفه بأنه فرع باطني من الشيعة متأثر بالمسيحية والوثنية. ثم يذكر الإسماعيليين وبعض الشيعة الذين ما زالوا يمثلون مسرحية عاشوراء سنوياً. ينتقل إلى الكُرد الذين استوطنهم صلاح الدين الأيوبي (وهو كردي نفسه) على سفوح جبل قاسيون، ويصف حيهم (الأكراد) وطقوسهم السابقة من ذبائح وطقوس خارقة. أخيراً، يكرس الكاتب مساحة واسعة للدروز، واصفاً إياهم بأنهم أجمل شعب في دمشق بملامحهم الأوروبية وعيونهم الزرقاء، وأن نساءهم مشهورات بالعفة حيث تقدم العروس لزوجها سكيناً في ليلة الزفاف لتأكيد طهارتها. يناقش الكاتب فرضية أصلهم الصليبي، ويرفضها استناداً إلى روايات المؤرخين التي تفيد بوجودهم كطائفة متميزة قبل الحملات الصليبية، لكنه يعترف بأن الإغراء بالعودة إلى تلك الفرضية كبير بسبب ملامحهم. يشرح طقوس دينهم السري الذي لا يطلع عليه إلا واحد من كل سبعة دروز (العُقّال)، وإيمانهم بتناسخ الأرواح حيث حلّ الله في المسيح وعلي والخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي سيعود ليقود مؤمنيه.

يمكن القول إن الفصل يقدم بانوراما إثنوغرافية لدمشق، لكنه لا يخلو من بعض الملاحظات القابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالتعميمات حول "الكراهية الغريزية" لليهود أو وصف الكرد والمجموعات الأخرى بصفات جامدة. كما أن التركيز على الصفات الجسدية للدروز وافتراض أصلهم الصليبي، رغم نفيه، قد يُقرأ كإسقاط ثقافي أكثر منه تحليلاً موضوعياً. النقطة الجدلية المركزية هي العلاقة بين الذاكرة التاريخية والصراع الحاضر، حيث يظهر أن الطوائف المختلفة تحتفظ بجراح وروايات متضاربة حول نفس الأحداث، مما يجعل التعايش السلمي هشاً ومشروطاً بنسيان انتقائي.

15.الصوف191–197▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف الأزقة الضيقة والمتعرجة في أسواق دمشق، التي أذهلت المسافرين لقرون. يوضح المؤلف أن الدمشقيين، وهم رجال أعمال بالفطرة، يفتخرون بأسواقهم، بينما يشعر الغربيون بخيبة الأمل غالباً، لأنهم يطلبون من البضائع الشرقية ما لا يطلبونه من بضائع بلادهم. ففي دمشق، كما في معظم مدن الشرق الأوسط، كل سوق أو حتى حي بأكمله، مخصص لمنتجات معينة.

يميز حي النجارين في الحارة المسيحية الخشب المطعم، لكن المؤلف يأسف لأن فن التطعيم الحقيقي قد مات، مخلفاً وراءه حرفة رديئة تفتقر إلى الدقة والمتانة. يتم لصق شرائح طويلة من خشب الجوز والمشمش وعظام الجمل وخشب الورد، ثم تُقطع شرائح رقيقة توضع على الأسطح الخشبية وتزين بقطع من صدف اللؤلؤ المستورد من الكويت أو أستراليا، والنتيجة هي طاولات قهوة وطاولات طاولة زهر (تريك-trac) وصناديق ومقاعد مضلعة تسمى كراسي. يلاحظ المؤلف أنه لقرون لم يطرأ أي أثر للخيال الجديد على التصاميم القديمة.

أما حب الدمشقيين للتطعيم فقد بقي حياً في النحاس المموج بالفضة أو النحاس الأصفر، وهي حرفة احتكرها اليهود. لكن الفن بلغ ذروته في أواخر العصور الوسطى، والآن تبدو الصواني و أسطح الطاولات المطعمة بشكل كثيف، بنقوشها و أشكالها البارزة، ثقيلة ومتكلفة بالنسبة لمادتها. يجد المؤلف أن النحاس الأصفر يمنح جمالاً أكثر من النحاس الأحمر لدقائق الزخرفة الإسلامية.

يستذكر المؤلف لقاءه مع رجل عجوز في متجر في الكيمارية، كان ينقر على وعاء نحاسي ويؤكد أن أجداده كانوا يعملون في المعادن. يتذكر المؤلف القانون الوسيط في المدينة الذي كان يلزم الابن بمتابعة حرفة والده كضمان لجودة الصنعة. كان العجوز يستغرق أحيانًا خمسة عشر يوماً لإنهاء طبق صغير، وكان يتحدث عن أجداده بفخر كأنهم مازالوا يراقبونه. يرى المؤلف أن تاريخ أعمال النحاس في دمشق قديم جداً لدرجة أن ادعاء الرجل لم يقتصر على قرون قليلة من الحرفيين الموتى، بل أحيا آلاف السنين من عمال المعادن، من عصر الصليبيين إلى عهد دقلديانوس وحتى العصر الأموري.

لكن المؤلف يرى أن كل هذا التاريخ لم يجدِ نفعاً، فالتصاميم المتقنة التي ينقشها إزميل النحاس تُبذل بفعل تطعيمها بفيض من الفضة والذهب، ونادراً ما تُصنع قطعة بشيء من الإتقان القديم. تبدو الصواني والمزهريات على جدران المئات من المتاجر وكأنها أصيبت بيرقان معدني من بعضها البعض. بالنسبة للأجانب، لا أمل في تجنب الشراء، فالبائعون المسيحيون يتبنون السياح ويسعرونهم بأسعار مرتفعة بكاريزما وحيوية. يكرر كل صاحب متجر أن أسعاره هي الأرخص في دمشق، ويعد بالشحن إلى جميع أنحاء العالم، ويذكر أن قطعتي ديباج دمشقي أرسلتا هدية إلى الملكة العام الماضي.

تتناثر الأقمشة الملفوفة على عدادات المحلات، وتذهل العين بألوانها النارية، المنسوجة بأنماط من الفضة أو الذهب بأسلوب يسمى داماسين. أجملها هي تلك المنسوجة يدوياً من الحرير الخالص، بتصميم رائع وملمس ناعم. تُستورد أصباغها من ألمانيا، لكن تصاميمها تدّعي نسباً إلى العهد العثماني المبكر وما قبله. ترتديها سيدات أوروبا منذ ثلاثة قرون قبل أن تصبح أقمشة التفتا والحرير المبروم موضة، وقد أسعدت أذواق سلاطين المماليك وكست أكتاف تيمورلنك الخشنة. يحذر كل بائع المشتري من أنه تعرض للغش لدى بائع آخر، ويدّعي أن أقمشة الآخرين خشنة ومصنعة آلياً.

غرب القوس الروماني الثاني، يضيق الشارع المستقيم. يلتقي الحي المسيحي بالحي الإسلامي عند متجر يعرض صوراً للسيدة العذراء وأبطالاً إسلاميين وتمائم ضد العين الشريرة. ثم يسقف الشارع بسقف مموج تثقبه أشعة الشمس، وتحت هذا السقف توجد محلات البقالة وبائعي حصير البوادي والشموع للقديسين المسلمين. تنعطف أسواق أخرى شمالاً، وبالقرب من سوق الحرير القديم يوجد سوق البزورية للبهارات والعطور والحلويات. يبدو السوق وكأنه يتمتع بجودة سعيدة متبقية، ورائحة مقهى الأعشاب. عطور غراس وأمستردام تقف بجانب ماء الورد الدمشقي الذي يباع بسعر مضاعف. يتساءل المؤلف عن عدد حقول الورود المذبوحة التي تطارد الزجاجات الصغيرة.

يجلس باعة العطور بهدوء وابتسامة، لكنهم بمجرد أن تقترب منهم، يصبحون متنبهين ومتعددي الأيدي. يتم تعطير معصميك بخشب الصندل والمسك والعنبر وخلاصات البنفسج والياسمين وزهر البرتقال المستخلصة في دمشق. تشارك القهوة والحلويات الدمشقية العطور في سوق البزورية، وقد تظل الأفضل في العالم، فالفواكه المسكرة مغموسة في السكر لدرجة تشبع أشد الأسنان الشرقية حلاوة، وتعبأ في صناديق خشبية مستديرة، خلفاء لـ البرونا و الكوتانا الرومانيتين.

شمالاً عبر السوق، تختفي أكياس المشمش المجفف والجوز المقشر التي تقف في الشارع. يجلس الجواهريون في متاجر صغيرة ذات واجهات زجاجية، وبضائعهم متطابقة تقريباً، كل واجهة مزينة بأساور مرصعة بالتركواز ودبابيس بلا أسلوب وخواتم من العقيق والألكسندريت بأحجام كانت ستعيق إمبراطوراً من مغول الهند. يقول المثل: "فن المجوهرات وُلد في حلب، وكبر في القاهرة، وجاء إلى دمشق ليموت".

يلتقي السوق شمالاً بجدار الجامع الأموي. يمتد سوق الحميدية، مركز التسوق العصري في دمشق. في الظل والنور الذي يسقفه سقفه المثقوب، تبيع المحلات منتجات غربية وأقمشة سورية وتشكيلة متنوعة من التحف الشرقية الرخيصة التي تعلق على ذوق السياح: فوانيس ملونة، وخناجر فضية، وسجاد صلاة مصنوع آلياً. مخزون محلات التحف هو خناجر عثمانية متأخرة وأواني أوبالين صينية من الدرجة الثانية، لكن أحياناً تضطر عائلة غنية إلى بيع فضتها أو زجاجها. الفضة العتيقة محبوبة، فالقطع المصنوعة قبل ستين أو سبعين عاماً، من مزهريات وطبق وبقايا خدمة قهوة، غالباً ما تكون منقوشة بشكل رائع بطيور الجنة وأزهار.

سوق الحميدية متقاطع مع أزقة، هناك سوق للنرجيلة وشارع تفرش فيه السجاد على الأرصفة لتلمعه الأقدام المارة. يجمع أصحاب المحلات القطع بسعر رخيص من أهل الريف، معظم سجادهم عمره خمسون أو مئة عام، اشتري في وقت كانت التجارة مع إيران أكثر حرية، وقد عانى بعضها من الأصباغ الأنيلينية. لكن يمكن شراء دوزار أو زارونيم جيد بسعر أقل من سعره الأوروبي، وفي بعض المحلات تختبئ أكوام تبريز الناعمة أو سجادة التوت الأرستقراطية من أصفهان. يلمس سوق الحميدية إلحاح لا تبالغ فيه الأسواق الأخرى، ربما بسبب تجارة السياح، لأن الدمشقيين يقولون إن العجلة مكتوبة على حافر الحمار. يدفع الباعة الجائلون الملابس إليك، ويعزف باعة المزامير في أذنك. يقف رجل في الشارع يبيع سراويل يدعي أنها من نسيج التويد الإنجليزي. في الصيف، يقف باعة الزهور في السوق، ويصرخون فجأة "اهدِها لحماك!" أو يتجولون في الشوارع حاملين أذرعاً مليئة بالورود وهم يغنون "يا عطر! روائح الجنة، عطرك!" يجذب باعة الشربات الانتباه بقرع وعائين معدنيين معاً، يملؤون الليمونادة أو الماء من أوعية فضية مربوطة على صدورهم، أو يتجولون في الأزقة بصوت حزين "برد على قلبك!".

أسواق دمشق أحزن من غيرها، لأن جمال الماضي قد تدهور بدلاً من أن يختفي. في الخطوط المريضة للنحاس والبرونز، تجلس أشباح أعمال التطعيم الجميلة من القرون الماضية، والشفرات الدمشقية المشهورة؛ ولا بد أن أرواح مئات الزجاجين القدامى ينظرون إلى الأسف إلى الزجاج الحديث. لمدة مئتي عام، كان التغيير يعني انحسار البراعة الفنية، والثبات يعني التمسك الراكد بالماضي. في أحسن الأحوال، يتم استنساخ أعمال الأساتذة القدامى بشكل خنوع. الحرف نفسها، لم تعد نفعية، تتضاءل إلى تجارة سياحية. نزاهة الأسواق تدعمها شوارعها المتواضعة، في الجلود والسراجات الصادقة في سوق الصرورية، حيث يشتري البدو الحبال واللجم، ثم يمشون إلى سوق الفاكهة والخضار خارج الأسوار. هنا، في معمل الشمس، تسحق العربات التي تجرها الخيول طريقها عبر أهل الريف مع البغال والحمير؛ رجال بعربات من الجبن الضخم؛ وطي مشمش كامبردين؛ وصواني رؤوس ماعز منزوعة الجلد تحدق في بعضها البعض بعيون غائمة؛ وعلى طول جانب الطريق، في المحلات المفتوحة، وميض الحدادين ودق مطارق التجار.

عند مدخل الشارع المستقيم، يوجد سوق القميلة، سوق لبيع الملابس المستعملة. تتجمع العائلات الفلاحية هنا من جميع أنحاء البساتين. تتسلل مجموعات أخرى من شمال سوريا والبادية وحوران وجبل الدروز. فلاحو البساتين والبدو السوريون هم نوع عرقي مميز، بوجوه طويلة وأنوف بارزة، وأذقان وجباه منخفضة تنحدر بشكل حاد - وجه متوسطي يشتركون فيه مع العرب. ملامح سكان دمشق الحضريين أكثر تعقيداً وتنوعاً. أساسهم هو السكان الأصليين ذوي الرؤوس العضدية والأموريين. ثم جاء الحثيون والآراميون والفلسطينيون (شعب إغريقي مبكر) والغزاة بلاد ما بين النهرين والفينيقيون العرضيون، الذين جلبوا معهم خليطاً عرقياً من الزوجات من جميع أنحاء البحر المتوسط. تسرب البدو من الصحراء على مدى آلاف السنين. من هذا المزيج، مع قليل من السكوثيين الناهبين، جاء الدمشقي قبل الكلاسيكي. عبر العصور الهلنستية والإسلامية، تم امتصاص مئات السلالات من الدماء الآسيوية والأفريقية والأوروبية في الشرايين - من اغتصاب المغول وزواج الترك إلى تدفق اللاجئين الفلسطينيين. ربما لا توجد مدينة أخرى تغذي مثل هذه الفوضى البشرية. قد تنظر إليك امرأة بعيون عسلية أو رمادية شاحبة، أو بنظرة داكنة تشبه الأقباط المرسومين على الجداريات؛ قد يكون وجه الرجل شاحباً مثل المغولي أو داكناً مثل السعودي، وشعره أحمر فاتح، وأطفاله أشقر مثل الملائكة. السود هم من نسل عبيد البدو أو النوبيين عند الأتراك. الفتيات من الطبقة العليا، ورثات مشية ونظرة المحظيات الشركسيات، ما زلن يتباهين بشعر جداتهن الوفير.

يصف المؤلف كيف بدا أن آلاف السنين قد اختلطت في السوق، ورأى وجوهاً تشبه الوزراء الآشوريين من نقوش نينوى، وآلهة سومرية تطلب مبالغ طائلة مقابل صدريات مستعملة، وملك بابل يبيع الشربات في الشوارع. فيما يرتدي رجال الريف الكوفية والسراويل الشروال والسترة الغربية، تختلف أزياء زوجاتهم من قرية إلى أخرى. تختلف ألوان الملابس والزينة وفقاً للمنطقة، فنساء قرى البساتين يرتدين الأسود والأزرق، ونساء وادي بردى يرتدين الفساتين المزهرة، ونساء مناطق الحجانه يرتدين الزعفران والوردي الصادم، وفتيات حوران يرتدين عصابات رأس معدنية. تنضج نساء الفلاحات ويذبلن مبكراً، بينما الفتاة الحضرية ناعمة وزيتونية البشرة، غالباً ما يكون وجهها مغطى بحجاب من النايلون الأسود الثلاثي. من الصحراء يأتي البدو من قبيلة الرولة، وهم شعب نشيط، ودمشق منفتحة دائماً لتأثيرهم. يبيع الرجال الصوف ويشترون القهوة، وتتبعهن النساء بصمت، غالباً ما يقفن أطول من أزواجهن، وأذقانهن موشومة بنجوم زرقاء. يلاحظ المؤلف أن المزارع لم يعد يغار من الراعي، فقابيل يقبل هابيل بدون حقد ويدفع له بضع قروش مقابل صوفه.

16.وجوه وأشياء كانت تمر198–213▼ ملخص

يستكشف هذا الفصل الحياة اليومية في دمشق من خلال مذكرات شخصية، مسلطاً الضوء على التفاصيل الصغيرة واللقاءات العابرة التي تشكل صورة المدينة. يقدم المؤلف هذه الانطباعات باعتبارها لا تقل أهمية عن الأحداث الكبرى، معترفاً بأن المذكرات قد تكون أنانية، لكنها تلتقط الفوضى الجميلة التي تصاحب الحياة السعيدة.

يبدأ الفصل بوصف رحلة قطار الشرق السريع، ثم ينتقل إلى أولى ذكريات دمشق: البحث عن جامع مخصص لإطعام القطط، والذي يُعتقد أنه دُمر بالقصف الفرنسي. يشرح المؤلف نظام الوقف الإسلامي، حيث يترك الأثرياء أموالاً لبناء وصيانة المساجد والمدارس حول قبورهم، مع تفضيلهم لسماع الصلاة وتلاوة القرآن على قبورهم، بينما يعد خرخرة القطط نزوة نادرة. تروي العائلات الدمشقية القطط باعتبارها نصف خرافة، ويعتقد البعض أنها قد تحتضن الجن، مما يثير احتراماً حذراً. حتى أن هناك رواية تقول إن النبي محمد أحب القطط، وعندما نامت إحداها على عباءته أثناء صلاته، لم يزعجها بل قطع جزءاً من ردائه وتركها نائمة. يصف المؤلف مشاهد من مساجد القطط في حلب وطرابلس، حيث تتجمع القطط في أوقات محددة لتناول الطعام. كما يذكر وجود وقف مخصص لطائرين ديكين في دمشق، وهو مؤسسة تقية لأن صياح الديك يوقظ المؤمنين لصلاة الفجر، ويمازح بأن البراغيث تؤدي نفس الوظيفة المقدسة مع ميزة الاتصال الوثيق، لكنه لم يعثر على وقف مخصص لها رغم كثرتها.

في 22 أكتوبر، يعود المؤلف إلى المنزل ليجد حمامة اشترتها أم طوني من باب القديس بولس لتسمينها للعشاء، لكن الابن الأصغر يريد الاحتفاظ بها كحيوان أليف، مما يثير مشاجرة. في 24 أكتوبر، تضطره الحمامة للبحث عن حمام عام، فيصف واحداً من أقدم حمامات دمشق والذي بُني بعد عهد صلاح الدين الأيوبي. يصف طقوس الحمام: الدخول عبر غرف تزداد حرارة وبخاراً، حيث يُغسل ويُفرك بقفاز من وبر الجمل، ثم تُشد أطرافه في جحيم منظم. الجزء الممتع هو ما بعد الحمام، حيث يمكن الاستلقاء على الأرائك وشرب القهوة. يصف الكبكبات، وهي أحذية خشبية طويلة كانت ترتديها النساء، بارتفاعات مختلفة حسب المكانة الاجتماعية: ست بوصات للجارية، واثنتا عشرة بوصة للسيدة النبيلة.

في 30 أكتوبر، يتجول المؤلف ليلاً في دمشق، واصفاً أزقتها الضيقة وأقواسها وجدرانها المليئة بالأبواب في ضوء القمر. يجلس حراس الجند في زوايا الشوارع، مألوفون وموثوقون بأحذيتهم الثقيلة ومعاطفهم. تنتشر الكلاب، التي تنام نهاراً في الحقول والخرائب، ليلاً لتلتهم أكوام القمامة. لكل مجموعة كلاب منطقتها، وتحدث معارك بين كلاب الحي اليهودي وشارع المستقيم. يذكر أن حمل فانوس كان إلزامياً في دمشق لقرون، وإلا كان الشخص يُعتبر لصاً. يصف أسلوب الزفاف القديم الذي يبدو أنه يندثر، حيث كانت المواكب تتقدمها الشموع والطبول، وتُحمل العروس تحت مظلة وحجاب أحمر. في حي المسلمين، كانت الشوارع تغمرها أشعة القمر، ويعتقد البعض أن 70,000 قديساً و700 شهيد يتحللون تحت الإسفلت والخرسانة، لكن الدمشقيين يقولون بحكمة "الله أعلم". يصعد الجبل عبر صالحية، حيث هبت رياح حادة من لبنان، ويذكر أنه في خسوف القمر، كان الأكراد يخرجون ويضربون القدور والمقالي اعتقاداً منهم أن حيواناً يأكل القمر.

في 2 نوفمبر، يزور المؤلف الكنيسة الأرمنية ليرى اللوحات الجدارية غير المميزة. يشرح أن الإسلام لا يمنع تصوير الحياة الحيوانية صراحة، لكن التقاليد الإسلامية تحدد أن الملائكة تمر بالبيت الذي يحوي صوراً، وفي يوم القيامة "ويل لمن صور كائناً حياً". هذا التحريم يغطي خوفاً قديماً ورد فعل ضد عبادة الأصنام قبل الإسلام. كان الفن الإسلامي المبكر أكثر حرية، حيث زينت راقصات بأصابع قدم مطلية ألواح قصور الصيد الأموية، لكن بحلول القرن التاسع، طُردت هذه المشاهد، وتحول الفنانون إلى التصاميم الزهرية والهندسية. ومع ذلك، أدخل الدمشقيون الفوضويون زخارف طبيعية في أعمالهم الصغيرة: رموز فلكية على المخطوطات والنحاس، وحيوانات في العاج، وأسود طينية، وخيول، وأبقار، وأقفال على شكل حيوانات تنتظر المفتاح بأفواهها المفتوحة. لكن رغم وجود الحيوانات في مخابئ غريبة، لا تكاد توجد صورة إنسان في المدينة المسلمة بأكملها.

في 8 نوفمبر، يرسل المؤلف صندوقاً مرصعاً إلى إنجلترا، ويظن صاحب المتجر أنه يرسله إلى صديقة، فيخبره أنها مربيته البالغة من العمر 80 عاماً، فيصر صاحب المتجر على إرسال هدية صغيرة مع الصندوق وكتابة ملاحظة، متسائلاً عما إذا كانت مربيته جميلة. في 13 نوفمبر، يتساءل المؤلف عن موقع القنصلية البريطانية الأولى في دمشق، والتي كانت مكاناً جميلاً بفناء مرصوف بالرخام طوله 48 ياردة، مزروع بأزهار الألماس وعسل الهند، ومحاط بنقوش قرآنية. يصف القنصل الفرنسي الذي كان يلعب الورق مع ابنة مالكه اليوناني، والقنصل الإنجليزي الذي كان يرعى أقفاص الطيور، وفي بيت البواب نعامة كانت تفحص الزوار. يتساءل كيف أطعم القنصل النعامة، ويكتشف أنها تشتهر بابتلاع المواد الغريبة. يخمن أن القنصل عاد إلى إنجلترا على عجل أثناء الحرب العالمية الأولى عندما تحالفت الإمبراطورية العثمانية مع ألمانيا، وأن النعامة حُبست في القنصلية لتدمير الأرشيف، فتناولت البلاط والجص والحديد والزجاج والنقوش القرآنية، وبحلول 1918 مع وصول القوات البريطانية إلى واحة دمشق، كانت النعامة قد فكت القنصلية وأظهرت نفسها للعامة. لحم النعام محرم على اليهود لكن ليس على السوريين، ووصل الجنرال اللنبي متأخراً.

في 18 نوفمبر، يندفع إلياس ويعلن أنه باع المنزل ووقع عقداً بسعر عادل، لكن زوجته أم طوني لا تعلم بعد، ويشعر بالقلق من رد فعلها. في 19 نوفمبر، يرى المؤلف مجموعة كاملة من أدوات طب الأسنان الرومانية وكأساً زجاجياً خفيفاً. يذكر أن معظم القطع الأثرية لا تبقى في دمشق، بل تتدفق إلى بيروت، لأن الحكومة تشتريها بتقييمها الخاص. يبحث عن قطع من البلاط المزجج بألوان المحيطات الزرقاء والخضراء والبنفسجية التي اشتهرت بها دمشق، لكنه لا يجد شيئاً للبيع في المدينة بأكملها. يشير إلى أن متحف فيكتوريا وألبرت ومتحف الفنون الزخرفية قد يحويان بلاط دمشقي أكثر من جميع مساجد المدينة.

في 22 نوفمبر، يعلن إلياس أنه لن يبيع المنزل، لأنه طلب رؤية العقد مرة أخرى ومزقه. تجلس أم طوني تبدو واجبة، وتشك فيما إذا كان البقاء جيداً حقاً، ويعاودان النقاش طوال الليل. في 29 نوفمبر، يركب المؤلف دراجته إلى البساتين عبر مزارع التين، ويلاحظ ندرة الطيور حيث يطلقها الفلاحون للطعام. يصل إلى جسرين في الغوطة الشرقية، وهي قرية نائمة كان يمر بها طريق روماني، وأعمدتها القديمة تدعم مساجدها. كان المؤلف أول أوروبي يزور جسرين منذ سنوات، ويجلس تحت شجرة توت وحشية مع المدرسين الذين تركوا فتياتهم، ويتشاركون المعلومات عن التوابيت البيزنطية والنقوش الغامضة.

في 3 ديسمبر، يُحاط المؤلف بالجنود في الصحراء شرق دُمير أثناء تصويره للمدينة الرومانية. يُحتجز في غرفة الحراسة، ويتصل جندي بضابط. يصل ضباط برتب متزايدة، وأخيراً يظهر ضابط تدرب في مدرسة المشاة البريطانية في وارمنستر، ويعتذر بشدة ويطور الفيلم في مختبراته العسكرية. بعد ساعة، يظهر فيلم المؤلف الذي يظهر معبداً رومانياً ورأس خروف في منظر صحراوي. يشتبه به لأنه يشبه معسكراً عسكرياً سورياً، لكن الضابط يؤكد أخيراً أنه رأس خروف.

في 10 ديسمبر، يحاول المؤلف الكتابة دون نجاح، فتأتي أم طوني كل ساعة بفنجان قهوة صغير أو طبق من البنجر المسكر، وتقبل صور العذراء على بطاقات عيد الميلاد، ويسكب القهوة على مذكراته. تهرب رضا من المدرسة وتجلس خارج بابه تتظاهر بأنها قطة، وتعاود ترتيب ملاحظاته وتطلب ممتلكاته، ثم تعيدها بيد حزينة بعد غضب أم طوني وإلياس. في 11 ديسمبر، يزور المؤلف متحف دمشق، أحد أكثر المتاحف إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط، والذي بني عام 1936. يصف اللوحات الجصية من دورا أوروپوس على الفرات، وهي أقدم اللوحات المعروفة لشخصيات توراتية، مع شخصيات ذات عيون سوداء وأيادٍ تعبر عن الدهشة. تتراوح ملابسهم بين السراويل الفارسية والسترة اليونانية. في الحديقة، تقف بوابة قصر الحير الذي بناه هشام في الصحراء شمال شرق تدمر، مع أبراج على الطراز الروماني مغطاة بالجص، وأسود ووجوه قردة مطلية بالأصفر. المتحف مليء بالمفاجآت: أبجدية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد بالحروف الفينيقية على لوح حجري، ومصباح روماني على شكل فيل، وطاولة عاجية مستديرة من قصر أوغاريت الملكي، وقناع خوذة فضي من قبر سوري روماني قرب حمص، وتماثيل من المرمر من ماري. في قاعة تدمر، أعيد بناء قبر يرحاي من القرن الثاني الميلادي، لعائلة عربية ثرية. ينظر من الجدران أكثر من 70 وجهاً منحوتاً، ويرحاي متكئ كملك في مؤخرة قبره، وأقاربه جالسون حوله، ووعاء خمر في يده. تعابير وجوههم متماثلة ومذهلة، وكأن عيونهم وقعت على ميدوسا سماوية، لكن ملامحهم قادرة وجادة، وملابسهم يونانية لكن المجوهرات الثقيلة وأغطية الرأس النشوية تكشفهم.

في 13 ديسمبر، يسأل رزوق المؤلف إذا كان يريد مشاهدة فيلم، وعادة ما تكون الأفلام أمريكية أو هندية أو مصرية. قامت "جمعية أصدقاء الفضيلة" بالتحريض ضد تأثيرها المفسد وحاولت منع النساء من مشاهدتها. يجلسان في سينما عارية حديثة وسط حشد من النساء الملتحفات، وتضاءل الحفيف وأكل الحمص والصراخ بتقديم النصائح للشخصيات على الشاشة. تتمحور القصة حول بطلة تجوب الصحراء تغني بفستان من الشيفون وتطاردها ستة أشرار يريدون قتلها. في 20 ديسمبر، تأتي حياة والدة مصطفى من الأشرفية لترتيب جلسة استماع في المحكمة لقضية إصابة والدها بسيارة أجرة. تسير خلف المؤلف بأربع أو خمس خطوات وتحدق في كل سيارة تراها بذنب جماعي. قصر العدل لا يوحي بالثقة، فاصطدما بقطيع من البدو يرفعون رؤوسهم مناشدين الله، وجنديان يسوقان فلاحاً بأصفاد ضخمة، ونساء سوداوات يملأن القاعات، وأمهات درزيات جاثمات على الدرج يرضعن أطفالهن. يقف المؤلف خلف حياة كتهديد للقضاء الدولي، ويغادران القصر بعد ساعة بموعد لجلسة استماع بعد وقت طويل، ولا يعرف النتيجة أبداً.

في 23 ديسمبر، يحل شهر رمضان، شهر الصيام، حيث يمتنع المسلم من الفجر حتى غروب الشمس عن الطعام والشراب والتدخين والنساء. يستبدل مدفع الإفطار بالساعات والأجراس في المدينة. يزور المؤلف صديقاً يرفض الإفطار حتى يشاركه وجبته، ويصف مقاربته لرمضان بمزيج من التقدير والاستياء، مذكراً بالأغنية المغربية التي سمعها جيد. في 30 ديسمبر، يقول أحدهم إنها قد تثلج. سمع المؤلف أن الثلج يتساقط أحياناً من لبنان، لكنه لم يتوقعه أبداً. في العهد العثماني، كان البريد يلتقط مسافرين متجمدين على طريق بيروت، وفي فصول شتاء غريبة، كسر الثلج أسقف أسواق دمشق. لكن الثلج لم يأت أبداً. في 31 ديسمبر، ليلة رأس السنة، يشعر المؤلف بالحزن، ويقول إلياس إنه اضطراب متكرر في العام الجديد. يجلسون حول موقد الزيت، وأطفال في الفراش ما عدا سناء البالغة من العمر ست سنوات، التي تغفو على الأرض ويدها في يد المؤلف. تحاول رضا الحياكة دون نجاح، تتنهد أم طوني وتلومها. يسأل المؤلف إلياس عما يأمله في العام الجديد، لكنه يلجأ إلى إرادة الله، وهي شيء محبط في دمشق. يقول المؤلف مستشهداً بالكتاب المقدس حيث لا رؤية يهلك الشعب، فيرد إلياس نصف نائم أنهم سيمتلكون منزلاً آخر يوماً ما، ربما العام القادم أو بعده، وسيكون للجميع غرفة خاصة.

يعترف المؤلف في النهاية بحدود معرفته، مثل عدم العثور على جامع القطط أو الجزم بمصير الدعوى القضائية، ويترك أسئلة مفتوحة حول مصير الأسرة وبيتهم.

18.القمر على الرخام219–265▼ ملخص

يستكشف هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «القمر على الرخام»، الوجوه المتعددة لمدينة دمشق في ستينيات القرن العشرين، كما رآها الكاتب وعاشها. الموضوع المحوري هو التناقض الصارخ بين جمال دمشق التاريخي والأسطوري من ناحية، والواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتقلب والمحبط لسكانها من ناحية أخرى. يقدم المؤلف صورة لمدينة تعيش في حالة من الانفصام بين ماضٍ عريق وحاضر مضطرب، وبين حلم الوحدة العربية وتفكك المجتمع المحلي، وبين التقاليد العريقة والتحديث المتعثر.

يبدأ الفصل بمقولة شعبية فكاهية عن أن الشيطان نزل إلى الأرض سبع حقائب من الأكاذيب، ونام في سوريا فانفتحت الحقائب هناك، مما يرسخ صورة الدمشقيين كشعب مخادع. ثم ينتقل الكاتب إلى حوارات حية في مقهى مع شخصيتين هما رزوق وتوروس، حيث يتبادلان الاتهامات حول من يكذب أكثر (العراقيون أم اللبنانيون)، ويكشفان عن تحيزات قبلية عميقة تجاه الشعوب العربية الأخرى؛ فالمصريون «غير صالحين»، والأردنيون «بدائيون»، واللبنانيون يغشون. هذا النقاش يعكس حالة الانقسام والتناقض في مفهوم القومية العربية، التي تبقى حلماً جميلاً ولكن تطبيقه محكوم بآلاف التفسيرات المختلفة.

يتعمق الكاتب في الحياة السياسية المضطربة، مشيراً إلى أن دمشق شهدت خمسة عشر انقلاباً بين عامي 1949 و1966، وأن الجيش أصبح متشابكاً مع الحكومة المدنية بشكل لا ينفصل. الحزب الأقوى هو حزب البعث، لكنه منقسم على نفسه بين يساريين ومعتدلين. يصف الكاتب حادثة مروعة في عام 1962، عندما شهد إطلاق نار على طلاب تظاهروا للمطالبة بالوحدة مع مصر في بلدة قرب درعا، مما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة نساء. هذه الحادثة تُظهر كيف أن الحماسة السياسية، التي تغذيها إذاعة القاهرة، تتحول إلى مأساة في مجتمع نصف متعلم ويعاني من البطالة والتهميش.

ينتقل الوصف ليصور التحول العمراني في دمشق. فالمدينة الحديثة «تقتطع» من القديمة بشراهة، وتختلط فيها ناطحات السكن الجديدة مع الأسواق القديمة، والفلاحات المنتقبات مع سيدات لبنانيات أنيقات في سيارات أمريكية. الكاتب يصف الأطراف الشرقية للمدينة بأنها «حزينة»، حيث تنتشر المصانع والمنشآت الصناعية في القابون وكفر سوسا ودومر، لتحل محل البساتين والجمال الطبيعي. حتى نهر بردى، الذي كان مقدساً، أصبح ملوثاً. هذه الثورة الصناعية، وإن وعدت بالثراء، فهي تقضي على الحرف اليدوية القديمة وطابع المدينة الشخصي، وتخلق طبقات اجتماعية جديدة بعيدة عن العلاقات الإنسانية القديمة.

في الجزء الأخير من الفصل، ينتقل الكاتب إلى العلاقات الشخصية. في وداعه مع عائلة أم توني ورزوق، يظهر شعور عميق بالحب للمدينة ممزوجاً بالرغبة في الهروب منها. رزوق، ابن منزل فخم يعود بجذوره إلى عصر الآراميين، يصف دمشق بأنها «فارغة» ويتوق للزواج من أوروبية والهرب إلى أوروبا. تتكرر الأسئلة «هل ستتكلم عنا بالخير في إنجلترا؟» كدليل على حاجة عميقة للاعتراف والهروب من صورة نمطية. الفصل يختتم بمشهد قوي ومؤثر للمؤلف وهو يغادر، فيجد القمر منعكساً على بلاط الرخام في باحة المنزل كـ«بحر فوسفوري». يتأمل الكاتب كيف أن العدو (التحديث) دخل من الباب الشرقي كما دخل الغزاة عبر التاريخ، وأن دمشق، على الرغم من كل شيء، تبقى مدينة وحيدة.

يقر المؤلف بصعوبة إصدار أحكام قاطعة، معترفاً بأن هذه الثورة الصناعية والحضرية قد تجلب ثروة وراحة لأجيال قادمة، حتى لو كان ثمنها فقدان روح دمشق القديمة. لا يقدم الفصل إجابات حاسمة، بل يترك القارئ مع شعور بالحيرة والأسى على مدينة محبوسة بين مجدها القديم وواقعها السياسي المعقد، وبين دفء علاقاتها الإنسانية ورغبة شبابها في الانعتاق. يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي تلك التي تضع التقاليد والتحديث في صراع لا حل فيه، وتصور التطلع للغرب كحل وحيد للهروب من واقع عربي محبط، دون تقديم نقد متعمق لأسباب هذا الواقع.