
Muzoon
الكتاب هو مذكرات شخصية للمؤلفة مزون الملحان، وهي لاجئة سورية أصبحت ناشطة عالمية في مجال تعليم الأطفال. الموضوع المحوري للكتاب هو رحلة مزون من طفولة هادئة في بلدة ريفية سورية إلى حياة اللجوء والنزوح، وصولاً إلى أن تصبح أصغر سفيرة للنوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف. الإجابة التي يدافع عنها الكتاب بكل قوة هي أن التعليم ليس ترفاً، بل هو شريان حياة وأمل ووسيلة لاستعادة الكرامة والهوية في وجه الحرب والفقدان واليأس. تروي مزون قصتها ليس فقط كسرد ذاتي، بل كشهادة على قوة الإرادة البشرية، وكتأكيد على أن صوت اللاجئين يجب أن يُسمع وأنهم ليسوا مجرد أرقام أو حالات إنسانية تحتاج إلى شفقة.
تبدأ الحجة في الكتاب من أسفل السلم، من جذور الحياة الطبيعية. يرسم الجزء الأول "الوطن" صورة حية ومفصلة للحياة في سوريا قبل عام 2011، وتحديداً في بلدة إزرع بمحافظة درعا. هنا، تغمرنا مزون بتفاصيل يومية دافئة: اللعب في الشارع مع ابن عمها محمد، ورائحة طبق "شيش برك" من إعداد جدتها البدوية، وحصاد الزيتون السنوي الذي يشكل مصدر دخل إضافي للعائلة، وعلاقتها الحنونة مع عمتها زهرية التي تعيش حياة عصرية مستقلة. لكن هذه الصورة ليست مثالية بالكامل؛ فالكتاب لا يخفي الواقع المعقد، حيث هناك الفساد الوظيفي المتمثل في كلمة "واسطة" التي تتردد في أحاديث الكبار، والأجور المتدنية التي تستدعي أعمالاً إضافية، والجو العام من الحذر والرقابة الخفية الذي يختزله تحذير والدها: "للجدران آذاناً". لا تطرح مزون هذه القضايا كنقد سياسي مباشر بقدر ما تقدمها كخلفية طبيعية لحياة كانت، رغم عيوبها، كاملة ومحبوبة. هذا التأسيس ضروري، لأنه يجعل الخسارة اللاحقة ليست مجرد فقدان لمنزل، بل فقدان لعالم بأكمله.
ينقلب هذا العالم رأساً على عقب في الجزء الثاني "ثورة"، الذي يبدأ في ليلة رأس سنة 2011. من خلال شاشة التلفاز، تشهد عائلة مزون الاحتجاجات في تونس ثم مصر، وتسمع لأول مرة عن الشاب محمد البوعزيزي، وتشاهد ميدان التحرير يمتلئ بمئات الآلاف. هنا، تدرك مزون أن ما كانت تحفظه في المدرسة من قصيدة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" لأبي القاسم الشابي ليس مجرد كلمات، بل حقيقة يمكن أن تتحقق. ينتقل الأمل سريعاً إلى الرعب عندما تصل الثورة إلى مدينتهم درعا بعد اعتقال حوالي 15 طالباً من المراهقين. تتوالى الأحداث بسرعة مروعة: مظاهرات، إطلاق نار، "مجزرة إزرع" التي راح ضحيتها 34 شخصاً في يومين، وتحول الجيران إلى مخبرين مثل أم صافي. يظهر هذا الجزذ بشكل صارخ كيف تحول الخوف إلى غضب، وكيف انقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض، وكيف أن المدرسة والمكان العام أصبحا صامتين، لا يجرؤ أحد فيهما على مناقشة السياسة.
يتعمق الكابوس في الجزء الثالث "تحت القنابل"، حيث تصبح الحرب واقعاً يومياً لا مفر منه. يتسلل العنف حتى إلى ألعاب الأطفال، فيصبحون يلعبون "الجيش الحر" و"جيش النظام" بدلاً من ألعاب الطفولة. يتطور لدى مزون وأخيها حاسة سمع لتمييز أنواع القذائف، وتتحول زاوية المنزل إلى ملجأ دائم. ينهار كل شيء: تقصف مدرسة والدها وتدمر بالكامل فيفقد وظيفته، وترتفع أسعار المواد الأساسية، ويصبح الحصول على رغيف خبز تحدياً يومياً. في خضم هذا الدمار، تتمسك مزون بالدراسة كمتنفس وحيد؛ فهي تدرس على ضوء الشموع وحتى تحت شجرة التين في حفرة تحميها من القصف. تبلغ السنة الدراسية التاسعة أهمية قصوى لأنها تحدد مستقبلها الأكاديمي. هنا يصل الكتاب إلى مفترق طرق حاسم: نقاش العائلة حول مغادرة سوريا إلى مخيم الزعتري في الأردن. تقاوم مزون الفكرة بشدة، معتبرة أن المغادرة تعني نهاية حلمها في التعليم، وتجادل: "إذا غادرنا سوريا، هل ستكون هذه نهاية تعليمي؟" لكن تحت ضغط الخوف، يقررون تجربة عشرة أيام فقط.
يقوم الكتاب بعمل رائع في تصوير لحظة المغادرة نفسها، والتي تختزل فلسفته بأكملها. عندما يقول الأب "احزموا أهم الأشياء"، تملأ مزون حقيبتها بـ تسعة كتب مدرسية هي: التاريخ، الرياضيات، الجغرافيا، قواعد اللغة العربية، الأدب العربي، الإنجليزية، الأحياء، الكيمياء، والفيزياء. بينما تحزم شقيقتها يسرى دبدوباً ومذكرتها، ويحزم محمد ملابس قليلة. هذا المشهد هو إعلان بصري عن أولوياتها: التعليم هو أغلى ما تملك، وهو الشيء الوحيد الذي يستحق أن يُحمل عبر الحدود. الرحلة نفسها إلى الحدود الأردنية كانت قاسية، مشياً على الأقدام لثلاث ساعات في الظلام الدامس حاملين أمتعتهم، ممنوعين من إصدار أي صوت أو ضوء. عند وصولهم إلى المخيم، تصف مزون المشهد الأول: أرض بيضاء، خيام بيضاء، وغبار أبيض، كأنهم على سطح القمر. الفجوة بين خضرة سوريا وصحراء المخيم هي أول الصدمات الثقافية والوجودية.
في الجزء الخامس "لاجئون"، توثق مزون بصدق الحياة القاسية في الزعتري. تفاصيلها اليومية مروعة: الفئران التي تزحف على وجوههم أثناء النوم، الحرارة الحارقة في الصيف والبرد القارس في الشتاء، غياب الخصوصية، الماء الأصفر ذو الطعم الغريب. لكنها لا تكتفي بوصف المعاناة؛ بل تظهر كيف تحول المخيم إلى مجتمع مصغر، وكيف اخترع اللاجئون حياة لأنفسهم عبر إنشاء سوق "الشانزليزيه" بأيديهم. هنا، تبدأ مزون بتحويل ألمها إلى هدف، حيث تبدأ العمل مع حملة "العودة إلى المدرسة" التابعة لـ اليونيسف، مرتدية سترة صفراء وقبعة زرقاء، وتتنقل من خيمة إلى أخرى محاولة إقناع الأهالي والأطفال بأهمية العودة إلى التعليم. تواجه اعتراضات متنوعة: الحاجة إلى عمل الأطفال، الخوف على سلامتهم، والاعتقاد بأن الزواج أفضل للفتيات. مقابل كل اعتراض، تقدم مزون رداً عملياً، لكنها تعترف بحدود جهودها: بعض العائلات لا تقتنع أبداً، وأحياناً تواجه مآسي لا يمكن للكلام أن يصلحها.
يشهد الجزء السادس "الأمل واليأس" تحولاً كبيراً في مسار مزون. تنتشر أخبار هجوم بغازات سامة في ريف دمشق يقتل 1400 شخص، ويُبنى أمل وهمي على تدخل دولي لا يحدث أبداً. هذا الخذلان يزرع شعوراً عميقاً بأن السوريين وحدهم. لكن اللقاء الأهم في هذا الجزء هو مع الناشطة الباكستانية ملالا يوسفزاي، التي تزور المخيم. تقارن مزون بين تجربتهما: كلتاهما البكر في عائلتهما، كلتاهما تحب التعليم، وكلاهما لديها أب معلم. تقول ملالا لصف مزون: "يمكنك أن تكوني أي شيء تريدينه. إذا قال لك أحد عكس ذلك، أظهري له أنه مخطئ". تصبح هذه العبارة بمثابة نجم يرشد مزون. بعد الزيارة، تبدأ وسائل الإعلام بإطلاق لقب "ملالا الزعتري" عليها، وهو تشريف يربكها لكنها تقرر في النهاية أنها تريد أن تُقارن بنفسها فقط. مع تدهور الأوضاع في الزعتري الذي يصل لاجئوه إلى 120 ألف شخص، تقرر العائلة الانتقال إلى مخيم جديد هو الأزرق.
في الجزء السابع "البدء من جديد، مرة أخرى"، تواجه العائلة تحدياً جديداً في مخيم الأزرق، وهو صحراء شاسعة وصامتة على عكس فوضى الزعتري. هنا، تتعمق مزون في حملتها التعليمية، وتلتقي بصديقتها المفضلة رفهف التي أصبحت كأخت لها. تصل قصة مزون إلى آفاق جديدة عندما تحضر ملالا حفل تسلمها جائزة نوبل للسلام في أوسلو، وتذكرها في خطابها قائلة: "أختي الشجاعة البالغة من العمر ستة عشر عاماً، مزون من سوريا، التي تعيش كلاجئة في الأردن وتنتقل من خيمة إلى أخرى تشجع الفتيات والفتيان على التعلم". لكن العودة إلى المخيم تحمل معها شائعات وانتقادات؛ البعض يقول إنها فعلت ذلك فقط لتصبح مشهورة، والبعض الآخر يعتبرها حمقاء لعودتها بدلاً من طلب اللجوء في أوروبا. هذه الانتقادات تكشف الضغط النفسي الذي يعيشه النشطاء داخل مجتمعاتهم. تصل العائلة في النهاية إلى قرار صعب بالموافقة على إعادة التوطين في المملكة المتحدة، بعد أن سمعوا عن وفاة الطفل السوري آلان كردي غرقاً، وتستعد مزون لوداع صديقتها رفهف في مشهد مؤلم.
الجزء الثامن "وصول" هو تأمل عميق في معنى "الوصول" نفسه. تصل العائلة إلى نيوكاسل بعد سنتين وثمانية أشهر وثلاثين يوماً من مغادرتهم سوريا، لكن الشعور بالاستقرار الحقيقي يستغرق وقتاً طويلاً. يواجهون صعوبات يومية: لهجة "جوردي" المحلية الصعبة، نظرات الشك والريبة بسبب الحجاب، وعنصرية بعض الجيران الذين يرمون الحجارة على منزلهم. لكن الصراع الأكبر الذي تخوضه مزون هو مع مديرة مدرستها الجديدة، السيدة پيرس، التي تقلل من طموحاتها وتقول لها صراحة: "أخشى أنك ستفشلين". تطلب مزون التسجيل في مواد متقدمة ثلاث مرات وتُرفض في كل مرة. في النهاية، تترك المدرسة بقرار تتخذها بنفسها، وتصفه بأنه "مغادرة يمكنني الشعور بالرضا تجاهها". هذا الصراع هو نموذج مصغر للمعيقات المؤسسية التي تواجه اللاجئين الموهوبين. في المقابل، تتقدم مسيرتها كمدافعة عالمية عن التعليم، فتلتقي بـ ملالا وعائلتها، وتتحدث في مؤتمرات الأمم المتحدة، وتفوز بجوائز، وتُعين أصغر سفيرة للنوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف في عام 2017، وهي أول لاجئة تحصل على هذا اللقب. يختتم الكتاب بمشهد مؤثر: مرور مزون من بوابة جامعة نيوكاسل لدراسة التاريخ والسياسة، مستعيدة شعور "الوصول" لأول مرة.
يقر الكتاب بحدود متعددة في تجربته. على المستوى الشخصي، تعترف مزون بأن المخيم لم يصبح وطناً أبداً، وأن فكرة العودة إلى سوريا كانت مجرد أمنية تبخرت مع الوقت. كما أنها تترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل إخوتها، وحالة جدتها التي بقيت في سوريا، ومصير العم والأصدقاء. على مستوى أوسع، يقر الكتاب بأن قصته هي قصة واحدة من بين ملايين القصص، وأن الكثير من اللاجئين لم يحصلوا على نفس الفرص. يمكن اعتبار موقف مزون العنيد من الدراسة قابلاً للنقاش؛ فهي ترفض فكرة الهروب من أجل البقاء الجسدي، متمسكة بمستقبلها الأكاديمي كأولوية مطلقة، وهو طرح جريء في سياق حرب تهدد الحياة فعلاً. كما أن نجاحها العالمي كمتحدثة يتناقض بشكل صارخ مع الصعوبات التي واجهتها في مدرسة محلية واحدة، مما يثير تساؤلات حول فعالية الأنظمة التربوية في دمج الطلاب الموهوبين من خلفيات لاجئة. في النهاية، تقدم مزون من خلال قصتها إجابة واضحة على السؤال الذي نادراً ما يُطرح على اللاجئين: ماذا تريدون حقاً؟ الجواب الذي تقدمه هو: أريد أن أتعلم، أريد أن أكون شيئاً، أريد أن أُسمع، وأريد أن أساعد غيري على أن يُسمعوا أيضاً.
الأشخاص
الفصول(8)
1.الجزء الأول: الوطن11–32▼ ملخص
يبدأ الفصل الأول من مذكرات مزون، المعنون "الجزء الأول: الوطن"، برسم صورة حية للحياة في سوريا قبل الحرب، وتحديداً في تشرين الأول/أكتوبر 2010. تدور أحداث الفصل حول ذكريات طفولة المؤلفة في بلدة إزرع بمحافظة درعا، وتقديم إجابة ضمنية عن سؤال: كيف كانت تبدو الحياة الطبيعية قبل أن يدمّرها العنف؟ الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن تلك الحياة كانت مليئة بالدفء العائلي، واللعب، والتقاليد الريفية، والتحديات اليومية البسيطة.
يسير الفصل عبر سلسلة من المشاهد اليومية المترابطة. يبدأ بمشهد كرة قدم في الشارع، حيث تلعب مزون (12 عاماً) مع أخيها محمد (أصغر منها بسنة و11 يوماً) وأبناء عمومتها تيم ورازي ومنصور. يبرز هذا المشهد روح المنافسة والمزاح بين الأطفال، ويؤسس لشخصية مزون القيادية والعنيدة، وهي سمات ستتكرر لاحقاً. ثم ينتقل المشهد إلى منزل العائلة، حيث تنتظرهم رائحة طبق "شيش برك" من إعداد جدتهم "جدتي"، والتي تربت في البادية كبدوية. يستخدم المؤلف هذا المشهد لإظهار دور الجدة في تعويض غياب الأم، وللتلميح إلى القيم العائلية والتقاليد الغذائية.
يتوسع الفصل ليشمل تفاصيل الحياة المدرسية والعمل. تروي مزون قصة إجابتها الصحيحة عن كلمة "بطريق" بالإنجليزية من خارج الفصل بعد أن أُرسلت للممرّب لعدم حل الواجب، ليرد عليها والدها المعلم بأن "النجاح الحقيقي يأتي من العمل الجاد"، مستشهداً بقصة رفضها قبول شهادة تقدير في الروضة لأنها لم تستحقها. يعرّج الفصل بعد ذلك على طقوس ما بعد الظهر، كاجتماع الأطفال لمشاهدة كرتون "الكابتن ماجد"، ولعب "البرسيس" (لعبة تشبه تيك تاك تو) على السطح، حيث ينصت الكبار ويتحدثون عن صعوبة إيجاد عمل دون "واسطة"، وهي كلمة تتردد كثيراً في أحاديثهم. كما يصف الفصل بالتفصيل يوم حصاد الزيتون السنوي، والذي يجمع العائلة والأصدقاء مثل أبو فيصل، ويؤكد على أهمية الزيتون كمصدر دخل إضافي لعائلة مزون بعد راتب والدها التدريسي.
ويخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف العلاقة مع العمة زهرية، مديرة المدرسة التي تعيش حياة عصرية مستقلة. تذهب مزون لقضاء عطلات نهاية الأسبوع في شقتها لمشاهدة المسلسلات الهندية وبرامج الطبخ. في إحدى المرات، يحاولان صنع كعكة "هريسة" بناءً على وصفة من برنامج "منال العالم"، لكنهما يبالغان في خبزها لتصبح غير صالحة للأكل. لا يعرض الفصل هذه الحادثة كفشل، بل كدليل على العلاقة الحنونة التي تصلح الخطأ ببساطة (باقتراح الذهاب لتناول المثلجات). هذه العلاقة مع العمة، بالإضافة إلى إشارات عابرة عن خلافات الوالدين وابتعاد الأم، تظهر شبكة الدعم العاطفي التي تحيط بمزون.
ينتقل الفصل بسلاسة إلى وصف الحياة المدرسية بشكل أشمل، من الطابور الصباحي والشعار القومي ("أمة عربية واحدة..."، "الوحدة، الحرية، الاشتراكية") إلى نظام العقوبات الذي يقتصر على الضرب على اليد بالعصا. تتضمن الحصص المدرسية تفاصيل ثقافية وسياسية: في حصة التاريخ، تشرح المعلمة هديل اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم الدول العربية، وتؤكد أن الهدف هو "توحيد الأمة العربية". كما يبرز حضور الرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد في الكتب والجدران، وتحذير والد مزون من أن "للجدران آذاناً"، مما يخلق جواً من الحذر. يختتم الفصل بحصة اللغة العربية، حيث تتطوع مزون لإلقاء قصيدة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" لأبي القاسم الشابي، ويشير الفصل إلى أنها كانت ترددها أثناء حصاد الزيتون، مما يربط بين حبها للشعر وقوتها الداخلية.
يقر الفصل ضمنياً بحدود الحياة في سوريا ما قبل الثورة: الفساد الوظيفي (قضية الواسطة)، والأجور المتدنية التي تستدعي أعمالاً إضافية، والرقابة الخفية (التحذير من أن للجدران آذاناً)، ونظام تعليمي يعتمد على التلقين أكثر من النقاش. لكنه لا يطرح هذه القضايا كأسئلة مفتوحة بقدر ما يقدمها كخلفية طبيعية للحياة اليومية. الحجة القابلة للنقاش التي يبنيها الفصل بصمت هي أن هذه الحياة، رغم عيوبها وصعوباتها، كانت حياة كاملة ومحبوبة، تستحق الحنين والذكرى، مما يجعل الخسارة اللاحقة أكثر فداحة. الفصل لا يصرّح بذلك، لكنه يزرع بذور الفهم لسبب ارتباط الناس بأرضهم وعائلاتهم وحتى بأنظمتهم المعيبة، قبل أن يُجبروا على ترك كل شيء وراءهم.
2.الجزء الثاني: ثورة33–55▼ ملخص
يُشكّل هذا الجزء من كتاب "Muzoon" نقطة تحوّل جذريّة في حياة الطفلة مزون وفي مجتمعها، حيث ينتقل السرد من الحياة اليومية الهادئة في بلدة إزرع السوريّة إلى فوضى الثورة. المحور الأساسي للفصل هو كيف غيّرت انتفاضات العالم العربي في عام 2011 مفهوم مزون للسياسة وللمستحيل، وكيف تحوّلت مشاهد الثورة على شاشة التلفاز إلى واقع دموي يعيشه أهلها وبلدتها. يقدّم الفصل إجابة صريحة عن سؤال: ماذا يحدث عندما يقرر شعب بأكمله كسر حاجز الخوف؟ الإجابة هي أن الثورة، بكل ما تحمله من أمل ورعب، تصبح قدراً لا مفر منه.
يبدأ الفصل بلحظة عائلية حميمية في ليلة رأس السنة، حيث تصنع مزون وعمتها كعكة الشوكولاتة للاحتفال بقدوم عام 2011. لكن سرعان ما ينقلب الجو عندما تجد العائلة نفسها ملتصقة بشاشة التلفاز تشاهد تقارير الجزيرة عن احتجاجات في تونس. يشرح الأب لمزون أن المتظاهرين يهتفون "دغاج" بالفرنسية، مطالبين برحيل الرئيس الذي حكم لأكثر من 23 سنة. تروي القنوات قصة الشاب محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه بعد أن صادرت الشرطة عربة الفواكه التي كان يبيع منها. تدهش مزون من الفعل ومن رد الفعل الشعبي، وترى تشابهاً بين تونس وسوريا في الفساد والظلم. الأب يعلّق قائلاً إن الديكتاتور يظن أن العنف سيرعب الناس، لكنه في الحقيقة يزيدهم غضباً وإصراراً. ينتهي اليوم بخبر استقالة رئيس تونس وهروبه من البلاد، وتشعر مزون بالفخر والخوف في آن واحد.
يواصل الفصل تتبّع ردود فعل العائلة على الأحداث المتسارعة. في اليوم التالي، تلاحظ مزون تغيّراً في الهواء، وتتنصت على جيران يتبادلون التحيات المبطنة التي تحمل رسائل غير مباشرة عن إمكانية حدوث شيء مماثل في سوريا. تتحول أمسيات العائلة من متابعة مسلسل "وادي الذئاب" إلى مشاهدة برنامج "الرأي الآخر" على قناة الجزيرة، حيث يستمع الجميع إلى نقاش حامٍ حول الأنظمة العربية. تتذكر مزون قصيدة للشاعر أبو القاسم الشابي التي حفظتها في المدرسة، وتفهم الآن معناها الحقيقي: إنها ليست عن الطموح الشخصي، بل عن شعب بأكمله يريد الحياة ويكسر قيوده. بعد تونس، يأتي دور مصر، وتشاهد مزون ميدان التحرير في القاهرة يمتلئ بمئات الآلاف، وتسمع هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام". تدرك أن الثورات ليست مجرد أحداث تاريخية من الماضي، بل يمكن أن تحدث هنا والآن، ويقودها شباب مثلها.
يتسع نطاق الثورة ليشمل اليمن، ليبيا، والبحرين، ويطلق على هذه الموجة اسم "الربيع العربي". لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن أن يحدث ذلك في سوريا؟ يروي الأب لأصدقائه عن فيديو على الفيسبوك يُظهر تجمّعاً في دمشق بعد إهانة شرطي لابن أحد التجار، ويسمع هتاف "الشعب السوري لا يُهان". يبكي الأب وصديقه من التأثر، لكن التجمع يُقمع بسرعة وتُعتقل أعداد كبيرة. يبدو أن الأمر انتهى قبل أن يبدأ، كما يقول الأب. لكن الصدمة الحقيقية تأتي عندما تعلن الأخبار عن احتجاج هائل في درعا، المحافظة التي تقع فيها بلدة مزون. تشرح القنوات كيف بدأ كل شيء: كتابة عبارة "دورك يا دكتور" على جدار مدرسة، واعتقال حوالي 15 طالباً من المراهقين، وإهانة وجهاء البلدة من قبل رئيس الأمن السياسي. يتحول الأمر إلى مظاهرات حاشدة يوم الجمعة، ويطلق النار على المتظاهرين، مما يوقع قتيلين. تتحول جنازتهما إلى مظاهرة جديدة، وتستمر الاحتجاجات لأيام، ويقتحم الأمن المسجد الذي احتمى فيه الجرحى، ويقتل خمسة أشخاص بداخله. تصبح البلدة بأكملها في حالة حداد وغضب.
تتسارع الأحداث بشكل مروّع عندما يشارك أبناء عم مزون الأكبر سناً في الاحتجاجات، ويصبح الفصل بين الحياة اليومية والثورة مشوشاً. في يوم كان من المفترض أن يكون يوماً عادياً لبيع اللوز الأخضر، تجد مزون وأخوها محمد نفسيهما في خضم مظاهرة وإطلاق نار حقيقي. يختبئان في متجر ويتركان دلاء اللوز ويركضان إلى البيت. يوبخهما الأب بغضب لأنهما عرضا نفسها للخطر. في تلك الليلة، تشاهد العائلة فيديو مصوراً بالهاتف يوثق المجزرة التي وقعت في الجسر، حيث حوصر المتظاهرون وأُطلق عليهم النار من الأمام والخلف. في اليوم التالي، قُتل 34 شخصاً في بلدة إزرع وحدها خلال يومين، بينهم أطفال وشيخ في السبعين من عمره. تصبح هذه "مجزرة إزرع" الأكبر في الثورة، لكنها سرعان ما تفقد لقبها مع تكرار النمط نفسه: مظاهرات، قتل، جنازات تتحول إلى مظاهرات جديدة.
مع تصاعد العنف، ينقسم المجتمع. يتحول الجيران إلى مخبرين؛ أم صافي تتجسس على المارة، وضابط مخابرات ينتقل للإقامة في متجر نائف ليراقب حركة الشارع. حتى المدرسة تظل صامتة، ولا يجرؤ أحد على مناقشة السياسة. يقرّ الفصل بهذا الواقع المرير: أن الخوف من المخبرين يكمم الأفواه، وأن الثوار يضطرون للنوم في الحقول أو التنقل باستمرار لتفادي الاعتقال. تنتهي الفقرات بمشهد نقاش بين الأب وصديقه أبو فيصل، حيث يتجادلان حول أولوية "الأمن والاستقرار" مقابل "الحرية". بالرغم من الخلاف، يضحكان في النهاية، مما يمنح مزون لحظة أمل عابرة بأن الأمور قد تنتهي بشكل جيد. لكن الفصل يختتم باعتراف حزين بأنها لم تكن تعلم أن سنوات طويلة ستمر دون أن تتحقق الحرية أو الأمن.
3.الجزء الثالث: تحت القنابل56–209▼ ملخص
الملخص
هذا الجزء من كتاب "مزون" يروي تجربة المؤلفة مزون الملحان خلال سنوات الحرب في سوريا، من خريف 2011 حتى فرارها مع عائلتها إلى مخيم الزعتري في الأردن في مطلع عام 2013. الموضوع المحوري هو تحول الحياة اليومية إلى كابوس تحت القصف والخوف، ثم الاضطرار لاتخاذ أصعب قرار: ترك الوطن.
يبدأ الفصل بوصف كيف تسربت الحرب إلى ألعاب الأطفال، حيث كان محمد وتيم ورازي ومزون يلعبون لعبة "الجيش الحر" و"جيش النظام" مستخدمين أغصان الأشجار كبنادق. ثم تتحول ألعابهم لتحاكي ما يرونه على أرض الواقع، كتمثيل مداهمات المنازل وإحراقها. لم يعد هناك فصل بين الخيال والواقع الدامي.
مع اشتداد القصف من القاعدة العسكرية القريبة، أصبح المنزل مكاناً غير آمن. تطورت حاسة السمع لدى الأطفال لتمييز أنواع القذائف: مدافع الهاون، والقذائف الصاروخية، والمدفعية. كان على الأسرة فتح النوافذ لتخفيف ضغط الانفجارات، والاحتماء في زاوية المنزل الأكثر أماناً. كانت الجدة مصدر عزاء، فتروي لهم القصص لتشتيت انتباههم عن الخوف والبرد.
ازداد الوضع سوءاً مع انهيار الحياة اليومية. قُصفت مدرسة والد مزون ودُمِّرت بالكامل، فتوقف عن العمل وفقد راتبه. ارتفعت أسعار المواد الأساسية، وأصبح العثور على رغيف خبز تحدياً يومياً. انقطعت الكهرباء لساعات وأيام، وتوقفوا عن دفع فاتورة المياه، فاضطروا لترشيد استهلاكها. حتى في شهر رمضان، كانت قذائف المدفعية تطلق مع أذان المغرب لتعذيب الناس أثناء إفطارهم.
وسط هذا الدمار، تمسكت مزون بالدراسة بوصفها متنفسها الوحيد. كانت السنة الدراسية التاسعة هي الأهم، لأنها تحدد مستقبلها الأكاديمي. درست على ضوء الشموع، وحتى تحت شجرة التين في حفرة تحميها من القصف. لكن الحرب لم تتوقف، والمنزل لم يعد آمناً.
في نقطة التحول، تبدأ العائلة (عائلة مزون وعائلة عمها عدنان) مناقشة فكرة مغادرة سوريا إلى مخيم الزعتري في الأردن. تقاوم مزون الفكرة بشدة، معتبرة أن مغادرة سوريا تعني نهاية حلمها في التعليم. تجادلهم قائلة: "إذا غادرنا سوريا، هل ستكون هذه نهاية تعليمي؟" لكن والدها يرد بأنه لا شيء مؤكد في سوريا أيضاً. بعد شهر من النقاش، وتحت ضغط الخوف على حياة الأبناء، يقرر الرجال الذهاب لمحاولة十天 فقط.
في صباح اليوم التالي، أخبرهم والد مزون أنهم سيسافرون اليوم. تأمرهم التعليمات بأخذ أهم الأشياء فقط. بينما تحزم يوسرا دبدوبها ومذكرتها، ويحزم محمد ملابس قليلة، تملأ مزون حقيبتها بكتبها المدرسية التسعة وكتاب الذكريات. هذا المشهد يلخص أولوياتها: التعليم هو أغلى ما تملك.
قبل المغادرة، يسلم والد مزون أوراق العائلة الثبوتية لصديقه أبو فيصل كأمانة. توضح مزون معنى كلمة "أمانة" في الثقافة العربية: إنها التزام أخلاقي بالحفاظ على الوديعة. ثم تودع جدتها التي ترفض المغادرة مصرة على الموت في وطنها.
أما الرحلة إلى الحدود فكانت قاسية. استقلوا حافلة صغيرة إلى آخر بلدة سورية، ثم شاحنة مكتظة بالنساء إلى منطقة نائية، وأخيراً مشوا ثلاث ساعات في الظلام الدامس حاملين أمتعتهم، ممنوعين من إصدار أي صوت أو إضاءة أي ضوء خشية إطلاق النار عليهم. كان طريقاً مليئاً بالصخور والخوف.
بعد عبور الحدود إلى الأردن، يصف الفصل مشاهدتهم الأولى لمخيم الزعتري: أرض بيضاء، خيام بيضاء، وغبار أبيض، كأنهم على سطح القمر. كان المكان صحراء قاحلة بعد أن تركوا وراءهم خضرة سوريا. حصلت العائلة على خيمة واحدة صغيرة لخمسة أفراد، وفرشات رفيعة، وبطانية لكل شخص، وأدوات طبخ بسيطة. كانت الحياة قاسية: الماء أصفر وطعمه غريب، والطعام محدود ومكرر، والبرد في الليل قارس، والحمامات العامة مزدحمة والمطبخ المشترك مكان للمشاحنات.
لكن نهاية الفصل تحمل بصيص أمل. في اليوم الأول، سألت مزون والدها عن المدرسة. علمت أن هناك مدرسة في المخيم ستبدأ بعد شهر. قالت: "ابتسامة غطت وجهي. شعرت بالارتياح لأول مرة منذ أيام." تذكرت قصص جدتها عن حياتها البدوية بلا كهرباء أو ماء، وأدركت أن وضعها سيكون أفضل بواحد من أهم الأشياء: فرصة الذهاب إلى المدرسة.
في فقرات قليلة في نهاية الفصل، يقر المؤلف ضمنياً بحدود التجربة: لا يزال مستقبلهم غامضاً، ولا يعرفون إن كانت الإقامة في المخيم ستؤثر على مستقبل مزون الدراسي أم لا. هناك أيضاً سؤال مفتوح عن جدتها التي بقيت في سوريا، وعن مستقبل العائلة بأكملها في هذا المكان الجديد القاسي.
4.الجزء الرابع: أهم الأشياء76–93▼ ملخص
يصادف فصل «الجزء الرابع: أهم الأشياء» قرار عائلة مزون بمغادرة سوريا خلال الحرب، وينتقل بالفكرة من مجرد نقاش عائلي إلى واقع مؤلم. المحور الأساسي هو السؤال: «ما هو أهم شيء؟» ويجيب الكاتبة بأن الإجابة تختلف حسب السياق، فبينما يرى البيت أو الأمان هو الأهم، تثبت مزون أن التعليم هو أغلى ما تملك، وتضعه فوق كل اعتبار.
يبدأ الفصل في يناير ٢٠١٣، حين تسمع مزون بالصدفة محادثة بين والدها وعمها عدنان وخالتها عايدة تحت شجرة زيتون. يتحدثون عن مخيم الزعتري في الأردن كلاجئين سوريين. تتصادم معهم فوراً، وتكرر سؤالها بغضب: «إذا غادرنا سوريا، هل ستنتهي دراستي؟» يجيبها والدها بأنه لا يعرف، وأن المدارس في سوريا نفسها لم تعد مؤكدة. يستمر النقاش نحو شهر، وتتقلب الآراء بين البقاء والرحيل. يتصل عمها بقريب بعيد يُدعى أبو ماجد موجود في الزعتري، فيقول: «الحياة هنا صعبة، لكن الحياة في المخيم أفضل من الموت في سوريا.» ترفض جدة مزون المغادرة تماماً، وتصر على الموت في بلدها.
تحاول مزون إقناع إخوتها. يقول شقيقها تيم إنه يريد الذهاب، فترد بأنه في الصف الثامن وليس لديه ما يخسره، بينما مستقبلها هو الصف التاسع. تشعر بالخيانة حين يوافق شقيقها محمد على رأي والدها بأنه لا حرب في الأردن. في إحدى الليالي الباردة، بعد تجول جنود في أحيائهم واعتقال رجال، يتفق الجميع على تجربة عشرة أيام فقط في المخيم ثم العودة. تواصل مزون الدراسة كالمعتاد، ولا تخبر أحداً في المدرسة لأن الحكومة تعتبر المغادرين خونة. تصف المدرسة بأنها «منقذها في بحر عاصف».
يأتي يوم المغادرة الثلاثاء، ويطلب والدها من الجميع أن يحزموا «أهم الأشياء» فقط. تحزم تسعة كتب مدرسية هي: التاريخ، الرياضيات، الجغرافيا، قواعد اللغة العربية، الأدب العربي، الإنجليزية، الأحياء، الكيمياء، والفيزياء، إضافة إلى دفتر ذكرياتها. تحزم شقيقتها يسرى دبدوباً وثلاثة قمصان وبنطالين وجوارب ودفتر سبونج بوب وقلمين وقوس شعر. يحزم محمد مجرد تغيير ملابس لأنه لا يزال يعتقد أن الرحلة لعشرة أيام. يسلم والدها وثائق العائلة (شهادات الميلاد، شهادته الجامعية، شهادات التدريب) لصديقه أبو فيصل في ظرف بني، ويقول له الوالد: «أمانة» وهي كلمة تعني الالتزام الأخلاقي بحفظ الأمانة، ويظل الصديق محتفظاً بها لسنوات.
في صباح المغادرة، تودع مزون جدتها وعمتها ظريفة التي تقترح ترك مزون عندهم لإنهاء الصف التاسع. يرفض والدها خوفاً عليها بمفردها، فتوافق مزون لأول مرة قائلة إنها تريد الذهاب لأن عائلتها هي «أهم أشيائها». في طريقهم بسيارة صغيرة، تمرون بحاجز عسكري للجيش النظامي ويتم تجاوزه بسلام، ثم يسلكون طرقاً خلفية تحت سيطرة الجيش الحر. تصف مزون الدمار المروع: مبانٍ منزوعة الجدران كالكعكات المقطوعة، وأكوام من الركام، وسيارات محترقة، وشوارع فارغة. تقول إنها فهمت لأول مرة لماذا يصبح الناس لاجئين.
يصلون إلى مدينة طيبة، آخر بلدة قبل الحدود الأردنية. يُحتجزون في قبو مزدحم للغاية، ويفصلون بين النساء والرجال. تشعر مزون بالذعر وتهمس طوال الوقت بأنها تريد العودة إلى البيت. بعد الانتظار حتى الغروب، يُصعدون في أربع شاحنات مكشوفة مزدحمة بالنساء والأطفال. عند الحدود، يطلب الجنود السير على الأقدام في الظلام الدامس لمدة ثلاث ساعات عبر حقل مليء بالصخور، محذرين من إصدار أي ضوء أو صوت وإلا قد يُطلق عليهم الجيش النظامي النار. تحمل مزون حقيبتها الثقيلة بنفسها، ثم تعترف لوالدها بأنها تحتاج مساعدة. حين يمسكها الوالد، يكتشف أن وزنها يبلغ حوالي عشرين رطلاً (حوالي تسعة كيلوغرامات) بسبب الكتب. يتعجب غاضباً ثم يضحك أخيراً.
عند منتصف الليل، يدخلون مخيماً مؤقتاً في الأردن، يتسلمون ماء وبسكويت مالح. يُسجل الجنود أسماءهم في وثائق رسمية، وتصحح مزون للجندي خطأ في تهجئة اسمها «مزون» الذي يعني السحاب الممطر. يتجهون بالحافلة إلى الزعتري في مدينة المفرق. بعد ثلاث ساعات من الانتظار على الحافلة مع شكاوى الأطفال المستمرة، يصلون أخيراً إلى المخيم المحاط بسياج شاهق من الأسلاك الشائكة. يدخلون خيمة استقبال ضخمة تشبه خيمة سيرك في الرسوم المتحركة، بأرضية ترابية ومدافئ غاز قليلة. توزع فرق الإغاثة بطانيات وحصائر ومياه ومزيداً من البسكويت. ترفض مزون النوم بسبب الضوضاء والغرباء، ويحاول والدها تهدئتها. تضع رأسها على حقيبة الكتب كوسادة صلبة وتغطي رأسها بمعطفها، مكررة في نفسها: «عشرة أيام فقط».
في نهاية الفصل، لا يقدم المؤلف إجابات مريحة بل يترك أسئلة مفتوحة حول المستقبل. لم يعد هناك بيت، ولا أمان، ولا مدرسة أكيدة. لكن مزون توضح أنها لم تتخلَّ عن أهم شيء لديها: التعليم الذي جسدته في تلك الكتب التسعة الثقيلة. يجدر بالذكر أن موقفها العنيد من الدراسة قابل للنقاش: فهي ترفض فكرة الهروب من أجل البقاء الجسدي، متمسكة بمستقبلها الأكاديمي كأولوية مطلقة، وهو طرح جريء في سياق حرب تهدد الحياة فعلاً.
5.الجزء الخامس: لاجئون94–126▼ ملخص
يبدأ الفصل في شباط 2013، بعد أن أصبحت عائلة مزون وأقاربهم لاجئين رسمياً في مخيم الزعتري في الأردن. الموضوع المحوري للفصل هو وصف تجربة اللجوء القاسية من منظور مزون، مع تركيز خاص على التحديات اليومية، الصدمة الثقافية، وفقدان كل شيء، بالإضافة إلى بحثها المستميت عن التعليم كأمل وحيد للمستقبل. الإجابة التي تقدمها المؤلفة هي أن الحياة في المخيم هي صراع يومي مع الظروف القاسية والفقدان، وأن التعليم هو شريان الحياة الذي يمنح الهدف والأمل في خضم هذه الفوضى.
يسير الفصل خطوة بخطورة منذ الاستيقاظ الأول في المخيم. تصف مزون الصدمة البصرية الأولى: العالم الأبيض الموحد من خيام ومشمس قاسٍ، متناقضاً بشكل صادم مع خضرة سوريا. تنتقل العائلة إلى خيمتها الصغيرة الواقعة «بين المطبخين»، والتي كانت بحجم جزء صغير من غرفتهم في سوريا. يناقش الفصل التفاصيل المادية: المراتب الرفيعة، البطانيات الخمس، قطع المرتبة الواحدة إلى وسائد، ونقص الكهرباء والماء الساخن. تبرز هنا حجة أساسية: أن فقدان الخصوصية والمساحة هو شكل من أشكال إذلال الإنسان، لكن العائلة تتكيف بفضل قوة الأب الذي يقطع المرتبة ليصنع وسائد ويؤكد لهم أنهم أقوياء.
يتوسع الفصل ليشمل الحياة اليومية في المخيم، مقدماً أدلة على الصمود والابتكار. تكتشف مزون «الشانزليزيه»، وهو سوق تجاري كبير أنشأه اللاجئون بأنفسهم، مما يظهر روح المبادرة رغم الظروف. تتولى مزون مسؤولية الطهي في مطابخ مشتركة مزدحمة، حيث تستمع إلى «أخبار المطبخ»، وهي إشاعات يتبادلها اللاجئون. هنا، تبرز وظيفة المشهد كدليل على تحول المخيم إلى مجتمع مصغر، ولكنه مجتمع يعاني من الألم ذاته. في كل مرة تسألها سيدة عن سبب طهيها وهي صغيرة، تذكرها الإجابة بألم فراق والدتها التي بقيت في سوريا. هذا يربط التجربة الشخصية بمأساة جماعية: كل عائلة لديها فرد مفقود.
تتوالى التحديات الجسدية والنفسية في الفصل. يصف الفصل بوضوح الفئران والجرذان التي كانت تزحف على وجوههم أثناء النوم، والحرارة الحارقة في الصيف التي تحول الخيمة إلى فرن، والبرد القارس في الشتاء الذي يحول العالم إلى وحل، وغياب الخصوصية ومرافق النظافة. لكن أسوأ من كل ذلك، كما تقر مزون، هو الشعور بالذنب لأنها آمنة بينما أطفال سوريا يعانون، والألم الناتج عن فقدان التواصل مع جدتها وأقاربها خلف الحدود. هذا الاعتراف بالذنب هو تحفظ مهم، حيث تعترف بأن معاناتها في المخيم لا تقارن بمعاناة من بقوا، وتترك السؤال مفتوحاً حول كيفية التكيف مع هذا الألم الدائم.
تصل ذروة التوتر في الفصل خلال مواجهة مزون مع متطوع سوري في مركز توزيع الطعام. عندما يتعامل معها باستعلاء وتقول له «خذ سلتك الغذائية»، تدرك أنها لم تكن تطالب بالطعام فقط، بل بالكرامة. هذا الموقف يوضح حجة رئيسية: أن اللاجئين ليسوا مجرد أرقام أو حالات تستحق الشفقة، بل بشر لهم كبرياء وقدرات. ورغم أنها رفضت في البداية، عادت لتأخذ السلة لعائلتها، مما يظهر صراعاً بين الكرامة والحاجة إلى البقاء، وهو صراع حقيقي وليس مثالياً.
بعد الصدمة الأولية، يتحول الفصل نحو الأمل عبر التعليم. تبدأ مزون بحفظ القرآن في مسجد المخيم، حيث تلتقي بصديقتها الأولى هبة. ثم يأتي يوم افتتاح المدرسة، حيث تدخل مزون الصف التاسع، وتلتحق أشقاؤها بصفوفهم، ويعمل والدها معلماً. هنا تقدم مزون حجة جديدة: في المدرسة، تصادف فتيات يتزوجن بدلاً من مواصلة التعليم. تبدأ حملتها الفردية لإقناع الفتيات بأهمية التعليم، مستخدمة حججاً مثل «التعليم يجعلك أذكى وأقوى» و«كيف سنعيد بناء سوريا بدون علم؟». هذا يوضح تطور شخصيتها من طفلة مصدومة إلى ناشطة.
يتوج هذا التحول بلقاءها مع توبي من منظمة اليونيسف، الذي يدعوها للانضمام إلى حملة «العودة إلى المدرسة». تبدأ مزون العمل كنظيرة معلمة، مرتدية سترة صفراء وقبعة زرقاء، وتتنقل من خيمة لأخرى محاولة إقناع الأهالي والأطفال بالعودة إلى التعليم. يواجه الفصل اعتراضات متنوعة: الحاجة إلى عمل الأطفال، الخوف على سلامتهم، الاعتقاد بأن التعليم في المخيم لا قيمة له، واعتبار أن الزواج أفضل للفتيات. لكل اعتراض، تقدم مزون رداً عملياً. لكنها تعترف بحدود جهودها: بعض العائلات لا تقتنع أبداً، وأحياناً تواجه مآسي لا يمكن للكلام أن يصلحها، كالصبي الذي فقد ساقه في القصف.
يختتم الفصل باعتراف مهم: المخيم لم يصبح موطناً أبداً، وكانت فكرة العودة إلى سوريا مجرد أمنية تبخرت مع الوقت. لكن التعليم أعطى مزون هدفاً، مما حول المخيم من مجرد مكان تنتظر مغادرته إلى مكان تستطيع فيه أن تصنع فرقاً. هذه العبارة الأخيرة هي الخلاصة التي يعيد الفصل التأكيد عليها: في وسط الخسارة الكلية، يمكن للإنسان أن يجد هدفاً يستحق العيش من أجله، حتى لو كان في خيمة بين مطبخين.
6.الجزء السادس: الأمل واليأس127–149▼ ملخص
بدأت مزون الفصل بوصف يومها المزدحم في مخيم الزعتري، حيث كانت توفق بين المدرسة، والعمل مع حملة "العودة إلى المدرسة" التابعة لليونيسف، ورعاية إخوتها، وإعداد الطعام، وغسل الملابس. كانت تشعر بالإرهاق لكنها راضية لأنها تستغل كل دقيقة من يومها. على الرغم من ضغوط المسؤولية، كانت تستمد القوة من جدتها وعمتها، ومن آيات قرآنية مثل آية "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع..." التي كانت ترددها مع صديقتها هبة. رأت مزون أن الألم الذي يعانيه السوريون جعلها أكثر نضجاً، بينما جعل البعض الآخر يستسلم لليأس.
في أحد الأيام، طُلب من مزون مقابلة مسؤولين من منظمة اليونيسف، هما توبي و زين. أخبروها أنهم لاحظوا التزامها بالحملة وأرادوا أن تكون متحدثة باسمها. عندما سألها توبي عن هدفها كناشطة في مجال التعليم، قالت: "التعليم هو الأمل، وأريد أن يحصل الناس على الأمل". وعندما سألها عن ما تريد أن يعرفه الناس عن اللاجئين، أجابت: "لا أريدهم أن يعرفوا عن اللاجئين، أريدهم أن يستمعوا إليهم. لدينا أصواتنا. لا ينبغي أن يتعلموا عنا فقط، بل منا". بعد هذه المقابلات، توالت المقابلات مع وسائل إعلام عالمية مثل بي بي سي و سي إن إن.
في نهاية شهر أغسطس 2013، انتشر خبر هجوم بغازات سامة في ريف دمشق، قُدر أن 1400 شخص قُتلوا، بينهم 400 طفل. عم الحزن المخيم، ثم حل محله الأمل عندما وعدت دول مثل الولايات المتحدة بالتدخل لإنهاء الحرب إذا استخدم النظام أسلحة كيماوية. بدأ البعض ببيع أثاثهم استعداداً للعودة إلى سوريا. لكن سرعان ما تبدد الأمل عندما تبين أن أمريكا لن تتدخل. شعرت مزون أن الأمل الذي تلاشى هذه المرة لن يعود بنفس القوة أبداً، وأن العالم يخبر السوريين أنهم وحدهم.
بعد نحو ثمانية أشهر في المخيم، تمكنت العائلة من شراء كرفان، مما ضاعف مساحة معيشتهم وأنقذهم من الفئران والحرارة. في أكتوبر، تلقت العائلة مكالمة من خال مزون في سوريا، يخبرها أن الجيش كثف هجماته على قريتها، وسأل إن كان بإمكان والدتها القدوم إليهم. وافق والدها رغم قلقه من العودة إلى الخلافات الزوجية. بعد رحلة خطيرة استغرقت أسابيع، وصلت والدة مزون إلى المخيم في ليلة مظلمة. كانت هزيلة ومرهقة، وأخبرتهم عن مقتل أحد إخوتها وابنة عمها البالغة من العمر 11 عاماً. بدأت الأمور صعبة، لكنها تحسنت تدريجياً مع استعادة الأم لقوتها وتوليها الأعمال المنزلية، مما أتاح لمزون وقتاً أكثر للدراسة والعمل.
في بداية الفصل الشتوي، زارت ملالا يوسفزاي الناشطة الباكستانية الشهيرة مخيم الزعتري. لم تكن مزون تعرف من هي ملالا لأن أنباء العالم لم تكن تصلهم أثناء الحرب. تحدثت الفتاتان عن تجاربهما المشتركة: كونهما البكر في عائلتهما، حب التعليم، وأباء معلمين. أذهلت مزون قصة ملالا التي أُطلقت عليها النار في رأسها من قبل طالبان وهي في الخامسة عشرة من عمرها، لكنها واصلت نضالها. قالت ملالا في كلمة لصف مزون: "يمكنك أن تكوني أي شيء تريدينه. إذا قال لك أحد عكس ذلك، أظهري له أنه مخطئ". شعرت مزون أن ملالا ألهمتها كما كانت تحاول هي إلهام الآخرين. رأت ندا، المترجمة، أن هذا اللقاء لن يكون الأخير بينهما.
بعد زيارة ملالا، بدأت وسائل الإعلام تطلق على مزون ألقاباً مثل "ملالا الزعتري". شعرت مزون بالارتباك والتشريف في البداية، لكنها أدركت أنها تريد أن تقارن نفسها بنفسها فقط، لا بأي شخص آخر. فكرت أيضاً في شعور إخوتها عندما يُقارنون بها. قررت مزون أن تتعلم اللغة الإنجليزية بجدية، فبدأت تستخدمها في المنزل وتطلب من معلميها شرح الكلمات الجديدة، مما زاد ثقتها بنفسها مع كل مقابلة.
تدهورت الأوضاع في مخيم الزعتري مع ازدياد عدد اللاجئين ليصل إلى 120 ألف شخص، مما جعله رابع أكبر مدينة في الأردن وثاني أكبر مخيم في العالم. تفشت المشاجرات بسبب الضيق واليأس. في إحدى المرات، كاد حجر يضرب مزون في وجهها عندما تحطمت نافذة الكرفان أثناء شجار قريب. غضب والدها وقال: "لم نصَب بقنابل في سوريا، ونصاب الآن بحجر طائر في الزعتري". قرر مغادرة المخيم. حصل على تصريح لزيارة قريب له يدعى أبو عجلة لشهر في مايو. سافرت العائلة إلى بلدته القريبة من الحدود السورية، حيث عاشوا في منزل حقيقي واستمتعوا بالحديقة وقضاء الأمسيات مع الأقارب. لكن سرعان ما شعروا بالملل وأرادوا العودة إلى حياتهم في المخيم.
رفض أبو عجلة أن يستأجر والد مزون شقة، مصّراً على بقائهم ضيوفاً عنده. وجد والد مزون خياراً آخراً: مخيم جديد للاجئين يُدعى مخيم الأزرق، يبعد حوالي 56 ميلاً عن الحدود السورية، في منطقة نائية ومعزولة لكن بها مدرسة. حصل على تصريح للانتقال. قبل مغادرتهم، صعدت مزون وأخوها محمد إلى تل قريب ليلقيا نظرة الوداع على الحدود السورية، وهما يمدان أذرعهما لاستنشاق أكبر قدر من الهواء السوري، قائلة إن تلك كانت أقرب مسافة وصلت إليها من بلدها منذ ذلك الحين.
7.الجزء السابع: البدء من جديد، مرة أخرى150–180▼ ملخص
بدأ الفصل السابع بعنوان «البدء من جديد، مرة أخرى» في يونيو 2014 بمشهد مغادرة آخر. تعود عائلة مزون إلى مخيم الزعتري لالتقاط أغراضها قبل الانتقال إلى مخيم الأزرق الجديد. المغادرة هذه المرة أسهل من مغادرة سوريا، لكنها كانت أصعب لأنها تعني الابتعاد أكثر عن الوطن والعائلة. في الزعتري، ودّعت مزون صديقتها هبا وزملاءها في اليونيسف وأنقذوا الطفولة، واكتشفت أن كتبها المدرسية التي أحضرتها من سوريا قد فقدت، وما زالت تفتقدها حتى وقت كتابة المذكرات.
على حافلة الانتقال، لاحظت العائلة أباً لعائلة أخرى يفيض سعادة، فأطلقت عليه لقب «المتفائل». تبين أنه سعيد لأنه سيلتقي بإخوته الذين لم يرهم منذ عامين في الأزرق، بينما كانت عائلة مزون تبتعد أكثر عن أقاربها في سوريا. عند الوصول إلى الأزرق، فوجئت العائلة بصحراء شاسعة وخالية، وصمت عميق يخيم على المكان، على عكس الزعتري المزدحم بالحياة. كان المخيم جديداً، وهم من بين أول الواصلين إليه.
حصلت العائلة على عنوان جديد في «القرية 3، المربع 20، الشارع 11، المأوى 31 و33». وُزعت عليهم حاجيات أساسية: مراتب، بطانيات، أواني ماء، غاز طبخ، وأرز وعدس. كانت الملاجئ أوسع من خيام الزعتري، لكن أرضيتها كانت صخرية مغطاة بحصيرة نايلون فقط، وبين الباب والأرض فراغ يسمح بدخول الفئران بكثرة. كان المخيم محكوماً بقواعد صارمة، على عكس فوضى الزعتري، مما جعل الأخ محمد يمزح قائلاً: «كم هو جميل أن نكون في دولة بوليسية مرة أخرى، هذا يذكرني بسوريا».
مع الوقت، بدأت عائلات جديدة تصل. انتقلت عائلة أبو حمزة وأم حمزة إلى شارعهم، وقد هربا من المخيم سابقاً وأعيدا إليه. جلبوا معهم الضحك والمرح. بينما كان معظم سكان الزعتري من محافظة درعا مثلم، جاء لاجئو الأزرق من كل أنحاء سوريا، وكانوا قد عانوا أكثر من الحرب، وشاهدوا دماراً أكبر، وأكلوا أوراق الشجر جوعاً. على عكس سكان الزعتري الذين كانوا يأملون بانتهاء الحرب قريباً، كان هؤلاء مقتنعين بأنها لن تنتهي أبداً.
خصصت إدارة المخيم 20 ديناراً أردنياً للفرد شهرياً، لكن هذا المبلغ كان يكفي لعشرة أيام فقط. المتجر الوحيد في المخيم (المول) كان يفرض أسعاراً مضاعفة ثلاث أو أربع مرات عن الأسعار خارج المخيم. لحسن الحظ، وجد والد مزون عملاً كمدرس في مدرسة غير رسمية تديرها منظمة الإغاثة، وبدأت مزون وإخوتها بالدراسة هناك. هناك التقت بصديقتها المفضلة رفهف، التي تشبهها في كل شيء: العمر ستة عشر عاماً، من درعا، الكبرى في العائلة، وتتحمل مسؤوليات المنزل. أصبحتا كأختين.
قضت مزون وقتها في مراكز الأنشطة التي تقدم دروساً في الفنون والزراعة والحاسوب واللغة الإنجليزية. واظبت على تحسين الإنجليزية بنفسها، ودرّست زميلاتها. عندما بدأ العام الدراسي الرسمي، بدأت هي ورفهف الصف الحادي عشر معاً. لاحظت مزون أن كثيراً من الفتيات في مراكز الأنشطة لا يذهبن إلى المدرسة. بعضهن لم يذهب إلى المدرسة منذ أكثر من عامين، وأخريات يرغبن في الزواج، وآباؤهن يفضلون ذلك أيضاً بدافع الخوف والاكتئاب. حتى عائلة رهف كانت تضغط عليها للزواج. بدأت مزون حملة فردية، تتحدث مع الفتيات في كل مركز عن أهمية التعليم.
بدأ الصحفيون يهتمون بنشاط مزون، وأجرت مقابلات تحدثت فيها عن حياة الأطفال في المخيم. لكن ظهورها الإعلامي أثار شائعات. قال البعض إنها تفعل ذلك فقط لتصبح مشهورة، أو لأنها تتحدث الإنجليزية. حتى بعض العاملين في المراكز استاؤوا من الاهتمام بها. كانت مزون حزينة ومحتارة، لكن صديقتها رهف دعمتها وذكّرتها بالتركيز على هدفها.
في خريف ذلك العام، حصلت صديقة مزون ملالا يوسفزاي على جائزة نوبل للسلام، ودعت مزون لحضور الحفل في أوسلو، النرويج. كانت رحلة معقدة؛ لم تمتلك مزون جواز سفر، وساعدتها ملالا في الحصول على وثيقة سفر من الصليب الأحمر الدولي. غادرت المخيم مع والدها في منتصف الليل، تاركة إخوتها للمرة الأولى منذ أكثر من عامين. في النرويج، صُدمت بالبرودة الشديدة والظلام الذي يستمر معظم اليوم. رأت الأشجار والسيارات والمباني، وهي أشياء بسيطة لكنها كانت عجيبة بعد العيش في المخيم. التقت بملالا وعائلتها، وبأخريات من نيجيريا وباكستان.
في حفل توزيع الجوائز، أشارت ملالا إلى مزون في خطابها قائلة: «أختي الشجاعة البالغة من العمر ستة عشر عاماً، مزون من سوريا، التي تعيش كلاجئة في الأردن وتنتقل من خيمة إلى أخرى تشجع الفتيات والفتيان على التعلم». عندما عادت مزون إلى المخيم، أخبرتها عائلتها أن إدارة المخيم بثت الحفل على شاشة كبيرة، وأن الجميع هتفوا باسمها. لكن الشائعات عادت؛ قال البعض إنها حمقاء لعودتها إلى المخيم بدلاً من طلب اللجوء في أوروبا. لم تفهم مزون هؤلاء؛ هي ذهبت لتكريم ملالا، ولن تترك عائلتها أبداً.
الحياة في المخيم جعلت الناس مبتكرين. صنع الجيران طاحونة هواء لتوليد الكهرباء. صنع الأخ محمد وأبو حمزة عربة لنقل الماء باستخدام عجلات من البلاستيك المذاب. بنوا فرناً من المعادن والبراغي التي جمعوها من ملاجئ المخيم، ليتمكنوا من خبز البيتزا والحلويات. طلبت مزون حريصة، وكانت ألذ ما أكلته منذ سنوات، لكن طعمها كان حلو المذاق مر المذاق، وأثار فيها حنيناً لخالتها زهرية.
بعد عيد ميلاد مزون السابع عشر، اتصل والدها بأخواته في سوريا. كانت الظروف في إزرع سيئة، بل ازدادت سوءاً. اضطرت الجدة والخالة زهرية والخالة فدية والعم سليمان وعائلاتهم إلى الفرار إلى منطقة اللجاة التي كانت تحت سيطرة الجيش الحر. لأسابيع قليلة كانوا آمنين، ثم هاجمتهم الميليشيات ليلاً وقتلت ابن عم مزون، محمد. أدركت مزون أنه لم يعد هناك مكان آمن في سوريا.
في رمضان، صامت العائلة 14 ساعة يومياً في حر الصحراء. بعد العيد، زاروا العم أبو عقلة في شمال الأردن. صعدت مزون مع محمد وابن عمها تيم إلى تلّة لترى سوريا من بعيد. أعطتهم عمتها أم رافع فسائل نبات عنكبوتي، زرعوها بجانب المأوى، ونمت بشكل جميل، فأصبح مأواهم الوحيد المحاط بالخضرة. في يوليو، زارت ملالا مخيم الأزرق، وتجولت مع مزون في المدرسة والمراكز. بعدها، وجدت يسرى قطة وأصرت على تربيتها، لكن القطة ضاعت بعد شهرين، وفقدت العائلة شيئاً آخر.
بعد شهر من زيارة ملالا، كان من المقرر افتتاح مبنى جديد لمدرسة الإغاثة بحضور السفير الأمريكي في الأردن. طلب مدير المدرسة من مزون إلقاء خطاب مكتوب، لكنها رفضت قائلة: «لن أقرأ خطاب شخص آخر، لست ببغاء». تحدث معها موظفو اليونيسف، ووافقت على التحدث باسمهم. في يوم الزيارة، تحدثت مزون مع السفيرة بكلماتها البسيطة عن احتياجات الأطفال: كتب، حواسيب، كهرباء، وإمكانية الخروج من المخيم للتعليم العالي.
في أغسطس، بدأت قصص اللاجئين الذين يعبرون البحر المتوسط بقوارب مطاطية تغزو المخيم. كان البعض يغرق، وآخرون يصلون إلى أوروبا. بدأ الناس يتداولون معلومات عن المهربين والدول الأفضل. شعرت مزون بالخوف، ورأت أن المخيم آمن رغم عيوبه. ثم اتصلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين واقترحت إجراء مقابلات لإعادة التوطين. ترددت العائلة طويلاً. فكرت مزون في مستقبلها؛ لا توجد جامعة في المخيم، والجامعات الأردنية باهظة الثمن. لكن حملتها لتعليم الأطفال كانت ناجحة، وتساءلت إن كان بإمكانها التأثير بقوة أكبر من خارج المخيم.
وافقت العائلة في النهاية على المقابلات. سألهم موظف المفوضية عن الوجهة المفضلة: كندا أم السويد. رفضت مزون كليهما، وطلبت المملكة المتحدة. تفاجأ الموظف، لكنه وعد بالبحث. بعد أسابيع، اتصل بهم وأخبرهم بقبول طلبهم للانتقال إلى المملكة المتحدة. كان ذلك بعد وفاة الطفل السوري آلان كردي غرقاً، مما أثار موجة تعاطف عالمية، وأعلنت بريطانيا قبول عشرين ألف لاجئ جديد خلال خمس سنوات.
اجتمعت العائلة لمناقشة القرار. كان الأب الأكثر حماسة، والأم متحمسة أيضاً. عارض محمد بشدة، ويسرى كانت حزينة لترك أصدقائها. قال محمد: «هنا نحن قريبون من سوريا... بريطانيا بعيدة جداً، هل يعني هذا أننا لن نعود إلى ديارنا أبداً؟» أجاب الأب: «إن شاء الله سنعود، لكن القتال لن ينتهي قريباً، وقد حصلنا على فرصة نادرة، يجب أن نغتنمها». تقرر: هم يغادرون مرة أخرى.
واصلت مزون الذهاب إلى المدرسة حتى آخر يوم، وأكملت دورة الحاسوب وحصلت على الشهادة قبل المغادرة بأيام. في عمان، حضرت العائلة محاضرة عن الحياة في المملكة المتحدة، واكتشفت مزون أن وجهتها ليست لندن بل نيوكاسل في شمال شرق البلاد. بدأت توديع الأصدقاء. كان الوداع الأصعب لـ أبو حمزة وعائلته، ثم لـ رفهف. أرجأت مزون إخبارها حتى قبل خمسة أيام من المغادرة. قالت لها إنها ستغادر المخيم، لكنها لم تذكر أنها ستغادر البلاد. بكت الفتاتان معاً. في صباح المغادرة، أعطتها رهف رسالة طويلة لحفظها في كتاب الذكريات الذي أحضرته مزون من سوريا. غادرت العائلة المخيم في رحلة أخرى إلى المجهول.
8.الجزء الثامن: وصول181–204▼ ملخص
الجزء الثامن من كتاب "Muzoon" يحمل عنوان "الوصول"، ويؤرخ للرحلة التي قطعتها المؤلفة وعائلتها من مخيمات اللجوء في الأردن إلى المملكة المتحدة، والواقع الجديد الذي واجهوه هناك. الموضوع المحوري للفصل هو التناقض بين معنى "الوصول" المادي والوصول النفسي، فبينما تصل العائلة إلى بريطانيا بعد رحلة دامت سنتين وثمانية أشهر وثلاثين يوماً من مغادرتهم سوريا، إلا أن الشعور بالاستقرار الحقيقي والانتماء يستغرق وقتاً طويلاً. يطرح الفصل سؤالاً مركزياً: هل تستطيع مدينة مثل نيوكاسل أن تصبح وطناً؟ والإجابة التي يقدمها المؤلف ليست نعم أو لا بقدر ما هي وصف لعملية تدريجية وشاقة لاكتمال هذا الشعور.
يسير الفصل وفق ترتيب زمني واضح يبدأ من لحظة الهبوط. تصل العائلة إلى مطار بيروت ومنه إلى لندن على متن طائرة مليئة بعائلات سورية أخرى، في رحلة تصفها المؤلفة بأنها "رحلة لاجئين خاصة". عند الوصول، تستقبلهم منظمة تدعى نيو هومز نيوكاسل، وتخصص لهم موظفة دعم تدعى فيونا، والتي تندهش من إتقان مزون للغة الإنكليزية وتطلب منها الترجمة للعائلة. تمنحهم فيونا شقة مجهزة بالكامل بكل ما يحتاجون: أثاث، أغطية، طعام، أدوات مطبخ، وحتى ست فرش أسنان جديدة، الأمر الذي يثير دهشة العائلة ويجعل والد مزون يعتبر هذا الكرم "كثيراً جداً". هذا المثال يوضح الفجوة بين ما يعتبره الغرب "أساسيات" وبين ما يراه اللاجئون، الذين عانوا من الحرمان، كرفاهية غير متوقعة.
مع مرور الأيام، توثق المؤلفة سلسلة من الصعوبات اليومية التي واجهتها العائلة. تكتشف أن الحكومة المحلية تتحدث بلهجة "جوردي" الشمالية الشرقية، وهي لهجة صعبة الفهم حتى بالنسبة لفيونا القادمة من منطقة أخرى في بريطانيا. تسرد مزون موقفاً طريفاً عندما يأتي عامل لتركيب الإنترنت، ولا تستطيع فهمه رغم سنوات دراستها للإنكليزية، مما يضطرها إلى التوقيع على عقد لا تفهمه. تتحول مزون، الطفلة التي كانت تعتمد على والدها، إلى المعيل اللغوي والثقافي للعائلة، وهي المسؤولة عن الترجمة وفهم النظام الجديد. تعترف الكاتبة بفضل هذه الأيام بأنها جعلتها تفتقد سوريا بطريقة جديدة، وأنها رأت كيف أن التأقلم أصعب على والديها منه عليها.
لا يخلو الفصل من لمحات إيجابية عن المجتمع البريطاني، حيث تثني مزون على النظام والالتزام بالمواعيد والنظافة وخدمة البريد. لكنها تشير أيضاً إلى نظرات الشك والريبة التي تواجهها كمسلمة محجبة، وتستخدم تعبيراً عربياً: "العيون تتكلم بصوت أعلى من الأفواه". يتناول الفصل أيضاً عنصرية بعض الجيران، حيث تتعرض العائلة لمضايقات من عصابة من الشباب تطلق صفارة الإنذار ليلاً وترمي الحجارة، ويتعرض شقيقها محمد لإصابة في رأسه. عندما تتدخل الشرطة، تزعم العصابة أن محمد هو من بدأ الشجار، وتكتب الشرطة تقريراً يصف الحجارة بأنها "دفاع عن النفس"، وهو ما يشعر العائلة بالظلم والعجز لكونهم لاجئين لا يستطيعون خلق مشاكل.
يبلغ الفصل ذروته في الصراع الذي تخوضه مزون مع مديرة مدرستها الجديدة، السيدة پيرس. تصل مزون متحمسة للدراسة بهدف الالتحاق بالجامعة، لكنها تفاجأ بنظام تعليمي معقد يعتمد على اجتياز اختبارات متعددة: GCSE (الشهادة الثانوية العامة)، ثم ثلاثة A Levels (مواد متخصصة) كشرط لدخول الجامعة. السيدة پيرس تقلل من طموحات مزون مراراً، وتصر على إلحاقها بصفوف خاصة بالمهاجرين، وتقول لها صراحة: "أخشى أنك ستفشلين". تطلب مزون فرصة التسجيل في مواد A Level ثلاث مرات وتُرفض في كل مرة، وفي النهاية تعرض عليها المادة التي لا تريدها، ثم تتراجع عن وعدها. يمثل هذا الصراع، الذي يستخدم فيه الحوار كدليل مباشر على سوء الفهم وعدم الثقة، نموذجاً مصغراً للمعيقات المؤسسية التي تواجه اللاجئين، حتى أولئك المتفوقين. ترد مزون بقولها: "سأغادر هذه المدرسة"، ويصف الفصل هذا القرار بأنه "مغادرة يمكنني الشعور بالرضا تجاهها".
يتخلل الفصل أيضاً مساراً موازياً لأعمال مزون كمدافعة عن تعليم اللاجئين. تترقى من كونها ناشطة في المخيم إلى شخصية عالمية، فتلتقي بـ مالالا وعائلتها، وتتحدث في مؤتمرات الأمم المتحدة ومؤسسة كلينتون، وتفوز بجوائز مثل "المرأة العربية للعام". لكن المحطة الأهم هي تعيينها أصغر سفيرة للنوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف في عام 2017، وهي أول لاجئة رسمياً تحصل على هذا اللقب. هذا التطور يثبت أن إنجازاتها في الخارج لا تعتمد على نظام التعليم البريطاني وحده، بل على دعم منظمات دولية والتحاقها بالجامعة نهاية المطاف. وفي الخاتمة، ينتقل المشهد إلى يوم 24 سبتمبر، حيث تمر مزون من بوابة جامعة نيوكاسل، وقد حصلت على قبول لدراسة التاريخ والسياسة، مستعيدة شعور "الوصول" لأول مرة. يختتم الفصل بإشارة إلى أن هذه القصة تُكتب من منظور خريجة جامعية، مع تحديثات صغيرة عن أفراد العائلة: والدها يدرس الإنكليزية، وأمها تعرفت على أصدقاء، وإخوتها في مراحل تعليمية مختلفة، بينما بقيت الجدة في سوريا.
يقرّ الفصل بحدود متعددة: اللغة (بلهجتها المحلية)، والعنصرية اليومية، وصعوبة التكيف مع العزلة الاجتماعية في بريطانيا مقارنة بالحياة الجماعية في سوريا والمخيم، وعدم فهم النظام التعليمي الجديد. يترك أسئلة مفتوحة حول نجاح إخوة مزون، ومستقبل العائلة في بريطانيا، وحالة العم في الأردن. الحجج في الفصل غير قابلة للنقاش بشكل كبير، فهي شخصية وتوثيقية، لكن يمكن ملاحظة التباين بين النجاحات العالمية لمزون كمتحدثة وبين الصعوبات التي واجهتها في مدرسة محلية واحدة، مما يثير تساؤلات حول فعالية الأنظمة التربوية في دمج الطلاب الموهوبين من خلفيات لاجئة.
التحليل والكلمات المفتاحية
أماكن
أحداث