المورد
New Media and Revolution

New Media and Revolution

Billie Jeanne Brownlee١ كانون الثاني ٢٠٢٠enMcGill-Queen's University Press

بدأت الانتفاضات العربية التي هزت المنطقة عام 2011، ولا سيما الثورة السورية، لتضع الباحثين أمام سؤال شائك: ما الدور الحقيقي الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة في هذه التحولات؟ في كتابها "New Media and Revolution"، تقدم بيلي جين براونلي إجابة عميقة تتجاوز النظرة المبسطة التي تختزل هذه الوسائل في كونها مجرد أدوات تواصل أو محركات مباشرة للثورات. تدافع المؤلفة عن موقف محوري مفاده أن الإعلام الجديد، وبخاصة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن السبب المباشر للانتفاضة السورية، بل كان بمثابة الفضاء الحي الذي تحول فيه السخط الاجتماعي المكبوت تدريجياً إلى استراتيجيات عمل جماعي قابلة للتنفيذ. هذا الفضاء الافتراضي وفر ما تسميه المؤلفة "جغرافيات احتجاج جديدة"، حيث مارس المواطنون "فن الحضور" كما وصفه آصف بيات، أي فرض وجودهم الجماعي وكشف أخطاء الدولة وتشكيل ذوات سياسية لم تكن موجودة في المشهد العام من قبل، وذلك في ظل نظام لم يسمح بأي شكل من أشكال التجمع أو التعبير العلني.

تتتبع براونلي حجة الكتاب عبر فصولها المترابطة بمنطق تحليلي متين، إذ تبدأ برسم الإطار النظري العام لدور الإعلام الجديد في التمهيد للانتفاضات العربية، ثم تتعمق في الحالة السورية لتكشف عن الجذور العميقة للثورة التي لم تولد في 2011، بل نشأت في العقد الأول من حكم بشار الأسد داخل شاشات الكمبيوتر وأطباق الأقمار الصناعية. ينتقل الكتاب بعدها لتحليل "إصلاحات" النظام الإعلامية المتناقضة التي تبنت شعار "التغيير ضمن الاستمرارية"، موضحاً كيف أن هذه السياسات خلقت بيئة مهيأة للانفجار. ثم ينتقل إلى تفكيك التحول الجذري في علاقة المواطن بالدولة بفعل وصول التلفزيون الفضائي والإنترنت، ليكشف عن نشوء "مواطنة سلكية" جديدة. ويخصص فصلاً كاملاً لدراسة دور المساعدات الخارجية في تطوير الإعلام السوري، قبل أن يختتم برسم المشهد الإعلامي بعد 2011 وتحولاته الدراماتيكية. يربط المنطق الداخلي للكتاب بين هذه الأجزاء من خلال سؤال واحد: كيف تحول الفضاء الافتراضي من أداة للمقاومة الصامتة والتعبئة الصبورة إلى ساحة مواجهة مفتوحة وحرب إعلامية شاملة؟

تقدم الملخصات المقدمة للفصول ثروة من الأرقام والوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها. يبرز في المقدمة حادثة إحراق محمد البوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر 2010 في تونس، وكيف أن تسجيلها بهاتف محمول ونشرها على الإنترنت حولها إلى جسر تواصل بين المعاناة المكبوتة وردة الفعل الغاضبة، مما أدى إلى إسقاط زين العابدين بن علي في 14 يناير 2010. أما في سوريا، فتبدأ القصة بانتفاضة 15 مارس 2011 التي انطلقت استجابة لنداء على صفحة فيسبوك تجمع نحو 150 شخصاً أمام الجامع الأموي في دمشق. وتذكر المؤلفة أن مجزرة حماة عام 1982 التي ذهب ضحيتها ما بين 20,000 و 40,000 مدنياً في صمت تام، شكلت "متلازمة" رعب كسرها الإعلام الجديد عبر توثيق كل احتجاج وقمع. وتكشف الأرقام عن تحولات هائلة: ارتفاع استخدام الإنترنت في سوريا من أقل من 1% عام 2000 إلى 21% عام 2010، وانفجار استخدام الهواتف المحمولة ليبلغ 60%. وفي مجال الصحافة، حققت صحيفة الدمّري الساخرة مبيعات بلغت حوالي 75,000 نسخة أسبوعياً قبل إغلاقها. وتذكر براونلي أن الحملة الوطنية لمكافحة جرائم الشرف نجحت في جمع 10,254 توقيعاً وأدت إلى تعديل القانون عام 2008، كما أرغمت حملة قانون الأحوال الشخصية عام 2009 الحكومة على سحب مشروع قانون مثير للجدل. وفيما يتعلق بالمساعدات الخارجية، تشير إلى أن مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية خصصت 12 مليون دولار لسوريا بين 2005 و2010 لدعم قناة فضائية معارضة، وأن BBC Media Action نفذت مشروعاً بميزانية 1.5 مليون جنيه إسترليني بين 2004 و2007، وأن IWPR درب حوالي 80 صحفياً سورياً بين 2007 و 2010.

يقر الكتاب بوضوح بحدوده وتحفظاته، ولا يقدم رواية بطولية مبسطة لدور الإعلام الجديد. تعترف براونلي بأن هذه الوسائل هي "سلاح ذو حدين" يمكن استخدامه من قبل جميع الأطراف لأغراض متباينة. فالتكنولوجيا مجرد أداة؛ فالأنظمة الاستبدادية يمكنها مراقبة النشاط على الإنترنت لتحديد مواقع المعارضين، والجماعات الإرهابية مثل داعش استخدمتها لنشر أيديولوجيتها، والروس تدخلوا في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وكانت فضيحة كامبريدج أناليتيكا عام 2018 دليلاً على إمكانية تسليح البيانات الشخصية. كما تشير المؤلفة إلى أن النشاط المدني الافتراضي في سوريا كان محدوداً في البداية بدوائر النخبة من المثقفين والنشطاء، وأن الإصلاحات الإعلامية التي نفذها النظام كانت "طفيفة" ومتناقضة، ولم تمس جوهر هيمنته، بل كانت مجرد محاولة لـ"ترقية الاستبداد". وتقر براونلي بأن تحول الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية أثر بعمق على مدى البحث وأهدافه، وجعل الوصول إلى البلاد مستحيلاً، مما دفعها لتحويل تركيزها من إعطاء صوت للفاعلين المحليين إلى دراسة الهياكل العاملة. وتترك أسئلة مفتوحة حول كيفية قياس الإمكانات الديمقراطية للتكنولوجيا، وعن الحدود الفاصلة بين دعم الإعلام الحر وأجندات التغيير السياسي، وعن إمكانية أن يكون الإعلام الجديد قد تحول من أداة للتحرير إلى أداة للتشتيت والتقسيم.

يحتوي الكتاب على عدة حجج قابلة للنقاش بوضوح، يمكن الإشارة إليها بإيجاز. أولها، ينتقد براونلي الإفراط الأكاديمي في التركيز على تحليل استقرار الأنظمة وتحالفاتها السياسية، والذي وصفته بـ"أسطورة الاستقرار الاستبدادي"، على حساب دراسة أصوات الناس العاديين والممارسات اليومية للمقاومة التي سماها جيمس سكوت "السياسة التحتية" (infrapolitics). ثانياً، تقدم مفهوم "اللا حركة" (non-movement) على طريقة آصف بياط كإطار لوصف النشاط المدني الافتراضي في سوريا، وهو ما يتحدى التعريفات الغربية الكلاسيكية للحركات الاجتماعية القائمة على التنظيم الرسمي والقيادة الواضحة. ثالثاً، تطرح تساؤلاً أخلاقياً حول برامج المساعدات الإعلامية الغربية، وخاصة تلك التي تديرها USAID و MEPI، والتي قد تكون أداة لزعزعة استقرار الأنظمة غير المرغوب فيها وليس فقط تطوير الإعلام الحر، مما يطمس الحدود بين الدعم الإنساني والسياسة الخارجية. وأخيراً، تخلص إلى أن سوريا التي كانت تُعرف بـ"مملكة الصمت" أصبح لديها اليوم أفق إخباري لا نهائي، لكن العثور على الحقيقة فيها أصبح أصعب من أي وقت مضى، مما يجعل دور الإعلام الجديد في النهاية غامضاً ومزدوجاً: فهو يمكن أن يكون سلاحاً للضعفاء، كما يمكن أن يكون سلاح تشتيت جماعي.

الفصول(7)

1.الإعلام الجديد، ساحات معارك جديدة لثورات جديدة14–51▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً حول الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة في التمهيد للانتفاضات العربية، وخصوصاً الثورة السورية عام 2011، متجاوزاً النظرة المبسطة التي تختزل هذه الوسائل في مجرد أدوات تواصل. يرى المؤلف أن الإعلام الجديد لم يكن السبب المباشر للثورات، بل كان الفضاء الذي تحول فيه السخط الاجتماعي المكبوت إلى استراتيجيات عمل قابلة للتنفيذ، وذلك في أنظمة لم تكن تسمح بأي شكل من أشكال التجمع أو التعبير العلني.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من حركة الاحتجاج الإيرانية المعروفة باسم الحركة الخضراء في يونيو 2009، حيث انتشرت مقاطع الفيديو والصور التي توثق عنف النظام رغم جهود السلطات لمنع تدفق الأخبار. يرى المؤلف أن هذه الحركة شكلت بداية عصر جديد من الاحتجاجات في منطقة ظلت لعقود بعيدة عن أشكال التعبئة الشعبية. ثم ينتقل الفصل إلى حادثة إحراق محمد البوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر 2010 في تونس، ويوضح كيف أن تسجيل هذه الحادثة بهاتف محمول ونشرها على الإنترنت حولها إلى جسر تواصل بين معاناة التونسيين المكبوتة وردة فعلهم الغاضبة، مما أدى إلى إسقاط الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2010، وهو التاريخ الذي يشهد أولى المظاهرات التي نُظمت بالكامل عبر فيسبوك.

يواصل الفصل تحليله بالتركيز على الحالة السورية، حيث بدأت الانتفاضة رسمياً في 15 مارس 2011 استجابة لنداء على صفحة فيسبوك، تجمع نحو 150 شخصاً أمام الجامع الأموي في دمشق. يبين المؤلف أن الإعلام الجديد أدى ثلاثة أدوار حاسمة في السياق السوري: شجع المزيد من الناس على التعبير عن غضبهم والانضمام إلى المظاهرات، وساعد المحتجين على لفت انتباه الرأي العام العالمي، ومنع تمرير فظائع النظام دون أن يلاحظها أحد كما حدث في مجزرة حماة عام 1982 التي ذهب ضحيتها ما بين 20,000 و40,000 مدنياً في صمت تام. يقدم الفصل حجة أساسية مفادها أن الإعلام الجديد وفر "جغرافيات احتجاج جديدة"، أي فضاءات افتراضية تحولت إلى ساحات مواجهة مع السلطة، حيث مارس المواطنون ما يسميه آصف بيات "فن الحضور"، أي فرض وجودهم وكشف أخطاء الدولة وتشكيل ذوات جماعية لم تكن موجودة من قبل.

لا يخلو الفصل من تحفظات نقدية مهمة، حيث يشير المؤلف بوضوح إلى أن الإعلام الجديد سلاح ذو حدين. فالتكنولوجيا مجرد أداة يمكن استخدامها من قبل جميع الأطراف لأغراض متباينة؛ فالأنظمة الاستبدادية يمكنها مراقبة النشاط على الإنترنت لتحديد مواقع المعارضين، كما أن الجماعات الإرهابية مثل داعش استخدمت الوسائط الرقمية لنشر أيديولوجيتها، والروس تدخلوا في الانتخابات الأمريكية عام 2016، ناهيك عن فضيحة كامبريدج أناليتيكا عام 2018. يرفض المؤلف النظرة اليوتوبية أو الديستوبية المبسطة، ويدعو بدلاً من ذلك إلى فهم كيفية تبني هذه الأدوات في سياقات اجتماعية محددة.

يكشف الفصل عن حدود واضحة في الدراسات السابقة التي ركزت على "الصمود الاستبدادي" في المنطقة العربية، وأهملت ما يحدث تحت سطح السياسة النخبوية. ينتقد المؤلف الإفراط في التركيز على تحليل استقرار الأنظمة وتحالفاتها السياسية على حساب دراسة أصوات الناس العاديين، والحملات غير الرسمية على الويب، والمشاركة المدنية. ويرى أن المجتمع الأكاديمي فشل في التقاط قوى التغيير التي كانت تغلي من الأسفل بسبب انبهاره بـ"أسطورة الاستقرار الاستبدادي". ويشير إلى أن الحراك الذي قاد الثورات العربية حدث في معظمه خارج مؤسسات المجتمع المدني الرسمية، مما يدل على أن المجتمع كان أكثر انخراطاً مما كان يعتقد سابقاً.

في الختام، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح. فهو يدعو إلى إعادة النظر في مفاهيم السلطة والمشاركة المدنية في الأنظمة الاستبدادية، مبتعداً عن النماذج التصاعدية (من القمة إلى القاعدة) التي تهيمن على الأدبيات الأكاديمية. يرى المؤلف أن التغيير لا يحدث فقط عبر تغيير النخب الحاكمة، بل أيضاً من خلال الممارسات اليومية الصغيرة والمقاومة الجزئية التي سماها جيمس سكوت "السياسة التحتية" (infrapolitics)، وهي أفعال وممارسات ترفض أن تُعرف بالسياسي بشكل صريح، لكنها قد تنذر بحراك سياسي قادم. ويخلص الفصل إلى أن الثورة الرقمية الصامتة التي سبقت الانتفاضة السورية تتطلب إعادة صياغة التعريفات الكلاسيكية للحركات الاجتماعية لتشمل أشكالاً غير تقليدية من الفاعلية والنشاط في سياقات غير غربية.

2.من التعبئة المدنية الافتراضية إلى الملموسة52–84▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بمناقشة الثورة السورية التي اندلعت في 2011، ويتساءل عن دور الوسائط الجديدة (الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي) فيها. يقدم المؤلف إجابة واضحة: بدلاً من النظر إلى هذه الوسائط كأداة مفاجئة (ديوس إكس ماشينا) أشعلت الثورة في لحظتها، يرى أن دورها الحقيقي والأهم كان في السنوات العشر التي سبقتها، أي خلال عهد الرئيس بشار الأسد الذي بدأ عام 2000. الفصل هو تمهيد لفرضية الكتاب الأساسية: أن الانتفاضة السورية لم تبدأ في 2011، بل كانت نتاجاً لتراكم طويل من التغييرات الصامتة والنشاط المدني الذي تطور في الفضاء الافتراضي على مدى عقد من الزمن، لينتقل بعدها إلى الشارع الملموس.

يسير الفصل عبر خطوتين رئيسيتين: الأولى هي شرح السياق الذي خلق "العاصفة المثالية" لظهور هذه المقاومة، والثانية هي شرح عملية "التأطير" الطويلة التي مهدت للتحرك الجماعي. يقسم المؤلف العوامل المهيئة إلى ثلاثة أنواع من الضغوط: ضغط من الأسفل (المجتمع المدني)، وضغط من الأعلى (الحكومة)، وضغط من الخارج (الغرب). أما آليات التعبئة فكانت الوسائط الجديدة نفسها، حيث تحولت من مجرد أدوات للتواصل إلى فضاءات للاحتجاج والتنظيم.

في ضغط من الأسفل، يروي الفصل قصة الصحوة المدنية التي بدأت مع "الربيع الدمشقي" في مطلع الألفية، حيث ظهرت تجمعات مستقلة ومنتديات نقاشية. ورغم القمع الذي أوقف هذه الأنشطة في الشارع، إلا أنها انتقلت إلى الإنترنت. يذكر الفصل حملات مهمة مثل حملة إنهاء "جرائم الشرف" وحملة حق المرأة في منح جنسيتها لأطفالها، والتي نشأت جميعها عبر الإنترنت، مما جعل الفضاء الإلكتروني بمثابة أرض تدريب للنشطاء على اختبار الخطوط الحمراء للنظام.

في ضغط من الأعلى، يوضح الفصل أن إصلاحات بشار الأسد، رغم أنها كانت تهدف إلى "تطوير الاستبداد" (كما يصفها ستيفن هايدمان)، خلقت بيئة غير مستقرة. فتح قانون الإعلام الجديد (المرسوم رقم 50) المجال لملكية خاصة لوسائل الإعلام، مما أنتج طبقة من الصحفيين المحترفين. كما أن وصول الإنترنت إلى البلاد، الذي ارتفع من أقل من 1% عام 2000 إلى 21% عام 2010، وانفجار استخدام الهواتف المحمولة الذي بلغ 60%، شكلا البنية التحتية للمقاومة، وأضعفا سيطرة النظام على تدفق المعلومات.

في ضغط من الخارج، يناقش الفصل كيف أن الاستثمارات الغربية، وخاصة في مشاريع تطوير الإعلام، كانت تهدف إلى تمكين المجتمع المدني السوري. إلى جانب ذلك، لعبت قنوات فضائية مثل الجزيرة دوراً محورياً في كسر احتكار الدولة للمعلومات، من خلال استضافة شخصيات معارضة مثل قادة الإخوان المسلمين ومناقشة مواضيع محظورة. كما ظهرت قنوات فضائية معارضة من الشتات مثل قناة الزنوبية وقناة بردى.

أما بالنسبة لآليات التعبئة، فيؤكد الفصل أن المظالم وحدها لا تكفي؛ بل يحتاج الناس إلى قنوات للتنظيم. في سوريا، أصبح الإنترنت هو هذه القناة. لم يعد الناس بحاجة للقاء في المقاهي أو الجامعات، بل التقوا في "أزقة الإنترنت الافتراضية". انتشرت مواقع الأخبار المستقلة مثل All4Syria.com، وشهد اليوتيوب والمنتديات جدلاً حول مواضيع كانت من المحرمات، مثل المخدرات والمثلية. أصبح الفضاء الإلكتروني هو "المجال العام" الجديد على طريقة يورغن هابرماس، لكن بصيغة أكثر شعبية وأقل برجوازية.

في الجزء الأخير من الفصل، يعالج المؤلف السؤال النظري: كيف نصنف هذه الظاهرة؟ هل كانت حركة اجتماعية بالمعنى الكلاسيكي؟ يجيب بأنها لم تكن كذلك، لأنها لم تكن منظمة ولا تملك قائداً أو أهدافاً واضحة. بدلاً من ذلك، يصفها بأنها "لا حركة" (non-movement) على طريقة آصف بياط، حيث أن المواطنين العاديين يقومون بأعمال فردية متفرقة ولكن متشابهة تخلق تغييراً اجتماعياً من خلال "فن الحضور". لقد كانت هذه المقاومة الافتراضية هي "الصورة الرمزية" (avatar) للحركة الحقيقية التي ستظهر في 2011. فقط عندما انتقلت الاحتجاجات من الفضاء الإلكتروني إلى الشارع الملموس، تحولت هذه المجموعات غير المترابطة إلى حركة اجتماعية متكاملة.

يقر الفصل بحدود نظرية واضحة. فالتعريفات الغربية للحركات الاجتماعية، القائمة على التنظيم الرسمي والقيادة والاحتجاجات العلنية، لا تنطبق بسهولة على الواقع السوري القمعي. يعترف المؤلف بأن التحليل الغربي فشل في رؤية هذه الأشكال الهجينة من المقاومة، وتجاهلها معتبراً إياها غير فعالة. كما يشير إلى أن هذا النشاط الإلكتروني كان محدوداً في البداية بدوائر النخبة من المثقفين والنشطاء، وأن نجاحه يعتمد على الانتقال من الفضاء الافتراضي إلى الواقع الملموس، وهو ما حدث في 2011.

في النهاية، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم حجة مقنعة وقابلة للنقاش: أن الثورة السورية لم تولد في 2011، بل نشأت في العقد الأول من حكم بشار الأسد داخل شاشات الكمبيوتر وأطباق الأقمار الصناعية. يجمع المؤلف ببراعة بين نظريات الحركات الاجتماعية وعلم الإعلام ليكشف عن التحول الصامت الذي سبق العاصفة، محذراً من أن التركيز على لحظة الانفجار فقط يحجب فهم الجذور الحقيقية للتحولات الكبرى.

3.«التغيير ضمن الاستمرارية»: إصلاحات الشبل85–106▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل من كتاب "New Media and Revolution" فترة حكم الرئيس بشار الأسد في سوريا، ويركز على طبيعة "الإصلاحات" التي نفذها، خاصة في قطاع الإعلام التقليدي (الصحافة والإذاعة والتلفزيون). يتمحور السؤال الرئيسي حول ما إذا كانت هذه الإصلاحات تمثل تغييراً حقيقياً أم مجرد محاولة لتجديد السلطة الاستبدادية مع الحفاظ على أسسها. يقدّم الفصل إجابة مفادها أن سياسات الأسد، التي تبنّت شعار "التغيير ضمن الاستمرارية"، خلقت بيئة إعلامية متناقضة؛ فبينما حافظت على هيمنة النظام على وسائل الإعلام التقليدية، أتاحت مساحات محدودة ومضبوطة من الحرية النسبية، مما أدى إلى نشوء فضاءات غير متوقعة من النقد والمهنية، والتي ساهمت في النهاية في تهيئة المناخ لانتفاضة 2011.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف حالة الحنين إلى الماضي التي تسيطر على السوريين نتيجة عقود من القمع تحت حكم حزب البعث. ثم ينتقل إلى توثيق إرث الرئيس السابق حافظ الأسد، حيث صُوّرت وسائل الإعلام كأداة دعائية بحتة لخدمة النظام وخلق أسطورة "القائد الخالد". يشرح الكيفية التي استُخدمت بها الصحف الحكومية الثلاث (البعث، الثورة، وتشرين) ووكالة الأنباء الرسمية (سانا) لبث خطاب موحد وتمجيد القائد، مما جعل الصحفيين مجرد موظفين بيروقراطيين دون رأي. كما يناقش الفصل كيف أن الإعلام لعب دوراً محورياً في تسهيل انتقال السلطة إلى بشار الأسد بعد وفاة أخيه باسل، من خلال استبدال صورته ذهنياً في أذهان الجمهور.

بعد ذلك، يتناول الفصل "ربيع دمشق" الذي أعقب تولي بشار الأسد للسلطة في 10 يوليو 2000، مستشهداً بخطابه الافتتاحي في 17 يوليو 2000 الذي دعا إلى "التفكير الإبداعي" و"النقد البناء" و"الشفافية" و"الديمقراطية". لكنه يوضح أن الطريق إلى الإصلاح واجه عقبات كبيرة، أبرزها صراع الأجنحة داخل النظام بين "الحراس القدامى" المحافظين (الذين بلغ متوسط أعمارهم حوالي 60 عاماً) والإصلاحيين الجدد الذين جلبهم الأسد الشاب. يشير الفصل إلى أن الإصلاحات التي تحققت فعلياً كانت محدودة واقتصادية بالأساس، مثل تخفيض الخدمة العسكرية ستة أشهر، وتغيير ألوان الزي المدرسي من الكاكي العسكري إلى الأزرق والوردي في خريف 2003، وفتح جامعات خاصة، وتخفيف أشكال القمع البوليسي. ويُعرّف الكاتب هذه السياسة بأنها "ترقية استبدادية" و"رأسمالية استبدادية" تهدف إلى تعزيز قبضة النظام وليس تحرير المجتمع.

في القسم الأكبر من الفصل، يُركّز الكاتب على التأثير المحدود ولكن الملحوظ للإصلاحات على الإعلام التقليدي. كانت الخطوة الأولى هي تعيين مهدي دخل الله وزيراً للإعلام في 2004، وهو صحفي سابق خطا خطوات رمزية مثل بث جلسات مجلس الوزراء وتسهيل مقابلات الوزراء. أما الإنجاز الأهم فكان إصدار المرسوم رقم 50 في 2001، الذي أنهى احتكار الدولة لوسائل الإعلام نظرياً. يُقدم الفصل مثالين بارزين على الإعلام الجريء الذي ظهر في هذه الفترة القصيرة. الأول هو صحيفة الدمّري الأسبوعية الساخرة (التي صدرت بين 2001 و2003) لرسام الكاريكاتير علي فرزات، والتي حققت مبيعات بلغت حوالي 75,000 نسخة أسبوعياً بفضل هجومها اللاذع على الفساد والمحسوبية، حتى أُغلقت بضغوط حكومية. الثاني هو صحيفة الثورة الحكومية التي شهدت فترة وجيزة من التحرير المستقل تحت رئاسة تحرير محمود سلامه، والتي فتحت صفحاتها لشخصيات مدنية معارضة مثل ميشيل كيلو وعريف دليلة، قبل أن يعيد النظام تعيين محرر موالٍ للبعث بعد عام واحد فقط.

ينتقل الفصل بعدها إلى الإذاعة، التي انفتحت بعد قانون 2001 على محطات خاصة مثل راديو المدينة FM (الذي أُطلق في 2005)، والتي حاولت مذيعاتها بشكل حذر مناقشة قضايا حساسة مثل الفساد والمثلية الجنسية في برامج مثل صباح الخير يا سوريا، مع بقاء السياسة خطاً أحمر. أما القسم الأكثر إثارة للاهتمام فهو عن التلفزيون والدراما التلفزيونية (مسلسلات). يوضح الفصل أن النظام، في انشغاله بالسيطرة على الأخبار، سمح بمساحة غير مقصودة للإبداع الفني الناقد. يُشير إلى مسلسلات مثل بقعة ضو (2001) الساخر الذي تطرق لموضوع "رجل البخاخ" الذي يكتب شعارات على الجدران قبل عشر سنوات من اندلاع الثورة، وغزلان في غابة الذئاب (2006) الذي ناقش فساد كبار المسؤولين، وضيعة ضايعة (2008-2010) الذي أصبح أيقونة في نقد الاستبداد اليومي. يُعتبر هذا النوع من الإنتاج بمثابة "صمام أمان" للنظام وفي الوقت نفسه أداة لبناء وعي ناقد و"غضب متراكم" لدى المشاهدين.

يُقرّ الكاتب في الفصل بوضوح بحدود هذه الإصلاحات، معترفاً بأنها كانت "طفيفة" ومتناقضة، ولم تمس جوهر هيمنة النظام. ويشير إلى أن العديد من التراخيص الإعلامية الجديدة كانت في مجالات الترفيه، وأن الصحف الخاصة ظلّت خاضعة لرقابة وزارة الإعلام وأسعار الطباعة الباهظة. كما يُصرّح بأن "التغيير كان يحدث، ولو ببطء، على المستويين الفردي والمجتمعي" في الوعي المدني والوصول إلى المعلومات، لكنه يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التغييرات قد مهّدت الطريق بشكل حتمي للانتفاضة أم أنها كانت مجرد استجابة ظرفية للضغوط. في التحليل الأخير، يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه النص هو: هل كان بإمكان النظام السوري أن يستمر في لعبة "التغيير ضمن الاستمرارية" دون أن ينفجر المجتمع في وجهه، أم أن هذه السياسات المزدوجة كانت تحمل بذور زوالها منذ البداية؟

4.تمكين الجماهير: التلفزيون الفضائي والإنترنت107–157▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل، «تمكين الجماهير: التلفزيون الفضائي والإنترنت»، على الدور المحوري الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة (القنوات الفضائية والإنترنت) في تغيير العلاقة بين النظام السوري والمواطنين خلال فترة رئاسة بشار الأسد. يقدم المؤلف بيلي جين براونلي إجابة واضحة: على الرغم من أن إصلاحات بشار الأسد الاقتصادية والإعلامية (الانفتاح) كانت متناقضة وهادفة إلى تعزيز قبضة النظام بدلاً من تفكيكها، إلا أنها خلقت عن غير قصد مساحات جديدة للنقاش العام والمشاركة المدنية، مما أدى إلى ظهور «مواطنة سلكية» (wired citizenship) وتمكين الجماهير بشكل تدريجي لكنه عميق. يجادل الفصل بأن التغيير لم يحدث فقط في بنية وسائل الإعلام (الخصخصة وظهور قنوات جديدة)، بل الأهم من ذلك في «الفاعلين» أنفسهم، أي الصحفيين والمواطنين، الذين أصبحوا أكثر مهنية ومشاركة بفضل الأدوات الجديدة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بنقد المقاربات الأكاديمية الغربية التي ركزت على الاستقرار الاستبدادي ووصفت المجتمع السوري بأنه «مجتمع منضبط» خالٍ من الفاعلية، متجاهلة «الشقوق الصغيرة» التي كانت تقوض النظام من الداخل. ثم ينتقل إلى تفصيل تطور وسيلتين رئيسيتين: الأولى هي التلفزيون الفضائي الذي يعتبره «الديمقراطية الجديدة على الشاطئ». يشرح كيف أن وصول القنوات الفضائية، وخاصة الجزيرة (التي انطلقت عام 1996)، كسر احتكار الدولة للمعلومات. يصف كيف أن هذه القنوات قدمت روايات متعارضة مع الإعلام الرسمي، وأتاحت منصة للمعارضة (مثل استضافة قيادة الإخوان المسلمين)، وحفزت النقاشات العائلية حول مستقبل البلاد. يذكر أمثلة على قنوات سورية مثل شام والدنيا والرأي التي كانت محدودة النجاح، ومقابلها قناة بردى المعارضة الممولة من الخارج، والتي لعبت دوراً في تغطية الاحتجاجات المبكرة. ويلفت الانتباه إلى مفارقة إنشاء «المناطق الحرة الإعلامية» (MFZIs) التي سمحت بإنتاج إعلامي عابر للحدود ولكن تحت رقابة مشددة، مما يعكس ازدواجية سياسة النظام.

أما الوسيلة الثانية والأكثر تأثيراً فهي الإنترنت، الذي يعتبره الفصل «العامل الديمقراطي الجديد في الخارج». يتتبع الفصل قصة وصول الإنترنت إلى سوريا، بدءاً من محاضرة عماد مصطفى عام 1999 التي أظهرت «الجدار الأسود» لغياب سوريا عن الفضاء الإلكتروني، وصولاً إلى القرار الرسمي بالسماح بالوصول العام بدءاً من عام 2000. يصف الفصل الانفجار الهائل في عدد المشتركين (ارتفاع بنسبة 4,900% في سبع سنوات)، ولكنه يحذر من الاكتفاء بالأرقام، مشيراً إلى أن الوصول عبر مقاهي الإنترنت خلق تفاعلاً اجتماعياً لا يمكن قياسه بالاحصائيات فقط. يعرض الفصل التناقض الصارخ: فالنظام شجع الإنترنت للتحديث وجذب الاستثمارات، لكنه في الوقت نفسه بنى نظاماً متطوراً للرقابة والحجب، مستعيناً بشركات غربية مثل بلاتينيوم الكندية ومايكروسوفت. ورغم ذلك، طور السوريون مهارات في تجاوز الحجب عبر المواقع الوسيطة، محولين الفضاء الإلكتروني إلى «مكان للمواجهة» بين الدولة والمواطنين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى استعراض الأشكال المختلفة للنشاط المدني عبر الإنترنت. يناقش ظاهرة المدونات التي، رغم قلة عددها (من 5 مدونات عام 2005 إلى 86 عام 2010)، كانت نشطة وناقدة بشكل معتدل للقيادة. ثم ينتقل إلى المواقع الإخبارية مثل All4Syria.com وSyria News التي قدمت منابر للصحافة المستقلة والمهنية، وفتحت مجالاً للتعليقات والمساهمة، وتناولت مواضيع كانت من المحرمات مثل الفساد والمثلية الجنسية. يبرز بشكل خاص نجاح الحملات الوطنية عبر الإنترنت، والتي تمثل دليلاً ملموساً على التمكين المدني. يذكر حملة «نريد التقدم لا التراجع» على فيسبوك لدعم حقوق المرأة، وحملة «احصل على حقوقك» لمواجهة الرقابة، وحملة «كفى صمتاً» لرفع قانون الطوارئ. والأكثر إثارة للإعجاب هو نجاح الحملة الوطنية لمكافحة جرائم الشرف التي نجحت في جمع 10,254 توقيعاً وأدت إلى تعديل القانون (رفع العقوبة من سنة إلى سنتين) عام 2008، وحملة قانون الأحوال الشخصية عام 2009 التي أرغمت الحكومة على سحب مشروع قانون مثير للجدل. تعتبر هذه الحملات بمثابة أرضية تجريبية للعمل الجماعي والسياسي.

يعترف الفصل بوضوح بحدود هذا التحول. يقر بأن النشاط عبر الإنترنت ظل في الغالب «سياسياً ولكنه ليس مؤسسياً»، أي محصوراً في الفضاء الإلكتروني، وقد تسامح معه النظام لأنه اعتبره تنفيساً عن الضغط أو وسيلة لإظهار تعددية شكلية. كما أن الرقابة كانت شديدة، وسوريا حصلت على تصنيفات سلبية مثل كونها من «أعداء الإنترنت» حسب مراسلون بلا حدود عام 2006، وكونها ثالث أسوأ دولة للمدونين حسب لجنة حماية الصحفيين عام 2009. ومع ذلك، يرى الفصل أن هذه القيود لم تمنع التغيير، بل حفزت الإبداع في تجاوزها، وخلقت ديناميكية جديدة من العلاقة بين الدولة والمجتمع. يطرح الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية قياس الإمكانات الديمقراطية للتكنولوجيا، محذراً من الاعتماد على الأرقام وحدها، ومؤكداً على أهمية السياقات المحلية والتفاعل الاجتماعي.

أخيراً، يختتم الفصل بإعادة التأكيد على عامل الفاعلية البشرية (human agency) كعنصر حاسم ومهمل في الدراسات السابقة. ينتقد المؤلف النظريات التي صورت السوريين كجماهير سلبية منضبطة، ويرى أن التغيير الحقيقي حدث «في الفاعلين وليس فقط في المؤسسات». الصحفيون والمواطنون، كل في مجاله، أصبحوا جزءاً من عملية تغيير متبادلة ومستجيبة. يخلص الفصل إلى أن النظام وقع ضحية إصلاحاته الخاصة، وأن الفضل في التغيير يعود جزئياً إلى إجراءات النظام المتناقضة، ولكن بشكل أساسي إلى السوريين أنفسهم الذين استغلوا هذه المساحات الجديدة ليصبحوا مواطنين أكثر وعياً ومشاركة، منهين بذلك عقوداً من العزلة الاجتماعية. يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن التغيير السياسي العميق في الأنظمة الاستبدادية لا ينبع بالضرورة من الإصلاحات الكبيرة، بل من التحولات التراكمية في البنى التحتية والسلوكيات الفردية والجماعية داخل المجتمع.

5.تطوير الإعلام والمساعدات الخارجية158–177▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تحليل دور المساعدات الخارجية في تطوير الإعلام في سوريا قبل وبعد انتفاضة 2011، مركزاً على الجهات المانحة والمنفذة الرئيسية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذه المساعدات، رغم إعلان أهدافها المتمثلة في تعزيز حرية التعبير والشفافية والإعلام المستقل، غالباً ما تحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية معقدة، وتخضع لقيود الأنظمة المستهدفة، مما يجعل تأثيرها متفاوتاً وتقييمها صعباً.

يسير الفصل خطوة بخطوة بتقسيم اللاعبين الدوليين إلى فئات، مبتدئاً بوكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID). يوضح الكاتب أن برامج USAID الإعلامية ركزت في الثمانينيات على أمريكا اللاتينية، ثم تحولت نحو أوروبا الشرقية وأوراسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى الشرق الأوسط. يكشف الفصل أن الإنفاق الأمريكي على تطوير الإعلام المستقل تضاعف تقريباً بين عامي 2005 و 2010، ليصل إلى أكثر من نصف مليار دولار، مع قفزة هائلة في الإنفاق على الشرق الأوسط من مليون دولار إلى أكثر من 42 مليون دولار في عام 2008 وحده. في سوريا، اضطرت USAID للعمل بشكل غير مباشر عبر دعم منظمات المجتمع المدني قبل 2011 بسبب القيود النظامية، مما يجعل تتبع برامجها صعباً. يذكر الفصل أن مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية (MEPI) خصصت 12 مليون دولار لسوريا بين 2005 و 2010، وفقاً لبرقيات ويكيليكس، لدعم قناة فضائية معارضة تدعى Barada TV، في محاولة لزعزعة استقرار النظام، مما يوضح "الخط الرفيع" بين تطوير الإعلام والدبلوماسية العامة.

ينتقل الفصل بعدها إلى منظمات الأمم المتحدة، بدءاً بـاليونسكو (UNESCO). عملت UNESCO من خلال القنوات الرسمية بموافقة الحكومة السورية، وركزت على ثلاثة مستويات: المؤسسات (كوكالة الأنباء السورية SANA والمجلس الأعلى للإعلام)، والمهنيين (تدريب الصحفيين على حرية التعبير والصحافة الإلكترونية)، والأكاديميا (تحديث المناهج في الجامعات والمدارس). استضافت UNESCO في دمشق عام 2005 الاجتماع التحضيري الإقليمي للقمة العالمية لمجتمع المعلومات، ونظمت ورش عمل للصحفيين والمعلمين. بعد اندلاع الانتفاضة، انتقل مقرها إلى بيروت وركزت على دعم اللاجئين الشباب في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأمان. ثم يتناول الفصل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، الذي عمل أيضاً ضمن حدود النظام السوري. يبرز الفصل مشروع "تمكين الصحفيين الشباب" (Tawasul) بالشراكة مع المركز الدولي للصحفيين (ICFJ) بين 2007 و 2011، والذي درب 59 صحفياً شاباً بميزانية 682,000 دولار لإنتاج قصص متعددة الوسائط حول قضايا اجتماعية. كما دعم UNDP صحيفة Syria Times الناطقة بالإنجليزية في 2008، وقدم 444,000 دولار في 2010 لدعم قطاع الإعلام في سوريا لمدة عامين.

ينتقل الفصل بعدها إلى المنظمات المنفذة، وفي مقدمتها BBC Media Action. عملت هذه المؤسسة الخيرية بموافقة الدولة، ونفذت مشروع "حوار الإعلام العربي" بين 2004 و 2007 بميزانية 1.5 مليون جنيه إسترليني، والذي تضمن تدريب الصحفيين والإداريين في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة. في 2006، دعمت BBC صحيفة Syria News الإلكترونية الناشئة، وفي 2008 أطلقت مشروع "أكاديمية آراء" (Ara2 Academy)، وهو منصة تدريب إلكترونية تفاعلية استهدفت المدونين والصحفيين السوريين، ونجحت في تدريب أكثر من 75 شخصاً قبل توقفها في 2011. بسبب تدهور الأوضاع، تحولت BBC في نهاية 2013 إلى مشروع للاجئين في لبنان والأردن بالشراكة مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ركز على توفير المعلومات العملية وتعزيز التماسك الاجتماعي عبر شاشات عرض ومكبرات صوت في مراكز التسجيل.

ثم يتناول الفصل معهد الإعلام الحرب والسلام (IWPR)، الذي اتبع نهجاً مختلفاً بالعمل تحت الأرض وبشكل سري دون موافقة الحكومة. بدأ المعهد تدريباته للصحفيين والناشطين في إسطنبول عام 2007، ثم انتقل للعمل في دمشق عام 2008 عبر شراكة مع الأكاديمية السورية الدولية للتدريب والتطوير (SIA). درب المعهد حوالي 80 صحفياً سورياً بين 2007 و 2010، وأنشأ موقعي "دمشق بيورو" و"سايبر أرابس" لدعم المتدربين. واجه IWPR تضييقاً من النظام في 2010 مما اضطره لنقل مقره إلى بيروت، حيث أصبح يولي اهتماماً كبيراً لفحص المرشحين لتجنب تسلل عناصر المخابرات. يختتم الفصل بعرض منظمات أخرى مثل شبكة الصحفيين العرب للصحافة الاستقصائية (ARIJ)، التي عملت بموافقة الحكومة ودربت أكثر من 150 صحفياً سورياً على التحقيقات الاستقصائية مع توفير الدعم القانوني لهم. ويشير إلى منظمتي "بيت الحرية" (Freedom House) ومؤسسة "ألبرت أينشتاين"، اللتين تجنبتا العمل المباشر مع النظام وفضلتا تدريب السوريين في الخارج في الأردن والولايات المتحدة.

يعترف الفصل بحدوده وتحفظاته بوضوح، مشيراً إلى صعوبة تتبع تمويل USAID بسبب طبيعته غير الشفافة ودمج مشاريعه ضمن برامج تنموية أكبر. ويقر بأن العمل مع الأنظمة الاستبدادية يفرض قيوداً، فالعمل بموافقة الدولة (كما فعلت UNESCO وBBC وARIJ) يحد من حرية المحتوى، بينما العمل السري (كما فعل IWPR) يتطلب وقتاً أطول وأكثر خطورة لبناء الثقة. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول حدود التدخل الدولي والخط الفاصل بين دعم الإعلام الحر وأجندات التغيير السياسي. أخيراً، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش، أبرزها الاتهام الموجه لـUSAID وMEPI بأن برامجهما الإعلامية كانت أداة لزعزعة استقرار النظام السوري وليس فقط تطوير الإعلام، وهو ما يثيره تناقض تصريحات المسؤولين الأمريكيين الذين ينفون السعي لتغيير الأنظمة.

6.المشهد الإعلامي السوري بعد 2011178–208▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل المشهد الإعلامي في سوريا بعد عام 2011، ويقدّم إجابة محورية مفادها أن وسائل الإعلام الجديدة لم تكن مجرد أدوات لنقل الأحداث، بل كانت عنصراً فاعلاً ومحورياً في مسار الثورة السورية، حيث ساهمت في تشكيلها وتطورها وتحولها من انتفاضة شعبية إلى حرب أهلية معقدة. يرى المؤلف أن الإعلام الجديد لعب أدواراً متعددة ومتغيرة على امتداد مراحل النزاع المختلفة، بدءاً من التعبئة والحشد، مروراً بالتوثيق ونشر المعلومات، ووصولاً إلى التحول إلى ساحة للمواجهة الافتراضية وأداة للحرب بالوكالة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاث مراحل زمنية رئيسية لتطور الإعلام السوري. في المرحلة الأولى، التي تمثل بداية الانتفاضة في 15 مارس 2011، يصف الفصل كيف كانت وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك ويوتيوب، بمثابة نقطة الانطلاق الأساسية للثورة. نشأت صفحة "الثورة السورية 2011" على فيسبوك كمنصة رئيسية للتنسيق والدعوة للاحتجاجات، وحصدت أكثر من 41,000 معجب في أيامها الأولى. يشرح المؤلف أن هذه المنصات الرقمية عملت على تجاوز "متلازمة حماة"، أي الخوف من تكرار مجزرة عام 1982 التي غابت عنها التغطية الإعلامية، حيث قام النشطاء بتوثيق كل احتجاج وقمع له عبر هواتفهم المحمولة، وأطلقوا على هذه المقاطع اسم "التنسيقيات". ساهم هذا التوثيق في خلق عملية "تحرير إدراكي" كما يصفها دوج ماك آدم، حيث كسر حاجز الخوف وشجع المزيد من الناس على الانضمام للاحتجاجات. يضرب الفصل مثالاً على الإبداع الإعلامي في هذه المرحلة ببرنامج الدمى الساخر "Top Goon: Diaries of the Little Dictator" الذي سخر من بشار الأسد، وحملة "الأيادي المرفوعة" التي أعاد النشطاء صياغة شعاراتها الدعائية للنظام لتعبّر عن مطالبهم بالحرية.

في المرحلة الثانية، ينتقل الفصل من الاحتجاجات السلمية إلى النزاع المسلح، ويصف تحول "النشاط الإعلامي" إلى "صحافة المواطن". مع رفض النظام منح تأشيرات للصحفيين الأجانب، أصبح المواطنون السوريون المصدر الرئيسي للأخبار والصور من داخل البلاد. تطورت "التنسيقيات" إلى "لجان تنسيق محلية" وأنشأت مراكز إعلامية لتقديم تغطية محلية أكثر تنظيماً. إلى جانب الفضاء الرقمي، شهدت هذه المرحلة عودة قوية لوسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف السرية والإذاعات، وذلك بسبب صعوبة الوصول إلى الإنترنت في ظل الحرب. بدأت صحف مثل "سوريتنا" و"عنب بلدي" و"حريات" بالظهور منذ نهاية عام 2011، وقدمت بديلاً لإعلام النظام لمن لا يستطيعون الوصول إلى الإنترنت. يبرز المؤلف هنا مثالاً لمجلة "سيدة سوريا" التي صدرت بدعم من منظمات فرنسية ووزعت آلاف النسخ في المناطق المحررة والمخيمات، وكانت أول مجلة مخصصة للمرأة السورية بعيداً عن الصورة الرسمية الوحيدة لأسماء الأسد. كما عاد الراديو كوسيلة فعالة، وضرب مثلاً بـ"راديو سوريالي" الذي بدأ بثه في أكتوبر 2012 ليكون منصة تواصل بين السوريين من مختلف الخلفيات، مع برامج تركز على التراث الثقافي والطهي والحياة اليومية تحت الحصار.

أما المرحلة الثالثة، فتصف التطور نحو "الاحترافية الإعلامية" وسط جمود الحرب. هنا، أصبح الإعلام السوري أكثر تنظيماً واحترافية بفضل الدعم المالي والتقني الهائل من الجهات الغربية والدولية، وتحول قطاع المساعدات الإعلامية إلى صناعة كبرى. أصبحت غازي عنتاب التركية مركزاً لهذه المنظمات التي تدرب الصحفيين والنشطاء السوريين. يذكر الفصل أمثلة على هذه الجهود، مثل شبكة SMART التي تحولت إلى وكالة أنباء دربت نحو 400 صحفي ناشط، و"مكتب دمشق" (Damascus Bureau) كمنصة لتحرير ونشر مقالات النشطاء، ورابطة ANA التي دربت وجّهزت مئات المراسلين السوريين عبر الحدود اللبنانية بتدريب وتجهيز سري. كما تم إنشاء بوابات إلكترونية مثل "دولتي" و"سوريا أنتولد" لجمع وتدقيق الأخبار القادمة من سوريا وتحويلها إلى قصص صحفية متماسكة. لكن الفصل لا يخلو من نقاش نقدي، حيث يشير إلى أن هذا القطاع من الإعلام أصبح أيضاً أداة للحرب بالوكالة بين القوى الإقليمية (السعودية، إيران، قطر)، وساهم في "تسويق الخوف" و"طائفة النزاع" من خلال خطاب إعلامي طائفي تستخدمه جميع الأطراف، بما في ذلك النظام والمعارضة.

يواجه الفصل قضية إعلامية أخرى بالغة الأهمية وهي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويصفه بأنه "الخلافة الإلكترونية" التي تستخدم أحدث تقنيات الإعلام الرقمي لتحقيق أهداف رجعية. استثمر التنظيم بشكل كبير في دعايته المتطورة التي تجمع بين مقاطع الفيديو الوحشية لإعدام الرهائن وأخرى تُظهر "اليوتوبيا الإسلامية" الجذابة لنمط الحياة تحت الخلافة. أنشأ التنظيم مركز الحياه للإعلام الذي يستهدف غير الناطقين بالعربية، ويعتمد على أعضاء يجيدون التصميم والتسويق وتكنولوجيا المعلومات. يُقدر الفصل أن 40,000 أجنبي من 110 دولة انضموا للتنظيم متأثرين بهذه الدعاية. بهذا، يُظهر الفصل أن وسائل الإعلام الجديدة هي أدوات قابلة للاستخدام من قبل أطراف متعددة ومتعارضة؛ فهي نفس الأدوات التي استخدمها النشطاء السلميون لتحقيق التغيير استخدمها النظام والحكومة والتنظيمات الإرهابية لشن حروبها الالكترونية.

يعترف المؤلف في ختام الفصل بحدوده، مشيراً إلى أن المشهد الإعلامي السوري ليس حقلاً متجانساً وأن التقسيم إلى ثلاث مراحل هو تقسيم تحليلي قد لا يعكس التعقيد الفعلي للواقع بشكل كامل. كما يقر بأن الفصل يهدف فقط إلى تقديم لمحة عن هذا المشهد المتعدد الأوجه، وليس دراسة شاملة له. يُبقي الفصل الباب مفتوحاً للأسئلة المتعلقة بالدور طويل الأمد لهذه التغييرات الإعلامية على البنى السياسية التقليدية في سوريا، وكيف يمكن لهذا الإعلام أن يساهم في إعادة بناء البلاد بعد النزاع. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي الربط المباشر بين برامج المساعدات الإعلامية الغربية وإرساء الأسس للانتفاضة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه المساعدات، وما إذا كانت تدعيماً للديمقراطية أم أداة للسياسة الخارجية لإحداث تغيير في الأنظمة غير المرغوب فيها، كما يشير الكاتب نفسه إلى تجربة مشابهة فاشلة في كوبا.

7.الخاتمة – الإعلام: أسلحة الضعفاء أم أسلحة التشتيت الجماعي؟209–273▼ ملخص

يُختتم الكتاب بتأمل في الدور المزدوج لوسائل الإعلام الجديدة في سياق الثورة السورية، وهي التي كانت موضوع التحليل طوال الفصول السابقة. يطرح المؤلف السؤال المحوري: هل الإعلام الجديد "سلاح الضعفاء" الذي يمكّن الشعوب من مقاومة الأنظمة الاستبدادية، أم هو "سلاح التشتيت الجماعي" الذي يُستخدم لتفتيت المجتمعات وإلهائها؟ الإجابة التي يقدمها الفصل معقدة وليست أحادية الجانب، فهو يرى أن الإعلام الجديد لعب دوراً حاسماً في خلق الظروف المهيئة للانتفاضة السورية قبل عام 2011، لكنه تحول لاحقاً إلى أداة للحرب والتقسيم بعد اندلاع النزاع المسلح.

يسير الفصل بتتبع تحول الوسائط الجديدة من أدوات للتفاعل والتواصل الاجتماعي في العقد الأول من حكم بشار الأسد (من 2000 إلى 2011) إلى لعبة قوة بين الأطراف المتصارعة مع اندلاع الثورة. يشرح المؤلف أن الحجة الأساسية للكتاب هي أن مقاومة شعبية من القاعدة نشأت خلال تلك الحقبة نتيجة لهياكل الفرص المتاحة (الاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية)، والتي تم تكييفها بفعل وصول الناس إلى وسائل الإعلام الجديدة. لم تكن هذه المقاومة عبارة عن "حركة اجتماعية" منظمة بالمعنى الغربي الكلاسيكي، بل كانت شكلاً من أشكال المقاومة غير المنظمة التي تقتصر على فضاء الإنترنت الافتراضي، وتتميز بالعفوية والتركيز على حملات ذات قضايا محددة. فقط في عام 2011 تحولت هذه الأشكال من المقاومة إلى حركة اجتماعية حقيقية بمظاهرات شوارع ملموسة.

يؤكد المؤلف على دور الإنترنت كأداة حاسمة أضعفت استقرار النظام السوري من خلال اختراق سيطرته المطلقة على عنصرين رئيسيين: تدفق المعلومات وتفاعلات الناس. أصبحت المنصات الافتراضية قناة لتوجيه عدم الثقة تجاه النظام والآمال في الإصلاح، كما أتاحت مساحة للتعبير عن المعارضة وظهور ذاتيات جماعية جديدة. يضرب أمثلة، وإن بشكل غير مباشر، على كيفية تحول المواطنين العاديين إلى فاعلين سياسيين من خلال التدوين واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مما خلق أشكالاً من المشاركة المدنية والوعي التي لم يعد من الممكن احتواؤها في الفضاء الضيق الذي يسمح به النظام.

لا يتجاهل الفصل حدود وتحفظات الكتاب نفسه. يقر المؤلف بالتحديات العملية الكبيرة، وعلى رأسها تحول الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية أثرت بعمق على مدى البحث وأهدافه الأولية. جعل الصراع الوصول إلى البلاد مستحيلاً في المرحلة الثانية من العمل الميداني، مما دفع المؤلف لتحويل تركيزه من إعطاء صوت للفاعلين المحليين من القاعدة إلى دراسة الهياكل العاملة ضمن هذا السياق ووضع نموذج مفاهيمي. هناك أيضاً تحدٍ نظري متعلق بحدود التخصصات الأكاديمية المختلفة، حيث يقر المؤلف أن المشروع البحثي يظل بعيداً عن الحسم في هذه القضايا ويشجع على المزيد من البحث في سياقات أخرى، مثل كوبا والصين وإيران.

يتناول الفصل بالتحليل قابلية دور الإعلام الجديد للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالدعم الدولي. يشير إلى أنه بين 2008 و2011، خول الكونغرس الأمريكي إنفاق 76 مليون دولار لدعم حرية الإنترنت في مناطق تحتاج إلى تحول سياسي. ويسلط الضوء على برامج "المساعدات غير الفتاكة" من الحكومات الغربية والخليجية للفصائل السورية، والتي طمسَت الحدود بين المساعدة الإعلامية والمساعدات الإنسانية، مما يطرح تساؤلات أخلاقية حول إضعاف الديكتاتوريين دون إضعاف الحكومات الديمقراطية. كما يناقش الوجه الآخر للإعلام الجديد، وهو قدرته على نشر المعلومات المضللة، وتكثيف الانقسام، والتأثير على الانتخابات، مستشهداً بقضية تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 وفضيحة كامبريدج أناليتيكا كنماذج على تآكل المؤسسات الديمقراطية.

يختتم الفصل بتأكيد فكرة مزدوجة: الإنترنت يمكن أن يعمل كتكنولوجيا محررة قوية أو كآلة مستعبدة. من ناحية، تساهم الإعجابات والمشاركات في نشر الوعي، لكن من ناحية أخرى، النشاط الرقمي قد يجعل الناس يعتقدون خطأً أن أفعالهم البسيطة عبر الإنترنت كافية لإحداث التغيير. والأكثر خطورة هو قدرة هذه الوسائل على توسيع الانقسامات وخطاب الكراهية، مستشهداً بالبث المباشر لهجوم المسجد في كرايستشيرش في مارس 2019 كمثال صارخ. في الختام، يرى المؤلف أنه بينما يمكن القول إن الإعلام الجديد مهد الطريق للانتفاضة السورية وأثر على مسار النزاع، فإنه من المحتمل أيضاً أن يحدد نهايته، حيث من غير المرجح أن ينتهي الصراع العسكري قبل أن تخف الحرب الإعلامية الموازية. سوريا التي كانت تعرف بـ"مملكة الصمت" تحت حكم autocratic، أصبح لديها اليوم أفق إخباري لا نهائي وعدد هائل من الاتصالات، ومع ذلك أصبح العثور على الحقيقة أصعب من أي وقت مضى.