
Operation Aleppo Russia's War in Syria
في قلب كتاب "عملية حلب: حرب روسيا في سوريا"، يقدم المؤرخ العسكري البريطاني تيم ريبلي دراسة تفصيلية عن الكيفية التي تمكنت بها روسيا من تحويل مسار الحرب الأهلية السورية عبر تدخلها العسكري في عام 2015، ويركز بشكل خاص على الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2017. الموضوع المحوري للكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تفسير لكيفية تحقيق روسيا لمفاجأة استراتيجية كبرى، تماماً كما فعلت في شبه جزيرة القرم قبل عام، وكيف تمكنت من ترجمة قوتها الجوية والبحرية والبشرية إلى انتصارات ملموسة على الأرض. يدافع ريبلي عن أطروحة واضحة: أن الفشل الغربي في فهم التدخل الروسي لم يكن خطأ معلوماتياً عابراً، بل نتاج "عقلية قطيع" و"تفكير جماعي" جعل المؤسسات السياسية والاستخباراتية الغربية غير قادرة على تصديق أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يقدم على خطوة بهذه الجرأة، بعد أن توقفت مراقبة الاتصالات العسكرية الروسية منذ نهاية الحرب الباردة. يبني المؤلف كتابه على مصادر غير تقليدية في عصر المعلومات، مثل تتبع حركة السفن عبر الإنترنت، وصور الأقمار الصناعية التجارية المتاحة للعامة، ومنشورات الجنود الروس على وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى اتصالاته بقادة عسكريين واستخباراتيين غربيين وشرقيين، ويهدف من كل ذلك إلى تقديم نظرة من وجهة نظر موسكو ودمشق وطهران، ليس للتماهي معها بل لفهم "كيف يسير العالم".
يسير الكتاب خطوة بخطوة لكشف المنطق الذي يربط الأحداث. يبدأ ريبلي بوصف عملية اتخاذ القرار لدى بوتين، والتي يكتنفها الغموض الشديد، موضحاً كيف أن أزمة أوكرانيا في 2014 أثبتت للغرب أن الجيش الروسي استعاد ثقته، لكنها كانت أيضاً حافزاً لبوتين لاعتماد "مبدأ بوتين" الذي يقضي بحماية حلفاء روسيا. ثم ينتقل إلى الدور المحوري للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، في إقناع بوتين بالتدخل عبر خطة متكاملة تستخدم القوة الجوية الروسية وطائراتها لدعم الجيش السوري المتعب والمحطم معنوياً، بينما تقود إيران وتدرب الميليشيات الشيعية على الأرض. بعد ذلك، يفصل ريبلي العملية اللوجستية الضخمة التي أطلق عليها المراقبون الأتراك اسم "قطار سوريا"، والتي نقلت قوة جوية وبحرية وبرية كاملة عبر مضيق البوسفور في أسابيع متحدية التوقعات الغربية. من هناك، ينتقل الكتاب إلى العمليات العسكرية الأولى، بدءاً من العمليات الدفاعية في حماة وحمص حيث كشف الروس ضعف الجيش السوري الحقيقي، وصولاً إلى معركة استعادة تدمر الأولى في مارس 2016، التي كانت بمثابة انتصار دعائي كبير للكرملين.
يمر الكتاب بعد ذلك بفترة حاسمة حيث يتحول التركيز نحو حلب، ويصف ريبلي بالتفصيل كيف تبلورت خطة حصار واقتحام شرق حلب بعد فشل محادثات جنيف في ربيع 2016، معتقدين أن معنويات المعارضة قد انهارت مع امتناع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن التدخل. يقدم ريبلي تفصيلاً مذهلاً لمعركة حلب، التي قسمها إلى فصول كاملة، ويشرح كيف اعتمدت القوات الروسية والسورية على استراتيجية مزدوجة من "العصا والجزرة"، حيث فتحت "ممرات إنسانية" لإجلاء المدنيين بينما كانت تشن ضربات جوية وبحرية ساحقة لنقل رسالة قوة لا يمكن للمعارضة مقاومتها. يذكر هنا الدور الحاسم لمجموعة صغيرة من قوات النخبة الروسية "سبيتسناز" التي يتألفون من 16 جندياً فقط، والذين تمكنوا من إبطاء هجوم كبير للمعارضة وقتل ما يقرب من 300 متمرد، مما أتاح الوقت للجيش السوري لإعادة تنظيم صفوفه. بعد سقوط حلب في ديسمبر 2016، يصف الكتاب تحول الاستراتيجية الروسية إلى مرحلة توطيد المكاسب، حيث بدأت في بناء وجود عسكري أوسع ودائم، وأسست "الفيلق الخامس" كقوة هجومية جديدة دربتها بأسلحة بسيطة التشغيل مثل دبابات T-62، وفتحت قنوات سلام في أستانا بالتعاون مع تركيا وإيران، مما أقصى الولايات المتحدة عن طاولة المفاوضات.
من الأرقام والوقائع اللافتة في الكتاب، يذكر ريبلي أن تكلفة التدخل العسكري بلغت 66 مليار روبل (464 مليون دولار) حسب إعلان بوتين نفسه في مارس 2016، وأن عدد الجنود الروس المنتشرين في سوريا بلغ حوالي 4,571 جندياً بناءً على أرقام الانتخابات البرلمانية. كما يقدم تفصيلاً لافتاً للعمليات الجوية؛ حيث أقلعت 12 قاذفة استراتيجية تو-22M3 من قاعدة في أوسيتيا الجنوبية لقصف أهداف في الرقة ودير الزور، تلاها إطلاق 34 صاروخ كروز من قاذفات أخرى، وبلغت الذروة بغارة جريئة لقاذفتين من طراز تو-160 حلقتا لمسافة 13,000 كيلومتراً حول أيرلندا وعبر مضيق جبل طارق. في معركة حلب نفسها، يصف ريبلي كيف أن العمود الفقري للهجوم كان عبارة عن قوة صدمة من أقل من 1000 جندي من قوات النمر والصقور الصحراوية، وأن إجمالي عدد المدنيين الذين دخلوا المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة منذ نوفمبر بلغ 108,076 مدنياً، بينما استسلم 3,033 مقاتلاً.
يقر ريبلي بحدود واضحة في بحثه، مؤكداً أن كتابه ليس تاريخاً شاملاً للحرب الأهلية السورية، بل فحص لجزء مهم منها. يعترف المؤلف أن عملية صنع القرار في موسكو تكتنفها غموض كبير، وأن بيانات تتبع الطائرات التجارية لا تشمل الطائرات القديمة غير المزودة بأجهزة الإرسال، مما يجعل أرقام نقل القوات الإيرانية تقديرية (يقدرها بـ 1,600 جندي خلال أربعة أسابيع). كما يشير إلى أن دور الشركات العسكرية الخاصة مثل فاغنر لا يزال غير رسمي ومثير للجدل، مع اتهامات بتعذيب سجناء في حقول الغاز قرب تدمر، ومقتل أكثر من 100 عنصر منذ 2015 دون تغطية إعلامية.
أما بالنسبة للحجج القابلة للنقاش، فإن الأطروحة الأكثر إثارة للجدل التي يطرحها ريبلي هي أن غالبية سكان شرق حلب "صوتوا بأقدامهم" لصالح الحكومة، حيث فضل 110,000 شخص اللجوء إلى مناطق الحكومة على البقاء مع المعارضة، وهو ما يعتبره المؤلف انتصاراً في معركة الرأي العام يتجاهله الإعلام الغربي. هذه الرواية، التي تتعامل مع فرضية أن سكان شرق حلب رحبوا بالجيش السوري كمحرر، تتعارض بشكل جذري مع تقارير حقوقية ومنظمات دولية وصفت عمليات الإخلاء بأنها كانت تحت ضغط الحصار ونقص الغذاء والدواء. يقدم ريبلي أيضاً حجة غير مباشرة مفادها أن الفشل الاستخباراتي الغربي لم يكن بسبب نقص المعلومات، بل بسبب سوء تفسيرها والثقة المفرطة في القدرات التقنية على حساب فهم الثقافة التنظيمية والتكتيكية للعدو. هذه النقطة، رغم أهميتها، قد تبسط الموقف الغربي أكثر مما ينبغي وتغفل عن دور العوامل السياسية والقانونية التي قد تحد من استجابة الدول الديمقراطية.
الأشخاص
الفصول(16)
1.بحث وكتابة عملية حلب7–13▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل التمهيدي هو تفسير كيف تمكنت روسيا من تحقيق مفاجأة استراتيجية كبرى في تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، بعد أن فعلت الشيء نفسه في شبه جزيرة القرم عام 2014. يطرح المؤلف تيم ريبلي إجابة واضحة: الغرب، سياسياً واستخباراتياً وإعلامياً، وقع فريسة "عقلية القطيع" و"التفكير الجماعي" الذي جعله غير قادر على تصديق أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يقدم على مثل هذه الخطوة الجريئة. يقدم المؤلف هذا الفصل كخلفية ضرورية لفهم منهجية كتابه، ويشرح كيف تمكن من جمع معلوماته في ظل "ضباب الحرب" الكثيف الذي يلف الصراع السوري.
يبدأ الفصل بسرد حي للحظة اكتشاف الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم في فبراير 2014. يصف المؤلف كيف كان هو نفسه يتابع الأخبار، ورأى على الفور أن الجنود المجهولين بالزي الأخضر هم قوات روسية، بناءً على خبرته الممتدة لثلاثين عاماً. لكنه فوجئ بتردد وسائل الإعلام الغربية في وصفهم بالجنود الروس، مكررة إنكار الكرملين. ويشرح سبب هذا التردد باقتباس من صديق في وزارة الدفاع البريطانية: الغرب أوقف مراقبة الاتصالات العسكرية الروسية منذ انتهاء الحرب الباردة، و"لم نكن نبحث عن مشكلة من روسيا". هذه السابقة شكلت نمطاً تكرر بعد عام ونصف.
ينتقل المؤلف بعدها إلى صيف 2015، حيث بدأت تظهر أولى المؤشرات على التدخل الروسي في سوريا. لم تكن هذه المؤشرات من مصادر استخباراتية غربية، بل من متطوعين أوكرانيين يتتبعون حسابات الجنود الروس على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن مراقبي السفن الأتراك في إسطنبول. وبحلول منتصف سبتمبر 2015، كان العمل جارياً في قاعدة حميميم الجوية. يعيد المؤلف سيناريو القرم: التحذير الذي وجهه الرئيس الأمريكي باراك أوباما لبوتين في اجتماع الأمم المتحدة، والتكهنات الغربية بأن التدخل محكوم عليه بالفشل أو أنه مجرد خدعة. ويستخدم شهادة ضابط بريطاني كبير ليؤكد أن "سياسيينا لا يستطيعون التفكير مثل الروس"، وأن كل الموارد الاستخباراتية كانت موجهة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مما جعل مراقبة الجيش السوري والروسي "أمراً غير ذي أولوية".
لتجاوز هذه العوائق المصدرية، يشرح المؤلف بالتفصيل أدواته الجديدة في "عصر المعلومات". يصف كيف أن المراقبة المفتوحة لحركة السفن والطائرات عبر الإنترنت، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية التجارية المتاحة على مواقع مثل Google Earth، وفرت "خط أساس من الحقيقة" غير مسبوق. يستشهد بمواقع التحقيق مثل Bellingcat وInformNapalm كنماذج رائدة، لكنه يحذر من أن لهذه الجهات أجنداتها الخاصة، خاصة الأخيرة التي تصف مساهميها بأنهم "جنود الجبهة المعلوماتية" ضد موسكو. يذكر أيضاً أن الدعاية الروسية نفسها من خلال وكالات مثل تاس وRT.com كشفت عن تفاصيل عسكرية دقيقة، رغم تحيزها الواضح. يجمع المؤلف هذه المصادر المتناقضة تحت مصطلح "وثائق العصر الرقمي"، مشيراً إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تترك أوراقاً تقليدية، بل سجلات رقمية تحتاج إلى طرق جديدة لكتابة التاريخ.
في الخاتمة، يضيف المؤلف طبقة أخرى لمصادره: اتصالاته بقادة عسكريين واستخباراتيين غربيين، ومصادر في صناعات الدفاع الروسية والأوروبية الشرقية، واتصالات دبلوماسية مع آخرين على صلة بالحكومة السورية في دمشق. الهدف من كل هذا هو تقديم نظرة من وجهة نظر موسكو ودمشق وطهران، ليس للتماهي معها، بل ليفهم القارئ "كيف يسير العالم" وليس "كيف نريده أن يكون". يعترف المؤلف بحدود كتابه، موضحاً أنه ليس تاريخاً شاملاً للحرب الأهلية السورية، بل فحص لجزء مهم منها حتى ديسمبر 2017.
هذا الفصل التمهيدي، وبحكم طبيعته، يطرح حجة قابلة للنقاش بوضوح: أن الفشل الغربي في فهم التدخل الروسي لم يكن مجرد خطأ معلوماتي عابر، بل نتاج "عقلية قطيع" منهجية رفضت كل ما لا يتوافق مع السردية السائدة. قد يرى البعض أن هذه الحجة تبسط الموقف الغربي أكثر مما ينبغي، أو أنها تمنح الروس قدراً مفرطاً من العبقرية الاستراتيجية متجاهلة أخطائهم اللاحقة، لكن المؤلف يقدمها كتفسير رئيسي لانطلاقته البحثية وتبرير لمنهجه غير التقليدي.
3.التدخل، على طريقة بوتين23–29▼ ملخص
بدأ الفصل بوصف حي للعملية الروسية في شبه جزيرة القرم خلال فبراير ومارس 2014، حيث رصد مدنيون روس قافلة عسكرية ضخمة تتجه إلى ميناء كيرتش لنقلها بالعبارة إلى القرم. تألفت القافلة من ناقلات جند مدرعة من طراز بي تي آر، وراجمات صواريخ من طراز بي إم-21، ومدفعية وشاحنات إمداد، في مشهد يعكس جيشاً واثقاً من نفسه يرفع رايته كأنها راية حرب من العصر النابليوني. بعد أسابيع قليلة، استسلمت الحامية الأوكرانية في القرم أو انضمت إلى الروس دون إراقة دماء، مسجلة نصراً دموياً.
ثم انتقل الفصل إلى صيف 2014، حيث خاضت القوات الروسية والميليشيات المحلية معارك عنيفة مع الجيش الأوكراني في منطقة دونباس. في يوليو 2014، نفذت القوات الروسية هجوماً صاروخياً على كتيبة أوكرانية كانت تتحرك قرب الحدود في قرية زيلينوبيليا، مستخدمة طائرات بدون طيار لاكتشاف تحرك الكتيبة وإطلاق أكثر من 40 صاروخاً من طراز بي إم-21 عبر الحدود. كانت الصواريخ مزودة بذخائر صغيرة خارقة للدروع أمطرت الموكب ودمرت كل مركبة تقريباً، مخلفة ما بين 19 و30 قتيلاً وأكثر من 90 جريحاً. أظهر هذا الهجوم أن الجيش الروسي أتقن دمج تكنولوجيا الطائرات بدون طيار مع أنظمة الصواريخ بعيدة المدى، مما أثار قلقاً في صفوف كبار الضباط الغربيين الذين خشوا من مواجهة قوات مماثلة.
أوضح الفصل أن أزمتي القرم ودونباس أثبتتا للغرب أن القوات المسلحة الروسية استعادت الثقة والكفاءة التي فقدتها في تسعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس بوريس يلتسين. كان أداء الجيش الروسي في حربَي الشيشان كارثياً، حيث فشلت تكتيكات الحقبة السوفييتية في مواجهة المقاتلين الشيشان، مما أدى إلى مقتل آلاف المجندين. بعد حرب جورجيا القصيرة عام 2008، بدا أن الجيش يحاول تغيير مساره، لكنه كان بحاجة ماسة لحقن التكنولوجيا الحديثة. لعب الرئيس فلاديمير بوتين دوراً محورياً في دعم الإصلاح العسكري رغم أنه لم يخدم في الجيش السوفيتي قط، فشارك في شراء معدات من الخارج كسفن الإنزال الفرنسية وطائرات استطلاع إسرائيلية وناقلات جند إيطالية. كما حرص على الظهور بصور مع الجنود والمعدات العسكرية، كقيادة قاذفة تو-160 الاستراتيجية وارتداء الزي البحري عند زيارة السفن الحربية.
أثر الفشل المحرج لبعض الضباط على مسارهم الوظيفي، كما حدث بعد غرق الغواصة كورسك عام 2000، حيث جُرّد العشرات من الضباط الكبار من مناصبهم لكنهم لم يُعدموا أو يُنفوا كما كان يحدث في العهد الستاليني. اعتُبرت أزمة القرم نقطة تحول رئيسية في السياسة الخارجية لبوتين، الذي كان حنينه لهيبة الاتحاد السوفيتي واضحاً. رأى بوتين أن التدخل الغربي في ليبيا عام 2011 كان قشة قصمت ظهر البعير، إذ اعتقد أن الغرب تجاوز تفويض الأمم المتحدة وأطاح بحليف روسي. عندما اندلعت احتجاجات كييف عام 2014 وهرب حليفه فيكتور يانوكوفيتش إلى روسيا، رأى بوتين أن محاولات الاتحاد الأوروبي لجذب أوكرانيا لعضويته مؤامرة غربية لتقويض النفوذ الروسي، فأمر بالاستيلاء على القرم في غضون أيام، مشكلاً ما أسماه الفصل "مبدأ بوتين" الذي يقضي بحماية أصدقاء روسيا وحلفائها حول العالم.
بحلول ربيع وصيف 2015، وصلت تقارير إلى موسكو عن انتكاسات ميدانية لقوات الرئيس بشار الأسد في سوريا. كان الأسد قد نجا من ضربات أمريكية في 2013 بفضل صفقة نزع السلاح الكيميائي التي توسط فيها بوتين، لكن الوضع الآن أصبح أكثر خطورة. تقدم تحالف من الجهاديين والمعارضين المدعومين من أمريكا وتركيا ودول الخليج واستولوا على إدلب، وضغطوا نحو اللاذقية وحماة لقطع دمشق عن الساحل. سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على كل شرق سوريا باستثناء جيوب في دير الزور والمناطق الكردية الشمالية الشرقية، واستولى على تدمر وواصل التقدم غرباً. كانت دمشق محاصرة بعدة جيوب معادية، وتعرض مركز المدينة لقصف منتظم. كان الحصار على حلب خانقاً، ومعنويات الجيش السوري في الحضيض. بدا أن انهياراً عسكرياً لا رجعة فيه أصبح مسألة وقت.
تكتنف عملية اتخاذ القرار لدى بوتين قبل التدخل السوري غموض كبير، فهي طريقة عمله المعتادة بحيث لا يعرف خطوته التالية سوى دائرته الضيقة. وفقاً لـ"مبدأ بوتين"، لم يكن الزعيم الروسي مستعداً للسماح بسقوط الأسد ومنح الغرب وتركيا والخليج فرصة "لنزع فروة رأسه". تشير المواعيد الزمنية إلى أن القرارات الاستراتيجية الكبرى اتخذت في أواخر يونيو أو يوليو، حيث بدأت أولى السفن المحملة بالمعدات والمواد والأفراد بالإبحار من موانئ البحر الأسود في أغسطس، وعبرها مراقبون في إسطنبول عبر مضيق البوسفور.
استند الفصل إلى مصادر إيرانية وإسرائيلية ليكشف أحد أغرب تفاصيل القرار، وهو الدور المحوري للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في إقناع بوتين بالتدخل بالطريقة التي تمت. كان سليماني يعرف سوريا ولبنان جيداً من خلال عمله مع حزب الله، وشعر هو أيضاً أن الحرب تقترب من نقطة تحول. كانت طهران قلقة بشكل خاص من تمدد تنظيم الدولة الإسلامية من شرق سوريا إلى العراق وتهديده للحكومة الموالية لإيران في بغداد. بالنسبة لإيران، كانت سوريا جسراً حيوياً لحزب الله في لبنان لا يمكن السماح بسقوطه. قام سليماني بعدة زيارات إلى موسكو في صيف 2015 للقاء كبار المسؤولين العسكريين الروس، بمن فيهم وزير الدفاع سيرغي شويغو، بينما زار مسؤولون روس طهران للقاء نظرائهم الإيرانيين.
تضمنت خطة سليماني استخدام القوة الجوية الروسية والأسلحة والمستشارين لدعم الجيش السوري، بينما تقود إيران وتدرب وتجهز مجموعات من الميليشيات الشيعية للقتال على الأرض. كانت المرحلة الأولى تهدف إلى إنشاء خطوط دفاعية ثابتة لوقف تقدم المتمردين واستعادة معنويات الجيش السوري، ثم شن عمليات هجومية لاستعادة الأراضي والمدن الرئيسية. ركزت الخطة على تغيير الديناميكية النفسية للحرب، لذا كان يجب أن يكون التدخل الروسي علنياً وضخماً وواضحاً للجميع داخل سوريا وخارجها، لا مجرد تدخل محدود بل ضربة حاسمة لتغيير مسار الحرب، يأمل سليماني أن تحطم معنويات المتمردين وإرادتهم في القتال.
عندما وصلت خطة سليماني إلى بوتين، أبدى حماساً واضحاً. كانت الخطة تمنع سقوط حليف روسي رئيسي، وتمنح موسكو مقعداً في طليعة أي محادثات سلام، وتعيد روسيا كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، ستفتح الباب لشركات النفط والغاز الروسية للوصول إلى الموارد السورية، وتعيد فتح سوريا كسوق لصناعة الأسلحة الروسية. حصر التدخل في القوة الجوية والجنود المحترفين يعني تجنب مخاطر مستنقع أفغانستان أو الشيشان الذي سيودي بحياة المجندين ويخلق أزمة داخلية. بدا أن الخطة تخاطب شغف بوتين بالعمليات السرية وحسه السياسي المسرحي، وكما حدث في القرم، سيربك التدخل السوري الأمريكيين ويظهر بوتين كقائد حاسم. أعلن بوتين التدخل علناً في الأمم المتحدة في سبتمبر 2015، واستضاف الأسد في موسكو وسوتشي، وكرم المحاربين القدامى العائدين من سوريا بحفلات تقليد الأوسمة في الكرملين.
4.الإعدام30–40▼ ملخص
في فصل بعنوان «الإعدام»، يصف تيم ريبلي كيف نفذت روسيا تدخلها العسكري في سوريا في خريف عام 2015، مقدماً تفصيلاً دقيقاً للعملية اللوجستية التي جعلت هذا التدخل ممكناً. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن التدخل الروسي لم يكن عملاً عسكرياً مفاجئاً فحسب، بل كان نتاج عملية إمداد ضخمة ومنسقة بعناية، أطلق عليها المراقبون الأتراك اسم «قطار سوريا»، والتي تمكنت من نقل قوة جوية وبحرية وبرية متكاملة إلى سوريا في غضون أسابيع، متحديةً التوقعات الغربية.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل هذه العملية اللوجستية، بدءاً من الحركة البحرية. يصف ريبلي كيف بدأ الأسطول الروسي بشحنات متفرقة في شهري يوليو وأغسطس 2015، ثم تسارعت وتيرته بشكل كبير لتصل إلى 17 سفينة في أكتوبر و74 سفينة بحلول نهاية العام. يوضح المؤلف أن تركيا، رغم معارضتها الشديدة للتدخل، لم تستطع إيقاف هذه السفن بسبب المعاهدات الدولية التي تضمن حرية الملاحة في مضيق البوسفور. يقدم ريبلي هنا تفصيلاً مهماً عن شراء روسيا لسفينتي شحن تركيتين سابقتين، حيث كان لابد من ذلك لأن الذخائر الروسية كانت غير مستقرة لدرجة أنها كانت ستبطل التأمين على أي سفينة مستأجرة. كان تأثير هذا القطار البحري فورياً، إذ سمح تسليم الذخائر وقطع الغيار للقوات الجوية السورية بزيادة معدل غاراتها الجوية بنسبة 40% خلال أكتوبر 2015.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الجسر الجوي الروسي، الذي انطلق في منتصف سبتمبر. يذكر ريبلي أن القوات الجوية الروسية نفذت 39 رحلة جوية في سبتمبر و44 في أكتوبر، مستخدمة طائرات النقل العملاقة مثل أنتونوف أن-124 وإليوشن إي أل-76. ويبرز المؤلف هنا دليلاً قوياً على التنسيق الإيراني الروسي، حيث أن بعض طائرات توبوليف تو-154 كانت تتوقف في طهران، مما يشير إلى نقل أفراد إيرانيين. أما أهم دليل على هذا التعاون، فيتمثل في عبور الطائرات الحربية الروسية الأجواء الإيرانية والعراقية، وهي المرة الأولى التي تعمل فيها طائرات أجنبية من قاعدة جوية إيرانية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ويصف ريبلي وصول الطائرات المقاتلة على ثلاث دفعات: أربع مقاتلات سوخوي سو-30 في 18 سبتمبر، يليها سرب من 12 طائرة سوخوي سو-25، ثم 12 طائرة سوخوي سو-24 إم، وأخيراً أربع مقاتلات سوخوي سو-34 الحديثة المزودة بقنابل ذكية في 26 سبتمبر. لم تقتصر القوة الجوية على الطائرات المقاتلة، بل شملت أيضاً أكثر من 12 مروحية هجومية من طراز ميل مي-24 بي، مما منح القوة الروسية قدرة هجومية متعددة الأوجه.
في الجانب البري، يصف الفصل وصول الفرقة 120 للمدفعية ومكونات أخرى من القوات البرية الروسية، والتي ضمت مدافع هاوتزر ومدافع صاروخية متعددة including بي إم-21 و بي إم-30 سميرتش. الأهم من ذلك، يصف ريبلي نشر عشرات الدبابات تي-90 ومئات من جنود المشاة البحرية من اللواء 810، وهم الجنود الذين قادوا ضم شبه جزيرة القرم. لم تقتصر القوة البرية على حماية القاعدة، بل بدأت بالتحرك نحو خطوط المواجهة في اللاذقية وحماة في أكتوبر لدعم الجيش السوري. يشرح ريبلي في هذا القصر كيف شكلت فرق صغيرة من الضباط الروس وضباط القوات الخاصة «سبيتسناز» غرف تنسيق مع الجيش السوري، وانتشر مراقبو الحركة الجوية الأماميون لتوجيه الضربات الجوية. في دمشق، اتخذ قائد القوة، العقيد الجنرال ألكسندر دفورنيكوف، مقراً له في مبنى وزارة الدفاع.
يعترف ريبلي بحدود واضحة في المعلومات المتاحة حول «الجسر الجوي» الإيراني. فباستخدام بيانات تتبع ADS-B المفتوحة المصدر، تمكن من تحديد رحلات جوية إيرانية، مثل طائرتي بوينغ 747 تابعتين للقوات الجوية الإيرانية، وطائرتي إم بي أيه إيروجيت لشركة ماهان إير، التي اتهمتها وزارة الخزانة الأمريكية بدعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري. لكن ريبلي يحذر من أن هذه البيانات لا تشمل الطائرات القديمة غير المزودة بأجهزة الإرسال، ويمكن للطيارين إيقاف تشغيلها لجعل الطائرة «تختفي». بناءً على ذلك، يقدر ريبلي أنه تم نقل حوالي 1,600 جندي إيراني ومقاتل من الميليشيات الشيعية خلال فترة أربعة أسابيع، وهو رقم يؤكد التقارير عن نقل «مئات» وليس «آلاف» كما زعمت بعض التقارير. كما يشير إلى أن إيران أرسلت طائرات لوكهيد سي-130 لإسقاط الإمدادات على جيوب محاصرة ذات أغلبية شيعية، وهي المرة الأولى التي تنشر فيها قواتها الجوية خارج أراضيها منذ عام 1979.
الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في الفصل هو تحليل ريبلي لرد الفعل الغربي، أو بالأحرى عدمه. يصف المؤلف ارتباكاً كبيراً في وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، حيث لم تستطع الاتفاق على نوايا موسكو الحقيقية. يوضح ريبلي أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، رغم لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف مرتين في سبتمبر، لم يصدر أي تحذير علني. يقدم ريبلي تفسيراً لهذا الفشل الاستخباري بالاعتماد المفرط على وسائل المراقبة التقنية، مثل التنصت من قاعدة قبرص، والتي كشفت عنها وثائق إدوارد سنودن. هذا الاعتماد جعل المحللين الغربيين واثقين من قدرتهم على مراقبة الأحداث، لكنهم فشلوا في فهم أن القيادة الروسية، بقيادة بوتين، تتجنب وسائل الاتصال الإلكترونية القابلة للاختراق وتصدر أوامرها شخصياً وشفوياً. يخلص ريبلي إلى أن القائد الروسي الجنرال دفورنيكوف تفاخر لاحقاً بأن نشر القوة الجوية كان «مفاجأة كالصاعقة» أخذت الغرب على حين غرة، ويرجع ذلك إلى تدريبات مكثفة على الانتشار المفاجئ في عامي 2014 و2015.
يبدو أن ريبلي يقدم حجة غير مباشرة قابلة للنقاش مفادها أن فشل الاستخبارات الغربية لم يكن بسبب نقص المعلومات، بل بسبب سوء تفسيرها والثقة المفرطة في القدرات التقنية على حساب فهم الثقافة التنظيمية والتكتيكية للعدو.
5.العملية الدفاعية في حماة وحمص41–50▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول العمليات العسكرية الأولى التي نفذها الجيش السوري بدعم روسي مباشر في محافظتي حماة وحمص في خريف عام 2015، وذلك بعد وصول القوات الروسية إلى سوريا. يقدم المؤلف، تيم ريبلي، تفصيلاً لمراحل هذا التدخل، مظهراً أن الهدف الأساسي كان وقف تقدم قوات المعارضة وجماعة "الدولة الإسلامية" (داعش) لإنقاذ النظام السوري من الانهيار، لكنه يُظهر أيضاً أن هذه العملية كانت تجربة تعلم للروس، كشفت ضعف الجيش السوري وحدود قدراته الهجومية.
يبدأ الفصل بمشهد دراماتيكي لاستخدام أول سلاح روسي في سوريا، وهو نظام TOS-1A للصواريخ الحرارية، في محافظة حماة في أكتوبر 2015، الذي أحدث صدمة وخوفاً في صفوف مقاتلي المعارضة الذين صوروا الهجوم. ثم ينتقل إلى الخلفية اللوجستية للتدخل، إذ يشرح كيف بدأ الضباط الروس بقيادة الكولونيل جنرال ألكسندر دفورنيكوف بالانتشار في سوريا في أواخر أغسطس وسبتمبر، وتحديداً في حماة وحلب وحمص، لتقييم الوضع الميداني. يذكر الفصل أن نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الجنود الروس كان مصدراً مهماً لتحديد مواقع الوحدات الروسية، مثل كتيبة الاستطلاع من اللواء 74 للبنادق الآلية والمدفعية من اللواء 129 للمدفعية التي تمركزت غرب مدينة حماة لدعم هجوم وشيك.
بعد التغطية الدبلوماسية، حيث ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطابه في الأمم المتحدة في 28 سبتمبر داعياً للتحالف ضد "الإرهابيين" وداعماً للنظام السوري، ثم حصل على تفويض من الدوما في 30 سبتمبر، بدأت الغارات الجوية الروسية. يعتبر المؤلف أن هذه الغارات الأولية كانت تمهيدية وغير مركزة، مما أثار اتهامات بوقوع إصابات مدنية. أما العملية البرية الرئيسية فبدأت صباح 7 أكتوبر بهجومين في آن واحد: الهجوم شمالاً من حماة في سهل الغاب، والهجوم على جيب رستن شمال حمص. كعنصر دعم وقوة، أطلقت أربع فرقاطات روسية من بحر قزوين 26 صاروخ كاليبر باتجاه أهداف في سوريا في خطوة وصفها المؤلف بـ"المسرحية السياسية" الكبرى لإظهار القوة الروسية.
يصف الفصل بشيء من التفصيل طبيعة المعارك في ريف حماة، حيث اشتبكت أرتال الدبابات السورية المدعومة بالطيران والمدفعية الروسية مع مقاتلي المعارضة الذين استخدموا صواريخ TOW المضادة للدبابات (التي كانوا يحصلون عليها من وكالة المخابرات المركزية عبر تركيا). كان تدخل الطيران الروسي، متمثلاً في مروحيات Mi-24 والطائرات Su-25، حاسماً في الأيام الأولى لإجبار فرق الصواريخ على الاختباء والسماح للقوات السورية بالتقدم. ومع ذلك، لم يستمر هذا التقدم طويلاً، إذ يتوقف الفصل ليقدم تحليلاً نقدياً لواقع الجيش السوري في ذلك الوقت. يوضح المؤلف أن الجيش العربي السوري أصبح ظلاً لنفسه، حيث انخفض عدد الألوية المقاتلة الفعالة من أكثر من 40 إلى أقل من 20 لواء بحلول 2015، وهذه الألوية نفسها كانت صغيرة (أقل من 1000 جندي) وتتجنب القتال من مسافات قريبة وتعتمد على القصف المكثف.
ينتقل الفصل إلى جبهة حمص، حيث كان التحدي مختلفاً، وهو صد تقدم تنظيم "الدولة الإسلامية". يصف المؤلف كيف أن مقاتلي التنظيم، الذين كانوا يسيرون في أرتال سريعة من سيارات الدفع الرباعي المسلحة، سيطروا على تدمر في مايو 2015 وهددوا مدينتي مهين وصدد المسيحيتين، مما هدد طريق دمشق-حمص السريع. كان معنويات القوات السورية في هذه الجبهة منهارة. لمواجهة هذا الخطر، قام الروسيون بنقل المدفعية الثقيلة من اللواء 120 المدفعي ومروحيات هجومية إلى قاعدة شعيرات الجوية. كما قاموا بنقل دبابات T-72B مزودة بدروع تفاعلية إلى قاعدة تي-4 لإعادة تجهيز اللواء 555 التابع للفرقة الرابعة. شن الجيش السوري هجوماً مضاداً نحو تدمر في 4 نوفمبر لكنه لم يحقق تقدماً كبيراً وتوقف بحلول نهاية نوفمبر. في المقابل، نجحوا في استعادة مدينة مهين في 23 نوفمبر، ثم خسروها ثم استعادوها مجدداً في 29 ديسمبر، مما يعكس طبيعة المعارك البطيئة.
يختم الفصل بإقرار صريح من المؤلف بحدود ما يمكن للقوات الروسية فعله. فبينما أثبتت المروحيات والمدفعية الروسية فعاليتها الحاسمة في الصحراء المفتوحة حول تدمر، يؤكد المؤلف أن هذا الدعم لم يستطع التغلب على القصور الأساسي للجيش السوري المتمثل في ضعفه وقلة تجهيزاته. كانت القوات السورية المرابطة في الجبهة لأكثر من شهر تحتاج إلى استبدال، مما جعل الجيش السوري غير قادر على شن هجوم مضاد وطني واسع النطاق. يقر الفصل ضمنياً أن العملية كانت مجرد "عملية احتواء" (holding action)، وأن استمرار القتال على هذه الجبهات سيحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة واستراتيجية بعيدة المدى، وهو ما كان السؤال الأكبر الذي تركته هذه المعارك مفتوحاً.
الحجة الوحيدة القابلة للنقاش بناءً على النص هي الدور المزدوج الذي لعبه الإعلام الروسي (مثل RT) في نقل صورة منتصرة للنظام السوري، وهو ما يراه المؤلف جبهة جديدة للحرب الإعلامية والسيطرة على السردية العالمية للصراع.
6.قوة جوية حمراء51–63▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الدور المحوري الذي لعبته القوة الجوية الروسية في التدخل العسكري في سوريا، والذي مثّل تحولاً تاريخياً في العقيدة العسكرية الروسية. تقليدياً، اعتمدت روسيا والاتحاد السوفيتي سابقاً على قواتهما البرية في الحروب الخارجية. لكن الرئيس فلاديمير بوتين راهن هذه المرة على نجاح العملية من خلال قواته الجوية، المدعومة بسفن وغواصات حربية تطلق صواريخ كروز، لقلب موازين الحرب الأهلية السورية. ويخلص الفصل إلى أن هذا التدخل الجوي كان تجربة فريدة ومحورية في التاريخ العسكري الروسي، أحدثت تغييراً جذرياً في مسار الصراع.
يبدأ الفصل بسرد وصول أولى طائرات سوخوي سو-30SM إلى قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية، ويصف المشهد الدعائي الذي صاحب هذا الانتشار، حيث استُدعيت وسائل الإعلام لمشاهدة الطائرات والاستعدادات. يشير الكاتب إلى أن بعض المراقبين الغربيين انتقدوا أن غالبية الطائرات الروسية تعود لسبعينات وثمانينات القرن الماضي، وتفتقر إلى القنابل "الذكية" الحديثة، مما جعل البعض يعتبرها مجرد تدخل سوفيتي "فاشل" آخر، خاصة مع وجود مروحيات مي-24 الشهيرة التي تذكر بحرب أفغانستان. ومع ذلك، كان الهدف من هذه القوة المكونة من أكثر من 30 طائرة و4,000 فرد هو إظهار أفضل ما لدى الجيش الروسي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل التشكيل الجوي الروسي، الذي صُمم ليكون قوة متوازنة وقادرة على حماية نفسها. كانت أفضل طائرة في القاعدة هي سوخوي سو-34، وهي أحدث طائرة في الخدمة الروسية، ومزودة بأنظمة حرارية وقنابل ذكية. بسبب حداثتها، لم يُرسل منها سوى 8 طائرات فقط، مع فريق من المهندسين لضمان نجاح أول استخدام قتالي لها. أما طائرات سوخوي سو-30SM وسوخوي سو-35S، فقد أُرسلت كطائرات "متفوقة" لمواجهة أي تحدٍ من القوات الجوية الأمريكية أو التركية أو الإسرائيلية. لكن العبء الأكبر في الحملة الجوية وقع على طائرات سوخوي سو-24 القاذفة وسوخوي سو-25 الهجومية، وهي طائرات قديمة صممت في الستينات. يشير الفصل إلى أن تحديث طائرات سو-24 سمح لها بوضع القنابل ضمن 25 متراً من الهدف، مقارنة بـ 200 متر سابقاً، لكن دقتها لا تزال أقل من القنابل الغربية الموجهة بالليزر التي تصل دقتها إلى متر واحد. طائرات سو-25، أو "الرخ" كما يسميها الروس، صُممت لتكون خليفة طائرة "شتورموفيك" الشهيرة في الحرب العالمية الثانية، ومهمتها الأساسية هي تدمير الدبابات والمدفعية.
لا يقتصر الفصل على القوات الجوية التكتيكية، بل يتناول أيضاً استعدادات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى والتابعة لقيادة الطيران بعيد المدى الروسي. تم تجهيز قاذفات توبوليف تو-95 وتو-160 لشن هجمات بصواريخ كروز، بينما ركزت قاذفات توبوليف تو-22M3 على القصف "السجادّي" بالقنابل الحديدية. كما أعدّ الأسطول الروسي نفسه بإطلاق صواريخ 3M14 كاليبر كروز من سفنه وغواصاته، والتي وصفتها موسكو كمنافس للصاروخ الأمريكي توماهوك. كل هذه العمليات المعقدة كانت تُنسق من مركز القيادة الوطني الجديد في موسكو، الذي افتتح في ديسمبر 2014 ويضم شاشات حاسوبية ضخمة وربطاً بشبكات القواعد العسكرية.
يمر الفصل بمراحل تطور العمليات الجوية الروسية في سوريا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2015. في البداية، كانت الضربات الجوية محددة بدقة ومركزية، حيث كان الطيارون يتلقون إحداثيات أهدافهم من مركز القيادة في حميميم، ولم يكن لديهم حرية كبيرة في اختيار أهدافهم. الطيارون الروس أنفسهم صرّحوا بأنهم يضربون فقط الإحداثيات التي تأتي من القيادة العليا، وأن أي إصابة لأهداف مدنية هي كذبة. ويصف الفصل كذلك تكتيكات طائرات سو-25 التي كانت تحلق على ارتفاع 3,500-4,000 قدم لمدة تصل إلى 40 دقيقة، لتوجيه ضربات متتالية.
يشهد الفصل بعد ذلك تصعيداً كبيراً في الحملة الجوية بعد إسقاط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء في 31 أكتوبر 2015. ألقى الرئيس بوتين باللائمة على تنظيم الدولة الإسلامية، وأمر برد عسكري. في 17 نوفمبر، شنّت القاذفات الاستراتيجية الروسية هجوماً ضخماً. أقلعت 12 قاذفة تو-22M3 من قاعدة موزدوك في أوسيتيا الجنوبية لقصف أهداف في الرقة ودير الزور، تلاها بعد ساعات قصف بـ 34 صاروخ كروز من قاذفات تو-95 وتو-160. وبلغت ذروة الحملة غارة جريئة لقاذفتين من طراز تو-160 في 20 نوفمبر، حلقتا لمسافة 13,000 كم حول أيرلندا وعبر مضيق جبل طارق لإطلاق صواريخ على سوريا. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن إجمالي ما أُطلق بلغ 101 صاروخ كروز، وتم إلقاء ما مجموعه 1,400 طن من الذخائر، في أكبر عملية من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية.
يكشف الفصل عن جدل واسع حول فعالية الضربات الجوية الروسية في الأسابيع الأولى. كانت دقة الضربات تعتمد على جودة المعلومات الاستخباراتية، التي كانت محدودة في البداية. يذكر الكاتب اتهامات بأن ضباط الاستهداف الروس كانوا يجمعون معلومات من منشورات لمدون روسي يدعى إيفان سيدورينكو، والذي كان يتتبع مواقع المسلحين على وسائل التواصل الاجتماعي. كما يشير الفصل إلى أن معظم الأهداف كانت ثابتة (مباني وجسور) وليست متحركة، وأن صور القصف التي نشرتها موسكو أظهرت أحياناً أهدافاً غير واضحة، مثل محطة معالجة مياه تم وصفها خطأ على أنها مصفاة نفط لتنظيم الدولة الإسلامية. كانت هناك أيضاً اتهامات متكررة بسقوط ضحايا مدنيين.
أخيراً، يسلط الفصل الضوء على نقطة تحول رئيسية في القدرات الروسية وهي اعتمادها على طائرات بدون طيار (درونات). بعد أن أدركت القيادة الروسية قصورها في الاستهداف الفوري للأهداف المتحركة، بدأت في استخدام طائرات فوربوست الاستطلاعية. لم تكن هذه الطائرات روسية الصنع في الأصل، بل تم شراؤها من شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية IAI بعد أدائها الضعيف في حرب جورجيا 2008. تم إنشاء مصنع تركيب لهذه الطائرات في إيكاترينبرغ بروسيا، وأُطلق عليها اسم "فوربوست". لعبت هذه الطائرات دوراً مركزياً في العمليات، حيث وفرت بثاً حياً للفيديو من مسافات بعيدة، مما أحدث ثورة في طريقة عمل القوات الجوية الروسية وساعد في تحسين دقة الضربات بشكل كبير. يخلص الفصل إلى أن القوة الجوية الروسية بدأت حملتها ببطء، لكن مع حلول بداية عام 2016، بدأت تضرب بفعالية أكبر وتقلب موازين المعارك لصالح قوات الحكومة السورية.
9.معركة تدمر، مارس 201671–98▼ ملخص
بدأت أحداث هذا الفصل بمشهد صادم: ظهور جثة جندي روسي من قوات النخبة (سبيتسناز) في الصحراء قرب تدمر في 17 مارس 2016، بعد مقتله في معركة مع تنظيم الدولة الإسلامية. هذا الحادث كشف عن استمرار القتال رغم الإعلان الروسي المفاجئ قبل أيام فقط عن انسحاب القوات. استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الإعلان لتحقيق مكاسب دبلوماسية، وأقام احتفالات في قاعدة حميميم لإيهام العالم بأن المهمة في سوريا قد انتهت. خلال حفل تكريم في الكرملين في 17 مارس، أعلن بوتين أن تكلفة التدخل العسكري بلغت 66 مليار روبل (464 مليون دولار)، وكشف عن مقتل خمسة جنود روس فقط، من بينهم جندي من سبيتسناز لم يُكشف عن موته سابقاً. كما كرّم 17 عسكرياً، بينهم أربعة نالوا لقب "بطل روسيا"، وذكر علناً لأول مرة اسم القائد الميداني للقوات الروسية، الكولونيل جنرال ألكسندر دفورنيكوف. ومع ذلك، كشفت لقطات فيديو من حفل "الانسحاب" أن روسيا لم تسحب سوى ثلث قواتها الجوية الهجومية، بينما أرسلت في الوقت نفسه مروحيات هجومية حديثة مثل كاموف كا-52 وميل مي-28، ونشرت صواريخ إسكندر إم التكتيكية، مما يشير إلى إعادة تموضع للقوات لمرحلة جديدة وليس انسحاباً.
تحول التركيز العسكري الروسي الآن إلى صحراء وسط سوريا، حيث يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية. كان الهدف الرئيسي هو استعادة مدينة تدمر القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. يعود سبب هذا التحول إلى رغبة موسكو في تقديم نفسها شريكاً فعالاً للغرب في محاربة التنظيم، والاستفادة من الدعاية الإعلامية لتحرير مدينة تاريخية. بدأت التحضيرات في فبراير 2016 بحشد آلاف الجنود السوريين، وعززتهم وحدات النخبة مثل قوات النمر بقيادة العقيد سهيل الحسن، ولواء صقور الصحراء، وميليشيا الدفاع الوطني، بالإضافة إلى حزب الله اللبناني وميليشيا لواء الفاطميون الأفغانية. بلغ عدد القوات السورية وحلفائها المشاركين في الهجوم أكثر من 6,000 جندي بحلول 23 مارس. دعمت هذه القوة مدفعية روسية ثقيلة، منها راجمات الصواريخ بي إم-30 سميرتش (مداها 80 كيلومتراً) وتي أو إس-1 أيه التي تطلق صواريخ ثيرموبارية مدمرة.
خاضت القوات السورية والروسية معارك شرسة للسيطرة على التلال المحيطة بتدمر. لعبت المروحيات الروسية دوراً حاسماً بشنها ما بين 20 و25 غارة يومياً. كما أرسلت قوات سبيتسناز الروسية ضباطاً للتقدم مع الوحدات السورية لتوجيه الضربات الجوية بدقة. في 17 مارس، تمكن تنظيم الدولة من محاصرة أحد هؤلاء الضباط على تل ناءٍ، فاستدعى غارة جوية على موقعه لتفادي الأسر، مما أدى إلى مقتله وعرض جثته لاحقاً في فيديو دعائي. تمكنت قوات النمر من تحقيق الاختراق الحاسم في 18 مارس على تل حيان جنوب غرب تدمر، وبحلول 23 مارس أصبحت تطل على مفترق طرق رئيسي. في 26 مارس، سُيطر على قلعة تدمر التاريخية، وفي اليوم التالي، 27 مارس، انسحب مقاتلو التنظيم من المدينة في قافلة متجهة شرقاً نحو دير الزور، تاركين وراءهم ألغاماً وعبوات ناسفة.
شكل تحرير تدمر في 27 مارس 2016 انتصاراً دعائياً كبيراً للكرملين. أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل حوالي 400 من مقاتلي التنظيم و180 جندياً حكومياً خلال المعركة. ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن لقطات الدخول إلى المدينة لم تظهر آثار معارك شوارع عنيفة، مما يرجح أن القتلى سقطوا في المعارك الصحراوية السابقة قبل انهيار دفاعات التنظيم وهروبه. مباشرة بعد السيطرة، أرسلت روسيا فريقاً لإزالة الألغام من الآثار القديمة، وأنشأت قاعدة عسكرية متقدمة على بعد أمتار من قلعة تدمر، ضمت جنوداً روساً (نحو 100 جندي) ومنظومة دفاع جوي بانتسير-إس 1. بلغت ذروة هذا الحضور بتنظيم حفل موسيقي لأوركسترا مسرح مارينسكي في المدرج الروماني القديم في 6 مايو، حضره أكثر من 100 صحفي دولي تحت حراسة مشددة، ونُقل مباشرة على قنوات عالمية مثل بي بي سي وسي إن إن.
لم تقتصر العمليات العسكرية الروسية السورية في صحراء الوسط في تلك الفترة على تدمر. فقد شن الجيش السوري هجوماً مفاجئاً في فبراير باتجاه مدينة الرقة، معقل التنظيم، لكنه توقف بعد تقدم محدود، واعتبره الكاتب خدعة تكتيكية لإلهاء قيادة التنظيم عن معركة تدمر. بعد تحرير تدمر، شن التنظيم هجمات معاكسة قوية في أبريل ومايو استعاد خلالها بعض حقول الغاز شمال غرب تدمر. أعادت القيادة السورية تفعيل هجومها على الرقة في يونيو، وتقدمت قواتها بسرعة نحو حقل سفيرة وحتى مطار الطبقة، لكن هذه المرة أيضاً تراجعت القوات بسرعة تحت ضغط هجوم مضاد من التنظيم، وعادت إلى نقاط انطلاقها بحلول 22 يونيو. أظهرت هذه العمليات أن الجيش السوري، رغم دعمه الجوي الروسي المكثف (بما في ذلك غارات القاذفات الاستراتيجية تو-22إم 3)، لم يملك القوة البشرية واللوجستية الكافية للاحتفاظ بالأراضي التي استولى عليها في الصحراء الشاسعة.
على الصعيد الدبلوماسي، سعت موسكو لتحقيق مكاسب من خلال رعاية "استراتيجية المصالحة" مع الفصائل المعارضة المحاصرة. قاد هذه الاستراتيجية القائد الروسي الجنرال دفورنيكوف بالتعاون مع وزير المصالحة السوري علي حيدر. تضمنت الاتفاقات إجلاء المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب مقابل وقف إطلاق النار وأمن للمدنيين الباقين، الذين شكلوا غالبية السكان (أكثر من 80% ). أنشأت روسيا مركزاً للمصالحة في قاعدة حميميم في فبراير 2016 ضم 60 ضابطاً، وانتشرت فرقه الصغيرة مع الفرق السورية لعقد اتفاقات مماثلة. بحلول نهاية العام، تم التوصل إلى تسعة اتفاقات إجلاء كبرى، إضافة إلى عشرات اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية. رأى الكاتب أن هذه الاستراتيجية كانت كلاسيكية لكسب "قلوب وعقول" السكان وعزل المقاتلين، وقد ساهم الدعم الروسي في إقناع الأسد بتبنيها رغم معارضة بعض المتشددين في حكومته.
وختم الفصل بأن موسكو لم تجنِ من مشاركتها في محادثات جنيف السلمية ما توقعت، وتوقفت هذه العملية بحلول مايو ويونيو. عندها، قررت حكومة روسيا وسوريا وإيران في أواخر يونيو تسريع مسارين: تكثيف اتفاقات الإجلاء، وشن عملية عسكرية كبرى لاستعادة شرق حلب من أيدي الفصائل المعارضة، مما يمثل تغييراً جوهرياً في الحقائق على الأرض.
10.موسكو الصغيرة – الروس في سوريا99–107▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الحياة اليومية والقدرات التشغيلية للقوات الروسية المنتشرة في سوريا خلال حملتها العسكرية التي بدأت في عام 2015. يقدم المؤلف إجابة شاملة عن الكيفية التي تمكنت بها موسكو من تحويل تدخلها في سوريا إلى "حرب جيدة" ومنظمة، على النقيض من تجاربها السابقة في أفغانستان والشيشان، مع التركيز على طبيعة القوة البشرية المحترفة، والابتكارات التكتيكية واللوجستية، وشبكات القيادة والسيطرة المعقدة، ودور الشركات العسكرية الخاصة.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال وصف حي لاستعراض عيد النصر في مايو 2016 في قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية، حيث اصطفت تشكيلات من الجنود المحترفين والمعدات المتطورة، بينما وقف جنود سوريون يرتدون زياً غير مناسب على الهامش. يستخدم المؤلف هذا المشهد كدليل بصري على الفجوة بين القوتين وليقدم تقديراً لحجم القوات الروسية في سوريا، مستنداً إلى أرقام الانتخابات البرلمانية الروسية في سبتمبر 2016، حيث سجلت لجنة الانتخابات المركزية 4,571 ناخباً روسياً في سوريا، وهو ما يعتبره المؤلف أقرب تقدير لعدد الجنود الموجودين.
يقارن الفصل بين الحملة السورية والتدخل السوفيتي في أفغانستان، مشيراً إلى أن الفارق الأكبر هو أن روسيا أرسلت جنوداً محترفين متعاقدين بدلاً من المجندين. يشرح كيف أن نظام التجنيد الإجباري قد تم تشويهه بعد حروب الشيشان، وكيف أن عقود الخدمة جذبت شباباً من المناطق النائية ومحبي الثقافة العسكرية الذكورية الرائجة في روسيا. ويشير إلى أن كبار الضباط، الذين عايشوا انهيار الجيش في التسعينيات، رأوا في مهمة سوريا فرصة لاستعادة هيبة بلادهم وقوتها العسكرية.
يتناول الفصل دوافع الجنود والضباط على الأرض، والتي تراوحت بين الرغبة في الترقية والمال والمغامرة. يصف المؤلف كيف أن الجنود الروس، الذين كانوا مدمنين على وسائل التواصل الاجتماعي، نشروا صوراً ومقاطع فيديو لجولاتهم في الأسواق المحلية وحضور الحفلات الموسيقية، مما يعكس معنويات مرتفعة. يوضح أن القيادة الروسية وفرت ظروفاً معيشية مريحة، مثل الثكنات الجاهزة والمطابخ الميدانية والمستشفيات، مع اقتصار مدة الخدمة على ستة أشهر فقط، مما ساهم في الحفاظ على الروح المعنوية وتجنب تكرار "عامل التوابيت" الذي قوض الحروب السابقة.
يتطرق الفصل إلى شبكة القيادة والسيطرة الفريدة التي تم إنشاؤها لتنسيق العمليات الجوية والبحرية والبرية. يشير إلى أن اسم القائد الميداني ظل سرياً لشهور، ولم تُكشف هويات قادة القوات الجوية. يصف المؤلف كيف أن قائد القوات الروسية، عادة برتبة كولونيل جنرال، كان يتمركز في دمشق بالقرب من وزارة الدفاع السورية، بينما انتشر ضباط برتب لواء وعقيد في مقرات الجيش السوري كمستشارين، وضباط برتب مقدم ورائد من القوات المحمولة جواً والسبيتسناز كمستشارين ومنسقين جويين مع الفرق والكتائب السورية.
يقدم الفصل تفصيلاً لـ "مركز تنسيق المصالحة بين الأطراف المتعارضة في الجمهورية العربية السورية"، وهو كيان موازٍ لشبكة التنسيق العسكري. يشرح المؤلف أن هذا المركز لعب دوراً في ترتيب وقف إطلاق النار ومرافقة المسلحين وعائلاتهم، بالإضافة إلى دوره الاستخباراتي في رسم "الخرائط البشرية" للنزاع. ويصف كيف أن عناصر التوجيه الجوي الأمامي كانوا يتواصلون مع المركز قبل الموافقة على الضربات الجوية للتحقق من الانتماء السياسي للمناطق المستهدفة، مما يدل على مستوى متقدم من التخطيط العسكري.
يتناول الفصل استخدام سوريا كمختبر لاختبار أسلحة ومعدات جديدة في ظروف قتال حقيقية. يذكر الأسلحة التي ظهرت لأول مرة في سوريا، مثل مقاتلة سوخوي سو-34، وصواريخ كاليبر الكروز، ومروحيات كاموف كا-52 و ميل مي-28، وقاذفات توبوليف تو-95 و تو-160. ويشير أيضاً إلى أن هذا التدخل العسكري عزز مبيعات الأسلحة الروسية، حيث تدفقت طلبيات بمليارات الدولارات من الصين و مصر و الهند و الجزائر.
يخصص المؤلف فقرة مهمة للطائرات بدون طيار وطائرات الاستطلاع، مثل طائرة فوربوست الاستطلاعية التي وفرت تغطية فيديو عالية الجودة، وطائرة التجسس توبوليف تو-214 التي يمكنها تتبع تحركات المركبات في جميع أنحاء سوريا وإنتاج صور رادارية ثلاثية الأبعاد. كما يذكر نشر طائرة الإنذار المبكر إيه-50 لمراقبة طيران التحالف الدولي والطائرات التركية والإسرائيلية.
في القسم الأخير، يعترف المؤلف بوجود "الشركات العسكرية الخاصة" الروسية في سوريا، وعلى رأسها شركة فاغنر، على الرغم من أن القانون الروسي يحظرها نظرياً. يصف الفصل الأدوار المزعومة لهذه الشركات، مثل تدريب وحدات الجيش السوري، وتأمين حقول النفط والغاز المستعادة من تنظيم الدولة الإسلامية، ونقل البضائع من موانئ البحر الأسود. يشير المؤلف بتحفظ إلى اتهامات بتعذيب سجناء في أحد حقول الغاز قرب تدمر في صيف 2017، كما يذكر أن مقتل موظفي هذه الشركات لم يحظ بتغطية إعلامية، بينما تشير بعض الادعاءات إلى مقتل أكثر من 100 عنصر منذ 2015.
يمكن القول إن الفصل يقدم نظرة شاملة ومتوازنة، ويوثق قدرة روسيا على إدارة حرب حديثة بمزيج من القوة الجوية والبرية واللوجستية المتطورة، مع الاعتراف بوجود عناصر مثيرة للجدل مثل الشركات العسكرية الخاصة التي تظل غير رسمية. الحجة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص هي النجاح المزعوم للروسي في تجنب التكاليف السياسية للحرب من خلال جعلها "حرباً جيدة" ومراقبة الرواية الإعلامية، وهو ما يتجاهل التحديات الأخلاقية والشفافية المرتبطة بالعمليات السرية للشركات العسكرية الخاصة.
11.صيف حلب108–122▼ ملخص
بدأت خطة حصار شرق حلب واقتحامه تتبلور في ذهن القيادة السورية والروسية منذ فشل محادثات جنيف في ربيع 2016، بعد أن قطعت القوات السورية طريق الإمداد من حلب إلى الحدود التركية في شباط/فبراير واستعادت تدمر في آذار/مارس. رأى النظام السوري ومستشاروه الروس أن معنويات المعارضة قد انهارت، خصوصاً مع امتناع الرئيس الأميركي باراك أوباما عن التدخل العسكري لصالحها. شكل اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف 2016 حافزاً إضافياً لتحقيق نصر حاسم قبل وصول مرشحة قد تكون أكثر تشدداً، وهي هيلاري كلينتون التي كانت تدعو إلى فرض منطقة حظر جوي وملاذات آمنة للمعارضة. اعتقد النظام أن إسقاط حلب سيكون إسفيناً نفسياً يدفع المناطق المحاصرة الأخرى إلى الاستسلام، وهو ما حدث فعلاً في صيف ذلك العام في ريف دمشق، حيث جرى إجلاء مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى إدلب.
اعتمدت العملية، التي حملت الاسم الرمزي "فجر النصر"، على تخطيط معقد بدأ في أواخر أيار/مايو أو أوائل حزيران/يونيو 2016، بإشراف قائد القوات الروسية في سوريا آنذاك الكولونيل جنرال ألكسندر دفورنيكوف، الذي أقام علاقات وثيقة مع الرئيس بشار الأسد وكبار الضباط السوريين، وكان معروفاً بزياراته المتكررة للجبهات لتوزيع الأوسمة. خلفه في تموز/يوليو 2016 نائبه الفريق ألكسندر جورافليف لتنفيذ الخطة. هدفت الخطة أولاً إلى إغلاق الحصار على شرق حلب بشكل كامل لمنع وصول الإمدادات من إدلب، ثم فصل المقاتلين عن المدنيين عبر فتح "ممرات إنسانية" لنقل المدنيين إلى مناطق الحكومة، وعرض إجلاء المقاتلين إلى إدلب. ولإقناع المعارضة بأن وضعها ميؤوس منه، كانت الهجمات البرية ضرورية لاقتحام الجيب المحاصر.
شكلت القوات البرية السورية العمود الفقري للهجوم، بدعم من الميليشيات الفلسطينية والكردية الحليفة، والغطاء الجوي الروسي والطائرات المسيرة وصواريخ كروز بعيدة المدى. أعلنت وزارة الدفاع الروسية في تموز/يوليو أن حاملة الطائرات الوحيدة لديها، "الأدميرال كوزنتسوف"، ستبحر إلى شرق المتوسط في تشرين الأول/أكتوبر، كما أرسلت فرقاطات حاملة لصواريخ كروز خلال أواخر الصيف. دبلوماسياً، عملت موسكو على تحييد التدخل التركي بعد اعتذار الرئيس أردوغان عن إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، مما مهد للقاء مع بوتين في سان بطرسبرغ في آب/أغسطس، وسُمح لأنقرة بشن عملية عسكرية في شمال سوريا لمنع توحيد الجيوب الكردية. في المقابل، عمل وزير الخارجية سيرغي لافروف على شغل الأميركيين بمفاوضات وقف إطلاق النار التي أدارها جون كيري طوال الصيف، مع الحرص على أن تستثني أي هدنة الجماعات "الإرهابية" مثل جبهة النصرة (التي أعيدت تسميتها جبهة فتح الشام في تموز/يوليو 2016). اعتمد الروس على أن أميركا نفسها كانت تستهدف النصرة، مما يمنحهم غطاء لمواصلة عملياتهم.
بدأ الحشد العسكري للعملية في أواخر حزيران/يونيو وأوائل تموز/يوليو، مع نقل وحدات النخبة. تولت "قوات النمر" بقيادة الكولونيل سهيل الحسن المهمة الأصعب: إغلاق ممر كاستيلو، وهو شريط ضيق من أراضي المعارضة بعرض ثلاثة كيلومترات. تتألف القوة من سبعة أو ثمانية أفواج، كل فوج يضم نحو 500 رجل، ومجهزة بدبابات T-72 وناقلات BMP ومدافع هاوتزر ذاتية الحركة عيار 122 ملم وراجمات صواريخ BM-21 وصواريخ مضادة للطائرات ZSU-23-4، بالإضافة إلى طائرات مسيرة صغيرة. كانت تكتيكات الحسن تعتمد على تركيز النيران الهائلة لفتح ثغرات في خطوط المعارضة، ثم إرسال وحدات اقتحام صغيرة لتأمين الأهداف. بحلول 29 تموز/يوليو، تمكنت قوات النمر من إغلاق الممر، معلنة فرض حصار كامل على شرق حلب.
لكن الحصار لم يدم طويلاً. في 7 آب/أغسطس، شنت جبهة فتح الشام وحلفاؤها هجوماً مفاجئاً على مواقع الجيش السوري في منطقة "القاعدة المدنية" وكلية القوات الجوية جنوب غرب حلب، مستغلة تراجع قوات الحرس الجمهوري (اللواء 47) التي أُرسلت لدعم قوات النمر. تمكنت المعارضة من فتح ممر جديد بعرض كيلومتر إلى شرق حلب خلال ساعات. استدعى هذا النكسة إقالة قائد العمليات السوري في حلب، اللواء أديب محمد، وتعيين اللواء زيد صالح قائداً للحرس الجمهوري مكانه. من مقر قيادته تحت الأرض في مجمع أكاديمية الأسد العسكرية، بدأ صالح فوراً بإعادة توزيع القوات، ونقل مقاتلي ميليشيا "لواء القدس" الفلسطينية للدفاع عن مشروع 1070 السكني، وانضمت إليهم عناصر من قوات النمر للتخطيط لاستعادة القاعدة المدنية. خلال آب/أغسطس، وصلت تعزيزات من ريف دمشق بعد اتفاق إخلاء داريا، شملت عناصر من الفرقة 15 للقوات الخاصة وكتيبة "أسود الدرع" التابعة لإدارة المخابرات العسكرية واللواء 800 من الحرس الجمهوري.
في 19 آب/أغسطس، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن فرقاطتي "زيليني دول" و"سيربوخوف" من أسطول البحر الأسود، المجهزتين بصواريخ كاليبر كروز، أطلقتا صواريخ على "مرافق" تابعة لجبهة النصرة في درعا وريف حلب، دمرت مركز قيادة وقاعدة قرب دار تاعزة ومصنع ذخيرة. وللمرة الأولى، نشر الروس فيديو مباشر لتقييم الأضرار، مما يشير إلى ربط الطائرات المسيرة أو المقاتلات المتطورة بأنظمة توجيه الصواريخ على السفن. طوال آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر، أطلقت معلومات القتال المتقابلة عبر فيديوهات من طائرات مسيرة، أظهرت بعضها استهداف دبابات سورية بقنابل يدوية، وهجمات مضادة بالدبابات، ومشاهد لتقدم قوات الحكومة والميليشيات المدعومة بالأغطية الترابية.
في 4 أيلول/سبتمبر، تمكنت القوات السورية وحلفاؤها من استعادة القاعدة المدنية وكلية القوات الجوية، وأعلنت وكالة سانا أن العملية "خاصة وسريعة" أسفرت عن السيطرة الكاملة على المنطقة، وقطع طرق الإمداد من الريف الجنوبي إلى الأحياء الشرقية. وسعت هذه التطورات إلى دفع وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى الإعلان عن اتفاق لوقف الأعمال القتالية يدخل حيز التنفيذ في 9 أيلول/سبتمبر. رأت موسكو في هذا الاتفاق فرصة للتعاون مع واشنطن في استهداف الجماعات "الإرهابية" (النصرة)، بينما رأته واشنطن مجرد هدنة إنسانية. أنشأ الروس لجنة مراقبة في مركز المصالحة بقيادة الفريق فلاديمير سافتشينكو، استخدمت طائرات مسيرة وكاميرات أرضية ورادار رصد نيران، فيما اعتمد الأميركيون على مصادر استخباراتية مكشوفة وسرية، وأقر مسؤول أميركي بوجود "صعوبات" في المراقبة الميدانية لغياب القوات على الأرض.
انهار الاتفاق بعد حادث مأساوي في 17 أيلول/سبتمبر، عندما قصفت طائرات التحالف الدولي (بقيادة أميركا وبمشاركة بريطانية وأسترالية ودنماركية) موقعاً للجيش السوري في دير الزور المحاصرة من قبل داعش، ظناً أنها تستهدف مواقع إرهابية. اعترف تحقيق لسلاح الجو الأميركي بقيادة العميد ريتشارد "تيكس" كو أن التقييم الخاطئ للصور الجوية قبل يومين أدى إلى تصنيف الموقع على أنه تابع لداعش، وأن معلومات من محللين أكثر دراية بخطوط الجبهة لم تصل إلى غرفة العمليات في قطر في الوقت المناسب. استغرق الرد على مكالمة الضابط الروسي على الخط الساخن 27 دقيقة بسبب غياب المسؤول الأميركي. رداً على ذلك، قصفت القوات السورية والروسية قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة ومستودعاً للخوذ البيضاء في منطقة المعارضة بحلب، معتبرة إياهم واجهة استخباراتية تابعة لأميركا وبريطانيا. مع هذه التصعيدات، انهار وقف إطلاق النار تماماً، وسادت أجواء من الاتهامات المتبادلة في جلسة مجلس الأمن.
يمكن القول إن هذا الفصل يقدم سردية واضحة من وجهة النظر الروسية السورية للعمليات العسكرية، متجنباً تقديم أي تحليل معارض لطبيعة الحصار أو حجم المعاناة المدنية. قد يكون النقاش الأكثر إثارة للانتباه هو أن المؤلف يتعامل مع فرضية أن جزءاً من سكان شرق حرب رحب بالجيش السوري باعتباره "محرراً" وكأنها حقيقة مسلماً بها، دون تقديم أدلة ملموسة أو شهادات مستقلة من داخل الجيب المحاصر. في المقابل، يذكر المؤلف بصراحة أن فكرة أن السكان قد يرحبون بالنظام السوري كانت "غير مقبولة" لوسائل الإعلام الغربية، مما يعكس انحيازاً معرفياً محدداً في السردية الغربية، لكنه لا يقدم هو نفسه مصادر معارضة أو مستقلة تدعم أو تنفي ادعاءات الطرفين.
13.سقوط حلب129–149▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بوصف الاستعدادات الروسية والسورية لوقف إطلاق النار المعلن في 20 أكتوبر، حيث تم تجهيز "ممرات إنسانية" لخروج المدنيين من الجيب المحاصر في شرق حلب. تمركزت وحدات روسية صغيرة من مركز المصالحة عند ثمانية نقاط عبور، وألقت المروحيات منشورات تقدم ممراً آمناً للمدنيين والمقاتلين المستسلمين، كما روجت محطات التلفزيون والإذاعة المحلية لنفس الرسائل. جهز الهلال الأحمر السوري أسطولاً من الحافلات الخضراء المملوكة للدولة لاستقبال اللاجئين، وبثت طائرات الاستطلاع الروسية ودرونات "فوربوست" صوراً حية لنقاط العبور على موقع وزارة الدفاع الروسية. لكن لم يحدث شيء يذكر؛ لم يغادر المدينة سوى ثمانية مقاتلين جرحى وفقاً لموسكو، رغم تمديد وقف إطلاق النار لمدة 24 ساعة. اتهمت جماعات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا هذه المبادرة بأنها خدعة لإجبار المدينة على الاستسلام، وأكدت تقارير لاحقة للأمم المتحدة مزاعم النظام بأن المسلحين هددوا المدنيين الراغبين في المغادرة.
في الوقت نفسه، كشف الفصل عن الاستراتيجية الروسية المزدوجة: "العصا والجزرة". إلى جانب الممرات الإنسانية، صعّدت موسكو الضغط العسكري بشكل كبير، مع التركيز على إرسال حاملة الطائرات الروسية الوحيدة "الأدميرال كوزنتسوف" ومجموعتها البحرية القتالية من المحيط المتجمد الشمالي عبر المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. تمثل هذه الخطوة حرباً نفسية متقنة؛ حيث أن التغطية الإعلامية الدولية لرحلة الحاملة وتقاعس الغرب عن إيقافها يعززان شعور الميليشيات المحاصرة بأنها تُركت لمصيرها. مرت المجموعة البحرية عبر القناة الإنجليزية في 21 أكتوبر، متحدية القوات البريطانية والناتو التي راقبتها، كما رست في ميناء "سيوتا" الإسباني رغم محاولات أمريكية بريطانية لعرقلة تموينها، مما كشف حدود النفوذ الغربي.
عاد التركيز إلى حلب حيث فشل وقف إطلاق النار، وبدأت المعارضة من إدلب تحضير هجوم كبير لكسر الحصار من الجهة الجنوبية الغربية في نهاية أكتوبر. كان الهجوم، الذي بدأ في 28 أكتوبر بهجمات انتحارية بمركبات مدرعة مفخخة، يفتقر إلى عنصر المفاجأة تماماً ورُصد عبر طائرات الاستطلاع والمراقبة الروسية. في البداية، اخترق المهاجمون خطوط النظام مما أصاب المدافعين بالصدمة، لكن تدخل مجموعة صغيرة من قوات النخبة الروسية "سبيتسناز" المكونة من 16 جندياً في الوقت المناسب لعب دوراً حاسماً. أبطأت هذه القوات التقدم بقنصها الفعال وأعمالها القتالية، مما أتاح الوقت للجيش السوري لإعادة تنظيم صفوفه. قُدر أن هذه المجموعة قتلت ما يقرب من 300 متمرد، وحصل قائدها على وسام "بطل الاتحاد الروسي" من الرئيس بوتين شخصياً. استمر القتال العنيف، خاصة في مشروع 1070 السكني، مع استخدام المتمردين لهجمات انتحارية متكررة بمركبات BMP محصنة، لكن القوات الحكومية، التي تلقت تعزيزات من قوات النمر والصقور الصحراوية المزودة بدبابات T-90، تمكنت من الصمود وصد الهجمات.
يشير الفصل إلى فشل استراتيجي حاسم للمتمردين المحاصرين داخل شرق حلب، والذين يُقدر عددهم بـ 8000 مقاتل. فعلى الرغم من انشغال الجيش السوري بالهجوم الخارجي، لم يقم المحاصرون بأي محاولة جادة للخروج والالتحاق بقواتهم المهاجمة، مما حسم مصيرهم. في أوائل نوفمبر، تم تحرير المزيد من القوات السورية من جبهة دمشق ونقلها إلى حلب، بما في ذلك لواء مدرع قوامه 1500 جندي وعناصر من الحرس الجمهوري، استعداداً للهجوم النهائي على الجيب. بالتزامن مع ذلك، في البحر المتوسط، توحدت المجموعة البحرية الروسية وأغلقت منطقة بحرية وجوية كبيرة بالقرب من قبرص بين 10 و22 نوفمبر لإجراء "اختبارات إطلاق صواريخ"، مما هدد الملاحة الجوية التجارية وعزز الحصار النفسي.
تكثفت الضربات الجوية والبحرية بشكل كبير قبل الهجوم البري النهائي. شنت طائرات Su-33 وMiG-29 من حاملة الطائرات ضربات على أهداف للمتمردين غربي حلب، بدءاً من 8 نوفمبر (رغم تعطل طائرتين بحادثين في أكتوبر وديسمبر). كما أطلقت الفرقاطة "الأدميرال غريغوروفيتش" صواريخ كاليبر كروز، ولأول مرة استُخدم صاروخ "باستيون" الساحلي المضاد للسفن في مهمة هجوم أرضي. وفي تطور لافت، حلقت قاذفتان استراتيجيتان من طراز Tu-95 من قاعدة في القطب الشمالي حول أوروبا عبر المحيط الأطلسي لتهاجما أهدافاً غربي حلب بصواريخ Kh-101 كروز الجديدة، وهي أول مرة تُستخدم في القتال. كان الهدف الأساسي لهذه الضربات هو منع إعادة تجميع المتمردين غرب المدينة، وإظهار القوة النارية الساحقة التي تدعم الهجوم، وتعزيز الرسالة بأن الغرب لن يتدخل.
بدأت المرحلة الأخيرة من عملية "فجر النصر" في 18 نوفمبر بهجمات محدودة لربط الأهداف، ثم جاء الاختراق الحاسم في 25 و26 نوفمبر عندما سيطرت قوات النمر على مشروع حنانو السكني في شمال شرق حلب دون مقاومة تذكر. أدى هذا التقدم السريع إلى انهيار دفاعات المتمردين في الشمال، حيث فر المقاتلون جنوباً. بحلول 28 نوفمبر، أعلن الإعلام السوري السيطرة على أحياء الحلك، بستان الباشا، الأنزارات، حيدرية والصاخور. خرج آلاف المدنيين من الشمال واستقبلتهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو انتقلوا إلى مخيمات لجوء أقامها النظام والهلال الأحمر والجيش الروسي، حيث قدمت المطابخ الميدانية الروسية الطعام والرعاية الطبية. هذا الجانب الإنساني، وفقاً للفصل، كان جزءاً مهماً من استراتيجية "كسب القلوب والعقول".
بعد السيطرة على الشمال، حوّل اللواء زيد صالح تركيز الهجوم جنوباً نحو مطار حلب. استمرت قوات النمر في التقدم بسرعة، وسيطرت على مشروع حلوانياه الشبابي في 30 نوفمبر، ثم توغلت في وسط المدينة وصولاً إلى المستشفى الوطني للعيون والمدينة القديمة بحلول 4 ديسمبر. سقطت أحياء أخرى مثل كرم الجزماتي وكرم الميسر، وبحلول 7 ديسمبر، سيطر الجيش على وسط حلب بالكامل، مما دفع قيادة المعارضة لطلب هدنة لإخراج الجرحى. رفض الأسد وقف إطلاق النار رغم إعلان لافروف في 8 ديسمبر عن "تعليق العمليات القتالية". استمرت الهجمات على الأحياء الجنوبية مثل الشيخ سعيد وكرام الدادا، حتى انكمش الجيب المتبقي إلى مساحة لا تتجاوز 2.5 كيلومتر مربع.
توجت العملية بصفقة إجلاء توسطت فيها تركيا وروسيا في 13 ديسمبر، تخللها توقف وإعادة تفاوض، حتى تم إجلاء أكثر من 6000 شخص من المتمردين وعائلاتهم إلى إدلب بين 15 و22 ديسمبر. حسب إحصاءات المركز الروسي للمصالحة، دخل 108,076 مدنياً إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة منذ 27 نوفمبر، واستسلم 3,033 مقاتلاً. وأكدت الأمم المتحدة في يناير 2017 أن 110,000 شخص لجأوا للحكومة مقابل 34,000 غادروا مع المتمردين. رغم اتهامات منظمات حقوقية بارتكاب عمليات إعدام وتجنيد إجباري، خلصت لجنة تقصي الحقائق الأممية إلى أنه لم تحدث مجزرة جماعية ممنهجة مثل سربرنيتسا، وتم إجلاء الجميع ممن أرادوا المغادرة.
يختتم الفصل بتحليل العوامل الرئيسية وراء نجاح العملية من وجهة نظر المؤلف. أولاً، أثبتت استراتيجية "المصالحة" الروسية نجاحها، حيث أن غالبية السكان "صوتوا بأقدامهم" لصالح الحكومة، وهو ما اعتبرته موسكو ودمشق انتصاراً في معركة الرأي العام رغم تجاهل الإعلام الغربي لهذا الجانب. ثانياً، لعبت التكنولوجيا الروسية دوراً محورياً؛ حيث قدمت صور درونات "فوربوست" لقوات النمر وعياً موقفياً كاملاً، مما سمح بتقدم وحدات صغيرة بجرأة ودون دعم جانبي، مع معرفة دقيقة بمواقع العدو والعقبات. ثالثاً، أنشأ الروس ما يشبه "صورة جوية معترف بها" (RAP) على مستوى سوريا، مما أعطى القادة السوريين ثقة بأن عملياتهم لن تتعرض للتعطيل من قبل طائرات التحالف أو إسرائيل. رابعاً، كانت التطورات الجيوسياسية في صالح النظام؛ فانهيار الدبلوماسية الأمريكية الروسية في الصيف، وانشغال أوروبا باستفتاء بريكست وانتخاباتها، وانغماس السعودية والإمارات في حرب اليمن، كل ذلك خلق فراغاً جيوسياسياً استغله النظام وحلفاؤه لتغيير الحقائق على الأرض في حلب.
في النهاية، يصف الفصل العملية بأنها نجاح تكتيكي وعملياتي كبير للجيشين الروسي والسوري، أدى إلى استعادة السيطرة على كامل حلب وإجبار المعارضة على التراجع إلى جيب إدلب. ويشير إلى أن حجم القوات المشاركة في القتال الفعلي كان أصغر بكثير مما كان يُعتقد، حيث كان العمود الفقري للهجوم عبارة عن قوة صدمة من أقل من 1000 جندي من قوات النمر والصقور الصحراوية، بينما كانت المليشيات الأخرى تؤمن الأراضي المحررة. كما يقر المؤلف بأن العملية تسببت بمئات الضحايا المدنيين، لكنه يجادل بأن الخسائر كانت أقل بكثير مما حدث في معركة الموصل التي دارت في نفس التوقيت بقيادة التحالف الدولي، وأن الانتقادات الغربية كانت تركز على الجانب العسكري وتتجاهل النجاح الإنساني النسبي في إجلاء المدنيين وإيوتهم.
14.الوجود البري150–156▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحوّل الاستراتيجية الروسية في سوريا بعد انتصار حلب، من مرحلة الحسم العسكري إلى مرحلة توطيد المكاسب السياسية والميدانية. يوضح المؤلف أن موسكو، بعد السيطرة على شرق حلب نهاية 2016، لم تكتفِ بذلك، بل شرعت في بناء وجود عسكري أوسع وأكثر ديمومة، بهدف إنهاء الحرب وفق شروط الرئيس بوتين خلال العام التالي.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من الأدلة المادية على هذا التحوّل، مثل شحن مئات الآليات العسكرية الروسية (ناقلات جند، دبابات T-62، شاحنات وقود) عبر سفينة "ألكسندر تكاتشينكو" من مضيق البوسفور إلى ميناء طرطوس. يُفسّر المؤلف هذه الشحنات ليست كمساعدات عتيقة للجيش السوري، بل كإشارة واضحة لتعزيز عسكري روسي مباشر. ثم ينتقل إلى البعد الدبلوماسي، موضحاً كيف استثمرت موسكو نصر حلب لعزل فصائل المعارضة في إدلب وجنوب سوريا عبر اتفاقيات "مصالحة" وتهجير، وفتح قنوات سلام في أستانا (كازاخستان) بالتعاون مع تركيا وإيران، مما أقصى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا عن طاولة المفاوضات.
يستخدم المؤلف أمثلة ملموسة لتوضيح التنسيق بين العسكر والدبلوماسية الروسية؛ ففي يناير 2017، بعد إتمام الإخلاء من حلب مباشرةً، عُيّن العقيد أندريه كارتابولوف قائداً لمجموعة القوات الروسية في سوريا خلفاً للفريق ألكسندر جورافليوف. كان كارتابولوف المتمرس إعلامياً يجسد "الوجه الجديد" لروسيا الأقل عنفاً. توازياً مع ذلك، سُحبت حاملة الطائرات "الأميرال كوزنيتسوف" والطراد النووي "بيوتر فيليكي" من شرق المتوسط، مما أظهر تحولاً من العمليات البحرية الضخمة (التي أطلقت صواريخ كاليبر) إلى وجود بري أصغر حجماً لكنه أكثر استراتيجية.
يصف الفصل بالتفصيل توسع الوجود البري الروسي عبر نشر كتيبة شرطة عسكرية (بين 400-600 جندي، ليصل الإجمالي في حلب إلى 700-900 جندي روسي بين خبراء إزالة ألغام وطواقم طبية). لم تكن مهمة هذه القوة قتالية بقدر ما كانت لحماية مركز المصالحة الروسي و"فرض النظام"، وكبح جماح الفصائل الموالية لإيران التي حاولت عرقلة إخلاء حلب. يكشف الفصل أيضاً أن هذه "الشرطة العسكرية" كانت في الواقع وحدة من القوات الخاصة (سبيتسناز) ارتدت القبعات الحمراء قبل الانتشار.
يتناول المؤلف مشكلة رئيسية: هشاشة الجيش السوري. رغم الانتصار، لم يكن لدى دمشق سوى كتائب قليلة قادرة على القتال الشاق (مثل قوات النمر لـ سهيل الحسن). لذلك أسست روسيا "الفيلق الخامس" كقوة هجومية جديدة، درّبها وأسلحها مستشارون روس (بما في ذلك قادة برتبة فريق) بمعدات بسيطة التشغيل مثل دبابات T-62 ومدافع هاوتزر M-30. أُرسلت أول وحدات الفيلق الخامس لاستعادة تدمر في ربيع 2017، وكان أداؤها متفاوتاً، حيث تكبّدت خسائر فادحة من هجمات تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها شاركت لاحقاً في كسر حصار دير الزور في خريف 2017.
يعترف الفصل بحدود واضحة: الاعتراف بأن الجيش السوري لا يملك القوة لشن هجومين متزامنين (على إدلب وعلى الدولة الإسلامية)، مما اضطر الروس إلى "تجميد" المواجهة مع إدلب مؤقتاً. كما يشير إلى تحفظات حول موثوقية الحلفاء الإيرانيين وميليشياتهم الذين خالفوا أوامر القادة الروس أثناء الإخلاء. ويترك سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الوحدات السورية المدربة حديثاً (مثل الفيلق الخامس) على الصمود في معارك مستقبلية ضد خصوم أكثر تنظيماً.
من الحجج القابلة للنقاش في النص، التأكيد على أن الروس استخدموا القوة العسكرية كأداة لفرض حل سياسي يخدم مصالحهم، وليس كهدف بحد ذاته. كما أن وصف إقصاء الغرب عن مفاوضات أستانا يُظهر نية روسية واضحة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في سوريا تحت قيادتها.
16.العودة إلى تدمر163–175▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على حملة استعادة مدينة تدمر من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في الفترة من ديسمبر 2016 إلى مارس 2017، ويُظهر كيف أن النجاح في معركة حلب جاء على حساب تعريض الجبهة الوسطى لخطر كبير. يشرح الفصل أن القيادة السورية والروسية قلّصت عملياتها في الصحراء المركزية لصالح معركة حلب، مما سمح للتنظيم بشن هجوم مفاجئ على تدمر في ديسمبر 2016، واستغلّ ضعف القوات السورية هناك. يُقدّم المؤلف وصفاً تفصيلياً لكيفية سقوط المدينة بسرعة، مُشيراً إلى أن سوء الأحوال الجوية أعاق الاستطلاع الجوي الروسي، وأن هجمات التنظيم اعتمدت على سيارات مفخخة ضخمة (انتحارية) اخترقت نقاط التفتيش السورية، تلاها هجوم بري أجبر الحامية الصغيرة المكونة من حوالي 2000 جندي سوري وأقل من 100 مستشار روسي على الانسحاب الفوضوي إلى قاعدة T-4 الجوية في تياس. يُظهر الفصل أن القوات السورية تركت وراءها دبابات وذخائر صالحة للاستخدام، مما وفّر للتنظيم غنائم دعائية كبيرة.
بعد سقوط تدمر، يحوّل الفصل التركيز إلى محاولات التنظيم لتوسيع هجومه نحو قاعدة T-4 الجوية، التي كانت بمثابة معقل دفاعي حاسم في وسط البلاد. يصف الكيفية التي هاجم بها مسلحو التنظيم القاعدة بين 13 و15 ديسمبر، لكنهم فشلوا في اقتحامها بفضل وصول تعزيزات من الحرس الجمهوري والضربات الجوية الروسية. يتناول الفصل تحولاً في الاستراتيجية بحلول مطلع يناير 2017، حيث بدأت القيادة السورية والروسية في التخطيط لهجوم مضاد لاستعادة تدمر، مع تكليف فيلق الجيش الخامس المُشكَّل حديثاً والمُدرَّب من قبل مستشارين روس بمهمة القيادة. يبرز الفصل دور وحدات النخبة مثل "صيادي داعش" والمدفعية الروسية الثقيلة، بما في ذلك منظومة TOS-1A (قاذفات اللهب التي تطلق ذخائر حرارية) التي جُلبت إلى قاعدة T-4 لدعم الهجوم.
في موازاة ذلك، يغطي الفصل هجوماً متناغماً من قبل تنظيم الدولة على جيب دير الزور المحاصر، بهدف قطع خطوط إمداده والاستيلاء على أسلحته. يصف الفصل كيف ردّت القوات الجوية الروسية باستخدام قاذفاتها الاستراتيجية من طراز توبوليف Tu-22M3 في سلسلة غارات عنيفة في يناير 2017، موثقة بتسجيلات فيديو، بالإضافة إلى إنشاء "جسر جوي" معقد عبر مطار القامشلي في أقصى شمال شرق سوريا لنقل التعزيزات والعتاد بواسطة مروحيات مي-17. يذكر الفصل أيضاً استخدام قاذفات توبوليف Tu-95 لصواريخ Kh-101 كروز في غارة على هدف قرب مدينة الرقة في 17 فبراير 2017، مشيراً إلى تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين من دون تأكيد دقيق.
يستعرض الفصل بالتفصيل المراحل الأخيرة من الهجوم المضاد على تدمر، والذي بدأ في نهاية يناير بتقدم القوات السورية من قاعدة T-4. يذكر تصريحاً للجنرال سيرغي رودسكوي من هيئة الأركان الروسية في 7 فبراير بأن القوات تقدمت مسافة 25 كيلومتراً شرقاً وحررت 783 كيلومتراً مربعاً. يصف الفصل تكتيكات الأعمدة القتالية المدمجة المستقلة (400 إلى 500 جندي لكل عمود) والتي ضمت دبابات وعربات مدرعة ومدفعية، مع دعم جوي كثيف من مروحيات مي-28 وكا-52 الروسية. يوثق المؤلف خسائر روسية مؤلمة، أبرزها مقتل أربعة جنود روس في 16 فبراير 2017 وإصابة لواء (اللواء بيوتر ميليوخين) بجروح خطيرة في هجوم بعبوات ناسفة، وهي أكبر خسارة في حادثة واحدة من نوعها منذ بدء التدخل الروسي.
يختتم الفصل بسقوط تدمر في 2 مارس 2017، مع دخول القوات السورية إليها من الجهة الجنوبية بعد أن فرّ مسلحو التنظيم. يذكر المؤلف أن استعادة المدينة جاءت بعد سبعة أيام من سقوط الباب بأيدي القوات التركية، وتزامناً مع ضغوط متزايدة على التنظيم في الموصل والرقة. يُشير الفصل إلى أن المعركة كانت اختباراً ناجحاً لفيلق الجيش الخامس، لكنه يُقرّ بأن دور المستشارين الروس و"مراقبي إطلاق النار المتقدمين" كان محورياً، واصفاً إياهم بـ"الغراء" الذي جمع الوحدات السورية المتناثرة. يفتح الفصل تساؤلاً حول مستقبل التنظيم، موحياً بأن انسحابه من تدمر بدلاً من القتال حتى الموت يشير إلى أن أيام سيطرته على وسط سوريا أصبحت معدودة، خاصة في مواجهة القوة الجوية المتفوقة للتحالفين الروسي والدولي.
17.سباق إلى الرقة176–181▼ ملخص
يُركّز فصل «سباق إلى الرقة» على اللحظة الحاسمة التي بدأ فيها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بتضييق الخناق على عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وهي الرقة، في أوائل عام 2017. يقدّم المؤلف تيم ريبلي إجابة واضحة مفادها أن هذه المرحلة من الحرب لم تكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل كانت عملية شديدة التعقيد بسبب التشابك السياسي والعسكري بين أطراف متعددة، أبرزها الأكراد وتركيا والنظام السوري وروسيا. يُظهر الفصل كيف استخدمت القوات الأمريكية قوتها الجوية المتفوقة وتقنيات التنسيق المتطورة لدعم حلفائها من المقاتلين الأكراد، بينما واجهت في الوقت نفسه عقبات دبلوماسية كبرى مع حليفها في الناتو، تركيا، التي تعتبر هذه القوات الكردية نفسها تهديداً إرهابياً.
يسير الفصل وفق تسلسل منهجي، يبدأ بمشهد رمزي لزيارة الجنرال جو فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إلى قاعدة كردية على بعد حوالي 60 ميلاً شمال الرقة في 24 فبراير. يُبرز هذا المشهد التحول في الاستراتيجية الأمريكية من الضربات الجوية البعيدة إلى التواجد المباشر على الأرض. ثم ينتقل الفصل لشرح تكتيكات القتال الجديدة التي تعتمد على فرق صغيرة من القوات الخاصة الأمريكية، تعمل كمراقبين جويين متقدمين (JTACs) مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF). يصف الكاتب كيف كانت هذه الفرق تستدعي الطائرات الحربية لتدمير أهداف تنظيم الدولة بدقة متناهية، مما سمح للمقاتلين الأكراد بالتقدم بسرعة. كمثال على ذلك، يذكر الفصل عملية «غضب الفرات» التي استمرت أسبوعاً واستعادت خلالها قوات سوريا الديمقراطية أكثر من 1,762 كم² من الأراضي وأكثر من 60 قرية، لتصل إلى مسافة أقل من 5 كيلومترات من نهر الفرات.
يقدّم الفصل تفصيلاً لوجستياً مهماً حول كيفية إدامة هذا التواجد الأمريكي في سوريا. يوضح أنه بحلول أوائل 2017، كان هناك حوالي 500 جندي أمريكي في سوريا، معظمهم من القبعات الخضراء وقوات البحرية الأمريكية (SEALs)، بينما احتُفظت بقوات «دلتا فورس» النخبوية في قاعدة سرية في العراق لشن غارات محدودة. لكن المشكلة اللوجستية الكبرى كانت الموقف التركي المعادي لقوات حماية الشعب الكردية (YPG)، التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني الإرهابي لديها. لذلك، كان لا بد من إمداد القوات الأمريكية التي تعمل مع الأكراد من العراق، إما عبر طرق برية خطرة أو جواً باستخدام طائرات CV-22 Osprey التابعة لقيادة العمليات الخاصة الجوية (AFSOC). هذا الوضع الشاذ خلق تناقضاً صارخاً: نفس القوات الأمريكية كانت تدرب في الوقت نفسه مقاتلي الجيش السوري الحر داخل عملية «درع الفرات» التي تقودها تركيا، وهو ما يُظهر حجم التعقيد السياسي.
لا يغفل الفصل عن المخاطر والتوترات في العلاقة مع القوات الجوية الروسية، التي كانت تدعم النظام السوري. يشرح الكاتب نشأة «الخط الساخن» بين قيادة العمليات الجوية الأمريكية في قطر ونظيرتها الروسية في قاعدة حميميم، والذي تطور لاحقاً ليشمل اتصالات فيديو يومية لتفادي الاشتباك الجوي. يذكر الفصل حادثة مهمة وقعت في 1 مارس، حيث قصفت طائرات روسية وسورية مقاتلي الجيش الحر على مقربة شديدة (حوالي 3 أميال) من فريق استشاري أمريكي. يُظهر المؤلف كيف أن الاتصال الفوري بين الضباط الأمريكيين والروس عبر هذه القنوات أوقف القصف، لكنه يبقى مثالاً على هشاشة التنسيق واحتمال وقوع كارثة. كما يذكر حادثة قصف جنود سوريين في دير الزور في سبتمبر 2016 كتحذير مما يمكن أن يحدث.
مع نهاية الفصل، يرسم المؤلف صورة لتسارع الأحداث على عدة جبهات في ربيع 2017، حيث حُوصر تنظيم الدولة في الموصل غرباً، ووصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى الفرات، واستعاد الجيش السوري تدمر بغطاء جوي روسي. وتصل الذروة باستيلاء القوات الأمريكية الخاصة على سد الطبقة في 22 مارس، ثم الاستيلاء على قاعدة الطبقة الجوية بعدها بأربعة أيام، مما حاصر مقاتلي التنظيم في مدينة الطبقة وأصبحوا على أبواب الرقة. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن البنتاغون أرسل 400 من مشاة البحرية الأمريكية مع مدافع M777 وطائرات أباتشي، ليدعم الحسم، مما أثار قلقاً روسياً وسورياً من أن الأمريكيين والأكراد لن يغادروا أجزاء واسعة من سوريا بعد استعادتها.
من حيث الحجج القابلة للنقاش، يطرح الفصل بشكل ضمني معضلة كبرى: هل الانتصار العسكري على تنظيم الدولة له ما يبرره إذا كان على حساب زعزعة استقرار حليف رئيسي في الناتو (تركيا)؟ إن وصف الكاتب لكيفية عمل القوات الأمريكية مع فصيلين متناحرين (الأكراد والجيش السوري الحر المدعوم تركياً) يبرز مدى صعوبة الحفاظ على تماسك التحالف. النص نفسه لا يحاول إصدار حكم، لكنه يقدم أدلة كافية تجعل القارئ يتساءل عن استدامة هذه الاستراتيجية بعد انتهاء المعركة.
18.تقدم قوات النمر182–189▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، "تقدم قوات النمر"، على المرحلة الحاسمة من الحرب في شمال غرب سوريا في أوائل عام 2017، حيث يتحول الصراع من محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى سباق ثلاثي للسيطرة على الأراضي بين القوات السورية، والقوات التركية، وقوات "قوات سوريا الديمقراطية" الكردية. يقدم المؤلف هذا السباق كنتيجة مباشرة لانهيار التنظيم، حيث أصبحت السيطرة على الأرض هي العملة السياسية الأهم التي ستحدد موقف كل طرف في أي مفاوضات سلام مستقبلية.
يسرد الفصل الأحداث خطوة بخطوة، مبتدئاً بمشهد لهجوم نموذجي لـ قوات النمر، حيث قصفت المدفعية الثقيلة وقذائف الهاون خنادق التنظيم، تلاها تقدم وحدات المشاة لاقتحام معاقل الجهاديين في القرى جنوب الباب. يصف المؤلف أن دفاعات التنظيم كانت ضعيفة نسبياً، مع انسحاب معظم المقاتلين وترك عدد قليل من القناصة لإبطاء التقدم السوري. وتُظهر تقارير يومية من crew شبكة ANNA الروسية المرافقة للقوات هجمات انتحارية بسيارات مفخخة كانت تُرسل باتجاه الخطوط السورية، والتي تم إيقاف معظمها بنيران الدبابات والصواريخ، رغم أن بعضها كان يخترق الخطوط ويتسبب بسقوط قتلى.
يشرح الفصل الأهداف المتناقضة للأطراف الثلاثة. بالنسبة لحكومة دمشق، فإن السيطرة على الأرض هي رمز للشرعية والسلطة. أما تركيا، التي توغلت في سوريا في أغسطس 2016 بدعم من فصائل الجيش السوري الحر، فكانت تخشى من بقاء قواتها إلى الأبد، بينما كانت تسعى للحد من توسع وحدات حماية الشعب الكردية. بالمقابل، كانت وحدات حماية الشعب جزءاً من تحالف قوات سوريا الديمقراطية المدعوم أمريكياً، وهدفت إلى توسيع مناطق سيطرتها. ويوضح المؤلف أن نقطة التقاء المصالح بين السوريين والأكراد كانت في منع القوات التركية من التقدم شرقاً نحو وادي الفرات لفتح طريق نحو الرقة.
يصف الفصل التحالف غير الرسمي الذي نشأ بين القوات السورية والأكراد لتحييد مقاتلي التنظيم في مدينة الباب، الذين صمدوا لأكثر من شهرين أمام القوات التركية. كانت العملية عبارة عن سباق: السوريون يتقدمون شمالاً، والأكراد غرباً، بينما كانت القوات الموالية لتركيا تتقدم جنوباً وشرقاً. في اللحظة التي كادت فيها قوات النمر والأكراد أن تنجح في تطويق التنظيم، قام الجهاديون بهروب سريع نحو الشرق في الأسبوع الأخير من فبراير. هذا الهروب حوّل المعركة إلى سباق مفتوح لمنع القوات التركية وحلفائها من الوصول إلى نهر الفرات.
يتناول الفصل آليات التنسيق المعقدة بين القوى الكبرى، حيث تم إنشاء إجراءات "فض الاشتباك" الجوي بين القوات الجوية الروسية والتركية والأمريكية لمنع وقوع حوادث في الجو نفسه. في 18 يناير، تم تنفيذ أولى الضربات الجوية المنسقة بين روسيا وتركيا، حيث ذكرت موسكو أن 36 هدفاً للتنظيم قد أصيبت. وبينما اعترفت تركيا بالضربات، قللت من شأن وصفها بأنها "مشتركة"، وهو ما أكدته مصادر بريطانية بقولها إن ما حدث كان مجرد "فض اشتباك" وليس عملية منسقة أو مشتركة.
في الأسبوع الأول من مارس، شنّت قوات النمر هجوماً مزدوجاً من قاعدتها في مطار كويرس الجوي، محور واحد شرقاً نحو نهر الفرات وآخر شمالاً للالتقاء مع الأكراد، وهو ما تحقق شمال بلدة دير حافر. أثار هذا التقدم غضب الأتراك الذين بدأوا بقصف المواقع الكردية، مما أثار قلق الأمريكيين الذين رأوا أن هجومهم المرتقب على الرقة قد يتعطل. هنا لعب الروس ورقة حاسمة من خلال عرض إنشاء منطقة عازلة بمرافقة قوات من الشرطة العسكرية الروسية بين الأكراد والأتراك. رد الأمريكيون بإرسال حوالي 100 جندي إلى منبج لإنشاء "منطقة أمنية مشتركة" يتم تسيير دوريات فيها من قبل القوات الأمريكية والروسية، مما أدى إلى احتواء الأزمة مؤقتاً وكشف عن سباق النفوذ بين موسكو وواشنطن.
يختتم الفصل بوصف حادثة جديدة ومثيرة للجدل. في 4 أبريل، تداولت منظمة الخوذ البيضاء مقاطع فيديو لهجوم بالغاز في بلدة خان شيخون، مما أسفر عن مقتل ما بين 58 و100 مدني حسب تقارير مختلفة. ألقت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا باللوم على الحكومة السورية، بينما ادعت روسيا أن القصف السوري أصاب مخزناً للأسلحة الكيماوية تابعاً للمعارضة. رداً على ذلك، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 7 أبريل 59 صاروخ توماهوك من سفينتين حربيتين باتجاه قاعدة الشعيرات الجوية. يذكر الفصل أن الأمريكيين أخطروا الروس قبل الهجوم بساعات، مما سمح لهم بإخلاء طائراتهم وطواقمهم، وأدى ذلك إلى تدمير 11 من أصل 22 ملجأً محصناً للطائرات وبعض المنشآت الأخرى، لكن المدرج الرئيسي لم يستهدف بشكل مباشر. ويخلص المؤلف إلى أن الهدف من الضربة كان إرسال رسالة وليس تدمير القاعدة بشكل منهجي، حيث أقلعت طائرات سورية من القاعدة في اليوم التالي. وفي النهاية، يذكر الفصل أن الجدل الدبلوماسي والإعلامي حول الحادثة واستخدام مادة السارين لم يؤثر على السياسة الغربية التي بقيت مركزة على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، دون اتخاذ أي إجراء عسكري غربي موحد ضد الحكومة السورية.
19.عملية الفجر190–200▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على العمليات العسكرية الروسية السورية في صيف عام 2017، والتي حملت الاسم الرمزي «عملية الفجر»، ويهدف إلى إظهار كيف وصل التنسيق والدعم الروسي للجيش السوري إلى مستوى غير مسبوق من الطموح والتعقيد، مما سمح بتنفيذ هجوم متعدد المحاور لاستعادة السيطرة على كامل وسط وشرق البلاد. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن روسيا تحولت من مجرد داعم تكتيكي في معارك محددة مثل حلب وتدمر، إلى قائد استراتيجي يدير حرباً شاملة بالوكالة، تجمع بين القوة النارية الهائلة والحرب الإلكترونية والدبلوماسية القبلية، في سباق محموم مع القوات المدعومة أمريكياً للسيطرة على الأرض.
يبدأ الفصل بمشهد حيوي يصور إطلاق قاذفة Tu-95 الروسية القديمة لصاروخ Kh-101 المجنح والتخفي، والذي يطير مئات الأميال ليضرب أهدافاً في ريف حماة. يتم تسجيل الضربة بكاميرات طائرات Forpost المسيّرة، ويتم بثها مباشرة في مركز القيادة في قاعدة حميميم، ثم تُنشر فوراً على الإنترنت كمواد دعائية. يوضح هذا المشهد جوهر الاستراتيجية الروسية: مزج ترسانة الحقبة السوفيتية بأحدث تقنيات التوجيه والاتصالات والملاحة، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي في حرب نفسية لإظهار تفوق روسيا على التحالف الغربي في محاربة داعش.
بعد ذلك، يشرح الفصل كيف وسّعت روسيا انتشارها العسكري استعداداً للهجوم الكبير. تم إرسال ضباط روس إلى مقر فرقة الحرس الأولى المدرعة جنوب دمشق، وتم مضاعفة عدد كتائب الشرطة العسكرية الروسية إلى أربع كتائب (أكثر من 1000 جندي) لنشرها في مناطق خفض التصعيد، مما سمح للجيش السوري بسحب قواته والانضمام إلى هجوم الصحراء. كما تم إعادة نشر مقاتلات Su-25SM الهجومية وSu-34 الدقيقة، مع إنشاء نقطة تزويد بالوقود في قاعدة T-4 الجوية غرب تدمر. بالإضافة إلى ذلك، وضع أسطول البحر الأسود طائرات دورية A-50 و غواصات وسفن مزودة بصواريخ كاليبر في حالة تأهب دائم، مع إبقاء قاذفات القنابل بعيدة المدى جاهزة للضرب. يكشف الفصل أن شبكة الاتصالات تضاعفت ثلاث مرات، مع استخدام واسع للأقمار الصناعية.
يتناول الفصل بعد ذلك وصول القائد العسكري الجديد، العقيد الجنرال سيرغي سوروفيكين، في أبريل 2017، وهو ضابط معروف بصرامته وقسوته. ثم ينتقل إلى تفصيل محاور العملية الأربعة الرئيسية، ويبدأ بمحور وادي الفرات. هنا، يوضح الفصل تقدم قوات النمر بقيادة العقيد سهيل الحسن، والتي عادت بعد أن حولت مسارها من حماة. واجهت القوات السورية فلولاً من مقاتلي داعش المنهكين والذين تراجعوا بسرعة لتجنب التطويق. بحلول نهاية مايو، استعادت القوات السورية مسكنة ووصلت إلى حدود الرقة، حيث بدأ سباق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من أمريكا للسيطرة على الضفة الجنوبية للفرات. تمكنت قوات النمر من تجاوز مواقع قسد والوصول إلى نهر الفرات في يوليو، ليبدأ بعدها الروس بتجنيد رجال القبائل المحليين لصالح الحكومة، وهو ما اعتبره المؤلف نجاحاً سياسياً كبيراً رغم ضعف هؤلاء المقاتلين قتالياً.
ضمن هذا المحور، يروي الفصل حادثة 18 يونيو، حيث أسقطت طائرة أمريكية من طراز F/A-18 طائرة سورية Su-22 اعتقدت أنها تقصف قرية كردية. أدى هذا التوتر إلى آلية تنسيق جديدة عبر الأكراد، حيث يصف الفصل كيف وجد الصحفي روبرت فيسك ضابطاً كردياً يعمل جنباً إلى جنب مع عقيد روسي في مقر قوات النمر في الرصافة. كما يذكر أن داعش لم يُهزم تماماً، فهاجم بعشر شاحنات مفخخة في معركة شعينة مقتلاً أكثر من 50 جندياً سورياً في أواخر يوليو.
المحور الثاني هو محافظة حماة، حيث تركزت قوة داعش في جبل عقيربات. يصف الفصل فشل الهجوم الأولي للقوات السورية في مايو، والذي كان "كارثة" كلفت العشرات من القتلى والمركبات المدرعة، مما دفع المستشارين الروس للتوصية بحل ميليشيا "صقور الصحراء" الفاشلة وإرسال أفرادها إلى الفرقة الخامسة. حتى بعد ضربات صواريخ كاليبر وصواريخ Kh-101 من قاذفات Tu-95، لم يتم إحراز تقدم يذكر حتى أواخر يوليو، مما يظهر صلابة مقاتلي داعش في هذه المنطقة الجبلية الوعرة.
المحور الثالث هو جبهة الصحراء الجنوبية، وهدفها مواجهة تقدم ميليشيا "الجيش السوري الجديد" المدعومة من أمريكا وبريطانيا والنرويج من قاعدة التنف. يصف الفصل كيف حاولت القوات السورية والإيرانية التقدم نحو القاعدة، مما أدى إلى اشتباكات مباشرة مع القوات الأمريكية. في 6 و18 مايو، قصفت الطائرات الأمريكية أرتالاً سورية. في 8 يونيو، أطلقت طائرة إيرانية مسيّرة شاهد-129 صاروخاً كاد يصيب سيارة همر أمريكية، لترد طائرة F-15E أمريكية بإسقاط المسيّرة، بينما لم تتدخل المقاتلات الروسية الموجودة في الجوار. يخلص المؤلف إلى أن موسكو لن تخوض حرباً من أجل طائرة إيرانية، وبدلاً من ذلك تجاوز الجيش السوري منطقة "التنف" ووصل إلى الحدود العراقية في 10 يونيو، مما جعل القاعدة الأمريكية غير ذات أهمية استراتيجية.
أما المحور الرابع والأخير فهو محور عرقة - السخنة، حيث تواصل التقدم شرق تدمر. يصف الفصل العمل اليومي لفرق القوات الخاصة الروسية مع الحرس الجمهوري والفرقة الخامسة، باستخدام المروحيات الهجومية والمدفعية لطرد مقاتلي داعش من تلال عرقة. بحلول أوائل أغسطس، وبعد قتال عنيف مع مقاتلين أجانب محصنين في شبكة من الأنفاق، تمكنت القوات السورية من طرد داعش من منطقة السخنة، لتستعد بذلك لشن المرحلة الأخيرة من العملية باتجاه وادي الفرات لكسر حصار دير الزور.
لا يخفي المؤلف بعض نقاط الضعف والتحفظات. يقر بأن التقديرات السورية لتجنيد 4000 مقاتل قبلي مبالغ فيها، ويشير إلى أن العدد الفعلي لميليشيا "صقور الفرات" لا يتجاوز بضع مئات. كما يسلط الضوء على فشل بعض الهجمات الأولية، كفشل ميليشيا صقور الصحراء في عقيربات، مما اضطر الروس لإعادة الهيكلة. ويظهر الفصل بوضوح حدود القوة الروسية، حين توقف الطيران الروسي عن التدخل خلال الاشتباك الأمريكي مع المسيّرة الإيرانية، مما يشير إلى وجود "خطوط حمراء" لا تتجاوزها موسكو لتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن. تبقى أسئلة مفتوحة حول الفعالية الحقيقية للقبائل المنشقة التي جندها الروس، وقدرتهم على الصمود في وجه هجمات داعش الانتحارية، وهو ما يظهره الفصل في هجوم شاحنات شعينة المفاجئ.
21.حرب روسيا في سوريا202–229▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل سرداً تفصيلياً للمرحلة الحاسمة من التدخل العسكري الروسي في سوريا، والتي امتدت من صيف 2017 حتى نهاية العام نفسه، مع تركيز خاص على العمليات التي هدفت إلى القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في شرق البلاد. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة شهدت تصعيداً غير مسبوق في المشاركة الروسية المباشرة على الأرض، إلى جانب القوة الجوية الهائلة، مما مكّن الجيش السوري من تحقيق انتصارات حاسمة، أبرزها فك حصار دير الزور وتحرير كامل وادي الفرات الأوسط، وإنهاء سيطرة التنظيم على آخر معاقله الحضرية في أبو كمال.
يسير الفصل بخطى متسارعة ومتسلسلة زمنياً، فيبدأ بعملية إنزال جوي مشترك بين القوات الروسية والسورية في 11-12 أغسطس، والتي يعتبرها المؤلف الخطوة الافتتاحية لهجوم طموح. ثم يصف بالتفصيل كيفية تحرك أربع مجموعات هجومية سورية، بتنسيق روسي، لتطويق مقاتلي التنظيم في ريف حماة الشرقي، مستخدماً أسماء الوحدات مثل الفرقة الرابعة الميكانيكية وقوات النمر والحرس الجمهوري. يذكر المؤلف أن القوات الروسية قدمت دعماً نارياً مكثفاً، حيث بلغ معدل طلعات الطائرات الروسية 60 إلى 70 طلعة يومياً، وفقاً للعقيد الجنرال سيرغي رودسكوي في 21 أغسطس، الذي ذكر أن الطيران الروسي نفذ 316 طلعة و819 ضربة خلال الأيام الخمسة الماضية فقط.
يتناول الفصل تفاصيل معارك تطهير جيوب المقاومة، مثل سقوط أوكيربات في أوائل سبتمبر، ويشير إلى جدل حول إبرام صفقة سمحت بخروج المئات من مقاتلي التنظيم نحو جيب إدلب في 9 و10 أكتوبر. ثم ينتقل السرد إلى عملية فك حصار دير الزور، حيث يصف وصول طليعة قوات النمر في 5 سبتمبر إلى قاعدة اللواء 137، مع احتفاظ القوات الروسية بهامش منخفض لإضفاء طابع النصر السوري. يذكر الفصل مقتل جنديين روسيين في 4 سبتمبر بقذائف الهاون، مما يسلط الضوء على المخاطر التي تعرضت لها القوات الروسية.
واحدة من أبرز العمليات الموصوفة هي عبور نهر الفرات، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الجيش السوري. يصف المؤلف كيف تم استخدام معدات جسرية روسية متطورة مثل PMP وPMM-2M، والتي تم جسرها جواً من روسيا على متن طائرات أنتونوف An-124. يذكر الفصل مقتل الفريق الروسي فاليري أسابوف في 24 سبتمبر، وهو ضابط كبير، إثر قصف بقذائف الهاون يُشتبه بأنه كان بطائرة مسيرة تابعة للتنظيم. هذا الهجوم يعكس استخدام التنظيم لطائرات بدون طيار بشكل مبتكر لمهاجمة الجسور والمعدات الروسية.
بعد السيطرة على دير الزور، يتتبع الفصل التقدم المزدوج جنوباً على طول ضفتي الفرات. على الضفة الغربية، سقطت الميادين، العاصمة البديلة للتنظيم، في 14 أكتوبر بفضل هجوم التفافي لقوات النمر. يصف المؤلف مشهد غنائم الحرب التي عُرضت لوسائل الإعلام، والتي شملت أكثر من 1000 قطعة سلاح وستة أنواع مختلفة من الطائرات بدون طيار، بما في ذلك طائرات صينية الصنع من طراز DJI Phantom. على الضفة الشرقية، يصف الفصل السباق مع قوات قسد المدعومة أمريكياً للسيطرة على حقول النفط، وكيف تم تخفيف الاحتكاك بين الطرفين بعد لقاءات تنسيقية بين الروس والأكراد.
يتوج الفصل بوصف الهجوم الأخير على أبو كمال، والذي شاركت فيه قوات سورية وحزب الله وميليشيات شيعية عراقية وأفغانية. هنا يبرز الدور الروسي بأقصى درجاته، حيث يذكر الفصل أن طائرات تو-22M3 بعيدة المدى نفذت موجات قصف مكثفة بالأسلحة غير الموجهة من قاعدة موزدوك في روسيا، عبر الأجواء الإيرانية والعراقية، خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 4 نوفمبر، بالتزامن مع إطلاق صواريخ كاليبر من غواصات في البحر المتوسط. يذكر الفصل سقوط المدينة في 9 نوفمبر، لكنه يعترف بأن الادعاءات الأولية كانت سابقة لأوانها، واستمر القتال حتى 18 نوفمبر. يختتم السرد الحربي بإعلان الرئيس فلاديمير بوتين النصر في 11 ديسمبر خلال زيارة مفاجئة لقاعدة حميميم.
أما القسم الأخير من الفصل، فيتجاوز السرد التاريخي ليقدم تحليلاً تقييمياً للتدخل الروسي. يعترف المؤلف بالتكلفة البشرية، حيث أقرت روسيا رسمياً بمقتل ما يزيد عن 40 جندياً وفقدان 4 طائرات و6 مروحيات. لكنه يركز على المكاسب الاستراتيجية: تعزيز أمن نظام الأسد، وهيمنة روسيا على مسار أستانا للسلام، وعودتها كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، وحصول شركاتها على عقود إعادة الإعمار والتنقيب عن النفط. يقارن الفصل بين النهجين الروسي والغربي، مشيراً إلى أن الغرب ظل أسيراً لخطابه الأخلاقي بينما راهنت روسيا على فهم الواقع النفسي على الأرض، حيث أيقنت أن غالبيّة السوريين تفضل نصراً سريعاً للحكومة على استمرار الحرب والفوضى.
في تقييمه للآلة الحربية، يثني المؤلف على الاحترافية والجرأة التي أظهرتها القيادة العسكرية الروسية، وقدرتها على التكيف والتعلم من الأخطاء، مثل القفزة النوعية التي تمثلها حلقات "القتل" المنسقة بين طائرات الاستطلاع بدون طيار ومراكز القيادة. لكنه لا يخلو من التحفظات؛ فهو يقر بوجود قيود على الموارد، وأهمية التكنولوجيا الغربية (مثل طائرات فوربوست) في النجاح، والاعتماد على متعاقدين عسكريين من القطاع الخاص بدلاً من المجندين، وتباين دقة القصف الروسي التي تعتمد بشكل أساسي على القنابل "الغبية" مقارنة بالدقة الغربية. كما يشير إلى التقارير الواسعة عن سقوط ضحايا مدنيين جراء الغارات الروسية، معترفاً بوجود فجوة بين الدعاية الروسية والواقع العملياتي على الأرض.
22.ملحق: أوامر المعركة، خسائر روسيا العسكرية من الأرواح والطائرات230–243▼ ملخص
هذا الملحق في كتاب تيم ريبلي «عملية حلب: حرب روسيا في سوريا» يُعنى بتفصيل القوة العسكرية الروسية المنتشرة في سوريا بين عامي 2015 و2017، مسجلاً تنظيمها وقياداتها وخسائرها البشرية والمادية، ويقدم إجابة واقعية عن حجم ونطاق الالتزام العسكري الروسي في الحرب السورية.
يبدأ الملحق بإحصاءات إجمالية، فيذكر أنه في أوائل 2016 كان هناك نحو 5,000 عسكري روسي في سوريا، وارتفع العدد إلى قرابة 6,000 بحلول نهاية 2017. ويضيف أن الرئيس بوتين صرح في ديسمبر 2017 بأن نحو 48,000 عسكري روسي خدموا في سوريا بين عامي 2015 و2017، معظمهم لفترات تداوُب استمرت بين ثلاثة وأربعة أشهر.
يسرد الملحق بعد ذلك هيكل القيادة الروسية في سوريا بدءاً من مقر مجموعة القوات الروسية في الجمهورية العربية السورية ومقره دمشق، ثم يسرد أسماء قادة هذه المجموعة ورتبهم وتواريخ توليهم المنصب. أول القادة كان العقيد ألكسندر دفورنيكوف من أغسطس 2015 حتى يوليو 2016، تلاه الفريق ألكسندر جورافليف حتى ديسمبر 2016، ثم العقيد أندريه كارتوبولوف حتى أبريل 2017، ثم العقيد سيرغي سوروفيكين حتى ديسمبر 2017، ثم عاد جورافليف لقيادة المجموعة مرة أخرى في ديسمبر 2017. ويورد الملحق أيضاً أسماء رؤساء أركان المجموعة وقادة مركز المصالحة بين الأطراف المتحاربة الموجود في حميميم بمحافظة اللاذقية، ويذكر أن للمركز نحو 200 فرد وقواعد أمامية في حلب وحمص ودير الزور.
يتناول الملحق بالتفصيل الفروع العسكرية الروسية المنتشرة. مجموعة الفضاء الجوي والدفاع الصاروخي شملت منظومة إس-300 ومنظومتين إس-400، بالإضافة إلى أنظمة بانتسير-إس1 للدفاع النقطي، موزعة في قاعدتي حميميم ومصياف بمحافظة حماة وموقع قرب قاعدة طرطوس البحرية. أما مجموعة المدفعية فكانت بحجم لواء، وزُوّدت بمدافع هاوتزر عيار 152 مم وقاذفات صواريخ حرارية من نوع توس-1 إيه وقاذفات سميرتش متعددة الفوهات وطائرات استطلاع مسيرة من طراز أورلان-10، كما تمركزت صواريخ إسكندر بالستية في حميميم منذ أوائل 2016. ويُخصص المُلحق أقساماً لـ الوحدة الأمنية في حميميم التي تشمل كتيبة مشاه معززة بدبابات تي-90 ومدرعات بي تي آر، ولـ كتائب الشرطة العسكرية الأربع المنتشرة في مناطق خفض التصعيد في إدلب وحمص ودمشق وجنوب سوريا، ويذكر أن إحداها سُحبت في ديسمبر 2017. كما يُفرد قسماً لـ مجموعة القوات الخاصة (سبيتسناز جي آر يو) التي قدمت مستشارين قتاليين ومراقبين جويين متقدمين.
يخصّص الملحق جزءاً كبيراً لـ مجموعة القوات الجوية العاملة من قاعدة حميميم ومن قواعد أمامية أخرى، ويسرد بالتفصيل الوحدات المشاركة وأنواع الطائرات المقاتلة والقاذفة والاستطلاعية وطائرات الإنذار المبكر والمروحيات، مشيراً إلى أن أفراد هذه الوحدات كانوا يتناوبون على الخدمة لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر في كل مرة. من بين هذه الأنواع: سوخوي سو-24 إم وسو-25 إس إم وسو-30 إس إم وسو-34 وسو-35 إس، وطائرات الإنذار إيه-50، والقاذفات بعيدة المدى توبوليف تو-22 إم-3 وتو-95 وتو-160.
ثم ينتقل الملحق إلى القوات البحرية، مركزاً على أسطول البحر الأسود المسؤول عن الدعم اللوجيستي وحماية قاعدة طرطوس. يذكر نشر كتيبة من لواء المشاة البحرية 810 في طرطوس منذ سبتمبر 2015، ثم يسرد جدولاً زمنياً طويلاً لتحركات السفن الحربية الروسية عبر مضيق البوسفور. يضم الجدول أسماء السفن وتواريخ عبورها، ومنها الطراد موسكفا، والفرقاطات لادني وأدميرال غريغوروفيتش، وكاسحات الألغام، والزوارق الصاروخية، والغواصات من نوع كيلو المحسّن (مثل روستوف-نا-دونو وفيليكي نوفغورود). كما يخصص قسماً لـ مجموعة العمل الشمالية التي ضمت حاملة الطائرات أدميرال كوزنتسوف والطراد بيوتر فيليكي خلال رحلتها بين أكتوبر 2016 وفبراير 2017، راصداً الطائرات البحرية التي كانت على متنها. ويختتم القسم البحري بإحصاءات رحلات قطار سوريا اللوجيستي، ذاكراً أن سفن الإنزال الروسية نفذت ما مجموعه 187 رحلة إلى طرطوس، وأن السفن التجارية المستأجرة نفذت 52 رحلة.
في الملحق الثاني، يورد المؤلف قائمة بأسماء الضحايا العسكريين الروس في سوريا في الفترة من أكتوبر 2015 إلى ديسمبر 2017، مستنداً إلى إعلانات وزارة الدفاع الروسية وتقارير إعلامية. يسرد الجدول تاريخ الوفاة والمكان والسبب ووحدة المتوفى، متضمناً ما مجموعه 40 اسماً مؤكداً. من الحوادث البارزة: مقتل العقيد أوليغ بيشكوف عند إسقاط طائرته سو-24 في نوفمبر 2015، ومقتل السينور الملازم ألكسندر بروخورينكو بنيران العدو في مارس 2016، ومقتل الفريق فاليري أسابوف الذي تولى قيادة بعثة التدريب للجيش العربي السوري في سبتمبر 2017، ومقتل الضابطات ناديجدا دوراتشينكو وغالينا ميخايلوفا بقصف في ديسمبر 2016. ويضيف الملحق قائمة بحالات وفاة لم تؤكدها وزارة الدفاع الروسية، تضم 20 اسماً إضافياً.
أما الملحق الثالث فيوثق خسائر الطائرات الروسية في سوريا. يسرد 13 حادثة تبدأ بإسقاط سو-24 في نوفمبر 2015 وتنتهي بسقوط طائرة استطلاع مسيرة من نوع فوربوست في يناير 2018. معظم الخسائر نجمت عن حوادث فنية وأخطاء غير قتالية، لكن بعضها الآخر جاء نتيجة إطلاق نار من الأرض أو صواريخ محمولة على الكتف، مثل إسقاط سو-25 في فبراير 2018 بصاروخ محمول. تشمل القائمة أيضاً تحطم طائرات ميغ-29 كيه وسو-33 في البحر المتوسط بسبب أعطال فنية.
يقر المؤلف صراحةً في نهاية الملحق بأنه اعتمد في بحثه على مصادر غير تقليدية مثل وسائل التواصل الاجتماعي وصور الأقمار الاصطناعية التجارية وبيانات تتبع حركة السفن والطائرات عبر محطات الإرسال، معترفاً أن طبيعة الصراع في سوريا حالت دون الوصول إلى الوثائق العسكرية أو مقابلة المشاركين. هذا الاعتراف يشكل تحفظاً منهجياً، إذ يفتح الباب للتساؤل عن دقة الأرقام في غياب التأكيد الرسمي الكامل، خاصة في قائمة الضحايا غير المؤكدة.