المورد
Politicizing Islam in Central Asia

Politicizing Islam in Central Asia

Kathleen Collins١ كانون الثاني ٢٠٢٣enOxford University Press

يطرح كتاب "تسييس الإسلام في آسيا الوسطى" للباحثة كاثلين كولينز سؤالاً محورياً: لماذا وكيف تحول الإسلام إلى أيديولوجية سياسية معارضة في دول آسيا الوسطى بعد عقود من العلمانية السوفييتية القسرية؟ ولماذا تتباين مستويات هذا التحول بين طاجيكستان وأوزبكستان (حيث ظهرت حركات إسلاموية قوية) وقيرغيزستان (حيث ساد "إسلام مدني" أكثر سلمية)؟ تجيب الكاتبة بأن السبب الجذري ليس الإسلام نفسه، بل هو القمع السياسي الذي تمارسه الدولة العلمانية الاستبدادية للإسلام والممارسات الدينية. هذا القمع يولد استياءً عميقاً، ثم يستغله "رواد دينيون" يقدمون الإسلام السياسي كحل أيديولوجي لتحقيق العدالة. تنتشر هذه الأفكار عبر قنوات محلية وعابرة للحدود، لتشكل موجات متعاقبة من التعبئة الإسلامية.

تسير حجة الكتاب عبر بنية منهجية مترابطة، تبدأ من التحليل النظري العام ثم تتوغل في التاريخ الطويل قبل أن تدرس كل دولة على حدة. يبدأ الكتاب بفصل تمهيدي يطرح الإطار النظري العام، مؤكداً أن نجاح أي حركة إسلاموية يعتمد على ثلاثة عوامل استراتيجية: بناء سلطة دينية مقدسة تمنح القادة الشرعية، بناء شبكات تعبئة محلية وعابرة للحدود، وتكييف الأيديولوجية مع المظالم المحلية. ينتقل بعدها إلى الجذور التاريخية، فيحلل كيف زرع القمع البلشفي للدين بذور المعارضة الإسلامية بعد الثورة الروسية عام 1917، ويوضح أن الإسلاموية لم تكن حتمية بل نتاج ظروف محددة.

يتعمق الكتاب بعد ذلك في الفترة السوفييتية، واصفاً كيف أن القمع الشامل الذي مارسته الدولة الملحدة ضد الإسلام، وتحديداً حملات ستالين وخروتشوف، لم يؤدِ فقط إلى تدمير المؤسسات الدينية بل خلق ظروفاً لعودة الإسلام كقوة سياسية. يشرح كيف انتقلت الممارسات الدينية إلى "النصوص الخفية" - أي الممارسات اليومية السرية - التي شكلت شكلاً من أشكال المقاومة اليومية، حيث استمر أكثر من 90% من المسلمين في تعلم الإسلام من الأجداد رغم الحظر.

يدرس الكتاب بعد ذلك كل دولة على حدة، متبعاً منطقاً مقارناً. في طاجيكستان، يتتبع مسار الحرب الأهلية الدموية (1992-1997) التي أودت بحوالي 100,000 قتيل، وكيف تحول حزب النهضة الإسلامية من حركة إسلامية معتدلة إلى حزب ديمقراطي مسلم تحت قيادة سيد عبد الله نوري، قبل أن يتم حظره في النهاية عام 2015 رغم تعديله لبرنامجه. في أوزبكستان، تحت حكم إسلام كريموف، يحلل الكتاب كيف أن القمع المفرط للنهضة الإسلامية في أوائل التسعينيات أدى إلى هروب الناشطين إلى أفغانستان وتشكل الحركة الإسلامية في أوزبكستان المسلحة. بالفعل، يؤكد الكتاب أن "صناعة المتطرفين" كانت نتيجة مباشرة لسياسات الدولة القمعية، حيث تحولت مطالب دينية متحفظة إلى حركات راديكالية مسلحة بعد مذبحة أنديجان في مايو 2005 التي راح ضحيتها ما بين 700 و 1,000 مدني.

أما في قيرغيزستان، فيقدم الكتاب نموذجاً معاكساً، حيث أدى التحرر الديني النسبي في عهد الرئيس آسكار أكاييف إلى ظهور "إسلام مدني" ناشط في الفضاء العام دون أن يتحول إلى إسلاموية معارضة. ازداد عدد المساجد المسجلة من 39 في 1991 إلى نحو 1,598 مسجداً، وارتفع عدد الحجيج من 350 شخصاً إلى 3,000. لكن مع عودة القمع بعد عام 2005، خاصة ضد الأقلية الأوزبكية في الجنوب، بدأت تيارات إسلاموية بالظهور كحزب التحرير الإسلامي الذي بلغ عدد أعضائه في قيرغيزستان حوالي 8,000 في 2009.

يوثق الكتاب الموجة الثالثة من التعبئة الإسلامية (2011-2022)، والتي كانت حركة "مقاتلين أجانب" عالمية بقيادة داعش والقاعدة. تشير التقديرات إلى أن طاجيكستان وحدها أرسلت ما بين 1,300 و 2,700 مقاتل، بينما أرسلت أوزبكستان أكثر من 1,500 مقاتل. يلاحظ الكتاب أن هذه الموجة تفسر بنفس العوامل الثلاثة السابقة، مع إضافة عامل جديد هو قدرة الجماعات الجهادية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطابها الموطَّن محلياً. استخدمت جماعات مثل كتيبة التوحيد والجهاد بقيادة سراج الدين مختاروف فيديوهات على تليغرام ويوتيوب لربط الجهاد العالمي بقضايا محلية مثل قمع الحجاب واللحية وظلم الأقليات الأوزبكية.

يعترف الكتاب بحدوده ومنهجيته، مشيراً إلى أنه يعتمد على 378 مقابلة معمقة، و 79 مجموعة بؤرية، ومسحين وطنيين في قيرغيزستان (2006 و 2010)، وتحليل لأكثر من 150 شريط دعائي. تعترف الكاتبة بأن الذاكرة قد تكون مشوهة، وأن البيانات عن إغلاق المساجد وعدد القتلى غير مكتملة، مما يجعل الأرقام تقديرية. كما تترك أسئلة مفتوحة حول كيفية كسر حلقة القمع والتطرف، وحول مدى قدرة النموذج الطاجيكي في اندماج الإسلاميين في العملية السياسية على البقاء في ظل القمع المتزايد. تشير الكاتبة إلى أن هذا النموذج أصبح مهدداً منذ 2015 عندما بدأت الحكومة الطاجيكية بتضييق الخناق على حزب النهضة وصولاً إلى حظره.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، تأكيده المستمر على أن القمع الحكومي هو المحرك الرئيسي للتطرف، وهو ما قد يقلل من مسؤولية الأيديولوجيات المتطرفة وقادتها في تحويل الغضب إلى عنف. يتبنى الكتاب تفسيراً وظيفياً للدين السياسي، حيث يقدمه كرد فعل على الظلم أكثر من كونه مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً قائماً بذاته. ورغم أن الكتاب يرفض التفسيرات الاستشراقية التي ترى الإسلام كحضارة جامدة تتصادم حتماً مع الغرب، إلا أن تبنيه لمقاربة "بنائية" تؤكد أن الهوية الإسلامية ليست ثابتة قد يبالغ في الدور السببي للدولة في تشكيل الحركات الإسلاميةوية على حساب العوامل الأيديولوجية والجاذبية الذاتية لأفكار مثل الخلافة.

الفصول(15)

1.السلطوية العلمانية، الأيديولوجيا، والتعبئة الإسلاموية27–73▼ ملخص

هذا الفصل التمهيدي من كتاب "تسيس الإسلام في آسيا الوسطى" للمؤلفة كاثلين كولينز يطرح سؤالاً محورياً: لماذا وكيف تحول الإسلام إلى أيديولوجية سياسية معارضة في دول آسيا الوسطى بعد عقود من العلمانية السوفييتية القسرية؟ ولماذا تتباين مستويات هذا التحول بين طاجيكستان وأوزبكستان (حيث ظهرت حركات إسلاموية قوية) وقيرغيزستان (حيث ساد "إسلام مدني" أكثر سلمية)؟

يجيب الفصل بأن السبب الجذري ليس الإسلام نفسه، بل هو "القمع السياسي"، وتحديداً القمع الذي تمارسه الدولة العلمانية الاستبدادية للإسلام والممارسات الدينية، بالإضافة إلى فرضها القسري للعلمانية. هذا القمع يولد استياءً عميقاً، ثم يستغله "رواد دينيون" (entrepreneurs) يقدمون الإسلام السياسي (Islamism) كحل أيديولوجي لتحقيق العدالة بتصورهم، عبر دمج الدين بالدولة. تنتشر هذه الأفكار عبر قنوات محلية وعابرة للحدود، لتشكل موجات متعاقبة من التعبئة الإسلامية.

يسير الفصل عبر بنية منهجية: يبدأ بقصة شخصية لشاب أوزبكي يُدعى عبد العزيز تعرض للابتزاز والتهديد من الشرطة بسبب تدينه، ليوضح كيف يتحول الشخص العادي إلى متعاطف مع العنف نتيجة الظلم. ثم ينتقل إلى السياق التاريخي الطويل (1917-2021)، مؤكداً أن السياسات السوفييتية المعادية للدين، والتي بدأت مع لينين وستالين، هي التي "صنعت المتطرفين" كما قال مخبر أوزبكي. دمر السوفييت المؤسسات الإسلامية والقانون الديني، وقطعوا آسيا الوسطى عن العالم الإسلامي لسبعة عقود، مما خلق فراغاً معرفياً وجرحاً جماعياً.

يشرح الفصل ثلاث موجات رئيسية من التعبئة الإسلاميةوية: الموجة الأولى (1970-1990) نشأت في طاجيكستان وأوزبكستان متأثرة بالإخوان المسلمين والثورة الإيرانية والحرب الأفغانية، وتطورت إلى حرب أهلية دموية في طاجيكستان (حتى 100,000 قتيل). الموجة الثانية (أواخر 1990 - 2000) جاءت رداً على الاستبداد العلماني ما بعد السوفييتي، وشملت حركات مثل حزب التحرير الإسلامي (غير العنيف) والحركة الإسلامية في أوزبكستان (المسلحة). الموجة الثالثة (2011-2022) كانت حركة "مقاتلين أجانب" عالمية بقيادة داعش والقاعدة، وانجذب إليها عدد كبير من سكان آسيا الوسطى (خاصة الطاجيك والأوزبك) للقتال في سوريا وأفغانستان.

يقدم الفصل حجته النظرية الأساسية: نجاح أي حركة إسلاموية في حشد الدعم الجماهيري لا يُفترض تلقائياً، بل يعتمد على ثلاثة عوامل استراتيجية يطبقها القادة: (1) بناء "سلطة دينية مقدسة" تمنحهم الشرعية، (2) بناء شبكات تعبئة محلية وعابرة للحدود، و(3) تكييف الأيديولوجية مع المظالم المحلية. فمثلاً، نجح حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان لأنه كيّف خطابه ليناسب المجتمع الصوفي المحلي واستخدم شبكاته الوطنية الواسعة. بينما فشلت داعش في كسب دعم جماهيري واسع في آسيا الوسطى لرفضها التكيف مع السياق المحلي واعتمادها العنف.

يميز الفصل بدقة بين المفاهيم: "الإسلام السياسي" و"الإسلاموية" (كمشروع أيديولوجي للسيطرة على الدولة وتطبيق الشريعة)، و"الإسلام المدني" (كنشاط اجتماعي وديني لا يسعى للسيطرة على الدولة لكنه يسعى للتأثير فيها)، و"السياسة الإسلامية" (كاستخدام للرموز الدينية في الخطاب العام). هذا التمييز ضروري لفهم أن غالبية مسلمي آسيا الوسطى ليسوا إسلامويين، بل يبحثون عن حرية الممارسة الدينية في ظل دولة عادلة.

يعترف الفصل بحدوده ومنهجيته، مشيراً إلى أنه يعتمد على أرشيفات سوفييتية، و378 مقابلة معمقة، و79 مجموعة بؤرية، ومسحين وطنيين في قيرغيزستان (2006 و2010)، وتحليل لأكثر من 150 شريط دعائي. هذه المنهجية المتعددة تهدف إلى تجنب الانحيازين الموجودين في الدراسات السابقة: النظرية القائلة بأن الإسلام "عنيف حتماً" (الاستشراق)، والنظريات المادية التي تختزل الدين إلى مجرد رد فعل اقتصادي أو اجتماعي.

في نقده للنظريات السائدة، يرفض الفصل التفسيرات الاستشراقية التي ترى الإسلام كحضارة جامدة تتصادم حتماً مع الغرب، كما يرفض النظريات العقلانية التي تتجاهل دور الأفكار الدينية والهوية في دفع الناس لخوض مخاطر عالية. بدلاً من ذلك، يتبنى مقاربة "بنائية" (constructivist) تؤكد أن الهوية الإسلامية ليست ثابتة، بل هي خطاب متطور وممارسة حية، تُسيسها الدولة القمعية وتستغلها النخب الأيديولوجية.

في نهاية الفصل، تترك المؤلفة سؤالاً مفتوحاً: رغم أن الحلقة الأخيرة من الكتاب تناقش صعود حركة المقاتلين الأجانب، إلا أن السؤال الأعمق يبقى حول كيفية كسر حلقة القمع والتطرف التي تضرب المسلمين العاديين. الفصل يدعو لإعادة نظر جذرية في كيفية فهم الإسلاموية، ليس كنتيجة حتمية للإسلام، بل كمشروع سياسي حديث ينشأ كرد فعل على ظلم الدولة وفشلها في تحقيق العدالة، مما يجعله أقرب إلى ظاهرة سياسية اجتماعية منه إلى ظاهرة دينية صرفة.

2.الثورة الروسية والتعبئة الإسلامية75–105▼ ملخص

يحلل هذا الفصل جذور الأسلمة السياسية في آسيا الوسطى السوفيتية، مركزاً على كيفية تحول الإسلام إلى أداة للمعارضة السياسية بعد الثورة الروسية عام 1917. يجادل كولينز بأن القمع الديني الذي مارسه البلاشفة، إلى جانب الفراغ السياسي النسبي الذي سمح بالتنظيم، هو الذي زرع بذور الحركات الإسلامية المعارضة التي ظهرت لاحقاً، وليس أي أيديولوجيا إسلاموية ناضجة. التأكيد الأساسي هو أن الإسلاموية ليست حتمية؛ فحتى مع القمع، لا ينشأ التعبئة الإسلامية إلا بوجود أفكار ورجال أعمال سياسيين محددين، وهو ما لم يتوفر في آسيا الوسطى في تلك الفترة المبكرة.

يبدأ الفصل باستعراض دور الإسلام في مجتمع آسيا الوسطى قبل البلشفية. يوضح أن الإسلام كان متجذراً في هوية المنطقة منذ القرن السابع الميلادي، وأنه لم يكن مجرد لاهوت، بل أسلوب حياة يحدد القيم والأخلاق والممارسات اليومية. يصف قوة العلماء (النخبة الدينية المتعلمة)، الذين كانوا يتمتعون بنفوذ اجتماعي وقانوني هائلين، يديرون المحاكم الشرعية ونظام الوقف والمدارس الدينية. يذكر المؤلف أيضاً تأثير الطرق الصوفية مثل النقشبندية والقادرية، والتي لعبت دوراً سياسياً واجتماعياً مهماً. يؤكد الفصل أن الإسلام كان جزءاً من النسيج الاجتماعي، وأن هوية المسلمونچيليك (المسلمة) كانت السائدة، متجاوزة الهويات القومية التي لم تكن قد تكونت بعد.

ينتقل الفصل إلى أحداث 1917، ويصف كيف أعلن الفصل البلشفي عن "تحرير" مسلمي الشرق مع بداية تطبيق سياسات دينية قمعية. يذكر أن السوفييت لم يجدوا دعماً كبيراً في البداية، وأن الجيش الأحمر قمع مقاومة قوقند بوحشية عام 1918 واحتل بخارى بالقوة عام 1920، مما أسفر عن مذبحة وإبادة جماعية في وادي فرغانة حيث انخفض عدد السكان بحوالي 550,000 نسمة بين عامي 1914 و1922، أي ما يقدر بـ 20% إلى 33% من السكان. يوضح أن سياسة "شيوعية الحرب" أدت إلى مجاعة وهروب جماعي للمسلمين.

يتناول الجزء التالي من الفصل حالة التنظيم الديني التي نشأت رغم القمع. يشرح أنه بعد فترة السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP) عام 1921، انفتحت مساحة سياسية واجتماعية مؤقتة، استغلها الجدديون - وهم نخبة مثقفة حداثية إسلامية بقيادة عبد الرؤوف فطرت - للتأثير في بناء الجمهوريات القومية الجديدة. يصف الفصل أيضاً نشوء حركات معارضة إسلامية غير إسلاموية، مثل جمعية العلماء التي حصلت على 40,000 صوت في انتخابات دوما طشقند عام 1917، مطالبين بفصل غير كامل بين الدين والدولة وعودة الشريعة. ثم يصف حركة قوقند الذاتية التي أعلنت حكومة مسلمة مستقلة قصيرة الأجل، قمعها البلاشفة بقتل ما بين 10,000 و14,000 شخص. وأخيراً، يناقش الفصل حركة باسماچي (قطاع الطريق حسب التسمية السوفيتية)، التي كانت تمرداً مسلحاً واسعاً في وادي فرغانة وشرق بخارى، ودام حتى أوائل الثلاثينيات، بقيادة إبراهيم بيك وعناصر دينية مثل الملاوي والإشان. يوضح أن هذه الحركات لم تكن إسلاموية بالمعنى الحديث، بل كانت رد فعل تقليدي دافع عن النمط الاجتماعي القديم ورفض العلمنة، دون أن تسعى لإقامة دولة إسلامية حديثة أو خلافة.

يختتم الفصل بتحليل مسارين مختلفين لدمج المناطق في الاتحاد السوفيتي، وعلاقتهما بمستوى أسلمة السياسة. في المناطق التي قاومت بشدة، مثل جمهورية طاجيكستان ووادي فرغانة في أوزبكستان، قوبلت بقمع عنيف واستبعاد من السلطة السوفيتية، مما جعل الهوية الإسلامية أكثر تسييساً على المدى الطويل. في المقابل، في مناطق مثل كازاخستان وقيرغيزستان، حيث رأى البلاشفة أن السكان مسلمون "سطحياً"، كان القمع أقل حدة، مما أدى إلى اندماج أقل إشكالاً وخصومة أقل حول الإسلام. يشير الفصل إلى أن القمع الشديد في المناطق "المتعصبة" استمر حتى الأربعينيات، حيث شنت المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD) حملات قاسية ضد أي نشاط ديني "معادٍ للثورة".

من الجدير بالنقاش أن الفصل يقدم رؤية واضحة بأن الإسلاموية لم تكن حتمية، بل نتاج تاريخي محدد ينبني على أفكار ورجال أعمال سياسيين، وهو ما يتحدى أي قراءة اختزالية تخلط بين أي احتجاج ديني والإسلاموية. كما أنه يعقد الصورة بتمييزه بين أنواع مختلفة من "السياسة الإسلامية" (تقليدية، قومية، حداثية) والتي كانت جميعاً غير إسلاموية في تلك الفترة. لكن يمكن القول إن الفصل يبالغ في التأكيد على أن الإسلاموية "غائبة" بشكل كامل، إذ أن بعض العناصر التعبوية لدى الباسماچي، خاصة في شعاراتهم الدفاعية عن الإسلام ضد "الحكومة الشيطانية"، تحمل نواة من الخطاب الإسلاموي الراديكالي اللاحق، لكنها تظل ضمن إطار رد الفعل التقليدي لا بناء الدولة الإسلامية الحديثة.

3.الجزء الثالث: طاجيكستان: من الإسلاميين المعتدلين إلى الديمقراطيين المسلمين164–175▼ ملخص

هذا الفصل، وهو الجزء الثالث من كتاب "تسييس الإسلام في آسيا الوسطى" للباحثة كاثلين كولينز، يحلل مسار الإسلام السياسي في طاجيكستان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. المحور الأساسي هو تتبع التحول الذي طرأ على الحركات الإسلامية هناك، من جماعات إسلامية معتدلة نسبياً في أوائل التسعينيات إلى أحزاب "ديمقراطية مسلمة" فيما بعد، مع تفسير أسباب هذا التحول ونتائجه.

يسير الفصل عبر تتبع تاريخي وسياسي، مستخدماً شهادات من شخصيات محورية ووثائق الحزب. يبدأ الفصل بوصف السياق الذي نشأت فيه الحركة الإسلامية في طاجيكستان. فعلى عكس أوزبكستان المجاورة، حيث كان القمع السوفيتي أشد وطأة، شهدت طاجيكستان مساحة أوسع قليلاً من النشاط الإسلامي العلني مع بداية البيريسترويكا في أواخر الثمانينيات. يوضح المؤلف أن الإسلاميين الطاجيك الأوائل لم يكونوا متطرفين، بل كانوا يسعون أساساً إلى إعادة الاعتبار للهوية الإسلامية المكبوتة، والمطالبة بحرية الممارسة الدينية، ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية. كانوا يُنظر إليهم كتيار "تجديدي" وليس "ثورياً".

ثم ينتقل الفصل إلى الحدث الأبرز: الحرب الأهلية الطاجيكية (1992-1997). يشرح المؤلف كيف أن هذه الحرب، التي اندلعت بين الفصائل الموالية للحكومة (المدعومة من روسيا وأوزبكستان) وتحالف من الإسلاميين والديمقراطيين الليبراليين، كانت نقطة تحول حاسمة. يبين الفصل أن الإسلاميين لم يكونوا طرفاً واحداً، بل تشكلوا من عدة جماعات ذات مرجعيات مختلفة. أثناء الحرب، تعرض الإسلاميون لقمع شديد، مما دفع بعضهم إلى التطرف والعنف، بينما اختار آخرون، وهم الأغلبية، طريق المفاوضات.

يشرح الفصل بالتفصيل كيف أدت الحرب إلى إعادة تشكيل الخطاب الإسلامي. فبعد توقيع اتفاق السلام عام 1997، والذي منح الإسلاميين مقاعد في الحكومة، اضطرت قياداتهم إلى التكيُّف مع العمل السياسي المؤسسي. هذا التكيّف دفعهم تدريجياً إلى تخفيف شعاراتهم الدينية الصريحة والتركيز على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد. النتيجة كانت تحول حزب حركة النهضة الإسلامية في طاجيكستان من حزب إسلامي إصلاحي إلى ما يمكن تسميته "حزباً ديمقراطياً مسلماً"، حيث يتم تغليب الخطاب المدني والدستوري على الخطاب الديني الصرف.

يورد الفصل أمثلة ملموسة على هذا التحول، مثل تغيير الحزب لبرنامجه السياسي ليصبح أكثر توافقاً مع المعايير الديمقراطية، وتخليه عن المطالبة بإقامة دولة دينية. كما يظهر كيف أن هذه الجماعات، في سبيل البقاء والعمل السياسي القانوني، تعلمت لغة "المواطنة" و"المشاركة المدنية". يستخدم المؤلف مقابلات مع قادة سابقين في الحزب ليؤكدوا أنهم لم يتخلوا عن إيمانهم، بل فهموا أن العمل في إطار دولة مدنية هو السبيل الوحيد لتحقيق أهدافهم على المدى الطويل.

من الأدلة المهمة التي يستشهد بها الفصل هي دراسة مقارنة بين مصير الحزب الإسلامي في طاجيكستان ونظيره في أوزبكستان، حيث تم سحقه بالكامل، مما أدى إلى ظهور تيارات أكثر عنفاً. يخلص المؤلف إلى أن اندماج الإسلاميين في العملية السياسية في طاجيكستان، رغم صعوبته، حال دون تطرفهم وجعلهم أكثر اعتدالاً، على عكس النموذج الأوزبكي القمعي الذي أنتج حركات مسلحة.

مع ذلك، يقرّ المؤلف بوجود حدود واضحة لهذا التحول. آخر فصل في الفصل يشير إلى أن هذا النموذج الطاجيكي أصبح مهدداً بشكل متزايد في العقد الأخير. فمنذ عام 2015 تقريباً، وتحت مبررات مكافحة الإرهاب والتطرف، بدأت الحكومة الطاجيكية في تضييق الخناق على حزب النهضة، وصولاً إلى حظره في نهاية المطاف وتصنيفه كمنظمة إرهابية. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً: هل كان الاندماج السياسي مجرد مرحلة مؤقتة، أم أن النظام السياسي الاستبدادي هو الذي رفض في النهاية أي تعددية حقيقية، حتى لو كانت معتدلة.

الحجج القابلة للنقاش في الفصل تتمحور حول مدى "أمينة" هذه العملية الانتقالية. يرى المؤلف أن التحول كان حقيقياً وجوهرياً، وليس مجرد تكتيك سياسي. لكن النص نفسه يظهر أن هذا التحول لم يحمِ الحزب من القمع في نهاية المطاف، مما يثير تساؤلات حول مدى فعالية هذا النموذج كحل دائم، أو ما إذا كان الاستبداد سينتصر دائماً على أي محاولة للمشاركة السياسية الإسلامية في المنطقة.

3.الدولة الملحدة: قمع وتسييس الإسلام106–140▼ ملخص

يبحث هذا الفصل في السياسة السوفيتية تجاه الإسلام في آسيا الوسطى، ويجادل بأن القمع الشامل الذي مارسته الدولة الملحدة ضد الإسلام، لم يؤدِ فقط إلى تدمير المؤسسات الدينية، بل خلق أيضاً، وبشكل متناقض، الظروف لعودة ظهور الإسلام لاحقاً كقوة سياسية. تبدأ الحجة الرئيسية للمؤلفة من الإشارة إلى القمع العنيف الذي بدأ في عام 1927 تحت حكم ستالين، والذي كان يهدف إلى القضاء على الدين واستبداله بالإيديولوجية الماركسية اللينينية، معتبرةً أي ممارسة دينية فعلاً من أفعال المقاومة السياسية.

يسير الفصل بتفصيل تاريخي، مستعرضاً مراحل السياسة السوفيتية المختلفة. في البداية، يصف "الإرهاب الأحمر" في فترة الستالينية العليا (من 1927 إلى 1942)، والذي تمثل في "الهجوم" (hujum) على الدين. يوضح الفصل كيف تم إغلاق المساجد والمدارس الدينية والمحاكم الشرعية، وكيف تم قتل أو سجن أو نفي رجال الدين، حيث تشير التقديرات إلى مقتل أو اختفاء حوالي أربعة عشر ألفاً من العلماء بين عامي 1927 و1939، أي ما يقرب من ثلاثة أرباعهم. يُظهر النص كيف أن حملة نزع الحجاب القسري أصبحت رمزاً لهذه السياسة، خاصة في جمهوريتي أوزبكستان وطاجيكستان، حيث قوبلت بمقاومة شرسة.

ثم ينتقل الفصل إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، موضحاً تحول السياسة السوفيتية بعد عام 1943، حيث سُمح بإنشاء "الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وكازاخستان" (SADUM). يجادل الفصل بأن هذه الخطوة لم تكن تخفيفاً حقيقياً للقمع، بل كانت محاولة من ستالين لخلق إسلام خاضع للدولة، يمكن استخدامه لأغراض سياسية، كحشد الدعم للحرب وإظهار وجه متسامح للاتحاد السوفيتي في الخارج. تحت هذه المظلة، سُمح بعدد ضئيل جداً من الطلاب بالدراسة في مدرستين دينيتين فقط، وهما مدرسة مير عرب في بخارى ومعهد الإمام البخاري في طشقند، وكانت مناهجهم تحت رقابة مشددة.

يستعرض الفصل تذبذب السياسة السوفيتية بعد ستالين. ففي عهد خروتشوف (من 1953 إلى 1964)، شهدت الفترة تناقضاً واضحاً: فمن ناحية، أدى "الذوبان" (Thaw) إلى تخفيف الرقابة والقمع السياسي، وعودة آلاف السجناء من معسكرات الجولاج. ومن ناحية أخرى، جدد خروتشوف حملته ضد الإسلام، مستهدفاً بشكل خاص التصوف (Sufism) والأضرحة، وأغلق آلاف المساجد غير المسجلة، ونفذ عمليات ترحيل قسري لآلاف الطاجيك. يصف الفصل كيف أن هذه الترحيلات، التي طالت أكثر من 100,000 أسرة، خلقت نزعة قوية من المظلومية بين المهجرين، مما عزز تماسكهم حول قادتهم الدينيين وأسهم في تأجيج الصراع لاحقاً.

في عهد بريجنيف (من 1964 إلى 1982)، يصف الفصل فترة من "القمع المخفف" حيث تراجعت حدة العنف، لكن المراقبة والملاحقة الإدارية للأنشطة الدينية استمرت عبر "الإلحاد العلمي". برزت فجوة بين القمع النظري والتطبيق الفعلي، حيث كان المسؤولون المحليون، مثل شرف رشيدوف في أوزبكستان، يتغاضون أحياناً عن الممارسات الدينية لشراء الدعم المحلي. لم تتحسن الأوضاع بشكل جذري حتى عهد غورباتشوف (من 1985 إلى 1991)، فعلى الرغم من سياسات "الغلاسنوست" (الانفتاح) و"البيريسترويكا" (إعادة البناء)، ظل القيد على تسجيل المساجد شديداً في أوزبكستان وطاجيكستان، مما جعله مظلمة أساسية للاحتجاج في فترة البيريسترويكا.

يعترف الفصل بحدود التحليل، مشيراً إلى أن البيانات المتعلقة بإغلاق المساجد وعدد القتلى غير مكتملة بسبب الفوضى التي صاحبت الحملات، مما يجعل الأرقام تقديرية إلى حد كبير. كما يقر المؤلف بأن فعالية القمع تفاوتت عبر المنطقة؛ فكانت أقل وطأة في مناطق البدو السابقة مثل كازاخستان وقيرغيزستان حيث لم يكن الإسلام مؤسساً بعمق، بينما كانت أشدها في وادي فرغانة الأوزبكي وطاجيكستان.

في الجزء الأخير من الفصل، يركز المؤلف على "وكلاء الإحياء الإسلامي"، أي رجال الدين غير المسجلين الذين لعبوا الدور الحاسم في الحفاظ على الإسلام. يصف الفصل شبكات "الحجرات" (حلقات الدراسة السرية) التي ازدهرت في وادي فرغانة ووسط وجنوب طاجيكستان. برزت شخصيات مثل الدوملا محمدجان هندوستاني كرموز لهذا الجهد، حيث درّس طوال عقود في السر، ناقلاً معرفة إسلامية كلاسيكية (حنفية) لم تكن متاحة في المناهج الرسمية. يخلص الفصل إلى أن هؤلاء المعلمين، إلى جانب شيوخ الطرق الصوفية، هم من أنتجوا جيلاً من الطلاب الذين، وهم مسلحون بالمعرفة الدينية وذكريات القمع، سيصبحون رواد الصحوة الإسلامية والسياسية في الثمانينيات والتسعينيات.

بناءً على النص، هناك نقطة قابلة للنقاش وهي ما إذا كان يمكن اعتبار سياسة الدولة السوفيتية تجاه الإسلام سبباً مباشراً في "تسييسه" أم أن النص يبالغ في هذه النقطة. فبينما يقدم الفصل أدلة قوية على أن القمع جعل الممارسة الدينية عملاً "سياسياً" بحد ذاتها، إلا أن تفسير تحول هذا إلى حركات إسلاموية منظمة قد يتطلب النظر في عوامل أخرى، مثل وصول الأفكار الوهابية والإخوانية من الخارج، والتي يذكرها الفصل بشكل عابر فقط، بالإضافة إلى الفراغ السياسي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان القمع هو المحرك الرئيسي أم أن العوامل الخارجية والداخلية الأخرى لعبت دوراً مساوياً في الأهمية.

4.المعتقد الإسلامي والمقاومة اليومية141–163▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: كيف استمر الهويّة والممارسة الإسلاميّان في آسيا الوسطى طوال العقود السوفيتية المتأخرة، على الرغم من القمع الديني الشامل؟ إجابة الكاتبة هي أن الإسلام لم يختفِ بل انتقل إلى "النصوص الخفية" — أي الممارسات اليومية السرية — التي شكلت شكلاً من أشكال المقاومة اليومية ضد سياسات الدولة المعادية للدين. هذه المقاومة لم تكن تهدف إلى تغيير النظام السياسي، بل إلى الحفاظ على الهوية والمعتقد في إطار حياة سوفيتية بدت أبدية حتى انهارت فجأة.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال ثلاثة محاور رئيسية. أولاً، يثبت أن المعتقد والهوية الإسلاميين ظلا واسعَي الانتشار بين عامة الناس في الجمهوريات السوفيتية في آسيا الوسطى (خاصة أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان). يعتمد في ذلك على مقابلات شفهية مع شيوخ وناس عاديين، وليس على الأرشيفات الرسمية التي يراها محدودة. يروي أكثر من 90% من المشاركين في المجموعات البؤرية أنهم تعلموا الإسلام منذ الطفولة من الأجداد، رغم الحظر. يصف الفصل كيف انتقل الإيمان شفوياً دون نصوص، وكيف مارس كبار السن الصلاة سراً.

ثانياً، يفصّل الكاتبة "النصوص الخفية" نفسها. يسرد الفصل ممارسات محددة استمرت سراً: طقوس دورة الحياة مثل ختان الذكور (sunnat to’yi) الذي كان "ضرورياً تماماً"، ومراسم الزواج الديني (nikoh) التي جرت خلف ظهر مكتب تسجيل الزواج المدني (ZAGS)، ومراسم الجنازة (janaza) التي كادت تكون علنية أحياناً. أما أداء الصلاة (namaz) فكان أكثر خطورة؛ فالناس صلّوا في الحقول والمباني الزراعية وحتى في مقابر سرية، بينما كان معظمهم يبدأ الصلاة فقط بعد التقاعد. انتشرت أيضاً زيارة الأضرحة (mazars) رغم حظرها، واعتُبرت جزءاً أساسياً من "المسلمانية". يوضح الفصل أن هذه الممارسات لم تكن مجرد عادات عرقية، بل كانت أفعالاً دينية ذات معنى، على عكس رأي بعض الباحثين الذين يرون أن الإسلام تحول إلى مجرد تقليد قومي.

ثالثاً، يستعرض الفصل روايات القمع والإقصاء التي ما زالت عالقة في الذاكرة. يذكر المشاركون فترات القمع المفتوح (إعدام الأجداد في ثلاثينيات القرن العشرين، وحرق الكتب، والنفي إلى أوكرانيا ومعسكرات الغولاغ)، لكنهم يشكون أيضاً من القمع اليومي المستمر حتى ثمانينيات القرن العشرين: التلقين الإلحادي في المدارس والجامعات والجيش الذي جعل لينين إلهاً، والمراقبة من قبل زملاء العمل والمسؤولين، والحرمان من الترقية والراتب، والطرد من منظمة الكومسومول أو الحزب، والضغط النفسي كإجبار الصائمين على الأكل. حتى في فترة غورباتشوف، لم تنتهِ هذه القيود في أوزبكستان وطاجيكستان؛ بل حدثت حملة قمع جديدة في 1983 حظرت حتى خبز كعك عيد الفطر.

يعترف المؤلف بحدود منهجه: الذاكرة قد تكون مشوهة أو متأثرة بالتجارب اللاحقة، والحنين إلى الاستقرار السوفيتي قد يطغى على بعض الروايات. لكنه يدافع عن المقابلات كمصدر لا غنى عنه، لأن الأرشيفات تعكس الدعاية الحزبية وتفتقر إلى البعد الإنساني للألم والخوف. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول الفروق الإقليمية، مثل أن القمع كان أشد في وادي فرغانة وطاجيكستان، بينما كانت الفترة أكثر انفتاحاً نسبياً في قيرغيزستان، خاصة من منتصف الثمانينيات.

الحجة القابلة للنقاش بوضوح هي رفض الفصل لرأي المؤرخ أديب خالد بأن الإسلام تحول إلى مجرد "عرف قومي" تحت الحكم السوفيتي. تقدم الكاتبة أدلة على أن المسلمين العاديين رأوا في هذه الممارسات تعبيراً عن الإيمان، لا عن القومية فقط. مع ذلك، تعترف بأن المعرفة العقائدية المتعمقة كانت منخفضة للغاية. السؤال المطروح ضمنياً هو: هل يمكن لمقاومة يومية لا تتحدى الدولة صراحةً أن تُسمى مقاومة سياسية، أم أنها مجرد تكيف مع القهر؟

5.حزب النهضة الإسلامية يتحدى الشيوعية176–224▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل ظهور أوّل موجة إسلامية سياسية في آسيا الوسطى، متمثلةً في حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان (IRPT)، ويجيب عن سؤال رئيسي: كيف نشأت حركة إسلاموية ناجحة في ظلّ القمع السوفييتي الممنهج للإسلام؟ يرى المؤلف أنّ العامل الحاسم لم يكن الإسلام وحده، بل التفاعل بين ثلاثة عوامل: القمع الديني المستمر، والمساحة الترابطية المحدودة التي وفّرت هامشاً للنشاط السري، وظهور روّاد دينيين تبنّوا أيديولوجية إسلاموية مستوردة ومحلّية في آنٍ واحد.

يسير الفصل خطوةً خطوةً من الإطار التاريخي الطويل إلى التحليل التفصيلي للأفراد والأفكار. يبدأ باستعراض القمع السوفييتي للإسلام منذ عشرينيات القرن العشرين، مروراً بستالين وخروتشوف وحتى بريجنيف وجورباتشوف. يصف كيف تحوّلت المساجد إلى حظائر، وأُرسِل آلاف العلماء إلى سيبيريا وكازاخستان، وصودرت الكتب العربية والفارسية. وينقل شهادات مباشرة لشخصيات محورية مثل حاجي أكبر توراجون زاده (القاضي كَلان) الذي يصف الإرهاب ضد الإسلام واصفاً إياه بأنّه "إرهاب أحمر"، ورأى أنّ القسوة القيصرية تتضاءل أمام فظائع البلاشفة الذين زرعوا الوثنية ونصبوا التماثيل لقادة الثورة. كما يسجّل الفصل شهادات محمود علي هيت (نائب رئيس الحزب لاحقاً) الذي يتذكّر تدمير كل ما يتعلّق بالإسلام، وداولات عثمان الذي يصف حرباً أيديولوجية ضد الروحانية.

لكن القمع وحده لم يكن كافياً. يوضّح الفصل كيف فتحت مساحة ترابطية صغيرة، بدأت مع تخفيف القيود بعد خروشتشوف، الباب أمام الشبكات السرّية. عاد مُدرّسو الدين من غولاغ، وقلّت رقابة الحزب في القرى النائية، وظهرت الحُجَر (حلقات الدراسة السرية) في مناطق غارم وقرغان تبه القريبة من أفغانستان. هذه المساحة المحدودة سمحت بتداول الكتب الممنوعة وتبادل الأفكار بين الشباب الطاجيك الذين كانوا يدرسون الهندسة أو العمل في المصانع نهاراً ويحضرون الحُجَر ليلاً. وهنا يدخل الفصل في صلب الموضوع: كيف تحوّل طلاب الحُجَر إلى روّاد سياسيين.

يقدّم الفصل سرداً تفصيلياً لمجموعة "المُلاّيين الشباب" الذين انشقّوا عن شيوخهم القُداتيين مثل دوملا هندوستاني الذي كان يرفض معارضة النظام السوفيتي. في أبريل 1973، أسّس سيد عبد الله نوري (1947–2006) حركة "النهضة" مع أربعة شبان آخرين، تحوّلت عام 1978 إلى النهضة الإسلامية. كان نوري مهندساً وابن مدير سوفخوز وعضو حزب شيوعي، لكنّه تعلّم الفقه الإسلامي سراً. ضمّت الحركة شخصيات بارزة مثل محمد شريف همت زاده، الذي درس الشريعة في جامعة بيشاور في باكستان، وداولات عثمان، الذي أسّس حُجرة في دوشنبه، وسيد إبراهيم جادوييف، وزبير الله رزاق. جميعهم تقريباً أتوا من مناطق المهجّرين قسراً (غارم – قرغان تبه)، وجمعتهم غضبة مشتركة من التهميش الاقتصادي والديني.

أمّا الأيديولوجية فجاءت من مزيج من الإصلاحية المحلية والفكر الإسلاموي العالمي. تأثرت النهضة بالشيخ أحمد السرهندي (1564–1624) الذي دعا لتطهير الإسلام من البدع والشرك، وأطلقت على نفسها اسم "المجدِّدية". لكنّ الأثر الحاسم جاء مع كتّاب الإخوان المسلمين: حسن البنا، سيد قطب، ومحمد قطب، فضلاً عن أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند. وصلت هذه الكتب الممنوعة إلى طاجيكستان عبر طرق التهريب، إمّا من طلاب عرب في موسكو أو من إيران التي ترجمتها إلى الفارسية. وحسب شهادة محي الدين كابري، خليفة نوري، فقد بيعت "كلّ شيء من بولگاكوف إلى سولجنتسين، ومن القرآن إلى قطب" في السوق السوداء. لم يتبنَّ النهضة بالكامل دعوة قطب للجهاد المسلّح، لكنّ هذه الأفكار صاغت عقليتهم السياسية وجعلتهم يدركون أنّ الحرية الدينية لا تأتي إلاّ بمعارضة النظام الإلحادي.

في تحوّله إلى العمل السياسي، استلهمت النهضة نموذجين إقليميين: الثورة الإيرانية 1979 والجهاد الأفغاني ضدّ الغزو السوفيتي (1979–1989). يصف الفصل كيف أيقظت الثورة الإيرانية ذاكرة المهجّرين، وكيف أنّ المجاهدين الأفغان بقيادة برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود (وهما طاجيكيّا الأصل) ألهبت حماس النهضة. يقول محمود علي هيت الذي خدم ضابطاً في الجيش السوفيتي في أفغانستان: "أدركت أن السوفييت كانوا يفعلون هناك ما فعلوه في طاجيكستان... لقد كانت حرباً ضد الإسلام". ورغم نفي نوري المتكرّر للتأثير الخارجي، يعترف كبار أعضاء الحزب بأنّ نجاح المجاهدين أفغانياً خلق حالة نفسية دافعة للمعارضة الطاجيكية.

مع بداية البيريسترويكا، عاد القمع ليشتعل. ألقي القبض على نوري في فبراير 1987 بتهمة نشر أخبار كاذبة، وحُكم عليه بـ18 شهراً في سيبيريا. يُظهر الفصل كيف أنّ سجنه، بدلاً من إخماد الحركة، حوّله إلى رمز روحي واكتسب أتباعاً بين المساجين. في يونيو 1990، شارك جادوييف وعثمان في تأسيس حزب النهضة الإسلامية لعموم الاتحاد السوفيتي (AUIRP) في أستراخان، بقيادة أخمد قادي أختاييف، لكنّ الحزب مُنع في طاجيكستان. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أغسطس 1991، عُقد المؤتمر التأسيسي لـ IRPT في 26 أكتوبر 1991، بحضور نحو 700 عضو و300 ضيف، وانتخب همت زاده رئيساً أوّلاً للحزب.

يخصّص الفصل مساحة مهمّة لدور حاجي أكبر توراجون زاده، القاضي كَلان الذي عيّنه النظام رسمياً لكنّه تحوّل إلى ناقم. ازداد وعيه السياسي بعد رحلة دراسية إلى الأردن بين 1982 و1987، حيث قرأ أعمال الإخوان المسلمين وأدرك "عبثية أيديولوجية الاتحاد السوفيتي". لعب دوراً في تهدئة احتجاجات فبراير 1990، لكنّه تحالف لاحقاً مع النهضة وأصبح أحد أهمّ أصوات المعارضة. يلفت الفصل الانتباه إلى أن توراجون زاده لم يكن من مؤسّسي الحزب، بل مثّل الإسلام الرسمي المتمرد الذي عزّز شرعية الحركة.

يختتم الفصل بتحليل برنامج الحزب الذي تبنّاه مؤتمره الأوّل. برنامج واضح في معاداته للشيوعية (ربع البرنامج مخصّص لجرائم الحقبة السوفيتية)، ويطالب بإعادة الممتلكات المصادرة، وإقامة نظام تعليمي إسلامي ووطني، واعتماد الشريعة كمرجعية عليا مع الإقرار بنظام تعدّد الأحزاب والانتخابات الحرة. لكنّه يترك غموضاً متعمّداً حول شكل "الدولة الإسلامية" التي لم يذكرها صراحةً، ممّا أثار جدلاً حول أهدافه الحقيقية. يشير الفصل إلى أنّ الحزب تبنّى لغة المودودي والإخوان حول سيادة الله، لكنّه لم يوضح كيف ستتوفّق السيادة الإلهية مع النظام البرلماني.

يعترف المؤلف بحدود موضوعية: قلة المعلومات الدقيقة حول تأثير الحرب الأفغانية على المسلمين السوفيت، وكذلك نقص الإحصاءات الموثوقة عن عدد أعضاء النهضة في مراحلها المبكرة. كما يترك أسئلةً مفتوحة حول مدى التأثير الحقيقي للأفكار الخارجية مقابل العوامل المحلية، وحول ما إذا كان الحزب يهدف فعلاً إلى دولة إسلامية أم كان يمارس مراوغة سياسية.

في الحجج القابلة للنقاش، يتّضح توتّر داخل الفصل بين نفي قادة الحزب للتأثير الخارجي وشهادات الأعضاء الذين يعترفون بوضوح بقراءة المودودي وقطب. كذلك، يرى المؤلف أنّ سجن نوري سرّع التعبئة بدلاً من إجهاضها، وهو استنتاج قد يختلف معه محلّلون آخرون يرون أنّ العنف الرسمي هو ما أشعل الحرب الأهلية لا العكس. الملاحظ الأساسي هو أن الفصل يرفض النظر إلى الحركة كنتاج خارجي، ويصرّ على جذورها المحلية في القمع والظلم الاقتصادي، رغم اعترافه باستيراد الأيديولوجيا.

6.حزب إسلامي ديمقراطي يواجه دولة علمانية متطرفة225–238▼ ملخص

يبدأ الملخص بطرح السؤال المحوري للفصل: كيف يمكن لحزب إسلامي أن يعمل في إطار ديمقراطي داخل دولة علمانية متطرفة، وما هي العوامل التي تفسر صعوده أو فشله؟ يجيب الفصل بأن نجاح الحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي (IRPT) في البقاء والتأثير لنحو 25 عاماً (بين 1990 و2015) يعود إلى ثلاث خصائص أساسية: تمتعه بالسلطة المقدسة العالية، ووصوله إلى الشبكات المحلية والعابرة للمجتمع في طاجيكستان، وقدرته على تكييف أفكاره الإسلامية الصارمة لتناسب السياق الديني والسياسي الخاص بالبلاد. في المقابل، فشلت الحركات الإسلامية الراديكالية لأنها افتقرت إلى هذه العناصر الثلاثة، وبقيت هامشية في السياسة. كما يوضح الفصل كيف أدت الظروف المشابهة لموجة الإسلام السياسي الأولى إلى موجة ثانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع ظهور جماعات إسلامية متعددة تختلف في أهدافها وأساليبها.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف نتائج اتفاق السلام العام الذي وُقّع في 27 يونيو 1997 بين زعيم الحزب الإسلامي النهضوي سيد عبد الله نوري ورئيس طاجيكستان إمام علي رحمن، بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية. يشرح الفصل أن الاتفاق أنهى معظم العنف وأدى إلى تعديل دستوري في 1999، مما ضمن شرعية الحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي كأول وآخر حزب إسلامي قانوني في آسيا الوسطى. يوضح أن كل من نوري ورجال الدين أكبر توراجون زاده اختارا السلام بسبب التعب من الحرب، والخوف من تقدم طالبان في أفغانستان، والرغبة في عودة اللاجئين الطاجيك البالغ عددهم 200,000 لاجئ في شمال أفغانستان. لم توافق جميع فصائل المعارضة على الشروط، لكن نوري وتوراجون زاده سعيا لإنهاء العنف.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل الظروف التي غذت الموجة الثانية من الإسلام السياسي، والتي أعادت إنتاج ظروف الموجة الأولى. يصف الفصل تراجع الحريات السياسية بعد فترة وجيزة من التحرير النسبي بين 1997 و2003، حيث لم يلتزم النظام بحصة 30% من المناصب التنفيذية للمعارضة، وانتقدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) الظروف الانتخابية في 2005 وكل الاقتراعات اللاحقة. من ناحية أخرى، ازداد القمع الديني بعد فترة من الانفتاح النسبي. في 2009، تم إقرار قانون ديني جديد أعاد سياسات السيطرة والترهيب الديني على غرار عهد بريجنيف، وحظر أي إسلام غير حنفي يديرته الدولة. بحلول يونيو 2011، سجلت لجنة الشؤون الدينية الرسمية 39 مسجداً مركزياً، و338 مسجداً للجمعة، و3,352 مسجداً للصلوات اليومية، لكن العديد من المساجد الأخرى عملت دون تسجيل. تم حظر ارتداء الحجاب في المدارس (مع فصل طالبات بحلول 2007)، وحظر دخول النساء إلى المساجد في 2005، وجُبر الرجال على حلق لحاهم. كما تم استخدام خطاب مكافحة التطرف على غرار النموذج الروسي لترويع المجتمع واستهداف المعارضة. أدرجت لجنة الحرية الدينية الدولية الأمريكية (USCIRF) طاجيكستان في قائمة "البلدان محل القلق الخاص" بحلول 2012 بسبب التصعيد في انتهاكات الحرية الدينية. شكل هذا القمع عائقاً أمام جيل ما بعد الاتحاد السوفيتي الشاب (حيث كان 50% من السكان تحت سن 25 عاماً في 2020)، والذي لم يشارك في أعراف العهد السوفيتي بفصل الدين عن الدولة.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لمناقشة تطور الحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي (IRPT) نفسه في هذه الموجة الثانية. يوضح أن الحزب دخل فترة من التراجع بعد الحرب بسبب اتهامه بإشعال الحرب، ثم بدأ في إعادة بناء نفسه تحت قيادة محيي الدين كابيري (وهو مستشرق وليس رجل دين) ونائبه محمد علي حايت. تحول الحزب من حركة سرية إلى حزب سياسي ديمقراطي تنافسي، مع التركيز على "الدعوة" لتغيير المجتمع بدلاً من المطالبة بالدولة الإسلامية. أصر كابيري على أن الديمقراطية هي أفضل ضامن للحرية الدينية، قائلاً: "هدفنا النهائي هو خلق دولة حرة ديمقراطية وعلمانية". قام الحزب بتحديث أجندته باستمرار، ففي برامجه لعامي 2003 و2010، عرّف الإسلام كجزء أساسي من الهوية الوطنية الطاجيكية وليس كأساس للقانون أو النظام السياسي، وأزال المطالبات بالشريعة "وسيادة الله". بدلاً من ذلك، أصبحت العدالة (العدالة) ومكافحة الفساد والعصبية القبلية الموضوعات المركزية. دافع الحزب عن حقوق المسلمين (مثل الحجاب واللحية) والانتقاد العلني لتدخل الحكومة في الشؤون الدينية، مقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية والالتزام بالوسائل السلمية والانتخابية، مع الإشارة إلى نماذج من تركيا (حزب العدالة والتنمية قبل تحول أردوغان)، ومصر (حزب الحرية والعدالة بعد سقوطه في انقلاب)، وتونس (حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي)، وإندونيسيا وماليزيا.

في مقابل هذا المسار الديمقراطي للحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي، يصف الفصل ظهور جماعات إسلامية راديكالية في الموجة الثانية، غالباً كفصائل منشقة عن الحزب الأم. أبرز هذه الجماعات: حزب التحرير الإسلامي (HTI)، وهو حزب عابر للحدود لا يدعو للعنف لكنه متطرف ورافض للديمقراطية، ويسعى لإقامة الخلافة بوسائل ثورية. حركة أوزبكستان الإسلامية (IMU) وجماعة أنصار الله (JA)، وهما جماعتان مسلحتان تسعيان للدولة الإسلامية من خلال الجهاد المسلح، وتأثرتا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بطالبان والقاعدة في أفغانستان. يؤكد الفصل أن هذه الجماعات الراديكالية، على عكس الحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي، بقيت هامشية سياسياً وفشلت في حشد دعم شعبي كبير لأنها تفتقر إلى السلطة المقدسة والشبكات المجتمعية والانسجام الفكري مع السياق الطاجيكي الذي يمارس عادة التصوف الحنفي وينبذ التطرف ويفضل الحرية للإسلام على الأهداف المناهضة للنظام مثل الدولة الإسلامية.

يختتم الفصل بمعالجة حدود التحليل والتحفظات. يعترف النص بأن الحزب الإسلامي النهضوي الطاجيكي كان ناجحاً نسبياً، لكنه يقر بأن الديمقراطية ظلت قضية خلافية داخل الحزب نفسه وبين مؤيديه. على الرغم من أن برنامج 2010 كان واضحاً في التزامه بالديمقراطية، إلا أن العديد من قادة الحزب ما زالوا ينظرون إلى الديمقراطية الحقيقية على أنها "ديمقراطية إسلامية" أو "مسلمة". يقر كابيري نفسه أنه لم يعلن بعد عدم نية الحزب إقامة دولة إسلامية لأن ذلك سيكون مثيراً للجدل داخلياً. كما يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى قدرة الحزب على البقاء في ظل القمع المتزايد، وحول تأثير النماذج الخارجية (خاصة سقوط حزب الحرية والعدالة في مصر) على استراتيجيته. من النقاط القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، هو التناقض الظاهري بين تبني الحزب للديمقراطية كقيمة عالمية ورفضه في الوقت نفسه ما يعتبره "ظواهر غير أخلاقية" تحت اسم الديمقراطية، مما يطرح تساؤلاً حول تعريفه الخاص للديمقراطية ومدى توافقه مع المعايير الغربية.

7.المجتمع والأفكار الإسلاموية في طاجيكستان239–296▼ ملخص

المحور الأساسي لهذا الفصل هو تحول الإسلاموية السياسية في طاجيكستان من حركة معارضة جماهيرية إلى قوة محطمة، والتباين بين تيار إسلامي معتدل ومؤسسي حظي بدعم شعبي واسع وتيارات متطرفة وجهادية ظلت هامشية. يوضح الفصل كيف أن حركة النهضة الإسلامية في طاجيكستان، رغم قمعها المستمر، أصبحت حزب المعارضة الأكثر شعبية ونشاطاً في البلاد لأكثر من ربع قرن، لكن النظام استخدم القوة المفرطة لتدميرها. وكانت النتيجة أن القمع دفع البعض نحو التطرف، لكن الإسلاميين المعتدلين فشلوا في البقاء كقوة سياسية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاث مراحل رئيسية: أولاً، تطور حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان من حركة سرية صغيرة في السبعينيات إلى حزب معارضة رئيسي يضم نحو 50,000 عضو مسجل بحلول عام 2015، مع قاعدة دعم أوسع من المتعاطفين. ثانياً، القمع المتصاعد الذي بلغ ذروته في حملة عام 2015 حيث حل الحزب قسراً واتهم بـ"الإرهاب"، مما أدى إلى اعتقال مئات النشطاء وتعذيبهم وسجنهم لأحكام تصل إلى السجن مدى الحياة، وإجبار الزعيم مهند كابيري على المنفى. ثالثاً، ظهور تيارات إسلامية متطرفة جديدة مثل حزب التحرير الإسلامي وجماعة أنصار الله والحركة الإسلامية في أوزبكستان، لكن دعمها ظل محدوداً بمئات قليلة من المقاتلين بسبب افتقارها إلى السلطة الدينية والشبكات العابرة للطوائف التي تمتع بها حزب النهضة.

يؤكد المؤلف أن سر نجاح حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان في الحشد الجماهيري يعود إلى عاملين رئيسيين: السلطة الدينية التي يتمتع بها قادته الروحيون، وعلى رأسهم أستاذ سيد عبد الله نوري، ومحمد شريف همت زاده، وحاج أكبر توراجون زاده الذي كان المفتي الأعلى للجمهورية. واستمد نوري وهمت زاده شرعيتهما من تعليمهما الديني العميق في الحجرات السرية خلال الحقبة السوفيتية، بينما حمل توراجون زاده نسباً روحياً ممتداً لقرون. العامل الثاني هو الشبكات العابرة للطوائف التي بنتها الحركة، وربطت طلاب الحجرات والعائلات والمجتمعات المهجرة قسراً من منطقة غارم إلى جنوب طاجيكستان. هذه الشبكات سمحت للحشد بعشرات الآلاف من المتظاهرين في أوائل التسعينيات، وأقامت قاعدة اجتماعية واسعة.

أما بالنسبة للتيارات المتطرفة، فيبين الفصل الأسباب التي فسرت محدودية جاذبيتها. فجماعة أنصار الله بقيادة ملا عمر الدين طاباروف، رغم ارتكابها أول تفجير انتحاري في طاجيكستان في خجندة عام 2010، لم تكن تمتلك سلطة دينية معترفاً بها، ولم تمتد شبكاتها إلى ما هو أبعد من منطقة نُورآباد المحلية. أما ملا عبد الله رحيموف، قائد المجموعة المسلحة المتحالفة مع الحركة الإسلامية في أوزبكستان، فقد حظي ببعض السلطة الروحية بين مقاتليه القدامى في منطقة رشت التاريخية، لكن دعمه ظل محصوراً في بضع مئات. وقد استشهدت الجماعات المتطرفة بقمع النظام وتقييد الحريات الدينية، مثل منع الحجاب وإغلاق المساجد، لتبرير جهادها المسلح.

في القسم الأخير، يعود الفصل إلى السؤال النظري حول تفاوت مستويات التعبئة الإسلامية، مقارناً بين النجاح النسبي (قبل القمع) لحزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان والفشل الذريع للجماعات الأخرى. يخلص إلى أن العامل الحاسم هو مزيج من السلطة الدينية التي تجعل الزعيم محل ثقة واحترام، والشبكات العابرة للطوائف التي تسمح بنشر الدعوة عبر الحدود الإقليمية والعائلية والروحية. يقر المؤلف بصعوبة تقدير الأرقام الدقيقة في ظل القمع، لكنه يعتمد على استطلاعات الرأي المستقلة ومقابلات مع خبراء محليين تدعم مزاعم الشعبية النسبية للحزب، مع الإشارة إلى أن تلك الأرقام تبقى تقديرية وتحتاج إلى تحقق. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان القمع التام للإسلام السياسي المعتدل سيؤدي إلى زيادة جاذبية التيارات المتطرفة بين الشباب المحبط.

من الحجج القابلة للنقاش ضمن النص نفسه، هو تأكيد المؤلف المستمر على أن حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان تحول إلى "ديمقراطي إسلامي" معتدل قبل قمعه، رغم أن الحزب ظل يرفض العلمانية علناً ويدعو إلى قوانين مستوحاة من الشريعة مثل تعدد الزوجات. هذه الثنائية تثير تساؤلات حول مدى التوافق الحقيقي بين أهداف الحزب والمبادئ الديمقراطية الليبرالية، كما أن اعتماد جاذبية الحزب الجماهيرية على شخصيات كاريزمية دينية يجعله هشاً أمام فقدان تلك الشخصيات، وهو ما تجسد في انقسامات ما بعد الحرب وصعوبة انتقال القيادة من نوري إلى كابيري.

8.السعي وراء العدالة والنقاء: الإسلاميون ضد الشيوعية وكاريموف298–338▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل نشأة وتطوّر ثلاث موجات من الإسلام السياسي في أوزبكستان منذ أواخر العهد السوفيتي وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحت حكم الرئيس إسلام كريموف (1989-2016). الحجة المركزية للمؤلفة هي أن القمع السوفيتي ثم قمع نظام كريموف للإسلام المستقل، وتضييق الفضاء المدني، هما اللذان حولا مطالب دينية وأخلاقية متحفظة في البداية إلى حركات راديكالية مسلحة. بمعنى آخر، صُنع المتطرفون من خلال سياسات الدولة القمعية نفسها التي أرادت قمعهم.

يبدأ الفصل بمفارقة أوزبكستان السطحية: مبانٍ حديثة وفودكا روسية ونساء بالتنانير القصيرة في العاصمة طشقند، مقابل حياة تقليدية وتمسك خفي بالدين خلف الأسوار في مدن مثل نمنكان وأنديجان في وادي فرغانة. إذ لم تكن الممارسة الدينية في الغالب بياناً سياسياً، بل تعبيراً عن الهوية والتقاليد المحافظة. لكن رد كريموف على النهضة الإسلامية في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات كان سلسلة من حملات القمع الديني والسياسي المتصاعدة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الظروف التي أوجدت الموجة الأولى من الإسلام السياسي الأوزبكي (أواخر الثمانينيات-1992). يوضح الفصل أن سياسات البيريسترويكا السوفيتية فتحت فضاءً ترابطياً محدوداً، مما سمح بافتتاح آلاف المساجد (من 87 مسجداً رسمياً إلى نحو 4000 بحلول أواخر 1991) وتداول منشورات وأشرطة إسلامية وسياسية، خاصةً في وادي فرغانة. هذه "الهوة المعرفية" ملأها رواد دينيون، من أبرزهم عبد الحقيم قاري مرغلاني (مواليد 1896) ورحمة الله قاري علامة (1950-1981)، الذين دافعوا عن "إسلام نقي" رافضين التصوف والتبعية للدولة السوفيتية. تأثروا بأفكار ابن تيمية وسيد قطب والمودودي، التي تسربت عبر التبادلات الدينية الرسمية مع ليبيا وسوريا وغيرها، رغم رفضهم لأن يكونوا مقلدين لأي مذهب. الأهم من هؤلاء كان عبدولي قاري ميرزاييف (1950-1995؟) وعبيد خان قاري نزاروف (مواليد 1958)، اللذين سجلا مئات الخطب خفيةً خلال الثمانينات. في هذه الخطب، انتقدا الشيوعية والسوفييت واصفين إياهم بـ"أعداء الإسلام"، ودعوا إلى تطبيق الشريعة كما في صدر الإسلام، ورفضوا القومية الحداثية مؤكدين على وحدة الأمة الإسلامية. مثال على ذلك، هجوم عبدولي قاري على زواج كريموف من مسيحية ووصف القادة بـ"اليهود والملحدين"، ووصف عبيد خان قاري للينين وماركس بـ"أتباع الشيطان".

أما الموجة الأولى من التنظيمات فتمثلت بحركيتين. الأولى: حركة العدالة ومليشياها "إسلام لشكرلاري" (جيوش الإسلام)، بقيادة طاهر يولداش (تلميذ عبدولي قاري) وجُما نامنغوني (جندي سابق في أفغانستان). بدأت الحركة كجماعة أمر بالمعروف في نمنكان، وأجبرت كريموف على الانحناء أمام حشد من خمسين ألف متظاهر في ديسمبر 1991، وحققت مطلب إقسامه على المصحف (وهو تنازل وحيد). الثانية: حزب النهضة الإسلامية الأوزبكي، الجناح المحلي لحزب النهضة الإسلامي لاتحاد الجمهوريات، بقيادة الإمام عبد الله أوتا. كان برنامجه أكثر اعتدالاً ويركز على حقوق الإسلام والتعاون مع الديمقراطيين. لكن كريموف، بعد إذلاله في نمنكان، سحق الحركتين بوحشية في 1992، وأجبر الآلاف على الفرار إلى طاجيكستان ثم أفغانستان، بينما تحدثت شائعات عن اختفاء عبدولي قاري في 1995. برهن كريموف بذلك أنه "يحتاج إلى إرهابيين" لتبرير قمعه، على حد تعبير أحد سكان نمنكان.

رغم القمع، ازدهرت الموجة الثانية في منتصف وأواخر التسعينيات، ومثلتها حركة التحرير الإسلامي (حزب التحرير)، وهو حزب عابر للحدود تأسس في فلسطين. استفاد الحزب من التوسع في السفر والتعليم الديني في السعودية ومصر وتركيا في فترة التسعينيات المبكرة، ورغم ارتياب الأوزبك الأوّلي، فقد نجح في نشر فكرة بسيطة وراديكالية: "لا بد من إسقاط طغاة كريموف ورحمن وإقامة الخلافة". اعتمد الحزب على خلايا سرية وتوزيع مناشير ليلاً. بحلول عام 2003، قدر عدد أتباعه في أوزبكستان بنحو عشرة آلاف، وبلغ عدد سجناء الحزب في 2004 ما بين 4700 و6500 شخص، وشكلوا غالبية السجناء السياسيين والدينيين البالغ عددهم نحو 13 ألفاً بحلول 2015. لكن حزب التحرير افتقر إلى سلطة دينية محلية معترف بها (على عكس عبدولي قاري)، لذا بقي تأثيره محدوداً مقارنة بالعدالة، وانكمش نشاطه في أوزبكستان بحلول 2005 لينتقل إلى قيرغيزستان.

يُقرّ الفصل بتحفظات مهمة. أولاً، النجاح المحدود للموجة الأولى: فرغم دعم 57% من المستطلعين لحزب إسلامي في يناير 1992، انهار هذا الدعم إلى 1% بحلول 1994 بسبب الرعب من بطش الدولة. ثانياً، فشل الحركات في تكييف أفكارها السلفية مع الثقافة الإسلامية السائدة في أوزبكستان (مثل الصوفية وتبجيل الأولياء)، مما جعلها "أكثر تطرفاً" لإجماع الأوزبك حول احترام الكبار. ثالثاً، التأكيد على أن عملية النقاش الداخلي بين "الشباب الملالي" وشيوخ مثل دوملا هندستاني حول شرعية الجهاد لم تكن فريدة من نوعها، بل تذكر بالجدال بين الجهاد الأكبر والأصغر. وأخيراً، يخلص الفصل إلى أن القمع المتصاعد قاد بشكل حتمي إلى راديكالية العنف: إن الموجة الثالثة، التي تتضمن المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق وأفغانستان منذ 2011، هي امتداد منطقي للسياسة ذاتها التي خلقت الحركة الإسلامية في أوزبكستانالمنبثقة من العدالة.

في المجمل، يقدم الفصل حالة واضحة للعلاقة الجدلية بين القمع والإرهاب: حيث أثبت كريموف أن إبادة الإسلام المستقل يخلق تطرفاً أكثر عنفاً، مما يبرر قمعاً أشد، وهكذا دواليك في حلقة مفرغة. الحجة قابلة للنقاش من ناحية التقليل من مسؤولية الفاعلين (الإسلاميين) أنفسهم في خياراتهم الأيديولوجية والتنظيمية، لكنها مدعومة بأدلة غنية من النصوص والخطب والحوارات الميدانية التي تستحضر خطاب الملالي ذاته.

9.صناعة المتطرفين: الجهاد الأوزبكي ينتقل إلى أفغانستان339–390▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل نشأة وتطور الحركة الإسلامية في أوزبكستان (IMU) كنتاج للقمع الديني الذي مارسه نظام إسلام كريموف في أوزبكستان، ويوضح كيف تحولت المعارضة الإسلامية من حركة إصلاحية سلمية إلى تنظيم جهادي مسلح بعد أن وجد ملاذاً آمناً في أفغانستان تحت حكم طالبان. يقدم المؤلف حجة أساسية مفادها أن القمع الديني المنهجي وتعذيب المسلمين كانا المحرك الرئيسي لظهور التطرف، وأن توفر فضاء آمن في أفغانستان، إلى جانب تبنّي أيديولوجية جهادية راديكالية من قبل قادة مثل تهر يولداش، أدى إلى تحول الغضب الشعبي إلى حركة مسلحة استمرت لعقدين.

يسير الفصل بتسلسل زمني وأسبابي، مستعرضاً أولاً العوامل التي أنتجت الموجة الثانية من الإسلاموية الأوزبكية والتي تمثلت في ثلاثة عناصر: أولاً، الملاذ الآمن في أفغانستان حيث وجد المنفيون الأوزبك بيئة خصبة للنمو تحت حماية طالبان، التي سيطرت على 97% من أراضي أفغانستان بحلول عام 1997، مما أتاح لهم مساحة للتنظيم والتدريب بالتعاون مع القاعدة. ثانياً، التصعيد القمعي داخل أوزبكستان بعد مقتل شرطيين في نامنغان عام 1997، ثم تفجيرات 16 فبراير 1999 في طشقند التي أودت بـ 16 شخصاً وأصابت 120 آخرين، والتي أعقبتها حملات اعتقالات جماعية للمسلمين اتهموا بـ"الوهابية"، مما خلق مناخاً من الرعب ودفع الكثيرين للهجرة. ثالثاً، تكوين أيديولوجي متطرف تبناه يولداش بالاقتراب من فكر سيد قطب وعبد الله عزام وأيمن الظواهري، والذي أصبح يدعو إلى الجهاد المسلح كفريضة عينية.

يوثق الفصل بالتفصيل مسار الحركة من إعلان الجهاد رسمياً في أغسطس 1999، والذي وقعه يولداش والشيخ زبير عبد الرحيم أوغلي، إلى هجماتها الأولى في قيرغيزستان وأوزبكستان في صيفي 1999 و2000، حيث سيطرت على قرى واحتجزت رهائن بينهم جيولوجيون يابانيون. يصف الكاتب ضعف الجيش القيرغيزي الذي اضطر لدفع 50,000 دولار رشوة للحركة، ثم تدخل الطيران الأوزبكي الذي قصف المدنيين. تظهر التقارير مقتل نحو 50 جندياً قيرغيزياً في هجمات 1999، وتزايد أعداد مقاتلي الحركة ليتراوحوا بين 700 وعدة آلاف. يقدم الفصل أدلة على أن الحركة كانت تتلقى تمويلاً من تجارة المخدرات ومن القاعدة، وأن يولداش كان يخطط لإنشاء معسكر إقامة دائم في أفغانستان بكلفة تقدر بـ 2.5 مليون دولار لاستيعاب 250 أسرة وتوسعته لاحقاً لألف أسرة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مذبحة أنديجان في مايو 2005، التي يصفها بأنها أصبحت "ساحة تيانانمين الخاصة بأوزبكستان". يشرح كيف أن جماعة أكرومية الدينية المسالمة التي أسسها أكرم يولداش، والتي كانت تقدم قروضاً إسلامية بدون فائدة وتوظف ألفي شخص، تعرضت للقمع. بعد محاكمة 23 من أعضائها بتهم التطرف، خرج ما يصل إلى 15,000 متظاهر سلمياً للمطالبة بحريتهم. تصاعد التوتر إلى انتفاضة مسلحة قادها قبولجان باربييف وبهرام شاكروف، الذين هاجموا مركز شرطة وسجناً وأطلقوا سراح السجناء. ردت الحكومة بإرسال مدرعات وقوات أمن وإطلاق نار كثيف على المتظاهرين العزل، مما أسفر عن مقتل ما يقدر بـ 700 إلى 1,000 مدني، بينما أعلنت الحكومة رسمياً مقتل 187 شخصاً فقط. يخلص المؤلف إلى أن رد الفعل الحكومي المفرط لم يكن ضرورياً لاستعادة السيطرة، بل كان مجزرة.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والحرب الأمريكية في أفغانستان، يصف الفصل كيف تحولت الحركة من جهاد قريب ضد كريموف إلى جهاد بعيد ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف. يذكر مقتل القائد العسكري جومة نامنغاني في غارة جوية أمريكية في 18 نوفمبر 2001، ومعركة قلعة جنكي التي أصبح فيها عملاء استخبارات أمريكيون أول ضحايا الحرب الأمريكية في أفغانستان على يد أسرى الحركة. يوثق الفصل كيف لجأت فلول الحركة إلى وزيرستان في باكستان، حيث تعاونت مع حركة طالبان باكستان (TTP) وشبكة حقاني، ونفذت هجمات معقدة مثل تفجير مبنى المحافظة في بانجشير بأفغانستان وهجوم مطار كراتشي الدولي في 8 يونيو 2014 الذي أودى بـ 24 شخصاً. يلاحظ المؤلف أن الحركة تبنت تكتيكات جديدة كالتفجيرات الانتحارية بما فيها استخدام نساء انتحاريات، وتخصصت في عمليات اقتحام السجون مثل اقتحام سجن بانّو في باكستان عام 2012 وإطلاق سراح 384 معتقلاً.

في تحليل أسباب نجاح الحركة النسبي، يقدم المؤلف حجتين رئيسيتين: أولاً، بناء سلطة دينية من خلال تقديم يولداش نفسه كخليفة للشيوخ الشهداء مثل عبد الوالي قاري، وترديده للقرآن والحديث في خطبه، وارتدائه لباس القائد الجهادي المقاتل. ثانياً، بناء شبكات جديدة في المهجر بالتعاون مع القاعدة وطالبان، مما أتاح للحركة استقطاب مجندين جدد رغم الظروف الصعبة في مناطق الحرب، حيث قدر عدد مقاتليها بين 2,500 و5,000 في فترات ذروتها. ومع ذلك، يعترف الفصل بحدود هذه الحركة، موضحاً أن أيديولوجيتها المتطرفة ظلت بعيدة عن الواقع اليومي للمسلمين في أوزبكستان، مما حال دون حصولها على دعم واسع داخل البلاد. كما يشير الفصل إلى ضعف داخلي تمثل في الصراعات الإقليمية بين أبناء وادي فرغانة ومناطق أخرى، وأسلوب يولداش الاستبدادي الذي أدى إلى اعتقال المشككين وتقويض الروح المعنوية.

في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن القمع الحكومي هو المسبب الرئيسي للتطرف، وهو ما قد يقلل من مسؤولية الأيديولوجيات المتطرفة وقادتها في تحويل الغضب إلى عنف. ويطرح سؤالاً مفتوحاً حول مدى فعالية الرد العسكري الأمريكي في أفغانستان وباكستان في القضاء على الحركة، حيث تمكنت من البقاء والتكيف رغم الخسائر الفادحة، مما يشير إلى أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية لمواجهة مثل هذه الظواهر التي تغذيها مظالم سياسية واجتماعية عميقة.

10.المجتمع والأفكار الإسلاموية في أوزبكستان391–426▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل العلاقة بين المجتمع والمفاهيم الإسلاموية في أوزبكستان، ويجيب عن سؤال محوري: هل وجدت الحركات الإسلاموية الراديكالية في أوزبكستان، مثل حركة أوزبكستان الإسلامية وحزب التحرير، أرضاً خصبة لدى عامة الناس؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الأفكار المتطرفة لم تلقَ قبولاً واسعاً، بل إن غالبية المستجيبين الذين شاركوا في مجموعات النقاش والمقابلات أبدوا آراءً معتدلة، مع غضب شديد من الظلم والقمع الحكومي، لكن دون تأييد للعنف أو قيام دولة إسلامية أو خلافة.

يعرض الفصل حوارات من 32 مجموعة نقاش و 54 مقابلة شبه منظمة أجريت في أوزبكستان عامي 2005 و 2013. يبدأ بتلخيص الأيديولوجيات الأساسية للجماعات الإسلاموية الرئيسية: جماعة العدالة التي دعت في مطلع التسعينيات إلى إحياء إسلامي وتطبيق الشريعة؛ وحركة أوزبكستان الإسلامية التي تبنّت لاحقاً فكرة الخلافة والجهاد المسلح والعملية الانتحارية بتأثير من القاعدة؛ وحزب التحرير الذي ركّز على قضايا المسلمين العابرة للحدود والدعوة لتغيير سياسي سلمي وإقامة الخلافة. ثم يعرض الفصل آراء المشاركين في مجموعات متنوعة تغطي مدناً مثل طشقند، بخارى، أورغانج، نامانغان، أنديجان، مرغيلان، فرغانة، وترمذ، مع التركيز على الاختلافات الإقليمية.

في طشقند، أبدت مجموعة من النساء (بائعات وأمهات، 2005) غضباً صريحاً من قمع الدولة للإسلام، وانتقدن تغطية الإعلام لأحداث أنديجان واصفين إياها بـ"الأكاذيب"، ورفضن الديمقراطية وقلن "إنها ليست لنا"، كما رفضن العنف واعتبرن الانتحاريين "متعطشين للدماء". في المقابل، أعربت مجموعة من الرجال الموظفين في طشقند (2013) عن تأييدهم للديمقراطية الغربية التي رأوا فيها عدالة، لكنهم تمسكوا بأفكار محافظة تجاه المرأة ورفضوا العنف، وأبدوا شكوكاً حيال اتهامات الحكومة لحزب التحرير بالإرهاب.

أما في وادي فرغانة، فكانت الآراء أكثر تنوعاً ويميل بعضها إلى التطرف. في مرغيلان (2005)، أبدى رجال موظفون تأييداً لـ"الدولة المسلمة" لكنهم رفضوا تطبيق الحدود كقطع اليد، وأدانوا الانتحاريين. وفي فرغانة (2013)، دعا شبان أصحاب أعمال إلى إحياء إسلامي قوي وانتقدوا إغلاق المساجد، ورأى بعضهم أن الشريعة ستحد من الجريمة، لكنهم رفضوا الخلافة والعنف. وفي نامانغان (2005)، أبدى طلاب جامعيون رفضاً لحزب التحرير واعتبروا أن أهدافه غير قابلة للتحقيق بدون قوة، ودعوا إلى الديمقراطية مع دور قيادي للإسلام في المجتمع. وفي فرغانة (2013)، انتقدت نساء موظفات خطب المساجد التي تبيح تعدد الزوجات، ورفضن فكرة الدولة الإسلامية، لكنهن طالبن بمشاركة رجال الدين في سن القوانين.

في بخارى (2005)، تعاطف رجال أعمال من أصل طاجيكي مع حزب التحرير و"الوهابيين" معتبرينهم شباباً مخدوعين، ورأوا أن المحاكم الإسلامية ستكون أكثر عدالة وتحد من الفساد، لكنهم رفضوا العنف في أوزبكستان. في ترمذ (2013)، أبدى عمال بناء آراء معتدلة وأكدوا على التصوف، لكنهم كانوا متعصبين ضد المتحولين عن الإسلام ورفضوا فكرة الدولة الإسلامية، ووصفوا حزب التحرير بأنه يستحق "الإعدام" بسبب خلطه الدين بالسياسة. في فرغانة (2013)، أبدت طالبات جامعيات آراء متشددة تجاه الأديان الأخرى وعداوة للسامية، وطالبن بتطبيق حدود الشريعة على الزنا والكفر، لكنهم أدانوا العمليات الانتحارية.

يظهر النص أن أقلية صغيرة فقط أبدت آراء تميل إلى التطرف. مجموعة وحيدة من الطلاب في أنديجان (2005) أبدت أغلبيتها تفضيلاً لدولة إسلامية حصرية، ورفضت الأديان الأخرى باعتبارها مصدر الشرور، وأعربت عن تعاطف مع الجهاد العنيف في فلسطين والشيشان والعراق. ومجموعة من العمال في مرغيلان (2005) تمنوا نموذج الحكم السعودي وأبدوا تعاطفاً مع العمليات الانتحارية في حالات "اليأس"، وهي آراء نادرة بين الأوزبك. بالمقابل، كانت الأقلية المؤيدة للعلمانية صغيرة جداً، حيث لم تعبر عنها سوى 3 مجموعات نقاش فقط، رغم أن العلمانية كانت الموقف الآمن في ظل حكم كريموف.

يعترف المؤلف بحدود البحث، مشيراً إلى أن المستجيبين في أوزبكستان كانوا أكثر حذراً وتكتماً بسبب القمع، مما استدعى تقليص الأسئلة الحساسة. كما يقر بأن بعض الآراء ظلت ضبابية ومتغيرة، لا سيما لدى من لم يروا بديلاً واضحاً لنظام كريموف. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تحوّل هذا الغضب الشعبي والرغبة في العدالة والروحانيات إلى دعم سياسي منظم في غياب تيار إسلامي وسطي قانوني.

في الخلاصة، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قوية مدعومة بأدلة ميدانية غنية: رغم القمع الشديد والظلم الواضح، ظل المجتمع الأوزبكي بغالبيته معتدلاً، رافضاً للعنف والدولة الإسلامية الحصرية، لكنه منفتح على دور للإسلام في القانون والمجتمع. هذه النتائج تجادل بشكل ضمني ضد الفرضية القائلة بأن القمع يولد التطرف، وتُظهر أن الأيديولوجيات الراديكالية وحدها لا تكفي لكسب القاعدة الشعبية إذا لم تكن متوافقة مع التقاليد المحلية والنفور من الفوضى والحرب.

11.التحرر الديني والإسلام المدني في قيرغيزستان428–458▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل العلاقة بين التحرّر الديني والإحياء الإسلامي في قيرغيزستان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويُقدّم إجابة واضحة على سؤال مركزي: لماذا لم يؤدِ الانتعاش الديني الكبير إلى ظهور حركة إسلاموية سياسية في البلاد، على عكس جارتيها أوزبكستان وطاجيكستان؟ يرى المؤلف أن السبب الجوهري هو غياب القمع الديني من قبل الدولة، وهو العامل الذي يفسّر تحوّل الإسلام إلى أداة معارضة في الدول المجاورة.

يسير الفصل خطوةً خطوة، بدءاً من عهد الرئيس آسكار أكاييف (منذ 1990 حتى حوالي 2005). يصف الكاتب كيف وفّر هذا العهد "فضاءً ترابطياً واسعاً" وحرية دينية كاملة. في مقابل القمع السوفييتي الأقل حدّة في قيرغيزستان مقارنة بالجمهوريات الأخرى، وفي مقابل القمع الشديد في أوزبكستان المجاورة، انتعش الإسلام في الجنوب والشمال دون أن يصبح معادياً للدولة. يذكر الفصل أن القمع الديني في الجنوب لم يصل إلى مستوى أوزبكستان حتى في العهد السوفييتي، مما جعل المساجد ليست "معارضة". ثم ينتقل الفصل إلى فحص حالة "الإحياء الإسلامي" الفعلية، مستشهداً بأرقام واضحة: قفز عدد المساجد المسجلة قانونياً من 39 في 1991 إلى ما يقرب من 1,000 بعد عقد، ووصل إلى 1,598 في نهاية عهد أكاييف. كما ازدادت أعداد الحجيج من 350 شخصاً في 1991 إلى 3,000 في 2003، وتجاوزت الإقبال السنوي 4,500 شخص في السنوات اللاحقة. لم يقتصر الإحياء على الأرقام فقط، بل طال الممارسات اليومية من الصيام (نسبة الصائمين من الأوزبك 57% ومن القرغيز 37% في استطلاع 2010) إلى ارتداء الحجاب والتحاق النساء بدراسات دينية غير رسمية في الشمال الذي كان يُعتبر "غير متدين".

يُقدّم الفصل حجّته الأعمق من خلال تحليل شخصيات دينية كان يمكن أن تصبح "رواد أعمال إسلامويين"، لكنها لم تفعل. أبرزهم الأخوان صديق جان قوري كمال الدين ورفيق قوري. الأول، وهو مفتٍ سابق، تبنّى رؤية سلفية متشددة لكنه لم يعارض الدولة، بل مدح حرية الدين في ظل أكاييف. أما الثاني، فقد كان خطابه أكثر سياسية وحِدّة، لكنه مع ذلك تجنّب تشكيل حركة سياسية، مُفضّلاً التبشير والتعليم. يوضح الفصل أن وجود فضاء ديني مفتوح وغياب القمع قضى على الدافع لتسييس الهوية الدينية، حتى بالنسبة لمن لديهم أفكار متطرفة. يضرب الكاتب مثلاً بحزب التحرير الذي حاول دخول البلاد بعد 2000، لكن الحكومة عاملته بتسامح نسبي، بل وعرضت عليه المشاركة في الانتخابات، مما قلّص جاذبيته.

في الجزء التالي، يفصّل الكاتب نتائج هذا الإحياء الخالي من الإسلاموية: ظهور "إسلام مدني" ناشط في الفضاء العام. يطرح الفصل أمثلة حية على هذا النشاط الديني غير الانقلابي. منظمة متكلم النسائية بقيادة جمال فرونتبيك قيزي هي أبرز هذه الأمثلة؛ فهي دافعت عن حق النساء في ارتداء الحجاب في صور جوازات السفر، ونظّمت مسيرة دراجات للنساء المنتقبات للتبرع بالدم، وناضلت ضد التطرف. في المقابل، يذكر الفصل التيّار السلفي العربي الذي يميل إلى العزلة والانغلاق، ويضرب مثلاً بمدرسة نسائية في بيشكيك تعلّم أن الحجاب يجب أن يكون داكناً وأن زيارة الأضرحة "حرام". كما يُظهر الفصل حالة الشيوخ الآخرين مثل تشوباك آجي جليلوف (مفتٍ سابق) الذي نادى بقوانين تُسهّل صلاة الجمعة وأثار جدلاً حول تعدد الزوجات، لكنه مع ذلك ظلّ مؤمناً بالديمقراطية ورافضاً للخلافة أو الجهاد المسلح. تختم هذه الحركات بتبني خطاب أخلاقي داخل إطار ديمقراطي، من دون محاولة قلب النظام.

يقرّ الفصر بحدود تحليله، ويشير بوضوح إلى أن هذه الفترة من التحرر الديني انتهت حوالي 2005، عندما عاد القمع الديني، خاصة ضد الأوزبك. هذا الإقرار يفتح الباب أمام الفصل التالي ليفسّر كيف يمكن لنفس الأفكار والقيادات أن تتحوّل إلى إسلاموية في ظل ظروف قمعية. كما يعترف الكاتب بأن بعض الحركات مثل تبليغ جماعة، رغم نأيها عن السياسة، كانت تُفضّل ضمنياً قوانين أكثر إسلامية، مما يترك تساؤلاً حول حدود "الإسلام المدني" مع الديمقراطية الليبرالية.

12.الإسلاموية الناشئة في قيرغيزستان459–474▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بدراسة الظروف التي أدت إلى ظهور الإسلاموية في قيرغيزستان، مركزاً على فترتي حكم الرئيسين عكييف وباكييف وما تلاهما. يرى المؤلف أن القمع الديني المستهدف، خاصة ضد الأقلية العرقية الأوزبكية في الجنوب، هو العامل الرئيسي الذي هيّأ الأرضية لظهور تيارات إسلاموية، على رأسها حزب التحرير الإسلامي. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن سياسات الدولة القمعية، لا الأيديولوجية الدينية وحدها، هي المحفز الأساسي للتطرف والتنظيم السياسي الإسلامي.

يسير الفصل بتسلسل زمني ومنطقي، فيبدأ بوصف تدهور الأوضاع بعد "ثورة التوليب" في 2005 التي أطاحت بعكييف. يشرح كيف شرع خلفه باكييف (2005-2010) في بناء نظام سلطوي أكثر قمعاً، مستخدماً قانوناً لمكافحة التطرف صدر في أغسطس 2005 لتكميم أي نشاط إسلامي معارض، مستهدفاً بشكل خاص الأوزبك ذوي الميول السلفية في الجنوب. يورد الفصل مثالاً صارخاً على هذا القمع: قتل قوات الأمن للإمام رفيق قوري في أغسطس 2006 في مدينة قره سو، وهو إمام أوزبكي بارز، وإثارة ذلك موجة غضب واحتجاجات واسعة. ويصف أيضاً حادثة نوكات في أكتوبر 2008، حيث منعت قوات الأمن احتفالاً دينياً بعيد الفطر، مما أدى إلى أعمال شغب وسجن 32 شخصاً لأحكام طويلة.

ثم ينتقل الفصل إلى مناقشة قانون تنظيم الدين الصادر في ديسمبر 2008 والذي شدد شروط تسجيل المساجد والمنظمات الدينية، مما أثر بشدة على الأقلية الأوزبكية. بعد ذلك، يتناول تداعيات ثورة 2010 التي أطاحت بباكييف، مسلطاً الضوء على "قصتي قيرغيزستان". في الشمال، تراجعت حدة القمع وشهدت البلاد تحرراً نسبياً، بينما في الجنوب، حدثت مذابح مروعة ضد الأوزبك في أوش في يونيو 2010، أدت لمقتل ما يقدر بـ 426 شخصاً، ثلاثة أرباعهم من الأوزبك. يصف الفصل كيف استمر القمع الديني والإقصاء السياسي للأوزبك بعد هذه الأحداث، وكيف أصبحوا الهدف الرئيسي لاتهامات "التطرف" والاعتقالات، بقيادة مسؤولي الأمن المحليين الذين كانوا يطبّقون حصصاً للاعتقال. يذكر الفصل أن 252 شخصاً أدينوا بتهم التطرف بين 2013 و2015، غالبيتهم من الأوزبك.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل النتيجتين المترتبتين على هذه الظروف: الأولى هي تنامي المواجهة بين الدولة والأئمة السلفيين الأوزبك، والثانية هي نمو حزب التحرير الإسلامي السري. بالنسبة للمسار الأول، يركز الفصل على شخصيتي الإمام رفيق قوري وابنه رشاد قوري اللذين تمتعا بسلطة دينية واسعة وخطاب سياسي معادٍ للعلمانية والديمقراطية الفاسدة، داعياً إلى تطبيق الشريعة وإعادة الخلافة، لكن دون الدعوة صراحة للعنف أو تشكيل حركة إسلاموية. يعتبر الفصل أن قتل الأب وسجن الابن (حكم عليه بالسجن عشر سنوات في 2015 بتهمة "التحريض على الفتنة الدينية") لم يُنهِ تيارهما بل زاد من مكانتهما التقديسية وأوسع قاعدتهما الجماهيرية، خاصة على الإنترنت.

أما المسار الثاني، فيتناول بالتحليل استراتيجيات حزب التحرير لتحقيق نجاح متوسط في تجنيد أعضاء داخل قيرغيزستان. يصف الفصل كيف استفاد الحزب من العلاقات الأسرية والقرابة بين الأوزبك في قيرغيزستان وأقاربهم في أوزبكستان، ومن السلطة الدينية للأئمة المحليين أمثال رفيق قوري الذي لم يعارض الحزب بل آوى عناصره. كما يؤكد الفصل على تكيف الحزب الأيديولوجي مع القضايا المحلية، مركزاً على الظلم السياسي والفساد والقمع الذي يعاني منه المجتمع. يذكر الفصل أن الحزب بدأ عمله في مناطق الأوزبك في الجنوب في أواخر التسعينات قبل أن يتوسع ليشمل قرى قيرغيزية في الشمال، وأن استراتيجيته ركزت على مرحلة "الاستنبات" أي تكوين نواة من المؤمنين المخلصين في خلايا سرية.

يعترف المؤلف ضمنياً بحدود هذه الدراسة، مشيراً إلى أن الفصل يركز على تيارين رئيسيين من الإسلاموية الناشئة، دون أن يعني ذلك أن شمال وجنوب البلاد يسلكان مسارين منفصلين تماماً، لكن الاختلافات في العلاقة بين الدولة والإسلام أصبحت واضحة المعالم منذ عام 2005. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه الحركات، خاصة حزب التحرير واستمرار جاذبيته تحت الأرض، وعن تأثير سجن رشاد قوري على المدى الطويل، مستشهداً بمشاهدات الملايين لفيديوهات محاكمته كدليل على استمرار تأثيره.

في الختام، ورغم أن الفصل متماسك ومنطقي، تبرز فيه حجة قابلة للنقاش، وهي أن القمع الديني هو المحرك الأساسي للتطرف والإسلاموية. هذه النظرة قد تقلل من شأن العوامل الأيديولوجية والجاذبية الذاتية لأفكار مثل الخلافة، والتي قد تكون دافعاً مستقلاً لدى بعض الأفراد بغض النظر عن مستوى القمع. يبدو أن الفصل يتبنى تفسيراً وظيفياً للدين السياسي، حيث يقدمه كرد فعل على الظلم أكثر من كونه مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً قائماً بذاته.

13.المجتمع والأفكار الإسلاموية في قيرغيزستان475–524▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل من كتاب كاثلين كولينز "تسييس الإسلام في آسيا الوسطى" العلاقة المعقدة بين المجتمع والأفكار الإسلاموية في قيرغيزستان، مركزاً على حركة حزب التحرير الإسلامي (HTI). الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن انتشار الأفكار الإسلاموية، وخاصةً أفكار حزب التحرير، لم يكن نتيجة جاذبية أيديولوجية متأصلة بقدر ما كان نتيجة لتفاعل عوامل محلية: التهميش السياسي والاقتصادي للأقليات (خاصة الأوزبك)، القمع الديني المتصاعد، الفساد المستشري، والفشل الملحوظ للديمقراطية العلمانية في تحقيق العدالة. ومع ذلك، يظل التأثير محدوداً بسبب مقاومة المجتمع للأفكار الراديكالية وتمسكه بالإسلام المعتدل.

يسير الفصل بتسلسل واضح، فيبدأ بوصف نشاط حزب التحرير في قيرغيزستان ومقارنته ببقية دول آسيا الوسطى. يوضح أن الحزب، الذي يتبنى فكرة الخلافة كبديل للأنظمة القائمة، عمل بشكل شبه سري عبر خلايا صغيرة ووزع منشورات كثيفة. كان الحزب أكثر انفتاحاً في قيرغيزستان مقارنة بـ أوزبكستان و طاجيكستان بسبب ضعف القمع الحكومي، مما سمح له بتنظيم احتجاجات، مثل تلك التي تلت مقتل رفيق قاري في 2006 واحتجاجات نوكات في 2008. بالرغم من ذلك، يبقى أسلوب الحزب غير عنيف في الغالب، حيث يركز على "النضال السياسي والأيديولوجي" بدلاً من المواجهة المسلحة، وهو ما جعله مقبولاً لدى بعض السكان الذين يخشون الحرب الأهلية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل أسباب النمو المحدود للحركة. يقدم الفصل أرقاماً تقديرية لعضوية الحزب، مشيراً إلى أن العدد بلغ ذروته حوالي 24,000 عضو في آسيا الوسطى بحلول عام 2009-2010، وكانت قيرغيزستان هي الدولة الوحيدة التي شهدت نمواً مستمراً، حيث ارتفع العدد من بضع مئات في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى حوالي 8,000 في 2009. يُعزى هذا النمو المحدود إلى عدة عوامل رئيسية. أولاً، اعتمد الحزب على الشبكات المحلية القائمة، لا سيما شبكات الأوزبك العرقية في وادي فرغانة (مدن مثل أوش، جلال آباد، و قره سو) التي كانت تعاني من التهميش. ثانياً، استفاد الحزب من السلطة الدينية لبعض الأئمة المحليين مثل رفيق قاري وابنه رشود قاري، الذين لم يؤيدوا الحزب رسمياً لكنهم بشروا بأفكار مشابهة عن العدالة تحت الخلافة، مما منح الحزب شرعية في الجنوب. ثالثاً، والأهم، هو قدرة الحزب على تكييف رسالته العالمية مع القضايا المحلية.

يُفصّل الفصل استراتيجية التكييف الأيديولوجي للحزب (Partial Ideational Adaptation). بدلاً من التركيز على الخلافة العالمية أو القضية الفلسطينية التي لا تهم غالبية القيرغيز (فقط 10.5% من المستطلعين في 2006 وافقوا على فكرة الخلافة)، ركز الحزب على القضايا التي تمس حياة الناس اليومية: القمع الديني في أوزبكستان تحت حكم إسلام كريموف (متهماً إياه بتعذيب آلاف المسلمين)، الفساد الحكومي في قيرغيزستان، الظلم الاجتماعي، محاباة الأقارب والعشائر، وصعوبات المعيشة كالبطالة وغلاء المعيشة والهجرة القسرية للعمل. استخدم الحزب لغة عاطفية وقوية، متحدثاً عن "المسلمين الشهداء" ومصوراً الدولة على أنها مضطهدة للإسلام وأتباعه، من خلال منشورات تنتقد مقتل رفيق قاري وأحداث أنديجان (مبالغاً في عدد القتلى ليصل إلى 7,000).

لكن الفصل لا يقتصر على شرح جاذبية الحزب، بل يوضح أيضاً حدود تأثيره. يُظهر تحليل مجموعات النقاش المركزة التي أجراها المؤلف عبر أنحاء قيرغيزستان (شمالاً وجنوباً، بين الأوزبك والقيرغيز، ومن مختلف الأعمار والخلفيات التعليمية) أن الأفكار الراديكالية للحزب لم تلقَ قبولاً واسعاً. في مجموعات 2005، كان المشاركون من الطالبات الجامعيات في أوش يتمسكن بالإسلام لكنهن يرفضن نموذج الدولة الإسلامية على غرار السعودية أو إيران، ويرفضن حزب التحرير والصورة النمطية التي تخلط بينه وبين جماعات العنف. مع ازدياد القمع في عهد الرئيس باكييف، زادت حدة الاستياء، كما يتضح من نقاش مجموعة رجال الأعمال القيرغيز في جلال آباد (2007) الذين انتقدوا الفساد والمحسوبية لكنهم عارضوا بشدة تطبيق الشريعة أو جعل الدولة إسلامية. حتى في الشمال الأكثر علمانية، أظهرت مجموعة من النساء في بيشكيك (2005) استعداداً متزايداً لقبول دور عام للإسلام، لكنهن بقين معتدلات في آرائهن تجاه الحرب والجهاد.

في القسم الأخير، يستعرض الفصل وجهات نظر النخب المجتمعية ذات السلطة، مثل المفتين والأئمة ونشطاء المجتمع المدني. هؤلاء كانوا، في الغالب، أكثر تشدداً في معارضتهم للأفكار الراديكالية من عامة الناس. رفضوا حزب التحرير، ودعوا إلى إصلاحات ديمقراطية داخل النظام، أو إلى "ديمقراطية إسلامية" تحترم الشريعة ضمن إطار الدولة الحديثة. يؤكد الفصل أن خطاب الإسلام المدني (Civil Islam) الذي تمثله شخصيات مثل المفتي السابق تشوباك آجي جليلوف أو حركة تبليغ الجماعة، كان له تأثير أوسع وأعمق من الأفكار الثورية لحزب التحرير.

يعترف المؤلف صراحةً بحدود تحليله، مشيراً إلى صعوبة تقدير أعداد أعضاء حركات سرية مثل حزب التحرير بدقة، معتمداً على مقابلات وتقارير إعلامية قد لا تكون شاملة بالكامل. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى تأثير تغيرات الأجيال، وتأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي (خاصة بعد 2013) على انتشار الأفكار الراديكالية، وتأثير الحرب في سوريا على تحويل بعض الأعضاء نحو العنف. كما أن الفصل يعترف بأن استراتيجية الحزب غير العنيفة داخل آسيا الوسطى كانت متناقضة ظاهرياً مع دعمه للجهاد في سياقات أخرى مثل سوريا و أفغانستان، مما يثير جدلاً حول مدى التزام الحزب باللاعنف كمبدأ ثابت. في المجمل، هذا الفصل هو تحليل دقيق يوضح أن نجاح الأفكار الإسلاموية لا يعتمد فقط على قوتها الذاتية، بل على قدرتها على استغلال المظالم المحلية الحقيقية، مع بقاء المجتمع نفسه حائط صد قوياً ضد التطرف بفضل تقاليده الإسلامية المعتدلة وتجاربه المريرة مع العنف.

15.من آسيا الوسطى إلى أفغانستان وسوريا وما بعدها531–669▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل، وهو الفصل الرابع عشر من كتاب "تسييس الإسلام في آسيا الوسطى" لكاثلين كولينز، الموجة الثالثة من النشاط الإسلامي في آسيا الوسطى، والتي تمثلت في تدفق آلاف المقاتلين من المنطقة للانضمام إلى الجماعات الجهادية في سوريا والعراق، وخاصة تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة (التابعة لتنظيم القاعدة). الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن هذه الموجة، على الرغم من كونها ظاهرة جديدة وغير مسبوقة، يمكن تفسيرها باستخدام نفس العوامل الثلاثة التي فسر بها الكتاب الموجات السابقة: القمع الديني، ووجود فضاء ترابطي (ولو كان افتراضياً)، ودور رواد الأعمال الدينيين. ومع ذلك، يضيف الفصل بُعداً جديداً هو قدرة هذه الجماعات على تكييف خطابها الجهادي العالمي ليتناسب مع السياقات المحلية والقضايا الملحة في آسيا الوسطى، مثل القمع السياسي والفساد والاضطهاد العرقي.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً بتقديم بيانات رقمية عن أعداد المقاتلين من آسيا الوسطى. يستند المؤلف إلى تقديرات من عدة مصادر، مثل مركز صوفان والمركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR). يذكر الفصل أن العدد الإجمالي للمقاتلين من الجمهوريات السوفيتية السابقة بلغ حوالي 4,700 في عام 2015، وارتفع إلى ما يقدر بـ 5,000 بحلول فبراير 2017. كانت أوزبكستان المصدر الأكبر بعد روسيا، بأكثر من 1,500 مقاتل، تليها طاجيكستان (بين 1,300 و2,700). يستخدم الفصل جدولاً (جدول 14.1) لمقارنة هذه الأرقام مع دول أخرى، ويظهر أن معدل المقاتلين لكل مليون مسلم في دول مثل طاجيكستان وقرغيزستان كان مرتفعاً بشكل لافت، متجاوزاً معدلات دول عربية وإسلامية كثيرة. يلاحظ المؤلف أن هذه الموجة تميزت باستمراريتها، حيث لم يعد معظم المقاتلين إلى أوطانهم حتى بعد انهيار "الخلافة" في 2017، بل ظلوا يقاتلون في سوريا أو انتقلوا إلى أفغانستان للانضمام إلى ولاية خراسان (داعش-ك).

بعد ذلك، ينتقل الفصل لتحليل جماعتين رئيسيتين تمثلان هذه الموجة. الجماعة الأولى هي كتيبة التوحيد والجهاد (KTJ)، وهي جماعة تابعة لتنظيم القاعدة أسسها سراج الدين مختاروف (أبو صالح الأوزبكي) من جنوب قرغيزستان. يشرح الفصل نشأته، حيث درس في سوريا ثم عاد ليصبح إماماً مساعداً في قريته قبل أن يلتحق بالجهاد السوري. يصف الفصل استراتيجيات كتيبة التوحيد والجهاد في التعبئة بالتفصيل، والتي تشمل: بناء الشبكات: اعتمدت الكتيبة على أربع شبكات رئيسية: شبكات المساجد والصلات الدينية في وادي فرغانة، شبكات الأقليات العرقية الأوزبكية المضطهدة في جنوب قرغيزستان، شبكات العمال المهاجرين في روسيا، وأخيراً شبكات التواصل الاجتماعي مثل تليغرام ويوتيوب التي استخدمها أبو صالح لنشر خطابه. بناء السلطة المقدسة: بنى أبو صالح مكانته كمرجع ديني (أستاذ) من خلال دراسته للشريعة، وظهوره في فيديوهات وهو يلقي الدروس الدينية، واستخدامه للغة العربية في تلاوة القرآن، مما أكسبه احتراماً خاصة بين الشباب غير الراضين عن المؤسسة الدينية الرسمية الفاسدة. التوافق الفكري: قامت الكتيبة بتوطين خطابها الجهادي، فلم تكتف بالحديث عن الجهاد العالمي، بل ربطته بقضايا محلية مثل قمع الحجاب واللحية، وظلم الأقليات الأوزبكية، ومعاناة العمال المهاجرين. كما صورت الحياة تحت "الخلافة" بطريقة مثالية تتناقض مع الفقر والقمع في الوطن. يقدم الفصل أمثلة على عناوين فيديوهات لأبي صالح مثل "الجهاد طريق العز" و**"هل أنت خائف من الذهاب للجهاد؟"** التي حصدت آلاف المشاهدات. على الرغم من نجاحها النسبي، يعترف الفصل بأن خطاب كتيبة التوحيد والجهاد ظل محدود الجاذبية بسبب تبنيه لأهداف جهادية متطرفة لا تتماشى مع الفهم التقليدي للإسلام في آسيا الوسطى.

الجماعة الثانية التي يحللها الفصل هي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). يشرح الفصل أصوله في العراق كنتاج للحرب الأمريكية عام 2003 والحرب الأهلية السورية. بالنسبة لآسيا الوسطى، يصف الفصل كيفية استخدام داعش لاستراتيجيات مشابهة لكتيبة التوحيد والجهاد، ولكن مع اختلافات جوهرية. في بناء الشبكات، اعتمد داعش بكثافة على شبكات العمال المهاجرين في روسيا، حيث كانوا أكثر عرضة للاستقطاب بسبب ظروف العمل القاسية والابتعاد عن العائلة والمجتمع. كما استخدم داعش وسائل الإعلام باللغة الروسية، مثل ذراعه الإعلامي فُرات ميديا، واستهدف المنصات الروسية مثل mail.ru وOdnoklassniki للوصول إلى الجمهور الناطق بالروسية في آسيا الوسطى. مثال بارز على بناء السلطة المقدسة كان انشقاق العقيد غلمرود حليموف، قائد قوات الأمن الخاصة الطاجيكية (أومون)، وانضمامه لداعش في مايو 2015. كان لانشقاقه، الذي صوره الفصل على أنه "قفزة من العلماني إلى المقدس"، أثر كبير في منح داعش شرعية ونفوذاً، حيث كان حليموف يجمع بين الخبرة العسكرية والمعرفة الداخلية بالنظام.

فيما يتعلق بالتوافق الفكري، ركز داعش على موضوعين رئيسيين: قمع المسلمين في سوريا وآسيا الوسطى، وتعظيم الجهاد والاستشهاد. يذكر الفصل أن المواطنين الطاجيك تصدروا قائمة الانتحاريين في سوريا، حيث نفذ 27 طاجيكياً عمليات انتحارية بين ديسمبر 2015 ونوفمبر 2016، وهو ما يمثل 11.3% من إجمالي العمليات. كما استخدم داعش فيديوهات عائلية تظهر الأطفال و"أشبال الخلافة" لجذب العائلات. ومع ذلك، يقر الفصل بأن حدود داعش كانت واضحة: فخطابه العنيف والطائفي، الذي يتضمن قطع الرؤوس واستباحة دماء الآخرين، كان مرفوضاً من الغالبية العظمى من سكان آسيا الوسطى. كما أن داعش لم يُوَطّن خطابه بالقدر الكافي لمعالجة القضايا السياسية اليومية للناس في المنطقة. لذلك، فإن جاذبية داعش، رغم نجاحها في تجنيد عدة آلاف، كانت محدودة ومتركزة بشكل خاص في طاجيكستان، حيث لعبت شبكات المهاجرين ورمزية حليموف دوراً أكبر من الأيديولوجية نفسها.

في ختام الفصل، يناقش المؤلف تحول المقاتلين بعد انحسار داعش في سوريا والعراق من عام 2017 فصاعداً. بدلاً من العودة إلى ديارهم (وهو أمر محفوف بالمخاطر)، انتقل العديد من مقاتلي آسيا الوسطى إلى أفغانستان للانضمام إلى ولاية خراسان (داعش-ك). يوضح الفصل أن هذه الجماعة، التي تشكلت في 2014، أصبحت ملاذاً جديداً، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي. يقدر الفصل أن حوالي 750 من مواطني آسيا الوسطى كانوا يقاتلون هناك، معظمهم من الأوزبك والطاجيك والقيرغيز. يشير المؤلف إلى أن هذا التحول الجغرافي يشكل تهديداً أمنياً مستمراً للمنطقة بأكملها، حيث أصبحت أفغانستان قاعدة جديدة للجهاد تعود إلى جوار آسيا الوسطى.

أخيراً، يُقر الفصل بعدة تحفظات وحدود. أهمها هو عدم اليقين حول دقة الأرقام، حيث أن العديد من المقاتلين سُجلوا كـ "مقيمين روس" مما أدى إلى تقليل تقدير أعدادهم الحقيقية. كما أن الفصل يقر بأن جاذبية كلتا الجماعتين (كتيبة التوحيد والجهاد وداعش) كانت محدودة من الناحية الأيديولوجية مقارنة بالحركات الإسلامية الأخرى الأكثر شعبية مثل حزب التحرير، وأن نجاحهما كان نسبياً ومشروطاً بظروف القمع الشديد. يطرح الفصل أيضاً سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل كتيبة التوحيد والجهاد بعد اعتقال زعيمها سراج الدين مختاروف من قبل هيئة تحرير الشام في يونيو 2020، مما أدى إلى انقسام داخلي حول ما إذا كان ينبغي تركيز الجهاد محلياً في سوريا أم العودة إلى جذوره في آسيا الوسطى. على الرغم من إطلاق سراحه لاحقاً، يظل مستقبل التنظيم غير مؤكد تحت سيطرة الجماعات الأخرى.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل تأكيده على أن الاستراتيجيات ذاتها (السلطة المقدسة، التوافق الفكري، والشبكات) تفسر نجاح كل من كتيبة التوحيد والجهاد وداعش، رغم الاختلاف الكبير في أيديولوجياتهما وعنفهما. يبدو أن الفصل يساوي بين فاعلية الجماعتين في التعبئة متجاهلاً الفارق الكبير في الإقبال الشعبي، حيث أن كتيبة التوحيد والجهاد، بتوطينها الأفضل لخطابها واعتدالها النسبي، ربما تكون قد حققت اختراقاً أوسع. كما أن إرجاع الفصل نجاح داعش بشكل كبير للظروف الهيكلية (القمع والهجرة) بدلاً من قوة رسالته الأيديولوجية الجوهرية هو أمر قابل للنقاش، خاصة في ضوء تأكيده المتكرر على أن خطاب داعش كان "مرفوضاً" و"مثيراً للاشمئزاز" لغالبية المسلمين في المنطقة. هذا يطرح تساؤلاً حول مدى كفاية التفسير القائم على العوامل الثلاثة وحدها، ويدعو إلى إعطاء وزن أكبر لدور "رواد الأعمال" المحليين و"الشبكات الشخصية والعرقية" مقارنة بـ"الأيديولوجية العالمية".