المورد
Protestants, Gender, and the Arab Renaissance in Late Ottoman Syria

Protestants, Gender, and the Arab Renaissance in Late Ottoman Syria

Deanna Ferree Womack١ كانون الثاني ٢٠١٩enEdinburgh University Press

يقدّم كتاب «Protestants, Gender, and the Arab Renaissance in Late Ottoman Syria» للباحثة دينا فيري ووماك إعادة قراءة جذرية لتاريخ الإرسالية البروتستانتية الأمريكية في سوريا العثمانية المتأخرة (التي تشمل لبنان وسوريا حالياً) خلال الفترة الممتدة من 1860 إلى 1915. يتمحور الموضوع المحوري للكتاب حول تفنيد الرواية التاريخية التقليدية التي تركز على المبشرين الأمريكيين الذكور كمحركين وحيدين للأحداث، ويطرح بدلاً من ذلك حجة أساسية مفادها أن البروتستانت السوريين، وخاصة النساء، كانوا فاعلين أساسيين في تشكيل كنيستهم ومجتمعهم، وساهموا بشكل جوهري في حركة النهضة العربية من خلال نشاطهم الأدبي والديني والتعليمي. يدعو الكتاب إلى كتابة «تاريخ متشابك» يعترف بفاعلية جميع الأطراف، ويتجاوز الثنائيات الخاطئة بين الشرق والغرب، وبين المبشر والمحلي، وبين المقاومة والخضوع.

تسير حجة الكتاب عبر فصوله بتسلسل منهجي يبدأ من تحول الأفراد ثم يتسع ليشمل المؤسسات والمجتمع. يفتتح المؤلف بمناقشة مفهوم التحول الديني ذاته، ناقداً الدراسات التي اختزلت البروتستانت السوريين في «علمانيين مسيحيين» وتجاهلت تجاربهم الدينية الفعلية. من خلال تحليل روايات تحول خمسة رجال سوريين بارزين هم أسعد الشدياق وسليبا جروان وسليم كساب ونسيم الحلو وكميل عيتاني، يظهر الكتاب أن التحول لم يكن قطيعة كاملة مع الماضي، بل كان عملية «إعادة تشكيل» للذاكرة والهوية، قامت على قراءة مستقلة للكتاب المقدس، وشكلت وعياً جديداً بالذات والمجتمع، رغم أن هذه الروايات تمثل نخبة من الرجال المتعلمين وتثير تساؤلات حول تمثيلها للصوت السوري الأصلي مقابل الصورة التي أراد المبشرون تقديمها.

ينتقل الكتاب بعد ذلك من الفرد إلى المؤسسة، مفحصاً ثقافة الطباعة البروتستانتية التي نشأت حول المطبعة الأمريكية في بيروت. يجادل المؤلف بأن هذه المطبعة تحولت، بفضل المحررين السوريين أمثال إبراهيم عيسى الحوراني، من مجرد أداة تبشيرية غربية إلى منصة نهضوية أنتجت خطاباً دينياً وثقافياً متشابكاً. يبرز الكتاب كيف استخدم البروتستانت السوريون المطبعة للمشاركة في الجدالات الدينية مع اليسوعيين والأرثوذكس، مما جعل هذه الجدالات جزءاً حيوياً من الفضاء العام للنهضة، حيث اختبرت الأفكار والهويات علناً، وأظهرت توتراً معقداً بين التنافس اللاهوتي والاشتراك في قيم الحداثة والعلم.

يخصص الكتاب قسماً محورياً للنساء البروتستانتيات السوريات، ملقياً الضوء على مساهمتهن في النهضة العربية التي غالباً ما تم تجاهلها. من خلال سير ذاتية ومهنية لكاتبات مثل فريدة عطية ومريم زكا وروجينا شكري وهانا كوراني وأليس البستاني، يوضح الكتاب كيف استخدمت هؤلاء النساء تعليمهن التبشيري ليصبحن كاتبات وصحفيات، دافعن عن تعليم النساء والتربية الأخلاقية، ومزجن في كتاباتهن بين الإيمان الإنجيلي والروح النهضوية. ويكشف الفصل عن أن هؤلاء النسوة كن يكتبن وينشرن قبل صدور كتاب قاسم أمين الشهير «تحرير المرأة» في 1899، مما يجعلهن رائدات حقيقيات في صحوة المرأة العربية، ويدفع التساؤل حول ما إذا كانت صحوتهن شكلاً خاصاً من النهضة المحافظة التي توفق بين الدين والحداثة.

في قلب الكتاب، يتحول التركيز إلى الصراع على السلطة والقيادة داخل الكنيسة البروتستانتية، والذي بلغ ذروته في «جدل كنيسة بيروت» وانشقاق 1894. يشرح المؤلف كيف أن مفهوم «الرجولة النهضوية» كان محورياً في هذا الصراع، حيث سعى المثقفون السوريون مثل خليل سركيس ونخلة ثابت وأسعد زرب لبناء هوية ذكورية قائمة على المعرفة والمساواة، بينما فرض عليهم المبشرون الأمريكيون موقعاً تابعاً، مصنفين إياهم كـ «مساعدين وطنيين». يوثق الكتاب بالتفصيل كيف أن «المنشور سيء الصيت» الذي أصدره أسعد زرب في 1902 باللغة الإنجليزية كان اتهاماً صريحاً للمبشرين بالاستبداد واستغلال السوريين، وكيف استخدمت أجساد النساء كورقة ضغط في هذا النزاع الذكوري دون إعطائهن أي صوت حقيقي.

تقدم الفصول الأخيرة من الكتاب أدلة دامغة على أن البروتستانت السوريين مارسوا فاعليتهم بطرق اضطر المبشرون للاعتراف بها، رغم عدم التوازن في السلطة. من خلال تتبع سجال طويل حول تنظيم الكنيسة وسيامة القساوسة، يُظهر المؤلف تنوع ردود الفعل السورية بين الانسحاب والوساطة والتحدي والتمرد. فعلى سبيل المثال، بينما هاجم زرب الإرسالية بعنف، كتب آخرون مثل إبراهيم الحوراني رسائل تكريمية للمفتش آرثر جودسون براون، مما يكشف أن المجتمع البروتستانتي السوري لم يكن كتلة واحدة. ويخلص الكتاب إلى أن وحدة الكنيسة التي تحققت في 1906 تمت بشروط السوريين أنفسهم، حيث حصلوا على استقلالية تامة عن المجلس المشيخي، مما يثبت أنهم تمكنوا من زعزعة السيطرة المبشرة من خلال المفاوضات والمطالبة بالمساواة.

يقر المؤلف بحدود الدراسة في عدة نقاط، أبرزها ندرة المصادر المتعلقة بنشاط النساء السوريات، وصعوبة تتبع قصصهن مقارنة بالرجال، والاعتراف بأن روايات التحول تم تحريرها ونشرها من قبل المبشرين أنفسهم مما يثير تساؤلات حول تمثيلها للصوت السوري «الأصلي». كما يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية إجراء مقارنات إقليمية أوسع مع تاريخ النساء البروتستانتيات في مناطق أخرى مثل بلاد فارس، وحول مدى استقلالية النساء عن الإطار التبشيري، وهل كان نشاطهن الأدبي مجرد امتداد لدورهن التقليدي أم تجاوزاً له.

من بين الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يبرز التوتر المنهجي الذي يسعى المؤلف إلى معالجته بين منظور «المسيحية العالمية» الذي يركز على الفاعلية المحلية، والنظرة ما بعد الاستعمارية التي تنتقد الإمبريالية الغربية للبعثات التبشيرية. فقد يتساءل القارئ: هل يمكن التوفيق بين الاعتراف بفاعلية السوريين والاعتراف في الوقت نفسه بأن السياق الإمبريالي فرض حدوداً صارمة لتلك الفاعلية؟ وهل يمكن اعتبار عودة الكنيسة المستقلة إلى الكنيسة الأم وتراجع زرب عن منشوره دليلاً على الفاعلية أم على الانكسار؟ رغم أن المؤلف يصر على أن عملية التفاوض نفسها هي دليل على الفاعلية، إلا أن هذا الموقف يظل مفتوحاً للنقاش الأكاديمي حول حدود المقاومة في سياقات الهيمنة.

الفصول(8)

1.مقدمة19–41▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو إعادة كتابة تاريخ الإرسالية الأمريكية في سوريا العثمانية المتأخرة (لبنان وسوريا حالياً) من عام 1860 إلى 1915، مع التركيز على دور الجندر (النوع الاجتماعي) ونشاط النساء البروتستانتيات السوريات في النهضة العربية (النهضة). يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن التاريخ التقليدي للإرسالية، الذي يركز على المبشرين الأمريكيين من الرجال كمحركين رئيسيين للأحداث، هو تاريخ ناقص ومنحاز. الحجة الأساسية هي أن البروتستانت السوريين، وخاصة النساء، كانوا فاعلين أساسيين في تشكيل كنيستهم ومجتمعهم، وساهموا بشكل جوهري في النهضة من خلال نشاطهم الأدبي والديني والتعليمي، مما يستدعي كتابة "تاريخ متشابك" يعترف بفاعلية جميع الأطراف.

يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذه الحجة. يبدأ بتحديد نقطة الانطلاق، وهي أحداث العنف الطائفي في عام 1860 في جبل لبنان ودمشق التي مزقت المجتمع السوري. في هذه الحقبة الحاسمة، برزت شخصيات نسائية مثل "نجمة عتيق" و "أم شاكر دباغي" (أرامل أصبحن "نساء إنجيليات")، وبجانبهن شخصيات رجالية مثل "إبراهيم الحوراني" (شاعر ومحرر)، "فرحانة عطية" و "هنا كوراني" (رائدات صحوة المرأة العربية)، "خليل سركيس" (صاحب مطبعة)، و "يوسف عطية" (قسيس). يستخدم المؤلف هذه الأمثلة كأدلة لإظهار تنوع المشاركة البروتستانتية السورية، ونشاطهم عبر المطبعة، والصحافة، والترجمة، والوعظ، مع الإشارة إلى أن هؤلاء الشخصيات يتفاعلون مع مبشرين أمريكيين وبريطانيين، ومع شخصيات من طوائف أخرى مثل اليسوعي "سليمان غانم" والمصلح المسلم "محمد بن طاهر التنير".

ثم ينتقل الفصل إلى مراجعة نقدية للتاريخ التقليدي للإرسالية، معتمداً على كتاب "عبد اللطيف الطيباوي" "المصالح الأمريكية في سوريا" (1906) كمرجع أساسي، ولكنه يحدد أربعة قيود رئيسية فيه: أنه روى القصة الأمريكية فقط، وأهمل فترة ما بعد 1870 تحت إشراف الكنيسة المشيخية، وركز بشكل مفرط على الكلية السورية البروتشتانتية (الجامعة الأمريكية في بيروت حالياً) التي لم تقبل الطالبات، وأخيراً أهمل دور النساء السوريات. يقدم المؤلف هذا النقد ليس فقط لتحدي الرواية السائدة، بل ليمهد الطريق لمنهجه الخاص الذي يدمج تاريخ الشرق الأوسط مع مجال "المسيحية العالمية"، معترفاً بتعقيد العلاقة بين الإرسالية والإمبريالية والاستعمار، وتجنباً للثنائيات الخاطئة (شرق/غرب، مبشر/محلي، مقاومة/خضوع). يستخدم مصطلح "التاريخ المتشابك" (enmeshed history) كإطار لقراءة المصادر المتنوعة (مخطوطات عربية نادرة، رسائل ومذكرات سورية غير منشورة، ونصوص مبشرين) بهدف كشف نوعين من النظام الأبوي: أبوية المبشرين الذكور على الرجال السوريين، وأبوية الذكورة (التمييز البنيوي القائم على الجنس) ضد النساء.

في القسم الأخير، يشرح المؤلف كيف كانت المطبعة الأمريكية في بيروت موقعاً للتعاون والصراع معاً. فبينما أنشأها المبشرون لنشر الإنجيل، أصبحت منصة للبروتستانت السوريين للمشاركة في النهضة. يوضح أن رجالاً مثل "بطرس البستاني" (مترجم وناشر مجلة "الجنان") جمعوا بين التزامهم البروتستانتي وتطلعاتهم النهضوية، مما وسع تفسير النهضة كحركة علمانية ليكشف عن أبعادها الدينية. ويظهر أن النساء السوريات مثل "هنا كوراني" و "فرحانة عطية" و "جوليا توما" استخدمن المطبعة لنشر خطب ومقالات وكتب وأشعار، مما وضعهن في طليعة "صحوة المرأة العربية". في المقابل، كان غياب الأدوار الرسمية للنساء واضحاً في الكنيسة، حيث برزت صراعات على السلطة بين الرجال السوريين والمبشرين (مثل انقسام كنيسة بيروت في تسعينيات القرن التاسع عشر)، مما أظهر ديناميكيات القوة غير المتكافئة. أما نساء الإنجيليات، فقد وجدن فرصاً للوعظ في الإرسالية البريطانية النسائية، متخطيات الهياكل الكنسية التقليدية، وهو ما يعتبر المؤلف أن جهودهن كانت حاسمة في بناء ودعم الكنيسة الإنجيلية السورية، على الرغم من إهمالها في الدراسات السابقة.

يعترف المؤلف بحدود الدراسة في عدة نقاط: ندرة المصادر المتعلقة بنشاط النساء السوريات، وصعوبة تتبع قصصهن مقارنة بالرجال، والاعتراف بأن التاريخ التقليدي الذي يكتبه المبشرون غالباً ما يكون "قبلياً" ومركزاً على الغرب. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول إمكانية إجراء مقارنات إقليمية أوسع مع تاريخ النساء البروتستانتيات في مناطق أخرى مثل بلاد فارس، ويدعو الباحثين للبحث عن منشورات نسائية محلية أخرى.

حجة قابلة للنقاش بناءً على النص هي التوتر الذي يطرحه الفصل بين رؤية "المسيحية العالمية" التي تركز على الفاعلية المحلية، والنظرة ما بعد الاستعمارية التي تنتقد الإمبريالية الغربية للبعثات التبشيرية. يسعى المؤلف إلى تحقيق توازن بين هذين المنظورين، معترفاً بأن التركيز فقط على المقاومة المحلية قد يخفي التأثير المستمر للقوى الإمبريالية، بينما التركيز فقط على فاعلية المبشرين يتجاهل دور السوريين. هذا المسعى لتحقيق توازن دقيق بين قوتين تفسيريتين متعارضتين غالباً ما يمثل تحدياً منهجياً مفتوحاً للنقاش الأكاديمي.

1.النهضة الإنجيلية: أن تصبح بروتستانتياً في النهضة العربية42–98▼ ملخص

يبدأ الفصل بطرح سؤال جوهري: كيف أصبح المرء بروتستانتياً في المشهد الطائفي لسورية العثمانية المتأخرة، وما الذي عنته العقيدة الإنجيلية خلال عصر النهضة العربية؟ يرى المؤلف أن التحول الديني، الذي يُفهم عادةً كنتيجة فورية أو كوسيلة للعلمنة، هو عملية معقدة ومتعددة الطبقات. ينتقد الدراسات السابقة التي تجاهلت التدين الفعلي للبروتستانت السوريين، وركزت بدلاً من ذلك على أبعادهم الثقافية أو السياسية فقط، معتبرة إياهم "علمانيين مسيحيين". يقدم الفصل نفسه كدراسة لروايات التحول من منظور السوريين أنفسهم، لا من خلال عدسة المبشرين الغربيين فقط.

يستخدم الفصل إطاراً تحليلياً مستعاراً من عالم النفس لويس رامبو، الذي يقسم عملية التحول إلى سبع مراحل: السياق، الأزمة، اللقاء، البحث، التفاعل، الالتزام، والنتائج. هذا الإطار يساعد المؤلف على مقارنة الروايات المختلفة وفهم كيف فهم السوريون تحولهم بأنفسهم. يرفض الفصل فكرة أن التحول هو مجرد قطيعة كاملة مع الماضي، ويقدمه بدلاً من ذلك كعملية "إعادة تشكيل" للذاكرة والهوية، تجمع بين القديم والجديد، كما يستفيد من دراسات الأنثروبولوجيا الحديثة عن المسيحية في أفريقيا.

يخصص القسم الثاني من الفصل لدراسة الخطاب المبشّر الأميركي حول التحول. يوضح أن المبشرين، المنحدرين من تقاليد الصحوة الكالفينية في نيو إنجلاند، كانوا يبحثون عن "تغيير القلب" الجذري والتجربة الروحية العميقة. لكن مع مرور الوقت، واجه المبشرون صعوبة في تطبيق هذا المعيار الصارم على السوريين، مما دفعهم إلى تطوير تصنيفات عملية لتقييم "المتحولين المحتملين"، مثل "المتحولين المؤكدين" و"المتحولين المرجحين" و"المستنيرين". كما يبرز الفصل فكرة أن المبشرين ركزوا بشكل متزايد على قوة الكتاب المقدس المطبوع والمقروء كأداة للتحول، مما منح السوريين مساحة لتأكيد مساواتهم الإيمانية مع المبشرين.

يقدم القسم الثالث من الفصل تحليلاً مفصلاً لروايات التحول لخمسة رجال بروتستانت سوريين هم: أسعد الشدياق (أول سوري يعتنق البروتستانتية)، سليبا جروان (أول قس يُرسم في الكنيسة الإنجيلية)، سليم Kassab، نسيم الحلو، وكميل عيتاني (أحد المتحولين النادرين من الإسلام). لكل من هؤلاء قصة تختلف في تفاصيلها، لكنها تشترك في نقاط أساسية. بالنسبة لأسعد الشدياق، كانت الأزمة فكرية، حيث أدى نقاشه مع رسالة المبشر إلى شكوك في العقيدة المارونية، ثم تحول إلى قراءة مكثفة للكتاب المقدس والتفاعل مع المبشرين. أما سليبا جروان ونسيم الحلو، فلم تكن أزمتهما الروحية واضحة؛ بل جاء اللقاء بالبروتستانتية من خلال المأساة الشخصية في حالة جروان، أو من خلال المدرسة في حالة الحلو، حيث اعتمدوا على قراءة الأدب البروتستانتي.

أما سليم Kassab، فتحول بعد مناظرة صفية أُجبر فيها على الدفاع عن الموقف البروتستانتي، مما جعله يقتنع بحجته دون أن يتفاعل مباشرة مع المبشرين. أما كميل عيتاني، فجاء إلى المبشرين بعد أزمة روحية عميقة وشعور بالذنب، حيث قابل هنري هاريس جيساب وعبر عن قلقه من عدم وجود طريق لمغفرة الخطايا في الإسلام. في جميع هذه الحالات، كانت قراءة الكتاب المقدس هي العامل المشترك الأكبر، حيث أصبحت فعل الهوية البروتستانتية بامتياز، سواء تم ذلك بشكل مستقل أو تحت إشراف المبشرين.

في ختام الفصل، يعترف المؤلف بوجود حدود واضحة في هذه الروايات، فهي تمثل نخبة من الرجال المتعلمين الذين كانوا موظفين في البعثات التبشيرية. هذا يعني أن قصص النساء وأبناء الطبقات الدنيا والمجتمعات الأخرى مغيبة أو غير ممثلة، رغم أن المؤلف يعد بالعودة إليها في فصول لاحقة. كما أن كل هذه الروايات تم تحريرها ونشرها من قبل المبشرين أنفسهم، مما يثير تساؤلاً حول مدى تمثيلها لصوت السوريين "الأصلي" مقابل الصورة التي أراد المبشرون تقديمها. يخلص الفصل إلى أن الهوية البروتستانتية في النهضة العربية لم تكن مجرد خيار علماني أو هروب من السلطة الدينية، بل تجربة دينية حية ومعقدة، قامت على قراءة مستقلة للنص المقدس وشكلت وعياً جديداً بالذات والمجتمع.

2.نشر الإنجيل، قراءة النهضة: ثقافة الطباعة البروتستانتية في أواخر سوريا العثمانية99–160▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل باستكشاف كيف أن ثقافة الطباعة البروتستانتية في أواخر سوريا العثمانية لم تكن مجرد أداة للتبشير الأميركي، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من حركة النهضة العربية. يجادل المؤلف بأن المطبعة الأميركية في بيروت أصبحت، بفضل المساهمين السوريين، فضاءً أنتج خطاباً دينياً وثقافياً نهضوياً، متحدياً بذلك النظرة التي تختصرها في كونها لساناً مبشراً غربياً. يوضح الفصل أن المشاركة في النهضة لم تكن حكراً على العلمانيين المسيحيين أو الإصلاحيين المسلمين، بل شملت البروتستانت السوريين الذين استخدموا المطبعة للتعبير عن هويتهم الدينية والمساهمة في النقاشات الفكرية والأدبية والعلمية في ذلك العصر.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة أقسام، بدءاً بنظرة عامة على الإنتاج الأدبي العربي في النهضة، حيث يصف كيف أن الصحف والمجلات مثل "المقتطف" و"الهلال" خلقت جمهوراً قرائياً جديداً من الطبقة الوسطى، ليس فقط في المدن بل في القرى والمهجر أيضاً. يشرح المؤلف كيف أن القراءة الجماعية في المنازل والمقاهي والكنائس وسعت نطاق تأثير هذه المطبوعات. ثم ينتقل الفصل إلى التركيز على "النشرة الأسبوعية" التي أصدرتها المطبعة الأميركية، ويبين أنها تطورت من مجرد مجلة تبشيرية إلى منصة نهضوية بفضل محرريها السوريين، مثل إبراهيم عيسى الحوراني (1844-1916). يقدم الحوراني كمثال رئيسي للشخصية النهضوية البروتستانتية، حيث كان عالماً في اللغة العربية ومحرراً وشاعراً، وقد مزج في كتاباته بين الإيمان الإنجيلي والأشكال الأدبية النهضوية، مثل شعره المنثور الذي سبق كتابات جبران والريحاني. يوضح الفصل أن الحوراني استخدم "النشرة" لمناقشة موضوعات متنوعة، من التفسير الكتابي إلى النظريات العلمية، وشارك في جدل داروين في بيروت، مما أظهر أن المطبعة الأميركية كانت موقعاً للاختلاف الفكري داخل المجتمع البروتستانتي نفسه.

في القسم التالي، ينتقل الفصل إلى الجدل الديني كشكل من أشكال الإنتاج الثقافي في النهضة. يقدم مثالين محددين: الأول هو رد يوسف عطية المبشر البروتستانتي على كراس للأرثوذكسي مشريق غرزوزي عام 1884. في هذا الرد، لم يدافع عطية عن المذهب البروتستانتي فحسب، بل سعى تقويض سلطة الكنيسة الأرثوذكسية وإظهار تفوق البروتستانت في الاعتماد على الكتاب المقدس وحده. المثال الثاني هو جدال ثلاثي بين صحف النشرة الأسبوعية (بروتستانتية)، والبشير (يسوعية كاثوليكية)، والهادية (أرثوذكسية) حول استخدام الأيقونات والتماثيل في العبادة. يصف الفصل كيف أن كل طرف استخدم الجدل لتأكيد هويته وجذب القراء، لكنه يكشف أيضاً عن مفارقة مهمة: فرغم العداء اللاهوتي، تعامل البروتستانت واليسوعيون مع بعضهم البعض باحترام كأنداد فكريين، متشاركين في قيم الحداثة والعلم والعقلانية، بينما نظروا بازدراء إلى خصمهم الأرثوذكسي ماسرة، معتبرين إياه جاهلاً ومتخلفاً.

يخلص الفصل إلى أن هذه الجدالات الدينية كانت جزءاً حيوياً من فضاء النهضة العام، حيث اختبرت الأفكار والهويات الدينية علناً. يعترف المؤلف بأن هذه الثقافة المطبوعة كانت أبوية، يهيمن عليها الرجال، وأنها شكلت نموذجاً للهوية البروتستانتية النهضوية يقوم على النص والعقيدة، وهو ما قد لا ينطبق بالضرورة على تجارب النساء، وهو موضوع سيتم تناوله في فصول لاحقة. يبقى الفصل أسئلة مفتوحة حول تأثير هذه المنشورات الدينية، مقدراً أن جزءاً كبيراً من الإنتاج المطبوع كان دينياً لكن تأثيره لا يزال غير معروف، خاصة فيما يتعلق بمساهمات النساء. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل هي الفكرة القائلة بأن المطبعة الأميركية كانت موقعاً نهضوياً بروتستانتياً بفضل السوريين، وهو ما يتحدى التفسيرات السابقة التي ركزت على الدور الأميركي المبشر فقط، كما أن العلاقة المتوترة والمعقدة بين البروتستانت والكاثوليك، والتي تتسم بالتنافس والاحترام في آن، تقدم رؤية أكثر دقة من الصورة النمطية للعداء التام.

3.صحوة نسوية؟ النساء الإنجيليات والنهضة العربية161–230▼ ملخص

يتمركز هذا الفصل حول مساهمة النساء البروتستانتيات السوريات في النهضة العربية خلال أواخر العهد العثماني، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن هؤلاء النساء كن رائدات حقيقيات في الصحافة والأدب والنشاط الاجتماعي، ولكن إسهاماتهن غالباً ما تم تجاهلها في الروايات التبشيرية والدراسات الأكاديمية التي ركزت على البعد العلماني للنهضة. تؤكد الكاتبة أن الدين لم يكن عائقاً أمام مشاركتهن، بل كان قوة دافعة ومكوناً أساسياً لهويتهن كنساء عصريات ومواطنات سوريات.

يسير الفصل بتسلسل منهجي، فيبدأ بتأطير الموضوع عبر رواية فريدة عطية "رواية بهجة المخدرات في فوائد علم البنات" (1893) كنموذج أدبي يجسد روح النهضة النسائية البروتستانتية، حيث تروي قصة تحول امرأة جاهلة إلى زوجة مثقفة ومتدينة بعد اعتناقها البروتستانتية، وتستخدم الكاتبة هذه الرواية كدليل على مزج القيم النهضوية (التعليم والتمدّن) بالإيمان الإنجيلي. ثم ينتقل الفصل ليرسم صورة أوسع للنهضة النسائية العربية (النهضة النسائية)، متتبعاً جذورها في الخطاب الإصلاحي لرجال مثل بطرس البستاني ورفاعة الطهطاوي، ومؤكداً أن النساء مثل عطية كن يكتبن قبل صدور كتاب قاسم أمين الشهير "تحرير المرأة" (1899) .

يخصص القسم التالي من الفصل لاستعراض سير ذاتية ومهنية لتسع كاتبات بروتستانتيات نشرن في المطبعة الأمريكية في بيروت، وهو ما يشكل جوهر الحجة. تشمل هذه السير أليس البستاني (ابنة بطرس البستاني) وفريدة عطية ومريم زكا وروجينا شكري وحنا كوراني، وغيرهم. توضح هذه السير كيف استخدمت هؤلاء النساء تعليمهن التبشيري ليصبحن كاتبات وصحفيات، وكيف ساهمن في تشكيل الهوية النهضوية البروتستانتية من خلال نشاطاتهن المتنوعة مثل التدريس والكتابة في الدوريات النهضوية مثل "المقتطف" و"لسان الحال"، وفي صحيفة الإرسالية "النشرة الأسبوعية".

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل الموضوعات الرئيسية في كتاباتهن، والتي تتمحور حول قضيتين رئيستين:

  1. تعليم النساء: حيث دافعت الكاتبات مثل فريدة عطية ومريم زكا عن ضرورة تعليم الفتيات ليس فقط من أجل الأسرة بل لرفع مستوى الأمة بأسرها. استخدمت زكا لغة عسكرية واستعارات دينية لتحفيز النساء على طلب العلم، بينما دعت جوليا طعمة وأليس البستاني النساء لأن يصبحن "شهادات حية" على أثر التعليم الحقيقي، ممزوجات خطابهن بتلميحات كتابية عن الشجرة وثمرها.
  2. التربية (أدب التربية): ركزت الكاتبات على دور الأم في تربية النشء الصالح، معتبرات إياه أساس تقدم الأمة. في مقالها الأول، شددت روجينا شكري على أن الأم هي التي توجه أطفالها إما إلى "الطريق المستقيم" أو "طريق الضلال"، معطية الفضل في نجاح العلماء والقادة لله ثم للأمهات.

يعترف الفصل ضمنياً بحدود معرفتنا الحالية؛ حيث يذكر أن بعض الكاتبات مثل عزيزة عبود وسلمى طنوس لا تزال سيرهن غير موثقة بشكل كافٍ، وأن جزءاً كبيراً من تراث حنا كوراني قد أُتلف بعد وفاتها بسبب الخوف من العدوى. كما يفتح الفصل تساؤلات حول مدى استقلالية هذه النساء عن الإطار التبشيري، وهل كان نشاطهن الأدبي مجرد امتداد لدورهن التقليدي أم تجاوزاً له بالفعل، وهل يمكن وصف صحوتهن بأنها "نسوية" بالمعنى الغربي أم أنها شكل خاص من النهضة المحافظة التي توفق بين الدين والحداثة. يخلص الملخص إلى أن هذه الكاتبات، بنشرهن في المطبعة الأمريكية، قد مهدن الطريق للجيل التالي من الكاتبات النهضويات من خلفيات دينية مختلفة، وأسسن لصحافة نسائية عربية مزجت بين الإيمان البروتستانتي والروح النهضوية الجديدة.

4.الوزراء والرجولة النهضوية: جدل كنيسة بيروت231–239▼ ملخص

يبدأ الفصل بتسليط الضوء على حدث محوري: ففي شباط 1902، قامت مجموعة من البروتستانت السوريين في بيروت بتوزيع كتيب باللغة الإنجليزية ينتقد الإرسالية الأمريكية بشدة، متحدثاً باسم "الكنيسة الإنجيلية المستقلة" التي انفصلت عن الكنيسة الإنجيلية في بيروت في تسعينيات القرن التاسع عشر. يقدم هذا الكتيب، الذي يمثل صوتاً معارضاً للإرسالية، صورة مغايرة تماماً للتقارير الرسمية، ويتهم المبشرين بأنهم السبب المباشر لمعاناة السوريين بدلاً من تقديم المساعدة لهم. من بين أعضاء هذه الكنيسة المستقلة شخصيات نهضوية بارزة مثل صاحب المطبعة خليل سركيس وزوجته لويزا البستاني، والكاتبة أليس البستاني، والمتحول من دمشق سليم كساب.

يضع المؤلف هذا الكتيب في سياق زيارة آرثر جودسون براون، سكرتير مجلس الإرسالية المشيخية، لسوريا في العام نفسه. نشر براون بعد عودته تقريراً مطولاً أشاد فيه بدور الإرسالية ووصف سوريا بأنها غارقة في "الوثنية" التي لا تُطاق، مستخدماً لغة الغزو الروحي التي تذكر بـ"الحملات الصليبية الحديثة" لكن بوسائل سلمية. لم يذكر تقرير براون الرسمي أي شيء عن كتيب 1902، والأهم من ذلك أنه أغفل تماماً إسهامات النساء النهضويات والآراء المتنوعة للرجال البروتستانت السوريين، مثل أولئك الذين أسسوا الكنيسة المستقلة.

يسعى الفصل إلى إلقاء الضوء على الطرق التي واجه بها الرجال السوريون البروتستانت سلطة الإرسالية ورجالها القياديين مثل هنري هاريس جيسوب وفرانكلين هوسكنز. يجادل المؤلف بأن الصراع لم يكن مجرد صراع ديني، بل كان تجلياً لتصادم حول مفهوم "الرجولة النهضوية". فبينما سعى المثقفون السوريون لبناء هوية ذكورية قائمة على المعرفة والمساواة مع المبشرين في اللغة العربية والعلم اللاهوتي، فرض عليهم المبشرون الأمريكيون موقعاً تابعاً. أثار قرارات مثل تشغيل الكنيسة والقيادة الرعوية أسئلة جوهرية: متى يتحقق المساواة الكاملة؟ ومن الذي يقرر ذلك؟

يبحث الكتاب في مصادر سورية متنوعة لاستكشاف هذه الديناميكيات: عرائض الاستقلال، الانتقادات المعادية للإرسالية، والبيانات التي قدمها السوريون لبراون أثناء جولته. يكشف التحليل أن آراء الرجال السوريين لم تكن موحدة. فبينما قاد البعض الانشقاق، عارضه آخرون مثل إبراهيم الحوراني (محرر جريدة "المقتطف") الذي كتب خطابات تكريمية لبراون تشيد بدور الإرسالية في النهضة العربية. يرى المؤلف أنه حتى أولئك الذين تعاونوا مع الإرسالية لم يكونوا مجرد تابعين سلبيين، بل كانوا ينتقون العناصر التي تناسبهم من البروتستانتية، ويظهرون مستويات من "السخرية والمقاومة والتهجين والانتقائية". ويشير إلى أن مقاومة السوريين كانت متوقعة، لأن "التابع يمكنه التحدث" حتى في سياقات الإمبريالية الغربية.

يوضح الفصل البنية الهرمية للإرسالية من منظور الجنس والعرق. ففي النظام البروتستانتي، كان مصطلح "مبشر" يعني ضمناً رجلاً أمريكياً مرسوماً، بينما كان السوريون والنساء الأمريكيات يُصنفون كـ"مساعدين وطنيين" أو "مساعدات مبشرات". اتخذ قرار نقل الإرسالية من هيئة التبشير الأمريكية إلى المجلس المشيخي في عام 1870 بالإجماع من قبل ثمانية رجال أمريكيين فقط، مستبعداً عشر نساء أمريكيات و63 موظفاً سورياً من التصويت. وعندما زار براون، شارك في مؤتمراته رجال الإرسالية فقط، والنساء الأمريكيات دعمن للاستماع بصمت، بينما لم يُسمح للسوريين حتى بهذا الدور السلبي. ومع ذلك، تمكنت النساء الأمريكيات من ممارسة سلطة كبيرة في مجالهن الخاص (كإدارة مدارس البنات)، واعترضن أحياناً على إهمال إسهاماتهن في التقارير الرسمية، على عكس النساء السوريات اللواتي بقين على هامش إدارة الإرسالية تماماً.

يعترف الفصل ضمنياً أن الرواية الرسمية للإرسالية، ممثلة بتقرير براون، هيمنت على السرد التاريخي، وأن الأصوات السورية المعارضة مثل كتيب 1902 تعتبر مفتاحاً لفهم العلاقة المعقدة والمتشابكة بين المبشرين والمجتمع الإنجيلي السوري خلال النهضة. هناك حجة قابلة للنقاش يطرحها الفصل وهي أن هؤلاء الرجال السوريين البروتستانت، رغم تحالفهم مع مؤسسة غربية، لم يفقدوا أصالتهم أو هويتهم. بل على العكس، استخدموا أدوات التحديث (الطباعة، اللغة الإنجليزية، شبكات المهاجرين) لمقاومة السيطرة الأمريكية والمطالبة بالمساواة، مقدمين نموذجاً للرجولة النهضوية التي لا تتطابق مع الصورة النمطية للتابع المندمج أو المنفصل.

5.نساء سوريات ذوات رسالة: التبشير بالإنجيل وبناء الكنيسة البروتستانتية240–275▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التوترات والصراعات التي نشبت بين المبشرين الأمريكيين والرجال السوريين البروتستانت حول السلطة والقيادة الكنسية في أواخر سوريا العثمانية، ويُظهر كيف أن هذه الديناميكيات الذكورية طغت على أي دور نسائي يُذكر. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الكنيسة البروتستانتية الناشئة في سوريا كانت ساحة لصراع على السلطة بين الرجال، وليس مكاناً للمساواة بين الجنسين، وأن النساء السوريات والأمريكيات ظهرن في الوثائق التاريخية ليس كفاعلات بل كأدوات استخدمها الرجال من كلا الجانبين لتعزيز مواقفهم.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بمناقشة سياسات الإرسالية التبشيرية وخطاب الرجولة السورية، موضحاً كيف أن نظرية "الثلاثية الذاتية" (الاستقلال المالي والإداري والتبشيري) لـ روفوس أندرسون كانت نظريةً نبيلةً على الورق، لكن تطبيقها في الميدان كان مليئاً بالتناقضات. ويليام دبليو إدي، أحد المبشرين، عبّر عن هذه الوصاية الأبوية بقوله إن على المبشرين أولاً "تربية خدمة محلية"، ثم "تسليم الكنيسة لقس سوري". لكن الواقع كان يختلف، حيث بقي القساوسة السوريون خاضعين للمبشرين الأمريكيين عملياً، وهو ما يظهر بوضوح في الفجوة الهائلة في الرواتب وأسلوب الحياة، كما يروي إبراهيم الريحاني في مذكراته عن شعوره بعدم الاحترام عندما عرض عليه السيد بوند راتباً زهيداً ليعيل به أسرته بينما كان المبشر يعيش في قصر مع خادم وعربة وخيل.

يُظهر الفصل أن الصراع بلغ ذروته في ما عُرف بـ "جدل كنيسة بيروت" الذي أدى إلى انشقاق عام 1892. المبشرون رفضوا ترسيم بطرس البستاني كأول قس للكنيسة الإنجيلية في بيروت عام 1848، رغم أن المصلين طلبوا ذلك. هذا الإحباط تراكم حتى قاد خليل خطار سركيس و نعمي طابع و عبد الله صائغ إلى التمرد ضد القس يوسف بدر، ثم طالبوا بترسيم أسعد زرب ليكون قساً لطائفتهم المنشقة التي عُرفت بـ "الكنيسة الإنجيلية المستقلة" عام 1894. في كل هذه الأحداث، كان المبشرون، وعلى رأسهم هنري هاريس جيساب، يمسكون بزمام القرار النهائي رغم استخدامهم لغة "الأبوة" و"الرعاية".

يُخصص الفصل جزءاً كبيراً لمناقشة "المنشور سيء الصيت" الصادر عام 1902، وهو كتيب باللغة الإنجليزية كتبه أسعد زرب بعنوان "سوريا والعمل التبشيري". هذا الكتيب مثّل اتهاماً صريحاً للمبشرين الجدد من مجلس الإرسالية المشيخية بأنهم دمّروا العمل الذي أسسه المبشرون الأوائل من جمعية الإرسالية الأمريكية. اتهمهم الكتيب بفرض نظام الكنيسة المشيخية بالقوة، وباستغلال السوريين مادياً، وبالعيش في قصور، وبالفساد الأخلاقي (مثل علاقات غير لائقة مع نساء سوريات ومبشرات أمريكيات). استخدم الكُتّاب أجساد النساء كورقة ضغط في نزاعهم الذكوري، متهمين المبشرين بممارسات جنسية غير لائقة، لكن دون إعطاء هذه النساء أي صوت حقيقي. ردّ المبشرون بحملة شرسة لدفع أعضاء الكنيسة المستقلة إلى إدانة الكتيب، مما أدى إلى عزل زرب وإجباره على توقيع تراجع خطي عن اتهاماته عام 1910، لينتهي به المطاف مديراً لمتجر في أمريكا.

يُظهر الفصل أيضاً جانباً آخر من ردود الفعل السورية، من خلال الوثائق التي كُتبت تكريماً لـ آرثر جودسون براون، سكرتير مجلس الإرسالية، الذي زار سوريا في نفس عام صدور الكتيب. في هذه الرسائل والقصائد، التي كتبها رجال سوريون يعملون مع الإرسالية، لم يظهر أي أثر للعداء. بل على العكس، عبّر هؤلاء، مثل شاكر داغر و محمد عبد الكريم و إبراهيم الحوراني و فؤاد خير الله و مراد حداد، عن امتنان عميق للإرسالية التبشيرية واصفين إياها بـ "الأم الحنون" والمبادرين بـ "الإصلاح" و "النهضة". هذا التناقض الحاد بين خطاب المديح الذي تلقاه براون وهجوم زرب العنيف يوضح أن المجتمع البروتستانتي السوري لم يكن كتلة واحدة، بل كان يتكون من فئات مختلفة لكل منها علاقتها الخاصة والمتغيرة مع المبشرين.

في خاتمة الفصل، يُقرّ المؤلف بأن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد قصة ذات وجهين. ردود فعل السوريين تنوعت بين الانسحاب (مثل سليم كسّاب) والوساطة (مثل خليل سركيس) والتحدي (مثل أنطون قنواتي) والتمرد (مثل زرب). كما يُشير الفصل إلى أن وحدة الكنيسة التي تحققت عام 1906 تمت بشروط السوريين أنفسهم، حيث حصلوا على استقلالية تامة عن المجلس المشيخي. بهذا، يُظهر الكاتب أن الرجال السوريين البروتستانت، رغم خضوعهم لسلطة المبشرين، تمكنوا في النهاية من تشكيل مؤسساتهم الكنسية وفقاً لرؤيتهم الخاصة، بينما بقيت النساء، على الرغم من دورهن في بناء الكنيسة، مهمشات في الخطاب التاريخي الذي سجله الرجال.

7.خاتمة276–356▼ ملخص

يختتم هذا الفصل من كتاب دينا فيري ووماك بالعودة إلى السؤال المحوري حول الفاعلية الذاتية للبروتستانت السوريين في مواجهة الهيمنة المبشرة الأمريكية، مجيباً عليه بشكل قاطع: لم يكن البروتستانت السوريون مجرد تابعين سلبيين أو ضحايا "لاستعمار للعقل"، بل مارسوا فاعليتهم بطرق اضطر المبشرون أنفسهم للاعتراف بها. يقدم الفصل أدلة دامغة على ذلك من خلال تتبع سجال طويل ومعقد حول تنظيم الكنيسة وسيامة القساوسة، امتد من منتصف القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر هذه المقاومة، محدداً أطرافها الرئيسية. يبدأ بتأسيس "الكنيسة الإنجيلية الوطنية المستقلة" في بيروت عام 1894، كنتيجة مباشرة لخلافات حول الحكم الكنسي. يقود هذه الحركة شخصيات بارزة مثل نخلة ثابت، خليل سركيس، وعبد الله سعيّغ، الذين راسلوا هنري هاريس جيسوب في يوليو 1892 معترضين على إجبار المبشرين للنظام المشيخي. بعد فشل الوساطة، انفصلت هذه المجموعة وطلبت سيامة أسعد زروب كقَسّ لكنيستهم المستقلة، وهو ما تم في مارس 1894، ولكن تحت مسمى "مبشر" (evangelist) وليس "قساً"، مما أبقاه في مرتبة أدنى في نظر البعثة. يوثق الفصل كيف أن هذا الانشقاق لم يدم طويلاً؛ فبعد وباء التيفوئيد في 1896 الذي أودى بحياة العديد من الأعضاء، عادت الكنيسة المستقلة للاندماج مع الكنيسة الأولى في نوفمبر 1906، ولكن بشرط الحفاظ على هويتها الكنغريغاسيونية (غير المشيخية) إلى حد كبير.

يأخذ الفصل بعداً درامياً مع منشور أسعد زروب المثير للجدل عام 1902، وهو كتيب هاجم فيه مبشرين معينين واتهمهم بالاستبداد والترف وازدراء السوريين. يوضح الفصل أن زروب لم يكتفِ بالنقد، بل استخدم لغة البعثة نفسها (لغة "الحملة الصليبية الروحية") لمطالبتها بالمساواة. يتابع الفصل ردود فعل البعثة، من إرسال المفتش آرثر جودسون براون من نيويورك الذي زار المنطقة بين أبريل ومايو 1902، إلى الضغط على زروب للتراجع عن منشوره، مما اضطره في النهاية لإصدار تراجع واعتذار في مارس 1910 قبل هجرته إلى الولايات المتحدة. يُظهر الفصل أيضاً تنوع ردود فعل السوريين أنفسهم، حيث أدان سليم كساب المنشور بينما دافع عنه آخرون مثل أنطون قنواتي.

للإجابة على سؤال "كيف سار الفصل"، يمكن القول إنه بنى حجته على ثلاث طبقات من الأدلة: أولاً، سرد مفصل للخلافات الكنسية (مثل قضية سيامة يوحنا ورتبات في خمسينيات القرن التاسع عشر، والسياسات التمييزية في الرواتب). ثانياً، تحليل لمنشور زروب كـ "نص مضاد" يعيد صياغة خطاب المبشرين. ثالثاً، وثائق الترحيب التي قدمها سوريون آخرون لبراون، والتي كشفت عن استراتيجية مزدوجة: مدح البعثة علناً مع انتقادها في وثائق داخلية مثل المنشور. على سبيل المثال، استخدم مفيد عبد الكريم لغة "النظام، التقدم، الحرية" التي تبناها المبشرون ليطلب منهم احترام استقلالية الكنيسة الوطنية.

يقر الفصل بحدود هذه الفاعلية الذاتية، مشيراً إلى أنها كانت منحصرة في النخبة المثقفة من الذكور، مما يترك السؤال مفتوحاً حول النساء السوريات اللواتي تحدين هذه الحدود خارج الهياكل الكنسية، وهو موضوع الفصل التالي. كما يعترف بأن عدم التوازن في السلطة لم يُحل بالكامل أبداً، لكنه يثبت أن الرجال البروتستانت السوريين نجحوا في زعزعة السيطرة المبشرة من خلال المفاوضات والمطالبة بالمساواة، مؤكدين بذلك فاعليتهم الذكورية (masculine agency) في مواجهة نظام أبوي وإثنومركزي. يمكن القول إن هذه الحجة، رغم قوتها، قد تكون قابلة للنقاش لو اعتبر المرء أن العودة النهائية إلى الكنيسة الأم وتراجع زروب يمثلان هزيمة للاستقلالية، لكن الفصل يصر على أن عملية التفاوض نفسها هي دليل على الفاعلية لا على الانكسار.

8.ملحق و: منشورات النساء السوريات في مطبعة البعثة الأمريكية، بيروت380–424▼ ملخص

يُشكّل هذا الملحق قائمة ببليوغرافية متخصِّصة تُوثّق منشورات النساء السوريات التي طُبعت في مطبعة البعثة الأمريكية في بيروت خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. لا يقدّم الفصل حجّة أو تحليلاً، بل هو بمثابة سجلّ توثيقي يهدف إلى إظهار حجم وطبيعة المساهمة النسائية في الإنتاج الفكري والديني والصحافي الصادر عن هذه المطبعة البروتستانتية البارزة.

يبدأ الملحق بقائمة مطوّلة من المقالات والترجمات والكتب التي نشرتها نساء سوريات في دورية "النشرة الأسبوعية" الصادرة عن المطبعة. تتراوح التواريخ بين 1883 و1915، وتشمل أسماء كاتبات مثل عزيزة عبود، فريدة عطية، لبيبة داغر، هيلانا حاجي، أمينة شوريد (المقدسي)، هانا كوراني، ماريانا ماريّا، روزينا شكري، مريم زكا، وغيرهن. تغطّي المقالات موضوعات متنوعة: تأثير الموسيقى، القدوة الحسنة، الحذر والانتباه، احتفالات التخرّج من المدارس، ترجمات لخطب ألقاها مبشّرون أمريكيون عن نساء أمريكا، تقارير عن احتفالات الجمعيات النسائية الإنجيلية ومدارس الإرسالية في مدن مثل صيدا، طرابلس، بهمدون، واللاذقية، بالإضافة إلى مواضيع تربوية وأخلاقية مثل التربية الحسنة والمدارس.

كما يتضمّن الملحق عناوين لكتب وروايات نشرتها بعض النساء، مثل رواية "بهجة المخدرات في فوائد علم البنات" للكاتبة فريدة عطية (صدرت عام 1893 وأعيد طبعها عام 1909)، وكتاب "الأخلاق والعوائد" لـ هانا كوراني (عام 1891)، بالإضافة إلى ترجمات قامت بها كوراني لأعمال أدبية مثل "الحطاب وكَلْبُهُ بارود" و**"فارس وأحصَنَتُهُ"** و**"قصة زقاق المِقْلَس"** (بين عامَي 1891 و1892). ويشير أيضاً إلى كتاب "الحقائق التاريخية والدقائق الصحية" لـ هيلانا صرودي.

يكشف هذا السجل عن حضور نسائي نشط وفاعل في الفضاء العام للمطبعة، ليس فقط كقارئات أو موضوعات للكتابة، بل ككاتبات ومترجمات وناشرات. وتبرز أسماء مثل مريم زكا التي ظهرت لها عدة مساهمات في النشرة، وفريدة عطية التي لم تكتفِ بالترجمة بل ألفت رواية تعليمية. تُظهر هذه القائمة أن النساء السوريات البروتستانتيات كنّ جزءاً لا يتجزأ من حركة النهضة العربية والطباعة، وساهمن في تشكيل الخطاب حول التربية والأخلاق والدور النسائي في المجتمع عبر وسيلة النشر المؤثرة.

بعد قائمة المنشورات النسائية، يتحوّل الملحق إلى قائمة ببليوغرافية واسعة للمصادر الأولية والثانوية التي اعتمد عليها الكتاب. تشمل هذه القائمة أرشيفات من مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت، المكتبة اللاهوتية في جامعة هارفارد، المكتبة البريطانية، الجمعية التاريخية المشيخية في فيلادلفيا، وغيرها. كما تشمل دوريات عربية مثل النشرة الأسبوعية، البشير، الضياء، المرأة الجديدة، المقتطف، ومصادر إنكليزية مثل تقارير الإرساليات التبشيرية السنوية. تُظهر هذه القائمة أن عمل الباحثة اعتمد على مصادر متعددة اللغات ومن أرشيفات متنوعة، وأن دراستها تقع في تقاطع تاريخ الإرساليات، تاريخ النشر، الدراسات الجندرية، وتاريخ الفكر العربي الحديث. لا يحتوي الملحق على تحفظات أو أسئلة مفتوحة، فهو أداة توثيقية في المقام الأول تهدف إلى تجسيد الحضور النسائي في مشروع مطبعة البعثة الأمريكية.