المورد
Qusayr Amra

Qusayr Amra

Garth Fowden١ كانون الثاني ٢٠٠٤enUniversity of California Press

يقدم كتاب "قصر عمرة" للمؤرخ غارث فاودن دراسة شاملة لأحد أبرز المعالم الأثرية الأموية في الصحراء الأردنية، وهو عبارة عن حمام صغير مغطى بلوحات جدارية مذهلة. الموضوع المحوري للكتاب ليس مجرد وصف الموقع، بل محاولة لفهمه كوثيقة ثقافية وسياسية واجتماعية تعكس عالماً معقداً يقع عند مفترق طرق التقاليد اليونانية الرومانية والساسانية والعربية الإسلامية. يدافع فاودن عن موقف مفاده أن قصر عمرة ليس مجرد بقعة أثرية معزولة، بل هو نافذة فريدة على عملية تشكل الهوية الأموية في مرحلة انتقالية حاسمة، حيث كان الأمويون يبنون سلطتهم هوياً ورمزياً من خلال استيعاب وتوليف إرث الحضارات السابقة.

يسير الكتاب عبر فصوله بتسلسل منهجي ينتقل من اكتشاف الموقع إلى تحليل تفصيلي لعناصره، ثم إلى وضعه في سياقه التاريخي الأوسع. يبدأ المؤلف بقصة اكتشاف قصر عمرة المثيرة على يد الرحالة ألويس موزل في صباح 8 يونيو 1898، والذي كان متنكراً في زي بدوي وأمضى فيه 40 دقيقة فقط قبل أن يفر مع قبيلة بني صخر بقيادة الشيخ طلال بن الفايز. يعرض فاودن كيف أن شخصية موزل الانفرادية وأولوياته البحثية الخاصة أدت إلى سوء فهم أكاديمي طويل حول تأريخ الموقع وتفسير رسوماته، لدرجة أن زملاءه في فيينا اتهموه بأنه "محتال" وأطلقوا على قصره اسم "قلعته الخيالية". يصف الكتاب المشقة الكبيرة في التوثيق، بما في ذلك قطع أجزاء من اللوحات الجدارية الأصلية ونقلها إلى أوروبا، وهو إجراء يعتبره المؤلف "همجياً" لكنه كان ضرورياً لتقديم أدلة مادية للعلماء المشككين. ويخلص فاودن إلى أن الخلافات حول تأريخ الموقع وتفسيره استمرت لعقود، ولم تبدأ التنقيحات الجادة إلا في عام 1954 مع أوليغ غرابار.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى وصف دقيق للمبنى ووظائفه، فيشرح أن قصر عمرة يبعد 27 كيلومتراً غرباً عن طريق وادي السرحان الرئيسي، لكنه قريب من طريق فرعي كانت تستخدمه الخدمة البريدية الأموية. المبنى بسيط من الخارج، تبلغ أبعاده 14 متراً في 10.5 أمتار، لكنه من الداخل كان مغطى بلوحات جدارية زاهية تغطي الجدران والسقوف. يصف الكتاب القاعة المستطيلة ذات الأقبية الأسطوانية الثلاثة، والتي كانت تؤدي وظائف متعددة: مدخلاً، وحجرة باردة للاسترخاء بعد الحمام الساخن، وقاعة استقبال اجتماعية. الحمّام نفسه يتكون من ثلاث حجرات صغيرة: غرفة تغيير الملابس، والحجرة الفاترة، والحجرة الساخنة التي تسخن من تحت الأرض بنظام الهيبوكوست. ويشير المؤلف إلى أن القبة فوق الحجرة الساخنة مزينة برسوم فلكية للأبراج، مما يجعل المبنى "يتوهج مثل قبة السماء". من الأدلة المهمة التي يسوقها فاودن لبيان أن القصر لم يستخدم لفترة طويلة: غياب التوسعات المعمارية، وعدم وجود ترسبات كلسية على جدران البئر، وعدم إصلاح اللوحات الجدارية أبداً.

ثم يتعمق الكتاب في تحليل اللوحات الجدارية نفسها، مبتدئاً بمشاهد النساء العاريات والمغنيات والراقصات، ويرى فيها تعبيراً متعمداً عن ثقافة البلاط الفاخرة التي كانت تتحدى المعايير الأخلاقية الإسلامية المبكرة. يوضح المؤلف أن وجود العراة في القصر يشكل خرقاً للتعاليم الإسلامية عن الستر، ويجد أصولها الفنية في التقاليد اليونانية الرومانية (مثل تمثيلات أفروديت) وفي الأواني الفضية الساسانية التي كانت تنقل راقصات شبه عاريات. يربط فاودن هذه اللوحات بالشعر العربي الجاهلي، خاصة قصة امرئ القيس عندما سرق ثياب ابنة عمها وهي تستحم، ويرى أن اللوحات تدعو المشاهد إلى "انتهاك بصري" مماثل. المغنيات والراقصات في القصر يعكسن ثقافة البلاط حيث كانت الجواري يؤدين هذه الأدوار كدليل على الثراء والمكانة، وكانت الموسيقى والرقص جزءاً لا يتجزأ من حياة النخبة الحاكمة.

في تحليله للوحة الأمير المتوج في محراب قاعة الاستقبال، وهي جوهر البرنامج الفني للمبنى، يرى فاودن بياناً متقناً للسلطة السياسية والدينية. يستعير التصوير من تقاليد متعددة: العرش ذو الظهر المرتفع والقوس المستند على عمودين حلزونيين يعودان للتقاليد الرومانية والساسانية، بينما الخادمان الواقفان بجانب الأمير يرتديان ملابس تشبه ملابس الموسيقيين في قصر الحير الغربي. المشهد المائي تحت أقدام الأمير قد يمثل أنهار الخلافة العظيمة (دجلة والفرات والنيل)، مؤكداً فكرة الحاكم العالمي. لكن أكثر ما يميز تحليل فاودن هو ربطه للوحة الأمير بأيقونوغرافيا المسيحية لآدم، وتحديداً فسيفساء آدم المتوج في كنيسة حويرين بسوريا، حيث آدم هو الخليفة الأول لله في الأرض. يخلص المؤلف إلى أن هذا الاختيار مقصود لتأكيد شرعية الحكم الأموي كخلافة إلهية.

بالنسبة لهوية صاحب القصر، يرجح فاودن بشكل كبير أن يكون الأمير الأموي الوليد بن يزيد، فيضع تاريخ البناء بين عامي 715 و750 ميلادية، ويستبعد احتمالات أخرى مثل الخليفة عمر بن عبد العزيز لزهده، أو يزيد الثاني الذي أصدر مرسوماً بتحطيم الأيقونات. الأدلة الثلاثة الرئيسية التي يسوقها هي: ارتباط الوليد بن يزيد العميق بمنطقة البلقاء، وأسلوب حياته الصاخب المولع بالصيد والنساء والخمر والموسيقى (وهي مشاهد مرسومة على الجدران)، وكونه أميراً ولياً للعهد لمدة تسعة عشر عاماً مما أتاح له الوقت والمال للبناء. لكن المؤلف يعترف بأن الأدلة لا تصل إلى اليقين المطلق، وأن بعض المنشآت المشابهة قد تكون بنيت بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك.

تتوالى بعد ذلك تحليلات لوحات أخرى لا تقل أهمية، مثل لوحة العائلة الحاكمة التي يفسرها فاودن كإعلان سياسي لتعزيز شرعية خلافة الوليد الثاني وابنه الحكم، خاصة في مواجهة معارضة شديدة لأن أم الحكم كانت جارية غير عربية. اللوحة، التي تظهر امرأة في المركز تفوق مكانة الرجل الواقف، تهدف إلى رفع مكانة الأم وزواجها. أما لوحة "الملوك الستة" فتُظهر ستة ملوك واقفين في صفين بأيدٍ ممدودة، ورموزهم تشير إلى خضوعهم للخلافة الأموية. يحدد فاودن أربعة منهم بدرجة معقولة: قيصر، ولذريق آخر ملوك القوط الغربيين في إسبانيا، وكسرى ملك الفرس، والنجاشي حاكم أكسوم. يرى المؤلف أن اللوحة لا تهدف للاحتفال بالنصر بقدر ما تهدف إلى إظهار فكرة "التجمع السلمي" و"الخضوع الطوعي" لهيمنة الخليفة بصفته "ملك الملوك".

في تحليله للوحة الأميرة الساسانية الأسيرة، والتي تظهر امرأة شبه عارية في حوض استحمام، يقدم فاودن استنتاجاً مثيراً بأنها تصور شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، حفيدة آخر ملوك الساسانيين يزدجرد الثالث، التي أُسرت في حملة قتيبة بن مسلم وأُرسلت للخليفة الوليد الأول فولدت له ابنه يزيد بن الوليد. يرى فاودن أن باني القصر الوليد بن يزيد اختار هذه اللوحة لأغراض سياسية، لإذلال يزيد بن الوليد بتذكيره بأصله من أم أسيرة، لكنه أيضاً يعكس فكرة التصالح مع الماضي الساساني والروماني.

في الفصل الأخير، يضع فاودن قصر عمرة في سياقه الأوسع، محولاً التركيز من تفسير اللوحات إلى استخدام المبنى كأداة لفهم المجتمع الأموي. يخلص إلى أن الإبداع الأموي لم يكن استيراداً سلبياً للفنون، بل كان عملية اختيار واعية وتوليف نشيط، حولت العناصر المستعارة إلى تعبير عن الذات العربية الأموية. التأثير اليوناني الروماني واضح في الشخصيات المجسدة وإيروس، بينما التأثير الإيراني يظهر في راقصات القصر ومشاهد الصيد. أما الإسهام العربي، بحسب فاودن، فيكمن في "الانتقاء والجمع" بين هذه العناصر، وفي تفضيل موضوعات الصيد والشعر على الموضوعات الزراعية. يقارن المؤلف بين تجميع لوحات القصر وتجميع القصيدة العربية الجاهلية، ويرى أن "الأسلوب المجزأ" كان سمة مشتركة في فن البحر المتوسط المتأخر، ونال قبولاً عميقاً عند العرب.

يقر فاودن بعدة حدود وتحفظات: صعوبة تحديد أصول الصناع (هل هم إيرانيون أم مصريون أم محليون؟)، وعدم قدرتنا غالباً على تتبع الدراما الإنسانية الفردية وراء الأعمال الفنية. يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان الأمويون جلبوا عمالاً إيرانيين لتنفيذ الزخارف الجصية الضخمة، لكنه يرى أن الحسم النهائي يحتاج لوثائق غير متوفرة حالياً. كما يعترف بأن الفن الأموي قد يبدو أحياناً "غير مهضوم" وعشوائياً، لكنه يرى فيه كيمياء خاصة وميلاً نحو التوليف.

في الختام، يمكن القول إن غارث فاودن يقدم في كتابه "قصر عمرة" أكثر من مجرد دراسة أثرية؛ إنه يقدم تأريخاً ثقافياً لعملية التمثيل الذاتي الأموي. الحجة المركزية التي يدافع عنها، وهي أن الأمويين بنوا هويتهم الفنية من خلال توليف انتقائي وواعٍ للتقاليد السابقة، قد تبدو قابلة للنقاش في بعض جوانبها، خاصة فيما يتعلق بمدى وعي الفنانين والرعاة الأمويين بهذه العملية. بعض الباحثين قد يرون أن التنوع الفني في قصر عمرة نابع من الارتجال وغياب التقاليد الفنية العربية أكثر منه من برنامج متقن للانتقاء. لكن فاودن يقدم أدلة قوية ومتسقة، مدعومة بتحليل دقيق للنقوش واللوحات، تمنح تفسيره ثقلاً كبيراً. في النهاية، ينجح الكتاب في جعل قصر عمرة ينبض بالحياة، نافذة على عالم لم يعد موجوداً، حيث كان الأمويون يعيشون في قصورهم الفاخرة مستمتعين بالصيد والنساء والخمر والموسيقى، بينما يبنون في الوقت نفسه أسس هوية ثقافية جديدة كانت ستحكم العالم الإسلامي لقرون.

الأشخاص

الفصول(10)

1.قلعة موسيل الخيالية31–60▼ ملخص

يصف هذا الفصل من كتاب "قصر عمرة" لـغارث فاودن قصة اكتشاف هذا الموقع الفريد من نوعه، وحياة مكتشفه، والجدل الأكاديمي الذي أحاط به. الموضوع المحوري هو تفاصيل اكتشاف "قصر عمرة" على يد الرحالة والمستشرق ألويس موزل، وكيف أن شخصيته المستقلة والظروف الصعبة التي عمل فيها أثرت بعمق في الطريقة التي فُهم بها هذا الموقع لاحقًا. يقدم المؤلف إجابة ضمنية مفادها أن قصة اكتشاف "قصر عمرة" لا تقل أهمية عن الموقع نفسه، وأن سوء الفهم الأولي حول تأريخه وتفسير رسوماته يرجع إلى حد كبير إلى شخصية موزل الانفرادية وأولوياته البحثية الخاصة.

يبدأ الفصل بسرد درامي ومباشر للأحداث التي وقعت في صباح 8 يونيو 1898، عندما انضم ألويس موزل، المتنكر في زي بدوي، إلى غارة لـقبيلة بني صخر بقيادة الشيخ طلال بن الفايز. أثناء توقف القبيلة، انفصل موزل ورجل آخر لتفقد مبنى غريب في وادي البطم، على بعد حوالي 65 كيلومترًا شرق جنوب شرق عمان. كان هذا المبنى هو قصر عمرة، وهو حمام صغير محفوظ بشكل مثالي ومغطى بلوحات جدارية من الداخل. لم يستطع موزل البقاء هناك سوى 40 دقيقة فقط قبل أن يُضطر للفرار مع القبيلة، وخلال هذه الفترة القصيرة التقط بعض الصور الفوتوغرافية وأدرك أهمية ما وجد.

ثم ينتقل الفصل ليقدم سيرة ذاتية لموزل، وهو كاهن كاثوليكي من مورافيا، درس اللاهوت والاستشراق. كان شغفه الحقيقي هو التعمق في حياة البدو وأساليب عيشهم، التي اعتقد أنها تحافظ على التقاليد التوراتية القديمة. في رحلته الأولى عام 1898، تنكر موزل في زي بدوي "بحذاء أحمر كبير" وجرّب المخاطر الحقيقية للسفر في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة العثمانية. عانى من السجن وسوء الفهم، لكنه تمكن من تنظيم رحلته مع بني صخر. بعد عودته إلى أوروبا، أعلن عن اكتشافه في يناير 1899 أمام الأكاديمية الإمبراطورية للعلوم في فيينا، مما أثار دهشة وشكوكًا كبيرة، إذ لم يكن هناك أي مبنى مكتمل بلوحاته من العصور القديمة معروفًا في ذلك الوقت، لدرجة أن زملاءه شكوا في كونه "محتالاً"، وأطلقوا على قصره اسم "قلعته الخيالية".

يعود موزل إلى قصر عمرة ثلاث مرات أخرى بين عامي 1900 و1909. يصف الفصل الصعوبات الجمة التي واجهها: خوف رفاقه البدو من الأشباح والجن الذين يسكنون المكان، الهجمات من القبائل المعادية، الحرارة الشديدة التي وصلت إلى 57 درجة مئوية، قلة المياه، ورائحة الجثث. خلال زيارته الثالثة عام 1901، رافقه الفنان ألفونس ليوبولد ميليش لنسخ اللوحات. تعرض الفريق لهجوم، وفقدوا جمالهم تقريبًا، لكنهم أصروا على البقاء لإنجاز المهمة. في هذه الرحلة، قام موزل وميليش بقطع أجزاء من اللوحات الجدارية الأصلية ونقلها إلى أوروبا، وهو إجراء يعتبره المؤلف الآن "همجياً" ولكن كان الهدف منه تقديم أدلة مادية للعلماء المشككين. في النهاية، دُمّر أحد هذه الأجزاء على يد رعاة البدو الذين ظنوا أن القماش المشمع الذي غطي به اللوحة هو شيء غريب.

يُخصص القسم الأكبر من الفصل لمناقشة مشاكل نشر الموقع. أولاً، مشكلة النسخ: لوحات ميليش الملونة، على الرغم من كونها أفضل سجل متاح، اعتُبرت غير دقيقة وأضعف من الأصلية، ولم ينشر موزل سوى صور فوتوغرافية قليلة ورديئة الجودة. ثانيًا، مشكلة التأريخ: يعترف المؤلف بفشل منشورات فيينا في تقديم تاريخ واحد مقنع. اقترح بعض الخبراء، مثل ألويس ريجل، أن اللوحات تعود للقرن الرابع أو الخامس الميلادي، بينما رأى آخرون أنها تعود لفترة بيزنطية متأخرة. في المقابل، قدم الباحث جوزيف كاراباتشيك تأريخاً في منتصف القرن التاسع، وزعم أن الفنانين كانوا يونانيين أميين يكتبون العربية بشكل خاطئ. أما موزل نفسه، فقد كان مقتنعاً، بعد جهد، أن الباني هو الأمير الأموي الوليد بن يزيد (الخليفة لفترة وجيزة 743-744م)، وهو الرأي الذي يُجمع عليه العلماء اليوم.

أخيراً، يناقش الفصل ضعف التفسير الفني للوحات، الذي تولاه فرانز ويكهوف في اللحظة الأخيرة بعد وفاة ريجل، وكان عمله مخيباً للآمال. يخلص المؤلف إلى أن اكتشاف قصر عمرة لم يحظ بالاهتمام المستحق في العقود التالية، ليس فقط بسبب الحربين العالميتين، بل بسبب العيوب المتأصلة في المنشور الأصلي من حيث جودة النسخ وتأريخها الخاطئ وتفسيرها السطحي. هذا الخلاف حول التأريخ، على سبيل المثال، أثر على نقاشات مماثلة حول قصور أموية أخرى مثل المشتى. ويذكر أن أول تنقيحات جدية لتفسير اللوحات لم تأتِ إلا في عام 1954 مع أوليغ غرابار، وبعد تنظيفها من قبل فريق إسباني بين 1971 و1974.

في النهاية، يقرّ الفصل صراحةً بأن شخصية موزل المستقلة والعنيدة، ورفضه اصطحاب خبراء فنيين معه، وإصراره على التركيز على الجوانب الطوبوغرافية والإثنوغرافية على حساب التوثيق الفني، كانت جميعها عوامل أسهمت في هذا الغموض الأكاديمي الممتد. يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان التفسير الفني للوحات كان سيتطور بشكل مختلف لو كان موزل أكثر انفتاحاً على التعاون مع مؤرخي الفن.

2.رفاهية الحمّام61–86▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بوصف موقع قصر عمرة في منطقة البلقاء التي تمتد شرق نهر الأردن. يشرح المؤلف أن المنطقة كانت تعرف بتضاريسها المتنوعة ومياهها التي تصب في وادي السرحان شرقاً، ويذكر أن القصر يبعد حوالي 27 كيلومتراً غرباً عن طريق وادي السرحان الرئيسي ولكنه قريب من طريق فرعي يربط عمان بذلك الطريق، وقد ذكر الجغرافي المقدسي من القرن العاشر أن هذا الطريق استخدمته الخدمة البريدية الأموية. ويشير إلى وجود عدة مواقع أموية أخرى على امتداد هذا الطريق منها قصر العوينيد الذي ذكره المقدسي كمحطة تبعد يومين عن عمان، وقصر عمرة نفسه، وقصر خرانة، وقصر المشاش، والمُوقّر، مما يدل على أن قصر عمرة لم يكن معزولاً بل جزءاً من نمط أوسع للاستيطان الأموي في البلقاء.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف معماري تفصيلي لمبنى قصر عمرة نفسه. يصف المبنى من الخارج بأنه بسيط وغير ضخم، مبني من حجارة غير منتظمة وقليل من الجبس، وهو ما يمثل استمرارية مع العمارة الرومانية. أما من الداخل، فتتكون القاعة المستطيلة من ثلاثة أقبية أسطوانية طولية ونوافذ صغيرة عالية، وتتصل بها ثلاث حجرات صغيرة مقببة في الجدار الجنوبي. المبنى بأكمله تبلغ أبعاده الخارجية 14 متراً في 10.5 أمتار. على الجانب الشرقي من القاعة توجد ثلاث حجرات صغيرة تشكل الحمّام نفسه، حيث تحتوي الحجرة الثالثة على قبة مضاءة بأربع نوافذ مقوسة، ويوجد خلفها المرجل وخزان الماء. المدخل الرئيسي هو بوابة بازلتية تؤدي إلى القاعة التي تقسمها أقواس عريضة مدببة قليلاً إلى ثلاثة أروقة، مما يخلق تأثيراً بالفساء مع أن التقسيم الثلاثي يقتصر على السقف فقط.

يوضح الفصل أن القاعة كانت تؤدي وظائف متعددة: فقد كانت مدخلاً وحجرة باردة (فريجيداريوم) حيث كان الناس يبردون بعد الحمّام الساخن باستخدام حوض ضحل من الرخام. توجد أحواض مماثلة في حمامات أموية أخرى في سوريا مثل سرجلة وقصر الحير الغربي وقصر الحير الشرقي وحمّام الصرح. جميع جدران وسقوف القاعة والحجرات الداخلية كانت مغطاة بلوحات جدارية زاهية، مع وجود لوحة بارزة لأمير متوج على الجدار الخلفي للحنية المقببة مقابل المدخل. هذه اللوحة تشير إلى المكان الذي كان يجلس فيه صاحب القصر لاستقبال ضيوفه المميزين. أما الحجرتان الجانبيتان الصغيرتان فكانتا توفران الخصوصية الكاملة وكان من الممكن استخدامهما لتغيير الملابس أو النوم أو حتى للمتعة الشخصية.

ينتقل الفصل إلى وصف أجزاء الحمّام المخصصة للاستحمام بحتاً، والتي تبدأ من غرفة مقببة كانت على الأرجح غرفة تغيير الملابس (أبوديتيريوم)، ثم غرفة مقببة متقاطعة هي الحجرة الفاترة (تيبيداريوم) والتي تحتوي على حوض استحمام كامل في جدارها الشمالي، وأخيراً الحجرة الساخنة (كالداريم) المقببة والتي تحتوي على أحواض استحمام كاملة في كلتا الحنيتين. جميع هذه الغرف كانت تُسخن من تحت الأرض باستخدام نظام الهيبوكوست. وتتميز القبة الموجودة فوق الكالداريم برسوم فلكية تمثل الأبراج، مما يجعل المبنى "يتوهج مثل قبة السماء". ويذكر المؤلف أن هذه الأبراج رسمت بناءً على نموذج من مخطوطة فلكية يونانية، مما يؤكد ارتباط الفنانين بالتقاليد البصرية ما قبل الإسلامية في المنطقة.

يتناول الفصل بعد ذلك المباني والمرافق المحيطة بالقصر. على بعد 600 متر إلى الشمال الغربي، توجد بقايا مبنى سكني بفناء واحد طول ضلعه بين 27 و32 متراً، وهو مشابه لمباني أخرى من نفس النوع في المنطقة تعود للفترة بين القرن الأول والثامن وقد استخدمت لتسهيل التواصل بين البدو والسلطات الأموية. كما تم اكتشاف بقايا مسجد أموي صغير خارج هذا المبنى السكني، بالإضافة إلى بقايا مساكن أصغر. ويصف الفصل نظام إمدادات المياه المعقد: بئر أمام واجهة الحمّام مزود بجهاز رفع مياه حديث الترميم، بالإضافة إلى بئر آخر في الطرف الشرقي من الوادي، وسد لحجز المياه لأغراض الري، وجدار حديقة شمال المبنى الرئيسي، وحوض، وقنوات ري. ورغم ذلك، يوضح الفصل أن إمدادات المياه كانت غير منتظمة، والينبوع الثابت الوحيد هو واحة الأزرق.

يطرح الفصل سؤالاً مهماً حول عمر القصر ومدى استخدامه. يقدم المؤلف أدلة على أن القصر لم يستخدم لفترة طويلة: عدم وجود توسعات أو تعديلات معمارية (وهي سمة مميزة للحمامات طويلة العمر)، غياب ترسبات كلسية على جدران البئر (كما لاحظ الخبير تورشيلد شيلر)، وعدم إصلاح اللوحات الجدارية أبداً. ويشير إلى أن بعض أفضل اللوحات محفوظة في الغرف الأكثر حرارة (التيبيداريوم والكالداريم)، مما يدعم فرضية أن القصر استُخدم فقط موسمياً لفترة وجيزة. كما يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان القصر مكتملاً كما نراه اليوم، أو ما إذا كان المبنى السكني المتواضع مؤقتاً ينتظر استبداله بمبنى أضخم لم يُبنَ أبداً، مما يعني أن معظم الزوار كانوا يخيمون في الخيام حول الحمّام.

يُدرج الفصل قصر عمرة ضمن نمط "قاعة وحمّام" الشائع في ذلك الوقت في سوريا وفلسطين، حيث يجمع بين غرف استحمام صغيرة ومنطقة استقبال اجتماعية أكبر. ويقارنه بنماذج مشابهة في المنطقة: حمّام الصرح (شكل 12) القريب المعماري، وقصر المشاش، والقسطل، وقصر الحلابات. يصف الفصل كيف كانت هذه المباني غالباً ما تكون محطات للصيد والترفيه الموسمي للخلفاء والأمراء الأمويين، مستشهداً بقصص عن الخليفة هشام بن عبد الملك ونزهاته من الرصافة، وعن الوليد بن يزيد الذي كان يصطحب "عائلته وحاشيته وخدمه وأصحابه" ويخيمون في السهول الخضراء. حتى أن الفصل يصف كيف كان الأمراء يستقبلون الناس ويلتمسون الحوائج في الحمّام نفسه، مستشهداً بقصة تاريخية عن طريح الثقفي الذي تمكن من الوصول إلى الخليفة الوليد بن يزيد وهو جالس على عرشه في الحمّام.

وختاماً، يربط الفصل بين قصر عمرة ونمط حياة النخبة الحاكمة آنذاك وصيدهم وترفيههم واستقبال ضيوفهم، ويقر بأن القصر لم يكن مخصصاً للسكن الدائم بل للاستخدامات الموسمية الفاخرة. كانت وسائل الترفيه تشمل الاستحمام، وتناول الطعام، ومشاهدة اللوحات الجدارية، والاستماع إلى الموسيقى، ومشاهدة الراقصين والبهلوانات والمهرجين الذين كانوا يتنقلون بين المعسكرات في الصحراء. يعترف المؤلف بأن صعوبة تحديد الوظائف الدقيقة لكل غرفة في الحمّام القديم هي مشكلة شائعة، وأن العديد من الأسئلة حول ملكية القصر وعلاقته بالمنشآت المجاورة (خاصة غياب مثيل لقصر الحلابات بجانب قصر عمرة) تظل مفتوحة للنقاش والبحث.

3.الصيد87–144▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تحليل اللوحات الجدارية التي تزين قصر عمرة، وتحديداً تلك التي تصور النساء العاريات والمغنيات والراقصات، وذلك بهدف فهم الدلالات الثقافية والاجتماعية لهذه المشاهد في سياقها الأموي. يقدم المؤلف حجة مفادها أن هذه الرسوم لم تكن مجرد زخارف عابرة، بل كانت تعبيراً متعمداً عن ثقافة البلاط الفاخرة والممتعة، والتي غالباً ما كانت تتحدى المعايير الأخلاقية الإسلامية المبكرة. يوضح المؤلف أن زخرفة القصر تعكس عالماً من الترف واللهو، حيث تجتمع المتعة الجسدية والموسيقى والشعر والصيد، مستعيراً عناصر من التقاليد الفنية اليونانية الرومانية والساسانية، لكنه يصوغها في قالب عربي أموي خالص.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مشاهد رئيسية في القصر. يبدأ بمناقشة العراة في القصر، مشيراً إلى أن وجودهم الواضح في أماكن مثل غرفة الملابس (apodyterium) وحوض الاستحمام الفاتر (tepidarium) والقاعة الرئيسية، كان يشكل خرقاً متعمداً للتعاليم الإسلامية التي تحث على الستر، كما ورد في القرآن والأحاديث النبوية. يذكر المؤلف أن هذا التحدي لم يكن مقتصراً على قصر عمرة، بل كان موجوداً في قصور أموية أخرى مثل قصر المشتى، على النقيض من الزخرفة الخالية من الكائنات الحية في قبة الصخرة والجامع الأكبر في دمشق. يبحث عن الأصول الفنية لهذه الرسوم، فيجدها في التقاليد اليونانية الرومانية لتصوير الآلهة مثل أفروديت وإيروس، وفي لوحات الحمامات التي كانت تُزين بقصائد عن الحوريات، كما وصفها الشاعر الغالي سيدونيوس أبوليناريس. ينتقل بعدها إلى التأثير الساساني، مشيراً إلى أن الأسرى الساسانيين ونقل الأواني الفضية التي تحمل رسوماً لراقصات شبه عاريات قد وفّر نماذج مباشرة لفناني قصر عمرة، مستشهداً بقصة الخليفة الوليد بن يزيد الذي أمر بصنع أباريق من الذهب والفضة في خراسان على الطراز الساساني.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة المغنيات والنساء المزخرفات، مركزاً على اللوحات الموجودة على عقود القاعة الرئيسية (south soffits). يصف المؤلف بالتفصيل رسماً لراقصة ترتدي قماشاً خفيفاً وسلسلة للجسم (وشاح)، مشيراً إلى أن هذه الحلي كانت ترتديها السيدات والآلهة على حد سواء، مما يضفي بعداً أسطورياً على المشهد. كما يصف مجموعة موسيقية على رفرف القاعة (spandrel) تضم عازفاً يحمل عوداً طويل العنق وراقصتين، إحداهما تحمل دفاً. يذكر الفصل وجود شخصيات أخرى غامضة الجنس في القاعة، يعتقد أنها تمثل المخنثين، وهم موسيقيون كانوا يثيرون الجدل في المجتمع الإسلامي المبكر. تُستخدم هذه المشاهد لإظهار كيف أن الموسيقى والرقص كانتا جزءاً لا يتجزأ من ثقافة البلاط والترف، حيث كانت الجواري هن من يؤدين هذه الأدوار، وكان امتلاكهن دليلاً على الثراء والمكانة العالية.

يخصص الفصل قسماً مهماً لتحليل الشعراء والمغنين ودورهم في ثقافة ذلك العصر. يصف كيف أن الشعر كان وسيلة التعبير الأساسية للعرب، وكيف كان الشعراء يتنقلون بين البلاطات طلباً للهبات، مثل الشاعر عدي بن زيد الذي عاش في بلاط الفرس وزار دمشق. يذكر المؤلف أن الإرث الشعري، وخاصة المعلقات، كان مصدر إلهام رئيسياً لفناني وزوار قصر عمرة، مستشهداً بقصة امرئ القيس الشهيرة عندما سرق ثياب ابنة عمه وهي تستحم. يرى المؤلف أن لوحات النساء العاريات في القصر تدعو المشاهد إلى ارتكاب نفس "الانتهاك البصري" الذي قام به امرؤ القيس، مما يخلق متعة محرمة. يختتم هذا القسم بقصة الخليفة الوليد بن يزيد وجاريته سعاد التي اشتراها بعد أن أطربته بصوتها، معتبراً أن هذه الحادثة تجسد نموذج "الخمر والنساء والغناء" الذي كان سائداً في البلاط الأموي، والذي كان متأثراً بوضوح بتقاليد الملوك الساسانيين في إقامة الولائم الفخمة (بزم).

في النهاية، يربط الفصل بين كل هذه العناصر من خلال مقارنة قصر عمرة بالقصيدة العربية الجاهلية (القصيدة). يوضح المؤلف أن بنية الفصل نفسه تتبع بنية القصيدة: فمناقشة ملذات الحمام والنساء تقابل ذكر الأطلال والنسيب، بينما الصيد الذي سيُناقش في الفصل التالي يقابل وصف الراحلة (rahil). ويشير إلى أن الاهتمامات المشتركة بين القصر والشعر القديم كالشهامة والمروءة والكرم والتفاخر، تجعل من الشعر مفتاحاً لفهم قصر عمرة، والعكس صحيح، حيث يقدم القصر صوراً مرئية لتلك القصائد. يختم الفصل بذكر لوحة فلسفية وتاريخ وشعر في القاعة، والتي تحمل أسماءها باليونانية، مشيراً إلى أن هذا المزيج من الهيلينية والعروبة يعكس عالماً ثقافياً انتقالياً يجمع بين تقاليد ما قبل الإسلام وتأثيرات الحضارات المجاورة.

4.اللهم بارك الأمير145–171▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب "قُصير عمرة" لغارث فاودن على اللوحة الجدارية للأمير المتوّج في محراب قاعة الاستقبال في القصر الصحراوي الأموي. يرى المؤلف أن هذه اللوحة هي جوهر البرنامج الفني للمبنى بأكمله، وتُقدّم لمحة عن الأبهة الملكية التي أحاط بها الأمويون أنفسهم عندما أرادوا إظهار الهيبة الكاملة للخلافة. الإجابة التي يقدّمها الفصل هي أن هذه الصورة ليست مجرد تمثيل لأمير، بل هي بيان متقن للسلطة السياسية والدينية، يستعير من تقاليد فنية متعددة (رومانية، ساسانية، مسيحية) ليؤسّس لشرعية الحكم الأموي ويفسّر علاقة الأمير بالله.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل عناصر اللوحة وتفاصيلها. يبدأ بوصف الإطار المعماري للأمير: عرشه ذو الظهر المرتفع، القوس المستند على عمودين حلزونيين، والطيور (طائر القطا) التي تجثم على قمتي العمودين. يربط المؤلف هذا الشكل بالقوس كرمز للسلطة الملكية في كل من التقاليد الرومانية (كما في لوحة الإمبراطور ثيودوسيوس الأول) والساسانية (قصر كسرى في المدائن). كما يقارن طيور القطا بعناصر "الدعم" الشائعة في فن الشرق الروماني، وخاصة في المخطوطات المسيحية السريانية مثل مخطوطة "ربّولا" من القرن السادس.

ثم ينتقل إلى الحاشية التي تحيط بالأمير: الخادمين الواقفين إلى جانبيه، اللذين يلبسان ملابس تشبه ملابس الموسيقيين في قصر "قصر الحير الغربي"، مستخدمان مراوح وذبّابات. يُشير المؤلف إلى أن هذه العناصر مستعارة من أيقونography البلاط الروماني الشرقي. يصف لباس الأمير نفسه (القميص والرداء) ويدرس إيماءته (يده المرفوعة)، التي يعتبرها إشارة إلى النصر والبركة، وهي لفتة شائعة في الأيقونography الرومانية للإمبراطور والمسيح المنتصر. يُميز هذا التمثيل عن تماثيل الأمراء الأمويين الأخرى، مثل تلك الموجودة في قصر الحير الغربي، حيث أحدها يمثل نزعة ساسانية واضحة والآخر نزعة رومانية.

يتطرق الفصل إلى المشهد المائي الموجود تحت أقدام الأمير، والذي يضم طيوراً وأسماكاً وصيادين. يرى المؤلف أن هذا المشهد ليس مجرد زينة عادية للحمام، بل قد يمثل الأنهار العظيمة للخلافة (دجلة والفرات والنيل) أو المحيط الذي يحيط بالأرض تحت قبة السماء، مما يؤكد على فكرة الحاكم العالمي. ويستشهد بقصائد لشعراء أمويين مثل الفرزدق والأخطل التي تشبّه الخليفة بالسماء أو تفيض سخاءً كالفرات.

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى النقوش العربية بالخط الكوفي على القوس، والتي تبارك الأمير وتطلب له المغفرة. يُحلل قراءة جديدة لهذه النقوش، ويخلص إلى أن صاحب القصر لم يكن خليفة، بل "وليّ عهد" أو أميرًا، مما يعطي دلالة تاريخية مهمة. يُثبت هذا النقش أن اللوحة وُجدت في فترة كان الأمير فيها يتطلع إلى تولّي الخلافة.

يقارن الفصل لوحة قصير عمرة بنظيراتها في الفن الساساني، وأبرزها نقش طاق بستان الذي يُظهر الملك واقفاً في إيوان، مع مشاهد صيد على الجانبين، ومغنين يمدحون بطولاته. يرى المؤلف أن هذا التشابه ليس مصادفة، بل قد يكون هناك تأثير متبادل، رغم أن التأثير الروماني يظل أقوى. ويخلص إلى أن طاق بستان، مثل قصير عمرة، يقدم نموذجاً للسلطة الإمبراطورية المدعومة بالدين.

أكثر ما يميز تحليل فاودن هو ربطه للوحة الأمير بأيقونography المسيحية لآدم. يجد تشابهاً صارخاً بين لوحة قصير عمرة وفسيفساء آدم المتوّج في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل في حويرين بسوريا (أواخر القرن الخامس)، حيث يظهر آدم جالساً على عرش تحت قوس، وتحيط به الحيوانات، واسمه مكتوب فوقه. يرى المؤلف أن هذا الاختيار مقصود: آدم هو الخليفة الأول لله في الأرض، كما ورد في القرآن، وبالتالي فإن تصوير الأمير على هيئة آدم هو تأكيد على شرعية الحكم الأموي كخلافة إلهية. ويشير إلى أن هذه الفكرة كانت مثيرة للجدل، حيث أن الخلفاء الأمويين عُرفوا بطابعهم الملكي "غير الإسلامي"، وأن نقشاً من عهد الوليد بن يزيد يقارن صراحة بين تعيينه لورثته وتعيين الله لآدم.

يقبل المؤلف حدود التحليل، معترفاً بأن الصعوبات التقنية (تلف جزء كبير من اللوحة) تجعل التفسير غير مؤكد. يترك السؤال مفتوحاً حول مدى معرفة زوار القصر بالثقافة المسيحية، لكنه يرى أنه ليس من الضروري أن يكونوا مسيحيين ليدركوا الإيحاءات الرمزية. يُقر أيضاً بأن التأثيرات متعددة (رومانية، ساسانية، سريانية)، مما يجعل من الصعب تحديد مصدر واحد. أخيراً، يربط المحراب بـ "المحراب" كموقع شرف في القصور، وهو مصطلح أصبح فيما بعد محورياً في المساجد، مما يؤكد على الطابع المقدس للسلطة السياسية في الفكر الأموي.

5.الراعي الأميري172–204▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول هوية صاحب قصر عمرة، ذلك الأمير الذي يظهر في اللوحات الجدارية الشهيرة داخل الحمام. يقدم المؤرخ غارث فاودن إجابة واضحة ومفصلة، مرجحاً بشكل كبير أن يكون الباني والراعي هو الأمير الأموي الوليد بن يزيد، وليس خليفة أو أميراً آخر من بني أمية. يبني المؤلف استنتاجه على مجموعة من الأدلة التاريخية والأثرية، متتبعاً خطى هذا الأمير في منطقة البلقاء بالأردن.

يسير الفصل عبر تسلسل زمني ومنطقي دقيق. يبدأ بتحديد الإطار الزمني المحتمل لبناء قصر عمرة، فيضعه بين عامي 715 و750 ميلادية، أي قبل سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية. يستبعد المؤلف احتمال بناء القصر بعد هذا التاريخ لصعوبة تخيل قيام أمير أموي بهذا المشروع تحت الحكم العباسي، ولمحدودية الموارد المائية والاقتصادية في موقع القصر. كما يستبعد احتمال أن يكون الخليفة الوليد الأول هو الباني، لأن لوحة "الملوك الستة" تضم صورة لذريق، آخر ملوك القوط في إسبانيا، والذي لم يُهزم إلا في عام 712 ميلادية، مما يجعل عام 715 هو التاريخ الأقدم الممكن لتنفيذ هذه اللوحة تخليداً لهذا الفتح الأموي الكبير.

ينتقل الكاتب بعدها لفحص الشخصيات الأموية الأخرى المحتملة، مستبعداً كلاً من سليمان بن عبد الملك لعدم اهتمامه بالبلقاء، وعمر بن عبد العزيز لزهده وتقشفه، ويزيد الثاني رغم كونه مرشحاً قوياً نظراً لاهتمامه بالمنطقة وأعمال البناء التي قام بها في الموقر، مستخدماً حجة أن لوحات قصر عمرة تظهر عدم وجود أثر لأي تحطيم للأيقونات (أيكونوكلازم) مما يجعله غير مرجح في عهده الذي أصدر فيه مرسوماً بتحطيم الصور. لكن الترجيح الأكبر يذهب إلى الوليد بن يزيد.

يركز الفصل على الوليد بن يزيد كأفضل مرشح، مبرزاً ثلاثة أدلة رئيسية. الأول هو ارتباطه العميق بمنطقة البلقاء، حيث ورث عن والده يزيد الثاني أملاكاً فيها وبنى فيها قصوراً مثل القصطل والأغداف (التي قد تكون قصر الطوبة) وزار الفضين (الذي كشفت الحفريات فيه عن حمام وقصر أموي). الثاني هو أسلوب حياته الصاخب والمولع بالصيد والنساء والخمر والشعر والموسيقى، وهي كلها مشاهد مرسومة على جدران قصر عمرة، مما يجعل القصر مرآةً تعكس شخصيته. الثالث هو كونه أميراً (ولي عهد) وليس خليفةً لفترة طويلة (تسعة عشر عاماً في عهد عمه هشام بن عبد الملك)، مما يمنحه الوقت والمال لبناء مثل هذا المشروع. كما أن توليه القصر لفترة قصيرة (أقل من عامين) يفسر عدم اكتمال بعض القصور المنسوبة إليه مثل المشتى.

لا يخلو الفصل من تحفظات ومناقشات داخلية. يعترف المؤلف بأن بعض الحجج أقوى من غيرها، وأن فكرة أن أسلوب حياة الوليد ينعكس بشكل مباشر في زخارف القصر هي فكرة قابلة للنقاش، إذ لم يكن بحاجة ليكون فاسقاً ليستمتع برسم الراقصات على الجدران. كما يقر بأن الأدلة على تاريخ البناء تعتمد على تأريخ اللوحات الجدارية وليس المبنى نفسه، وأن بعض النقوش في القصر تشير إلى أن صاحبه كان "أميراً" وليس "خليفة"، مما يعزز فرضية الوليد بن يزيد لكنه لا ينفي غيره بشكل قاطع. كما يشير إلى أن بعض المنشآت المشابهة قد تكون بنيت بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك الذي لم يكن زاهداً بالكامل، كما يظهر من بناءه لقصر الحير الغربي المزخرف.

في الختام، تظل الحجة الأكثر إقناعاً هي ارتباط الوليد بن يزيد العاطفي والعقاري بالبلقاء، وطول فترة ولايته للعهد التي وفرت له الفرصة والموارد لبناء قصر عمرة. لكن المؤلف يقر بأن الأدلة، رغم تراكمها، لا تصل إلى درجة اليقين المطلق، تاركاً الباب مفتوحاً أمام احتمال أن يكون يزيد الثاني أو حتى أحد أمراء بني أمية الأقل شهرة هو من بنى هذا الصرح الفريد.

6.الحفاظ على السلالة205–226▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على لوحة جدارية فريدة في قصر عمرة، تصور عائلةً حاكمة، ويقدّم المؤلف تفسيراً لها بوصفها إعلاناً سياسياً ودعائياً يهدف إلى تعزيز شرعية خلافة الوليد الثاني وابنه الحكم، في مواجهة المعارضة داخل البيت الأموي وخارجه. يبدأ الفصل بوصف دقيق للوحة الجدارية الواقعة على الجدار الجنوبي للممر الغربي في قاعة الاستقبال، والتي تظهر امرأة ترتدي ثياباً فاخرة وتتكئ على أريكة تحت مظلة، ويحيط بها رجل وامرأة واقفان وطفلان، إضافة إلى طاووسين. يشير المؤلف إلى أن وضعية اللوحة وتناسقها مع صورة الأمير في المحراب يدلان على أن هذه المرأة هي شخصية ملكية، ويستبعد أن يكون النص اليوناني الموجود أعلاها، والذي لم يُقرأ بالكامل بعد، سوى عنوان عادي للوحة بأكملها، نظراً لأن النصر (Νίκη) هو إحدى الكلمتين المقروءتين فيه.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل العناصر الأيقونية للوحة، مشيراً إلى أن الملابس والمظلة والأريكة تعكس تبنّي الأمويين للتقاليد الساسانية في الفخامة، بينما قد يكون وضعية الاتكاء مستوحاة من النقوش الجنائزية التدمرية. يرى المؤلف أن الأهمية الخاصة التي حظيت بها المرأة في وسط اللوحة، والتي تفوق مكانة الرجل الواقف إلى اليمين، هي مفتاح فهم اللوحة. فالرجل، الذي يعرّفه المؤلف لاحقاً بأنه الخليفة الوليد الثاني نفسه، يظهر متواضعاً في مكانته مقارنة بزوجته أو جاريته التي هي محور الصورة، بينما الطفلان هما ولداه الحكم وعثمان. هذه التبعية المتعمدة للرجل هي التي تشير إلى المعنى الخفي للوحة.

يوضح الفصل أن الوليد الثاني واجه معارضة شديدة لتعيين ابنه الحكم ولياً للعهد، وذلك لسببين رئيسيين: أولاً، صغر سن الحكم وعثمان، وثانياً، والأهم، أن أم الحكم كانت جارية غير حرة وغير عربية، وهو ما يتعارض مع التقاليد العربية التي تقدس نقاء النسب. يورد الفصل تفاصيل عن صراعات الخلافة الأموية ومبدأي التوريث: أحدهما يفضّل الأكبر سناً في العشيرة والآخر يفضّل الوراثة المباشرة من الأب إلى الابن. ويشير إلى أن الوليد الثاني نفسه كان قد عانى من تهميشه لصالح أبناء هشام بن عبد الملك، مما جعله حريصاً على تأمين خلافة ابنه.

يخلص المؤلف إلى أن اللوحة الجدارية هي صورة عائلية دعائية، تهدف إلى تعزيز مكانة أم الحكم (التي يسميها المؤلف أم الحكم)، وبالتالي شرعية ابنها كخليفة مستقبلي. فمن خلال وضع الأم في مركز الصورة وإظهارها بصورة جليلة، يسعى الوليد الثاني إلى توجيه رسالة واضحة للمعارضين الذين يشككون في أصل الحكم من أمه. يربط الفصل هذه اللوحة بقصة حب الوليد الثاني لامرأة تدعى سلمى، والتي تزوجها بعد أن أصبح خليفة لكنها توفيت بعد أيام قليلة، مما دفعه للتركيز على أبنائه من جاريته وترقية مكانة أمهم.

يقدم الفصل تأريخاً دقيقاً للمرحلة النهائية من رسوم قصر عمرة، مقترحاً أن اللوحات في الممر الغربي، بما فيها هذه الصورة العائلية، قد أُنجزت بعد وصول خبر وفاة الخليفة هشام وتولي الوليد الثاني الحكم، أي في حوالي عام 742-743 ميلادي (حوالي 125 هجري). ويستند ذلك إلى ملاحظات حول الاختلافات الفنية بين رسوم الممر الغربي والرسوم الأخرى في القاعة والمبنى الحراري، والتي تشير إلى أنها كانت آخر ما أُنجز. أما النص العربي الموجود أسفل اللوحة، والمؤطر بشكل مميز، فمن المرجح أنه كان نقشاً تأسيسياً للحمّام، لكنه أصبح غير قابل للقراءة تماماً اليوم. في الختام، يرى المؤلف أن اللوحة، على الرغم من كونها فريدة من نوعها في الفن الأموي لاهتمامها بالأسرة، تظل في النهاية تعبيراً عن الإرادة الشخصية للخليفة الوليد الثاني، الذي رأى في تعيين ابنه من جارية غير عربية تأكيداً مطلقاً على سلطته وعدم احتياجه لأي دعم قبلي أو عائلي. ويشير إلى أن الوليد الثاني جسّد هذه الفكرة أيضاً في قصيدته التي يفتخر فيها بأنه جعل وريثه ابنه، وليس أحداً غيره، معتمداً على كونه "خير قريش حسباً ونسباً".

7.الملوك الستة227–256▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل دراسةً مُعمّقة للوحة الجدارية الشهيرة في قصر عمرة، والتي تُصوّر "الملوك الستة". الموضوع المحوري للفصل هو تحليل هذه اللوحة ليس كتمثيل تاريخي بسيط، بل كرمز ثقافي وسياسي معقّد، يحمل معانٍ متعددة للمشاهدين في العصر الأموي. يرى المؤلف، غارث فاودن، أن اللوحة لم تكن لتُقدّم تفسيراً واحداً "صحيحاً"، بل كانت تهدف إلى إثارة سلسلة من الارتباطات والإيحاءات لدى زوار القصر، مما يعكس ثراء وتعدّدية العالم الذي ورثه العرب بعد فتوحاتهم.

يسير الفصل بخطى منهجية، مبتدئاً بوصف حالة اللوحة المتدهورة، والتي تضررت بشدة بسبب محاولات إزالتها السابقة. يصف الملوك الستة وهم يقفون في صفين، مواجهين للناظر بأيدٍ ممدودة وأكف مرفوعة للأعلى، وهذه إشارة إلى الخضوع أو تقديم الاحترام. يُشير المؤلف إلى أن توجّههم هو نحو اللوحة الأسرية المجاورة لهم على الجدار الغربي، مما يُثبت أن اللوحة تُمثّل مشهداً لملوك يقدّمون ولاءهم للخلافة الأموية. يُظهر الفصل أن وجوه الملوك، على عكس التوقعات، شابة وخالية من اللحى، وهي سمة من سمات فن أواخر العصور القديمة التي كانت تُستخدم للدلالة على التحضّر والرقي، وليس الضعف.

يُركّز الجزء الأكبر من الفصل على فك رموز أسماء الملوك المدوّنة بالخطين العربي واليوناني فوق رؤوسهم. من خلال فحص دقيق للرسومات التخطيطية والصور القديمة للوحة، والتي تعتبر أساسية بسبب حالتها المدمرة حالياً، يحدد المؤلف أربعة ملوك بدرجة معقولة من اليقين: قيصر (إمبراطور الروم)، ولذريق أو رودريك (آخر ملوك القوط الغربيين في إسبانيا)، وكسرى (ملك الفرس الساسانيين)، والنجاشي (حاكم أكسوم في إثيوبيا). يشرح الفصل كيف أن هذه الأسماء، خاصة في نسختها العربية، أصبحت ألقاباً عامة تُطلق على حكام تلك الممالك والحضارات، وليس بالضرورة أسماءً لأشخاص محددين. ويُقدّر الفصل أنه من المحتمل أن يكون الملَكين المتبقيين في اللوحة هما خاقان (حاكم الأتراك) وإمبراطور الصين، وذلك نظراً للاتصالات الدبلوماسية والعسكرية المكثفة التي كانت للأمويين مع هذه المناطق في عهد الخليفة الوليد الأول.

يبحث الفصل في العمق في الدلالات الرمزية لكل ملك من هؤلاء الملوك. فكسرى يُمثّل مجد وغنى الحضارة الساسانية المنهارة، بينما يُمثّل قيصر قوة الإمبراطورية الرومانية الباقية وتفوقها الثقافي، الذي كان يطمح الأمويون لمحاكاته. أما النجاشي فكان يرمز للمسيحية غير الخلقيدونية المنتشرة في إفريقيا وآسيا، وكانت قصص مكاتبة النبي محمد له معروفة. ولذريق، آخر ملوك القوط الغربيين، يُذكّر بانتصار المسلمين في الأندلس، كما اشتهر ملوك القوط الغربيون بحبهم للصيد بالصقور، وهي رياضة كان الأمويون مولعين بها أيضاً. يربط الفصل بين هذه الرموز وحكايات وأشعار معروفة من تلك الفترة، مثل قصيدة "أين كسرى، كسرى الملوك؟" التي تؤكد على زوال الدنيا ومصير الأمم.

ينتقل الفصل إلى استكشاف الأصل الأيقوني لهذه اللوحة الفريدة من نوعها، والذي يعود على الأرجح إلى تقليد إيراني قديم. يجد المؤلف أصل الفكرة في معلم ساساني يُعرف باسم الدكّان بالقرب من كرمانشاه، وهو منصة حجرية كانت تُروى عنها أساطير تجمع ملوك العالم السبعة حول ملك الفرس. يرى المؤلف أن نصّاً جغرافيا لـابن الفقيه من القرن العاشر الميلادي يربط هذا المعلم بفكرة اجتماع الملوك، مما يُرجّح أن اللوحة في قصر عمرة هي استعاره أموية لهذه الفكرة. لكن الفصل يُقرّ بصعوبة الجزم بأن اللوحة هي نسخة طبق الأصل عن رسم ساساني، ويفضّل النظر إليها كنتاج للفنانين الأمويين الذين استخدموا مفرداتهم البصرية الخاصة، والتي كانت أقرب إلى التقاليد الرومانية الشرقية. يُقدّم الفصل أمثلة على أيقونات مسيحية من نفس الفترة، مثل أيقونة سانت كاترين في سيناء وفسيفساء رافينا، تظهر الشخصيات في وضعية أمامية مشابهة تُستخدم لتأكيد القدسية والسلطة.

يختتم الفصل بمناقشة الرسالة السياسية للوحة، والتي تتجاوز الجانب الثقافي. فإدراج لذريق تحديداً يُضفي بُعداً سياسياً واضحاً، لأنه يمثل مملكة بعيدة عن العالم الإيراني التقليدي ولكنها داخلة في دائرة النفوذ الأموي. يرى المؤلف أن الفكرة المحورية للوحة لم تكن الاحتفال بالنصر على الملوك المهزومين، بل هي فكرة "التجمع السلمي" و"الخضوع الطوعي" لهيمنة الخليفة، الذي يُعتبر في هذه الصورة "ملك الملوك". هذا المفهوم للهرمية بين الحكام، حيث يعترف الجميع بسيادة الخليفة، يختلف عن فكرة الإخضاع القسري أو الاستسلام الذليل، ويُظهر بعد نظر سياسياً من قبل راعي القصر الأموي. يُقرّ المؤلف في النهاية بوجود أسئلة مفتوحة حول هوية الملكين الأخيرين، ويؤكد على أن اللوحة كانت ستثير ردود فعل متعددة، وتُستخدم كوسيلة لسرد قصص عن العالم قبل الإسلام وعن مستقبل الخلافة، مما يجعلها أيقونة ثقافية وسياسية معقدة لا تحتمل تفسيراً واحداً.

8.أميرة ساسانية أسيرة257–277▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بوصف تفصيلي للوحة جدارية في قصر عمرة، تصور امرأة طويلة وجميلة شبه عارية تقف في حوض استحمام داخل بناء معماري مهيب. تظهر اللوحة على الجدار الغربي للقاعة، بجوار لوحة الملوك الستة، مما يخلق تبايناً غريباً. يحاول المؤلف فكّ مغزى هذه اللوحة التي تبدو للوهلة الأولى غير مفهومة للزائر الحديث.

يصف المؤلف البناء المعماري في اللوحة بأنه مثمن الأضلاع له قبة، ويقارنه بنماذج معمارية معروفة مثل كنيسة القديسين سرجيوس وباخوس في القسطنطينية، وسان فيتالي في رافينا. يُرجّح أن المبنى الم depicted هو حمام قصر فخم مستوحى من العمارة الرومانية الشرقية. النظرات المتفرجة من الشرفة في اللوحة هي لنساء في الغالب، باستثناء شخص واحد على اليمين قد يكون رجلاً رفيع المستوى. توجد خادمة تقف بجانب حوض الاستحمام وتشير إلى المستحمة.

يشير المؤلف إلى أن أصول هذه اللوحة تعود إلى تمثيلات أفروديت اليونانية، إلهة الحب والجمال، التي كانت شائعة في المقاطعات الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وخاصة في الحمامات. يدعم ذلك تمثال صغير لأفروديت عُثر عليه بالقرب من عمان. لكن اللوحة تحتوي على ثلاث خصائص غريبة: اليد اليسرى ترفع ستارة بدلاً من أن تلمس شعرها المبلل، والإصبعان الممدودان من اليد اليمنى يشبهان إيماءة "المخاطبة" في الأيقونات السورية المسيحية، والأهم أنها ترتدي عمامة تخفي شعرها، وهو أمر غير مألوف في تمثيلات أفروديت أو النساء العربيات الحرائر. يقر المؤلف أن سبب هذه الخصائص قد يكون سوء ترميم اللوحة أو أخطاء فنية.

تتميز اللوحة بموقعها المركزي في القاعة، فهي تواجه الداخل من الباب الرئيسي. كما أنها المشهد الوحيد في الحمام الذي يصور شخصاً يستحم فعلياً، مما يوحي بأن الهدف من اللوحة ليس توضيحيّاً بقدر ما هو رمزي. اللوحة لا تحمل أي نص توضيحي بالعربية أو اليونانية، مما يعني أن معناها كان واضحاً للمعاصرين ولكنه ضاع مع الزمن.

ينتقل المؤلف لفحص احتمالات هوية المستحمة. يرفض فكرة أنها جارية هندية أرسلت هدية للملك الساساني كسرى أنوشيروان (531-579م)، لأن ذلك سيجعل اللوحة غير مرتبطة بالعالم العربي. كما يرفض فكرة أنها مغنية أو راقصة، لأنها لا تؤدي أي حركة فنية بل تقف ساكنة ومتفرّجة من بعيد. يرجّح أنها ليست أَمَةً بل امرأة حرّة أو أسيرة جرى عرضها في بلاط الفاتح.

يقترح المؤلف أن اللوحة قد تصور "عرض عروس"، وهو تقليد معروف في القسطنطينية، حيث تُقام مسابقات جمال لاختيار زوجات للأباطرة، كما حدث بين عامي 788 و882م. لكنه يستبعد ذلك لأن عرض العروس الحرة عارية أمر مرفوض في الثقافة العربية الإسلامية. يخلص إلى أن المستحمة هي على الأرجح أسيرة حرب، وهو أمر شائع في البلاط الأموي الذي كان يمتلئ بالسبايا والجواري.

يقدّم المؤلف قصة الجارية الغسّانية التي أُهديت لكسرى الأول كدليل على تقليد عرض الجواري في البلاط الساساني، والذي تبناه الأمويون. يذكر أن الخلفاء مثل عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك كانوا يرسلون أوصافاً دقيقة للجواري المطلوب شراؤهن. ويضرب مثلاً بقصة حَبَّابة الجارية التي اشتراها الخليفة يزيد بن عبد الملك بمساعدة زوجته سُعدى.

بعد استعراض الأدلة، يصل المؤلف إلى استنتاج هوية المستحمة: إنها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، أي أميرة ساسانية وحفيدة آخر ملوك الساسانيين يزدجرد الثالث (632-651م). تم أسرها في حملة قتيبة بن مسلم في منطقة سمرقند، وأُرسلت إلى الخليفة الوليد الأول، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الذي أصبح خليفة فيما بعد.

يعلّل المؤلف اختيار الوليد بن يزيد (باني قصر عمرة) لهذه اللوحة لأغراض سياسية. كان الوليد في صراع مع أبناء عمومته، ومن بينهم يزيد بن الوليد الذي كانت أمه شاه آفريد. أراد الوليد بهذه اللوحة إذلال يزيد بتذكيره بأصله من أم أسيرة، قائلاً له "لا ترمِ غيرك بالحجر وأنت في بيت من زجاج". ولكن المؤلف يضيف بُعداً أكثر إيجابية، حيث أن اللوحة تعكس فكرة التصالح مع الماضي الساساني والروماني، تماماً كما تفعل لوحة الملوك الستة. يقول إن الإرث السياسي والثقافي للملوك الستة أصبح الآن إرثاً جينياً (نسبيّاً)، مع قبول الأمويين للسبايا ذوات الأصول الملكية كمصدر قوة وشرعية.

أخيراً، يناقش المؤلف الدور الثقافي للوحة. يرى أنها تعكس ثقافة البلاط الأموي التي كانت مولعة بالجمال الأنثوي وشعر الحب والخمر، وهي ثقافة موثقة في كتاب الأغاني والشعر الأموي. ويشير إلى قصة نظامي الكنجوي وقصيدته "هفت پيكر" عن الأميرات السبع، ليقترح أن جو قصر عمرة ربما ساهم في تشكيل هذه الأساطير. ويخلص المؤلف إلى أن اللوحة جمعت بين السياسة والجنس، وبين تاريخ الساسانيين وجمال أفروديت، وبين الإذلال والتمجيد، مما جعلها واحدة من أقوى وأكثر اللوحات إثارة في قصر عمرة.

9.قصير عمرة في سياقها278–321▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب "قُصير عمرة" لغارث فاودن تحوّلاً منهجياً مهماً: فبعد أن ركزت الفصول السابقة على تفسير اللوحات الجدارية داخل المبنى بهدف فهم معانيها الداخلية، ينتقل الكاتب الآن إلى وضع قُصير عمرة في سياقها التاريخي والثقافي الأوسع، ليستخدم المبنى كأداة للإجابة عن أسئلة أعمق تتعلق بالمجتمع والنخبة الأموية في سوريا في أواخر العصر القديم.

يبدأ الفصل بوصف تفصيلي للانطباع البصري الذي يستقبل الزائر عند دخوله قاعة الاستقبال، موضحاً أن الانطباع الأولي هو الفوضى والتنوع، لكنه سرعان ما يتطور إلى إدراك وجود تنظيم موضوعي دقيق. فالمحور المركزي للقاعة يهيمن عليه الأمير المتوج، بينما يخصص الرواق الشرقي للصيد والفروسية (الموضوعات الرجالية)، والرواق الغربي للنساء والجواري، وتتركز اللوحات العائلية الحميمية في الجدران النهائية. هذه التقسيمات الموضوعية للمساحات المختلفة تثبت وجود خطة فنية متماسكة، خلافاً للرأي السائد بأن اللوحات غير متجانسة.

يدرس الكاتب بعد ذلك علاقة راعي البناء (وهو على الأرجح الخليفة الأموي الوليد بن يزيد) بالفنانين والحرفيين الذين نفذوا اللوحات. يستند إلى أدلة على أن الأمويين جلبوا عمالاً مهرة من مناطق مختلفة مثل مصر والشام لتنفيذ مشاريعهم الكبرى، لكنه يرجّح أن معظم عمّال قُصير عمرة كانوا من السكان المحليين، وخصوصاً من منطقة مأدبا وأم الرصاص التي كانت غنية بفنّاني الفسيفساء. يخلص الكاتب إلى أن دور الراعي كان حاسماً في الابتكار، وأن الفنانين المحليين كانوا يمتلكون المهارة الكافية لتنفيذ أفكاره، ربما بمساعدة مستشارين مثقفين مثل سالم بن عبد الرحمن، كاتب الخليفة هشام بن عبد الملك والملمّ بالثقافة اليونانية.

من أبرز الأمثلة التي يناقشها الفصل بالتفصيل لوحة القبو الشرقي، التي تصور مشاهد من صناعة البناء بدلاً من الموضوعات الترفيهية المتوقعة. يراها الكاتب دليلاً على تدخل شخصي من راعي المبنى، الذي لم يمانع في إدخال مشاهد "من الطبقات الدنيا" إلى قصره الخاص. كما يحلل الفصل لوحة سقف غرفة خلع الملابس التي تصور شاباً حزيناً يتأمل جثة ملفوفة، بجوار إيروس مجنّح. يرفض الكاتب التفسير التقليدي الذي يرى في اللوحة مشهداً أسطورياً يونانياً (ديونيسوس يكتشف أريادني)، ويدعم فرضية المستكشف ألويز موزل بأنها تمثّل حدثاً شخصياً حقيقياً، وهو وفاة جارية تُدعى سلمى أو ولدين، مشيراً إلى أن الفنانين اليونانيين استعاروا أيقونية موت أريادني من التوابيت لتجسيد حزن واقعي ومعاصر.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل البيئة اللغوية في قُصير عمرة، وهي إحدى أقوى الأدلة على وضعها الثقافي. ففي حين أن النصوص الطويلة والسردية مكتوبة بالعربية حصراً، تُستخدم اللغة اليونانية فقط في تسميات محدودة، كما هو الحال في لوحة الملوك الستة وتجسيدات العلوم والفلسفة. يقارن الكاتب هذا الوضع بحمّام الحمّة القديم بالقرب من أم قيس، حيث عُثر على نقش يوناني طويل يعود لعهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان (٦٦١-٦٨٠م). هذا النقش الأقدم لم يكن مصحوباً بنسخة عربية، مما يشير إلى أن اليونانية كانت لا تزال لغة رسمية ومقبولة في بداية الحكم الأموي. لكن بحلول زمن الوليد بن يزيد (منتصف القرن الثامن)، أصبح استخدام اليونانية مقصوراً على الدور الزخرفي والإيحائي، لإظهار الإلمام بالثقافة الكلاسيكية أمام زوار محددين، وخصوصاً السفراء البيزنطيين.

يخلص الكاتب إلى أن الاختيار اللغوي في قُصير عمرة كان رسالة سياسية وفكرية متعمّدة. فاستخدام العربية للنصوص المهمة يعكس ترسيخ الهوية الإسلامية والعربية، بينما يهدف الاستخدام المحدود لليونانية إلى إبهار الضيوف الأجانب وإظهار أن الخلافة الأموية لا تقلّ ثقافةً وعراقةً عن الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وفي النهاية، يطرح الفصل فرضية جريئة مفادها أن بعض اللوحات، كتلك التي تعكس دورة ديونيسوس، قد لا تعكس فهماً عميقاً للميثولوجيا اليونانية بقدر ما تعكس إعجاباً بالشكل الفني، وتوظيفاً مبتكراً له للتعبير عن تجارب شخصية وسياسية جديدة، مما يجعل قُصير عمرة نافذة فريدة على الحوار الثقافي المركّب في نهاية العصر الأموي.

10.التمثيل الذاتي الأموي322–420▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو استكشاف كيفية بناء الأمويين لهويتهم الثقافية والفنية في سوريا بعد الفتح الإسلامي، وذلك من خلال تبني ومزج التقاليد الفنية الرومانية والإيرانية. يقدم المؤلف، جارث فودن، إجابة مفادها أن الإبداع الأموي لم يكن مجرد استيراد سلبي للفنون الجاهزة، بل كان عملية اختيار واعية وتوليف نشيط، حولت العناصر المستعارة إلى تعبير عن الذات العربية الأموية، وإن ظل هذا التعبير متجذراً بعمق في سياق العصور القديمة المتأخرة.

يسير الفصل خطوة بخطوة في تحليل هذه العملية. يبدأ المؤلف بمناقشة مفهومي "التبني" و"التأثير"، مؤكداً أن الفنانين العرب في البداية لم يجلبوا معهم تقاليد فنية بصرية من شبه الجزيرة العربية، على عكس الشعراء والموسيقيين. كريسويل، مؤرخ العمارة البريطاني، يذهب إلى أن شبه الجزيرة العربية لم تكن تملك شيئاً يستحق اسم العمارة عند ظهور الإسلام. يوضح فودن أن الأمويين تبنوا دمشق كمدينة جاهزة، بما تحمله من تراث هلنستي ومحلي سوري. المثال الحاسم على هذا التبني والتحول اللاحق هو العملة: قبل إصلاح الخليفة عبد الملك في سنة 77 هـ (697-699م)، كانت العملات تقليداً للعملات الرومانية والساسانية، ثم استبدلت تماماً بالنقوش الدينية الإسلامية، مما يشير إلى أول تدخل واعٍ للسلطة السياسية في التمثيل الفني للذات. ينتقل الفصل بعدها إلى قصر عمرة نفسه كنموذج مركب، يرفض فيه المؤلف حسابات كريسويل التبسيطية لنسبة التأثير الفارسي (التي قدرها بأقل من 2%)، ويدعو بدلاً من ذلك إلى فهم "المزيج" ككل. الأدلة على الجذور اليونانية-الرومانية واضحة وعديدة: الشخصيات المجسدة في الرواق الشرقي، إيروس، إله الحب، الحمامة، الصور المستوحاة من ديونيسوس وأريادني، وبرج الجديان اليوناني. أما التأثير الإيراني فيظهر في راقصات القصر مثل تلك الموجودة على الأواني الفضية الساسانية، وفي المشاهد المكرسة للصيد والحفلات، وهي اهتمامات بلاطية نموذجية، كما تتجسد في نقش الملوك الستة. ولكن الإسهام العربي، بحسب المؤلف، لا يكمن في استيراد أسلوب خاص، بل في "الانتقاء والجمع" بين هذه العناصر. هذا واضح في تفضيل موضوعات الصيد والشعر على الموضوعات الزراعية (المهملة في الشعر الجاهلي والفن الأموي معاً)، وفي استخدام أشكال غير عربية كالواجهة الرومانية لـ قصر الحير الغربي المغطاة بزخارف جصية ساسانية. يخلص فودن إلى أن هذه البوتقة السورية المميزة كانت ستختلف لو انتقل مركز الخلافة إلى العراق مبكراً، لأن سوريا كانت منذ قرون جزءاً من العالم اليوناني الروماني، مما جعلها أكثر انفتاحاً على التأثير الهلنستي.

يقر المؤلف بحدود معرفتنا وتحديات البحث، مشيراً إلى صعوبة تحديد أصول الصناع (هل هم إيرانيون أم مصريون أم محليون؟)، وإلى عدم قدرتنا غالباً على تتبع الدراما الإنسانية الفردية وراء الأعمال الفنية. يترك العديد من الأسئلة مفتوحة، مثل ما إذا كان الأمويون جلبوا عمالاً إيرانيين لتنفيذ الزخارف الجصية الضخمة، لكنه يرى أن الحسم النهائي يحتاج لوثائق غير متوفرة حالياً. كما يعترف بأن الفن الأموي يبدو أحياناً "غير مهضوم" وعشوائياً، لكنه يرى فيه كيمياء خاصة وميلاً نحو التوليف.

في النهاية، يقترح الفصل مقارنة مثيرة للاهتمام بين تجميع قصيدة عمرة وتجميع القصيدة العربية الجاهلية. يرى نيكلسون أن القصيدة ليست كلاً عضوياً بل "لآلئ مختلفة الحجم والجودة على عقد". فكما أن أجزاء القصيدة (الأطلال، الغزل، الرحلة، المدح) يمكن أن تقف وحدها لكنها مرتبطة بأسلوب الشاعر، كذلك لوحات قصر عمرة هي "لوحات" متجاورة، لكنها توحدها إطارة معمارية وموضوع عام هو الاحتفاء بالأمير وحياته. هذا "الأسلوب المجزأ" كان سمة مشتركة في فن البحر المتوسط المتأخر، لكنه نال قبولاً عميقاً عند العرب، وهو موازٍ لبنية القرآن نفسه. هذه المقارنة، مع تحفظ المؤلف على ضعف الإشارات الدينية الإسلامية في القصر مقارنة بالقصيدة، هي حجر الزاوية في رؤيته للتمثيل الذاتي الأموي: إنه فن علماني وأرستقراطي، يعكس عالماً لا يزال منتمياً للعصور القديمة المتأخرة، حيث لم يكن الإسلام قد بلور بعد هويته الفنية "الكلاسيكية" المنفصلة تماماً عن جذوره. يختتم الفصل بوضع الأمويين في سياق "البرابرة" الآخرين، مستشهداً بـ بروكوبيوس القيسراني الذي وصف الفاندال بانغماسهم في الحمامات والصيد والموسيقى، وهي نفس حياة الترف التي عاشها الأمويون في قصورهم. فالأمويون، مثلهم مثل الفاندال، لم يكونوا فاتحي حضارة جديدة، بل هم حلقة أخرى في سلسلة تفاعل "البرابرة" مع ثقافات البحر المتوسط وإيران، حيث تبنوا أساليب حياة النخبة الحضرية، مع الحفاظ على هويتهم العربية المتجذرة في شعرهم وصحرائهم.