المورد
_OceanofPDF.com_Revolutions_Aesthetic_-_Max_Weiss

_OceanofPDF.com_Revolutions_Aesthetic_-_Max_Weiss

Max Weiss١ كانون الثاني ٢٠٢٢enStanford University Press

يتمحور كتاب "ثورات جمالية" للباحث ماكس فايس حول الصراع المعقد والدائم بين الجماليات والسياسة في سوريا، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في نوفمبر 1970 وحتى الحرب الأهلية. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن الدولة السورية، تحت حكم حزب البعث، لم تقم فقط بقمع المعارضة، بل شرعت في مشروع ثقافي طموح أسماه "الثورة الثقافية الأسدية-البعثية". كان هذا المشروع يهدف إلى فرض أيديولوجيا جمالية جديدة عبر الأدب والسينما والدوريات الثقافية، لترسيخ عبادة القائد، ونشر القومية العربية، وتوحيد الصف الفكري. لكن الكتاب يصر على أن الدولة لم تنجح أبداً في السيطرة الكاملة على الحقل الثقافي، حيث ظهرت جماليات منافسة أطلق عليها المؤلف "جماليات التضامن" و"جماليات المقاومة"، والتي تعايشت مع السلطة بطرق مضطربة، ومارست نقدها عبر "التحدث ضد" و"التحدث مع" الجمهور، بدلاً من "التحدث باسم" الدولة و"التحدث إلى" الشعب كما تفعل السلطة.

يسير الكتاب منطقياً عبر فصوله ليكشف تطور هذه العلاقة الجدلية. يبدأ الفصل الأول بتأسيس الإطار النظري، رافضاً وصف النظام السوري بـ"الشمولي" كما فعل مايكل والزر، ومصّراً على وصفه بأنه "استبدادي لا مركزي". ينتقد المؤلف مفهوم حنة آرنت عن الشمولية، ويفضل مقاربة لويس ألتوسير التي تركز على "الأجهزة الأيديولوجية للدولة". هنا، يضع أسس مفهومه عن "أيديولوجيا الجمالي" الذي يميز بين أشكال التواصل: لغة السلطة (التحدث إلى/باسم) مقابل لغة المقاومة (التحدث ضد/مع). في الفصل الثاني، يتعمق في "الثورة الثقافية البعثية" ذاتها، موضحاً كيف تحولت عبادة حافظ الأسد إلى خطاب فكري، وكيف تم تسييس مؤسسات مثل جريدة "المعرفة" واتحاد الكتاب العرب. يظهر كيف أن المثقفين الموالين، بمن فيهم شخصيات مثل وزيرة الثقافة نجاح العطار والفيلسوف الطيب تيزيني، أعادوا إنتاج الخطاب الرسمي الذي يمجد "البطل" الذكوري والقائد القوي.

يتحول التركيز في الفصل الثالث إلى مفهوم "الرجولة" كأداة للهيمنة. يحلل المؤلف أربعة أعمال أدبية وسينمائية، منها رواية "نهاية رجل شجاع" لـحنا مينه، وفيلم "ليالي ابن آوى" لـعبد اللطيف عبد الحميد. تظهر هذه الأعمال كيف أن الأيديولوجيا الجمالية للدولة كانت تخلق نموذجاً للبطل الذكوري القوي، ولكنها في الوقت نفسه أظهرت "هشاشة هذه الرجولة" تحت ضغط العنف الأبوي والقمع السياسي. ينتقل الفصل الرابع لفحص الكوميديا كحالة خاصة من الصراع الجمالي، مركزاً على شخصية دريد لحام وأفلامه مثل "إمبراطورية غوار" و"الحدود". يقدم الكتاب حجة قابلة للنقاش بأن كوميديا لحام، رغم نقدها الاجتماعي، كانت تميل إلى "إعادة إنتاج السلطة" وتجميل صورتها، بدلاً من تقويضها، مما يجعلها أقرب إلى "التأكيد التخريبي" الذي يعزز النظام من خلال السخرية منه.

في الفصل الخامس، يتناول الكتاب "ثقافة المخابرات" التي تميزت بسياسة الخوف. يحلل روايات من فترة حكم بشار الأسد مثل "الصمت والصخب" لـنهاد سيريس و"بروفا" لـروزا ياسين حسن. يوضح كيف أصبحت المراقبة والتنصت موضوعاً ثقافياً رئيسياً، وكيف استجاب المبدعون لهذا القمع عبر خلق "جماليات تضامن" قائمة على السخرية والضحك، وليس فقط على المقاومة المباشرة. يبقى السؤال مفتوحاً حول فعالية هذا الضحك: هل هو أداة تحرر حقيقية أم مجرد وهم يعزز النظام كما يرى سلافوي جيجك؟

مع اندلاع الحرب السورية في 2011، ينتقل الكتاب في الفصل السادس إلى ما يسميه "الشاهد البطيء". يحلل روايات وأفلاماً مثل "طبول الحب" لـمها حسن و"جنة البرابرة" لـخليل صويلح، وفيلم "ماء الفضة" لأوس محمد. تظهر هذه الأعمال شخصيات تترنح بين الدهشة وعدم التصديق، محاولة إبطاء الزمن لاستيعاب سرعة الأحداث المذهلة والعنف المدمّر. يصبح "الشاهد البطيء" استراتيجية ثقافية لمواجهة "السرعة العالية للأحداث" والتضليل الإعلامي، وللتساؤل عن إمكانية معرفة الحقيقة نفسها. الفصل السابع والأخير، "وجوه الموت"، يفحص ما يسميه المؤلف "الجماليات النخرية" للحرب. يحلل روايات مثل "الموت عمل شاق" لـخالد خليفة، حيث تصبح الجثة عبئاً مادياً ونفسياً، و"قميص الليل" لـسوسن جميل حسن التي تستكشف الموت كقوة جامحة تهدد النسيج الاجتماعي. يطرح الفصل تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للفن أن يمثل الصدمة الحسية والدمار الجماعي دون أن يقع في فخ الابتذال أو التمجيد الرومانسي للعنف؟

من بين الوقائع والأرقام اللافتة التي يصعب نسيانها، ذكر المؤلف أن مجلة "المعرفة" لم تدرج صورة حافظ الأسد على غلافها إلا في ديسمبر 1973، وهو تأخير يكشف عن التدرج في تسييس الثقافة. كما يبرز مشهد تأبيني لموت الأسد في يونيو 2000 كتبته وزيرة الثقافة مها قنوت، وصفت فيه الأسد بأنه "الفارس العظيم". وفي سياق النقد الجريء، يشير الكتاب إلى رواية "الأعداء السوريون" لـفواز حداد التي تكسر أحد المحرمات الكبرى بالحديث عن مجزرة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 20,000 شخص. كما يجذب الانتباه تحليل فيلم "مطر حمص" (2017) لـجود سعيد، الذي يصفه المؤلف بأنه تجسيد لـ"جماليات السلطة" لأنه يُظهر توحيداً رمزياً بين النظام والثورة في مواجهة "الجهاديين"، بينما يُبرئ النظام من قمع الثورة.

يعترف المؤلف بحدود وتحفظات واضحة في عمله. فهو يقر بأن تسمية ما حدث بـ"ثورة ثقافية" أمر قابل للنقاش، وأن تأثير عبادة الأسد كان "غامضاً ومحدوداً" كما تشير ليزا ويدين. كما يعترف بصعوبة الاشتغال على موضوع الموت من موقع أكاديمي "غير سوري"، رافضاً إملاء كيفية فهم السوريين لتاريخهم. يترك أسئلة مفتوحة عديدة: هل يمكن للغة أن تعبّر عن رعب الحرب؟ هل الصورة يمكن أن تكون صادقة في عصر التزييف؟ وهل "الشاهد البطيء" هو شكل شهادة قديم عفا عليه الزمن، أم أنه لا يزال ضرورياً لاستعادة إمكانية المعرفة؟ يظل السؤال الأكبر مفتوحاً حول ما إذا كان الموت في الأدب يمكن أن يحمل أي خلاص، أم أنه مجرد انعكاس للانهيار الكامل.

من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التوتر المستمر بين رفض المؤلف القاطع لوصف النظام بـ"الشمولي"، واعترافه بأن الدولة مارست ضغوطاً هائلة وشاملة على الحقل الثقافي عبر أجهزة ألتوسير الأيديولوجية. هذا التوتر يشكل جوهر مقاربة المؤلف، محاولاً تقديم صورة أكثر تعقيداً من ثنائية "القمع مقابل المقاومة". كما أن ربطه بين الخطاب العسكري والخطاب الثقافي، وإظهار كيف تبنى المثقفون أنفسهم خطاباً يشبه الحرب، يثير تساؤلاً حول إمكانية وجود إبداع حقيقي خارج إطار الصراع الأيديولوجي. أخيراً، يبقى الجدل حول ما إذا كانت الحرب السورية قد أسطحت الإبداع، أم أن ظروفها الخاصة أنتجت جماليات فريدة، هو سؤال مفتوح يختم به الكتاب.

الأشخاص

الفصول(8)

1.مقدمة: الجماليات والسياسة في سوريا المعاصرة8–47▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "ثورات جمالية" لمؤلفه ماكس فايس دراسة نقدية تاريخية للعلاقة بين الجماليات والسياسة، وبين الإنتاج الثقافي والدولة في سوريا خلال أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. يتمحور الموضوع المحوري للفصل حول فكرة "الثورة الثقافية الأسدية-البعثية"، وهي مشروع سعت من خلاله الدولة والنخب الحاكمة، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عبر "الحركة التصحيحية" في نوفمبر 1970، إلى إعادة تشكيل الثقافة السورية وفق أيديولوجيا جمالية جديدة. يجادل المؤلف بأن هذه الأيديولوجيا الجمالية، التي تستند إلى لغة تواصلية يصفها بـ"التحدث إلى" و"التحدث باسم" الشعب، كانت أداة أساسية في ترسيخ سلطة الدولة وبناء دولة قومية عربية اشتراكية، ونشر النزعة القومية السورية ضمن إطار قومي عربي أوسع. مع ذلك، يؤكد المؤلف أن الدولة لم تنجح أبداً في السيطرة الكاملة على الحقل الثقافي والفكري، بل ظهرت رؤى فنية منافسة، مثل "جماليات المقاومة" و"جماليات التضامن"، والتي تجسدت في "التحدث ضد" و"التحدث مع" السلطة، وتعايشت مع الدولة بطرق مضطربة لكنها لم تكن دائماً صدامية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مستويات من التحليل. أولاً، يناقش الجدل الأكاديمي حول طبيعة النظام السوري، رافضاً بشكل قاطع وصفه بـ"النظام الشمولي" كما طرحه بعض المنظرين مثل مايكل والزر. يرى المؤلف أن مفهوم الشمولية، كما صاغته حنة آرنت، لا ينطبق على سوريا لأن النظام لم يطلب ولاءً كاملاً وغير مشروط من كل فرد، ولم يسعَ لحكم البشرية جمعاء. بدلاً من ذلك، يصف النظام بأنه "استبدادي" و"لامركزي"، معتمداً على المحسوبية والطائفية والروابط العشائرية. يستشهد المؤلف بعالم السياسة فولكر بيرثيس لوصف النظام بأنه "سلطوي وليس شمولياً"، وبجوشوا ستاشر الذي يؤكد على "اللامركزية" و"التجانس" في النظام، ناقداً فكرة أن الدولة مبنية فقط على مؤسسات شخصية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شرح الإطار النظري المستخدم، والذي يستند بشكل كبير إلى الفيلسوف لويس ألتوسير ومفهومه عن "الأجهزة الأيديولوجية للدولة". يرى المؤلف أن الشعارات البعثية مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" أو "القائد الخالد" ليست مجرد شعارات جوفاء، بل هي تجسيد مادي لأيديولوجيا جمالية تاريخية، تم نشرها عبر وسائل الإعلام والمدارس والسجون والإنتاج الثقافي. ثم ينتقل إلى مناقشة التاريخ الثقافي والفكري لسوريا ما بعد حرب 1967، التي يعتبرها حدثاً كاسراً، لكنه يرفض فكرة أن الثقافة السورية كانت مجرد ثقافة يأس. على العكس، يقدم المؤلف أمثلة على إبداعات ثقافية استجابت للحدث، أحياناً بشكل صريح كما في مسرحيات سعد الله ونوس وأعمال أدونيس، وأحياناً بشكل غير مباشر كما في رواية "ليالي ابن آوى" أو فيلم "اللجاة".

في قسم طويل حول "أيديولوجيا الجمالي"، يطور المؤلف مفهومه عن الصراع الجمالي. يقدم أربعة مفاهيم رئيسية للتواصل الجمالي: "التحدث إلى" و"التحدث باسم" (اللغة السلطوية للدولة)، مقابل "التحدث ضد" و"التحدث مع" (لغة المقاومة والتضامن). يوضح المؤلف أن "جماليات التضامن" ليست مجرد شكل من أشكال المقاومة، بل هي فضاء ثقافي بديل قائم على الأخلاق والسياسة والتضامن، لا يهدف بالضرورة إلى مقاومة الدولة بقدر ما يهدف إلى بناء مجتمع من القاعدة إلى القمة. يستخدم مثالاً من مجلة "إسبري" الفرنسية الكاثوليكية التي تصف كيف تمكن الفنانون السوريون من شق طريقهم داخل النظام رغم الرقابة. كما يناقش استخدام "التأكيد التخريبي" (Subversive Affirmation) كتكتيك فني يسمح للفنانين بالمشاركة في الخطاب الرسمي وتأكيده في الظاهر بينما يقوضونه في الباطن، ويضرب أمثلة بأفلام مثل "نجوم النهار" لمحمد ملص و"إمبراطورية غوار" لدريد لحام و"الكومبارس" لنبيل المالح.

يختتم الفصل بمحة تاريخية موجزة عن سوريا ما بعد الاستعمار، مؤكداً أن شبح الثورة يطارد تاريخها الحديث، من الثورات ضد العثمانيين والانتداب الفرنسي، إلى الانقلابات العسكرية، وصولاً إلى النظام البعثي والانتفاضة الشعبية في 2011. وينتقد المؤلف المقاربات الاستشراقية التقليدية التي تنظر إلى مفهوم "الثورة" في العالم العربي، مثل دراسة أمي أيالون التي تربط المفاهيم العربية بالإدانة الأخلاقية، مؤكداً أن هذه المقاربات تفتقر إلى الفهم التاريخي. كما ينتقد حنة آرنت لتفضيلها الثورات الغربية مثل الثورة الأمريكية على حساب الثورات غير الغربية.

يعترف المؤلف بحدود بحثه، مشيراً إلى أن الهيمنة الثقافية للدولة لم تكتمل أبداً، وأن مدى نجاح الأيديولوجيا الجمالية في تحقيق هيمنة كاملة يبقى سؤالاً مفتوحاً. كما يعترف بأن الفصل لا يتناول قضايا "إنهاء الاستعمار" بشكل مباشر، لكنه يقدم منظوراً لإعادة التفكير في الأرشيفات المادية والفكرية المهملة. من الأسئلة المفتوحة التي يطرحها الكتاب: هل يمكن اعتبار الفنانين "المعارضين" أدوات لخطاب مضاد للهيمنة؟ وكيف يمكن فهم التحول من "ثورة من فوق" إلى "إصلاحية من فوق" في عهد بشار الأسد بعد عام 2000؟

أخيراً، يمكن القول إن هناك جدلية مثيرة للاهتمام في الفصل بين رفض المؤلف القاطع لوصف النظام بـ"الشمولي"، وبين اعترافه بأن الدولة مارست ضغوطاً هائلة وشاملة على الحقل الثقافي وأنشأت أجهزة أيديولوجية على طريقة ألتوسير. هذا التوتر بين رفض التصنيف القاسي والاعتراف بجسامة السيطرة الأيديولوجية، يشكل جوهر مقاربة المؤلف، محاولاً تقديم صورة أكثر تعقيداً من ثنائية "القمع مقابل المقاومة".

1.1. الثورة الثقافية البعثية48–91▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بمناقشة الثورة الثقافية التي قادها حزب البعث في سوريا تحت حكم حافظ الأسد، ويقدم إعادة تقييم تاريخي للفترة من 1970 حتى 2000. يطرح الكاتب أن الفهم السائد لحكم الأسد ركز على الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما أهمل الأبعاد الثقافية والفكرية. الجوهر الذي يقدمه الفصل هو أن النظام السعي إلى ما يسميه الكاتب "الثورة الثقافية الأسدية-البعثية"، وهي محاولة منهجية لفرض أيديولوجيا جمالية جديدة عبر الأدب والسينما والدوريات الثقافية، بهدف خلق عبادة للقائد وتوحيد الصف الفكري خلف مشروع قومي عربي نضالي.

يمضي الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل هذه الأيديولوجيا الجمالية. يستهل الكاتب بمشهد تأبيني لموت الأسد في يونيو 2000، حيث كتبت وزيرة الثقافة مها قنوت قصيدة رثاء بليغة تصف الأسد بـ"الفارس العظيم" و"حارس الحلم القومي"، مساوية إياه بالحصان الذي يمتطي صهوة جواده في رحلته الأخيرة. يوضح الكاتب أن هذا النوع من التمجيد لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتاج تراكم طوال السبعينيات والثمانينيات، حيث أنتج مثقفون سوريون مكتبة كاملة من المديح للقائد، ونُشرت أعمال شبه أكاديمية تمجد عبقريته الفكرية.

يشرح الفصل مفهوم "الأسدية الثقافية" كمرافق للأسدية السياسية. بينما تشير الأسدية السياسية إلى نظام المحسوبية والزبائنية، فإن الأسدية الثقافية تتعلق بمجموعة من الممارسات التي تهدف إلى نشر أيديولوجيا جمالية مهيمنة عبر وسائل ثقافية. يستشهد الكاتب بخطاب وزيرة الثقافة السابقة نجاح العطار (التي شغلت المنصب من 1976-2000)، والتي وصفت الأسد بأنه "قائد الثقافة" و"النسر الذي يبسط جناحيه"، مستعيرة من فيلسوف التاريخ توماس كارليل نظرية "الرجل العظيم"، ومضيفة إليها بُعداً مقدساً بوصف الأسد بأنه "قائد منحته السماوات". يلفت الكاتب الانتباه إلى أن العطار هي شقيقة عصام العطار، أحد قادة الإخوان المسلمين في سوريا، للإشارة إلى تعقيد العلاقة بين الهوية الطائفية والولاء الأيديولوجي.

يتناول الفصل بالتحليل كيف تمت ترجمة عبادة القائد إلى خطاب فكري خادع في المجالات الأدبية. يقدم الكاتب قراءة لمقال حنّا عبود في مجلة "الموقف الأدبي" حول مفهوم "البطل". يصف عبود البطل بأنه "الوصي الحقيقي على مصالح المجموعة البشرية التي تسير خلفه"، مساوياً بين البطولة والزعامة. يشير الكاتب إلى أن هذا المفهوم يجرد البطولة من أسسها المادية ويجعلها هوية تمنحها القيادة السياسية، بغض النظر عن أفعالها. يرى أن هذا الخطاب يجد جذوره في فلسفات مثالية مثل الماركسية والفرويدية، والتي تتفق جميعها في تمجيد شكل ذكوري صارم من البطولة يجسده الأب أو البطريرك.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن البعد العسكري للثورة الثقافية، حيث يصف "الحركة التصحيحية" في نوفمبر 1970 بأنها انقلاب داخلي أعاد توجيه الدولة. يوضح الكاتب كيف تحول الجيش السوري تحت قيادة الأسد ووزير دفاعه مصطفى طلاس من جيش وطني إلى "جيش عقائدي" يؤمن بعقيدة حزب البعث. يستشهد بخطاب طلاس في مجلة "جيش الشعب" (مارس 1972) الذي يصف الجيش العقائدي بأنه أفضل من الجندي العادي أو المرتزق. يرى الكاتب أن هذا الخطاب كان جزءاً من "تأمين الجيش ضد الانقلابات" (coup-proofing) فكرياً وسياسياً. على الرغم من هذه الدعوات، ينقل الفصل وجهة نظر علماء اجتماع مثل ميشيل سورا وإليزابيث بيكار الذين يرون أن هذا الخطاب كان مجرد ستار أيديولوجي لإخفاء "فراغ أيديولوجي" حقيقي، وأن الجيش تحول إلى "آلة قمع هائلة" و"قشرة فارغة".

يستعرض الفصل الخريطة المؤسسية للفكر والثقافة السورية خلال تلك الفترة. يركز على مجلتين رئيسيتين: "المعرفة" التي تصدرها وزارة الثقافة، و**"الموقف الأدبي"** التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب المنضوي تحت الدولة. يوضح الكاتب أن هذه المجلات لم تكن مجرد أدوات دعائية، بل شكلت فضاءات للصراع الأيديولوجي والجمالي. يذكر أن مجلة "المعرفة" بدأت من 1962، لكنها لم تدرج صورة الأسد على غلافها إلا في ديسمبر 1973، وهو ما يعتبره الكاتب علامة على تداخل الرموز السياسية في الفضاء الثقافي. وفي أغسطس 1974، دعت افتتاحية المجلة إلى "بعث ثقافي عربي" لمواجهة التحدي الحضاري، معتبرة أن التنوع الأدبي بين الأقطار العربية هو تهديد للوحدة القومية.

ينتقل الفصل إلى تحليل تأثير هذه الأيديولوجيا على الكتاب والأدباء. يشير إلى أن مثقفين بارزين مثل الفيلسوف الماركسي الطيب تيزيني دعوا إلى "تثوير الثقافة" واعتبروا أن دمج المثقفين في أجهزة الدولة هو السبيل لتحقيق الاشتراكية. يذكر الكاتب أن القاص الكبير زكريا تامر دعا إلى نقد أدبي طليعي وشجاع، معتبراً أن الناقد يجب أن يكون "مقاتلاً ماهراً يحمل هراوة كبيرة". ينقل الفصل عن هاني الراهب قوله إن الأدب هو "عملية مخاض مثل الثورة". يخلص الكاتب إلى أن المثقفين في سوريا، حتى لو كانوا تابعين للدولة، احتلوا مكانة مهمة في بنية السلطة، وكانوا مسؤولين عن إعادة إنتاج الأيديولوجيا القومية العربية ومعاداة الإمبريالية.

يتعامل الفصل مع حدود وتحفظات واضحة. يقر الكاتب بأن تسمية ما حدث بـ"ثورة ثقافية" أمر قابل للنقاش، مؤكداً أن هدفه ليس إصدار حكم على مدى دقة هذا المصطلح، بل تفكيك الأسس الأيديولوجية التي جعلت الحقل الثقافي ساحة للصراع. كما يعترف بأن تأثير عبادة الأسد كان "غامضاً ومحدوداً" كما تشير الباحثة ليزا ويدين، وأن الإيديولوجيا الجمالية البعثية لم تكن المبدأ الوحيد الذي يوجه الإنتاج الثقافي. ينقل أيضاً تحفظات باحثين مثل فولكر بيرتس الذي يشكك في وجود أيديولوجية دولة قوية أصلاً، ويعتبرها أداة لنزع السياسة عن المجتمع. يوضح الكاتب أن الفصل يركز على "النخبة الموالية" والتي عبرت عن قناعة واسعة النطاق (أو على الأقل أداءً مقنعاً لها) بأن الحركة التصحيحية ستحيي الحقل الثقافي.

في النهاية، يعرض الفصل حججاً قابلة للنقاش، أبرزها التطابق الذي يرسمه الكاتب بين الخطاب العسكري والخطاب الثقافي، وكيف أن المثقفين أنفسهم تبنوا خطاباً يشبه الحرب في شروطه وأخلاقياته. هناك أيضاً مفارقة يشير إليها الفصل بشكل غير مباشر: محاولة النظام بناء "ثورة ثقافية تحررية" بوسائل قمعية وتسلطية، حيث أن الحرية التي يمنحها القائد من عليائه هي حرية "مشروطة" بالالتزام بمبادئ الأمة. الفصل أساسي لفهم كيف أن العنف الرمزي الذي مارسته الدولة عبر الثقافة كان لا يقل أهمية عن العنف الجسدي الذي مارسه جهاز الأمن، وأن صراع الجماليات في سوريا كان جزءاً لا يتجزأ من صراع السلطة نفسه.

2.2. رجال الالتزام92–142▼ ملخص

يبدأ الفصل بمناقشة مفهوم "الرجولة" في الثقافة السورية خلال فترة حكم حافظ الأسد، حيث يوضح أن البطل في الأدب والسينما السوريين كان شخصية ذكورية في الغالب، حتى في حالات "الأبطال المناهضين". يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: إذا كان المشاهد المثالي هو ذكر، كما يقول جون بيرغر، فكيف تُصوَّر صورة الرجل لتتملَّق هذا المشاهد الذكر؟ يركّز الفصل على علاقة القوة والعنف بالرجولة، مستعيناً بدراسة سامرا أغاسي عن أشكال الهوية الذكورية في الرواية العربية بعد 1967، والتي تشمل "الرجل الفحل، الأب المستبد، المقاتل الجريء، المثقف الملتزم، والسجين المضطهد".

يحلّل الفصل بالتفصيل روايتين وفيلمين، ويبدأ بـ "نهاية رجل شجاع" (1989) لـ حنا مينه. الرواية، التي كتبها مينه (1924-2018)، تحكي قصة مفيد، وهو شاب ينشأ في الريف السوري ويكافح ضد سلطة والده العنيف والمجتمع والفقر. يصف مفيد نفسه بأنه "وحش" و"فحل"، والرجولة في الرواية تتجسد بالقوة الجسدية والعنف والشجاعة في مواجهة الاحتلال الفرنسي والعصابات. تصل الرواية إلى نهايتها بانتحار مفيد برصاصة في رأسه بعد أن أطلق النار على ضابط جمارك، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان الانتحار نهاية البطل الشجاع أم دليلاً على هزيمته.

يحوَّل الفصل انتباهه إلى "معراج الموت" (1989) لـ ممدوح عزام، التي تقدم نموذجاً مختلفاً للرجولة. القصة تروي مأساة سلمى، الفتاة الفلاحة التي تُجبر على الزواج من سعيد، ثم تقع في حب عبد الكريم. هنا، عبد الكريم هو عكس مفيد تماماً: رجل خجول، حالم، يلتزم بالحب العذري ولا يستطيع حماية حبيبته. يؤدي هذا الضعف إلى قتل سلمى على يد عمها سيّاح، الذي يمثل السلطة الأبوية القمعية. يخلص الفصل إلى أن العنف الأبوي في هذه الرواية يسحق الأحلام والحب والحياة، ويترك السؤال: ما قيمة رجولة لا تستطيع الدفاع عن نفسها أو عن حبيبها؟

يتناول الفصل أيضاً فيلم "اللجاة" (1995) للمخرج رياض شيا، وهو اقتباس سينمائي لرواية "معراج الموت". يشير الفصل إلى أن الفيلم يتميز بأسلوب "السينما البطيئة" والصور الفوتوغرافية الفاتنة، مع حوار ضئيل جداً. يستخدم المخرج تقنيات مثل المرايا والأبواب والنوافذ لخلق شعور بالاختناق والخنق، ولتخريب الفجوة بين الداخل (المنزل) والخارج (العالم العام). يعرض الفيلم الحياة اليومية في قرية سورية، لكنه يرفض تقديم نقد سياسي مباشر، بل يعتمد على الصورة والصمت "ليتحدث بصوت أعلى من الكلمات"، وهو ما يصفه المؤلف بأنه "جماليات التضامن" مقابل "جماليات السلطة".

ينتقل الفصل بعدها ليالي ابن آوى (1989) لـ عبد اللطيف عبد الحميد، وهو فيلم يصور حياة مجموعة من الجنود السوريين في موقع عسكري منعزل خلال حرب 1973. يركز الفصل على الصراع بين ثلاثة شخصيات رئيسية: عريف قاسٍ يمثل السلطة العسكرية الذكورية، شاعر ضعيف ومثالي، وجندي بسيط يكافح بينهما. يُظهر الفيلم كيف أن هذه البيئة العسكرية القاسية تخلق "رجولة في أزمة"، حيث الرجال عالقون في قمع ذاتي متبادل. يبرز الفيلم هيمنة اللغة الرسمية وشعارات الدولة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن عجز هذه الشعارات عن ملء الفراغ الوجودي لدى الجنود، مما ينتج مشاهد صمت طويلة تعبر عن ضياعهم.

ينتهي الفصل بتحليل "صندوق الدنيا" (تضحيات) (2002) لـ أسامة محمد، وهو فيلم يتابع قصة سالم، وهو رجل يبلغ من العمر 45 عاماً، يعيش مع زوجته وابنته في دمشق. يشير الفصل إلى أن الفيلم يستخدم أسلوباً سينمائياً معقداً وغير تقليدي، مع مشاهد بطيئة وطويلة وحوار قليل. يصور الفيلم انهيار سالم الجسدي والنفسي تحت ضغط الحياة اليومية الفظة. يقدم أسامة محمد نقداً صارخاً "لأبوية الدولة"، حيث يظهر كيف أن هيمنة الدولة على كل شيء تؤدي إلى تدمير الفرد. على عكس النماذج السابقة، يصور الفيلم "رجولة منهكة" لا تستطيع حتى الانتحار أو المقاومة.

في الختام، يخلص المؤلف إلى أن الخطاب المهيمن حول الرجولة في الثقافة السورية - الذي يمجد القوة والشجاعة والالتزام القومي - كان نتاجاً لسياسات الدولة البعثية التي تهدف إلى خلق مواطن مثالي مطيع. لكن الأعمال التي تم تحليلها في هذا الفصل، مثل روايات حنا مينه وأفلام عبد اللطيف عبد الحميد ورياض شيا وأسامة محمد، تُظهر أن المثقفين والمخرجين السوريين كانوا في حالة جدل دائم مع هذه الأيديولوجيا. لقد استخدموا السينما والأدب لتفكيك صورة البطل الذكوري، وكشف هشاشتها، وتصوير معاناة الرجال تحت ضغط العنف الأبوي والقمع السياسي. يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للمجتمع السوري أن يعيد تعريف الرجولة خارج إطار القوة والعنف، في ظل نظام سياسي يعتمد على هذه المفاهيم بالذات؟

3.3. الشيء المضحك في الديكتاتورية143–193▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على شخصية دريد لحام، الممثل الكوميدي والكاتب المسرحي السوري، باعتباره شخصية محورية في تاريخ السينما الكوميدية السورية، وأيقونة ثقافية إقليمية ودولية. يفحص المؤلف العلاقة المعقدة والمتناقضة أحياناً بين فن لحام وسلطة النظام الاستبدادي في سوريا، مقدماً إجابة محورية مفادها أن الكوميديا في سوريا ما بعد عام 1967، وبخاصة أعمال لحام، لم تكن مجرد أداة للنقد السياسي أو وسيلة للتنفيس عن الاحتقان الشعبي، بل كانت أيضاً وسيلة لإعادة إنتاج السلطة التسلطية وتكريسها وتجميل صورتها ضمن إطار "الثقافة الجمالية" للنظام البعثي الأسدي. يناقش الكاتب كيف أن شخصية "غوار الطوشي" التي جسدها لحام ونوع الفكاهة التي قدمها، أصبحت ساحة صراع على المعنى بين مؤيدي النظام ومعارضيه.

يسير الفصل من خلال تحليل ثلاث أفلام رئيسية من ثمانينيات القرن العشرين، منتقلاً من سيرة ذاتية مختصرة لدريد لحام إلى تحليل عميق لبنية كل فيلم ورسائله السياسية والجمالية، مع الإشارة إلى جدل واسع حول دور المثقف والفنان في المجتمع السوري. يستعرض الفصل كيف أن شخصية لحام أصبحت مثار جدل خلال الثورة السورية عام 2011، بعد أن ظهر في مقابلة تلفزيونية في 3 سبتمبر 2018 على قناة الميادين، دافع فيها عن موقف النظام وركز على "التعصب الطائفي" كسبب للحرب، متجنباً مناقشة المطالب السياسية والثورية. هذا الموقف أدى إلى اتهامه من قبل معارضين بأنه "عدو للشعب السوري" ودعا البعض إلى مقاطعته، في حركة وُصفت بأنها "ثقافة إلغاء" ثورية.

يبدأ التحليل بفيلم إمبراطورية غوار (1982) للمخرج مروان عكاوي، والذي يتناول التوتر بين السلطة المحلية والسياسية في حارة دمشقية. يصف الفيلم صعود غوار من حلاق إلى زعيم للحارة بعد صراع مع زعيم آخر، لكنه يركز على كيفية تحول غوار إلى ديكتاتور شعبي. يطرح الكاتب تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان الفيلم نقداً للاستبداد أم تبريراً له، مشيراً إلى أن نهايته المفتوحة (تصوير متجمد) توحي بإمكانية التغيير السياسي، ولكنها تعزز في الوقت نفسه فكرة ضرورة وجود قائد قوي لحماية الشعب. يخلص المؤلف إلى أن الفيلم يُظهر أن غوار، خلافاً لشخصية تشابلن الذي كان يتخيل حلولاً مبتكرة، يتكيف مع الواقع القائم ويستخدم العنف لتعزيز سلطته، مما يجعله أداة لإعادة إنتاج النظام وليس مقاومته.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فيلم الحدود (1984) للمخرج دريد لحام نفسه، والذي يقدم قصة رمزية عن الانقسام في الوطن العربي من خلال شخصية عبد الودود الذي يجد نفسه عالقاً في المنطقة الفاصلة بين دولتين. يركز الفيلم على محنة المواطن العربي الذي يصبح بلا هوية بسبب الحدود المصطنعة، ساخراً من الأيديولوجيات القومية الفارغة والخطاب السياسي المنمق الذي لا يؤدي إلى وحدة فعلية. يصور الفيلم شخصيات السياسيين والعسكريين والإعلاميين على أنهم غير أكفاء ومرتبكون، بينما يظل الصراع مع العدو الخارجي (إسرائيل) غائباً عن السرد. تنتهي قصة عبد الودود أيضاً بلقطة متجمدة وهو يحطم حاجز الحدود، مما يترك مستقبل الثورة المحتملة معلقاً دون ضمان نجاحها.

أما الفيلم الثالث فهو التقرير (1986)، الذي يناقش قضية البيروقراطية والسلطة السياسية. يوضح المؤلف أن هذه الأفلام تُظهر تحولاً في سياسة لحام، الذي كان يتردد بين رؤية الفن كمشاركة سياسية واعية ورؤيته على أنه مجرد ترفيه، وهو ما يظهر جلياً في مقابلتيه عامي 1980 و2006. يخلص الفصل إلى أن أعمال لحام، رغم احتوائها على نقد اجتماعي وسياسي ساخر، إلا أنها كانت تعمل ضمن حدود النظام وبدعم من المؤسسة العامة للسينما، مما جعلها شكلاً من أشكال "التأكيد المقلوب" للسلطة، حيث تُستخدم الفكاهة لإضفاء الشرعية على النظام وتجميل صورته، بدلاً من تقويضه. يقرّ المؤلف بوجود قيود في الدراسة، مشيراً إلى أنه لم يُعطِ اهتماماً كافياً لتحليل النكات نفسها وطريقة إلقائها، بل ركز على كيفية استخدام الميلودراما والتهكم والعبث في السرد السينمائي. كما يفتح الفصل أسئلة حول ما إذا كان بإمكان الفكاهة أن تكون فعلاً أداة للمقاومة أم أنها غالباً ما تخدم السلطة، وذلك من خلال الاستشهاد بأقوال مفكرين مثل تودور أدورنو وأندرو هيويت الذين يرون أن الضحك غالباً ما يقف إلى جانب الأقوياء.

4.4. قراءة كتابة المخابرات194–239▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو "سياسة الخوف العاطفية" التي تمارسها أجهزة الأمن والمخابرات في سوريا تحت حكم حزب البعث، وكيف تم تمثيل هذه الرقابة والتجسس في الأدب والسينما السورية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذه الممارسات لم تكن مجرد أداة قمعية من أدوات الدولة، بل تحولت إلى موضوع ثقافي رئيسي، حيث اختار المبدعون السوريون طرقاً مبتكرة للتعامل معها، ليس فقط عبر المقاومة المباشرة، بل أيضاً عبر السخرية، والضحك، والخلق الجمالي الذي يبني "جماليات تضامن" بديلة عن "جماليات السلطة" التي تفرضها الدولة.

يبدأ الفصل بتحليل فيلم "الكومبارس" للمخرج نبيل المالح (1993)، الذي يدور بالكامل في شقة في دمشق، حيث يحاول العاشقان نادية وسالم خلق مساحة خاصة بهما بعيداً عن أعين الدولة. يظهر الفيلم كيف أن القمع السياسي يتداخل مع الحياة الحميمية؛ فالطرق على الباب قد يعني عودة صاحب الشقة أو قدوم رجال الأمن. يرى المؤلف أن سالم ونادية لا يقاومان بشكل بطولي، بل يخلقان "جماليات تضامن" من خلال الضحك واللعب التمثيلي، وهما يتحدثان معاً (mitsprechen) في مواجهة خطاب الدولة الأحادي.

بعد ذلك، يطرح المؤلف مفهوم "ثقافة المخابرات" (mukhabarat culture) مستلهماً من الناقد عباس بيضون الذي صاغ مصطلح "رواية المخابرات". يرى المؤلف أن هذا المفهوم يتجاوز الرواية البوليسية ليشمل أعمالاً فنية أخرى كالأفلام الرومانسية والمأساوية. ينتقل بعدها لتحليل ثلاث روايات سورية صدرت في العقد الأول من حكم بشار الأسد (2000-2011)، وهي فترة ما بين وفاة حافظ الأسد وبداية الثورة السورية، ليبين كيف تطورت هذه الثقافة الأدبية.

الرواية الأولى هي "الصمت والصخب" لـنهاد سيريس (2004)، وتتبع يومًا واحدًا في حياة الكاتب فتحي شين الذي يعيش مهمشاً بعد أن ابتعد عن توجيهات المؤسسة الثقافية. تتعامل الرواية مع الاستبداد عبر الهجاء والسخرية، حيث يتحول الضحك إلى سلاح سياسي. يظهر ذلك في مشاهد مثل ضحك حبيبة البطل لمى في مناسبة رسمية، أو ضحك فتحي داخل زنزانته. يصل البطل في النهاية إلى استنتاج مفاده أن الضحك هو الوسيلة للهروب من الخيار الزائف الذي تقدمه الدولة: إما "صمت" السجن أو "صخب" النظام. ويستخدم الكاتب هنا نقداً ساخراً للشعر، معتبراً إياه أداة دعائية يفضلها النظام على النثر الذي يمثل الفكر الفردي المستقل.

الرواية الثانية هي "بروفا" (المسودة الأولى) لـروزا ياسين حسن (2011)، والتي تقدم منظوراً فريداً من خلال عميل مخابرات يجلس في غرفة تنصت في اللاذقية. هذا العميل، وهو طالب فلسفة سابق، يستخدم وظيفته ليست للتجسس بقدر ما هي مادة لروايته الأولى. يتابع حياة شخصيات مثل صباح عبد الرحمن ومهيار السالمي، ويكتشف أنهم مجرد أفراد عاديين يعانون من مشاكل شخصية وجنسية وروحية. يهمل العميل مهمته الرقابية لصالح مشروعه الأدبي، ويصل إلى مرحلة يشعر فيها بالخيانة لو كشف أسرار شخصياته للسلطة. تكشف الرواية عن ازدواجية عميل المخابرات الذي هو جزء من النظام وفي نفس الوقت ضحية له، وتظهر كيف أن أبناء جيل السبعينيات، حتى من هم داخل الجهاز، يعانون من "الانحراف الجنسي والفراغ الروحي واليأس النفسي".

أما الرواية الثالثة فهي "لها مرايا" لـسمر يزبك (2010)، والتي يعدها المؤلف استمراراً لموضوعات المراقبة والتنصت. تنتقل الرواية بين عدة شخصيات وأزمنة، وتستخدم مفهوم "تناسخ الأرواح" كاستعارة للعلاقة بين الماضي والحاضر. تتبع الرواية حياة رجاء التي تبحث عن هويتها وتاريخ عائلتها، بينما تتعرض هي ووالدها للاضطهاد من قبل النظام. تستخدم يزبك صورة المرآة كرمز للتشظي والانعكاس، وللتساؤل عن الهوية الحقيقية تحت نظام لا يترك للإنسان أي خصوصية.

في خاتمة الفصل، يقر المؤلف بأن هذه الأعمال الأدبية والفنية لا تقدم إجابة قاطعة حول فعالية السخرية والضحك كأدوات للمقاومة. فهو يناقش آراء نقاد مثل سلافوي جيجك الذي يرى أن القوة التحررية للضحك قد تكون وهماً، وثيودور أدورنو الذي يعتبر أن السخرية قد تنحاز إلى الجانب الأقوى. ومع ذلك، يخلص المؤلف إلى أن هذه الأعمال تظل مهمة لأنها تخلق مساحة للتفكير في وكالة الفرد وأخلاقياته تحت القمع، وتسأل عن كيفية إعادة بناء الإرادة الأخلاقية في ظل ظروف تم تجريد الإنسان منها. يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: هل يكفي الضحك والتهكم للرد على القمع والتعذيب والرقابة، أم أن ذلك يعزز النظام بشكل غير مباشر؟

5.5. الشاهد البطيء240–280▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل، "الشاهد البطيء"، بطرح سؤال محوري حول كيفية تمثيل الحرب والثورة في الثقافة السورية، ويقدم إجابة مفادها أن الكتّاب وصنّاع الأفلام السوريين ابتكروا شكلاً جديداً من أشكال الشهادة، وهو "الشاهد البطيء"، كرد فعل على السرعة المذهلة للأحداث والتضليل الإعلامي والعنف المدمّر. يرى المؤلف أن هذه الشخصية الأدبية والسينمائية، التي تترنح بين الدهشة وعدم التصديق، تمثل محاولة لإبطاء الزمن واستعادة إمكانية المعرفة والحقيقة في خضم ما يسميه "السرعة العالية للأحداث"، وهو المصطلح الذي يستعيره من ليزا ويدين لوصف التدفق الهائل للمعلومات في العصر الرقمي.

يسير الفصل عبر تحليل ثلاثة أعمال رئيسية، تبدأ برواية "طبول الحب" (2013) لمها حسن. تتبع الرواية ريما خوري، أكاديمية سورية في المنفى بباريس، تعود إلى سوريا بعد اندلاع الثورة لتشهد بنفسها. تصبح ريما شاهداً متحمساً، لكنّها غير قادرة على مواكبة سرعة الأحداث، ولا تصل أبداً إلى حمص، "عاصمة الثورة"، وتُصاب برصاص قناص في النهاية. يستخدم المؤلف هذا العمل لتوضيح فكرة "الشهادة السريعة" حيث تندفع الشخصية لجمع المعلومات وكأنها مراسلة حرب، لكنها تفشل في تحقيق اتصال حقيقي مع جوهر الثورة. تظهر الرواية أيضاً صراع المثقفين وأدوارهم، من خلال شخصية ريان التي تنتقد المثقفين "المخمليين" وتدّعي أن المثقف الحقيقي يجب أن يعمل في الظل بعيداً عن الجماهير.

ثم ينتقل الفصل إلى رواية "جنة البرابرة" (2014) لخليل صويلح، التي تقدم نموذجاً مغايراً تماماً للشاهد. هنا، الراوي بطل الرواية، وهو مثقف دمشقي موسوعي، يجوب شوارع دمشق المدمرة بين أبريل 2012 وديسمبر 2013، موثقاً ألف يوم من الحرب. على عكس ريما، هذا الراوي هو "شاهد بطيء" بامتياز: متأمل، حائر، وغير قادر على الفهم أو الحكم القطعي. يعتمد على التاريخ والأدب الكلاسيكي (ابن خلدون، الجاحظ، وحتى رولان بارت) لفهم الفوضى، لكنه يجد اللغة نفسها قد انهارت. يصف مشاهد وحشية، مثل مختنق يمضغ قلب جندي، ويخلط بين الروائح (رائحة الهيل تختلط بالدم، ورائحة غاز السارين بدلاً من أزهار الكرز). في هذا العمل، يتحول الشاهد البطيء إلى كيان يعيش مع "ديناصور"، كناية عن كائن منقرض لا يستطيع مواكبة وتيرة الدمار، مما يطرح سؤالاً وجودياً حول ما إذا كان هذا الشكل من الشهادة قد عفا عليه الزمن.

أما العمل الثالث فهو الفيلم الوثائقي التجريبي "ماء الفضة" (2014) للمخرج أوس محمد ووئام سيماف بدرخان. يصف الفصل هذا الفيلم كمحاولة سينمائية لتحقيق "التحدث معاً" (mitsprechen)، أي إعطاء صوت للجماعة بدلاً من الصوت الفردي للمخرج. يتكون الفيلم بشكل كبير من لقطات تم تصويرها بهواتف محمولة وأرسلها سوريون عاديون من داخل مناطق الحرب، وقام المخرج بتركيبها. يسلط هذا الضوء على "الواجب التوثيقي" الذي يهيمن على الإنتاج الثقافي السوري، حيث يصبح كل فرد شاهداً محتملاً بكاميرا هاتفه. يثير الفيلم، مثل الروايتين السابقتين، أسئلة حول صحة الصورة وسلطتها، في وقت أصبحت فيه الصورة المزيفة أو ملفقة تهدد الحقيقة.

في كل هذه الأعمال، يقرّ الفصل بحدود الشهادة ذاتها، ويطرح أسئلة مفتوحة. فهل يمكن للغة أن تعبّر عن هذا الرعب؟ وهل يمكن للصورة أن تكون صادقة؟ يلمح المؤلف إلى أن "الشاهد البطيء" ليس مجرد شخصية روائية، بل هو استراتيجية ثقافية لمواجهة سرعة الأحداث وتدفق الصور المربك. إنه محاولة لإعادة الزمن إلى مساره الطبيعي، ولخلق مساحة للتأمل والتفكير، رغم أن هذه المحاولة قد تبدو عقيمة أو يائسة في مواجهة جحيم الحرب. يخلص الفصل إلى أن هذه الأعمال الأدبية والسينمائية تعيد تعريف المشهد السياسي الجمالي السوري، منتقلة من "جماليات السلطة" إلى "جماليات التضامن"، حيث يتحدث المبدعون ليس فقط عن الشعب بل باسمه ومن خلاله.

6.6. وجوه الموت281–326▼ ملخص

يطرح هذا الفصل، المعنون "وجوه الموت"، موضوعاً محورياً هو كيفية تعامل الأدب والسينما السوريين مع الموت والجثث والدمار خلال الحرب السورية، وكيف أصبحت هذه التمثيلات "مشرحة أدبية-ثقافية". يقدّم المؤلف ما يسميه "الجماليات النخرية" (necroaesthetics) للحرب السورية، وهي مجموعة الخطابات الأدبية والسينمائية والفنية التي تتمحور حول تصوير أبعاد الموت والموت والجثث. يرى المؤلف أن هذه الأعمال ليست مجرد توثيق للعنف، بل هي ساحة صراع أيديولوجي وجمالي، حيث تواجه جماليات السلطة لكل من جماليات التضامن وجماليات المقاومة. السؤال الأساسي الذي يطرحه الفصل هو: كيف يمكن للفن أن يمثل الصدمة الحسية والدمار الجماعي دون أن يقع في فخ الابتذال أو التمجيد الرومانسي للعنف؟

يسير الفصل عبر عدة خطوات. أولاً، يقدّم إطاراً نظرياً، مستعيناً بفلاسفة مثل أدورنو وهانا أرندت وأشيل مبيمبي، لمناقشة إشكاليات تمثيل الموت في زمن الحرب. يشير إلى أن الموت في زمن الحرب السورية أصبح "عملاً شاقاً"، كما يوحي عنوان رواية خالد خليفة. ينتقل بعدها إلى تحليل أربعة أعمال أدبية وسينمائية رئيسية، هي: رواية "الموت عمل شاق" لخالد خليفة (2016)، ورواية "قميص الليل" لسوسن جميل حسن (2014)، ورواية "الغرانيق" لمازن عرفة (2017)، وفيلم "يوم أضعت ظلي" لسوداد كعدان (2018).

في رواية "الموت عمل شاق"، يتتبع الفصل رحلة ثلاثة أشقاء ينقلون جثة والدهم المتوفى "عبد اللطيف السالم" من دمشق إلى قريته "العنابية" قرب حلب لدفنها. تتحول الرحلة إلى كابوس بسبب الحرب: الحواجز العسكرية، الجثث المتراكمة، التحلل الطبيعي للجثة، والصراعات العائلية. يستخدم المؤلف مقارنة واضحة مع رواية وليام فوكنر "بينما أرقد محتضراً"، حيث تشكل الجثة عبئاً مادياً ونفسياً على الأحياء. الوظيفة الرئيسية لهذا المثال هي إظهار كيف أن الحرب تجعل من فعل الدفن البسيط "عملاً شاقاً"، حيث تتحول الجثة من رمز للكرامة إلى "شيء منتن" و"طاعون"، وتتفكك الروابط العائلية تحت وطأة هذه المهمة. يُختتم المشهد بتحول "بلبل" (الشقيق الأكبر) إلى جثة حية في سرير والده، مما يؤكد فكرة أن الموت يلتهم كل شيء، حتى الأحياء.

أما رواية "قميص الليل"، فتتناول موت شخصية هامشية ومجهولة الهوية تُدعى "جغا"، وهو رجل مشرد ومدمِن، في حي الخرنوب بمدينة اللاذقية. تسبب جثته التي لا يطالب بها أحد، أزمة في المجتمع المحلي بسبب عدم معرفة انتمائه الطائفي، مما يعيق دفنه. تستخدم الرواية تقنيات سردية متعددة، حيث يروي جغا نفسه تجربته كجثة، وكيف أصبح "شاهداً وحيداً" على خراب سوريا. تصل الرواية إلى ذروتها الخارقة عندما تحاول شابة تدعى "هند" الانتحار حرقاً فوق نعش جغا. الوظيفة هنا هي استكشاف الموت كقوة جامحة تهدد النسيج الاجتماعي والوطني، ولكنها أيضاً قد تخلق لحظة "صيرورة ثورية" (بالمفهوم الفلسفي لـجيل دولوز) تتجاوز الفشل السياسي، وتعيد إشعال جذوة الثورة من خلال التضحية القصوى.

يعترف الفصل بحدوده وتحفظاته بوضوح. يقرّ المؤلف بصعوبة الاشتغال على هذا الموضوع من موقع أكاديمي "حضري غير سوري"، ويرفض إملاء كيفية فهم السوريين لتاريخهم. كما ينبه إلى خطر أن تصبح الصور المروعة للجثث مبتذلة بسبب شيوعها، أو أن تتحول إلى مجرد أداة للتسلية أو الإثارة. يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية التمثيل الأدبي والسينمائي للصدمة، وحول ما إذا كان من "الابتذال" أن يظل الفنان صامتاً أو أن يستمر في الإبداع في ظل هذه الفظائع. كما يميز بين "الجماليات النخرية" التي يدرسها وبين "السياسات النخرية" لمبيمبي، مؤكداً أن الجثة في الأدب قد تكون أداة لنقل معانٍ ورغبات مختلفة، وليست بالضرورة عاملاً للمقاومة بعد الموت.

من بين الحجج القابلة للنقاش التي يطرحها الفصل، رفضه التفسير الرومانسي للجثة السورية كفاعل للمقاومة، مقدمًا بدلاً من ذلك قراءة تركز على كيفية عمل الجثة كمركبة للمعنى السياسي والجمالي. كما أن جدله مع جيمسون حول أن كل روايات الحرب "متشابهة" يثير تساؤلاً حول ما إذا كانت الحرب فعلاً تسطح الإبداع أم أن الظروف الخاصة للحرب السورية أنتجت جماليات فريدة. أخيراً، يبقى النقاش حول ما إذا كان الموت في الأدب يمكن أن يحمل أي خلاص أو فداء، أم أنه مجرد انعكاس للانهيار الكامل، كما يبدو في رواية خالد خليفة التي لا تقدم أي عزاء للقارئ.

8.خاتمة: فن الواقع327–422▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل الختامي هو الصراع المُستمر حول الأيديولوجيا الجمالية في سوريا، والذي يُجسّد التوتر بين "جماليات السلطة" التي تفرضها الدولة الأسدية-البعثية، و"جماليات التضامن" و"جماليات المقاومة" التي تمثل بدائل نقدية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذا الصراع الأيديولوجي، الذي بدأ مع ما يسمى "الثورة الثقافية الأسدية-البعثية" في سبعينيات القرن الماضي، لم يتوقف بل تطور وأخذ أشكالاً جديدة في سياق الحرب السورية، حيث أصبح الخط الفاصل بين "الفن السياسي" المرفوض من قبل السلطة والفن الموالٍ لها أكثر تعقيداً.

يسير الفصل عبر تحليل مقارن لأعمال سينمائية وأدبية مختلفة، ممتداً من سبعينيات القرن الماضي حتى عام 2017. يبدأ الفصل بمناقشة فيلم المخرج عمر أميرالاي الوثائقي الناقد "الحياة اليومية في قرية سورية" (عام 1974). يصف المؤلف كيف أن هذا الفيلم، الذي أنتجته المؤسسة العامة للسينما (NFO) ولكن تم منعه من العرض في سوريا، استخدم السخرية والمقابلات المتقابلة لكشف الفجوة الصارخة بين خطاب الدولة التحديثي والواقع القاسي في الريف السوري. يُظهر المؤلف أن أميرالاي تبنى في فيلمه "جماليات المقاومة"، معتمداً على أسلوب سينمائي "زاهد" يهدف إلى قول الحقيقة بأقل قدر من الوسائط.

بعد ذلك، يقارن الفصل بين فيلمين أنتجا في خضم الحرب السورية. الأول هو فيلم جود سعيد الروائي "مطر حمص" (عام 2017)، والذي يصفه المؤلف بأنه تجسيد لـ"جماليات السلطة". يعرض الفيلم قصة حب عاطفية (ميلودراما) على خلفية مدينة حمص المدمرة، ويُظهر توحيداً رمزياً بين النظام والثورة في مواجهة "الجهاديين"، مما يُبيّض سجل النظام في قمع الثورة ويُخضع الفن للخطاب الرسمي. في مقابل ذلك، يُذكر فيلم "عائد إلى حمص" (عام 2013) للمخرج طلال ديركي، والذي يقدم منظوراً معارضاً من خلال توثيق المقاومة اليومية.

ينتقل الفصل إلى الساحة الأدبية، مسلطاً الضوء على رواية "الأعداء السوريون" (عام 2014) للكاتب فواز حداد. يشرح المؤلف كيف أن هذه الرواية تكسر واحداً من أكبر المحرمات في الثقافة السورية: الحديث عن أحداث حماة عام 1982 ومجزرة راح ضحيتها ما لا يقل عن 20,000 شخص. تتداخل في الرواية ثلاثة خطوط زمنية: أحداث 1982، وسنوات السجن في تدمر، وانتفاضة 2011. يوضح المؤلف أن حداد يُتهم من قبل نقاده بأنه "كاتب سياسي" أكثر منه فنان، لأنه يجرؤ على ربط الماضي بالحاضر ويستخدم قالباً واقعياً لمعالجة قضايا طائفية حساسة.

يختتم الفصل بتأكيد فكرة أن الصراع حول الأيديولوجيا الجمالية لم يعد محصوراً داخل الحدود الوطنية. أدى نزوح مئات الآلاف من السوريين وتزايد دور دول الخليج في تمويل الإنتاج الثقافي (مثل المسلسلات والجوائز الأدبية) إلى عولمة هذا الصراع. يُقرّ المؤلف بأن "الثقافة السورية لم تكن معزولة أبداً عن الاتجاهات العالمية"، لكن الحرب جعلت هذه العولمة أكثر Tragically مأساوية، حيث أبدت دور النشر الكبرى في لندن ونيويورك اهتماماً "مقيتاً" بالأدب السوري.

في تحليل هذه الأعمال وأصدائها، يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش. فمن ناحية، يُظهر التطور الأيديولوجي حيث أن "الميلودراما" التي كانت تُعتبر في السابق شكلاً "رجعياً" في نظر نقاد الدولة، أصبحت الآن أداة تُستخدم في خدمة "جماليات السلطة" كما في فيلم جود سعيد. ومن ناحية أخرى، فإن اتهام كاتب مثل فواز حداد بأنه "سياسي" أكثر منه أدبي، بينما كان المخرج عمر أميرالاي يُنتقد في البداية لنفس السبب، يُظهر تناقضاً في المعايير التي تفرضها المؤسسة الثقافية الرسمية. هذا الجدل حول "طغيان السياسة على الفن" يظل سؤالاً مفتوحاً، مؤكداً على أن الصراع حول الحقيقة والتمثيل في الثقافة السورية لم يحسم بعد.