
الشرق الأوسط الحديث - المجلد الثاني
الكتاب، بمجلده الثاني، يقدّم تحليلاً مركّباً لتحوّلات الشرق الأوسط في القرنين التاسع عشر والعشرين، راسماً صورة لمنطقة لم تكن مسرحاً لصراع أيديولوجيات فقط، بل كانت ساحة لإعادة تعريف السلطة، المجتمع، والهوية في مواجهة تحديث متسلّط ووجود إمبريالي. الموضوع المحوري هو تفكيك فكرة "الأمة الواحدة" أو "الدولة القومية" ككيان متجانس، ليكشف النقاب عن نسيج معقّد من الولاءات المتقاطعة: الدين، القبيلة، الطبقة، الطائفة، والمدينة. يدافع المؤلّفون ضمنياً عن موقف مفاده أن التفسيرات الأحادية للسياسة في المنطقة – سواءً تلك التي تركز على الإسلام أو القومية العربية أو الاستعمار – لا تكفي وحدها لفهم ديناميكياتها الداخلية العنيفة والمستمرة.
تسير حجة الكتاب عبر مسارين متوازيين ومتداخلين. المسار الأول يبدأ من تركيا كمختبر للعلمانية، حيث يُظهر أن العلمانية الكمالية ولدت من رحم البيروقراطية العثمانية نفسها، كآلية سيطرة وليس كفصل حقيقي بين الدين والدولة. الإصلاحات الجذرية من إلغاء الخلافة عام 1924 إلى تبني القانون المدني السويسري، كانت مشروعاً "طوباوياً" لخلق "أمة تركية" من العدم، عبر تدمير المؤسسات التقليدية مثل المحلة. لكن الفصلين المكمّلين يظهران أن هذا المشروع لم يُلغِ الإسلام بل دفعه إلى الهامش، ليظل قوة معارضة كامنة تنفجر فورياً مع انفتاح النظام نحو التعددية الحزبية بعد 1946، متخذةً شكل حزب الإنقاذ الوطني الذي حصل على 11.8% من الأصوات عام 1973، ليثبت أن العلمانية بقيت إطاراً دستورياً، بينما الإسلام استمر كبديل اجتماعي وسياسي يمكن تعبئته.
المسار الثاني، والأكثر اتساعاً، يتقصى انبثاق الهويات الوطنية البديلة. في العالم العربي، يُظهر الفصل الخاص بمنشأ العروبة أنها ليست نتاجاً لوجدان قديم، بل كانت بالأساس "ردة فكر دفاعية" تجاه الغرب، وجدت صياغتها عند مفكرين إصلاحيين مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي الذين رأوا فيها وسيلة لإحياء الإسلام نفسه. إلا أن هذه القومية الوليدة سرعان ما اصطدمت بالواقع الاجتماعي الهشّ. ففي فلسطين، يتحول الفلاحون والعمال، بتجربتهم الطويلة في المقاومة اليومية، من عناصر تقليدية إلى طليعة ثورية في انتفاضة 1936-1939، مهدّدين ببرنامج اجتماعي لم يستطع الأعيان الحضريون احتواؤه. وفي سوريا تحت الانتداب الفرنسي، كان التحول جذرياً من حي دمشق كوحدة سياسية أساسية، خاضعة لزعامات مثل القبضايات المتمسكة بالولاء الشخصي، نحو مؤسسات وطنية ووسطاء جدد مثل محمود البيروتي الذي أسس الكشّاف الأموي، مؤذناً بتحول مركز الثقل السياسي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة. يتعمق التحليل بعد ذلك في حالتي العراق وإيران، حيث تظهر الهوية كساحة صراع مفتوحة ومتكررة. العراق، كما يرسمه حنا بطاطو، لم يكن أبداً كياناً متجانساً؛ بل كان فسيفساء من عوالم منفصلة: السنة والشيعة، المدينة والقبيلة. الجهود الملكية لبناء أمة، من الملك فيصل الأول إلى حلف بغداد، فشلت لأنها عززت الطبقة الشيعية الكبيرة بدلاً من دمجها، مما جعل الدولة أداةً للهيمنة أكثر منها إطاراً للمواطنة، ومهّد لسقوطها في 1958. أما في إيران فالسردية أكثر درامية، حيث يُظهر الفصل أن ثورة 1978-1979 ليست حدثاً مفاجئاً، بل هي الفصل الأخير من تاريخ طويل من المقاومة الشعبية، بدءاً من احتجاجات امتياز التبغ 1891-1892 ومروراً بالثورة الدستورية. هذه الثورات، التي غالباً ما قادها تحالف "العلماء والبازار"، كانت موجهة بشكل أساسي ضد النفوذ الأجنبي والاستبداد الداخلي؛ وهي تمتلك جذوراً في بنية اجتماعية لم تستطع الدولة (قاجارية أو بهلوية) السيطرة عليها بالكامل، وخلقت ظاهرة فريدة حيث أصبحت "المرأة" نفسها ساحة اختبار لصراع الهوية بين مشروع الحداثة الغربية ومشروع الأصالة الإسلامية.
من الأرقام والوقائع اللافتة، يبرز دور الحرب العالمية الأولى كعامل تحطيم وإعادة بناء. في مصر، كما يصف الفصل، دمرت الحرب الاقتصاد وخلقت تضخماً هائلاً بعد 1917، مما حول العمال من خاضعين لقوانين الحرب إلى قوة إضرابية اندمجت مع الثورة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في 1919. إضراب عمال الترام في القاهرة في 11 مارس 1919، وتحطيمهم للحافلات الرمزية للسلطة الأجنبية، يظهر كيف صهرت الثورة بين الوعي الطبقي والوطني. وفي أزمة قناة السويس عام 1956، كان الأثر مزدوجاً: فمن ناحية، رسّخت هيمنة الولايات المتحدة ودور الاتحاد السوفياتي كحليف محتمل، ومن ناحية أخرى، كانت نقطة تحول في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث بدأت في السجون المصرية بذور حركة وطنية فلسطينية مستقلة بقيادة ياسر عرفات وخليل الوزير.
الكتاب لا يتجاهل حدوده، بل يقرّ بها صراحةً. الفصل الخاص بالعروبة يطرح سؤالاً محورياً: لماذا يتبنى أفراد من خلفية متماثلة أيديولوجيات متباينة؟ وهذا السؤال، كما يعترف الفصل، لا يمكن الإجابة عليه بمحتوى الأفكار وحدها، بل يتطلب بحثاً في الظروف الاجتماعية والنفسية الأوسع. كما يقر فصل الثورة الإيرانية بصعوبة تطبيق النظريات الغربية للثورة على حالة إيران، معترفاً بأن "الثورة الإسلامية" شاذة عقائدياً. الفصل الخاص بالمرأة في إيران يعترف بأن كل التقييمات – سواء من مؤيدي البهلويين أو الثورة الإسلامية – تنطلق من "ما هو مستحسن" وليس من حقيقة موضوعية، تاركاً الجدل حول "ماذا كان أفضل للمرأة" مفتوحاً على مصراعيه.
أخيراً، يترك الكتاب مساحة واسعة للنقاش. الحجج الأكثر إثارة للجدل تتركز حول دور العوامل الخارجية مقابل الداخلية في تشكّل المنطقة. ففي حين يُظهر فصل الدولة السعودية أن بناءها كان "استجابة لضغوط خارجية" أكثر من كونه تحولاً داخلياً، فإن فصلاً مثل "الاندفاعة العمالية" يصر على أن المحرك الأساسي كان صراعاً طبقيّاً وطنيّاً محلياً. كما أن النظرة إلى دور الإسلام تختلف بشكل جذري بين الفصول؛ ففي تركيا والإسلام السياسي يوصف بأنه قوة معارضة ولكنها غير قادرة على أن تصبح "بديلاً حقيقياً"، بينما في إيران وقصة الثورة، هو قوة تاريخية جبارة تعيد تشكيل الدولة من جذورها. هذا التنوع في التحليل، الذي لا يقدم إجابة واحدة، هو ربما أعظم قوة في الكتاب، فهو يجبر القارئ على التخلي عن الأفكار المسبقة عن الشرق الأوسط، ويدعوه إلى النظر إليه كمنطقة تعيش في حالة دائمة من الصيرورة، حيث كل استقرار هو مجرد هدنة مؤقتة في معركة دائمة حول السلطة والهوية.
الفصول(12)
1.الدين والعلمانية في تركيا13–47▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل موضوع الدين والعلمانية في تركيا، مُركّزاً على جذور العلمانية التركية وخصائصها الفريدة، والتي تختلف جوهرياً عن النموذج الفرنسي. يطرح الكاتب أن العلمانية في تركيا لم تكن مجرد فصل بين الدين والدولة، بل كانت عملية نشأت من داخل الدولة نفسها، حيث قامت النخبة البيروقراطية والعسكرية بإعادة تعريف دور الدين في المجتمع خدمةً لأهداف الدولة القومية الحديثة. يرى الكاتب أن فهم هذه العلمانية يتطلب النظر إلى السياق التاريخي العثماني وتطور النخبة الحاكمة، وليس فقط إلى شخصية مصطفى كمال أتاتورك.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر التاريخ العثماني ليشرح كيف تطور هذا الموقف من الدين. يبدأ بوصف الدولة العثمانية كإمبراطورية واجهت تحديات في الحكم، فأنشأت بيروقراطية قوية ودمجت العلماء في جهاز الدولة لضمان السيطرة. يوضح الكاتب أن الإسلام لعب دوراً مزدوجاً: فهو أساس شرعية الدولة، وفي الوقت نفسه كان مصدر قلق بسبب تنوع الفرق والمذاهب داخله. مع افول الدولة، برز تفسيران للانحطاط: تفسير ديني (إهمال الواجبات الإسلامية) وتفسير بيروقراطي (تراجع آلة الدولة). وقد تبنى البيروقراطيون والعسكريون التفسير الثاني، وبدأوا إصلاحات التنظيمات منذ القرن التاسع عشر، والتي سعت لتحديث الدولة باستيراد النظم الغربية في التعليم والقانون والإدارة، مما أدى بالتدريج إلى تهميش دور العلماء وتقويض مكانتهم.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لتحليل أثر التعليم في تشكيل العقلية العلمانية. يصف كيف أن المدارس العسكرية والمدنية الحديثة، التي نشأت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، خلقت جيلاً جديداً من الطلاب الذين تلقوا تعليماً قائماً على العلوم التجريبية والنماذج المجردة، مما جعلهم ينظرون إلى العالم من منظور مختلف عن أسلافهم. هذا التعليم، وفقاً للكاتب، أنتج عقلية "طوباوية" تسعى إلى نموذج اجتماعي مثالي ومتماسك، وترى في بقايا النظام القديم "مستحاثات" يجب إزالتها. هذه النخبة الجديدة، التي أطلق عليها الأتراك الشبان، بحثت عن أيديولوجية بديلة عن الإسلام، فوجدوها عبر مفكرين مثل ضياء جوكالب الذي صاغ مفهوماً للقومية التركية يفصل بين الثقافة والدين، ويدعو لتبني الحضارة الغربية مع جعل الإسلام مسألة ضمير شخصي.
بعد انهيار الإمبراطورية، يُظهر الفصل كيف طبق أتاتورك هذه الرؤية بحزم. استخدم مفهوم الملة (الأمة) الغامض لتأسيس السيادة للشعب بدلاً من السلطان-الخليفة، ثم تابع إلغاء السلطنة في نوفمبر 1922 وإعلان الجمهورية في أكتوبر 1923. تتوجت هذه الإجراءات بقوانين 3 مارس 1924 التي ألغت الخلافة، ووحدت التعليم تحت سيطرة الدولة، وأزالت المؤسسات الدينية التقليدية. وأعقب ذلك تبني القانون المدني السويسري في 1926، وإلغاء المادة الدستورية التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة في 1928، واعتماد الأبجدية اللاتينية في العام نفسه. يشرح الكاتب أن هذه الإصلاحات لم تكن مجرد تقليد للغرب، بل كانت مشروعاً طموحاً لبناء "الأمة التركية" وهو كيان لم يكن موجوداً بشكل مسبق، من خلال خلق هوية وطنية جديدة قائمة على العلم والعلمانية.
يختتم الكاتب بالإشارة إلى هدف خفي وأعمق في إصلاحات أتاتورك، وهو تحرير الفرد من قبضة المجتمع التقليدي ممثلاً في المحلة (الحي)، حيث كانت الأخلاق والتقاليد الدينية والشعبية تمارس رقابة صارمة. يرى الكاتب أن قوانين مثل منح المرأة حقوقها، وإلغاء الطرق الصوفية، وتغيير الملابس، كلها كانت هجوماً على هذه الجماعة التقليدية لصالح نموذج فردي أكثر حداثة. ومع ذلك، يعترف الكاتب في نهاية الفصل بأن المشروع العلماني لم يحقق كل أهدافه، فبعد وفاة أتاتورك وخاصة مع تأسيس التعددية الحزبية في 1946، برزت تحديات دينية، حيث عادت التيارات الإسلامية بسبب النمو السكاني والتنقلات الاجتماعية التي خلقت شعوراً بعدم الأمان. ويخلص الكاتب إلى أن العلمانية بقيت مبدأً دستورياً راسخاً، لكن الإسلام استمر كقوة أيديولوجية ووجودية تعيد تشكيل نفسها في الحياة العامة، تاركاً مسألة العلاقة بين الدين والدولة مفتوحة ومستمرة في التطور.
2.من العثمانية إلى العروبة48–75▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول نشأة الأيديولوجية القومية العربية وتطورها من رحم الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر. يقدم المؤلف إجابة أساسها أن القومية العربية لم تكن مجرد إحياء لوجدان عربي قديم، بل كانت ردة فعل فكرية من مثقفين عثمانيين تجاه الهوة المتزايدة بين تقدم أوروبا وتخلف الدولة العثمانية. يرى المؤلف أن هذه الأيديولوجية تشكلت كإحدى آليات الدفاع عن الإسلام والثقافة الشرقية ضد اتهامات الدونية الغربية، وكحل لمشاكل التحديث التي واجهتها الإمبراطورية، حيث انبثقت العروبة من التيار العثماني التحديثي نفسه، مع اختلاف أولويات الهوية الجماعية.
يسير الفصل معتمداً على تتبع تطور الفكر من خلال شخصيات وأفكار رئيسية، مبتدئاً بوصف السياق الفكري الإسلامي التقليدي الذي كان ينظر فيه إلى الدولة من وجهة نظر دينية وسلالة حاكمة، حيث كانت الخلافة والإسلام هما الرابطتين الأعلى. ثم ينتقل إلى أوائل المثقفين الذين تأثروا بالغرب، مثل رفاعة رافع الطهطاوي (الذي أمضى في فرنسا سنوات 1826-1831 ونشر كتابه عام 1834) الذي أدخل مفاهيم الوطنية المرتبطة بأرض محددة مثل مصر، وإن ظل مخلصاً للدولة العثمانية. ويبين المؤلف أن هؤلاء الإصلاحيين الأوائل، مثل إصلاحيي التنظيمات (رشيد وعلي وفؤاد)، أرادوا اقتباس عناصر من القوة الغربية (كالتقنيات العسكرية والوطنية) دون المساس بأسس الإسلام الذي اعتقدوا بتفوقه الأصلي.
ثم يفصل الفصل التغير في موقف المثقفين العثمانيين، حيث تحولوا من ثقة هادئة بتفوق الإسلام إلى حالة دفاعية شرسة بعد منتصف القرن التاسع عشر، بسبب ازدياد الفجوة الحضارية وملاحظات المستشرقين المهينة. هنا يظهر تياران: تيار محافظ (مثل أحمد فارس الشدياق) يؤكد على تفوق الإسلام الحالي؛ وتيار تحديثي يعترف بالتخلف الحالي ويعزوه إلى انحراف المسلمين عن الإسلام الحقيقي الصحيح. والتحديثيون، مثل محمد عبده ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي، آمنوا بأن العودة إلى الإسلام الأول النقي هي طريق النهوض، وهذا التشخيص قادهم حتماً إلى التأكيد على دور العرب الفريد، لأن القرآن والسنة بالعربية ولا يمكن فهم الإسلام فهماً دقيقاً إلا بها.
يبرز الفصل كيفية تحول الدفاع عن الإسلام إلى تأكيد على القومية العربية. يوضح المؤلف أن محمد عبده، رغم كونه مدافعاً عن الدولة العثمانية، وضع أساساً للعروبة بإصراره على إحياء الأدب العربي والدراسات الدينية والعربية كشرط لازماً لإحياء الإسلام. ويبين كيف طور محمد رشيد رضا هذه الفكرة في جريدته «المنار» (منذ 1898)، ذاهباً إلى أن اعتزاز المرء بتاريخ العرب هو عمل من أجل الوحدة الإسلامية «التي لا يمكن إعادتها في هذا القرن إلا على أيديهم»، رابطاً بذلك الإحياء العربي بالإسلامي. ويتناول الفصل دور عبد الرحمن الكواكبي الذي أضاف محتوى سياسياً بطرحه فكرة إقامة خلافة عربية في مكة لتسهيل الإصلاح الإسلامي وتشكيل اتحاد إسلامي، مرجعاً الفضل لعرب الجزيرة العربية باعتبارهم الأقرب للإسلام الأصيل.
يتطرق الفصل أيضاً لدور المثقفين المسيحيين العرب. في حين دعا إبراهيم اليازجي (1874) إلى قومية عربية علمانية قائمة على إحياء مجد العرب، غالباً ما لاقت هذه الأفكار مقاومة من المسلمين السوريين. ومع ذلك، تطور موقف بعض المسيحيين ليعتنقوا العروبة ضمن إطار حضاري إسلامي، حيث رأوا في الإسلام جزءاً من مجد الأمة العربية واعتزوا به. يذكر المؤلف أمثلة مثل ندره مطران الذي اعتبر أن خضوع المسيحيين العرب لحكم المسلمين كان خيراً لهم لأنه «جعل العرب أمة عظيمة»، ليتوصل إلى نتيجة أن العروبة جمعت مسلمين ومسيحيين في رد فعل واحد تجاه إحساس المهانة من تخلف الشرق أمام الغرب.
يقر الفصل بوضوح بحدود تحليله، مشيراً إلى عدة أسئلة مفتوحة. يؤكد أن تطور العروبة هو «ردة فعل» على الفشل الحضاري، لكنه يعترف بأن هذا التفسير الأيديولوجي لا يشرح بشكل كامل سبب انبثاق العروبة من العثمانية لدى بعض الأفراد دون غيرهم. «ولاشيء في محتوى البنية التقنية للأفكار التي نبحثها يمكنه أن يقدم إجابات على هذا السؤال» يطرح الكاتب تساؤلاً محورياً في النهاية: كيف يمكن لأفراد من خلفية متماثلة أن يقدموا حلولاً متباينة (عثمانية محافظة، عثمانية تحديثية، أو عروبية) للمشكلة ذاتها؟ ويخلص إلى أن البحث عن تفسير كامل يتطلب الذهاب إلى ما هو أبعد من مجال الأيديولوجيات، لكنه لا يخوض في ذلك داخل هذا الفصل.
من الجدير بالنقاش أن الفصل يؤسس لنظرية تقول بأن القومية العربية كانت أصلاً «دفاعاً عن الإسلام» ورد فعل على الغرب، وليس نتاجاً لرغبة ذاتية في الاستقلال أو حق تقرير المصير في بداياتها. كما أنه يظهر العروبة والعثمانية كوجهين لعملة واحدة في محاولة تبرير قيمة الحضارة الشرقية، مما يضع مسألة الصراع حول الهوية في سياق صراع حضاري وديني مع أوروبا أكثر منه صراعاً بين العرب والأتراك.
3.الاندفاعة العمالية والثورة الوطنية 76–125▼ ملخص
بدأ الفصل بوصف مصر في نهاية الحرب العالمية الأولى كمجتمع هامد سياسياً وعمالياً تحت وطأة الحكم البريطاني المباشر الذي فُرض عام 1914. ومع ذلك، يرى المؤلفان أن الحرب نفسها خلقت الظروف لانفجار اجتماعي هائل. فقد دمرت الحرب الاقتصاد المصري، وأدت سياسات الحلفاء الزراعية إلى إثراء كبار الملاك بينما عانى الفلاحون من التجنيد الإجباري ومصادرة ممتلكاتهم. كما أدى نقص الواردات إلى تنشيط بعض الصناعات المحلية، مما زاد عدد العمال في المدن. لكن سرعان ما تآكلت أي مكاسب للعمال بفعل عاملين مدمرين تضافرا معاً: أولاً، نقص حاد في المواد الغذائية بسبب استهلاك جيوش الحلفاء وزيادة زراعة القطن. وثانياً، تضخم مالي هائل قفزت بسببه أسعار المواد الغذائية قفزة عملاقة بعد عام 1917، كما يوضح الجدول رقم 1 في النص، مما أدى إلى انهيار الأجور الحقيقية للعمال.
هذه المعاناة الاقتصادية هيأت المسرح لصحوة النشاط العمالي. ويوضح المؤلفان أن العمال كانوا مقموعين بقوانين الحرب، فكانوا يقدمون عرائض متذللة للسلطان المصري. لكن مع تراجع القتال بعيداً عن حدود مصر، بدأ العمال باستئناف نشاطهم المنظم بجرأة أكبر. وكانت الطليعة، كما في الماضي، هم عمال لفائف التبغ، أقدم وأكثر العمال تنظيماً وخبرة نضالية. شنوا إضرابات منذ أغسطس 1917 في الإسكندرية والقاهرة، وحققوا نجاحاً محدوداً في الأولى بدعم من الرأي العام، بينما واجهوا في الثانية قمعاً شرساً من الشرطة البريطانية، وأُجبروا على الاستسلام بحيلة ذكية من مساعد القائد العام لشرطة القاهرة، راسل. ومع ذلك، استمرت هذه الاضطرابات وبدأت فئات أخرى من العمال، مثل عمال الترام، بالتحرك الحذر في ديسمبر 1918.
يتحول التركيز في منتصف الفصل إلى العلاقة الحاسمة بين هذه الانتفاضات العمالية والحركة الوطنية المصرية. فبعد انتهاء الحرب، شكل السياسي البارز سعد زغلول باشا وأعيان آخرون "الوفد المصري" لمطالبة مؤتمر السلام باستقلال مصر. يصر المؤلفان على أنه لا يوجد دليل على وجود صلة مباشرة بين قادة الوفد ونشاط العمال، إذ كان الوفد في أغلبه من كبار ملاك الأراضي ويهدف إلى نضال سلمي تقوده النخبة. ورغم ذلك، يقدمان تفسيراً لسبب دعم العمال الحماسي للقضية الوطنية. فبالنسبة للعامل المصري البسيط، كان التمييز الطبقي في مكان العمل يتطابق تماماً مع التقسيم الإثني والقومي. المستخدمون والمشرفون القساة كانوا أجانب، والسلطة التي تحميهم كانت الحكم البريطاني. لذا، أصبح إنهاء هذا الحكم (الاستقلال) هدفاً يعد بتحسين ملموس في ظروف حياتهم، ووسيلة لنيل كرامتهم. هذا الربط بين المظالم الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والقمع الوطني من جهة أخرى، هو ما خلقه الحزب الوطني قبل الحرب وأثمر الآن عن تضامن عمالي وطني واسع.
يخصص الفصل حيزاً كبيراً لتحليل دور فئتين عماليتين خلال ثورة 1919: عمال الترام وعمال السكك الحديدية. فعندما اعتقل البريطانيون سعد زغلول في 8 مارس 1919 واندلعت الثورة، أعلن عمال الترام في القاهرة الإضراب في 11 مارس. يوضح المؤلفان أن هذا الإضراب كان متوقعاً، بعد أن تدهورت ظروفهم وهم يطالبون بيوم عمل من 8 ساعات وزيادة كبيرة في الأجور. كان إضرابهم أكثر من مجرد مطالب اقتصادية؛ فتحطيم حافلات الترام أصبح عملاً رمزياً، فهو يعطل مواصلات العدو ويحطم رمزاً للسلطة الأجنبية البغيضة. ويؤكدان أن الثورة خلقت ظرفاً استثنائياً شلّ قدرة السلطات البريطانية على التدخل لإخماد الإضراب بالقوة، كما كانت تفعل سابقاً، بينما حظي العمال بدعم شعبي واسع. انتهى الإضراب باتفاق في أبريل 1919 بوساطة رئيس الوزراء الجديد حسين رشدي باشا، حقق للعمال يوم عمل مدته 8 ساعات وربع، وزيادة في الأجر، وإجازات مدفوعة. لكن المؤلفان يحذران من أن هذا النجاح كان مرهوناً بالظروف الثورية الفريدة، وأن عدم وجود نقابة معترف بها جعل هذه المكاسب هشة وعرضة للتراجع مستقبلاً.
بالنسبة لعمال السكك الحديدية وواقعتهم في ورش "العنابر" في بولاق و**"جبل الزيتون"** في الإسكندرية، كانت المطالب مشابهة: أجور أفضل، وساعات عمل أقل، وإجازات، وعلاج لسوء معاملة المشرفين الأجانب. ويذكر المؤلفان مثالاً على العقلية الاستعمارية المتعالية من خلال تصريح اللواء ماكولي، مدير حركة السكك الحديدية، الذي وصف مطالب العمال بالشرقية وغير المنطقية، معتبراً أن المصري لا يفهم قيمة الأجر على أساس المهارة. لكن المؤلفين يرفضان هذا التفسير، مؤكدين أن مطالب العمال كانت ردود فعل منطقية ومعقولة على ظروف حقيقية من البؤس وسوء التغذية. اندمج إضراب هؤلاء العمال تماماً مع الثورة، وقاموا بتخريب السكك الحديدية والاتصالات، مما دفع القوات البريطانية إلى قمع مسيراتهم بعنف، خاصة مسيرة 16 مارس في بولاق التي سقط فيها قتلى وجرحى. لكن إضرابهم تلاشى تدريجياً بعد الإفراج عن زغلول، دون تحقيق مكاسب واضحة عبر المساومة الجماعية.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل أنماط القيادة والتنظيم. لم يقتصر الإضراب على الترام والسكك الحديدية، بل شمل مصانع التبغ، المطابع الحكومية، عمال الموانئ وحتى عمال مصنع السكر. ويؤكد المؤلفان أن هذه كانت موجة فريدة من الإضرابات شملت آلاف العمال المصريين. في البداية، تولى المحامون والأعيان المنتمون للطبقة الوسطى والعليا، غالباً من الحزب الوطني، قيادة الحركة العمالية. لكن العلاقة لم تكن مجرد تبعية، بل كانت معقدة. كانت النقابات العمالية الفتية بحاجة للخبرة القانونية والنفوذ السياسي والحماية الذي يوفره هؤلاء القادة. وفي المقابل، رأى الوطنيون في النقابات سلاحاً داعماً للقضية الوطنية. وهكذا، صُهر الوعي الطبقي والوعي الوطني في بوتقة واحدة، حيث رأى العمال في نضالهم الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من النضال الأكبر من أجل استقلال مصر وكرامتها. يخلص هذا القسم إلى أن ثورة 1919 خلقت "العلاقة المعقدة للنصير-الزبون" بين الوفد والحركة العمالية، والتي سيكون لها آثار عميقة وطويلة الأمد.
في القسم الأخير، يبحث الفصل في إضراب قناة السويس في شهري مايو ويونيو 1919م، كمثال على شكل آخر من أشكال النضال العمالي. هنا، كانت القوة العاملة منقسمة بين أقلية من العمال الأجانب الدائمين ذوي الأجور العالية (معظمهم يونانيون وإيطاليون) وأغلبية مصرية هائلة من العمال المؤقتين. يقود المؤلفان الرواية إلى تشكيل نقابة "الفونيكس" بزعامة محامٍ يوناني، والتي اتخذت موقفاً متقدماً بالمطالبة بتحسين أوضاع العمال المصريين أيضاً. تأثر العمال الإيطاليون بالأفكار الاشتراكية والفوضوية وبخيبة أملهم من بريطانيا، فاندفعوا للتعاون مع العمال المصريين والوطنيين. شنّت النقابة إضراباً عاماً في 17 مايو، مما عطّل الملاحة، وواجهت السلطات البريطانية مأزقاً: إذ رفض الجنرال اللنبي (المفوض السامي) التدخل لحماية المصالح الفرنسية خوفاً من تفاقم الوضع، بينما رفضت الحكومة الفرنسية استخدام القوة. انتهى الإضراب بعد أربعة أسابيع بتحقيق عمال الكادر الدائم مطالبهم، لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كان العمال المصريون غير الدائمين قد كسبوا شيئاً. هذا الإضراب، بحسب المؤلفين، يظهر حالة نادرة من الوحدة العمالية التي تجاوزت الحدود الإثنية، مدفوعة بالتطرف اليساري الأجنبي والوطنية المصرية.
يشكل فصل "الاندفاعة العمالية والثورة الوطنية" قطعة تحليلية غنية، تقدم حجة محورية مفادها أن حركة العمال المصرية الحديثة لم تولد في فراغ، بل في قلب ثورة سياسية وطنية عارمة. تتمثل قيمة الفصل في رفضه للتفسيرات الأحادية، سواء تلك التي ترى في الحركة مجرد أداة في يد البرجوازية الوطنية، أو تلك التي تفصل معاناة العمال الاقتصادية عن سياقها السياسي الاستعماري. يصر المؤلفان على أن العلاقة بين العمال والوطنيين كانت قائمة على تقاطع المصالح، وإن كانت غير متكافئة، حيث سيطر الوطنيون على القيادة، لكن العمال كانوا فاعلين ومبادرين في دوافعهم ومطالبهم. من نقاط القوة في الفصل الاعتماد على وثائق بريطانية وفرنسية وشهادات شخصية، مما يعطيه عمقاً تفصيلياً. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن الفصل يركز بشكل شبه حصري على العمال المأجورين في المدن، متجاهلاً إلى حد كبير دور الفلاحين والنساء، وهو فارق قد يكون أساسياً لفهم أوسع للثورة. كما أن تركيزه على الشرائح "الطليعية" من العمال (الترام، السكك الحديدية، التبغ) يلقي ظلالاً على تجارب القطاعات الأقل تنظيماً والأكثر فقراً. ورغم ذلك، فإن النقاش حول "علاقة الزبون-النصير" بين الوفد والنقابات يظل مفتاحاً لفهم مسار الحركة العمالية في مصر طوال القرن العشرين، حيث أصبحت الوطنية إطاراً جامعاً، لكنه إطارٌ غالباً ما أخضع المطالب الطبقية لأولويات النضال الوطني، مما أنتج رابطة دائمة لكنها متوترة.
4.التحول في السياسات المدينية السورية126–184▼ ملخص
يسلط هذا الفصل الضوء على التحول الجذري الذي طرأ على السياسات المدينية السورية خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، مركزاً على مدينة دمشق كحالة دراسية رئيسية. يقدم المؤلف فيليب خوري إجابة محورية مفادها أن أسس السياسة المحلية تحولت من مركزية الأحياء القديمة المنعزلة، التي كانت خاضعة لزعامات تقليدية تعتمد على الرعاية الشخصية والولاء الضيق، نحو مؤسسات وطنية حديثة وخطابات قومية أوسع، مما أدى إلى إعادة تشكيل القيادة وطبيعة العمل السياسي.
يسير الفصل خطوة خطوة ليشرح هذه الفكرة. في البداية، يصف المؤلف بنية مدينة دمشق التقليدية في بداية القرن العشرين، مقسماً إياها إلى أربعة أقسام: المدينة القديمة ذات التصدعات الطائفية والاجتماعية العميقة والأسوار المغلقة، والأحياء الشمالية والغربية والجنوبية خارج السور القديم (مثل سوق ساروجة والقنوات)، ومنطقة الميدان التي تعتبر ضاحية زراعية وتجارية فقيرة وغير متجانسة، وأخيراً الأحياء الحديثة في الشمال الغربي (الصالحية، المهاجرين، الأكراد) التي شهدت نمواً وتوسعاً عمرانياً. يوضح الكاتب أن الأحياء القديمة كانت الوحدة السياسية والاجتماعية الأساسية، ولكل منها قيادتها الخاصة (مختار، أئمة، وجهاء) ومجلسها غير الرسمي (الديوان) الذي كان يمارس سلطة شبه حكومية، ويقدم الحماية للجباة ويحل النزاعات. كانت العلاقات قائمة على نظام الرعاية (الشخصي) والولاء المباشر لوجوه العائلات الكبرى.
ومع ذلك، بدأت قوى التغيير الكبرى التي عصفت بالشرق الأوسط منذ أوائل القرن العشرين - كالاندماج في الاقتصاد العالمي، وانتقال الثروة، والنمو السكاني السريع، وتطور الإدارة الحكومية الحديثة - في تآكل هذه البنية التقليدية. يبين الفصل أن التوسع العمراني والهجرة من الريف أدى إلى اكتظاظ الأحياء القديمة وفقدانها لتماسكها، مما جعل نظام الرعاية أكثر تعقيداً وأقل فعالية. أدى ذلك إلى هجرة تدريجية للعائلات الغنية والقيادات الوطنية (مثل جميل مردم وشكري القوتلي) من أحيائهم الأصلية إلى الضواحي الشمالية الغربية الحديثة، مما خلق فجوة اجتماعية وثقافية بينهم وبين قواعدهم الشعبية. ورغم أن هؤلاء القادة ظلوا يحتفظون ببيوتهم القديمة للاستخدام السياسي والانتخابي، إلا أن اعتمادهم ازداد على وسطاء جدد لإدارة علاقاتهم في الأحياء.
في هذا السياق، يستعرض الفصل ثلاث فئات رئيسية لعبت أدواراً مختلفة في العملية السياسية: التجار الأغنياء والأئمة، الذين شكّلوا دعامة مالية وشعبية للحركة الوطنية، والقبضايات، وهم زعماء الأحياء الشعبية غير المتعلمين الذين يتمتعون بقوة جسدية ونفوذ مستقل، مثل أبو علي الكلاوي في حي باب الجابية. يشرح المؤلف كيف أن القبضايات كانوا أدوات حيوية للتعبئة الجماهيرية (المظاهرات والإضرابات)، لكن نفوذهم ظل محدوداً بولائهم الشخصي لقائد سياسي معين (مثل نسيب البكري) وعدم قدرتهم على بناء شبكات مستقلة واسعة أو تجاوز بيئة الحي التقليدية. يصف الفصل دور الثورة السورية الكبرى (1925-1927) في إعادة تعريف هذه العلاقات، حيث تحولت الخصومات بين الأحياء إلى تحالفات وطنية ضد الفرنسيين، وساعد بروز أبطال جدد في الثورة على تعزيز مكانة بعض القبضايات.
وأخيراً، يمثل الفصل الظهور المتزايد لأهمية المؤسسات والطبقات الاجتماعية الجديدة خارج الأحياء. يبرز هنا دور الطبقة الوسطى الحديثة من المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين، الذين تلقوا تعليماً علمانياً في مدارس وجامعة دمشق والجامعات الأوروبية، وكان ولاؤهم للدولة والأمة لا للحي أو الأسرة. كما يقدم نموذجاً لهذا التحول من خلال شخصية محمود البيروتي، وهو جندي سابق وتاجر ومدرس، الذي أسس الشباب الوطني (جناح الكتلة الوطنية الشبابي) والكشّاف الأموي عام 1934، مركزاً نشاطه على الطلاب المتعلمين في مدارسهم ومقاهيهم (مثل مخزنه في شارع رامي، وهو اجتماعي جديد خارج الأحياء). أصبح البيروتي وسيطاً سياسياً من نوع جديد، يخدم منظمة سياسية (الكتلة الوطنية) بدلاً من زعيم فردي، ويعمل في فضاء حديث مقابل للقبضاي أبو علي الكلاوي الذي ظل حبيس الأحياء. يخلص الفصل إلى أن مركز الجاذبية السياسية في المدن السورية بدأ يتحول لا رجعة فيه من الأحياء القديمة نحو هذه المؤسسات والهياكل القومية الحديثة.
لم يغفل المؤلف الاعتراف ببعض الحدود والتحفظات، فيقر بأن التغيير لم يكن متجانساً أو حاداً، وأن استمرارية القيادة وأساليب الرعاية ظلت قائمة. كما يشير إلى أن بعض الأحياء مثل الميدان وحي الأكراد بقيت بمنأى عن نفوذ الكتلة الوطنية، مما جعلها أرضاً خصبة لتنظيمات سياسية وجماعات خيرية أخرى مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث لاحقاً، مما يطرح تساؤلاً ضمنياً حول حدود مشروع التحديث السياسي الذي قادته النخبة الوطنية التقليدية. هذه الإشارات إلى المقاومة والتنافسية داخل المشهد السياسي تفتح مجالاً للنقاش حول مدى شمولية النموذج الذي يقدمه الفصل.
5.دور الفلاحين الفلسطينيين في الثورة الكبرى (1936-1939)185–243▼ ملخص
دور الفلاحين الفلسطينيين في الثورة الكبرى (1936-1939)
يركز هذا الفصل على دور الفلاحين الفلسطينيين المحوري في الثورة الكبرى (1936-1939)، متحدياً بذلك الأبحاث السابقة التي صورتهم كعنصر تقليدي ومتخضع لسيطرة النخبة، وعزت فشل الثورة إلى انقساماتهم التقليدية. يقدم المؤلف إجابة واضحة: لم يكن الفلاحون مجرد أداة في أيدي الأعيان، بل كانوا قوة ثورية مستقلة، قادرة على تطوير برامج اجتماعية وسياسية هددت كلاً من سلطة الأعيان والمشروع الاستعماري البريطاني والصهيوني. لقد استند الفلاحون في نضالهم إلى تاريخ طويل من المقاومة ضد أشكال السيطرة المختلفة، سواء كانت عثمانية أو رأسمالية أو صهيونية.
ينقسم الفصل إلى عدة أقسام يبدأها بتحليل المجتمع الفلسطيني في حقبة ما قبل الرأسمالية، حيث كان الريف يتمتع بقدر كبير من الاستقلال عن الدولة العثمانية، وكانت علاقات الإنتاج والسلطة قائمة على نظام «القبلية» والعشائرية، مع وجود طبقة من الشيوخ. يشرح الكيفية التي خففت بها المصالح المشتركة بين الشيوخ والفلاحين، كالدفاع عن القرى ضد التدخل الخارجي، من حدة العداء الطبقي. كما يصف المعتقدات الشعبية للفلاحين، كعبادة الأولياء والأعياد الجماعية مثل «موسم النبي موسى»، والتي شكلت طقوساً وحدت الشعب وأكدت تضامنه.
ثم ينتقل الفصل إلى مرحلة إدماج فلسطين في السوق العالمية الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر، والتي تسببت بتغييرات جذرية. أدى قانون الأراضي العثماني لعام 1858 وسياسات الإصلاح إلى تركيز ملكية الأراضي في أيدي طبقة جديدة من الأعيان المدينيين وبيروقراطيي البورجوازية التجارية، وتحول أعداد كبيرة من الفلاحين من مالكين إلى محاصصين أو عمال. في هذه المرحلة، ترسخ نظام «النصير-الزبون» كصيغة للعلاقات الطبقية، حيث قدم الأعيان (النصراء) الحماية والقروض للفلاحين (الزبائن) مقابل ولائهم السياسي وعملهم، مع أن هذه العلاقة كانت تخفي استغلالاً عميقاً وتوترات دائمة حول مفهوم «التبادل العادل».
يتناول الفصل بعد ذلك ظهور المعارضة المنظمة، حيث قاوم الفلاحون التغييرات بطرق متعددة: الهجرة، الانضمام لعصابات قطاع الطرق، و«الكسالة» والمماطلة كأشكال مقاومة يومية. ومع تدفق الاستعمار الصهيوني، أصبح الفلاحون، الذين طردوا من أراضيهم مباشرة، طليعة المقاومة المسلحة ضد المستوطنات اليهودية منذ عام 1887. وفي الوقت نفسه، استغل القوميون العرب المتطرفون، خاصة من الطبقة الوسطى المتعلمة، هذه المشاعر لتنظيم الفلاحين، محاولين تجاوز قيادة الأعيان الأكثر تحفظاً.
يستعرض الفصل حقبة الاحتلال البريطاني والانتداب، مسلطاً الضوء على الدور المزدوج للأعيان الذين قادوا الحركة الوطنية بينما كانوا في الوقت نفسه موظفين في إدارة الانتداب. أدى هذا التناقض، بالإضافة إلى فشلهم في وقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي، وعبء الضرائب المتزايد على الفلاحين، إلى تآكل شرعيتهم تدريجياً. وأدت هذه الضغوط، وخاصة مع الكساد العالمي في الثلاثينيات، إلى ازدياد أعداد الفلاحين المدينين والمطرودين من أراضيهم، وتحولهم إلى عمال مياومين في المدن، حيث بدأوا يشكلون تنظيمات جديدة متجاوزين الانقسامات العشائرية.
في إطار صعود القوى السياسية البديلة، يبرز الفصل دور تنظيم الشيخ عز الدين القسام السري، الذي جمع بين الإصلاح الديني والوعي الطبقي والتعبئة الثورية، مستهدفاً بشكل خاص الفلاحين والعمال المياومين في حيفا والقرى الشمالية. أصبح مقتل القسام على يد البريطانيين في نوفمبر 1935 الشرارة التي أشعلت الثورة. يناقش الفصل بعد ذلك اندلاع الثورة الكبرى في أبريل 1936، والتي بدأت بإضراب عام في المدن وسرعان ما انتقل مركز الثقل إلى الريف، حيث قاد الفلاحون والقساميون القتال المسلح من مكامنهم في الجبال، وشكلوا تهديداً للاستراتيجية البريطانية عبر مهاجمة خط أنابيب حيفا والمستوطنات.
يختتم الفصل بمناقشة المرحلة الثانية من الثورة (بدءاً من سبتمبر 1937)، بعد أن نفت بريطانيا قادة الأعيان أو اعتقلتهم، مما ترك القيادة المطلقة في يد المتمردين من الفلاحين في الريف. يخلص المؤلف إلى أن هذه الفترة شهدت تطوير المتمردين، الذين مثّلوا تحالفاً واسعاً من الفلاحين والعمال وعناصر الطبقة الوسطى المتطرفة، لقوة عسكرية فعالة ونفذوا برامج اجتماعية وسياسية تتحدى الأعيان. ويؤكد أن هذا التهديد بالقيادة الفلاحية المبنية على أسس طبقية كان مصدر ذعر كبير، بل وأجبر بريطانيا على الزج بقوات عسكرية هائلة لمدة ثلاث سنوات لإخماد الثورة، وهو دليل على الدور المحوري الذي لعبه الفلاحون. يُقر المؤلف ضمنياً أن قدرة الفلاحين على الحفاظ على حركة موحدة كانت محدودة، وأن الانقسامات الداخلية قد عرقلت الثورة، لكنه يرى أن هذه الانقسامات لم تكن السبب الوحيد للفشل، بل كانت نتيجة للضغوط الاستعمارية والصراع الطبقي.
6.حول التنوع في الشعب العراقي وتفكك مجتمعه244–289▼ ملخص
يُشكّل التنوع الاجتماعي والتفكك المجتمعي في العراق قبل وبعد تأسيس المملكة الهاشمية المحور الرئيسي لهذا الفصل. يقدم المؤرخ حنا بطاطو إجابة واضحة مفادها أن العراق لم يكن أمة متماسكة أو شعباً واحداً، بل كان فسيفساء من المجتمعات المتمايزة والمتنافرة التي كانت الولاءات فيها ضيقة ومحلية قبل أن تبدأ عملية بناء أمة حديثة. يجادل بأن هذه العملية كانت متعثرة ومليئة بالتناقضات، حيث لعبت كل من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإمبريالية دوراً في تعميق الشرخ تارة، وفي لمّ الشمل تارة أخرى.
يسير الفصل خطوة خطوة من خلال تشريح الانقسامات العميقة في المجتمع العراقي، ويبدأ بأوسعها: الهوة بين عرب المدن وعرب القبائل. يصف الفصل عالمين شبه منفصلين اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، حيث كانت حياة المدنيين خاضعة للقانون العثماني والإسلام المؤسسي، بينما حكم القبليين عرف قبلي قديم. يشير إلى أن الشعور بالعروبة لدى الفريقين كان شعوراً طبيعياً وفطرياً، وليس أيديولوجية قومية ديناميكية. لكنه يعقّد هذه الصورة بالإشارة إلى أن العديد من سكان المدن كانوا من أصل قبلي، خاصة بسبب الكوارث المتكررة التي ضربت بغداد كالطاعون والفيضانات، مما جعل المناطق القبلية "خزاناً بشرياً" للمدن، مما خلق جسراً متحركاً بين العالمين.
لا يتوقف الفصل عند الانقسام بين المدينة والريف، بل يغوص في شرخ أعمق آخر: الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة. يوضح بطاطو أن هذا لم يكن مجرد اختلاف ديني، بل عامل تقسيم حاد أنتج هوة اجتماعية عميقة، حيث نادراً ما كان أبناء الطائفتين يختلطون أو يتزاوجون، ويعيشون في أحياء منفصلة في المدن المختلطة. ويشير إلى أن هذا الشرخ الطائفي كان يتقاطع مع الفارق الطبقي، مما ضاعف من حدته وأعطاه جذوراً اقتصادية واجتماعية، وليس دينية فقط. هذه الانقسامات وجدت تعبيرها المادي في ظاهرة "المحلة" أو حي المدينة، حيث كان كل حي يمثل عالماً خاصاً من الولاءات الضيقة، ويتمتع باستقلالية فعلية، كما يتجسد في "دستور 1910 لحي البراق في النجف" الذي ينص على قواعد الحماية والثأر المشتركة بين سكان الحي.
في القسم التالي، ينتقل الفصل إلى تتبع العوامل التي بدأت في نحت هذه الولاءات القديمة منذ أواخر القرن التاسع عشر. يذكر إدخال السفن البخارية في 1844 والتلغراف في 1871، وربط العراق بالاقتصاد الرأسمالي، وفتح المدارس، وتطور الصحافة، ومحاولات الحكومة العثمانية المتكررة لتوطيد سلطتها المركزية. هذه العوامل خلقت قوة اجتماعية جديدة هي الطبقة المثقفة، والتي أنجبت ولاء جديداً هو الوطنية. لكن المحرك الأكبر لهذا الوعي الجديد كان غزو الإنكليز خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والانتفاضة المسلحة في 1920 التي جمعت السنة والشيعة ورجال القبائل والمدن في مقاومة مشتركة لأول مرة، مما شكل لحظة تأسيسية للخيال الوطني رغم الطبيعة القبلية للانتفاضة في جوهرها.
يتناول الفصل بعد ذلك دور الملكية الهاشمية (تأسست 1921) في بناء الأمة، مع التركيز على تناقضاتها العميقة. يُظهر أن الملك فيصل الأول (حتى 1933) كان واعياً لهشاشة المجتمع العراقي، وسعى جاهداً لصهر "الكتل البشرية" في شعب واحد، وركز على ضم الشيعة والأكراد للدولة، وبناء جيش قوي وصفه بـ"العمود الفقري لبناء الأمة". لكن الفصل يبين بشكل لاذع التناقض الجوهري: بينما كان يرمز الملك في بغداد لفكرة المجتمع الموحد، كان شيوخ القبائل يمثلون المجتمع المتشرذم. والأهم، أن الملكية بعد فترة التأسيس، خاصة في عهد الوصي عبد الإله، تحالفت بشكل أوثق مع الإنجليز والشيوخ، مما حوّلها من عامل توحيد إلى عائق أمامه. يوضح الفصل أن ارتباط الملكية بالشيوخ، عبر إصلاحات الأراضي لصالحهم، حولهم إلى "كابوس اقتصادي" وأبقى غالبية الفلاحين تحت القمع، بينما أدى ارتباطها بـحلف بغداد في 1955 إلى إلصاق تهمة "عدم الوطنية" بها.
في القسم الختامي، يرسم الفصل الديناميكية المأساوية التي أدت إلى سقوط الملكية في 1958. يصف كيف أن تمديد التعليم، رغم كونه تطوراً إيجابياً، أنتج طبقة متعلمة لكنها متعطشة للسلطة والمال، وأصبحت أكثر عداء للملكية وقابلة للأيديولوجيات الجديدة كالشيوعية. كما أن التطور الحضري السريع، خاصة في بغداد، ساهم في تفتيت الروابط التقليدية وخلق توترات اجتماعية. أخيراً، كانت حرب 1941 وحرب 1948 في فلسطين بمثابة نقاط تحول حاسمة، حيث أفقدت الملكية شرعيتها الوطنية بعد أن اتهمت بالتقاعس والخيانة. ويختتم الفصل بأنه في 1958، كان الوعي الوطني ما يزال هشاً وغاضباً ومفتقراً إلى الحميمية والدعم العاطفي الذي كانت توفره الولاءات القديمة، وظلّت مسألة ما إذا كان هذا الولاء سيتجه نحو "العراقية" أو "الوحدة العربية" غير محسومة، ومرفوضة من قبل الأكراد وغير مكتملة لدى الشيعة.
7.نتائج أزمة قناة السويس في العالم العربي290–311▼ ملخص
بدأ الفصل المخصص لمناقشة نتائج أزمة قناة السويس في العالم العربي، لمؤلفه رشيد الخالدي، بملاحظة منهجية مهمة. أشار الكاتب إلى أنه على الرغم من العمق التاريخي للأزمة وتأثيرها البالغ، إلا أن الدراسات الأكاديمية الرئيسية التي تناولت دوافع ومواقف الحكومات والزعماء العرب (غير مصر) لا تزال محدودة نسبياً. لذلك، يعتمد التحليل في هذا الفصل بشكل كبير على مصادر ثانوية متراكمة، مما يجعل التقويم تأملياً واستعراضياً للأفكار الأساسية بدلاً من أن يكون تفصيلياً وشاملاً. ورغم هذا القيد، يؤكد الكاتب أن تأثير الأزمة كان واضحاً وبصماته عميقة على مستويات ثلاثة رئيسية: علاقة العرب بالقوى العظمى، السياسات الداخلية للدول العربية والعلاقات فيما بينها، والصراع العربي-الإسرائيلي.
فيما يخص علاقة العرب بالقوى العظمى، يرى الكاتب أن أزمة السويس لم تخلق تحالفات جديدة بقدر ما عززت ووثقت من مواقف وميول كانت قائمة بالفعل. فبعد فشل العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل)، برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة في المنطقة، لكنها لم تنل الثناء الكامل من العرب. ويرجع الكاتب ذلك إلى أن العرب أدركوا أن واشنطن لعبت دوراً أساسياً في تعجيل الأزمة من خلال سحب وزير خارجيتها دالاس المفاجئ لعرض تمويل بناء سد أسوان. كما استاء العرب من عداء أميركا المستمر لسياسة الحياد والقومية العربية قبل وبعد الأزمة. في المقابل، استفاد الاتحاد السوفياتي من هذا الوضع، حيث كسب ثقة العرب لدوره الداعم أثناء الأزمة، وهو الدور الذي حرصت القيادة المصرية (كما يروي محمد حسنين هيكل وأمين هويدي) على تضخيمه إعلامياً لخلق ثقل موازن للهيمنة الأميركية. وهكذا، أثبتت الأزمة أن بريطانيا وفرنسا لم يعد لهما دور يذكر، وأنه بات بالإمكان الاستفادة من الاتحاد السوفياتي كحليف محتمل.
بالنسبة للسياسات الداخلية للدول العربية، يخلص الكاتب إلى أن الأزمة كانت بمثابة زلزال سياسي أطاح بالأنظمة الموالية للغرب أو هدد وجودها. فقد دمّرت أزمة السويس أي شرعية متبقية للمتعاونين مع القوى الاستعمارية القديمة، خصوصاً بعد أن كشف التواطؤ مع إسرائيل عن نواياهم الحقيقية. يذكر الكاتب أن المؤامرة التي حيكت للإطاحة بالنظام السوري بالتزامن مع العدوان الثلاثي، والتي تورطت فيها بريطانيا والعراق، كانت كارثية على النظام العراقي نفسه. فبعد الأزمة، أصبح زعيم العراق نوري السعيد يُنعت بـ "حليف اليهود" و"خادم الاستعمار"، مما مهد، إلى جانب عوامل أخرى، لسقوط الملكية في ثورة 1958. في سوريا، دفعت المؤامرة الفاشلة القوى الراديكالية القومية إلى الاتحاد مع مصر فيما عُرف بـ الجمهورية العربية المتحدة في 1958. أما في الأردن، فقد أجبرت شعبية عبد الناصر الجارفة وموجة الدعم العربي الملك الحسين على إنهاء الاتفاقية مع بريطانيا وطرد قواعدها، والتحول إلى طلب الدعم من الولايات المتحدة. وفي لبنان، زادت الأزمة من حدة الاستقطاب السياسي والطائفي، مما أدى إلى حرب أهلية في 1958 وأسهم في ظهور التيار الناصري الذي هيمن على السياسة الخارجية اللبنانية في فترة حكم الرئيس شهاب.
أخيراً، يعتبر الكاتب أن أعمق وأطول آثار الأزمة كان تأثيرها الحاسم على الصراع العربي-الإسرائيلي. يرى أن مشاركة إسرائيل في العدوان، بتواطؤ مع قوى إمبريالية، حولت النزاع من قضية تحرير فلسطين إلى صراع سيادي بين الدول العربية وإسرائيل. هذا التحول، الذي دفع به رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون، جعل الصراع يتمحور حول توازن القوى وحدود السيادة والاستراتيجيات الإقليمية بدلاً من الحقوق الفلسطينية. لكن المفارقة الكبرى، برأي الكاتب، هي أن الأزمة نفسها، وما سبقها من أحداث مثل غارات غزة عام 1955، هي التي أعادت الحياة للحركة الوطنية الفلسطينية. ففي خضم هذه الأحداث، وتحديداً داخل السجون المصرية وعلى أرض الواقع في غزة، نشأ جيل جديد من القادة الفلسطينيين (مثل ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير) الذين استخلصوا درساً مفاده أن الاعتماد على الأنظمة العربية وحدها غير كافٍ. أدى ذلك إلى تأسيس حركة فتح التي تبنت مبدأ "استقلالية القرار الفلسطيني"، مما مهد الطريق لعودة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المباشر إلى الواجهة بعد أن ظن البعض أنه اندثر. ويختتم الكاتب بالتأكيد على أنه في الوقت الذي تمكنت فيه مصر والأردن من تسوية نزاعهما مع إسرائيل، فإن أطول وأعمق إرث لأزمة السويس قد يكون إعادة إحياء الجبهة الفلسطينية-الإسرائيلية كصراع حيوي لا يزال يشعل المنطقة.
8.السلطة السياسية والدولة السعودية312–340▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل نشأة وتطور السلطة السياسية والدولة السعودية الحديثة، والإجابة التي يقدمها المؤلف تدور حول فكرة أن الدولة السعودية لم تكن نتاج تطور عضوي من سلطة قبلية إلى دولة مؤسساتية، بل كانت استجابة لضغوط خارجية أكثر منها تحولاً داخلياً. يركز الفصل على التوتر الجوهري بين البنية التقليدية للسلطة القائمة على القبيلة والدين والتحالفات الشخصية، وبين متطلبات الدولة الحديثة التي فرضتها عوامل مثل ضم الحجاز واكتشاف النفط.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من إرساء الأساس التاريخي لغياب السلطة المركزية في شبه الجزيرة العربية، حيث كانت السلطة تمارس غالباً داخل القبيلة أو بدعم خارجي. ثم ينتقل إلى صعود الدولة السعودية بقيادة عبد العزيز بن سعود، مسلطاً الضوء على العوامل التي ميزتها عن غيرها من الكيانات السياسية المجاورة. يوضح الفصل أن تفرد النظام السعودي يعود إلى عاملين رئيسيين: الأول هو أصوله المحلية النجدية التي منحته شرعية واستقلالية نسبية عن القوى الأجنبية، لا سيما بالمقارنة مع ملوك العراق والأردن الذين وضعهم البريطانيون. الثاني، وهو الأهم، هو الصلة الوهابية، حيث أعطت العقيدة الدينية للنظام السعودي أساساً يتجاوز القبيلة الواحدة، مما سمح له بتثبيت حكم دائم بدلاً من التحالفات القبلية المتقلبة. ويضيف الفصل أن السيطرة على عائدات الحج بعد عام 1924 وعلى عائدات النفط بعد الحرب العالمية الثانية وفرت للملكية الموارد المالية لدعم سلطتها.
يتناول الفصل بالتفصيل التحدي المتمثل في تحويل السلطة القبلية إلى دولة حديثة، ويركز على ضم الحجاز عام 1925 كمثال رئيسي. واجه ابن سعود معضلة: فرض النموذج النجدي القبلي على الحجاز المديني الأكثر تطوراً كان سيؤدي إلى تمرد، بينما ترك الحجاز بحكمه الذاتي كان سيهدد بانفصاله. كان الحل الوسط هو تعيين ابنه فيصل نائباً للحكم مع الإبقاء على بعض المؤسسات الحجازية القديمة، مما خلق إدارة أكثر تنظيماً من الحكومة المركزية. يوضح المؤلف أن هذا النموذج، إلى جانب الضغوط الخارجية مثل العلاقات الدبلوماسية وامتيازات النفط، أجبر ابن سعود على إنشاء وزارات كوزارة الخارجية عام 1930 ووزارة المالية عام 1932 ووزارة الدفاع عام 1944. ومع ذلك، يؤكد الفصل أن هذه المؤسسات كانت فارغة في البداية، إذ ظل ابن سعود يمارس سلطته الشخصية المطلقة ويتجاهلها، ولم يتم إنشاء مجلس الوزراء إلا قبل أسابيع من وفاته عام 1953، وذلك لتقاسم السلطة بين أبنائه.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الدور المحوري لأرامكو، التي أصبحت بمثابة دولة داخل دولة. فبينما لم تمتلك الحكومة السعودية آنذاك جيشاً أو إدارة قادرة أو بنية تحتية، قامت أرامكو بكل شيء من إنتاج النفط إلى بناء المدارس والمستشفيات، بل وشجعت الحكومة الأميركية على إنشاء قاعدة جوية في الظهران. ويصف الفصل هذا الوضع بأنه تحدٍ مزدوج للمملكة: فقد حفزها على تحسين موقفها التفاوضي ضد هذه السلطة الأجنبية، كما أعدها للحلول محلها في النفط والقطاعات المدنية. بعد وفاة ابن سعود عام 1953، وجدت المملكة نفسها في موقف غريب: النفط هو موردها الأساسي ولكن لا يوجد جهاز دولة قادر على إدارته. يصف الفصل الفوضى التي سادت في السنوات الأولى لمجلس الوزراء (المنشأ رسمياً في مارس 1954)، مع إنشاء وإلغاء وزارات، ورفض حاكم إقليمي الإذعان لوزير الداخلية. ويخلص إلى أن الإطار التنظيمي استقر تدريجياً بفضل نفوذ فيصل، حيث أصبح المرسوم الملكي الصادر في 17 مايو 1958 هو حجر الأساس للحكومة، مع بقاء سلطة التشريع بيد الملك وحده.
يتحول الفصل بعد ذلك إلى الجانب البنيوي للدولة، مركزاً على هيمنة العائلة المالكة. يوضح أن أبناء ابن سعود يحتكرون جميع المناصب الهامة في مجلس الوزراء والمقاطعات. يصف كيف زاد الملك فهد من سيطرة عشيرته (السديريين) عبر إنشاء مجالس عليا تضع قطاعات رئيسية تحت سلطته المباشرة. ويبين الفصل اعتماد السلطة على تحالفات داخلية، أبرزها مع آل الشيخ (سلالة مؤسس الوهابية)، وقبائل مثل السديريين وآل تنيان. ويستخدم الفصل الجيش والحرس الوطني كدراسة حالة للتوتر بين الدولة الحديثة والولاءات التقليدية. فالجيش يعاني من ضعف التجهيز والتدريب مقارنة بالميزانية الضخمة (7 مليارات دولار عام 1982، و1,200 دولار لكل فرد)، بينما الحرس الوطني هو امتداد للولاءات القبلية ويقع تحت إمرة ولي العهد عبد الله كقوة موازنة لنفوذ عشيرة السديري. ويشير الفصل إلى وجود آلاف الجنود الأجانب في القوات المسلحة (باكستانيون، أردنيون، أميركيون)، مما يطرح تساؤلات حول السيادة الحقيقية للجيش.
أخيراً، يقدم الفصل تحليلاً شاملاً للعوامل التي تهدد استقرار النظام، أو ما يسميه بذور الثورة التقليدية. يناقش العوامل القبلية (مقاومة قبائل مثل شمر ومطير وحرب) والعوامل الإقليمية (التوتر بين هيمنة نجد واستقلالية الحجاز وعلاقات الإحساء بالعراق والبحرين). ويسلط الضوء على العامل الديني كمصدر محتمل للصراع، مشيراً إلى تعصب الوهابية الذي يقمع الشيعة في الإحساء ويخالف تقاليد المذاهب السنية الأخرى. كما يثير قضية العمالة الأجنبية التي تجاوز عددها مليوني عامل في 1980-1981، مما يخلق مجتمعاً غير متجانس ويشل الاقتصاد إذا غادروا. ويختم بمناقشة التفاوت الطبقي، حيث تتركز الثروة في أيدي العائلة المالكة وحلفائها من البورجوازية الحجازية، مما يخلق حالة من (البرجزة) للعائلة وعدم استقرار اجتماعي. يقترح المؤلف في النهاية أن البديل للنظام لن يأتي من طبقة وسطى متجانسة، بل من ائتلاف من المظالم السياسية والاقتصادية والقبلية والدينية، مع الإقرار بأنه من الصعب جداً التخلص من الملكية التي تبقى العامل الموحد للبلاد.
من الحجج القابلة للنقاش بناء على النص، تأكيد الفصل على أن بناء الدولة السعودية كان استجابة لضغوط خارجية وليس لتحول داخلي، مما يثير تساؤلاً حول مدى جذور المؤسسات الحديثة في المجتمع السعودي. أيضاً، يمكن مناقشة تفسير المؤلف لدور الجيش والمخاوف من الانقلابات، وكيف أن حجم الميزانية لا يعكس قوة حقيقية بسبب عدم الثقة في الجيش كمعبر للطموحات السياسية.
9.الثورات الإيرانية في منظور مقارن341–356▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو محاولة فهم الثورة الإيرانية عام 1978-1979 من خلال وضعها في إطار مقارن. يرى المؤلف أن هذه الثورة شكلت صدمة للعالم، وأن معظم التحليلات السابقة ركزت على أخطاء الشاه أو الدور الأمريكي، متناسية الجذور الاجتماعية والاقتصادية العميقة. لذلك، يقدم الفصل مقارنتين: الأولى داخلية، تدرس الحركات الثورية في إيران منذ عام 1890، والثانية خارجية، تقارن الثورة الإيرانية بالثورات العالمية الكبرى. الجوهر الذي يقدمه المؤلف هو أن الثورة الإيرانية ليست شاذة كما تبدو، بل هي تتويج لتاريخ طويل من المقاومة الشعبية ضد النفوذ الأجنبي والحكم الاستبدادي، وهي تفهم بشكل أفضل من خلال النظر إلى هذا التاريخ.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً ببيان صعوبة تطبيق النظريات الغربية للثورة على الحالة الإيرانية. يشير المؤلف إلى أن الثورات الغربية غالباً ما تميل إلى اليسار والعلمانية، بينما قاد الثورة الإيرانية رجال دين متعصبون يطالبون بالعودة إلى الأصول الإسلامية. كما يوضح أن النظريات التي تؤكد دور الفلاحين في الثورات (كما في الصين وروسيا) لا تنطبق على إيران، لأن الفلاحين الإيرانيين يعيشون في مناطق قاحلة ويعتمدون على ملاك الأراضي لري أراضيهم، مما يجعل من الصعب تنظيمهم. على العكس من ذلك، يثبت الفصل أن المدن الإيرانية، التي كان يُعتقد أنها محصنة ضد الثورات الجماهيرية، كانت هشة بالفعل، كما ظهر في كل من ثورة 1905-1911 وثورة 1978-1979.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقديم حجته المركزية: أن إيران كانت ولا تزال في طليعة البلدان الثورية في القرن العشرين، بعدد لا مثيل له من الثورات وحركات التمرد في العالم الإسلامي أو الهندوسي أو الغربي. يدعم المؤلف هذا الادعاء بإدراج سلسلة من الحركات الثورية في التاريخ الإيراني الحديث: الانتفاضة ضد امتياز التبغ البريطاني عام 1891-1892، والثورة الدستورية 1905-1911، والحركات الثورية في مقاطعات جيلان وأذربيجان وخراسان بعد الحرب العالمية الأولى، وثورات أذربيجان وكردستان بعد الحرب العالمية الثانية، وحركة تأميم النفط بقيادة مصدّق من 1951 إلى 1953، والمظاهرات الشعبية في أوائل الستينيات. كل هذه الحركات، حسب المؤلف، تشترك في هدف الإطاحة بالسيطرة الأجنبية على الاقتصاد الإيراني وبناء مجتمع مستقل.
لتفسير هذا التاريخ الطويل من التمرد، يقدم الفصل تحليلاً للظروف الهيكلية في إيران في عهد القاجاريين (1787-1925). يصف المؤلف كيف كان تغلغل الاقتصاد الغربي، خاصة البريطاني والروسي، مدمراً للحرفيين المحليين، حيث أدت الاتفاقيات التي تحد من الرسوم الجمركية إلى جعل إيران منطقة تجارة حرة للمستوردات الغربية. هذا التدهور، بالإضافة إلى ازدياد الفروق الطبقية بسبب التوسع في زراعة المحاصيل النقدية كالأفيون، خلق مصادر جديدة للتذمر بين الفلاحين والحرفيين على حد سواء. لكن الميزة الفريدة لإيران كانت تماسك البنية التقليدية للبازار، الذي لعب تجاره ومرابوه دوراً محورياً في جميع الثورات الإيرانية.
يتطرق الفصل إلى عاملين آخرين ساهما في عدم الاستقرار. أولاً، فشل القاجاريون في تحديث الجيش والبيروقراطية مقارنة بالإصلاحات في تركيا ومصر، مما ترك إيران ضعيفة وغير قادرة على السيطرة المركزية. هذا الضعف أفسح المجال لقوة مجموعات شبه مستقلة مثل البدو الرحل والحكام المحليين. ثانياً، والأهم، كان العلماء الشيعة يتمتعون باستقلالية مالية وسلطة دينية واجتماعية كبيرة تفوق نظراءهم السنة، مما جعلهم قادرين على قيادة المعارضة. التحالف بين العلماء والبازار والمثقفين العلمانيين، على الرغم من اختلاف أهدافهم (العلماء يريدون تطبيق الشريعة بصرامة، والليبراليون يريدون الديمقراطية، والبازار يريد الحد من المنافسة الأجنبية)، كان فعالاً ضد أعدائهم المشتركين: العائلة المالكة والأجانب.
يستخدم الفصل حدث امتياز التبغ عام 1891 كمثال رئيسي على قوة هذا التحالف. عندما منحت إيران حق احتكار التبغ لمواطن بريطاني، قاد العلماء وجماعة البازار احتجاجات جماهيرية ومقاطعة ناجحة للتبغ، مما اضطر الشاه إلى إلغاء الامتياز في عام 1892. يبرز المؤلف أن القاسم المشترك بين جميع هذه الحركات هو معاداة الإمبريالية ومقاومة الأجانب، وهي أقوى في إيران منها في معظم بلدان الشرق الأوسط. يرى المؤلف أن الإسلام الشيعي، بإصراره على النقاء والشعائر وحظر الاحتكاك بالكافرين، كان أشد مقاومة للتأثيرات الغربية من الإسلام السني، وأن الشعور بأن الحكومات تتواطأ مع الأجانب دفع الإيرانيين إلى التمرد مراراً وتكراراً.
يختتم الفصل بتفصيل الأحداث التي سبقت الثورة الدستورية 1905-1911. يصف كيف ازداد النفوذ البريطاني والروسي بعد عام 1890، وكيف قام ميرزا رضا كرماني بتحريض من جمال الدين الأفغاني باغتيال ناصر الدين شاه عام 1896. ثم ينتقل إلى العوامل الخارجية التي أعطت زخماً للثورة، وأهمها الانتصار الياباني على روسيا في الحرب 1904-1905 والثورة الروسية عام 1905. بالنسبة للإيرانيين، أثبتت اليابان أن القوة الآسيوية يمكن أن تهزم قوة أوروبية، وربطوا هذا النجاح بوجود دستور، فأصبح الدستور يُنظر إليه على أنه "سر القوة". بدأت الثورة الفعلية في أواخر عام 1905 عندما تم ضرب تجار بالسكر، مما أدى إلى تمرد شعبي وعد الشاه بقبول الدستور وإنشاء برلمان.
يعترف المؤلف صراحة بصعوبة وارتجال المقارنات التي يجريها، لأن الثورة الإسلامية تبدو شاذة عقائدياً مقارنة بالثورات الغربية. كما يقر بأن هناك جدلاً حول ما إذا كان هناك بؤس عام أو ازدهار في عهد القاجاريين، ويذكر أدلة متضاربة من دراسات مختلفة. الحجة القابلة للنقاش هي تركيزه القوي على عامل مقاومة الأجانب كالمحرك الرئيسي للتاريخ الإيراني، مما قد يقلل من أهمية العوامل الداخلية مثل الصراع على السلطة أو الأسباب الاقتصادية البحتة. ومع ذلك، يقدم الفصل حجة مقنعة بأن ثورة 1979 ليست حدثاً معزولاً، بل هي الفصل الأخير في قصة طويلة ومعقدة من المقاومة والتغيير في إيران.
10.الحق الديني357–381▼ ملخص
يطرح هذا الفصل، «الحق الديني»، قضية محورية هي العلاقة المعقدة بين الإسلام والدولة في تركيا منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 وحتى سبعينيات القرن العشرين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن العلمانية التركية، على عكس الفصل بين الدين والدولة في الغرب، اتخذت شكل سيطرة الدولة الكاملة على المؤسسات الدينية وإخضاعها لها، مما جعل الإسلام قوة سياسية واجتماعية هامشية لكنها باقية، وقادرة على الظهور كأداة للاحتجاج والتعبئة السياسية من حين لآخر، خاصة في فترات التحول الديمقراطي أو الأزمات الاقتصادية.
يسير الفصل عبر عدة خطوات متسلسلة. يبدأ بتحديد الإطار الفكري للنخبة الكمالية التي رأت في الإسلام «عائقًا رئيسيًا» أمام التحديث وتهديدًا للسلطة المركزية. ويشرح كيف أصبحت العلمانية، ضمن هذا السياق، بديلاً عن الصراع الطبقي، حيث تم تعريف «الشعب» كوحدة عضوية لا طبقات فيها، مما جعل الانقسام بين علماني ومحافظ ديني هو الانقسام السياسي الأساسي بدلاً من الانقسام بين يسار ويمين. يصف المؤلف هذا الموقف بـ«اليسار البديل».
ثم ينتقل إلى ذكر الأسباب التي تجعل الإسلام قوة معارضة محتملة: أولاً، كون الإسلام دينًا لا يفصل بين المقدس والدنيوي، مما يمنحه القدرة على تقديم بديل سياسي كامل. ثانيًا، قدرته على حشد الجماهير، خاصة في المجتمعات التقليدية حيث يشكل المصدر الرئيسي للهوية المشتركة. ثالثًا، سجله التاريخي في مقاومة التحديث الغربي خلال العهد العثماني، حيث كان العلماء أقوى جماعة معارضة للإصلاحات. ورابعًا، حركات التمرد التي قامت باسم الإسلام في العشرينيات والثلاثينيات، مثل انتفاضة الشيخ سعيد عام 1925، والتي يرى المؤلف أنها كانت ذات أهداف كردية انفصالية أكثر منها إسلامية خالصة، لكنها مع ذلك غذت حساسية النخبة العلمانية تجاه أي نشاط ديني.
يخصص الفصل قسماً كبيراً لتفصيل الإصلاحات الكمالية التي هدفت إلى تدمير قوة الإسلام المؤسساتية. يورد المؤلف سلسلة الإصلاحات حسب تسلسلها التاريخي متضمناً تواريخها الرئيسية: إلغاء السلطنة (1922)، إلغاء الخلافة (1924)، إلغاء منصب شيخ الإسلام ووزارة الشؤون الدينية ومحاكم الشريعة، إلغاء المدارس الدينية (1924)، منع الطربوش (1925)، اعتماد التقويم الغريغوري (1926)، اعتماد القانون المدني السويسري (1926)، التحول من الحروف العربية إلى اللاتينية (1928)، حذف البند الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة من الدستور (1928)، ومنح النساء حق الانتخاب (1930 للمجالس البلدية و1934 للانتخابات الوطنية)، وتغيير العطلة الأسبوعية من الجمعة إلى الأحد (1935). الهدف من هذه الإصلاحات، كما يوضح الفصل، كان استبدال رموز الحضارة العثمانية الإسلامية بنظيراتها الغربية، وتجريد الإسلام من وظائفه الاجتماعية والسياسية وتحويله إلى عقيدة فردية محضة.
ينتقل الفصل لاحقاً إلى فترة التحول إلى التعددية الحزبية بعد 1945. يصف كيف أدى وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة عام 1950 إلى تخفيف حدة العلمانية الصارمة، مما أتاح عودة المظاهر الدينية وفتح مدارس الأئمة والخطباء. يرى المؤلف أن الحزب الديمقراطي استخدم الإسلام كورقة سياسية لتعزيز شعبيته في مواجهة المشاكل الاقتصادية، مستشهداً بحادثة نجاة عدنان مندريس من حادث طائرة عام 1959 والتي استغلها الحزب دعائياً. ومع ذلك، يبقى الجيش والمحاكم والأوساط الجامعية والصحافة حراساً للعلمانية، مما أدى إلى حل عدة أحزاب بتهمة استغلال الدين، مثل حزب الأمة عام 1954 وحزب النظام القومي عام 1971.
يستعرض الفصل حالة حزب الإنقاذ الوطني كدراسة حالة نموذجية لظهور الإسلام السياسي الحديث في تركيا. تأسس الحزب عام 1972 كخلف لحزب النظام القومي، وحصل على 11.8% من الأصوات في انتخابات 1973 ليصبح ثالث أكبر حزب ويشارك في حكومات ائتلافية حتى 1978. يصف المؤلف عقيدة الحزب بأنها استمرار لجدل القرن التاسع عشر بين «الإسلاميين» الذين أرادوا الأخذ بتقنية الغرب مع الحفاظ على التقاليد الإسلامية، و«التغريبيين» الذين رأوا أن التحديث يستلزم تبني الحضارة الغربية كاملة. كان الحزب ينادي بالعودة إلى الإسلام كشرط أساسي للنهضة والتصنيع السريع دون صدمات نفسية، محاولاً جذب «الرجل المغلوب على أمره» من صغار التجار والحرفيين وأبناء المناطق المهمشة اقتصادياً.
يتطرق الفصل أيضاً إلى دور الطرق الصوفية في السياسة، مثل النقشبندية والنورسية، على الرغم من حظرها قانوناً. يشير إلى دور الشيخ محمد زاهد أفندي وعلاقته بـ نجم الدين أربكان زعيم حزب الإنقاذ الوطني، وكيف أن هذه الطرق قدمت دعماً انتخابياً للأحزاب المحافظة، مع الإقرار بصعوبة الحصول على معلومات منهجية وموثوقة حول شبكاتها وقوتها الحقيقية بسبب طابعها السري.
في الفقرة الأخيرة، وبعد تحليل كل هذه العوامل، يقدم الكاتب استنتاجاً حاسماً يبدو أنه يخالف الانطباع الأولي الذي قد يتركه الفصل. يؤكد المؤلف أنه «على الرغم من ازدياد أهمية الإسلام في السياسة التركية، فليس هناك دليل حقيقي يشير إلى أن القوى الإسلامية كان بإمكانها أن تصبح بديلاً سياسياً فعالاً». يرى أن هذه القوى تستمد قوتها من فئات اقتصادية هامشية في سياق تنمية رأسمالية لا تتجه لتوسيع هذه الفئات. وخلاصته النهائية هي أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية منذ 1950 وسيطرة الدولة على الدين قد أدت إلى تهميش مكانة الإسلام، الذي لم يعد قوة كافية بمفردها لتعبئة الجماهير، بل أصبح مجرد حركة واحدة ضمن مشهد سياسي متعدد ومتنوع، استفاد من فترات الحرية النسبية في السبعينيات لكنه لم ينجح في تغيير النظام.
11.معضلة الدولة الإسرائيلية387–419▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "الشرق الأوسط الحديث" يتناول "معضلة الدولة الإسرائيلية"، ويتمحور حول تناقض جوهري تواجهه هذه الدولة: الحاجة الملحة للحفاظ على أكثرية يهودية واضحة في "أرض إسرائيل"، مقابل التحديات السكانية والسياسية والأخلاقية التي تجعل تحقيق هذا الهدف صعباً ومتناقضاً مع المبادئ الديمقراطية. يقدم المؤلفون إجابة مفادها أن استمرار الصهيونية كحركة قومية يعتمد على حل هذا التناقض، لكن الحلول المطروحة (سواء من اليمين الديني أو اليسار الصهيوني) تظل غير كافية وتثير إشكاليات جديدة.
يبدأ الفصل بمناقشة أصول الصهيونية، موضحاً أن الدافع الأساسي كان القومية الأوروبية وليس الدين، بعد مذابح اليهود في أوروبا. ويؤكد أن الهدف المركزي كان بناء أكثرية يهودية في فلسطين، وهو مبدأ أصر عليه قادة مثل دافيد بن غوريون وموشيه شاريت. ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل المعضلة السكانية (الديموغرافية) بالتفصيل، مستشهداً بقلق القادة الصهاينة الأوائل مثل حاييم وايزمان من ارتفاع معدل المواليد العربي، وجهود الحكومة الإسرائيلية لتحفيز اليهود على الإنجاب، مثل جائزة الأمهات اللواتي ينجبن "الولد العاشر" في عام 1959.
يتطرق الفصل إلى معضلة "الهجرة" و**"النزوح"**. فمن ناحية، تعتبر الهجرة اليهودية إلى إسرائيل ("العليا") شريان الحياة للدولة، ومن ناحية أخرى، يعاني البلد من نزوح كبير ("اليريدا")، خاصة بين الشباب الإسرائيليين المولودين في البلاد ("الصابرا")، مما يضعف التضامن الإسرائيلي ويشكل خسارة للاستثمار في التعليم. ويشير الفصل إلى أن تدفق المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق في أواخر الثمانينيات لم يحل المشكلة الديموغرافية جوهرياً، حيث أن نسبة اليهود في "أرض إسرائيل" بقيت ثابتة تقريباً. كما يذكر أن اليهود المتدينين الأرثوذكس أصبحوا يشكلون الغالبية بين المهاجرين الجدد، ويفضلون الاستيطان في الضفة الغربية مما يربط الهجرة بمستقبل الأراضي المحتلة.
ينتقل الفصل لتحليل تطور الأيديولوجية الصهيونية، واصفاً صعود "الصهيونية الجديدة" (أو المسيحانية) التي تتبنى فكرة "أرض إسرائيل الكاملة" وتستند إلى السلطة الإلهية، ممثلة في أفكار الحاخام أبراهام إسحاق كوك وابنه تسفي يهودا كوك. يوضح أن هذه الرؤية، التي تتبناها جماعة "غوش إيمونيم"، حلت محل "صهيونية العمل" التقليدية بقيادة بن غوريون التي ركزت على "استرداد الأرض من خلال العمل" وتطوير المناطق الداخلية مثل النقب والجليل. وينتقد الفصل هذا التحول، مظهراً كيف أن الاستثمار الضخم في مستوطنات الضفة الغربية جاء على حساب تطوير هذه المناطق الإسرائيلية الداخلية، مما أدى إلى ركود اقتصادي وتراجع في الزراعة وزيادة الاعتماد على العمالة العربية الرخيصة، وهو ما كان بن غوريون قد حذر منه سابقاً.
يناقش الفصل أزمة الديمقراطية في إسرائيل، مستشهداً بعدة استطلاعات للرأي من عقدي 1980 و1987. تظهر هذه الاستطلاعات أن نسبة كبيرة من اليهود الإسرائيليين، خاصة الشباب، تدعم تقليص حقوق الفلسطينيين (مثل حرمانهم من حق التصويت)، وتفضل نموذجاً من "الديمقراطية اليهودية" الذي يخضع للحفاظ على الأكثرية اليهودية. ويصف الفصل تناقضاً في جوهر الدولة، كما عبر عنه السياسي اليميني المتطرف مئير كاهانا، حيث أن الديمقراطية الغربية التي تمنح حقوقاً متساوية للجميع تتعارض مع المبدأ الصهيوني القائم على سيادة يهودية.
يتناول الفصل الدور المتزايد للجيش في السياسة الإسرائيلية، خاصة بعد حرب 1967، وكيف أصبحت المؤسسة العسكرية تلعب دوراً محورياً في إدارة الأراضي المحتلة، مع وجود تحالفات واضحة بين ضباط كبار وأحزاب سياسية. كما يحلل معضلة الحكومات الائتلافية غير المستقرة الناتجة عن نظام التمثيل النسبي، والتي أدت إلى شلل سياسي وعدم قدرة على اتخاذ قرارات حاسمة. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن عودة حزب العمل للسلطة عام 1992 قد تقدم بعض الأمل، لكنه يبقى متشككاً في قدرته على حل المشاكل الجذرية.
يقر الفصل علناً بوجود حدود وتحفظات. يقول إنه ليس من المؤكد ما إذا كان تدخل الجيش في السياسة يتم لأسباب دفاعية استراتيجية أم لتحمل تبعات انهيار الإجماع الوطني حول الأراضي المحتلة. كما يعترف بأن البيانات المتعلقة بمواقف الشباب قد لا تعكس بدقة آراء البالغين أو تستمر مع التقدم في العمر. يترك الفصل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت صهيونية العمل قادرة على حل المعضلات المستعصية، وإذا كان تأويل بن غوريون للتاريخ (عن قرية-دولة روما التي انتصرت على مدينة-دولة قرطاجة) له صلة بإسرائيل المعاصرة.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش بشكل كبير، ومفادها أن "معضلة الدولة الإسرائيلية" هي صراع بين هدفين غير قابلين للتوفيق بشكل كامل: الحفاظ على دولة يهودية ذات أغلبية يهودية مطلقة، والحفاظ على دولة ديمقراطية تمنح حقوقاً متساوية لجميع مواطنيها، بما في ذلك الفلسطينيين تحت الاحتلال أو داخل إسرائيل. يرى المؤلفون أن "الصهيونية الجديدة" تقدم حلاً واحداً (السيطرة الكاملة على الأرض على حساب الديمقراطية) بينما تقدم "حركة السلام" حلاً آخر (تقسيم الأرض على حساب الأكثرية اليهودية المطلقة)، وكلا الحلين يبقى إشكالياً لجهة تحقيقه وتداعياته وتماسكه الأخلاقي.
12.أخطار العصرنة والأخلاقية: المرأة والدولة والعقيدة في إيران المعاصرة420–458▼ ملخص
يُشكّل وضع المرأة في إيران المعاصرة مجالاً للصراع العقائدي والسياسي بين مشروعين متنافسين: مشروع الدولة البهلوية الحديثة ومشروع الدولة الإسلامية الثورية. لا يقدّم الفصل إجابةً وحيدةً عن وضع المرأة، بل يُظهر كيف أن "مسألة المرأة" تحوّلت عبر القرن العشرين إلى ساحةٍ تُختبر فيها مفاهيم التقدم، والتخلف، والأخلاق، والهوية الوطنية. الحجة المحورية هي أن وضع المرأة لم يُحدد مطلقاً لمصلحتها بقدر ما تمّ توظيفه كأداةٍ في مشاريع بناء الدولة، وكرمزٍ في صراعات الصياغة الثقافية. في مرحلة البهلويين، صيغت "المرأة" كرمزٍ للحداثة، ثم كرمزٍ للفساد الأخلاقي، لتتحول في مرحلة الجمهورية الإسلامية إلى أيقونةٍ للفضيلة الدينية والهوية الإسلامية النقية.
يسير الفصل خطوةً خطوة، مقتفياً أثر تطور الدولة الإيرانية الحديثة وتحولاتها وعلاقة ذلك بقضية المرأة. يبدأ ببناء الدولة في عهد الشاه رضا بهلوي (1925-1941)، حيث كان التركيز على خلق جيش حديث وبيروقراطية مركزية. هنا، لم تكن مسألة المرأة سوى جزء من مشروع أكبر لخلق "مواطن جندي" مطيع. التعليم والعمل في الجهاز الحكومي للنساء كان واجباً وطنياً، ورمز هذه الحداثة كان كشف الحجاب. يذكر الفصل أن الشاه أمر بنزع الحجاب في الثامن من يناير 1936، معلناً إياه "يوم تحرير المرأة". لكن الحجة هنا أن هذه الإصلاحات كانت سُلطوية، ففي نفس الوقت الذي فتحت فيه الدولة مجالات التعليم والعمل للنساء، أغلقت الجمعيات والصحف النسائية المستقلة. كان هدف الدولة استيعاب طاقات المرأة لخدمة الدولة، وليس تمكينها كمواطنة مستقلة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979)، ليركز على تغير طبيعة الدولة. مع تدفق عائدات النفط، تحوّلت الدولة إلى "دولة سلطانية" مستقلة عن المجتمع، وصار الشاه هو الدولة ذاتها. هنا تحوّلت الإصلاحات الخاصة بالمرأة، بدءاً من منح حق الاقتراع في 1963 وانتهاءً بإصلاحات قوانين الأسرة في الستينيات والسبعينيات، من كونها جزءاً من بناء الأمة إلى "هبات ملكية" ومنح من الشاه. تم إنشاء منظمة نسائية واحدة مركزية برئاسة الأميرة أشرف بهلوي أخت الشاه، لاحتواء أي نشاط نسوي مستقل. المشروع الجديد لم يعد يطلب من المرأة أن تكون خادمة للدولة، بل مستهلكة ممتنة لعطاء الشاه، مما جعلها رمزاً للفساد والسلع الجسدية في نظر المعارضة كافة.
يوضح الفصل بالتفصيل كيف تشكلت المعارضة لهذا المشروع. يظهر تقاطعاً نادراً بين نقدين مختلفين: نقد علماني ونقد إسلامي. النقاد العلمانيون رأوا إصلاحات الشاه تجميلية لا أكثر، وعمّقت الفروق الطبقية دون تحقيق مساواة حقيقية. أما النقاد الإسلاميون، وفي مقدمتهم جلال آل أحمد بمفهومه عن "الانتشاء بالغرب" وأفكار علي شريعتي، فقد صاغوا "المرأة المفرطة في تقليد الغرب" كبؤرة لكل الشرور الاجتماعية. أصبحت المرأة غير المحجبة رمزاً للتبعية للغرب، وتجسيداً للفساد الأخلاقي الذي يفتك بالمجتمع من الداخل. هنا يصبح الحجاب درعاً سياسياً يحمي الثقافة الإسلامية من الانهيار، وتصبح المرأة رمزاً للأصالة والمقاومة. كان هذا الخطاب جذاباً لقطاع واسع من النساء اللواتي عانين من ازدواجية "أن تكوني عصرية ولكن محتشمة".
أما الجزء الأهم من الفصل في انتقاد الماركسية والخطاب الثوري فيناقش بدقة ابتلاع قضية المرأة من قبل قضايا "أسمى". يصف الفصل كيف أن "مسألة المرأة" في عهد الشاه رضا خضعت لأولويات بناء الدولة، وفي عهد الشاه محمد رضا خضعت لمشروع الشاه الشخصي، وأخيراً في الجمهورية الإسلامية أصبحت مرهونةً بأولويات الحرب والثورة. النقطة الحاسمة هنا هي أن خطاب المعارضة الإسلامي في السبعينيات لم يكن مجرد عودة إلى "الأصول"، بل كان نتيجة حوار مع الحداثة نفسها. لقد قدّم حلاً رمزياً للتوتر بين "العصرية" و"الحشمة" بصياغة نموذج "المرأة المسلمة المناضلة" (فاطمة وزينب) التي تجمع بين النشاط الاجتماعي والعفاف.
يتناول الفصل مسار ما بعد الثورة الإسلامية (1979) عبر مرحلتين. الأولى كانت مرحلة تطهيرية عنيفة هدفت إلى محو كل ما تركه النظام السابق: إجبار النساء على الحجاب، فصلهن عن السلك القضائي، والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة. لكن سرعان ما استدعت الحاجة، خاصة بسبب الحرب الإيرانية العراقية 1980-1988، إلى استنفار النساء في المكاتب الحكومية ودعم الجبهة. هذه المشاركة لم تخفف من التشدد الأخلاقي، بل زادته. فكلما زاد اختلاط الجنسين، زادت الحملات لفرض "الحشمة" في اللباس والسلوك، كما حافظ مسؤولون مثل رفسنجاني وخامنئي على خطاب يقر بدور المرأة الاجتماعي، لكن ضمن حدود لا تتعارض مع دورها كأم وزوجة. يقر المؤلف صراحة بحدود التحليل وبتناقضات السرديات المختلفة. يعترف أن التقييمات (سواء من مؤيدي البهلويين أو معارضيهم أو مؤيدي الجمهورية الإسلامية أو منتقديها) تنطلق من "مجموعة أفكار تتعلق بما هو مستحسن" دون تقديم إجابة قاطعة. يترك أسئلة مفتوحة عن سبب هيمنة هذا التفسير الإسلامي للدور دون غيره من "الإسلامات" المتعددة، معترفاً بأن الإجابة ليست عقائدية بل سياسية. الفصل نفسه يقر أن كثيراً من النساء الإيرانيات، من خلفيات مختلفة، وقعن في العواقب غير المتوقعة لهذه المشاريع صياغتها كأداة في صراع بين الله والدولة وبين التقاليد والحداثة.
أما الجزء الأخير من الفصل، فيمكن أن يقرأ كأطروحة قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه. يتمثل في طرح أن كلاً من النظام البهلوي والنظام الإسلامي، في صراعهما حول من يمتلك الحقيقة والشرعية المطلقة، قد ألغيا أي مجال سياسي وسطي لحوار أو إصلاح تدريجي. يصف الفصل النظامين بأنهما "دولة تماثل سلطة الله" تجعل الحوار معها مستحيلاً إما بالتبعية التامة أو الرفض التام. هذه الحجة، على قوتها، قد تُعتبر تعميماً يبسّط صورة الدولة في إيران ويُهمش التنوع الداخلي والنقاشات المستمرة، خاصة حول حقوق المرأة في العقدين الأخيرين. كما يبدو أن الحجة تضع كل المسؤولية عن مأزق الإصلاح على هيكل الدولة السلطوي، دون أن تعطي وزناً كافياً للحركات النسوية المحلية وتطوّرها داخل إطار الجمهورية الإسلامية وفي خارجه، وهي قضية تتجاوز الزمن الذي يغطيه النص. لكن يظل الفصل نقداً عميقاً ومحكماً للكيفية التي تم بها توظيف جسد المرأة وقضاياها في اللعبة السياسية الشمولية لإيران الحديثة.