
Rule of Violence: Subjectivity, Memory an
يُشكّل كتاب "حكم العنف: الذاتية، الذاكرة والسياسة في سوريا" لـسلوى إسماعيل محاولةً جادة لفهم آليات الحكم في سوريا تحت حكم عائلة الأسد، ليس عبر عدسة الاستبداد التقليدي أو القمع الأعمى، بل بوصف العنف بكل أشكاله تقنيةً حكوميةً مركزية. الموضوع المحوري للكتاب هو أن العنف، بما في ذلك القتل الجماعي، التعذيب المنهجي، والمجازر، ليس مجرد أداة للرد على المعارضة أو حماية النظام، بل هو أسلوب أساسي في الحكم ينتج الذوات السياسية ويشكل العلاقات بين المواطنين والنظام، ويخلق حقولاً للفعل والمقاومة في آن. تدافع المؤلفة عن موقف مفاده أن هذا العنف هو عنف "حكومي" بالمعنى الفوكوي، يهدف إلى إخضاع المجتمع وتفكيك الذوات المعارضة، عبر خلق حالة دائمة من الخوف والرعب والإذلال.
تتقدم حجة الكتاب عبر تسلسل منطكي يبدأ بتحليل البنية الأساسية للنظام كـ"نظام أمني" يجعل من العنف وسيلته الأولى والأخيرة. يوضح الفصل الأول كيف أن الخوف من المجازر والحرب الأهلية كان جزءاً من الوجدان السوري قبل عام 2011، متجسداً في أعمال فنية تنبئ بنهايات مروعة، ومؤسساً على ما تسميه "فترة الأحداث" (1976–1982) التي بلغت ذروتها بمجزرة حماة عام 1982. تعتبر المؤلفة هذه المجزرة "دالاً رئيسياً" في لغة العنف، ونموذجاً أولياً لأداة حكم لا تزال تطارد السوريين كشبح. في الفصول التالية، ينتقل التحليل من مفهوم "السيادة" و"السلطة الحيوية" مستعيناً بـميشيل فوكو وجورجو أغامبين، لكنه يختلف معهما برفض اعتبار عنف القتل مجرد تجاوز للسياسة الحيوية؛ بل يراه حكومياً يخلق حقولاً للفعل. يطور الكتاب تحليله للرعب كأداة حكم، مفرقاً بينه وبين الإرهاب، من خلال مفهومي "الرجس" و"الغريب المألوف"، اللذين يفسران كيف يستهدف العنف الوجدان والإدراك وليس الجسد فقط.
يسير الكتاب عبر تحليل ملموس للأجهزة والممارسات. يكرس فصلاً كاملاً لتحليل السجن السياسي، وتحديداً سجن تدمر العسكري، كجهاز حكم أساسي. هنا، لم يكن الهدف من التعذيب انتزاع الاعترافات بقدر ما كان تفكيك الذات وإذلال السجين لإجباره على التخلي عن قناعاته. يصف الكتاب بالتفصيل ممارسات مثل "التعليم" (التي تجمع بين معنى التعليم والوسم)، وطقوس الاستقبال المهينة، وإجبار السجناء على أكل الحشرات أو لعاب الحراس لكسر الحدود بين الإنساني واللا-إنساني. يستند في هذا الوصف إلى مذكرات سجناء سابقين مثل راتب شعبو، محمد سليم حماد، مصطفى خليفة، وياسين الحاج صالح. ينتقل بعد ذلك إلى "سياسة المجزرة" التي تجسدها حماة نفسها، حيث تم تطبيق منطق الإبادة ضد جماعة الإخوان المسلمين بموجب قانون 49 لعام 1980 الذي جعل عضوية الجماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام.
يتوسع التحليل ليشمل "الحكومة الاستبدادية" و"الدولة الخفية". يوضح الكتاب كيف أن الدولة السورية لا تعمل فقط عبر القمع العلني، بل أيضاً عبر نظام معقد من الأنشطة غير القانونية والزبائنية والمراقبة. هذه الممارسات تنتج ذاتيات سياسية محددة: "ظلمات الأمن" (المخبر المتوقع دائماً)، "المواطن تحت الطلب" (الكيان المُجرّم والمُسكت)، "المحسوب على" و"التابع". يصف الكتاب شبكات التهريب والمخدرات التي أدارها النظام منذ دخوله لبنان عام 1976، مشيراً إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن 70% من الواردات السنوية في الثمانينيات كانت مهربة. هذه الأنشطة أنتجت "دولة الشبيحة"، حيث تحولت عصابات الشبيحة إلى قوة شبه رسمية لقمع الاحتجاجات، مع هشاشة الحدود بينها وبين مؤسسات الدولة الرسمية.
من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يذكر الكتاب أن الحزب ادعى امتلاك أكثر من 800,000 عضو عامل ومليون مؤيد في أوائل الألفية الثانية، أي ما يمثل أكثر من 10% من السكان. كما يشير إلى أن أجهزة الاستخبارات كانت تدير حوالي 30 سجناً في دمشق وحلب وحدها، وأن اشتراط الحصول على موافقات أمنية لـ 67 نشاطاً يومياً جعل المواطنين العاديين عرضة لشبكات الإيقاع. في الفصل المخصص للذاكرة، تبرز أرقام مجزرة حماة التي يتراوح تقدير ضحاياها بين 10,000 و 25,000 شخص، بينما يحمل الفصل شهادات عن استعداد مسؤول عسكري رفيع للتضحية بـ 100,000 شخص للحفاظ على الحكم. قصة زينب الحسني، التي أعلن موتها وأعيد جثمانها ثم ظهرت حية على شاشة التلفزيون في أكتوبر 2011، تمثل نموذجاً صارخاً لـ"الغريب المألوف السياسي" الذي يزرع خوفاً من الأسرار المجهولة وعدم الاستقرار الإدراكي.
تعترف المؤلفة بحدود بحثها وتحفظاته بوضوح. تشير إلى صعوبة الوصول لبعض الفاعلين (مثل أهالي حماة داخل سوريا) وعدم توفر الوثائق الأمنية الرسمية، مع التزامها بإخفاء هويات المقابلات لحساسية الموضوع. كما تقر بأن الذاكرة والتسجيلات قد تكون مشروبة بالأيديولوجيا، حيث فسر السجناء الإسلاميون عنف الحراس عبر عدسة طائفية بينما حلله الشيوعيون عبر عدسة الصراع الطبقي. تترك أسئلة مفتوحة حول العدد الدقيق للضحايا في المجازر وعمليات الإعدام، وكيف أن تجربة الإذلال والهشاشة لم تكن موحدة بين جميع السوريين، حيث كان الأفضل حالاً والمرتبطون بمسؤولي النظام قادرين على تجاوز النقص عبر شراء المنتجات من لبنان أو السوق السوداء، بينما استفاد بعض البعثيين من الخدمات المدعومة مثل الكهرباء مجاناً.
تقدم حجة الكتاب عدة نقاط قابلة للنقاش بوضوح. أولها، تحليل العنف الشامل كأسلوب حكم "عقلاني" و"حكومي" وليس مجرد جنون أو إرهاب، مما يثير جدلاً أخلاقياً حول أخلاقيات تحليل القتل الجماعي كتقنية سياسية. ثانياً، رفض تحليل ميشيل فوكو حول أن العقاب الجسدي هو أسلوب من الماضي، مؤكدة أن الإذلال والتعذيب لا يزالان يؤديان وظيفة حكومية مركزية. ثالثاً، تمييزها بين "فنون الموت الإنساني" و"فنون الحياة الإنسانية" التي ابتكرها السجناء (مثل التطوع لجمع الطعام، أو حفظ القرآن والأسماء عن ظهر قلب) يمكن أن يُقرأ كمقاومة للخطاب الذي يركز فقط على الضحية، دون أن يصل إلى حد المبالغة في الرومانسية. وأخيراً، تركيزها على البنية الأدائية للعنف قد يُقلّل من شأن الأسباب المادية والسياسية المباشرة مثل الصراع على السلطة أو الإقصاء الطائفي، رغم إشارتها إليهما. في المجمل، يقدم الكتاب إسهاماً مهماً في فهم تعقيد الحكم الاستبدادي، مركزاً على كيف يُشكّل العنف حياتنا اليومية وذاكرتنا وهوياتنا السياسية، ويظل حاضراً كجروح مفتوحة في نسيج المجتمع.
الأشخاص
الفصول(7)
1.مقدمة: حكومة العنف17–62▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو تحليل العنف السياسي في سوريا تحت حكم عائلة الأسد، ليس كأفعال غير عقلانية أو مجرد قمع، بل كأسلوب أساسي في الحكم، منتج للأبعاد السياسية والذاتية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذا العنف، بما في ذلك القتل الجماعي والتدمير، هو "حكومي" بالمعنى الذي يشكّل العلاقات بين النظام والمواطنين ويصوغ الذوات السياسية، من خلال تقنيات وأدوات مثل معسكرات الاعتقال والمجازر.
يسير الفصل عبر عدة خطوات حجاجية مترابطة. يبدأ بوصف النظام السوري كـ "نظام أمني" يجعل العنف وسيلته الأساسية في التعامل مع المعارضة، مظهراً سياسة إبادة وإفناء على مدى أربعة عقود. يركّز على أن الخوف من الحرب الأهلية والمجازر كان جزءاً من الوجدان السوري قبل 2011، متجسداً في أعمال فنية تحمل نهايات مروعة. يشير إلى ما يسميه "فترة الأحداث" (1976–1982) كفترة تأسيسية، بلغت ذروتها بمجزرة حماة عام 1982، والتي يعتبرها المؤلف "دالاً رئيسياً" في لغة العنف، ونموذجاً أولياً لأداة حكم لا تزال تطارد السوريين كشبح.
ينتقل الفصل إلى مناقشة مكان العنف في الحكم، موضحاً تعايش "سياسة الحياة" (كمشاريع التحديث كسد الفرات) مع "سياسة القتل" بشكل متجذر. هنا، يستخدم المؤلف مفاهيم من ميشيل فوكو حول تقاطع السلطة الحيوية (التي ترعى الحياة) مع السلطة السيادية (القتل)، ومن جورجو أغامبين حول إنتاج "الحياة العارية". لكنه يختلف معهما برفض اعتبار عنف القتل مجرد تجاوز للسياسة الحيوية أو نفياً للحياة السياسية؛ بل يعتبره حكومياً يخلق حقولاً للفعل والمقاومة. يركز على أن العنف يستهدف الوجدان والإدراك، وليس الجسد فقط، مستعيناً بمفاهيم "الرعب" (Horror) و"الرجس" (Abjection) و"الغريب المألوف" (Uncanny).
يطوّر المؤلف تحليله للرعب كأداة حكم، مفرقاً بينه وبين الإرهاب؛ فالرعب يولد اشمئزازاً من انتهاك وحدة الجسد، ويتم عبر مسرحيات وأداءات عنف تهدف لخلق حيرة وارتباك في الذوات. يقدم مثالاً لـ"الغريب المألوف السياسي" من خلال قصة زينب الحسني (ستناقش في فصل لاحق)، حيث أعلن موتها وأعيد جثمانها ثم ظهرت حية، مما يزرع خوفاً من الأسرار المجهولة وعدم الاستقرار الإدراكي.
يناقش الفصل تشكيل الذاتية السياسية، متجاوزاً نموذج الذات "المدّعية" (كما في دراسات ليزا ودين) للتركيز على كيف يشكل العنف اليومي الذات، خاصةً "جيل البعث". يصف حالة "الرجس" كأسلوب حكم يُنتج ذاتاً مهانة ومذلة، مع أمثلة من الحياة اليومية وتجارب سجن تدمر. يوضح كيف أن حالة الرجس تفسر أحياناً غياب المقاومة (كما في 2005)، وأحياناً أخرى تحفزها (كما في شعارات 2011 "الموت ولا المذلة").
أخيراً، يتناول الفصل الذاكرة الاجتماعية للعنف، مؤكداً على دور الصمت والكلام في نقلها عبر الأجيال. يذكر أن ذاكرة حماة و1982 ظلت "مشفّراً صعباً" يهيكل العلاقات بين المواطنين والنظام. ويختتم بملاحظة منهجية عن مصادر بحثه: 150 مقابلة أجريت بين 2002 و2011 مع نشطاء ومنفيين ومواطنين عاديين، وتحليل أفلام وروايات ومذكرات، إضافة لمنشورات حقوق الإنسان والحكومة. يقر بحدود بحثه، مثل صعوبة الوصول لبعض الفاعلين (أهالي حماة داخل سوريا) وعدم توفر الوثائق الأمنية الرسمية، مع التزامه بإخفاء هويات المقابلات لحساسية الموضوع.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش حول "عقلانية" العنف الشامل كأسلوب حكم، مما قد يثير جدلاً حول أخلاقيات تحليل القتل الجماعي كتقنية حكومية لا كجنون أو إرهاب.
1.العنف كأسلوب للحكم في سوريا63–117▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول موضوع العنف كأداة أساسية للحكم في سوريا في ظل حكم حافظ الأسد، ويقدم إجابة مفادها أن السجن السياسي والمجزرة الجماعية لم يكونا مجرد رد فعل على المعارضة، بل تحولا إلى أجهزة حكم دائمة تهدف إلى إخضاع المجتمع وتفكيك الذوات السياسية المعارضة. يرفض المؤلف التفسير المبسط الذي يربط عنف النظام بظهور جماعة "الطلائع المقاتلة" في أواخر السبعينيات، مشيراً إلى أن حالة الطوارئ كانت مفعّلة منذ 1963، وأن اعتقالات المعارضين من كل التيارات بدأت منذ أوائل السبعينيات. يجادل الفصل بأن العنف الحكومي كان موجهاً ضد المجتمع ككل، وليس فقط ضد جماعة الإخوان المسلمين، مستشهداً باعتقال قادة النقابات المهنية وأعضاء الأحزاب الشيوعية واليسارية.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بتحليل الإطار القانوني لـ"حالة الاستثناء" بموجب قانون الطوارئ رقم 51 لعام 1962 الذي علق الحقوق المدنية وأعطى السلطة صلاحية احتجاز أي شخص "يشكل خطراً على الأمن العام"، مع إضافة قانون حماية الثورة (1965) الذي جرم معارضة مبادئ حزب البعث. ثم ينتقل إلى الحديث عن "تقديس السياسة" الذي تجسد في تأليه حافظ الأسد كشخصية خلاصية وقائد أبدي، حيث اعتبرت المعارضة انحرافاً فكرياً أو "مرضاً وطنياً"، وهو ما عبر عنه رفعت الأسد في خطابه أمام المؤتمر القطري السابع للحزب في يناير 1980 عندما تحدث عن "الأمّة المصابة بالمرض" ودعا إلى عزلهم في معسكرات عمل.
يخصص الفصل قسماً كبيراً لتحليل "معسكر الاعتقال" كجهاز حكم، مركزاً على سجن تدمر العسكري كحالة نموذجية. يوضح أن الهدف من ممارسات العنف الجسدي والتعذيب لم يكن مجرد إلحاق الألم أو انتزاع الاعترافات، بل كان يهدف إلى "تفكيك الذات" وإذلال السجين لإجباره على التخلي عن قناعاته السياسية. يصف الفصل بالتفصيل ممارسات مثل "التعليم" (التي تجمع بين معنى التعليم والوسم)، حيث يتم اختيار سجين واحد ليكون مثالاً للعقاب أمام الآخرين، وطقوس الاستقبال التي تتضمن الضرب والإذلال، وإجبار السجناء على أداء حركات مهينة أثناء فترة "التنفس"، وإجبارهم على أكل الحشرات أو لعاب الحراس لكسر الحدود بين الإنساني واللا-إنساني. يستند الكاتب في هذا الوصف إلى مذكرات سجناء سابقين مثل راتب شعبو، ومحمد سليم حماد، ومصطفى خليفة، وياسين الحاج صالح، وآخرين.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن "سياسة المجزرة" في إطار ما يصفه بـ"نظام الحرب الأهلية"، حيث تصبح الحرب علاقة اجتماعية دائمة تهدف إلى شطر المجتمع إلى قسمين: "نحن" (أنصار النظام) و"هم" (الأعداء القابلون للتصفية). يستخدم مجزرة حماة عام 1982 كمثال توضيحي لهذه السياسة، حيث تم تطبيق منطق الإبادة ضد جماعة الإخوان المسلمين. يشير إلى أن قانون 49 لعام 1980 جعل عضوية الجماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وتم تنفيذ عمليات إعدام جماعية في سجن تدمر في يونيو 1980، بالإضافة إلى الإعدامات الأسبوعية المنتظمة.
يعترف الفصل ببعض الحدود والتحفظات. فهو لا يزعم أن جميع السجناء عوملوا بنفس الطريقة؛ بل يوضح وجود تسلسل هرمي للمعارضين، حيث كان الإسلاميون يعتبرون غير قابلين للإصلاح ("مرض عضال") بينما كان اليساريون والشيوعيون في فئة "معلقو الحياة" لحين إعادة النظر في أمرهم. كما يقر بأن الذاكرة والتسجيلات قد تكون مشروبة بالأيديولوجيا، حيث فسر السجناء الإسلاميون عنف الحراس عبر عدسة طائفية بينما حلله الشيوعيون عبر عدسة الصراع الطبقي أو الطائفي أيضاً. وتظل تساؤلات مفتوحة حول العدد الدقيق للضحايا في المجازر وعمليات الإعدام.
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في النص، رفض المؤلف لتحليل ميشيل فوكو حول العقاب الجسدي كأسلوب من الماضي، مؤكداً أن الإذلال والتعذيب لا يزالان يؤديان وظيفة حكومية مركزية في تشكيل الذوات الخاضعة. كما أن تمييزه بين "فنون الموت الإنساني" و"فنون الحياة الإنسانية" التي ابتكرها السجناء (مثل التطوع لجمع الطعام، أو حفظ القرآن والأسماء عن ظهر قلب) يقدم قراءة مقاومة للخطاب الذي يركز فقط على الضحية، دون أن يصل إلى حد المبالغة في الرومانسية. أخيراً، الإشارة إلى "المساومة" التي عرضتها أجهزة الأمن على السجناء مقابل التخلي عن انتمائهم السياسي وإعلان الولاء للرئيس، تكشف عن بُعد براغماتي في العنف لا يقتصر على الإبادة فقط بل يشمل محاولات إعادة تشكيل الذات سياسياً.
2.الحكومة الاستبدادية، الدولة الخفية والذاتيات السياسية118–167▼ ملخص
ملخص الفصل
يُحلل هذا الفصل طبيعة الحكم في سوريا تحت حكم حزب البعث، مركزاً على وجهين مترابطين للدولة: وجهها القمعي الواضح، ووجهها الآخر الأقل ظهوراً وهو "الدولة الخفية". يقدم المؤلف إجابة أساسية مفادها أن الدولة السورية لا تعمل فقط من خلال القمع العلني، بل أيضاً عبر نظام معقد من الأنشطة غير القانونية والزبائنية والمراقبة، والتي تشكل معاً "نظاماً من الذاتيات السياسية" لدى المواطنين. يشرح الكيفية التي تنتج بها ممارسات الحكم، المتمثلة في التسييس الأمني والفساد والإدماج القسري في المؤسسات الحزبية، ذواتاً سياسية محددة، مثل "ظلمات الأمن" و"المواطن تحت الطلب" و"المحسوب على" و"المدعوم" و"الشبيح". هذه الذاتيات ليست مجرد تصنيفات، بل هي كيانات اجتماعية ونفسية تتشكل عبر التفاعل اليومي مع أجهزة الدولة وشبكاتها الخفية، وتحدد علاقة الفرد بالسلطة وبالمواطنين الآخرين.
يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذه الحجة. يبدأ بتأطير نظري، مستعيراً مفهوم "نظام الذاتيات" من مبيمبي ورويتمان، لشرح كيف تشكل الممارسات الاجتماعية والسياسية الخيال الاجتماعي للأفراد وطرائق ارتباطهم بأنفسهم وبالآخرين. ينتقل بعد ذلك إلى تحليل "حكومة الحكم الاستبدادي" (Authoritarian Governmentality)، موضحاً كيف قام حزب البعث منذ صعوده إلى السلطة بإحاطة المواطنين وإدماجهم في شبكة كثيفة من "المنظمات الشعبية". يشير إلى أن الحزب، رغم تجويفه الأيديولوجي، ظل أداة حكم مركزية من خلال وحداته القاعدية (الفِرَق) في المدارس والمصانع والأحياء، والتي مارست دوراً في التنشئة الاجتماعية والمراقبة وتوزيع الخدمات. يورد إحصاءات تشير إلى أن الحزب ادعى امتلاك أكثر من 800,000 عضو عامل ومليون مؤيد في أوائل الألفية الثانية، أي ما يمثل أكثر من 10% من السكان. ثم يصف دور "منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية" (الطلائع) في تشكيل الذاتيات منذ الطفولة المبكرة من خلال التلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري، وصولاً إلى "شبيبة الثورة" و"الاتحاد الوطني لطلبة سوريا"، بهدف تحصين الشباب ضد أي قوى معارضة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى "سياسة الأمن" كعنصر محوري. يشرح كيف تمت تنمية "ثقافة الخوف" كأداة تأديبية، عبر المراقبة المنتشرة والمخبرين وأجهزة الأمن المتعددة (الأمن السياسي، الأمن الوطني، الأمن العام، أمن الدولة، المخابرات الجوية، وغيرها). يذكر أن أجهزة الاستخبارات كانت تدير حوالي 30 سجناً في دمشق وحلب وحدها. ويوضح كيف أن اشتراط الحصول على موافقات أمنية لـ 67 نشاطاً يومياً (منها تشغيل مخبز أو نشر نعي) جعل المواطنين العاديين عرضة لشبكات الإيقاع والتجنيد كمخبرين. هذه الممارسات أنتجت ذاتية "ظلمات الأمن"، وهو الشخصية المتوقعة دائماً في أي محادثة، والمكلفة بالرقابة والتقارير. ويستشهد برواية "كرسي" لـ ديمة ونوس، وتحديداً شخصية "درغام"، لرسم صورة تفصيلية لهذه الذاتية: المهاجر الريفي الطموح الذي يصعد سلم الوظيفة عبر خدمة النظام بكتابة التقارير والإبلاغ عن زملائه، متبنياً مرونة فكرية تمكنه من التكيف مع تحولات النظام الأيديولوجية دون عناء.
بعد ذلك، يتعمق الفصل في الاقتصاد السياسي لـ "الدولة الخفية" كأساس مادي لتشكيل الذاتيات. يصف كيف أدار النظام شبكات واسعة من التهريب والمخدرات والتجارة غير المشروعة، والتي تزامنت مع دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976. يذكر أن بعض التقديرات تشير إلى أن 70% من الواردات السنوية في الثمانينيات كانت مهربة. هذه الأنشطة لم تقتصر على كبار المسؤولين، بل شارك فيها ضباط الصف والمجندون وعائلاتهم، مما أدى إلى تطبيع التهريب في الحياة اليومية، وأوجد ذاتية "المعلم" أو "الخال" كزبون (boss) و"الزلمة" أو "التابع" كأجير (hireling). يرسم الفصل تطور هذه الشبكات إلى "دولة الشبيحة" (مصطلح لـ ياسين الحافظ صالح)، حيث تحولت عصابات الشبيحة إلى قوة شبه رسمية لقمع الاحتجاجات، مع هشاشة الحدود بينها وبين مؤسسات الدولة الرسمية.
في القسم الأخير، يربط الفصل بين الاقتصاد السياسي والأبعاد الهوياتية (الطائفية والمناطقية) التي تم توظيفها في إعادة تركيب القوى الاجتماعية. يصف كيف أن سياسات البعث الشعبوية والتنموية أدت إلى هجرة ريفية كبيرة، وخاصة من المناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية، تم استيعاب جزء كبير منها في أجهزة القمع (الجيش والأمن). هذا الاستيعاب خلق فئات اجتماعية جديدة على أطراف المدن، مثل حي "المزة 86" الذي أُنشئ لضباط الصف في فرقة رفعت الأسد (و 85% من سكانه علويون)، مقارنة بأحياء أخرى مثل "قابون" التي سكنها مهاجرون سنيون من ريف دمشق وإدلب. يُظهر هذا التقسيم المكاني والطبقي كيف ترسخت الانقسامات الطائفية والمناطقية من خلال السياسات الحكومية، مما خلق شعوراً بالهامشية والهشاشة لدى بعض الفئات (كالسكان في المزة 86 الذين شعروا بالخطر بعد وفاة حافظ الأسد) وتبعية للرئيس كحامٍ وراعٍ.
الفصل يقر بحدوده وتحفظاته، مشيراً إلى أن الحزب أصبح "قوقعة فارغة" من الناحية الأيديولوجية، لكنه يحذر من أن تجويفه لا يعني عدم أهميته كجهاز حكومي يؤدي وظائف التنشئة والمراقبة. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول استمرارية فعالية الاستثمار العاطفي والمعياري في الحزب، الذي تراجع مع تطور موارد خيالية جديدة لدى المواطنين في العقود اللاحقة، مما أدى إلى كسر هيمنة البعث على أطر الهوية. وأخيراً، يشير الفصل إلى أن هذه الممارسات تنتج ذاتيات "متجانسة" في البداية، ثم تتحول تدريجياً إلى ذاتيات "هشة ومكشوفة" في ظل حكم استبدادي يتشابك مع الدولة الخفية، مما يضع المواطن في وضع "المواطن تحت الطلب" ككيان مُجرّم ومُسكَت يوماً بعد يوم.
3.ذكريات الحياة تحت الديكتاتورية: اليوميات في سوريا البعثية168–220▼ ملخص
ملخص الفصل الثالث: "ذكريات الحياة تحت الديكتاتورية: اليوميات في سوريا البعثية"
يبحث هذا الفصل في كيفية تشكيل الحياة اليومية تحت حكم حافظ الأسد للهويات السياسية السورية، من خلال تحليل ذكريات الأفراد والجماعات. يجادل المؤلف بأن فهم العلاقة بين الدولة والمواطن في سوريا لا يقتصر على دور العنف الحكومي، بل يتطلب أيضاً النظر في ممارسات الدولة البعثية المرتبطة بمشاريعها الوطنية لما بعد الاستعمار، مثل إعادة تشكيل المجتمع السوري وإنتاج "إنسان جديد". يركز الفصل على ذكريات الحياة اليومية كمرآة تعكس تقنيات الحكم والمشاريع الوطنية التي شكلت فهم الذات وموقعها.
يسير الفصل في جزأين رئيسيين. الجزء الأول يدرس ذكريات النشأة والتربية، ويحدد إطارين رمزيين ينظمان هذه الذكريات: "الإذلال والهشاشة" و**"الخلاص الوطني"**. الجزء الثاني يحلل روايات الذات من قبل الناشطين والمثقفين، ويركز على كيفية تعاملهم مع أسئلة المساومة والتواطؤ مع النظام، وتحديد موقعهم السياسي ومسؤوليتهم.
في الجزء الأول، يتناول الفصل جيلاً أُطلق عليه في الخطاب العام السوري اسم "جيل البعث"، وهم من نشأ وذهب إلى المدرسة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. تبرز ذكريات المدرسة والمنظمات الشبابية باعتبارها مواقع أساسية لتشكيل الذات. يصف الفصل أجواءً من العسكرة اليومية، حيث يتذكر الأفراد، مثل "روبا" و**"ثائر"**، لون الزي العسكري (الكاكي) بارتياح واشمئزاز، معتبرين إياه رمزاً للنظام البعثي. تروي الذكريات تكرار الهتافات اليومية لأهداف الحزب، وحتى هتافات معقدة مثل القسم بـ"سحق الإمبريالية والصهيونية وعصابة الإخوان المسلمين"، والتي وجدها البعض صعبة النطق وغير مفهومة.
تسلط الذكريات الضوء على وجود مرشدين (مُوَجّهين) ومدربين عسكريين في المدارس، يتمتعون بسلطة أكبر من مدير المدرسة نفسها، ويرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالأجهزة الأمنية. كان العقاب يشمل الزحف على البطن، وكان التجسس على الزملاء والإبلاغ عنهم ممارسة مشجعة. لم تقتصر عملية التطويع على المدرسة، بل امتدت إلى منظمتي "طلائع الثورة" (تأسست 1968) و**"شبيبة الثورة"** (تأسست 1974)، اللتين نظمتا أنشطة واسعة كالمخيمات الصيفية والتدريب العسكري والمسابقات. على الرغم من أن العديد من النقاد يرون أن الانخراط في هذه المنظمات كان بدافع انتهازي، يقر المؤلف أنه كان هناك أيضاً درجة من الالتزام، خاصة بين من اعتبروا أنفسهم نخبة "شخصية الشبيبة" المثالية.
يقدم الفصل مثالاً بارزاً على هذه النخبة من خلال قصة حميدة الطاهر، الفتاة السبعة عشرة عاماً من الرقة التي قامت بمهمة انتحارية في منتصف الثمانينيات ضد الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان. استخدم النظام قصتها كرمز للفداء والتضحية والولاء المطلق للقائد والوطن، وكتبت هي رسالة بالدم تؤكد ولاءها. يمثل هذا المثال كيف نسج النظام رواية بطولية حول الانخراط الشبابي، على الرغم من السخرية التي قد تثيرها فساد الحزب.
أما بالنسبة للحياة الأسرية، فتكشف الذكريات عن دور الأسرة كموقع للسيطرة والحماية في آن واحد. يصف العديد من الأفراد كيف أن آباءهم كانوا يمنعونهم من أي حديث سياسي، محذرين إياهم بالقول "إمشي جنب الحيط" أو "الحيطان لها آذان". يرى بعض النشطاء أن هذا الحذر الأبوي، رغم كونه حماية، ساهم في تطبيع ثقافة الخضوع والطاعة للسلطة، ووصفوه بأن ثورتهم كانت "ثورة ضد جيل الآباء". في المقابل، تظهر روايات أخرى، مثل رواية "ماهر شرف الدين" في مذكراته "أبي البعثي"، كيف أن سلطة الأب القاسية تصبح استعارة لسلطة الدولة المطلقة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الإطارين الرمزيين. إطار "الإذلال والهشاشة" يصف ظروف الحياة اليومية التي تتسم بالإذلال والهوان ("عشنا الذل"). تبرز هنا ذكريات شح الموارد و"الأزمات" كأداة للحكم، مع نقص حاد في مواد أساسية مثل السكر والأرز وورق التواليت، والطوابير الطويلة للحصول على الحصص التموينية. يصف الأفراد، مثل الكاتب المسرحي "مازن"، كيف أن شراء أرز ملوث بفضلات الفئران كان تجسيداً للإذلال الذي شكلهم كأشخاص منعزلين ويائسين. إلى جانب الإذلال، يسود شعور بالهشاشة واللا أمان، حيث أن الوجود العسكري الأمني في الشوارع وأكشاك الأمن جعل المواطن يشعر بأنه مستهدف في أي لحظة، وأن لا أحد يستطيع حمايته بالكامل.
إطار "الخلاص الوطني" هو الإطار الآخر، الذي تتبناه عادةً شخصيات موالية للنظام وأعضاء النخبة. في هذا الإطار، يُصوّر حافظ الأسد كمنقذ وطني واجه تهديدات التطرف والانقسام الطائفي، وتُقدم أحداث حماة عام 1982 على أنها عملية ضرورية ضد "الإخوان المسلمين" الذين هددوا النسيج الوطني، متجاهلة عدد الضحايا المدنيين. يرى الفصل أن هذا الإطار يستخدم للحفاظ على تماسك رواية النظام الرسمية.
في خاتمة التحليل، يعترف المؤلف بحدود الدراسة، مشيراً إلى أن تجربة الإذلال والهشاشة لم تكن موحدة بين جميع السوريين. فالسوريون الأفضل حالاً والمرتبطون بمسؤولي النظام كان بإمكانهم تجاوز النقص عبر شراء المنتجات من لبنان أو السوق السوداء. كذلك، استفاد بعض البعثيين وموظفي الدولة من الخدمات المدعومة مثل الكهرباء مجاناً ("بالبلاش")، مما أكسب النظام امتنانهم. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول تعقيد تشكل الذات السورية، حيث تتداخل فيها تجارب الإذلال مع فوائد الدولة، والطاعة مع المقاومة، والرواية الرسمية مع الذاكرة المضادة.
4.ذكريات العنف: حماة 1982221–263▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول ذكريات العنف في حماة عام 1982، وكيف شكلت هذه الذكريات فهم السوريين للنظام السياسي ولأنفسهم كمواطنين تحت حكم عائلة الأسد. يقدم الفصل إجابة رئيسية مفادها أن عنف حماة لم يكن مجرد حدث ماضٍ، بل تحول إلى نموذج (al-dars al-hamawi) للعنف المتوقع من النظام، وإلى إطار للعلاقات السياسية والاجتماعية التي لا تزال حاضرة حتى يومنا هذا، خاصة مع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011. يسعى الفصل إلى فهم كيف أن الذاكرة الاجتماعية للعنف، رغم الصمت الرسمي والقمع، أصبحت عنصراً مكوناً للذات السياسية السورية وكيف تم التفاوض على الماضي والعيش به في الحاضر.
يبدأ الفصل بتأسيس أن العنف كان آلية حكم دائمة تحت حكم حافظ الأسد، وأن السوريين عاشوا في حالة من الترقب الدائم له. ويشير إلى أن فترة 1976-1982، التي يشار إليها بأسماء ملطفة مثل "فترة الأحداث"، تمثل النقطة المرجعية لهذه الذكريات. يروي الكاتب أنه في محادثات مع نشطاء ومعارضين قبل وأثناء انتفاضة 2011، كان يُكرر له أن النظام مستعد وقادر على قتل أعداد هائلة للحفاظ على حكمه، مثل معلومة "داخلية" عن استعداد مسؤول عسكري رفيع للتضحية بـ 100,000 شخص، أو قصة تاجر دمشقي عن وصية حافظ الأسد لأبنائه بشار وماهر بفعل "حماة مرة أخرى" إذا تعرض حكمهم للخطر. هذه العبارة، بحسب الكاتب، هي ما توقعه الكثير من السوريين.
يتناول الفصل بعد ذلك مسألة الذاكرة الاجتماعية في ظل المحرمات الرسمية. يوضح أن رواية النظام الرسمية صوّرت الأحداث على أنها مؤامرة من الإخوان المسلمين عملاء القوى الأجنبية، وتم إغلاق الخطاب العام حولها. لم تُدمج في كتب التاريخ المدرسية، بل كان الطلاب يرددون "قسمًا لمحاربة عصابة الإخوان المسلمين" في طوابير المدرسة. على الرغم من هذا الصمت الرسمي، أصبحت الذكريات الاجتماعية، خاصة تجارب السجن والتعذيب، أساسية لفهم النظام. يستعير الفصل مفهوم إليزابيث جيلين أن الوقت لا يؤدي إلى النسيان بل إلى مساواة مستمرة مع الماضي.
يسرد الفصل شظايا من الروايات الرسمية والدولية. يقدم مقتطفاً من خطاب حافظ الأسد في 7 مارس 1982 يصف فيه فظائع "الإخوان"، ثم تقريراً من منظمة العفو الدولية يصف بداية الأحداث في 2 فبراير حيث نصب مقاتلو الإخوان كميناً لجنود، وأعلنوا تحرير المدينة من المآذن، ثم قمع عنيف من الجيش قتل فيه ما بين 10,000 و 25,000 شخص. يشير الفصل إلى أن روايات الإخوان المسلمين تتبرأ من عنف "الطلائع المقاتلة"، بينما يتهمهم ناشطون مدنيون بعدم فتح سجلاتهم وتحمل المسؤولية الأخلاقية عن تشجيع الشباب على العنف.
ينتقل الفصل إلى استكشاف ممارسات التذكر المختلفة، متجاوزاً الروايات الواقعية الرسمية إلى سرديات أكثر تفصيلاً. يذكر تقارير "اللجنة السورية لحقوق الإنسان" وكتاب "حماة: مأساة العصر" التي توثق أسماء الضحايا وأماكن المجازر. لكن الكاتب يشير إلى أن هذه الوثائق تركز على "الواقعي" كعدد القتلى وأدوات العنف، وتتجاهل التجربة المعاشة والأثر التكويني للعنف في الحياة اليومية. ثم يقدم نماذج من مقابلاته: مسؤولون سابقون يكررون الرواية الرسمية ويبررون الهجوم، وتجار دمشقيون يسردون قصصاً لتبرئة أنفسهم من تهمة التواطؤ في الإضراب العام، مثل تهديد قوات رفعت الأسد باستخدام العنف.
يركز القسم التالي على روايات سكان حماة أنفسهم، مستعيناَ بأعمال الكاتبة منهل السراج. تقدم روايتها "كما ينبغي لنهر" نموذجاً للمقاومة الأخلاقية ضد النسيان. الشخصية الرئيسية فاطمة تتذكر بينما يطلب منها الآخرون الصمت، وتكشف عن تواطؤ الناجين في الحياة اليومية مثل تسجيل المفقودين كقتلى للحصول على تعويضات، مما يجعل العنف روتينياً. في المقابل، تقدم رواية "على صدري" ممارسة مضادة للتذكر من خلال استعادة المدينة المدمرة. تظهر نجلة وهي موظفة في الحفاظ على التراث، تحاول إعادة بناء حماة القديمة في مخيلتها وسردياتها للسياح، وكأن الترميم هو عمل "تحقيق" للحقيقة الأصلية للمدينة. يستشهد الفصل بمقابلات مع ناجين مثل منار وبراء السراج اللذين يسردان بالتفصيل تدمير السوق الطويل، الحاضر، والكيلانية، وبناء فندق أفاميا فوق أنقاضها، مما يحوّل هذه الأماكن إلى نصب تذكارية غير رسمية.
يختتم الفصل بتحليل كيف أصبح العنف "تقنية ذاكرة" مجسدة في الحياة اليومية. يشير إلى رواية "عاصي الدم" التي تصف حياة عائلة عادية قبل الأحداث وبعدها. يصف كيف صار الخبز المتاح أثناء الحصار يُسمى "خبز الأحداث"، وكيف أصبحت عبارات مثل "عادلها راح في الأحداث" تطلق على الفتيات اللواتي لم يتزوجن. الأهم من ذلك، يصف الفصل كيف تحولت مشاعر الخوف والإذلال إلى بنى تنظم الحياة. يقدم مثال الشاب مخلص في الرواية الذي تحطم نفسياً بعد التعذيب، وغادة التي تنتحر بعد تجنيدها كمخبرة. يؤكد الكاتب أن فكرة أن المدينة أصبحت "مساحة مفتوحة للانتهاك" (istibahat al-madinat) خلق شعوراً بالإذلال والحط من الكرامة، وهو شعور امتد إلى ما بعد حماة. يصبح السكوت بين الجيران والعائلات، والأداء العلني للولاء للنظام، ممارسات يومية تعمق هذا الإذلال. في النهاية، يخلص الفصل إلى أن ذاكرة عنف حماة قد "أُممت" خلال انتفاضة 2011، حيث أصبحت حمص ودرعا امتداداً لها، وتركت "جروحاً مفتوحة" (bu’ar jarh) في جميع أنحاء البلاد.
5.أداء العنف و'عواطف الحكم' في الانتفاضة السورية264–306▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل من كتاب "حكم العنف" لسلوى إسماعيل العنف في الانتفاضة السورية، لا كمجرد سرد للأحداث، بل كأداة للحكم والتشكيل السياسي والوجداني للمواطنين. يطرح الكاتبة فكرة محورية بأن العنف في سوريا، وتحديداً في سياق الانتفاضة التي بدأت في مارس 2011، ليس مجرد قمع، بل هو "أداء" (performativity) له بنية درامية تهدف إلى إنتاج الخوف والرعب والارتباك، وتشكيل ذوات سياسية خاضعة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن نظام الحكم في سوريا يعمل من خلال "عواطف الحكم" (emotionalities of rule)، حيث يُستخدم العنف الفظيع، وخصوصاً المجازر والعنف الموجّه ضد الجسد، كتقنيات حكومية (technologies of government) لتوليد تأثيرات وجدانية ومعرفية محددة.
يسير الفصل عبر مسارين تحليليين رئيسيين. المسار الأول يركز على "الرعب" (horror) كصفة للعنف، ويستخدم حادثة زينب الحسني كنموذج. ففي أواخر سبتمبر 2011، ترددت أنباء عن مقتل شابة تدعى زينب الحسني على يد قوات الأمن، وقد تم تقطيع جثتها وإحراق وجهها، وسُلّمت لأمها في مشرحة مستشفى بحمص. ثم في 4 أكتوبر 2011، ظهرت زينب نفسها "حية" على شاشة التلفزيون الرسمي السوري، نافية تعرضها للاعتقال، ومُرجعة اختفائها لمشاكل عائلية. هذا التناقض الصارخ، بين جثة مشوهة وشخص يظهر على الهواء، خلق حالة من "اللاتأكّد" (uncertainty) و"الغرائبية السياسية" (political uncanny). لم يعد المواطن السوري قادراً على التمييز بين الحقيقي والمزيّف، بين الواقع والخيال. يُظهر الكاتبة كيف أن هذا "الغموض" المتعمّد هو أسلوب حكم، حيث تُحرم الذوات من الوصول إلى حقيقة نهائية، ويُترك المواطن في حالة من الرعب والحيرة إزاء قوة غامضة وساخرة تتلاعب بالواقع.
المسار الثاني يتناول "المذبحة" (massacre) كتقنية حكم. يرى الفصل أن العنف الجماعي يحمل بنية أدائية تشمل "الرعب الجسدي" (body horror)، و"مسرح المرايا" (play of mirrors) حيث يُصبح الجلاد والضحية قابلين للتبادل، و"المحاكاة المنظمة" (organized mimicry) حيث تتشابه أساليب العنف بين الأطراف المتناحرة. ويُفصّل ذلك من خلال أمثلة لثلاث مجازر كبرى:
أولاً، مجزرة البيضا في ريف طرطوس، والتي وقعت في 2 مايو 2013. يصف الفصل كيف قامت قوات الأمن والميليشيات الموالية باقتحام المنازل، وفصل الرجال عن النساء، وإعدامهم بالرصاص من مسافة قريبة. يُسلّط الضوء على "الرعب الجسدي" المُتعمّد، مثل إطلاق النار على عيون الضحايا (كإشارة رمزية لكسر الروح)، وتقطيع الأوصال بالسلاح الأبيض. أحد الناجين ذكر أنه تعرف على ابنه من إصبعه فقط. استُخدمت جثث الضحايا كورقة سياسية، حيث وصفتها وسائل إعلام موالية بأنها "جثث إرهابيين".
ثانياً، مجزرة الحولة في 25 مايو 2012، وهي منطقة في ريف حمص. يُظهر الفصل كيف أن الروايات المتضاربة حول المسؤولية (قوات النظام أم المعارضة المسلحة) تخلق حالة من "التدوير" (interchangeability). ففي رواية المعارضة، قام "الشبيحة" من القرى العلوية المجاورة بذبح العائلات (وخاصة عائلتي السيد وعبد الرزاق) وتقييد أيدي الأطفال وحرقهم. في المقابل، روّج الإعلام الرسمي لرواية مفادها أن "عصابات مسلحة" ارتكبت المجزرة لافتعال ذريعة للتدخل الدولي، وأن الضحايا هم من الموالين للنظام. هذا التضارب المتعمّد هو جزء من "مسرح المرايا" حيث يصبح من المستحيل تقريباً تحديد الجاني والضحية بيقين.
يخلص الفصل إلى أن هذه الممارسات العنيفة ليست مجرد ردود فعل على انتفاضة، بل هي استمرار لسياسات عنف سابقة، متجذرة في تاريخ سوريا. يشير إلى أن مثقفين سوريين، مثل المخرج أسامة محمد (الذي تحدث عن استعداد دائم لـ"المذبحة") والكاتب منذر بدر حلوم (الذي تحدث عن "الانسلاخ إلى الوحش")، كانوا يتوقعون هذا العنف قبل حدوثه. يُقرّ الكاتبة بأن التحليل يركز على "كيفية" العنف وليس "عدّه"، ويُقرّ بصعوبة تحديد هوية الجناة بشكل قاطع في كثير من الأحيان، مما يترك مجالاً للأسئلة المفتوحة حول مسؤولية الأطراف المختلفة. النقاش قابل للجدل، خاصة في تركيزه على البنية الأدائية للعنف، مما قد يُقلّل من شأن الأسباب المادية والسياسية المباشرة، مثل الصراع على السلطة أو الإقصاء الطائفي، رغم إشارة الكاتبة إليها.
7.خاتمة: حكم العنف – تشكيلات الحرب الأهلية310–330▼ ملخص
في هذا الفصل الختامي، تطرح سلوى إسماعيل أطروحتها المحورية وهي أن النظام السوري، تحت حكم حافظ الأسد الذي بدأ عام 1970، وفي إطار حالة الطوارئ المعلنة منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، طوّر ما تصفه بـ"نظام الحرب الأهلية" كشكل من أشكال الحكم. تقصد بهذا المصطلح نظاماً حكومياً يقوم على خلق ظروف حرب دائمة كامنة بين الحكام والمحكومين، وبين مكونات المجتمع المختلفة على أسس طائفية وقبلية وعرقية ومناطقية وطبقية. في سوريا، تتراص هذه الانقسامات تحت انقسام سياسي شامل بين معسكرين تصفهما الكاتبة ببساطة بـ"الموالاة" و"المعارضة".
يشرح الفصل كيف تم إنتاج هذا الانقسام الثنائي بين "نحن" و"هم" عبر مجموعة من الممارسات: "نحن" تعني النظام ومواليه، و"هم" تعني المعارضين الذين جرى تحويلهم إلى كيان قابل للتصفية. تستعرض الكاتبة الأدلة على ذلك، فتشير إلى الخطاب الإقصائي التصفوي الذي صدر عن شخصيات مثل رفعت الأسد وخطابات حافظ الأسد حول ضرورة تصفية العدو الداخلي، وتصريحات قادة عسكريين مثل الجنرال غازي كنعان الذي أعلن استعداده لـ"غرس ألف زهرة" في صحراء حمص. هذا الخطاب الحربي تبناه المواطنون "المخلصون" أنفسهم في شعاراتهم مثل "بالروح بالدم نفديك" و"يا بشار لا تقلق عندك شعب يشرب دم"، وهي شعارات تحمل، برأي الكاتبة، منطقاً إبادياً يشبه ما يوجد في الأنظمة الفاشية التي تدير حروباً أهلية دائمة.
تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى البنية التنظيمية للعنف، فتذكر تشكيلات الميليشيا مثل كتائب الدفاع والوحدات الخاصة والفرقة الثالثة التي استُخدمت ليس فقط ضد التمرد الإسلامي بل أيضاً ضد المدنيين، وارتكبت مجازر واسعة النطاق. في النزاع الحالي، تتجسد هذه القوى في الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وقوات الدفاع الوطني ولجان الدفاع الشعبية وميليشيا البعث ووحدات شبه مستقلة مثل قوات النمر بقيادة العقيد سهيل الحسن. توضح الكاتبة أن نظام الحرب الأهلية رفع "العداء" إلى حالة حرب فعلية عبر تسليح الموالين وتكليفهم بتصفية المعارضين، وهو ما تجسد في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من خلال تنظيم المجتمع في تشكيلات حرب أهلية بتسليح عشائر وقبائل وأعضاء الحزب والملحقات الحزبية، حيث شكلت هذه الميليشيا وقتها لتصفية عائلات كاملة يُشتبه بدعمها لجماعة الإخوان المسلمين، كما في روايات من معرة النعمان ومدينة إدلب.
تخصص الكاتبة قسماً مهماً لتحليل التطويف الطائفي لمؤسسات العنف والفضاء. توضح أن الأجهزة الأمنية هيمن عليها العلويون في القيادة والقاعدة، وأن الغالبية العظمى من رؤساء الفروع والأقسام التخصصية هم من فيلق الضباط العلويين، وأن هناك وحدات عسكرية تتكون بالكامل من مجندين علويين. هذا جعل الصراع السياسي بين المواطنين وهذه المؤسسات يُقرأ بالمعايير الطائفية. تذكر الكاتبة شهادات من سجون سياسية يصف فيها سجناء كيف أن حراس السجن ومحققيه جُندوا من العلويين، وكيف أن هذه العلوية أصبحت مرادفاً للامتياز حتى بين السجناء أنفسهم. فيما يخص تطويف الفضاء، تشرح الكاتبة كيف أن أنماط الهجرة الداخلية والاستيطان على أساس الانتماء الطائفي، والتي ارتبطت بشروط الاندماج في سوق العمل والمؤسسات الحكومية (خاصة العسكرية والأمنية)، خلقت أحياء بأكملها أصبحت ملحقات للنظام وحواجز ضد المعارضة المحتملة، كالأحياء العلوية العسكرية المحيطة بدمشق أو تلك المتاخمة في وسط حمص. تؤكد الكاتبة أن هذا التطويف لم يكن بالضرورة مخططاً له بشكل كامل، بل لعبت المتغيرات الاقتصادية والإقليمية دوراً، لكن الاستثمار السياسي لهذه الفضاءات من قبل النظام هو ما رسّخها طائفياً.
في قسم الاقتصاد السياسي للذاتنة، تستخدم الكاتبة مفهوم "الدولة الظل" مشيرة إلى أن شبكات التهريب والنهب والفساد، الموازية للدولة، أنتجت انقسامات اجتماعية وسياسية. هذه الشبكات التي عُبئت في معارك النظام ضد المعارضة في الماضي، أعيد استخدامها في النزاع الحالي. تشرح الكاتبة كيف أن هذه الممارسات خلقت ذواتاً سياسية متمايزة، مثل "المواطن المطلوب" (الذي قد يكون خالف قانوناً ما وهو عرضة لأجهزة الأمن)، و"زلمة الأمن" (الشخص الذي يُخشى أن يكون عيناً للنظام)، إلى جانب شخصيات تعرف بانتمائها لشبكات المحسوبية مثل "محسوب على فلان" أو "مدعوم". هذه الذوات تعبر، برأي الكاتبة، عن حالة حرب معممة، حيث كل المواطنين "مطلوبون" بطريقة ما ويقفون تحت رحمة أجهزة العنف.
وعن دور العنف في تشكيل الذاتية السياسية، تقول الكاتبة إن العنف يشكل نمطاً من أنماط الحكم، حيث يعمل السجن والمجزرة كأجهزة حكم عبر التأثير في الوجدان، وإثارة مشاعر الذل والرعب في الأفراد. في معرض حديثها عن السجن السياسي، تصفه بأنه جهاز استثناء يتجاوز فيه التعذيب أغراضه الاستجوابية التقليدية ليعمل على "فك" الذوات المعارضة. في سجن تدمر، كان الهدف من العقوبات الجسدية التطهير والتلويث لنفي قدرة الذات على الاختلاف. أما على مستوى الحياة اليومية، فترى الكاتبة تشابهاً مع ممارسات السجن، حيث تظهر حكايات المواطنين عن المدارس والمنزل والأماكن العامة كيف أن مشاعر الذل والخطر شكلت تفسيراتهم للعالم. تذكر الكاتبة مصطلح "عشنا الذل" كتعبير جامع لهذه الخبرة الوجدانية، وتصف كيف يتجسد ذلك في ممارسات يومية مثل خفض النظر و"المشي قريب الحيط" والهمس.
تخصص الكاتبة جزءاً مهماً من التحليل لسياسة الصمت حول مجزرة حماة، وتقول إن هذا الصمت لم يكن نسياناً بل كان تعليماً مكتسباً وذاكرة حية. الصمت المفروض على المجزرة شكل الذاتية السياسية للسوريين، وأثار فيهم مشاعر الخيانة تجاه الضحايا، كما وثق لهم بأن مصيراً مماثلاً يمكن أن ينتظرهم إذا عارضوا النظام. يشير الفصل إلى أن الإكراه على المشاركة في مسيرات دعم الرئيس جعل المواطنين يشعرون بالإهانة والمساومة، وأن الصمت الذاتي ربما يعبر عن الاستسلام للقدر ("هذا هو القدر")، لكن الذاكرة المتجسدة للإهانة تظل ملحة ومقيدة.
تختم الكاتبة بتحليل البنية السردية للمذبحة، موضحة كيف أن التطويف الطائفي كان إطاراً لتأويل العنف، بحيث يُقرأ القتل عبر انتماء الضحية والجلاد الطائفي. لكنها تضيف أن الغموض والتعقيد الذي يكتنف أحداث العنف الشديد ليس نتيجة حتمية للادعاءات المتناقضة حول هوية الضحايا بقدر ما هو نتاج بنية سردية معينة تخلق مسرحاً من المرايا حيث يصبح الجلادون والضحايا قابلين للتبادل. تستشهد بقضية زينب الحسني كمثال بليغ: حيث التقطيع والتشويه والإحياء المسرحي للضحية المفترضة خلق حالة من الدهشة والرعب، ووضع المواطنين في موقع الشهود والمتفرجين الذين يحاولون فك لغز لا حل له في ظل شروط الحكم. هذا ما تصفه الكاتبة بـ"الغرابة السياسية"، وهي حالة من الرعب المُستأنس. الفصل الأخير هو خلاصة تحليلية لجذور العنف الحكومي وتركيبه في النظام السوري قبل وبعد العام 2011، مؤكداً أن سياسات الإبادة والتصفية التي أصبحت مرئية أثناء الانتفاضة كانت دائماً في صميم نظام الحكم.