المورد
Scents and Flavors

Scents and Flavors

Charles PerryenNew York University Press

يسعى كتاب «Scents and Flavors» الذي حرره وقدّم له المترجم والمؤرخ تشارلز بيري إلى تقديم وثيقة طبخ وتاريخ فريدة للقارئ العصري، لا مجرد كتاب وصفات عابر. المحور المحوري فيه هو إحياء وتوثيق تقاليد الطهي العربية في العصور الوسطى، وخاصة تلك التي ازدهرت في بلاط الدولة الأيوبية خلال القرن الثالث عشر. يدافع المؤلف عن فكرة أن هذه المخطوطة تمثل قمة ثقافة طهوّية متطورة ومعقدة، حيث كان الطعام والعطر وجهين لعملة واحدة في مفهوم الوليمة الفاخرة. الكتاب لا يكتفي بتقديم تعليمات الطبخ، بل يغوص في المنظومة الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بهذه الوصفات، بدءاً من تحضير العطور والبخور قبل الأكل، وصولاً إلى غسل اليدين بالمياه المعطرة بعد الانتهاء.

يسير العمل وفق تسلسل دراماتيكي ممنهج يعكس رحلة وليمة كاملة، وهذه هي الحجة المنطقية التي تربط الأجزاء ببعضها. يبدأ الفصل الأول بمقدمة ضخمة تؤرخ لازدهار كتب الطبخ العربية بين القرنين العاشر والثالث عشر، وتشرح كيف تطورت من مجموعات وصفات فارسية إلى مؤلفات منهجية. ثم يقدم الكتاب نفسه، «الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب»، بوصفه أشهر وأضخم هذه الكتب، حيث احتوى على 635 وصفة في بعض النسخ. تنطلق هذه المخطوطة من عالم العطور (العنبر والمسك والعود) لتشكيل المزاج العطري للوليمة، ثم تنتقل إلى المشروبات غير المسكرة، فاليخنات والأطباق الرئيسية (باب الدجاج وباب اللحم)، وتنتهي بالحلويات والمخللات ومستحضرات التجميل ومنظفات اليدين. يوضح بيري أن هذا الترتيب لم يكن عشوائياً، بل صُمم لمرافقة الضيف خطوة بخطوة من لحظة دخوله إلى أن يغادر.

ضمن هذه الرحلة، تبرز وقائع وأرقام لافتة يصعب نسيانها. يذكر المترجم أن تشارلز بيري يشير إلى أن المطبخ العربي في تلك الحقبة كان يعتمد على العطور بدرجة مدهشة، حيث كانت العطور ومزيلات العرق جزءاً لا يتجزأ من كتب الطبخ. من المعلومات المثيرة أن اللحم كان يُطهى في يوم ذبحه، مما جعله قاسياً، ولذلك تضمنت الوصفات خطوات سلق إضافية. يعلق بيري على عادة فارسية قديمة وهي إرهاق الدجاج قبل ذبحه، مقترحاً أنها قد تسرع من زمن التصلب الرمّي للعضلات، مما يعكس فضولاً علمياً مبكراً. أما في عالم الحلويات، فقد كان الخبازون العرب رواداً في تمييز ما لا يقل عن ثماني كثافات لشراب السكر، مما شكل أساساً للحلويات الحديثة. ويصف بيري أشهر طبق في ذلك العصر، وهو الجُذَابة، وهي حلوى تُحضر بين طبقات الخبز الرقيق التي تلتقط الدهن المتساقط من دجاجة تُشوى في الأعلى، لدرجة أن بعض الوصفات حذفت خطواتها الأساسية لافتراض أن الجميع يعرفها.

لا يتجنب الكتاب الاعتراف بحدوده وتحفظاته؛ بل يجعل منها جزءاً من قيمته العلمية. يقر المترجم صراحة بأن النساخ الجهّال بالطهي كانوا مصدراً رئيسياً للأخطاء، مما جعل النص غير ثابت ومليئاً بالوصفات المفقودة أو المضافة عبر الأجيال. كما يعترف بغموض تأليف الكتاب، حيث تنسبه بعض المخطوطات إلى مؤرخ حلب كمال الدين أبي القاسم عمر بن العديم (1192-1262)، بينما تشير أخرى إلى جمال الدين يحيى بن العظيم الجزار أو إلى سلطان مملوكي يُدعى الملك السعيد ابن أبي الليش. بدلاً من تقديم إجابة قاطعة، يخلص بيري إلى أن جامع الكتاب ربما كان أميراً أيوبياً مجهولاً، تاركاً مسألة التأليف لغزاً مفتوحاً. في المقدمة أيضاً، يشرح صعوبات الترجمة مثل التعامل مع كلمة «و» التي قد تعني «أو»، والجمل الختامية التلقائية للوصفات، مما يدل على حرصه على الأمانة العلمية.

إذا انتقلنا إلى جوهر الكتاب النصي، فإن فصل العطور يقدم نفسه كدليل عملي جاف ومباشر، خالٍ من السرد النظري، تماماً كما أرادت المخطوطة الأصلية. هذا الفصل لا يحاول تحليل الفلسفة الكامنة وراء استخدام العطور، بل يسرد الوصفات واحدة تلو الأخرى كما هي. يبدأ بـ«العنبرية» وهي أقراص عطرية تخلط المسك مع صمغ الكتيرا المنقوع في ماء الصفصاف، مع تحذير من إضافة ماء الورد لأنه يضعف العطر. ثم ينتقل إلى طريقة تكثيف رائحة العود بنقعه في ماء الورد سبعة أيام. قسم البخور هو الأكثر تفصيلاً، حيث توجد أقراص مخصصة لأشخاص معينين: «ندّ ابن برمك» للطقس الرطب، و«ندّ الخلفاء» ذو المكونات الباهظة، و«بخور يماني شتوي» مناسب لكل الفرو إلا السمور. وتظهر هنا أرقام محددة في وصفة دهن البان المطبوخ بالتوابل التي تتطلب عشرة أمناء من الماء وثلاثة أرباع منّ من التوابل.

يقر فصل العطور بممارسات احترازية واضحة، مثل التحذير من الإفراط في طهي شراب السكر في وصفة العود الرفيع، أو ضرورة أن تكون نار التبخير هادئة جداً لا تحرق البخور. هناك أيضاً أوصاف غامضة ومفتوحة، مثل وصفة تكتفي بالقول «وإذا شئت أن تطبخه بالعنبر» دون تفصيل، أو تقديم طريقتين مختلفتين لتحضير دهن البان (بالعطر أو بالتوابل) مع تفضيل إحداهما بوضوح. هذا التمييز بين الطريقة «الأفضل» والأخرى «الأقل جودة» يمثل حجة قابلة للنقاش ضمنياً، فهي تستند إلى الخبرة الفردية والذوق الرفيع للمتكلم، وليس إلى أدلة تجريبية، مما يضفي هالة من السرية والاختصاص على هذه الحرفة كفن لا يُتقنه إلا القلة.

في النهاية، يقدم الكتاب عملاً متكاملاً يجمع بين التاريخ والطهي والعطر، لكنه يظل مرآة لعصر كامل. من الحجج التي يمكن أن تثير نقاشاً بناءً على المادة المقدمة، فكرة أن هذه الوصفات كانت ملكاً مشتركاً للزمان والمكان، حيث يتداخل كتاب «الوصلة» مع غيره من الكتب ويستعير من موسوعات طبية لابن سينا وابن جزلة. هذا يطرح سؤالاً حول مفهوم التأليف الأصلي في العصور الوسطى: هل كان المؤلف مجرد جامع يضيف لمساته الخاصة، أم كان ناقلاً أميناً؟ كما أن تقسيم المخطوطات إلى عائلتين نصيتين رئيسيتين (أ وب) مع وجود مخطوطة فوضوية مثل صناعة 74 التي لا تنتمي لأي منهما بشكل كامل، يكشف عن تعقيد العملية التاريخية لنقل النصوص، وكيف أن كل نسخة كانت تحمل بصمة ناسخها أو مستخدمها. يمكن القول إن رحلة «Scents and Flavors» تذكرنا بأن الطعام لم يكن مجرد غذاء، بل كان نظاماً رمزياً متقناً للسلطة، والذوق، والطبقة الاجتماعية، حيث كان العطر جواز سفر إلى عالم النخبة.

الفصول(2)

1.34–53▼ ملخص

هذا الفصل هو مقدمة طويلة ومفصلة لكتاب "Scents and Flavors" من تحرير وتقديم تشارلز بيري، وهو كتاب طبخ عربي من العصور الوسطى. يقدم الفصل خلفية شاملة عن تقاليد الطبخ العربية في تلك الفترة، ويصف محتوى الكتاب وخصائصه الفريدة، ويتناول تاريخ المخطوطات المختلفة التي وصلت إلينا منه، ويشرح نهج المترجم في التعامل مع النص الأصلي. المحور الأساسي هو تقديم هذا الكتاب للقارئ الحديث كوثيقة تاريخية وطهوّية غنية، وليس مجرد مجموعة وصفات عادية.

يبدأ الفصل بمقارنة تاريخية، مشيراً إلى أن كتب الطبخ كانت نادرة في العصور القديمة، مع وجود ألواح بابليّة وكتاب روماني واحد فقط. لكن حدث انفجار مفاجئ في كتابة كتب الطبخ في العالم العربي بين القرنين العاشر والثالث عشر، مما جعل العرب آنذاك رواداً في هذا المجال. يوضح المؤلف أن هذه الكتب تطورت من مجموعات وصفات شخصية كانت رائجة في البلاط الفارسي قبل الإسلام، واعتمدها الخلفاء العباسيون. أول كتاب طبخ عربي بارز جمعه كاتب اسمه أبو محمد المظفر بن نصر بن سيار في القرن العاشر، وكان يحتوي على وصفات من بلاط بغداد. كانت هذه الكتب تُنسخ بشكل تجاري، مما أدى إلى كثرة الأخطاء فيها بسبب جهل النسّاخ بالطهي. كما يذكر أن مخطوطة لام 5076 من القاهرة هي الوحيدة التي تظهر عليها علامات الاستخدام الفعلي في المطبخ، مما يشير إلى أن الوصفات كانت تُقرأ للطباخ ثم يُعاد الكتاب إلى المكتبة.

يخصص الفصل جزءاً كبيراً للحديث عن كتاب "الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب"، وهو حجر الزاوية في هذه الترجمة. يصفه المؤلف بأنه الأكثر مبيعاً في عصره، حيث احتوى على 635 وصفة (ما يقرب من 700 في بعض النسخ)، ويمثل بشكل أساسي مطبخ الدولة الأيوبية في سوريا في القرن الثالث عشر. يرجع المؤلف سبب شهرة الكتاب إلى تنظيمه المنهجي، حيث تُرقم الوصفات واختلافاتها بعناية، وكذلك إلى اهتمامه بالروائح العطرية، وهو ما يظهر جلياً في عنوانه. يشرح كيف كان المطبخ العربي في العصور الوسطى يعتمد بشكل كبير على العطور مثل ماء الورد والمسك والعنبر، لدرجة أن العطور ومزيلات العرق كانت جزءاً لا يتجزأ من كتب الطبخ. وينظم الكتاب نفسه بشكل موازٍ لمراحل الوليمة، بدءاً من البخور والعطور، مروراً بالمشروبات والأطباق الرئيسية، وانتهاءً بمستحضرات غسل اليدين والمياه المعطرة.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى وصف خصائص المطبخ العربي في تلك الفترة. يشدد على أنه مطبخ للمناسبات الخاصة والولائم الفاخرة، حيث تُثرى اليخنات البسيطة باللحم المفروم والزينة المتنوعة. نظراً لأن الضيوف كانوا يأكلون بأيديهم، كانت الوصفات تهتم بتحقيق قوام مناسب للسكب على الخبز. يلاحظ المؤلف أن اللحم كان يُطهى في نفس يوم ذبحه، مما جعله قاسياً نسبياً، ولذلك كانت الوصفات تتضمن خطوة سلق إضافية. يشرح أيضاً بعض الممارسات المثيرة للاهتمام مثل إرهاق الدجاج قبل ذبحه، وهي عادة فارسية، ويعلق عليها من منظور علمي حديث، مقترحاً أنها قد تسرع من زمن التصلب الرمّي للعضلات. ثم يتناول بعض الأطعمة التي كانت تُنتج بفعل الميكروبات مثل المُرّي (صلصة مالحة تشبه صويا الصويا) والكامخ البغدادي (جبن شبه سائل). كما يظهر تأثير الموقع الجغرافي لسوريا في غياب الأسماك الطازجة واستخدام المكونات الحامضية المحلية مثل الرمان والسماق، واستخدام زيت الزيتون وزيت السمسم المحمص كمنكهات. ويصف تأثيرات الطهي البيزنطية والتركية والصليبية، مثل نوع من البقلاوة المبكرة تُدعى جَرَّا ياروق.

يخصص الفصل جزءاً مهماً لشرح تطور صناعة السكر والحلويات في العالم العربي، وكيف كان الخبازون العرب رواداً في دراسة كثافات شراب السكر المختلفة، والتي تشكل أساس الحلويات الحديثة. يذكر أن الوصفات في هذا الكتاب تميز ما لا يقل عن ثماني كثافات للشراب. ثم يقدم شرحاً وافياً لأشهر طبق في ذلك العصر، وهو الجُذابَة، وهي حلوى حلوة القوام تُحضر بين طبقات من الخبز الرقيق وتوضع في الفرن لتلتقط الدهن والعصائر المتساقطة من دجاجة تُشوى في الأعلى. يوضح المؤلف أن هذا الطبق كان شائعاً لدرجة أن بعض الوصفات تحذف خطوات أساسية فيه.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف محتوى الكتاب فصلاً فصلاً، بدءاً من باب العطور الذي يركز على المكونات الباهظة مثل العنبر والمسك والعود، ثم باب المشروبات الذي يتضمن مشروبات متخمرة غير مسكرة، وأبواباً عن العصائر الحامضية وطرق تلوين الدهن. باب الدجاج هو الأكبر ويركز على الدجاج مع الفواكه والمكسرات، بينما باب اللحم هو الأطول على الإطلاق ويشغل ربع الكتاب ويشمل أنواعاً عديدة من اليخنات والمشاوي، مع أطباق مثل النرجسيَّة (المزينة بالبيض المسلوق لتشبه زهرة النرجس) والديناريَّة (التي توحي شرائح الجزر فيها بقطع الدينار الذهبي). باب الحلويات يشمل الكريب وأرز باللبن وحلوى الشعيرية المصنوعة من خبز رقيق مقطع، بالإضافة إلى المخبوزات المتنوعة مثل الكعك الحلقي الذي يذكر المؤلف أن تقنية سلق الخبز قبل خبزه هي أساس صنع الباجل والبرتزل. باب المخللات لا يقتصر على الخل فقط بل يشمل التخمير باللبن والعصائر الحامضية، وينتهي بقسم خاص عن الصلصات التي يرجح أنها اقتبست من الصليبيين، ثم قسم عن المقبلات الباردة (البوارد) التي تشبه المزة الحديثة. الأبواب الأخيرة تختص بمنظفات اليدين بعد الطعام ومستحضرات التجميل، بالإضافة إلى المياه المعطرة والمقطرة.

يختتم الفصل بمناقشة معقدة لتاريخ الكتاب ومخطوطاته. يوضح أن كتب الطبخ في العصور الوسطى كانت أعمالاً تشاركية، حيث كان المؤلف في الأساس جامعاً للوصفات التي كانت ملكية مشتركة للزمان والمكان. هناك تداخل كبير بين هذا الكتاب وكتب طبخ أخرى من القرن الثالث عشر، حيث استعارت جميعها من موسوعتين طبيتين من القرن الحادي عشر لابن سينا وابن جزلة. ثم يصف كيف تفرعت مخطوطات الكتاب إلى عائلتين نصيتين رئيسيتين: العائلة النصية أ والعائلة النصية ب، حيث أضافت كل منهما وصفات مختلفة. لكن المشكلة تتعقد مع مخطوطة صناعة 74، التي لا تنتمي لأي من العائلتين بشكل كامل. يصفها المؤلف بأنها فوضوية وتحتوي على أخطاء النساخ وأجزاء مفكوكة، مما يوحي بأنها كانت نسخة رخيصة وسريعة، أو ربما تمثل مرحلة أقدم من النص. أخيراً، يناقش المؤلف مسألة غموض تأليف الكتاب. يشير إلى أن بعض المخطوطات تنسبه إلى مؤرخ حلب المعروف كمال الدين أبي القاسم عمر بن العديم (1192-1262)، بينما تنسبه أخرى إلى شخص يُدعى جمال الدين يحيى بن العظيم الجزار، وثالثة إلى سلطان مملوكي يُدعى الملك السعيد ابن أبي الليش. يخلص الفصل إلى أن مسألة التأليف تظل لغزاً، مقترحاً أن يكون جامع الكتاب أميراً أيوبياً مجهولاً قام بتسمية المنازل النبيلة التي حصل منها على وصفاته.

يقر المؤلف في المقدمة بوجود العديد من القيود والتحفظات. من أبرزها اعترافه بأن النساخ كانوا يفتقرون للمعرفة بالطهي، مما أدى إلى كثرة الأخطاء، وأن الوصفات اختفت أو أُضيفت عبر الأجيال، مما جعل النص غير ثابت. كما يقر بأن بعض الوصفات المحذوفة من المخطوطة الأم (التي يعتمد عليها) تم تضمينها في هذه الترجمة باعتبارها "يتيمة". كما يقر بغموض التأليف، معترفاً بعدم وجود إجابة قاطعة، ويقدم العديد من الاحتمالات. في النهاية، يشير المترجم إلى صعوبات الترجمة مثل التعامل مع كلمة "و" التي قد تعني "أو"، والجمل الختامية التلقائية للوصفات، وطريقة عرض الأسماء، مما يدل على حرصه على الدقة والأمانة العلمية.

1.العطر54–65▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب تشارلز بيري «Scents and Flavors» مجموعةً واسعةً من الوصفات العربية التقليدية لتحضير العطور والبخور والزيوت العطرية، دون أن يقدّم سرداً نظرياً أو تحليلاً. الفصل أشبه بدليل عمليّ مكتوب بلغة وصفية مباشرة، يهدف إلى حفظ هذه المعارف ونقلها كما هي. لا يوجد موضوع محوري واحد، بل مجموعة من المواضيع المتخصصة في فنون التطييب، تبدأ بتحضير أقراص العطور الصلبة (مثل «العنبرية») وتنتهي باستخلاص الزيوت العطرية المعقدة.

يسير الفصل بتسلسل واضح، مقدماً كل وصفة تحت عنوان فرعي يحدد هويتها واستخدامها. يبدأ بقسم «العنبرية» الذي يتضمن عدة وصفات لتحضير أقراص عطرية. الوصفة الأولى تخلط المسك مع صمغ الكتيرا المنقوع في ماء الصفصاف لتكسبه رائحة حادة، وتحذر من إضافة ماء الورد لأنه يضعف العطر. الوصفة الثانية الأفضل تُحضّر بكشط العود وماء الورد على حجر الصندل، ثم خلطه مع صندل مقاصيري وعجنه بماء الورد، وتدخينه عدة مرات بالعود والعنبر مع رشه بماء الورد بين كل تدخينتين. وصفة ثالثة لعنبرية صندل تُستخدم صيفاً لتبريد الأمزجة، وتدخن بالعنبر خمس مرات وتعجن بالمسك.

ينتقل الفصل بعدها إلى وصفات تحضير العود، حيث يُنقع العود المقطع في ماء الورد سبعة أيام لتكثيف رائحته. ثم يأتي «العود الرفيع» الذي يُحضّر بطهي شراب كثيف من السكر وماء الورد مع العنبر والمسك، ويُقلّب فيه العود حتى يتغطى ثم يجفف في الهواء، مع تحذير من عدم إفراط طهي الشراب. وصفة أفضل لنفس التحضير تتضمن نقع العود في ماء الورد سبعة أيام ثم تجفيفه وخلطه بمزيج من العنبر الخام ومعجون العنبر والمسك والسكر المطحون.

يتناول الفصل بعد ذلك أقراص البخور (النّدّ) المخصصة لأشخاص معينين. فهناك «ندّ ابن برمك» المفيد في تغير الفصول والطقس الرطب، ويتكون من جوزة الطيب والورد والسنبل والقرنفل والمصطكي والزعفران والسائلة والهال البني والكبيبة والكافور والمسك. و«ندّ ابن الأغلب» الذي يحتوي على الكافور والقُسط الحلو والمر والعنبر واللاذن والسائلة وأشنة الشجر والزعفران والمحلب والعود. و«ندّ الخلفاء» الذي يستخدم العود الخام والقُسط والمحلب وأقراص السك والكافور. تليها وصفة «بخور يماني شتوي» مناسب لجميع الفرو إلا السمور، مكون من العود وصندل مقاصيري والقسط الحلو والمر والمحلب والآس والبرتقال مع شراب عسل وسكر ولاذن وعنبر وزعفران وحوت.

يستمر الفصل في سرد وصفات البخور مثل «البرمكية» اللطيفة والمناسبة لتطييب من كان في الدهاليز ودورات المياه، وتحتوي على القسط الحلو والمر والمحلب والآس واللاذن والبرتقال والليمون والزعفران. ثم «فتائل الندّ» التي تُصنع من فحم عود الكرم أو زغب السفرجل وتُغمس في العنبر الجيد، وتوضع أحياناً مع عود في حوامل فضية في الجيب لدخان طويل الأمد. بعدها «أقراص البخور» بوصفتين مختلفتين، الأولى تحتوي على العود والصندل والعنبر والمسك والليمون والبرتقال والقرنفل ودهن الحرف والكافور والسكر والمهلبية، والثانية تشمل قشور أثمار متعددة مع العود والصندل واللاذن والمصطكي والكافور. ويختتم هذا القسم بوصفتين إضافيتين للبخور البرمكي.

ينتقل الفصل بعد البخور إلى الأقوات الجافة المسحوقة، فيقدم وصفة «قوت مدفئ» من السنبل والقرنفل والهال ودهن الحرف، يُدخن ويساعد على برد الرأس ويقوّي الدماغ. و«قوت مبرّد» من صندل مقاصيري مدخن بالعود والعنبر مع مسك وعنبر وحوت. ثم «قوت السعد» الذي يكرر فيه عجن السعد والعود والصندل بماء الورد وتجفيفه ثلاث مرات. و«قوت الأترج» من القرفة وأشنة الشجر والصندل وقشر الأترج. و«قوت الورد» من ورد الجعدة والعود والصندل والهال البني. و«قوت ذكيّ» يشمل العديد من المكونات ويُحضّر بطريقة معقدة تتضمن التبخير في قدرين مغلقين بالطين لمدة يوم وليلة. ويختتم هذا القسم بـ«مضاد عرق لا نظير له» من أكسيد الزنك والبنفسج وأشنة الشجر، يُعالج بماء الورد ويدخن بالعود والعنبر ليمنع رائحة الإبط ويُعطّر النفس.

القسم الأخير من الفصل مخصص للزيوت العطرية. يبدأ بوصفة «زيت مدخن» يُحضّر بتدخين القطن بالعود والعنبر ثم صب زيت اللوز عليه مع رشه بالعنبر والمسك. ثم «زيت مدخن معروف بزيت النتن» لعلاج الرياح الباردة والنفخ والأورام البلغميّة والنزلات وأوجاع الأصابع، وتتضمن وصفته المعقدة مسحوقاً من بهارات ودهن حرف وجوزة الطيب، وجزءاً بخورياً من اللاذن والآس والزعفران، يُدخن به القطن الموضوع في طبق مدهون بزيت السمسم، ثم يُضاف المسك والحوت ومسحوق المسك والزيت. يلي ذلك وصفة «زيت من ابتكاري» لنفس الأغراض، يُحضّر بدفن قدر صغير مقلوب داخل قدر أكبر في التراب وإشعال نار عليه لمدة يومين وليلتين.

يختم الفصل بوصفتين مطولتين لاستخراج «دهن البان» وصنعه، مع تحذير من أن قلة من يجيدونه. الأولى تشرح عملية عصر حب البان وسلقه في الماء لنصف يوم حتى يطفو الزيت، ثم تصفيته. الثانية تقدم طريقة أحمد بن يعقوب لطبخ الزيت مع البهارات لتحضير «دهن البان المطبوخ بالعطر»، والذي يختلف عن دهن البان المطبوخ بالتوابل الذي لا يصلح لصنع الغالية لأن رائحة التوابل تطغى على المسك والعنبر. تتضمن هذه الطريقة سلق الزيت بالماء عدة مرات مع مكونات مختلفة كالصندل والعود الهندي والمسك التبتي، وتستغرق أياماً. الوصفة النهائية لدهن البان المطبوخ بالتوابل تفصّل إضافة القرفة الصينية والقرفة السيلانية والقرنفل ودهن الحرف الأخضر والصندل والعود، مع أوزان دقيقة مثل عشرة أمناء من الماء لكل مكون وثلاثة أرباع منّ توابل، وتنتهي بإضافة مسك تبتي ومسك سك.

يقرّ الفصل ببعض الحدود والممارسات الاحترازية، مثل التحذير من إضافة ماء الورد إلى العنبرية الأولى لأنه يضعف العطر، وتحذير الطاهي من الإفراط في طبخ شراب السكر في وصفة العود الرفيع، والتنبيه على أن تكون نار التبخير هادئة لا تحرق البخور، وتعليمات إحكام إغلاق فوهات الأواني لمنع تسرب الأبخرة أو سقوط الأعشاب المحترقة في الزيت. ويظهر بعض الأسئلة المفتوحة عملياً، مثل الوصفة التي تكتفي بالقول «وإذا شئت أن تطبخه بالعنبر» دون تفصيل، وتقديم طريقتين مختلفتين لتحضير دهن البان المطبوخ (بالعطر أو بالتوابل) مع تفضيل إحداهما بوضوح. الحجج القابلة للنقاش ضمنياً تتمثل في التمييز بين طرق التحضير الأفضل والأقل جودة بناءً على الخبرة والحنكة الفردية، وليس على أدلة تجريبية صريحة، وتأكيد بعض الوصفات على أنها «لا نظير لها» أو «معروفة لقلة» مما يضفي هالة من السرية والاختصاص على هذه الحرفة.