
Security Dimensions of Syrian Civil War
الموضوع المحوري لكتاب "Security Dimensions of Syrian Civil War" للباحث Serhat Ahmet Erkmen هو تفكيك العلاقة المعقدة بين الحرب الأهلية السورية والأمن القومي التركي، حيث يدافع المؤلف بثبات عن أطروحة مفادها أن الأمن هو المفتاح الوحيد والثابت لفهم السياسة التركية تجاه سوريا، سواء قبل اندلاع الحرب في مارس 2011 أو بعدها. يرفض المؤلف أي تفسير بديل يركز على التجارة أو الأيديولوجيا أو الهوية كعوامل مستقلة، ويصر على أن العلاقات بين البلدين كانت دائماً محكومة بـ"تصور أمني" تركي متواصل يمتد جذوره إلى انهيار الدولة العثمانية. الجواب الذي يقدمه الكتاب هو أن تركيا لم تتعامل مع سوريا كجارة عادية، بل كمنطقة تهديد دائمة تتجسد في مشكلات مثل النزاعات الحدودية، دعم الإرهاب، والانتماء إلى تحالفات دولية متعارضة، وأن كل سياساتها، حتى في فترات الانفراج، كانت في جوهرها ردود فعل أمنية.
يسير الكتاب وفق بنية منطقية تبدأ من الجذور التاريخية وتتجه نحو التحليل المعاصر. تبدأ الفصول الأولى بتأسيس إطار تاريخي طويل الأمد، حيث يُظهر المؤلف كيف أن قضايا مثل لواء إسكندرون (هاتاي) الذي ضمته تركيا في 29 يونيو 1939، وإيواء سوريا لقادة التمرد الأكراد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ثم دعمها لاحقاً لـ حزب العمال الكردستاني (PKK) وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان حتى اتفاقية أضنة في 20 أكتوبر 1998، كلها تشكل سلسلة مترابطة من الخروقات الأمنية. بعد هذا التأسيس التاريخي، ينتقل الكتاب إلى تحليل التحولات التي أحدثتها الحرب الأهلية، موضحاً كيف تحولت تركيا من داعم للمعارضة وراغب في تغيير النظام (سياسة "العثمانية الجديدة") إلى دولة تتبنى استراتيجية أمنية دفاعية بحتة. هذا التحول، الذي يصفه المؤلف بأنه "تصحيح ذاتي استراتيجي"، نجم عن صدمات أمنية مزدوجة: تدفق هائل للاجئين تجاوز 3.6 مليون شخص، وظهور تهديدات إرهابية على الحدود ممثلة في داعش ووحدات حماية الشعب (YPG) التي تعتبرها تركيا امتداداً لـPKK. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن كل فصل يبني على سابقه لشرح كيف أن "المعضلة الأمنية" عادت بقوة بعد فترة وجيزة من التعاون غير المسبوق بين 2002 و2011، وكيف أن العمليات العسكرية التركية المتتالية – درع الفرات (أغسطس 2016)، غصن الزيتون (يناير 2018)، نبع السلام (أكتوبر 2019) – لم تكن مجرد ردود فعل، بل أدوات "تأمينية" استخدمتها الدولة لتأكيد قوتها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016 ولإعادة تعريف نفسها كلاعب فاعل في المنطقة.
من بين الوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها في الكتاب، الأرقام المذهلة التي يقدمها عن حجم التهديد: فقبل العمليات العسكرية، كانت وحدات حماية الشعب (YPG) تسيطر على 632 كيلومتراً من أصل 911 كيلومتراً هي طول الحدود التركية السورية. كما أن الإحصاءات المتعلقة بالهجمات الإرهابية داخل تركيا مروعة، حيث يسجل الكتاب 78,011 حادثة حدودية واعتقال 397,216 شخصاً بين يناير 2011 ويونيو 2016، ويتضمن تفصيلاً لهجمات كبرى مثل تفجير الريحانية في مايو 2013 (52 قتيلاً)، وتفجير سروج في يوليو 2015 (33 قتيلاً)، وتفجير أنقرة في أكتوبر 2015 (102 قتيل)، وتفجير مطار أتاتورك في يونيو 2016 (41 قتيلاً). أما على صعيد اللاجئين، فيذكر الكتاب أن عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة بلغ أكثر من 3.6 مليون شخص، وأن استطلاع "مقياس السوريين" لعام 2020 أظهر أن مخاوف المجتمع التركي (فقدان الوظيفة، الضغط على الخدمات، الجريمة) وصلت إلى 70%. وفيما يتعلق بالبنية التحتية الحدودية، يكشف الكتاب أن الجدار التركي العظيم الذي اكتمل بناؤه عام 2018 هو ثالث أطول جدار أمني في العالم بعد سور الصين العظيم والحدود الأمريكية المكسيكية. وفي تطور دراماتيكي آخر، يذكر الفصل أن التحالف الاستراتيجي التركي-الأمريكي تضرر بشدة بسبب الدعم الأمريكي المفتوح لـ YPG، وهو ما بلغ ذروته عندما أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل "قوة حدودية" قوامها 30,000 جندي بقيادة YPG، وهو ما كان المحفز المباشر لعملية غصن الزيتون.
يعترف المؤلف بعدة حدود وتحفظات مهمة تجعل من قراءته أكثر عمقاً وأقل طائفية. أولاً، يقر الفصل التاريخي بأن تركيزه الشديد على وجهة النظر التركية والأسباب التي جعلت من سوريا مشكلة أمنية لأنقرة، يأتي على حساب تحليل موسع للأسباب الداخلية السورية أو الديناميكيات الإقليمية من منظور سوري. ثانياً، يعترف الكاتب بأن تأثيرات الحرب الأهلية تجاوزت الأمن القومي لتبدأ في التأثير على حياة الأتراك اليومية، مما أدى إلى استقطاب المجتمع والأحزاب السياسية، وهو ما يعني أن البعد الأمني، رغم هيمنته، لم يعد كافياً وحده لفهم تعقيدات الوضع. ثالثاً، يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية العمليات العسكرية على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق باستدامة "المناطق الآمنة"، وإمكانية حل مشكلة اللاجئين، والعلاقة المتوترة مع الحلفاء التقليديين (الولايات المتحدة) والنظام العالمي (الأمم المتحدة). كما أن الفصل الخاص بالمقاتلين الأجانب يعترف بصعوبة جمع البيانات بسبب عدم الوصول لساحة المعركة، مما يجعل البحث معتمداً على معلومات محدودة. وأخيراً، يقر المؤلف أن التحالف بين تركيا وروسيا، رغم نجاحه في إطار مسار أستانا، يظل تحالفاً تكتيكياً براغماتياً وليس استراتيجياً، وهو ما تجلى في الأزمة التي حدثت عندما هاجمت الطائرات الروسية الجنود الأتراك في إدلب في فبراير 2020.
هناك عدة حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة. أولاً، يبدو أن الكتاب يخلط أحياناً بين "التهديد الحقيقي" و"التهديد المُبنى خطابياً". فبينما يقدم أدلة على هجمات إرهابية حقيقية وملموسة، فإنه في الوقت نفسه يتبنى نظرية "التأمين" التي تقول إن الدولة تبني التهديد خطابياً لتحقيق أهداف سياسية داخلية (مثل إظهار القوة بعد الانقلاب الفاشل). هذا الخلط يجعل من الصعب الفصل بين الدوافع الأمنية الموضوعية والبناء السياسي الذاتي للتهديد، وهو ما يظل نقطة جدل مركزية. ثانياً، يقدم الكتاب الرواية الرسمية التركية باستمرار حول هوية الأكراد السوريين، حيث يُصنف PYD/YPG بشكل قاطع كتنظيم إرهابي مرتبط بـ PKK دون تقديم وجهات نظر أخرى حول دورهم في محاربة داعش أو طبيعة إدارتهم الذاتية في شمال سوريا. ثالثاً، هناك تناقض واضح بين خطاب المسؤولية الإنسانية للحكومة التركية (سياسة الباب المفتوح، بناء المخيمات) وممارساتها الأمنية التقييدية (إغلاق الحدود، بناء الجدار، تقييد حركة السوريين)، وهو ما يثير تساؤلات حول صدقية النهج الإنساني. رابعاً، يمكن مناقشة التفسير الذي يقدمه الكتاب لتراجع سوريا في أزمة 1998، حيث يقدم الفصل وجهة نظر الرئيس بشار الأسد بأن طرد أوجلان كان "اختياراً للصداقة" وليس خوفاً من القوة العسكرية التركية، وهي سردية تتعارض مع تسلسل الأحداث حيث سبقت التهديدات العسكرية التركية المباشرة هذا التراجع. على الرغم من هذه النقاط القابلة للنقاش، يبقى الكتاب عملاً ضخماً يقدم سرداً متماسكاً وقوياً عن كيفية تحول التهديدات الأمنية إلى المحرك الأوحد للسياسة التركية في واحدة من أكثر الحروب الأهلية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
الفصول(13)
1.لماذا الأمن مهم في مقاربة تركيا للحرب الأهلية السورية22–42▼ ملخص
يؤكد هذا الفصل أن الأمن هو العامل الثابت والأهم في تفسير مقاربة تركيا تجاه سوريا، سواء قبل الحرب الأهلية السورية أو بعدها. يرفض المؤلف فكرة أن الأمن أصبح مهماً فقط بعد عام 2011، ويرى أن العلاقات بين البلدين كانت دائماً محكومة بـ "تصور أمني" تركي مستمر منذ انهيار الدولة العثمانية. يطرح الفصل حجتين رئيسيتين: الأولى أن الأمن كان المحدد الأساسي للنظرة التركية لسوريا حتى قبل الحرب، والثانية أن تصور الأمن كان المحرك الرئيسي للسياسة التركية بعد تحول الاحتجاجات السورية إلى حرب. يستخدم المؤلف أربعة مفاهيم لشرح هذا الاستمرار الأمني: النزاعات الحدودية، قضايا السيادة، تسليح الإرهاب، والانتماء إلى تحالفات دولية متعارضة.
ينقسم الفصل إلى حقبتين كبيرتين. في الحقبة الأولى، التي تمتد من انهيار الدولة العثمانية حتى عام 2011، يوضح المؤلف كيف أن العلاقات لم تصل أبداً إلى حرب شاملة رغم التوترات الشديدة. يبدأ السرد من قرارات ميساك-1 ملي (الميثاق الوطني) في 28 يناير 1920، والتي ضمت حلب إلى حدود تركيا المنشودة، لكن اعتراف أنقرة لاحقاً بالانتداب الفرنسي على سوريا أدى إلى مشاكل حدودية لم تُحل، أبرزها قضية لواء إسكندرون (هاتاي) الذي ضمته تركيا في 29 يونيو 1939، وهو أمر لم تعترف به سوريا أبداً. يشير الفصل أيضاً إلى هروب قادة حركات التمرد الكردية في العشرينيات والثلاثينيات إلى سوريا، مما مهّد الأرضية لاحقاً لنشاط حزب العمال الكردستاني (PKK) هناك.
في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يبين الفصل أن تركيا وسوريا وقفتا على قطبي نظام ثنائي القطب متعارضين؛ انضمت تركيا إلى الناتو عام 1952 بينما اقتربت سوريا من الاتحاد السوفيتي، مما أوصل البلدين إلى حافة الحرب عام 1957. استمر التوتر في ظل حكم حافظ الأسد، وتفاقم بدعم سوريا لحزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان، مما دفع تركيا إلى تطوير "نظرية الحربين والنصف" التي رأت في سوريا واليونان تهديداً مشتركاً. بلغ التوتر ذروته في عام 1998 عندما وجهت تركيا إنذاراً لسوريا، مما أدى إلى إجبار أوجلان على مغادرة دمشق وتوقيع اتفاقية أضنة في 20 أكتوبر 1998، والتي تعهدت فيها سوريا بوقف دعمها لحزب العمال الكردستاني.
أما الحقبة الثانية، فتبدأ بفترة الانفراج القصيرة بعد وصول بشار الأسد إلى الحكم، والتي بلغت ذروتها بزيارة تاريخية لدمشق عام 2004 وتوقيع اتفاقيات تجارية كبرى. لكن الفصل يرى أن هذا التقارب كان مدفوعاً باعتبارات أمنية أيضاً، مثل الخوف المشترك من تفكك العراق بعد الغزو الأمريكي. ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا في مارس 2011، وتحولها إلى حرب أهلية، عادت الحسابات الأمنية لتسيطر بالكامل. من سبتمبر 2011، غيرت تركيا سياستها وبدأت تدعم المعارضة علناً، وباتت ترى في ثلاثة عوامل مبرراً لتدخلها: تدفق اللاجئين (الذي تجاوز 3.5 مليون شخص لاحقاً)، تفكك سوريا، وخطر قيام دولة كردية في شمالها على يد وحدات حماية الشعب (YPG)، التي تعتبرها تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
يشير الفصل إلى أن تهديد داعش وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب معاً دفع تركيا لتنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود، بدءاً من أغسطس 2016 بعملية درع الفرات، ثم عمليات غصن الزيتون ونبع السلام، وذلك لمنع تشكيل "ممر إرهابي" على حدودها الجنوبية. يقر الفصل بأن السياسة التركية تغيرت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، مما أدى إلى تقارب مع روسيا وإيران عبر آلية أستانة، وفتح باب للحوار مع النظام السوري برعاية روسية في نهاية عام 2022، دون أن يصل إلى تطبيع شامل بعد.
في خاتمته، يعترف المؤلف بأن التركيز على الأمن قد يُقرأ من قبل البعض على أنه "عودة إلى التسييس الأمني" (securitization)، لكنه يرى أن هذا التصور موجود منذ البداية. العلاقات التركية السورية، حتى في أفضل فتراتها، كانت قائمة على تعاون وتنافر أمني، وليس على عوامل مثل التجارة أو الهوية فقط. حدود هذه المقاربة، كما يوضحها الفصل، أنها تركز بشكل كبير على وجهة النظر التركية والأسباب التي جعلت من سوريا مشكلة أمنية لتركيا، لكنها لا تقدم تحليلاً موسعاً للأسباب الداخلية السورية أو الديناميكيات الإقليمية من منظور سوري بنفس القدر.
2.البعد الأمني للسياسة الخارجية التركية: تحليل تاريخي43–46▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل البُعد الأمني للسياسة الخارجية التركية من منظور تاريخي، مع التركيز على كيفية تشكيل المخاوف الأمنية لهذه السياسة منذ تأسيس الجمهورية التركية حتى الوقت الراهن. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الأمن – وخاصة أمن الدولة – كان دائمًا الفكرة المهيمنة والمحورية في صنع القرار الخارجي التركي، وأن هذا التوجه لم يتغير جوهريًا رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد والعالم. الفصل مبني على فكرة أن السياسة الخارجية التركية تطورت من نهج حذر ومتوازن إلى سياسة أكثر استقلالية وتعددية، لكنها ظلت دائمًا تعتمد على القوة العسكرية كأداة رئيسية، خاصة في التعامل مع التهديدات الناشئة من جوارها المضطرب.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل تاريخية رئيسية. يبدأ بفترة تأسيس الجمهورية، حيث اتبعت تركيا سياسة خارجية حذرة تهدف إلى توطيد الدولة وإنشاء منطقة أمنية حول حدودها عبر علاقات ثنائية وثيقة مع الجيران والحلفاء. ثم ينتقل إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح حلف الناتو، الذي انضمت إليه تركيا في عام 1952، بمثابة المرتكز الأساسي لسياستها الخارجية، مما وفر لها ضمانة أمنية عبر تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة وحلفاء الناتو الآخرين. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن الالتزام الثابت بحلف الناتو والولايات المتحدة تطور تدريجيًا إلى سياسة أكثر ذاتية وتعددية منذ منتصف الستينيات، بعد سلسلة من خيبات الأمل (مثل أزمة الصواريخ الكوبية ورسالة جونسون). هذه السياسة متعددة الأبعاد نضجت في ظل حكومات متتالية وبلغت ذروتها في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية الحالية.
يركز الفصل بشكل خاص على العلاقات التركية-السورية كمثال توضيحي رئيسي لهذا النمط. يوضح أن العلاقات بين البلدين شهدت تقلبات صعودًا وهبوطًا بالتوازي مع التغيرات في المنطقة والعالم. لكن مع اندلاع الحرب الأهلية السورية، حاولت تركيا أن تلعب دورًا أكبر في المنطقة التي تحولت إلى ساحة معركة بين فاعلين داخليين وخارجيين مختلفين. في هذا المشهد المعقد، واصلت تركيا إعطاء الأولوية لأمنها، معتمدة على جيشها القوي كأصل أساسي لسياستها الخارجية. يقدم الفصل سردًا تفصيليًا للتداعيات الأمنية للحرب على تركيا، والتي تشمل:
- تدفق غير مسبوق للمهاجرين: طبقت تركيا في البداية سياسة الباب المفتوح معتقدة أن نظام الأسد سيسقط سريعًا. لكن بعد عام 2016، ومع إطالة أمد الحرب، تحولت السياسة إلى تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود وبناء الجدران. كما تم توقيع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في 2016 يتضمن مساعدات بقيمة 6 مليارات يورو، لكن الفصل يشير إلى أن فشل الاتحاد الأوروبي في الوفاء بوعوده جعل المهاجرين قضية أكثر إثارة للجدل وعبئًا سياسيًا واقتصاديًا. وصل عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة إلى أكثر من 3.6 مليون شخص، مما أدى إلى تغييرات ديموغرافية، وتزايد مشاعر انعدام الأمن بين المواطنين الأتراك، وارتفاع كراهية الأجانب، وتفاقم البطالة.
- التهديدات الإرهابية: يوضح الفصل أن تركيا تخوض حربًا على عدة جبهات ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق، وضد داعش وتنظيم PYD/YPG (التابع لحزب العمال الكردستاني) في سوريا. يصف الفصل بالتفصيل العمليات العسكرية التركية المتتالية: درع الفرات في أغسطس 2016 للقضاء على داعش، وغصن الزيتون في 20 يناير 2018 في عفرين لاجتثاث مقاتلي PYD/YPG، ونبع السلام في 9 أكتوبر 2019 لمنع تشكيل "ممر إرهابي"، والنسر الشتوي في 1 فبراير 2022، بالإضافة إلى سلسلة عمليات مخلبية في شمال العراق بدأت في 27 مايو 2019. يشير الفصل إلى أن الدعم الأمريكي المفتوح لـ PYD/YPG، وعدم منع بعض دول الاتحاد الأوروبي والناتو للأنشطة الإرهابية على أراضيها، أدى إلى مشاكل خطيرة بين تركيا وهذه الدول.
يعترف المؤلف ضمنيًا بحدود معينة في التحليل، حيث يشير إلى أن تأثيرات الحرب الأهلية السورية تجاوزت الأمن القومي لتبدأ في التأثير على حياة الأتراك اليومية، مما أدى إلى استقطاب المجتمع والأحزاب السياسية. هذا يشير إلى أن البعد الأمني، رغم هيمنته، لم يعد كافيًا وحده لفهم تعقيدات الوضع، وأن للصراع تداعيات اجتماعية وسياسية عميقة داخل تركيا. يترك الفصل سؤالًا مفتوحًا حول كيفية إدارة تركيا لهذه التداعيات الداخلية المتزايدة.
من حيث المنهجية، يعتمد الفصل على أدلة تاريخية وسياسية واضحة. يستشهد المؤلف بقرارات السياسة الخارجية، والتحالفات الدولية (مثل الناتو والاتحاد الأوروبي)، والعمليات العسكرية، والإحصاءات الرسمية (مثل عدد اللاجئين) لبناء حجته. الوظيفة الأساسية لهذه الأدلة هي إظهار الاستمرارية في الأولويات الأمنية التركية عبر الزمن، وتوضيح كيف أن التهديدات الملموسة (مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية) هي التي تقود السلوك التركي في سوريا والمنطقة.
من النقاط القابلة للنقاش في الفصل هي الطريقة التي يُقدم بها الدور الذاتي لتركيا. بينما يصف الفصل تطور السياسة التركية نحو "الاستقلالية" و"التعددية"، فإنه يربط هذا التطور بردود فعل تجاه خيبات أمل من الحلفاء الغربيين. هذا يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه السياسة هي استراتيجية مستقلة بحق أم مجرد رد فعل على الضغوط الخارجية. النقطة الأخرى هي التوصيف المستمر للأكراد السوريين (PYD/YPG) كتنظيم إرهابي مرتبط بـ PKK، وهو ما يعكس الموقف الرسمي التركي، دون تقديم وجهات نظر أخرى حول طبيعة هذه الجماعات أو دورها في محاربة داعش، وهو ما يُظهر أن الفصل يتبنى منظورًا أمنيًا تركيًا واضحًا.
3.المعضلة الأمنية في العلاقات التركية السورية: الخلفية التاريخية والديناميكيات الحالية47–57▼ ملخص
يسعى هذا الفصل إلى تقديم تحليل تاريخي للعلاقات التركية السورية، مؤكداً على هيمنة الاعتبارات الأمنية عليها منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. يجادل المؤلف بأن هذه العلاقات، باستثناء فترة وجيزة من التعاون الوثيق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتسمت بعدم الثقة والصراع. ويقسم الفصل تاريخ العلاقة إلى ست مراحل متميزة، موضحاً كيف أن كل مرحلة ساهمت في تشكيل "المعضلة الأمنية" المستمرة بين البلدين. الجوهر الذي يقدمه المؤلف هو أن الصراع ليس مجرد نتيجة لخلافات ثنائية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
يبدأ الفصل بمناقشة قضية لواء إسكندرون (هاتاي) كأول بذرة للخلاف. فبعد أن كانت سوريا تحت الانتداب الفرنسي، حصلت هاتاي على حكم ذاتي، ثم ألحقت بتركيا في عام 1939 بعد مفاوضات طويلة. تعتبر سوريا هذا الضم خسارة كبرى، ورغم توقيع اتفاقية لاحقة في عام 1946 اعترفت بموجبها سوريا بتركيا مقابل عدم المطالبة بهاتاي، إلا أن القضية ظلت حية في الخطاب السوري الذي ظل يظهر هاتاي كأرض "مغتصبة".
في المرحلة الثانية، من عام 1946 إلى 1960، تهيمن الحرب الباردة على المشهد. انخرطت تركيا بقوة في التحالف الغربي، ولعبت دوراً محورياً في إنشاء حلف بغداد عام 1955، مما وضعها في مواجهة التيار القومي العربي بقيادة مصر وسوريا. بلغ التوتر ذروته في صيف 1957 عندما حشدت تركيا قواتها على الحدود السورية، بدعم أمريكي، للتحرك ضد ما اعتبرته "التبعية السوفيتية" لسوريا. تم نزع فتيل الأزمة بفضل تدخل دولي، لكنها مثلت مثالاً واضحاً على كيف يمكن للنظام ثنائي القطب أن يدفع بعلاقة ثنائية نحو صراع مسلح.
مع بداية الستينيات، ظهرت مشكلة جديدة: المياه. بدأت تركيا وسوريا في بناء السدود على نهري دجلة والفرات، مما أدى إلى نزاع حول تقاسم المياه. تعتبر تركيا الأنهار عابرة للحدود وتملك السيادة على استخدامها، بينما تعتبرها سوريا والعراق دولية وتتطلب اتفاقاً. أزمة سد كبان التركي عام 1974، حيث خفضت تركيا تدفق المياه أثناء ملء السد، أثارت ردود فعل غاضبة من سوريا والعراق. هذا الخلاف حول المياه أصبح أكثر حدة وارتبط بمشاكل أخرى في العلاقة، مما ساهم في توتيرها.
تدخل العلاقات في مرحلة الصراع الحاد من 1980 حتى 1998، والتي تشهد إضافة عنصر جديد: الإرهاب ممثلاً في حزب العمال الكردستاني (بي كا كا). يوضح الفصل كيف أن سوريا، لأسباب تتعلق بنزاع المياه والشعور بالتهديد من تركيا، قامت بإيواء زعيم الحزب عبد الله أوجلان في دمشق وتدريب عناصره في وادي البقاع بلبنان. هذا الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي بدأ هجماته عام 1984، أصبح القضية الأهم بالنسبة لتركيا. ربطت سوريا بشكل علني بين قضية المياه ودعمها للحزب، مما دفع تركيا للرد ببدء مشروع الأناضول الجنوبي الشرقي (GAP) العملاق. تسبب هذا المشروع في توتر إضافي وسعت سوريا والعراق لمنع حصول تركيا على تمويل دولي له، مما اضطر تركيا لتمويله من ميزانيتها الوطنية.
تصاعدت حدة التوتر في التسعينيات بسبب شعور تركيا بتطويق استراتيجي بعد انتهاء الحرب الباردة. في المقابل، شعرت سوريا بالتهديد من التحالف التركي الإسرائيلي المتنامي، والذي وصفه نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام بأنه "التهديد الأكبر للعرب منذ 1948". بلغت الأزمة ذروتها في عام 1998 عندما هددت تركيا صراحةً باتخاذ إجراءات عسكرية. حشدت تركيا 10,000 جندي على الحدود، مما أجبر سوريا على التراجع وطرد أوجلان من دمشق، وبلغت ذروتها بتوقيع اتفاقية أضنة في 20 أكتوبر 1998 والتي أغلقت معسكرات تدريب حزب العمال الكردستاني في سوريا. يقدم الفصل وجهة نظر سورية مثيرة للاهتمام من الرئيس بشار الأسد بأن طرد أوجلان لم يكن بدافع الخوف بل اختياراً للصداقة مع تركيا بدلاً من الأكراد.
بعد هذا الصراع الحاد، دخلت العلاقات في فترة من التعاون غير المسبوق بين 1999 و2011. ساهمت عدة عوامل في هذا التحول: التغيير في القيادة السورية بصعود بشار الأسد عام 2000، ووصول حزب العدالة والتنمية (AKP) إلى السلطة في تركيا عام 2002، بالإضافة إلى القلق المشترك من الحرب في العراق واحتمال قيام دولة كردية مستقلة. تجلى التعاون في زيارات رفيعة المستوى، وأهمها زيارة الأسد لتركيا في يناير 2004، حيث وقع على وثائق اعترفت ضمنياً بهاتاي كأراضٍ تركية. خلال هذه الفترة، تم توقيع اتفاقية تجارة حرة (دخلت حيز التنفيذ 2007) ورفع التأشيرات عام 2009، مما أدى إلى قفزة في حجم التبادل التجاري من 1.08 مليار دولار إلى 2.3 مليار دولار بحلول 2010. تم تحويل قضية المياه إلى "قضية تقنية"، وتم الاتفاق على بناء سد الصداقة على نهر العاصي في فبراير 2011، وهو ما يُعتبر تنازلاً سورياً نهائياً عن المطالبات الإقليمية بهاتاي. لعبت تركيا دور الوسيط في محادثات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وبدا أن "المعضلة الأمنية" قد أصبحت شيئاً من الماضي.
انتهت فترة "شهر العسل" بشكل مفاجئ مع اندلاع الانتفاضة السورية في مارس 2011. يصف الفصل تحول تركيا من سياسة حذرة في البداية إلى دعم صريح لتغيير النظام بعد لقاء وزير الخارجية داود أوغلو مع الأسد في أغسطس 2011. في هذا اللقاء، رفض الأسد النصائح التركية بالبدء بإصلاحات، قائلاً إن "أيام السلطان العثماني ولى" وإن سوريا لن تقبل "عودة العثمانية". بعد هذا القطيعة، فتحت تركيا حدودها أمام المعارضة السورية المسلحة، مما أدى إلى ظهور مشاكل أمنية جديدة مثل تدفق آلاف المقاتلين الأجانب عبر حدودها للانضمام لجماعات مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية (داعش).
يتناول الفصل بالتفصيل عودة "المعضلة الأمنية" بعد 2011 من خلال عدة قضايا رئيسية. أولاً، قضية اللاجئين السوريين، حيث تحولوا من ضيوف إلى مشكلة داخلية طاحنة بعد فشل سقوط الأسد، وأصبحت قضية سياسية رئيسية في الانتخابات التركية. ثانياً، العودة القوية لتهديد حزب العمال الكردستاني عبر ذراعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب (YPG). مع تحول سوريا إلى دعم هذه الجماعات رداً على الموقف التركي، أصبحت تركيا تركز على منع تشكل كيان كردي في شمال سوريا، ونفذت عمليات عسكرية عبر الحدود مثل درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018) ونبع السلام (2019) ودرع الربيع (2020) لإنشاء "مناطق عازلة". يخلص الفصل إلى أن أمن تركيا أصبح الآن مرتبطاً بشكل معقد بمنع تعاظم قوة PYD/YPG في سوريا، بينما تطالب سوريا بانسحاب القوات التركية المدعومة بما يسمى الجيش الوطني السوري كشرط مسبق لأي تطبيع.
في الختام، يعترف الفصل بأن التطبيع بين البلدين أصبح صعباً بسبب تناقض المطالب. تركيا تريد تأمين حدودها عبر مناطق عازلة والتحكم في قوة الأكراد، بينما سوريا (بدعم من روسيا وإيران في إطار عملية أستانا) تريد استعادة سيطرتها على كامل أراضيها وإنهاء الوجود العسكري التركي. يشير المؤلف إلى أن متطلبات كل جانب تستبعد الأخرى حالياً، مما يرجح استمرار هيمنة المنظور الأمني على العلاقات في المستقبل المنظور. يقر الفصل ضمنياً بصعوبة التنبؤ بمسار العلاقات وأن الأسئلة المتعلقة بكيفية حلحل هذا الجمود تظل مفتوحة.
من الحجج القابلة للنقاش في النص هي مسألة "الدوافع" السورية لإيواء حزب العمال الكردستاني. فبينما يطرح المؤلف وجهة النظر السورية التي تبرر ذلك كورقة ضغط لتحسين شروطها في ملف المياه، إلا أن هذه النظرة تتعارض مع الفرضية القائلة بأن دعم جماعة إرهابية ضد دولة جارة هو عمل عدائي بغض النظر عن الأسباب. كما أن تفسير الأسد للتراجع في أزمة 1998 على أنه "اختيار للصداقة" وليس خوفاً من القوة العسكرية التركية، هو سردية يمكن الطعن فيها بناءً على تسلسل الأحداث الواضح، حيث سبقت التهديدات العسكرية التركية المباشرة هذا التراجع.
4.التدخل كأداة أمنية في السياسة الخارجية التركية58–67▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل تحليلاً لكيفية تحوّل التدخل العسكري التركي في شمال سوريا إلى أداة أمنية مركزية في السياسة الخارجية التركية، خصوصاً بعد العام 2016. يجيب الكاتب بأن هذه التدخلات لم تكن مجرد ردود فعل عسكرية، بل هي أدوات استُخدمت لـ"تأمين" التهديدات (أي بناؤها خطابياً كتهديدات وجودية) ولإعادة تموضع تركيا كلاعب فاعل في المنطقة، متجاوزةً بذلك دورها السابق كدولة تتفاعل مع الأحداث. الحجة المحورية هي أن العمليات العسكرية عبر الحدود، مثل درع الفرات و غصن الزيتون و نبع السلام، خدمت غرضاً مزدوجاً: حماية الأمن القومي (مواجهة تهديدات داعش و وحدات حماية الشعب التي تعتبر امتداداً لـ حزب العمال الكردستاني)، وفي الوقت نفسه، كانت بمثابة أدوات "تأمينية" تُستخدم لبناء خطاب سياسي موجه للجماهير المحلية والدولية، ولإظهار القوة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال بناء إطار نظري، ثم تطبيقه على الحالة التركية. يبدأ بالتمييز بين أدوات السياسة الخارجية (القوة الناعمة والصلبة)، مقتفياً تصنيف بترتش للأدوات إلى أربع فئات: اقتصادية، ودبلوماسية، وثقافية، وعسكرية. يشير إلى أن الأداة العسكرية هي أداة قوة صلبة، لكنه ينتقل بعد ذلك إلى مفهوم أكثر دقة وهو الفرق بين "الأدوات الأمنية" و "أدوات التأمين". يشرح أن أدوات التأمين لا تتعامل مع تهديد موجود بشكل طبيعي، بل تقوم ببناء هذا التهديد خطابياً وتحويل موضوع معين (مثل منظمة سياسية) إلى تهديد وجودي يستوجب إجراءات استثنائية. يطبق هذا الإطار على تركيا، مدعياً أن العمليات العسكرية لم تكن مجرد رد على تهديدات أمنية حقيقية، بل كانت أيضاً عملية بناء خطابي تم من خلاله إعادة تعريف حزب العمال الكردستاني و وحدات حماية الشعب كتهديد وجودي، في حين تم استثناء الجيش السوري الحر من هذا البناء التهديدي، مما يعكس منطق "صديق عدوي هو عدوي".
يتناول الفصل بالتفصيل التحول في السياسة التركية من مرحلة "البقاء" إلى مرحلة "عدم التسامح" (صفر مشاكل مع الجيران تحولت إلى صفر تسامح مع التهديدات). يذكر أن هذا التحول تسارع بعد انهيار مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني في 2015 ومحاولة الانقلاب في 2016. هنا، يقدم الكاتب ثلاثة مستويات للتغيير في السياسة التركية: تغيير في السياسة نفسها (من السياسات الناعمة إلى السياسات الصلبة)، وتغيير في البرنامج أو الأدوات (الانتقال من الدبلوماسية والاقتصاد إلى الأداة العسكرية كأداة رئيسية)، وتغيير في الهدف (من بناء الهيمنة الإقليمية إلى تحييد التنظيمات الإرهابية ومنع إنشاء ممر كردي).
يحلل الفصل ثلاث عمليات عسكرية رئيسية كأمثلة على هذه الأداة الأمنية-التأمينية. عملية درع الفرات (بدأت في 24 أغسطس 2016) كانت الأولى، وتم تقديمها كرد فعل على هجمات صاروخية من مدينة جرابلس، وبهدف مزدوج: طرد داعش والحد من التوسع الإقليمي لـ وحدات حماية الشعب. يبرز الكاتب أن بدء العملية بعد شهر واحد فقط من محاولة الانقلاب كان مؤشراً هاماً على استخدامها كورقة لإظهار قوة الدولة. عملية غصن الزيتون (يناير 2018) في منطقة عفرين، استهدفت بشكل خاص وحدات حماية الشعب، وكان إعلان الولايات المتحدة عن تشكيل "قوة حدودية" قوامها 30,000 جندي بقيادة وحدات حماية الشعب هو المحفز المباشر لها. يرى الكاتب أن الهدف كان منع إنشاء ممر كردي يصل إلى البحر المتوسط. عملية نبع السلام (أكتوبر 2019) استهدفت شمال شرق سوريا، وأسفرت عن اتفاق مع روسيا في سوتشي لإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كيلومتراً وطول 480 كيلومتراً، واعترفت الولايات المتحدة بشرعية المخاوف الأمنية التركية. يذكر الكاتب أن هذه الاتفاقات، رغم اعترافها بشرعية المصالح التركية، تظل مشكوكاً في جديتها بسبب استمرار الدعم العسكري الأمريكي لـ وحدات حماية الشعب.
في الختام، يعترف الكاتب بأن التحديات التي واجهتها تركيا لم تكن أمنية فحسب، بل شملت أيضاً أزمة إنسانية هائلة تمثلت باستضافة ملايين اللاجئين السوريين، مما جعل العمليات العسكرية بمثابة تدخل إنساني أيضاً. يقر الكاتب بأن الفصل يترك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية هذه الاستراتيجية على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق باستدامة "المناطق الآمنة" وحل مشكلة اللاجئين، والعلاقة المتوترة مع الحلفاء التقليديين (الولايات المتحدة) والنظام العالمي (الأمم المتحدة). كما يشير إلى أن بناء هذه العمليات كأدوات تأمينية جعل تركيا تنتقل من كونها "مكوناً معزولاً" في المنطقة إلى أحد "الفاعلين الحاكمين" فيها.
حجة قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه: بينما يؤكد الكاتب أن العمليات كانت مزيجاً من أدوات أمنية وتأمينية، يمكن القول إن التمييز بين "التهديد الحقيقي" و "التهديد المُبنى خطابياً" يبقى ضبابياً في السياق التركي. فمن ناحية، توجد تهديدات أمنية حقيقية وملموسة من داعش و حزب العمال الكردستاني / وحدات حماية الشعب (مثل الهجمات الصاروخية والتفجيرات). ومن ناحية أخرى، يجادل الكاتب بأن هذه التهديدات تم تضخيمها خطابياً لتحقيق أهداف سياسية داخلية (إظهار القوة بعد الانقلاب) وخارجية (إعادة تعريف العلاقات مع القوى الكبرى). هذا الخلط يجعل من الصعب الفصل بين الدوافع الأمنية الموضوعية والبناء السياسي الذاتي للتهديد، وهو ما يظل نقطة جدل مركزية في تحليل هذه السياسة.
5.تحديات الأمن وتغير النموذج في محور سياسة تركيا المتحولة تجاه سوريا68–83▼ ملخص
يسعى هذا الفصل، المستمد من كتاب "الأبعاد الأمنية للحرب الأهلية السورية"، إلى تحليل التحول الجذري في السياسة التركية تجاه سوريا. المحور الأساسي الذي يطرحه الكاتب هو أن التهديدات الأمنية المتصاعدة التي تعرضت لها تركيا، والناجمة مباشرة عن الحرب الأهلية السورية وفراغ السلطة الناتج عنها، هي التي شكلت العامل الحاسم في تحويل السياسة التركية من استراتيجية هجومية تهدف إلى تغيير النظام في دمشق إلى سياسة أمنية دفاعية تركز على حماية الحدود ومكافحة الإرهاب.
يبدأ الفصل بتوصيف الموقف التركي الأولي، الذي كان هجومياً وتوسعياً. فقد رأت حكومة حزب العدالة والتنمية في الانتفاضات العربية التي بدأت عام 2010 فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها الإقليمي، متبنيةً رؤية وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو الذي وصف تركيا بأنها "رائدة موجة التغيير في الشرق الأوسط". استبدلت أنقرة سياسة "صفر مشاكل مع الجيران" بنهج أكثر حزماً، وتدخلت بشكل مباشر في الشأن السوري منذ مطلع 2011، مستضيفة المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً. فقد عُقد أول اجتماع للمعارضة السورية في إسطنبول في أبريل 2011، وتلاه اجتماع آخر في أنطاليا في يونيو 2011، ثم أُعلن في إسطنبول في أغسطس 2011 عن تشكيل "المجلس الوطني السوري". كذلك، أُعلن عن تشكيل "جيش سوريا الحر" على يد العقيد رياض الأسعد في يوليو 2011. هذا الدعم المكشوف للمعارضة، وخاصة لتيار الإخوان المسلمين، كان جزءاً من سياسة "تعظيم القوة" التي يتبناها كاتب الفصل مستنداً إلى نظريات الواقعية الهجومية، حيث سعت أنقرة لاستغلال ما اعتبرته فرصة لإسقاط نظام الأسد.
لكن هذا التوجه واجه عقبات حاسمة كشفت عن حسابات خاطئة. يعدد الكاتب عاملين رئيسيين أضعفا الاستراتيجية التركية. الأول، الدعم العسكري والدبلوماسي القوي الذي تلقاه نظام الأسد من روسيا وإيران والصين، مما أحبط مساعي أنقرة على المستوى الدولي. والثاني، سوء التقدير التركي لمتانة النظام السوري ولطول أمد الحرب. هذا التقدير الخاطئ أدى إلى تبني سياسة "الباب المفتوح" للاجئين السوريين، حيث كانت أنقرة تتوقع سقوطاً وشيكاً للنظام، صرّح به رئيس الوزراء أردوغان في يوليو 2012 قائلاً: "الأسد ماضٍ". نتيجة لذلك، تضخم عدد اللاجئين الهائل من 14,237 لاجئاً في بداية 2012 إلى أكثر من 1.5 مليون بحلول يناير 2014، مما شكل ضغطاً ديموغرافياً وأمنياً غير مسبوق. وقد فشلت مساعي تركيا لإنشاء "منطقة آمنة" داخل سوريا، بسبب رفض الولايات المتحدة بقيادة أوباما التدخل العسكري المباشر، وهو ما عمّق هوة عدم الثقة بين الحليفين.
يخصص الفصل قسماً مهماً لتحليل كيفية تحول الصراع إلى أرض خصبة للتطرف وانتشار العنف. يشير الكاتب إلى أن النظام السوري ساهم عمداً في تأجيج النزعة الطائفية وأيديولوجية "التكفير" كأداة لقمع المعارضة. مع ظهور جبهة النصرة في يناير 2012، ثم إعلان أبو بكر البغدادي عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في أبريل 2013، تغيرت طبيعة الصراع. أصبحت الحرب، على حد تعبير داود أوغلو، "فصل الشتاء القاتل" بعد أن كانت "ربيعاً تركياً". أدى صعود داعش إلى شرعنة نظام الأسد دولياً كشريك في مكافحة الإرهاب، وزاد من الفجوة بين تركيا والغرب. فبينما ركزت تركيا على إسقاط الأسد، كان الهم الأكبر للغرب، كما صرّح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، هو مواجهة جبهة النصرة، بينما رأى داود أوغلو أن استمرار عنف النظام هو ما يغذي التطرف. هذا التباين في الأولويات أفشل الاستراتيجية التركية.
الجزء الأعمق من الفصل يتناول "نقاط الضعف الأمنية" التي خلّقها الفراغ في شمال سوريا، والتي صنفها الكاتب إلى أزمتين: داخلية وخارجية. بالنسبة للأزمة الداخلية، أدى عدم القدرة على ضبط الحدود الطويلة بين تركيا وسوريا، والذي تفاقم بفعل سياسة الباب المفتوح، إلى تسلل إرهابيين وتنفيذ هجمات دامية في المدن التركية. يورد الكاتب أرقاماً مهمة، منها تسجيل 78,011 حادثة حدودية واعتقال 397,216 شخصاً بين يناير 2011 ويونيو 2016. بلغت الهجمات ذروتها في عامي 2015 و2016، ويتضمن الفصل جدولاً يعدّد هجمات كبرى، أبرزها تفجيرا الريحانية في مايو 2013 الذي أسفر عن 52 قتيلاً، وتفجير سروج في يوليو 2015 الذي نفذه داعش وأدى لمقتل 33 شخصاً، وتفجير أنقرة في أكتوبر 2015 الذي خلف 102 قتيل، وتفجير مطار أتاتورك في يونيو 2016 الذي أودى بـ 41 شخصاً. كانت هذه الهجمات تتناوب بين تنظيمي داعش وحزب العمال الكردستاني (PKK)، مما جعل الأمن الداخلي أولوية قصوى.
أما الأزمة الخارجية، فتمثلت في استغلال التنظيمات الإرهابية للفراغ في شمال سوريا لإنشاء كيانات شبه مستقلة على طول الحدود التركية. يُركز الفصل على منظمتين رئيسيتين: تنظيم داعش الذي سيطر على مناطق استراتيجية مثل الرقة ودير الزور، مما عزز شرعية النظام وأربك الأولويات الدولية. والثانية، والأكثر خطورة من وجهة نظر تركيا، هي وحدات حماية الشعب (YPG)، الذراع السوري لـ حزب العمال الكردستاني (PKK)، والتي استغلت انسحاب قوات النظام من شمال سوريا في يوليو 2012 لفرض سيطرتها على مناطق واسعة، معلنةً "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" (روجافا) في نوفمبر 2013، ثم "نظاماً فدرالياً موسعاً" في مارس 2016. يوضح الكاتب كيف تحولت هذه التنظيمات، خاصة YPG، من مجرد جماعات مسلحة إلى جيران جدد لتركيا على طول حدودها، مما شكل تهديداً وجودياً، خاصة بعد أن أصبحت YPG الحليف الأرضي الرئيسي للولايات المتحدة في محاربة داعش. بحلول نهاية 2015، كانت YPG تسيطر على 632 كيلومتراً من أصل 911 كيلومتراً هي طول الحدود التركية السورية.
أمام هذه التهديدات الأمنية المركبة، يصف الفصل حدوث "تحول نموذجي" في السياسة التركية بدءاً من عام 2016، والذي يعتبره الكاتب بمثابة "تصحيح ذاتي استراتيجي". تلاشت أولوية إسقاط الأسد لتحل محلها أولوية القضاء على التهديدات الإرهابية على الحدود. وُصفت هذه الضغوط الأمنية بأنها "صدمات خارجية" أجبرت أنقرة على تغيير مسارها. تجلى هذا التحول في عدة إجراءات ملموسة. أولاً، الانتقال من سياسة الباب المفتوح إلى سياسة الحدود المغلقة، حيث تم إقرار تأشيرات دخول جديدة للسوريين في يناير 2016، وإغلاق 16 من أصل 19 معبراً حدودياً، وبناء "جدار تركي كبير" على الحدود، وهو ثالث أطول جدار أمني في العالم بعد سور الصين العظيم والحدود الأمريكية المكسيكية، والذي اكتمل بناؤه في عام 2018.
ثانياً، والأكثر دراماتيكية، تمثل التحول في "عسكرة" السياسة التركية، أي الانتقال من الحرب بالوكالة إلى التدخل العسكري المباشر. يشرح الكاتب كيف أن تركيا، بعد أن فشلت في إقناع الولايات المتحدة بوقف دعمها لـ YPG، اضطرت لتطبيع علاقاتها مع روسيا (بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر 2015) لتمهيد الطريق لعملياتها. في أغسطس 2016، أطلقت تركيا عملية "درع الفرات" لطرد التنظيمات الإرهابية من منطقة مثلث جرابلس، أعزاز، الباب ومنع YPG من توحيد أراضيها. تبعتها عملية "غصن الزيتون" في يناير 2018 للسيطرة على منطقة عفرين، ثم عملية "نبع السلام" في أكتوبر 2019 لإنشاء منطقة آمنة بين تل أبيض ورأس العين بهدف إبعاد YPG عن الحدود وتوطين اللاجئين. يصف الكاتب هذه العمليات بأنها استراتيجية "أمر واقع" لفرض السيطرة دون الحرب الشاملة.
في خاتمة الفصل، يُخلص الكاتب إلى أن طموحات تركيا الأولية كانت مبنية على "خداع ذاتي متهور" بدلاً من "صبر استراتيجي"، وفقاً لمصطلحات المحلل بريجنسكي. لقد بالغ صانعو القرار الأتراك في تقدير قدراتهم، مما عرّض البلاد لتهديدات أمنية غير مسبوقة. النتيجة النهائية هي تحول جذري في السياسة التركية من التوسع إلى الاحتواء، ومن السعي لتغيير النظام إلى إدارة التهديدات. يقر الكاتب بأن تركيا فشلت في إسقاط الأسد ووجدت نفسها محاصرة في دوامة العنف السوري، لكنه يرى أن التحول نحو السياسات الأمنية، رغم كونه نتاجاً لحسابات خاطئة، كان ضرورة حتمية لمواجهة المخاطر الوجودية التي فرضتها الحرب.
ملاحظة تحليلية: يمكن القول إن حجة الكاتب قوية من حيث الربط بين سوء التقدير الأولي والنتائج الأمنية المركبة، ويقدم أدلة وفيرة على هذا التسلسل السببي. ومع ذلك، قد تكون قراءته مختزلة إلى حد ما، حيث يركز بشكل شبه حصري على البعد الأمني كعامل محفز وحيد، ويقلل بشكل كبير من العوامل السياسية والإيديولوجية الداخلية للحزب الحاكم (كالتقارب مع الإخوان المسلمين) والتي كانت دوافع ذاتية لا تقل أهمية عن الحسابات الجيوسياسية. كما أن اعتبار دعم YPG من الولايات المتحدة كعامل محوري في التحول التركي هو تحليل دقيق، لكنه يلقي بثقل كبير على العامل الخارجي وقد لا يعطي وزناً كافياً للديناميكيات الداخلية للحزب الحاكم وعلاقته بالمسألة الكردية.
6.التعاون الأمني التركي الروسي في سوريا: الأسباب الجيوسياسية والأمنية84–96▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول أسباب التعاون الأمني بين تركيا وروسيا في سوريا، ويقدم إجابة مفادها أن هذا التعاون، رغم توتراته، ينبع من تقاطع المصالح الجيوسياسية والأمنية لكل منهما في سياق الحرب الأهلية السورية. يرى الكاتب أن كلا البلدين يتعامل مع الأزمة السورية من منظور براغماتي، حيث تسعى تركيا لتحقيق أمنها القومي عبر مكافحة الإرهاب وحماية حدودها، بينما تسعى روسيا للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط ودعم نظام بشار الأسد، وتقديم الدعم للسياسات التركية طالما لا تتعارض مع مصالحها.
يبدأ الفصل بتتبع تحول السياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة، من النهج الأطلسي الذي فضل التعاون مع الغرب في عهد يلتسين، إلى النهج الأوراسي الأكثر حزماً وحماية للمصالح الوطنية في عهد بوتين. يوضح الكاتب أن هذا التحول جاء نتيجة لخيبة الأمل من الوعود الغربية، وتوسع حلف الناتو شرقاً، والتدخلات العسكرية الغربية في كوسوفو وجورجيا وأوكرانيا. هذا الإطار الأوراسي الجديد هو الذي دفع روسيا لاتخاذ موقف نشط في سوريا، معتبرة إياها ساحة لمنافسة الهيمنة الأمريكية على العالم.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى أهمية سوريا لكل من تركيا وروسيا. بالنسبة لتركيا، تمثل سوريا جاراً حيوياً يقع على مفترق طرق استراتيجي، وتشكل الحرب الأهلية فيها تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي. يوضح الكاتب أن الفراغ السياسي الناتج عن الحرب سمح بظهور منظمات إرهابية مثل داعش وYPG/PYD، والتي شنت هجمات عبر الحدود، مما دفع تركيا لتغيير سياستها من الحوار والدبلوماسية إلى فرض العقوبات ثم التدخلات العسكرية المباشرة مثل عمليات درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام، والمخلب، إضافة إلى مشاكل الهجرة غير النظامية والتهريب.
أما بالنسبة لروسيا، فيشرح الفصل أن سوريا تمثل حليفاً استراتيجياً قديماً منذ الحقبة السوفيتية. يوضح الكاتب أن الأهمية الجيوسياسية لسوريا تكمن في موقعها الذي يطل على البحر المتوسط، مما يمنح روسيا منفذاً إلى المياه الدافئة عبر ميناء طرطوس، الذي تم تجديده بعقد يمتد لـ 49 عاماً. كما أن قاعدة حميميم الجوية تشكل منصة هامة للعمليات العسكرية. علاوة على ذلك، تخشى روسيا من أن يؤدي تغيير النظام في سوريا إلى وصول حكومة موالية للغرب، مما قد يهدد مصالحها الاقتصادية والعسكرية، ويسهل نقل الأفكار المتطرفة إلى مناطق نفوذها في القوقاز وآسيا الوسطى.
يتناول القسم الأخير من الفصل تطور العلاقات التركية الروسية أثناء الحرب. يصف الكاتب ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة الحوار (2011) حيث اتفقت الدولتان على نصح النظام السوري، ومرحلة العقوبات والدعم العسكري التركي للمعارضة (2011-2015) والتي بلغت ذروتها بإسقاط تركيا للطائرة الروسية Su-24 في نوفمبر 2015، مما تسبب بأزمة دبلوماسية حادة. المرحلة الثالثة هي التطبيع بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في يوليو 2016، حيث بدأ التعاون يتجلى في عمليات مثل درع الفرات التي رأت فيها روسيا فرصة لتصفية وجود داعش وإضعاف المعارضة. ويشير الفصل إلى أن منصة أستانا للحوار (2017) شكلت نقطة تحول، حيث اتفقت تركيا وروسيا وإيران على خفض التصعيد والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، رغم اختلاف وجهات نظرهم حول بشار الأسد.
يخلص الكاتب إلى أن العلاقة بين تركيا وروسيا في سوريا تتسم بالتذبذب بين التوتر والتعاون، وتظل مرهونة بتطور الأحداث على الأرض وميزان القوى. يعترف الفصل بتعقيد الموقف، مشيراً إلى أن الهجوم الروسي على الجنود الأتراك في إدلب في فبراير 2020 أدى إلى توتر جديد، سرعان ما تم احتواؤه باتفاق إضافي لوقف إطلاق النار. كذلك، يطرح الكاتب أسئلة مفتوحة حول تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على قدرة روسيا على دعم نظام الأسد، خاصة مع خسائرها العسكرية وإغلاق المضائق التركية. في المحصلة، يقدم الفصل تحليلاً يظهر أن التعاون التركي الروسي هو تعاون تكتيكي براغماتي وليس تحالفاً استراتيجياً، مبني على تقاطع مؤقت للمصالح الأمنية والجيوسياسية أكثر منه على قيم أو رؤى مشتركة.
7.القضية السورية: مصدر تنافس في العلاقات التركية الإيرانية97–113▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل طبيعة التنافس بين تركيا وإيران حول سوريا، ويجادل بأن هذا التنافس هو صراع على النفوذ الإقليمي بين قوتين متوسطتين، وليس عداوة مطلقة تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة. يوضح المؤلف أن كلا البلدين رأى في الأزمة السورية فرصة لتوسيع هيمنته الإقليمية، مستخدماً أدوات القوة الناعمة والصلبة والتحالفات الدولية، لكن نتيجة هذا التنافس حسمتها بشكل أساسي عوامل: التحالف الإيراني العميق مع النظام السوري، ونجاح إيران في بناء تحالف استراتيجي مع روسيا مقابل فشل تركيا في الحفاظ على تحالف قوي مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة.
يبدأ الفصل بعرض الخلفية التاريخية للتنافس التركي الإيراني، والتي تمتد جذورها إلى قرون مضت، وتحديداً إلى معركة تشالديران عام 1514 بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية. على الرغم من هذا الإرث التنافسي، يؤكد المؤلف أن العلاقات بين البلدين، بعد تأسيس الجمهورية التركية، اتسمت بالهدوء الدبلوماسي والتعاون في كثير من الأحيان، مثل معاهدة سعد آباد لعام 1937 وحلف بغداد عام 1955 خلال الحرب الباردة. يشير الفصل إلى أن العلاقات شهدت توتراً بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لكنها سرعان ما استقرت، خاصة في فترة حكم حزب العدالة والتنمية، الذي سعى لسياسة "صفر مشاكل" مع الجيران. ويؤكد المؤلف على أن التنافس لم يتحول إلى عداء مطلق بسبب الاعتماد المتبادل، مثل اعتماد تركيا على الطاقة الإيرانية (حيث استوردت تركيا 16.1% من غازها الطبيعي من إيران بعد روسيا) واعتماد إيران على تركيا كبوابة للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شرح تشكل التحالف الاستراتيجي بين سوريا وإيران، والذي يعود جذوره إلى حرب الخليج الأولى (1980-1988). فبينما وقفت معظم الدول العربية مع العراق، وقفت سوريا بقيادة حافظ الأسد إلى جانب إيران، مما خلق رابطاً استراتيجياً. يتعمق الفصل في أسباب هذا التحالف، ويذكر أن سوريا كانت تسعى إلى حماية نفسها من تهديدات إقليمية ثلاثية: العراق (الذي هدد حقل النفط السوري القريب من الحدود)، وإسرائيل (التي كانت سوريا في حالة حرب معها منذ 1948)، وتركيا (بسبب نزاعات تقاسم مياه نهري دجلة والفرات). من جهة أخرى، كانت إيران، بعد ثورتها وحربها مع العراق، تعاني من العزلة الإقليمية، فكانت سوريا الحليف الوحيد الذي وجدته في محيطها. ساهم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 في تعزيز هذا التحالف، إذ شعرت كل من دمشق وطهران بالتهديد من السياسة الأمريكية، وأصبحت سوريا تشكل جبهة حيوية لإيران للوصول إلى حلفائها مثل حزب الله في لبنان.
يحلل الفصل مرحلة التعاون التي سبقت الأزمة السورية، حيث شهدت العلاقات التركية مع كل من سوريا وإيران تطوراً كبيراً في ظل حكم حزب العدالة والتنمية بعد عام 2002. في هذا السياق، كان المهندس الفكري لهذه السياسة هو أحمد داود أوغلو، كبير مستشاري رئيس الوزراء آنذاك، الذي دعا في كتابه "العمق الاستراتيجي" إلى سياسة خارجية استباقية في الشرق الأوسط. توج هذا التقارب بإبرام حوالي 50 اتفاقية بين تركيا وسوريا لتسوية النزاعات والتعاون، وإقامة مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين في أبريل 2009. كما عملت تركيا كوسيط في مفاوضات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن هذه العلاقة كانت هشة، إذ أن سوريا وتركيا لم تشتركا في رؤية جيوستراتيجية مشتركة للمنطقة، وهو ما ظهر جلياً مع اندلاع الثورات العربية.
يصل الفصل إلى جوهر تحليله في قسم "عصر التنافس: العثمانية الجديدة ضد الهلال الشيعي"، حيث يشرح كيف تبنت كل من تركيا وإيران استراتيجيتين متنافستين في سوريا. مع اندلاع الاحتجاجات، دعت تركيا بقيادة أردوغان، النظام السوري إلى الإصلاح، لكنها سرعان ما تحولت إلى دعم المعارضة المسلحة، مطالبةً برحيل بشار الأسد. يصف المؤلف هذه السياسة بأنها جزء من رؤية "العثمانية الجديدة" التي تسعى لاستعادة النفوذ التركي في المناطق التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية. في المقابل، نظرت إيران إلى الاحتجاجات على أنها مؤامرة غربية وأطلقت عليها اسم "الصحوة الإسلامية"، ووصفتها بأنها فرصة لتصدير ثورتها الإسلامية. تبنت إيران استراتيجية "الهلال الشيعي"، التي تستخدم الروابط الدينية والطائفية مع الشيعة والعلويين في المنطقة لتوسيع نفوذها، ودعمت النظام السوري بقوة.
يتناول الفصل بعد ذلك أدوات القوة التي استخدمها الطرفان. على مستوى القوة الناعمة، استخدمت تركيا خطابها الإسلامي والديمقراطي، ودعمها الإنساني للاجئين (بفتح حدودها وإقامة المخيمات)، وعلاقاتها الثقافية والتاريخية مع تركمان سوريا. كما دعمت المجلس الوطني السوري (الذي تأسس في إسطنبول عام 2011) والجيش السوري الحر كهيئات سياسية وعسكرية للمعارضة. أما إيران، فاستخدمت أيديولوجيتها الثورية المناهضة للغرب وإسرائيل، ودعمها للنظام السوري كجزء من "محور الممانعة"، معتمدة على شبكة وكلائها من الميليشيات الشيعية، وعلى رأسهم حزب الله. على مستوى القوة الصلبة، قامت تركيا بشن عدة عمليات عسكرية في شمال سوريا، مثل درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018) ونبع السلام (2019)، بهدف مكافحة تنظيم داعش وPKK/YPG ومنع قيام إدارة كردية ذاتية على حدودها. في المقابل، تدخلت إيران عسكرياً عبر وكلائها، مثل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، لتدريب القوات الموالية للنظام ودعمها، مع إنكار رسمي لوجود قوات إيرانية على الأرض. يشير الفصل إلى أنه رغم هذا التنافس العسكري، لم يحدث اشتباك مباشر بين الجيشين التركي والإيراني على الأراضي السورية.
أما المحور الحاسم في تحديد نتيجة التنافس، فهو التحالفات الإقليمية والدولية. يوضح الفصل أن إيران تفوقت على تركيا في هذا المجال بفضل تحالفها الاستراتيجي مع روسيا. بينما كانت تركيا تعاني من توتر في علاقاتها مع الولايات المتحدة بسبب رفضها فتح جبهة ضد العراق عام 2003، والدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية (YPG) في سوريا، ومحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 وإيواء الولايات المتحدة لزعيم منظمة غولن. في المقابل، شكلت روسيا وإيران حلفاً قوياً دعما النظام السوري عسكرياً وسياسياً، مما حال دون سقوطه. أدى هذا الأمر إلى إعادة تموضع تركيا، حيث اضطرت إلى التعاون مع إيران وروسيا عبر مسار أستانا الذي بدأ عام 2017، بهدف خفض التصعيد وإنشاء مناطق "خفض التوتر" في سوريا، بدلاً من السعي لإسقاط الأسد.
يختتم الفصل بالحديث عن مجالات التعاون المستمرة بين تركيا وإيران رغم التنافس. انطلاقاً من مبادرة ثلاثية مع روسيا في يونيو 2016، أدى "مسار أستانا" إلى خلق آلية دبلوماسية لتنسيق الجهود، مع الالتزام بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومكافحة الإرهاب. يعترف المؤلف بأن كلا الطرفين يدرك حدود قوتهما واعتماد كل منهما على الآخر، وهو ما يمنع تحول التنافس إلى صراع مدمر. كما يشير إلى أن تركيا، التي أصبحت بحلول عام 2024 الدولة التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين، لا تزال تعتبر قضايا أمن الحدود والإرهاب والهجرة أولويات قصوى. في المقابل، تظل سوريا بالنسبة لإيران مركزاً لاستمرار نفوذها الإقليمي وذراعاً ضد إسرائيل. ويختم الفصل بإشارة إلى الصراع العربي الإسرائيلي الذي اندلع في 7 أكتوبر 2023 كآخر تطور إقليمي يؤثر على الديناميكيات المعقدة للعلاقات التركية الإيرانية.
بناءً على النص وحده، يمكن القول إن حجة الفصل مقنعة في تفسيرها للتنافس التركي الإيراني كمنافسة للهيمنة الإقليمية وليس عداوة وجودية، وأنها تقدم تفسيراً واضحاً لسبب تفوق إيران على تركيا في سوريا، وهو عامل التحالفات الدولية. نقطة القوة في التحليل هي تجنبه التفسيرات الأحادية (كالطائفية فقط) وإبرازه للأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية.
8.الآثار غير المباشرة للحروب الأهلية: حالة سوريا114–137▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل من كتاب "Security Dimensions of Syrian Civil War" الآثار غير المباشرة للحرب الأهلية السورية على الدول المجاورة، وهي تركيا، لبنان، العراق، الأردن، وإسرائيل. يتمحور السؤال الرئيسي حول كيفية تأثير هذه الحرب، التي تحولت من احتجاجات سلمية في مارس 2011 إلى نزاع إقليمي ودولي، على جيران سوريا بشكل مختلف، وما هي أوجه التشابه والاختلاف بين هذه التأثيرات. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن التداعيات كانت متعددة الأوجه وشملت العنف المتصاعد، الهجمات المباشرة، تدفق اللاجئين، وتفاعل المجتمعات المحلية، لكن حدتها وطبيعتها اختلفت حسب موقع الاشتباكات وطبيعة الأطراف المتقاتلة وموقف كل دولة جارة من الصراع.
يسير الفصل وفق بنية منهجية واضحة، مبتدئاً بتحليل الصراع على السيطرة الإقليمية داخل سوريا. يشرح المؤلف كيف أدى انسحاب الجيش السوري من المناطق الريفية والحدودية لتعزيز قبضته على المراكز الحضرية، إلى خلق فراغ أمني استغلته جماعات مسلحة غير حكومية مثل قوات سوريا الديمقراطية (YPG) وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذا التحول جعل الحرب الأهلية صراعاً متعدد الأطراف بين الحكومة السورية والمعارضة وداعش وYPG، مما أثر على الدول المجاورة بدرجات متفاوتة. ففي الجنوب، أدى القتال بدعم من حزب الله لإعادة السيطرة على مناطق مثل القصير وتلكلخ في 2013 إلى امتداد العنف إلى لبنان والأردن. أما في الشمال، فقد شكل صراع السيطرة بين داعش وYPG تهديداً مباشراً لـتركيا والعراق.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل كيفية تسرب العنف عبر الحدود. يوضح أن تركيا كانت الأكثر تضرراً من هذا التسرب، مستشهداً بأمثلة عديدة: سقوط قذائف هاون من سوريا على بلدة أقجة قلعة في أكتوبر 2012 مما أدى لمقتل خمسة مواطنين أتراك، وهجمات داعش بقذائف الهاون على تركيا من بلدة أعزاز في أكتوبر 2013. وبالمثل، عانت إسرائيل من قصف مدفعي وصاروخي من سوريا على مرتفعات الجولان المحتلة، خصوصاً من جماعات مثل حزب الله والجهاد الإسلامي، مما أدى إلى ردود فعل عسكرية إسرائيلية. يعتبر الفصل أن حالة العراق كانت استثنائية بسبب الطبيعة ثنائية الاتجاه للعنف، حيث أن داعش، الذي نشأ في العراق، استغل الفوضى في سوريا ليصبح أكثر قوة ثم عاد ليشن هجمات أكثر دموية في العراق.
يخصص الفصل قسماً للهجمات المتعمدة من قبل أطراف الحرب الأهلية داخل أراضي الدول المجاورة، معتبراً إياها شكلاً آخر من أشكال التداعيات. تبرز تركيا مرة أخرى كمثال رئيسي، حيث تعرضت لتفجيرات دامية مثل تفجير ريحانلي في مايو 2013 الذي أودى بحياة 53 شخصاً، وتفجير سروج في يوليو 2015 الذي تبناه داعش وأدى لمقتل 32 شخصاً. كما تعرض لبنان لهجمات من داعش، أبرزها اجتياح بلدة عرسال في صيف 2014 واحتجاز رهائن من قوى الأمن الداخلي. ويشير الفصل أيضاً إلى أن الأردن أصبح هدفاً لـداعش بعد أن وسع التنظيم نفوذه على حدوده. ولم تقتصر الانتهاكات على الجماعات غير الحكومية، بل تضمنت خروقات حدودية من قبل دول مثل سوريا وروسيا، مثل اختراق الطائرة الحربية الروسية من نوع سو-24 للمجال الجوي التركي في نوفمبر 2015، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية.
يناقش الفصل كيف تفاعلت المجتمعات المحلية في الدول المجاورة مع الأحداث في سوريا، مما شكل بعداً آخر من التداعيات. ففي العراق، شاركت ميليشيات شيعية موالية لإيران مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي في القتال إلى جانب الحكومة السورية، بينما أرسلت حكومة إقليم كردستان قوات البيشمركة لدعم YPG في كوباني. وفي لبنان، أدى انخراط حزب الله المباشر في القتال لدعم الحكومة السورية إلى استهدافه من قبل جماعات معادية مثل كتائب عبد الله عزام. وفي تركيا، أثار حصار داعش لمدينة كوباني في 2014 احتجاجات عنيفة من قبل الجماعات الموالية للأكراد، عُرفت بأحداث "6-7 أكتوبر"، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 شخصاً. أما في الأردن، فكانت التفاعلات أقل تنظيماً واقتصرت على مظاهرات تأييد لبعض أطراف النزاع.
يُسلط الفصل الضوء على قضية اللاجئين السوريين كواحدة من أبرز التداعيات وأكثرها استدامة. يوضح كيف أدى تصاعد العنف في مناطق مختلفة إلى موجات نزوح ضخمة. فعلى سبيل المثال، أدت الاشتباكات بين الحكومة والمعارضة في حلب خلال 2013 و2014 إلى تدفق لاجئين إلى تركيا، بينما تسبب قصف مدينة القصير على الحدود اللبنانية في مارس 2012 في نزوح حوالي 2,000 شخص إلى لبنان. ويقدم الفصل إحصائية رئيسية تفيد بأن عدد اللاجئين السوريين المسجلين في الدول المجاورة حتى مارس-أبريل 2018 بلغ حوالي 5.48 مليون من أصل 5.64 مليون إجمالي، موزعين بواقع 3,567,130 في تركيا، و991,165 في لبنان، و661,747 في الأردن، و248,382 في العراق.
أخيراً، يستعرض الفصل استجابات الدول المجاورة للتهديدات القادمة من سوريا، مؤكداً على تنوع هذه الاستجابات. استخدمت تركيا القوة العسكرية بشكل مكثف، بدءاً من عمليات محدودة مثل عملية "شاه الفرات" في فبراير 2015 لإجلاء ضريح سليمان شاه، وصولاً إلى عمليات شاملة مثل "درع الفرات" (أغسطس 2016 - مارس 2017) و"غصن الزيتون" (يناير - مارس 2018) و"نبع السلام" (أكتوبر 2019) لاستهداف كل من داعش وYPG. في المقابل، اعتمدت إسرائيل على ضربات جوية أحادية الجانب، مستهدفة بشكل خاص مواقع حزب الله والقوات الإيرانية في سوريا، حيث شنت أكثر من 200 غارة بين 2017 و2018 وحدها. أما العراق ولبنان، فرغم محاولتهما البقاء على الحياد، اضطرا لاستخدام وسائل عسكرية محدودة: العراق عبر عملية ضد داعش في أبو كمال (أبريل 2014) والانضمام للتحالف الذي تقوده روسيا، ولبنان عبر عملية عسكرية بالتعاون مع حزب الله في 2017 على حدوده. وانضمت الأردن أيضاً للتحالف الدولي ضد داعش بعد حادثة إعدام طيارها الأسير في يناير 2015.
في خاتمة الفصل، يُقر المؤلف بأن الحرب التي بدأت كمطالبة بالتغيير تحولت إلى صراع شامل شاركت فيه أطراف إقليمية ودولية متعددة. ويؤكد أن جميع جيران سوريا، رغم اختلاف استجاباتهم وطبيعة التهديدات التي واجهوها، اشتركوا في ثلاث نقاط رئيسية: أولاً، جميعهم استخدموا القوة العسكرية بدرجات متفاوتة داخل سوريا. ثانياً، جميعهم كانوا أهدافاً لهجمات من جماعات مسلحة غير حكومية، وإن اختلفت هذه الجماعات (داعش، حزب الله، الجهاد الإسلامي). ثالثاً، جميعهم عانوا من مشكلة اللاجئين باستثناء إسرائيل. ويخلص إلى أن الاختلافات في شدة هذه التداعيات تعود إلى عوامل مثل طول الحدود، توقيت استقرار الجبهات (الجنوبية استقرت أبكر من الشمالية)، وطبيعة الأطراف المتقاتلة على كل حدود. يُترك القارئ مع فهم أن التداعيات لم تكن مجرد امتداد جغرافي للعنف، بل شملت أبعاداً سياسية وأمنية وإنسانية معقدة، وأن كل دولة جارة عاشت تجربة فريدة لكنها متصلة بسياقات الصراع الأوسع.
10.المقاتلون الأجانب لتنظيم داعش وتهديدهم الأمني: تجربة تركيا (2014-2016)140–157▼ ملخص
المقاتلون الأجانب تحولوا من متطوعين نكران ذات يُنظر إليهم بإعجاب تاريخي، مثل اللورد بايرون الذي قاتل في الثورة اليونانية أو إرنست همنغواي في الحرب الأهلية الإسبانية، إلى إرهابيين مجرمين بموجب القانون الدولي. هذا التحول هو الموضوع المحوري للفصل، الذي يجيب بأن المقاتلين الأجانب المعاصرين، وتحديداً أولئك المنتمون لتنظيم داعش، يشكلون تهديداً أمنياً عالمياً لأنهم ينشرون العنف من مناطق النزاع إلى دول أخرى، بما في ذلك دولهم الأصلية. المؤلف، حمدون يالجينكايا، يختبر فرضية "الارتداد" أو "تأثير الانتكاسة" التي تؤكد أن عودة هؤلاء المقاتلين تؤدي إلى عمليات إرهابية أكثر دموية.
يبدأ الفصل بتأصيل المفهوم تاريخياً، موضحاً أن ظاهرة المقاتلين الأجانب ليست جديدة، لكنها تطورت بشكل خطير منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان 1979. يقسم المؤلف تطور المقاتلين ذوي المرجعية الإسلامية إلى ثلاث مراحل: الأولى (1979-2001) شهدت قتالهم في أفغانستان والبوسنة والشيشان كمتطوعين شرعيين. الثانية (2001-2011) تمثلت بمقاتلي القاعدة في العراق وأفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر، واعتُبروا إرهابيين لكن دون تنظيم قانوني دولي شامل. الثالثة (2011 فصاعداً) هي مرحلة داعش، حيث تم تجريمهم دولياً بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2178 الصادر في 24 سبتمبر 2014، والذي عرّف "المقاتل الإرهابي الأجنبي" بشكل ملزم قانوناً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. هذا القرار يجرّم حتى السفر بغرض الإعداد لأعمال إرهابية.
يعتمد الفصل على أربعة تعريفات أكاديمية للمقاتل الأجنبي، أبرزها تعريف ديفيد ماليت (غير مواطن ينضم لتمرد أثناء حرب أهلية) وتعريف توماس هيغهامر الذي طوره ليشمل من يغادر "الغرب" للقتال. يقترح المؤلف تعريفاً جامعاً: شخص من بلد أجنبي يذهب لمنطقة نزاع دون صلة قرابة أو مواطنة مع الأطراف المتحاربة ودون نية ربح مادي، وينضم لجماعة أو جيش في صراع أهلي أو تمرد أو إرهاب. لكنه يقر بأن الهدف الأكاديمي هو تمكين جمع بيانات شاملة، بينما الهدف القانوني، ممثلاً بقرار الأمم المتحدة، هو تأسيس إطار لمكافحة الظاهرة.
ينتقل الفصل لفحص التهديد نظرياً عبر بيانات تاريخية. يشير إلى أن سجلات سنجار التي تم الاستيلاء عليها في العراق 2007 وتحليلها من مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، تظهر أن معظم المقاتلين الأجانب في العراق قدموا من السعودية وليبيا، وأن سوريا لعبت دوراً رئيسياً في شبكاتهم، وأنهم يُجندون عبر علاقات شخصية لا عبر الإنترنت. دراسة كلينتون واتس لنفس السجلات وجدت أن 84.2% من المقاتلين تم تجنيدهم عبر علاقات اجتماعية. دراسة هيغهامر الكمية "مؤامرات الجهاد في الغرب 1990-2010" توصلت إلى ثلاث نتائج حاسمة: أولاً، تزايد تجنيد المقاتلين الأجانب بشكل مطرد. ثانياً، واحد من كل تسعة عائدين إلى الغرب نفذ هجمات. ثالثاً، فرص نجاح هجوم مميت يرتفع من 33% مع إرهابيين عديمي الخبرة إلى 67% مع مقاتلين عائدين ذوي خبرة قتالية.
يقدم الفصل دراسة حالة تركيا كأول دليل ملموس على نظرية الارتداد. تولت تركيا مواجهة التهديد مبكراً بسبب موقعها الجغرافي، فهي تشترك بحدود مع داعش، وكانت معبراً للمقاتلين الأجانب حتى 2015، وتتبع سياسة الباب المفتوح للاجئين السوريين مما جعل حدودها منفذة. يحدد الفصل ثلاثة مصادر تهديد لتركيا: المقاتلون الأجانب العابرون، والعائدون إلى تركيا، واحتمال استيطان مقاتلي داعش فيها بعد هزيمتهم. ويدعم ذلك ببيانات عن 12 هجوماً لداعش على الأراضي التركية بين مارس 2014 ومارس 2016، أسفرت عن مقتل 158 شخصاً وإصابة أكثر من 763. يصنف الفصل الهجمات إلى أربعة أنواع: هجمات عبر الحدود، وهجوم واحد لمقاتل عابر (أولو كيشلا في 20 مارس 2014)، و5 هجمات انتحارية لعائدين (مثل تفجير سروج في 20 يونيو 2015 الذي أودى بـ32 مدنياً، وتفجير أنقرة في 10 أكتوبر 2015 الذي أودى بـ99 شخصاً). يخلص إلى أن هجمات تركيا نفذها مقاتلون عائدون ذوو خبرة، على عكس هجمات الغرب في نفس الفترة التي نفذها متعاطفون عديمو الخبرة تلبية لنداء المتحدث باسم داعش.
يعترف المؤلف بوجود تحفظات وقيود مهمة. أولاً، صعوبة جمع البيانات بسبب عدم الوصول لساحة المعركة وشهادة المدانين، مما يجعل البحث معتمداً على معلومات محدودة من الحكومات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ثانياً، يعترف بأن البيانات التركية تستثني الهجمات المُحبطَة التي لا تشاركها قوات الأمن مع الإعلام. ثالثاً، يقر بأن مناقشة الآثار القانونية لقرار الأمم المتحدة الذي يجرم السفر نفسه هي خارج نطاق الفصل. يترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول صعوبة إعادة تأهيل المقاتلين السلفيين الجهاديين، مشيراً إلى أن الدول تواجه معضلة أمنية: تجاهل مغادرتهم يخلق تهديداً، ومحاولة إعادة دمجهم صعبة للغاية.
في الختام، يقر المؤلف بأن القرار الأممي يقتصر حالياً على مقاتلي داعش فقط، وهو منظور ضيق لأن تأثير الارتداد لا يقتصر على تنظيم واحد. وهذا يشكل حجة قابلة للنقاش: هل يجب توسيع الإطار القانوني ليشمل مقاتلي الجماعات الإرهابية الأخرى؟ بالنظر إلى الأدلة المقدمة، يمكن القول إن الفصل يبني حجة مقنعة تدعمها بيانات كمية ونوعية، لكنها تركز على حالة واحدة (تركيا) وقد لا تكون قابلة للتعميم المطلق على كل السياقات. الفصل يُظهر أن مشكلة المقاتلين الأجانب ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي تهديد متطور ومستمر سيبقى حتى بعد هزيمة داعش جغرافياً، مما يجعل دراسته ووضع استراتيجيات شاملة له أمراً حيوياً.
11.من إزالة الألغام إلى بناء الجدار: تطور سياسة تركيا الحدودية مع سوريا158–169▼ ملخص
يتناول هذا الفصل التطور الكبير في سياسة الأمن الحدودي لتركيا على حدودها مع سوريا، من عمليات إزالة الألغام في أوائل القرن الحادي والعشرين إلى بناء جدار خرساني متكامل مع أنظمة مراقبة متطورة. يقدم المؤلفان بشار بيسال و تشاغلا ليليجي-سولا إجابة واضحة مفادها أن هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية، أبرزها تدهور العلاقات مع النظام السوري، بروز تهديدات إرهابية جديدة مثل داعش و وحدات حماية الشعب (التي تعتبرها تركيا امتداداً لـ حزب العمال الكردستاني)، وتداعيات الحرب الأهلية السورية، وتزايد الضغوط المجتمعية السفلية في تركيا تجاه تدفق اللاجئين السوريين.
يبدأ الفصل بوضع إطار نظري لمفهوم الأمن الحدودي، مميزاً بين النظرة التقليدية التي تركز على الدولة وسيادتها، والنظرة النقدية التي ترى الحدود كمنتجات سياسية واجتماعية متغيرة. يتبنى المؤلفان منظوراً وسطاً يركز على كيفية تطور ممارسات تركيا الحدودية استجابةً لتصوراتها المتغيرة للتهديدات الداخلية والخارجية، مما يسمح بفهم ديناميكي يتجاوز النماذج الجامدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سرد تاريخي لتطور السياسة التركية. يوضح أن التوترات المبكرة في الخمسينيات والثمانينيات دفعت تركيا إلى زرع الألغام بكثافة على حدودها بسبب الصراع مع سوريا التي كانت تدعم حزب العمال الكردستاني وتستضيف زعيمه عبد الله أوجلان. بلغت هذه التوترات ذروتها في خريف 1998، حين هددت تركيا باستخدام القوة، مما أدى إلى طرد سوريا لأوجلان وتوقيع اتفاقية أضنة في أكتوبر 1998، والتي تعهدت فيها سوريا بوقف دعمها للحزب. هذا التحسن في العلاقات، إلى جانب صعود حزب العدالة والتنمية وسياسة "صفر مشاكل" مع الجيران، أدى إلى تخفيف الإجراءات الأمنية على الحدود وتوقيع تركيا على اتفاقية أوتاوا في سبتمبر 2003 لإزالة الألغام خلال 10 سنوات، واتباع سياسة "الحدود المفتوحة" في السنوات الأولى للانتفاضات العربية.
يشرح الفصل كيف أدى امتداد الحرب الأهلية السورية إلى تغيير جذري في هذه السياسة. بحلول عام 2014، أصبحت مشكلة الهجرة الجماعية غير قابلة للسيطرة، وبدأت الجماعات المسلحة مثل داعش و وحدات حماية الشعب تهدد الأمن التركي بشكل مباشر. أدى ذلك إلى تحول نحو سياسة "صفر تسامح" في عام 2016، مع بدء بناء الجدار الخرساني على الحدود، والذي اكتمل بحلول 2021. هذا الجدار مجهز بأبراج مراقبة، طرق دوريات، أنظمة إضاءة، وأجهزة استشعار صوتية. يذكر الفصل أن جزءاً من تمويل هذه البنية التحتية جاء من الاتحاد الأوروبي الذي منح تركيا 83 مليون يورو بشرط استخدامها لتأمين الحدود مع سوريا.
يتناول الفصل بالتفصيل تحول الإرهاب من قضية أمن داخلي إلى تهديد إقليمي، مما دفع تركيا إلى تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية عبر الحدود. يذكر الفصل ثلاث عمليات رئيسية: درع الفرات في أغسطس 2016، و غصن الزيتون في يناير 2018، و نبع السلام في أكتوبر 2019. كانت هذه العمليات تهدف إلى تطهير الحدود من تهديدات داعش و وحدات حماية الشعب، وإنشاء منطقة آمنة أو منطقة عازلة. يقدم الفصل تبريراً مزدوجاً لهذه العمليات: دفع التهديد الإرهابي بعيداً عن الحدود، وتمكين عودة آمنة للاجئين السوريين إلى مناطقهم، خاصة في ظل تزايد الضغوط الشعبية السفلية ضدهم داخل تركيا. يشير المؤلفان إلى أن التحالف الاستراتيجي بين تركيا والولايات المتحدة ضعف مع مرور الوقت بسبب اختلاف الأولويات، لا سيما الدعم الأمريكي لـ وحدات حماية الشعب، مما دفع تركيا نحو سياسة أكثر حزماً واستقلالية.
أخيراً، يركز الفصل على الجانب التكنولوجي في إدارة الحدود. يوضح أن تركيا تدمج حالياً بين الحواجز المادية (847 كيلومتراً من الجدار الخرساني من أصل 911 كيلومتراً طول الحدود) و317 كيلومتراً من الخنادق (من أصل 657 كيلومتراً مخططاً لها)، مع أنظمة مراقبة إلكترونية متطورة. تشمل هذه الأنظمة طائرات بدون طيار (UAVs)، ونظام ASELSAN DragonEye للاستشعار الكهروضوئي، ونظام KAYT لأمن الحدود المزود بكاميرات حرارية ورادارات، ونظام MIDAS للكشف الصوتي. يرى المؤلفان أن هذا التكامل يعكس استراتيجية تركيا الاستباقية والتزامها بالابتكار في صناعتها الدفاعية للبقاء في صدارة التهديدات المتطورة.
في ملاحظاته الختامية، يعترف المؤلفان بأن هذا التطور هو نتيجة تفاعل معقد بين الضرورات التقليدية للدولة ذات السيادة والرؤى النقدية للأمن، مؤكدين على قدرة تركيا على التكيف. من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، يمكن الإشارة إلى التبرير المزدوج لإنشاء المنطقة الآمنة (الأمني والإنساني)، والذي قد يخفي أهدافاً سياسية أوسع لتركيا في شمال سوريا، بالإضافة إلى التوتر الكامن بين دور تركيا كدولة تستضيف ملايين اللاجئين وسياساتها الحدودية المتشددة التي تجعل عودتهم صعبة.
12.العمليات العسكرية التركية كسياسة لمكافحة الإرهاب170–182▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحليل العمليات العسكرية التي نفّذتها تركيا داخل الأراضي السورية، وذلك في إطار سياستها لمكافحة الإرهاب بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011. يقدّم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن هذه العمليات لم تكن خياراً استراتيجياً بقدر ما كانت ضرورةً أملتها تحديات أمنية وجودية، تمثلت في فراغ السلطة الذي خلفه انسحاب قوات النظام السوري من المناطق الشمالية، مما أتاح المجال أمام تنظيمات إرهابية مثل داعش وPKK/PYD/YPG لملء الفراغ وتهديد الأمن القومي التركي بشكل مباشر. يرى الفصل أن الهدف المحوري لتركيا لم يقتصر على حماية حدودها فحسب، بل شمل أيضاً منع قيام كيان إرهابي أو شبه مستقل على حدودها الجنوبية، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
يسير الفصل وفق بنية منهجية واضحة، حيث يبدأ بتأطير نظري يستند إلى مفهومي باري بوزان للتهديدات العسكرية والسياسية، وإلى رؤية كينيث والتز التي تشبّه الدول بالمؤسسات التي هدفها الأساسي البقاء والاستمرار. يوضح المؤلف أن التهديدات التي واجهتها تركيا كانت متشابكة: تهديدات عسكرية متمثلة في هجمات صاروخية وتفجيرات، وتهديدات سياسية تمثلت في محاولات التنظيمات الإرهابية كسب شرعية دولية وتشكيل كيانات حاكمة. يعزز المؤلف حجته بالإشارة إلى أن PKK، المُصنّف إرهابياً دولياً، استغل الحرب الأهلية ليغير اسمه إلى YPG/PYD في سوريا، محاولاً كسب دعم غربي، خاصة من الولايات المتحدة التي سلّحت ودربت هذه التنظيمات بحجة محاربة داعش، مما خلق توتراً في العلاقات التركية-الأمريكية بلغ ذروته خلال إدارة أوباما وحادثة كوباني.
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل العمليات العسكرية الأربع الكبرى، متتبعاً تسلسلها الزمني وأهدافها. يبدأ بـ "عملية درع الفرات" التي انطلقت في 24 أغسطس 2016، بالتعاون مع الجيش السوري الحر، واستندت إلى حق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كانت أهدافها الرئيسية تطهير منطقة الحدود من تنظيم داعش، وإنشاء منطقة آمنة، وتسهيل عودة اللاجئين. استمرت العملية نحو سبعة أشهر، وتمكنت من تحييد 2647 عنصراً من داعش، وتأمين شريط حدودي بعمق 40 كيلومتراً، وامتدت لتشمل مناطق جرابلس وجوبان بيك ودابق، وصولاً إلى معركة الباب المحورية التي انتهت في 24 فبراير 2017.
العملية الثانية هي "عملية غصن الزيتون"، التي بدأت في 20 يناير 2018، واستهدفت بشكل أساسي تنظيم PYD/YPG في منطقة عفرين، إلى جانب داعش. يبرر الفصل هذه العملية بضرورة كسر "الممر الإرهابي" الذي كان يهدد بتوحيد كانتونات التنظيم وربط شمال سوريا بالبحر المتوسط. استمرت العملية 57 يوماً ونجحت في السيطرة على مركز عفرين في 18 مارس 2018. يُشير المؤلف هنا إلى أن تركيا اعتمدت في شرعنة هذه العمليات على قراري مجلس الأمن الدولي 1624 (2005) و2170 (2014) و2178 (2014).
العملية الثالثة، وهي "عملية نبع السلام"، أُعلن عنها في 9 أكتوبر 2019، وكانت تستهدف المنطقة الواقعة شرق الفرات، وتحديداً مدينتي تل أبيض ورأس العين. يُظهر الفصل أن هذه العملية جاءت نتيجة فشل المفاوضات مع الولايات المتحدة حول إنشاء منطقة آمنة، وفشل الضمانات الأمريكية بعدم التعاون مع PKK/PYD/YPG. على الرغم من ردود الفعل الدولية السلبية الأولية، خاصة من الاتحاد الأوروبي ومجلس الشيوخ الأمريكي، إلا أن نجاح العملية أدى إلى تغيير الموقف الدولي، حيث اعترف نائب الرئيس الأمريكي آنذاك مايك بنس بشرعية العملية في بيان مشترك بتاريخ 17 أكتوبر 2019، مما أدى إلى إنهائها. كما تُوّجت العملية بتوقيع مذكرة تفاهم مع روسيا في سوتشي، نصّت على انسحاب التنظيم الإرهابي لمسافة 32 كيلومتراً (20 ميلاً) من الحدود التركية، وتطهير منطقتي منبج وتل رفعت.
العملية الرابعة والأخيرة هي "عملية درع الربيع"، التي بدأت في 10 فبراير 2020 (ويذكر الفصل أن بعض المصادر ترجّح بدايتها في 27 فبراير بعد استشهاد جنود أتراك بضربات روسية)، وهي مختلفة عن سابقاتها لأنها كانت المرة الأولى التي تواجه فيها تركيا جيشاً نظامياً (قوات النظام السوري) في منطقة إدلب. كان الهدف إيقاف تقدم قوات النظام المدعومة من روسيا وإيران، ومنع موجة لجوء جديدة نحو تركيا. تُشير الرواية إلى أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الناتو على لسان أمينه العام، اعتبر هذه العملية مشروعة وألقى باللائمة على روسيا وسوريا. انتهت العملية بتوقيع بروتوكول إضافي مع روسيا في 5 مارس 2020، نص على إنشاء ممر أمني بعمق 6 كيلومترات شمال وجنوب طريق M4، والقيام بدوريات مشتركة.
يعترف الفصل بوجود حدود وتحفظات واضحة، أبرزها أن استمرار الأزمة السورية لـ 13 عاماً ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً، يجعل من الضروري توقع عمليات عسكرية تركية مستقبلية. كذلك، يُقرّ بصعوبة الموقف التركي الناجم عن انخراط القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا) في المنطقة، واستخدامهما أحياناً للتنظيمات الإرهابية لأغراضهما الخاصة، مما يضعف فعالية الحلول الدبلوماسية ويدفع تركيا نحو الخيار العسكري. أخيراً، يُشير الفصل إلى أن التهديدات الأمنية ليست عسكرية فحسب، بل تشمل أيضاً مشكلة اللاجئين واحتمال تسلل عناصر إرهابية بينهم، مما يُشكّل تحدياً أمنياً وسياسياً مستمراً.
13.تأمين الهجرة: حالة السوريين في تركيا183–200▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل مسألة "تأمين الهجرة" (أي تحويلها إلى قضية أمنية) من خلال دراسة حالة السوريين في تركيا، ويجيب عن سؤال رئيسي: كيف تحولت قضية اللاجئين السوريين في تركيا من مسألة إنسانية إلى قضية أمنية، وما هي الأدوات والخطابات والسياسات التي استُخدمت في هذه العملية؟ يقدم المؤلف إجابة تفيد بأن عملية التأمين لم تقتصر على خطابات النخبة السياسية فحسب، بل امتدت لتشمل الممارسات اليومية للدولة والمؤسسات، وكذلك التصورات المجتمعية الصاعدة من القاعدة الشعبية.
يبدأ الفصل بتقديم نظرية التأمين، مستعرضاً مدرستين فكريتين رئيسيتين: مدرسة كوبنهاغن التي تركز على "فعل الكلام" أو الخطاب، حيث يقوم صناع القرار ببناء موضوع ما كـ"تهديد وجودي" لتبرير اتخاذ إجراءات استثنائية. ومدرسة باريس التي تضيف إلى ذلك أهمية تحليل الممارسات والسياسات التي تنفذها المؤسسات الأمنية والبيروقراطية، معتبرة أن التأمين يتم عبر الممارسات الروتينية وليس فقط عبر الخطاب. يستخدم المؤلف هذا الإطار النظري لتحليل كيفية معالجة الهجرة كتهديد.
ينتقل الفصل إلى تتبع تاريخي لربط الهجرة بالأمن على المستويين العالمي والأوروبي، مشيراً إلى أن تقرير التنمية البشرية لعام 1994 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ربط بين الهجرة وانعدام الأمن البشري في سبعة مجالات. ثم يذكر أن الهجمات الإرهابية في نيويورك (2001) ومدريد (2004) ولندن (2005) كانت نقطة تحول حاسمة، حيث خلقت صلة بين الإرهاب والهجرة، مما جعل المهاجرين، خاصة ذوي الأصول المسلمة، يُنظر إليهم كتهديد محتمل. يوضح أن هذه العملية أدت إلى سياسات أوروبية أكثر تشدداً، مثل تعزيز الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية شينغن، رغم أن هذا يتناقض مع مبدأ الحرية الذي يقوم عليه الاتحاد.
بخصوص السياق التركي، يقدم الفصل تاريخاً طويلاً للهجرة في تركيا منذ تأسيس الجمهورية، مشيراً إلى أن تركيا كانت بلداً مُصدِراً ومستقبِلاً للمهاجرين. ويؤكد على أن قانون التوطين لعام 1934 الذي فضّل القادمين من أصول تركية، ولائحة اللجوء لعام 1994 التي فرضت إجراءات صارمة، هما مثالان على النهج الأمني في السياسات التركية المبكرة. كما يناقش أن تركيا لا تزال تفرض "التحفظ الجغرافي" على اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، وهو ما يعني منح صفة اللاجئ فقط للقادمين من أوروبا، مما يُظهر أولوية الأمن في سياستها.
يحلل الفصل السياسات التركية تجاه السوريين بعد عام 2011 عبر أربع مراحل زمنية:
- المرحلة الأولى (2011-2014): اتبعت تركيا سياسة "الباب المفتوح" واعتبرت السوريين "ضيوفاً" بناءً على افتراض مؤقتية وجودهم، مع خطاب إنساني يركز على "المسؤولية الإنسانية" و"الأخوة الدينية والتاريخية". في هذه المرحلة، تجنبت النخبة السياسية استخدام لغة التهديد الأمني.
- المرحلة الثانية: تمثلت في صياغة الإطار القانوني، وأبرزه قانون foreigners and International Protection (LFIP) لعام 2013، والذي يُعتبر نقلة نحو نهج حقوقي، رغم أنه حافظ على التحفظ الجغرافي. كما صدرت لائحة الحماية المؤقتة (TPR) في 2014 والتي نظمت حقوق السوريين في الصحة والتعليم والعمل. لكن الفصل يلاحظ أن الممارسة على الأرض، كمنح تراخيص العمل المحدودة (حيث بلغ عدد تصاريح العمل الممنوحة للسوريين 113,208 فقط في عام 2022 من أصل حوالي مليون في العمل غير الرسمي)، أظهرت فجوة بين الحقوق النظرية والواقع، مما ساهم في خلق تصورات سلبية عن السوريين كعبء اقتصادي.
- المرحلة الثالثة: هي مرحلة "سياسات الانسجام الاجتماعي" (2019-2023)، والتي تفضل مفهوم "التوافق" بدلاً من "الاندماج" لتجنب إيحاء الديمومة. يجادل المؤلف بأن هذه السياسات، رغم أنها تبدو حقوقية، تمثل في جوهرها "مقاربة أمنية ناعمة" تهدف لمنع التوترات المجتمعية. وتشير مؤشرات استطلاع "مقياس السوريين" لعام 2020 إلى أن المجتمع التركي بدأ يرى السوريين كـ"تهديد" وليس كـ"ضحايا"، وأن مخاوفهم (فقدان الوظيفة، الضغط على الخدمات، الجريمة) وصلت إلى 70%.
- المرحلة الرابعة: تتعلق بالاتفاق التركي الأوروبي في 18 مارس 2016، والذي يصفه الفصل كمثال صارخ على "التهديد الخارجي" للهجرة من قبل الاتحاد الأوروبي. هدف الاتفاق تقنيًا إلى إيقاف الهجرة غير النظامية، حيث انخفضت بنسبة 94%. لكن الفصل ينتقد آلية "واحد مقابل واحد" التي تبادل العائدين السوريين بمستوطنين في أوروبا (حيث لم يُعاد توطين سوى 27,000 سوري، أي أقل من 40% من التعهدات). كما يحلل الفصل محاولة تركيا في فبراير 2020 "ورقة الهجرة" بفتح حدودها، والتي وصفها الأوروبيون بأنها "ابتزاز" و"تسليح" للاجئين، مما أضر بمصداقية تركيا وأدى إلى انتهاكات على الحدود اليونانية.
يعترف الفصل بحدود في منهجية التأمين، ويطرح تساؤلات مفتوحة حول جدلية النهجين. يقر بأن "التأمين" يمكن أن يأتي من أسفل إلى أعلى (من المجتمع) وليس فقط من أعلى إلى أسفل (من النخبة)، كما يشير إلى أن الممارسات الأمنية (كسياسة تقييد السفر على السوريين) قد تخلق حالة من عدم الأمان بدلاً من حلها. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت السياسات الحقوقية قادرة على الصمود أمام الضغوط الأمنية والاقتصادية، وكيف يمكن تحقيق توازن حقيقي بين الأمن وحقوق الإنسان في إدارة الهجرة.
في تحليله للحجج القابلة للنقاش، يبرز الفصل تناقضاً واضحاً بين خطاب المسؤولية الإنسانية للحكومة التركية وممارساتها الأمنية التقييدية (كإغلاق الأحياء ذات الكثافة السكنية العالية للسوريين)، مما يجعلهما حجتين متوازيتين لا تلتقيان في مسار واحد.
16.تقييم العمليات العسكرية التركية عبر الحدود في سوريا بموجب القانون الدولي204–238▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل قضية المياه العابرة للحدود بين تركيا وسوريا والعراق، ويُظهر كيف تحوّلت من مشكلة فنية واقتصادية إلى أداة ضغط وتحدٍ أمني خطير في ظل الحرب الأهلية السورية. يرى المؤلف أن الصراع لم يخلق هذه الأزمة من العدم، بل فاقمها وأدخل أطرافاً جديدة غير حكومية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ووحدات حماية الشعب (PYD)، جعلت من البنية التحتية للمياه هدفاً وسلاحاً في آن واحد. يخلص الفصل إلى أن الخطر الأكبر على الأمن التركي لا ينبع من ندرة المياه بحد ذاتها، بل من سيطرة جماعات إرهابية على مصادرها.
يبدأ الفصل باستعراض التاريخ الطويل للخلاف المائي بين الدول الثلاث، والذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي. يشرح المؤلف أن سوريا والعراق كانتا تطالبان بتقسيم ثابت لمياه نهر الفرات، بينما كانت تركيا تطرح خطة أكثر مرونة تقوم على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المياه بناءً على حصر دقيق للموارد والأراضي في كل دولة، وهو ما يعرف بـ"خطة المراحل الثلاث" التي رُفضت. يناقش الفصل أيضاً "التحيزات" في موقف دول المصبّ، مثل الاتهام لتركيا بخفض تدفق المياه، ويوضح أن السدود التركية تنظم التدفق وتُطلقه في مواسم الجفاف، مما يعود بالنفع على دول المصبّ. كما يوضح أن عدم انضمام تركيا لاتفاقية الأمم المتحدة للمياه لعام 1997 لا يعني عدم التزامها بالقانون الدولي، مستشهداً بالبروتوكول الموقع مع سوريا في عام 1987 والذي ألزم تركيا بإطلاق 500 متر مكعب في الثانية على الحدود التركية السورية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحديث عن وضع ما بعد الحرب الأهلية السورية، حيث يُركّز على التحول الدراماتيكي في استخدام المياه. يذكر الفصل أن الجفاف الذي ضرب سوريا بين عامي 2007 و2010 يُعتبر أحد العوامل التي ساهمت في إشعال الحرب. ومع اندلاع النزاع، تعرضت البنية التحتية للمياه لأضرار جسيمة، سواء بشكل متعمد أو كأضرار جانبية. يُشير إلى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) قدّر في عام 2023 أن حوالي 13.5 مليون شخص في سوريا يفتقرون إلى خدمات المياه والصرف الصحي. يقدم الفصل تفصيلاً لاستراتيجيات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في استخدام المياه كسلاح، ففي العراق، استولى التنظيم على سد الموصل وسد حديثة، واستخدم التحكم في المياه لتقييد حركة القوات العراقية وتهديد المدن. كان الهدف من ذلك ليس إغراق المناطق التي يسيطر عليها، بل استخدام المياه كسلاح تكتيكي وعسكري ونفسي. ويميّز الفصل بين مفهوم "المياه كسلاح" ومفهوم "حروب المياه"؛ فالأولى تتعلق بالسيطرة الاستراتيجية على الموارد المائية لتحقيق أهداف سياسية، بينما الثانية تعني صراعات تنشأ من ندرة المياه نفسها. ويؤكد أن ما قام به داعش يندرج تحت الفئة الأولى. كما يشير إلى أن جماعات مثل جبهة النصرة وPYD استخدمت أيضاً خدمات المياه لفرض نفوذها.
يتناول القسم الثالث من الفصل "مسألة نهر العاصي"، وهو نزاع مختلف تماماً عن نزاع الفرات، حيث يضع الدول المعنية في مواقف متغيرة. هنا، تُعدّ سوريا دولة المنبع بينما تركيا هي دولة المصبّ، مما يجعل تركيا في موقف أضعف. يُوضح الفصل صعوبة الحصول على بيانات دقيقة عن طول النهر (الذي يتراوح بين 248 و571 كيلومتراً) ومساحة حوضه، لكنه يذكر أن 9% من تدفق النهر يأتي من لبنان، 50% من سوريا، و41% من تركيا. الأهم هو الانخفاض الحاد في تدفق المياه الواصلة إلى تركيا، حيث انخفض متوسط التدفق السنوي من 1.592 مليار متر مكعب في الفترة بين 1950 و1960 إلى 529 مليون متر مكعب فقط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. يُرجع الفصل هذا الانخفاض إلى الاستخدام المكثف للمياه في سوريا دون مراعاة لحقوق تركيا كمصبّ، بالإضافة إلى مشكلة التلوث الشديد الناتج عن النفايات الصناعية والزراعية والمنزلية غير المعالجة. ويُشير إلى أن سوريا وقعت اتفاقية مع لبنان في 1994 لتقسيم مياه العاصي، واتفاقاً مع تركيا يعود لعام 1939 عند ضم هاتاي، لكنها لم تشرك تركيا في أي مفاوضات حول الاستخدام المشترك للنهر حتى عام 2009، عندما تم طرح مشروع "سد الصداقة" الذي توقف بسبب الحرب. ويرى الفصل أن التقارب التركي السوري بعد عام 2000 وتوقيع بروتوكول أضنة عام 1998 قد خلق جواً من التعاون، لكنه انتهى مع اندلاع الحرب الأهلية.
في الختام، يؤكد المؤلف أن مشكلة المياه العابرة للحدود بين تركيا وسوريا هي مشكلة سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، وليست مجرد مشكلة فنية. فاستمرار الخلاف وغياب الحلول يعود إلى تعارض المواقف السياسية واستخدام المياه كورقة ضغط، كما حدث في اتفاقية 1987 التي ربطت قضية المياه بدعم سوريا لحزب العمال الكردستاني (PKK). مع الحرب الأهلية، أصبح الخطر الأكبر يتمثل في سيطرة جماعات إرهابية مثل PYD (الفرع السوري للـ PKK) وتنظيم داعش على المنشآت المائية. هذا التطور يُشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، وهو ما يبرر العمليات العسكرية التركية عبر الحدود (درع الفرات 2017، غصن الزيتون 2018، ونبع السلام 2019) التي تهدف إلى منع هذه الجماعات من ترسيخ وجودها الإقليمي. يختم الفصل باستنتاج حذر، مشيراً إلى أن تغير المناخ قد يزيد الوضع تعقيداً، لكنه يستبعد حدوث "حروب مياه" شاملة في المدى القصير، لأن المشاكل الأمنية المباشرة الناتجة عن الحرب الأهلية السورية تظل أكثر إلحاحاً من خطر المجاعة الناتج عن الجفاف.
بناءً على ما ورد في النص، يمكن القول إن حجة المؤلف تُظهر أن القانون الدولي وحده غير كافٍ لحل النزاعات المائية المعقدة، وأنه غالباً ما يُستخدم كأداة سياسية من قبل الأطراف المتنازعة. إصرار سوريا والعراق على التقسيم الثابت للمياه والفشل في الإقرار بخطة تركيا الأكثر شمولية، يثير تساؤلاً حول ما إذا كان السعي لتحقيق أقصى استفادة مشتركة، كما اقترحت تركيا، هو حل أكثر عملية من التمسك بحصص تاريخية جامدة. مقاربة تركيا التي تربط التعاون في مجال المياه بالتعاون الأمني، كما ظهر في علاقاتها مع سوريا قبل الحرب وبعدها، تُثبت أن ملف المياه في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن الديناميكيات السياسية والأمنية الإقليمية. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المقاربة التركية (ربط المياه بالأمن) هي التي ساهمت في تعقيد المشكلة، أم أنها استجابة طبيعية لواقع سياسي أوسع.