المورد
Statelet of Survivors

Statelet of Survivors

Amy Austin Holmes١ كانون الثاني ٢٠٢٤enOxford University Press

يُحلل كتاب "Statelet of Survivors" لأمي أوستن هولمز نشأة وتطور الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، ويطرح فكرةً أساسيةً وهي أن هذا الكيان لم ينبثق من أيديولوجية قومية جامدة، بل من غريزة البقاء المشتركة بين أقليات عانت من الإبادة والاضطهاد على مدى قرن من الزمان. يجادل المؤلف بأن الفاعل الأساسي هنا ليس القومية الكردية أو أي إيديولوجيا أخرى، بل الرغبة الجماعية في النجاة من محاولات الإبادة أو الإذابة في هويات أكبر، مثل التركية أو العربية أو الفارسية. تقدم الكاتبة هذه الفكرة من خلال تتبع جذور "ثورة روجآفا" وصولاً إلى جمهورية جبل أرارات التي أُعلنت عام 1927 بعد الإبادة الجماعية للأرمن، والتي قامت بدورها على تحالف بين الناجين الأرمن والأكراد على أساس المساواة وليس العرق المشترك.

يسير الكتاب عبر بنية واضحة تبدأ بتقديم الفرضية المركزية حول "دويلة الناجين"، ثم ينتقل بشكل زمني وموضوعي لتحليل الأصول التاريخية، والواقع العسكري والسياسي، والثورة الجندرية، والأسس الاقتصادية، ونظام التعليم، وأوضاع الأقليات. يشرح الكيفية التي تحولت بها الميليشيا الصغيرة غير الموحدة إلى قوة متعددة الأعراق هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ضمت بعد تحريرها للمدن العربية عرباً من كل القبائل، وآشوريين، وأرمن، وإيزيديين، وشركس، وتركمان سوريا، إلى جانب الأكراد. ويشير إلى أن هذا التحالف هزم داعش بحلول مارس 2019، لكنه يلفت الانتباه إلى مفارقة كبرى: فبينما كان التحالف الدولي (المكون من 85 دولة) يدعم قسد عسكرياً، فإنه لا يعترف سياسياً بالكيان الذي أنشأته الإدارة الذاتية، على الرغم من أنه يطالبها بإدارة مؤسسات شبيهة بالدولة مثل السجون ومخيمات الاعتقال التي تضم حوالي 50,000 شخص مرتبط بداعش من أكثر من 50 دولة.

يُفصّل الكتاب السياق التاريخي الذي نشأت فيه الإدارة الذاتية. ففي عام 2012، انسحبت قوات بشار الأسد من شمال سوريا، تاركةً فراغاً ملأته فصائل كردية قريبة من حزب العمال الكردستاني (PKK). أعلنت ثلاثة كانتونات (عفرين، كوباني، الجزيرة) حكماً ذاتياً وسط حرب أهلية شرسة وصعود داعش. وبينما كانت داعش تنفذ عمليات قطع رؤوس، كان الأكراد يطورون تجربة اجتماعية جريئة تقوم على المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة والمناصفة في القيادة. يوضح المؤلف أن هدف هذه الإدارة لم يكن الانفصال عن سوريا؛ بل الاستقلال الذاتي في إطار سوريا لامركزية، وهي نتيجة تدعمها بيانات مسح ميداني أجراه المؤلف على أكثر من 400 عنصر من قوات سرد، حيث أظهرت النتائج أن الغالبية العظمى (96% بحلول عام 2020) لا يريدون الانفصال عن سوريا.

لتأصيل هذه الظاهرة تاريخياً، يعود الكتاب إلى بدايات القرن العشرين ويربط بين "دويلة الناجين" الحالية وسابقتها جمهورية جبل أرارات. يصف المؤلف كيف أُعلنت هذه الجمهورية في 8 أكتوبر 1927 على يد أكراد وأرمن ناجين من الإبادة، بموجب معاهدة تعاون رسمية بين عصبة خويبون الكردية وحزب الطاشناق الأرمني، بدعم من الإيزيديين والآشوريين وضباط أتراك منشقين. يركز الفصل على بلدة رأس العين (سري كانيه) كموقع مهم في الإبادة الأرمنية، حيث قُدّر عدد الذين ذُبحوا فيها بنحو 65,000 إلى 70,000، مما يجعلها ثاني أكثر المواقع دموية في سوريا بعد دير الزور. يرى المؤلف أن كلاً من جمهورية أرارات والإدارة الذاتية يقومان على تحالف بين أقليات اختارت التعايش والمساواة بدلاً من الاندماج القسري أو الإبادة، ويخلص إلى أن تحليل روجآفا من خلال عدسة حزب العمال الكردستاني فقط هو تحليل محدود وغير تاريخي. ويشير إلى أن دوافع أفراد قسد، وفقاً لاستطلاعه، لا تعتمد على أيديولوجية عبد الله أوجلان (التي قرأها نصفهم فقط)، بل على غرائز البقاء، حيث اعتبروا في 2019 أن تركيا تمثل تهديداً أكبر من داعش.

يتناول الكتاب مسار تطور قوات سوريا الديمقراطية بالتفصيل، مبتدئاً بانتفاضة عام 2004 في القامشلي التي قُتل فيها 36 شخصاً واعتُقل أكثر من 2000 كردي، والتي مثّلت نقطة تحول أقنعت بعض الأكراد بضرورة إنشاء تنظيم مسلح. يوثق أول اشتباك مسلح للأكراد ضد النظام في 11 مارس 2012 في حي الشيخ مقصود بحلب، حيث خاض 15 مقاتلاً معركة أُصيب فيها 12 واستُشهد ثلاثة. مع انسحاب النظام في 19 يوليو 2012، أعلن الأكراد رسمياً تشكيل وحدات حماية الشعب (YPG). يتناول الكتاب تشكيل وحدات حماية المرأة (YPJ) في 4 أبريل 2013، ويكشف مسح ميداني أجراه المؤلف على 46 مقاتلة في 2015 أن 44 منهن لا يرغبن في دولة كردية مستقلة بل يفضلن البقاء ضمن سوريا في نظام لا مركزي. يصف تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر 2015 كتحالف يضم وحدات حماية الشعب/المرأة وفصائل الجيش السوري الحر، بهدف الحصول على الدعم الأميركي المستمر وطمأنة واشنطن بأن القوة سورية الهوية. يُظهر المسح الميداني أن 52.3% فقط من المستطلعين قرأوا أعمال عبد الله أوجلان، مما ينقض فكرة أن الجميع خاضعون لأيديولوجيا واحدة.

يحلل الكتاب حكم تنظيم داعش مركزاً على دور النساء داخله، ويقدم إجابة واضحة: لقد حكم داعش من خلال تسليح النساء ضد بعضهن البعض، مما جعل الحرب ليس فقط بين الرجال والنساء، بل حرباً تشنها النساء على نساء أخريات. يستعرض الفصل قصتين متعارضتين لامرأتين أمريكيتين: سامانثا سالي التي أصبحت مالكة للعبيد، وكايلا مولر التي أصبحت جارية. يصف كيف حاول التنظيم جعل النساء تابعيات بالكامل للرجال عبر تقييد حرية تنقلهن (بمنعهن من السفر دون محرم، مع استثناء النساء فوق 50 عاماً)، وتقييد ملابسهن ونظرهن (بإجبارهن على تغطية وجوههن بالكامل)، ومنع اختلاطهن بالرجال. يناقش التحول المفاجئ في أكتوبر 2017، بعد تحرير الرقة، حيث دعا داعش النساء إلى الجهاد، ويرى المؤلف أن هذا لم يكن اعترافاً بقدرات النساء بل دليلاً على اليأس واستخدامهن كوقود للحرب عندما كانت الخلافة في حالة انهيار. يختتم الفصل بتسليط الضوء على معضلة العدالة الدولية، حيث يرفض المجتمع الدولي إنشاء محكمة دولية ويترك العبء على الإدارة الذاتية.

يطرح الكتاب فكرة أن تمكين المرأة في روج آفا لم يكن مجرد ردة فعل على ظروف الحرب، بل كان نتاجاً لمشروع تحرري واعٍ ومتجذر، تم ترجمته إلى مؤسسات وقوانين وسلطة فعلية. تتتبع الكاتبة جذور هذه الأفكار داخل حزب العمال الكردستاني، وتبرز دور ساكين جانسيز، المؤسسة المشاركة للحزب والمتحدرة من أصول أرمنية، التي قادت معارك داخلية ضد القيادة الذكورية لإنشاء وحدات نسائية مستقلة. تدعم الكاتبة حججها ببيانات مسح أجرته بين عامي 2015 و2020 على عناصر قسد، تُظهر أن 62% من 380 مستجيباً صنّفوا المساواة بين الجنسين كأولوية أعلى من المساواة الاقتصادية أو الاستدامة البيئية. تفصل الكاتبة المؤسسات التي أنتجتها هذه الثورة، ففي ميثاق 2014 نصت المادة 87 على تمثيل لا يقل عن 40% لكل جنس، بينما قفز عدد المواد المكرسة لشؤون المرأة في ميثاق 2017 من 4 إلى 9. وتصف "بيوت المرأة" (Mala Jin) التي افتتحت في آذار 2011 في القامشلي وقبل ظهور داعش، والتي تعمل كملاذات للنساء الهاربات من العنف المنزلي.

يحلل الكتاب الأسس الاقتصادية للحكم الذاتي، ويجادل بأن الإدارة اتبعت استراتيجية واضحة لفك الارتباط الاقتصادي عن دمشق. يبدأ بتأريخ الإهمال الاقتصادي المتعمد، فقبل الثورة عام 2011، كانت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور الأكثر فقراً في سوريا، حيث كانت 45% من الأراضي المروية مملوكة لـ 2.5% فقط من الملاك. يشرح الاستراتيجيات الثلاث التي تبنتها الإدارة: على المدى القصير، كان الهدف البقاء ومنع المجاعة مع تدفق أكثر من 1.4 مليون نازح داخلي؛ على المدى المتوسط، تمثلت الاستراتيجية في "فك الارتباط عن دمشق" عبر السيطرة على حقول النفط التي تمثل 63% من الإيرادات، والضرائب والجمارك التي شكلت حوالي 36%؛ على المدى الطويل، تطمح الإدارة إلى تنويع الاقتصاد. يصف الكتاب نظريات التنمية الاقتصادية باعتبارها مزيجاً انتقائياً من الراديكالية النسوية والاشتراكية الاجتماعية والعناصر الرأسمالية، مستشهداً بالدكتور أحمد يوسف، وزير المالية السابق، الذي رأى أن المشكلة ليست في العلاقة بين العمال والبرجوازية بل في العلاقة بين الاحتكارات والمجتمع.

يتناول الكتاب محاولة الإدارة الذاتية إنشاء نظام تعليمي جديد بعد انسحاب النظام في صيف 2012، ويصفها بأنها محاولة طموحة و"بأي ثمن" للتغلب على سبعة تحديات كبرى. يبدأ الفصل باقتباس من شيرين هِمو، الرئيسة المشاركة للجنة التعليم، التي تصف كيف أن المناهج في عهد الأسد جعلت الأقليات "غير مرئيين". يسرد التحديات: المعارضة الشرسة من جميع الأطراف، الإهمال التاريخي، اتهام تدريس اللغة الكردية بأنه خطوة نحو الانفصال، ارتفاع الأمية في ظل حكم داعش، تدمير المدارس وتزايد عدد السكان (في الطبقة كان هناك 400 مدرسة قبل سيطرة داعش في أغسطس 2014، وعند زيارة المؤلفة في 2019 لم يبق سوى 140 مدرسة بينما تضاعف عدد السكان أربع مرات)، ورفض الحكومة المركزية الاعتراف بالشهادات. يذكر أنه بحلول أبريل 2020، كانت الإدارة تدير 4.317 مدرسة مقابل 33 فقط تابعة للحكومة المركزية، وتمكنت من تقديم رواتب للمعلمين تبلغ ضعف رواتب النظام. يناقش قضية "إزالة التطرف" ويشير إلى دراسة وجدت أن كتب روجآفا تحتوي على إشارة وحيدة إلى عبد الله أوجلان، وأن 47.7% من مقاتلي قسد أفادوا أنهم لم يقرؤوا أي شيء لأوجلان قط.

يُحلل الكتاب أوضاع اليزيديين عبر مقارنة أربعة أنظمة حكم: نظام بشار الأسد، ودولة داعش، والإدارة الذاتية، والاحتلال التركي. الإجابة المحورية هي أن الإدارة الذاتية هي النموذج الوحيد الذي اعترف رسمياً باليزيديين ووفّر لهم تمثيلاً سياسياً وحرية دينية وحماية. يوضح أنهم عانوا من 74 مذبحة عبر التاريخ، وتقلّص عددهم بشكل كبير. تحت حكم البعث، مُنع اليزيديون من تسجيل أنفسهم كيزيديين في بطاقات الهوية وأُجبروا على التسجيل كمسلمين. يورد الفصل تقرير الملازم محمد طلال هلال الصادر في نوفمبر 1963، والذي وصف الأكراد (بمن فيهم اليزيديون) بأنهم "ورم خبيث" يجب استئصاله، واقترح خطة من 12 بنداً أدت إلى إنشاء "الحزام العربي" الذي شرّد نحو 140,000 كردي ويزيدي. في المقابل، يصف التغيير الجذري الذي أحدثته الإدارة الذاتية عبر اعتراف الميثاق الاجتماعي لعام 2014 بالدين اليزيدي لأول مرة، وإنشاء محاكم خاصة حاكمت أكثر من 8,000 سوري حتى 2021. لكنه يعترف بأن المكاسب كانت سريعة الزوال، فمع الغزو التركي لعفرين في يناير 2018 واحتلال رأس العين في أكتوبر 2019، تشير التقديرات إلى أن 90% من يزيديي عفرين نزحوا، وأن جميع القرى والمقامات الـ 19 الخاصة بهم دُمّرت أو نُهبت.

يختتم الكتاب بفكرة "عدم الحسم" التي تميز وضع الدول شبه المستقلة. يطرح سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح في البقاء أم ستنهار تحت ضغط الأعداء المحيطين بها، تماماً كما انهارت جمهورية جبل أرارات قبل قرن. يقدم مقارنة تاريخية بين الكيانين: كلاهما نشأ كرد فعل على عمليات إبادة جماعية، وكلاهما يقوم على تحالفات تتجاوز القومية الكردية الضيقة، وكلاهما استُهدف بعمليات عسكرية عبر الحدود من قبل تركيا. لكنه يبرز فارقاً جوهرياً: فبينما سعت جمهورية أرارات للانفصال عن تركيا، تعلن الإدارة الذاتية تمسكها بالوحدة الترابية لسوريا. يعترف المؤلف بحدود وتحفظات واضحة، فيشير إلى أن الإدارة لم تجرِ انتخابات حرة ونزيهة، وتواجه اتهامات باحتجاز معارضين سياسيين، ومستقبلها غير مؤكد ومهدد من تركيا التي تحتل 10% من الأراضي السورية، والنظام السوري، وخلايا داعش النائمة. يوثق خطوات الإدارة لمعالجة الانتقادات، مثل إزالة اسم "روجآفا" من التسمية الرسمية، والتوقيع على اتفاقية أممية لمنع تجنيد الأطفال.

يمكن القول إن الكتاب يثير حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها أن الإدارة الذاتية تمثل نموذجاً سياسياً بديلاً لنظام الأسد في تمكين النساء وحرية الأديان، لكنها تعاني من "عدم الحسم" القانوني والسياسي. فالمجتمع الدولي، باستبعاده لها من محادثات جنيف، يعاملها وكأنها كيان منفصل، مما قد يغذي النزعات الانفصالية التي تعلن الإدارة رفضها. كما يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مدى قابلية تعميم هذا النموذج خارج إطار الحزب الواحد والنظام العسكري، وحول ديمومة الإنجازات في ظل التهديدات العسكرية التركية المستمرة وغياب الدعم الدولي الجاد، وحول التناقض الجوهري بين حركة تزعم سعيها إلى "ديمقراطية بلا دولة" واضطرارها لإنشاء جهاز بيروقراطي كبير لتحقيق حلمها.

الفصول(9)

1.دويلة الناجين12–22▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل التأسيسي من كتاب "Statelet of Survivors" لأمي أوستن هولمز النشأةَ والتطورَ لما يُعرف بـالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، ويطرح فكرةً أساسيةً وهي أن هذه الكيان لم ينبثق من أيديولوجية قومية جامدة، بل من غريزة البقاء المشتركة بين أقليات عانت من الإبادة والاضطهاد على مدى قرن من الزمان. يجادل المؤلف بأن الفاعل الأساسي هنا ليس القومية الكردية أو أي إيديولوجيا أخرى، بل الرغبة الجماعية في النجاة من محاولات الإبادة أو الإذابة في هويات أكبر، مثل التركية أو العربية أو الفارسية. يقدم الفصل هذه الفكرة من خلال تتبع جذور "ثورة روجآفا" وصولاً إلى جمهورية جبل أرارات التي أُعلنت عام 1927 بعد الإبادة الجماعية للأرمن، والتي قامت بدورها على تحالف بين الناجين الأرمن والأكراد على أساس المساواة وليس العرق المشترك.

يسير الفصل عبر بنية واضحة تبدأ بتقديم الفرضية المركزية حول "دويلة الناجين"، ثم ينتقل وصفياً للواقع السياسي والعسكري في شمال شرق سوريا. يشرح الكيفية التي تحولت بها الميليشيا الصغيرة غير الموحدة إلى قوة متعددة الأعراق هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ضمت بعد تحريرها للمدن العربية عرباً من كل القبائل، وآشوريين، وأرمن، وإيزيديين، وشركس، وتركمان سوريا، إلى جانب الأكراد. ويشير إلى أن هذا التحالف هزم داعش بحلول مارس 2019، لكنه يلفت الانتباه إلى مفارقة كبرى: فبينما كان التحالف الدولي (المكون من 85 دولة) يدعم قسد عسكرياً، فإنه لا يعترف سياسياً بالكيان الذي أنشأته الإدارة الذاتية، على الرغم من أنه يطالبها بإدارة مؤسسات شبيهة بالدولة مثل السجون ومخيمات الاعتقال التي تضم حوالي 50,000 شخص مرتبط بداعش من أكثر من 50 دولة.

يُفصّل الفصل السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه الإدارة الذاتية. ففي عام 2012، انسحبت قوات بشار الأسد من شمال سوريا، تاركةً فراغاً ملأته فصائل كردية قريبة من حزب العمال الكردستاني (PKK). أعلنت ثلاثة كانتونات (عفرين، كوباني، الجزيرة) حكماً ذاتياً وسط حرب أهلية شرسة وصعود داعش. وبينما كانت داعش تنفذ عمليات قطع رؤوس، كان الأكراد يطورون تجربة اجتماعية جريئة تقوم على المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة والمناصفة في القيادة. يوضح المؤلف أن هدف هذه الإدارة لم يكن الانفصال عن سوريا؛ بل الاستقلال الذاتي في إطار سوريا لامركزية. يستند هذا الاستنتاج إلى مسح ميداني أجراه المؤلف على أكثر من 400 عنصر من قوات سرد، حيث أظهرت النتائج أن الغالبية العظمى (96% بحلول عام 2020) لا يريدون الانفصال عن سوريا.

لتأصيل هذه الظاهرة تاريخياً، يعود الفصل إلى بدايات القرن العشرين ويربط بين "دويلة الناجين" الحالية وسابقتها جمهورية جبل أرارات. يرى المؤلف أن كلا الكيانين يقومان على تحالف بين أقليات (أكراد ومسيحيون) اختارت التعايش والمساواة بدلاً من الاندماج القسري أو الإبادة. ويخلص إلى أن تحليل روجآفا من خلال عدسة حزب العمال الكردستاني فقط هو تحليل محدود وغير تاريخي، لأن الصراع والتحالفات في هذه المنطقة يعودان لأكثر من قرن. كما أن دوافع أفراد قسد، وفقاً لاستطلاع المؤلف، لا تعتمد على أيديولوجية عبد الله أوجلان (التي قرأها نصفهم فقط)، بل على غرائز البقاء، حيث اعتبروا في 2019 أن تركيا تمثل تهديداً أكبر من داعش.

يستعرض الفصل الملامح الرئيسية للكيان الذي أقامته الإدارة الذاتية، والذي يتمتع بسلطات تشبه سلطات الدولة، منها جيش (قسد) وقوات شرطة (آساييش وسوتورو)، ونظام تعليمي متعدد اللغات (كردية، سريانية-آرامية، عربية)، ونظام سياسي قائم على نظام الرئاسة المشتركة بين رجل وامرأة وكوتا نسائية بنسبة 40%، وحرية دينية لأول مرة تشمل الاعتراف بالدين الإيزيدي، ونظام اقتصادي قائم على النفط والمياه والزراعة، ونظام قضائي محلي، وعلاقات دبلوماسية خاصة مع دول التحالف. لكنه يعترف بمرونة التطبيق؛ ففي المناطق العربية مثل منبج التي حررت في 2016، لم يُطبق منع تعدد الزوجات إلا على موظفي الإدارة فقط، كما أن التجنيد الإجباري لم يطبق في كل المناطق.

يقدم الفصل لمحة عن هيكل الكتاب كاملاً، موضحاً أن الفصول التالية ستتناول بالتفصيل الأصول التاريخية (الفصل 2)، وتحليل بيانات المسح الميداني لقوات سرد وتنوعها القبلي والمسيحي (الفصل 3)، وتحليل حكم داعش ودور النساء فيه (الفصل 4)، والثورة الجندرية التي تقودها الإدارة الذاتية (الفصل 5)، والأسس الاقتصادية (الفصل 6)، ونظام التعليم (الفصل 7)، ومعاملة الأقلية الإيزيدية تحت الأنظمة الأربعة (الفصل 8)، وخاتمة تقارن أنظمة الحكم وتناقش السيناريوهات المستقبلية، محذرة من أن استمرار رفض الدول استعادة مواطنيها من معتقلي داعش قد يفرض على الإدارة الذاتية إنشاء محاكم دولية قد تؤدي إلى اعتراف قانوني فعلي بها. يختتم الفصل بسؤال مفتوح حول مصير هذه الدويلة: هل ستستمر أم تتوسع أم تُمحى مثل جمهورية جبل أرارات؟

2.نسب روج آفا: الأكراد والأرمن يعلنون جمهورية جبل أرارات، 1926–193223–54▼ ملخص

بدأ الفصل بسرد تاريخي لجمهورية جبل أرارات، التي أعلنها أكراد وأرمن ناجون من الإبادة في 8 أكتوبر 1927، لتكون دولة صغيرة في المنطقة الجبلية الحدودية بين تركيا وأرمينيا. يوضح المؤلف أن هذا الفصل يهدف إلى تسليط الضوء على كيفية تشكل التعاون الكردي-الأرمني في أعقاب الإبادة الأرمنية، ويصفه بأنه محاولة أولية لجمع الشظايا المتناثرة من السجل التاريخي، مستنداً إلى وثائق غير منشورة من أرشيف الاتحاد الثوري الأرمني، ووثائق بريطانية، وتقارير صحفية تركية وأمريكية، ومقابلات مع عائلات في سوريا. يشير المؤلف إلى أن جمهورية أرارات نشأت بموجب معاهدة تعاون رسمية بين عصبة خويبون الكردية وحزب الطاشناق الأرمني، بدعم من الإيزيديين والآشوريين وضباط أتراك منشقين وملكيين عثمانيين سابقين، مع فروع دولية في عدة دول.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقديم لمحة عن خلفية الإبادة الأرمنية، مشيراً إلى أنها استمرت على مدى ثلاثة عقود بدءاً من مذابح 1894 الحميدية ومذبحة أضنة عام 1909، وأن بعض القبائل الكردية كانت متواطئة فيها. لكنه يذكر أيضاً أن بعض الأكراد ساعدوا الأرمن على الفرار من الاضطهاد. يركز الفصل على بلدة رأس العين (المعروفة كردياً باسم سرى كانيه) باعتبارها موقعاً مهماً في الإبادة، حيث قُدر عدد الأرمن الذين ذُبحوا فيها بنحو 65,000 إلى 70,000، مما يجعلها ثاني أكثر المواقع دموية في سوريا بعد دير الزور. يصف الفصل مذابح السيفو ضد المسيحيين السريان والآشوريين، التي يصفها الكاتب جوزيف يعقوب بأنها "إبادة خفية"، مشيراً إلى أن السريان والآشوريين عانوا من انعدام الدولة، وهي تجربة شاركوها مع جيرانهم الأكراد.

يناقش الفصل انهيار الإمبراطورية العثمانية ومعاهدة سايكس-بيكو لعام 1916، ومعاهدة سيفر لعام 1920 التي نصت على إنشاء منطقة كردية ذات حكم ذاتي وأرمينيا المستقلة، ومعاهدة لوزان لعام 1923 التي ألغت سيفر وأحلام الحكم الذاتي للأكراد والأرمن. يذكر أن الأرمن انقسموا بين "أرمينيا الغربية" و"الشرقية"، بينما قُسم الأكراد إلى أربعة أجزاء: باكور (شمال كردستان) وباشور (جنوب كردستان) وروج هيلات (شرق كردستان) وروج آفا (غرب كردستان). يصف رد فعل الأكراد تجاه محاولات التتريك والتخلي عن الخلافة بأنها كانت بمثابة إنكار لهويتهم ودينهم.

يأتي بعد ذلك تفصيل لقيام جمهورية أرارات، حيث يركز الفصل على إعلانها ورمزيتها كأول محاولة جادة لإقامة دولة كردية مستقلة، مسنودة من الأرمن. يصف الحجم الكبير للأراضي التي أعلنت استقلالها، واستمراريتها التي امتدت لسبع أو ثماني سنوات، ودعم الأكراد من جميع أجزاء كردستان. يعقد الفصل مقارنة مع ثورات كردية أخرى مثل ثورة شيخ سعيد وثورة درسيم، مشيراً إلى أن ثورة أرارات كانت أكثر جدية لأنها تمكنت من السيطرة على أراضٍ وتشكيل أسس دولة. يذكر أن بعض التقديرات تشير إلى بدء الثورة عام 1926 واستمرار القتال حتى عام 1932 على الجانب الفارسي.

يوضح الفصل آليات تشكيل الجمهورية، بدءاً من مؤتمر وطني كردي في ربيع 1927 حيث تم حل المنظمات الكردية القائمة ودمجها في منظمة واحدة هي خويبون، وتم تعيين إحسان نوري قائداً عاماً للقوات الكردية وإبراهيم حقي طيلو رئيساً للإدارة المدنية. يذكر أن معاهدة التعاون بين خويبون والطاشناق نُظمت في اجتماع في لبنان في أكتوبر 1927، حيث تعهد الأرمن بتقديم دعم مادي ومادي وإعلامي مقابل إصلاح التنظيم الكردي وإنهاء الثأر. يسلط الضوء على دور الأرمن في الثورة، مثل أرداشيس موراديان (المعروف بـ زيالن بك) الذي كان قائداً مهماً، وفاهان كالوسديان (فالي بك). يذكر أن عدد المقاتلين الأرمن لا يزال غير واضح بسبب إخفاء بعضهم لهويتهم.

يدرس الفصل أيديولوجية الثوار، مبرزاً إعلان الجمهورية المكون من 12 نقطة والذي نص على المساواة بين جميع الأعراق والأديان تحت حكم الحكومة الكردية، وإلغاء قوانين تركيا مثل ارتداء القبعة واستخدام الحروف اللاتينية، مع الإبقاء على القانون التركي مؤقتاً لحين سن القانون الكردي. يشير إلى أن الثورة كانت رد فعل على الإصلاحات العلمانية لأنقرة مثل إغلاق المدارس الدينية وإلغاء الخلافة، ولكنها كانت أيضاً ذات عناصر تقدمية تتمثل في التعاون الكردي-الأرمني وإعلان المساواة. يتساءل المؤلف عن سبب محاولة المسؤولين الأتراك إنكار الطابع القومي للثورة، ويخلص إلى أن السبب كان يتعلق بالسيطرة على نفط الموصل.

ينتقل الفصل إلى مناقشة دور النساء في الثورة، واصفاً إياه بأنه أكبر فجوة في المعرفة، بسبب تحيز المسؤولين البريطانيين الجندريين وإهمال توثيق مشاركتهن. يستشهد براوية المسافرة البريطانية روزيتا فوربس التي وثقت مشاركة النساء في القتال إلى جانب الرجال، وذكر الوثائق الفارسية أن النساء كن يُنفذن مثل الرجال. يذكر أن حوالي 30 امرأة كردية أعدمن رمياً بالرمح في بايزيد في ديسمبر 1930.

يصف الفصل القمع الشديد الذي مارسته الدولة التركية، مستشهداً بتقارير الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست التي تحدثت عن "إبادة" الأكراد، ومذكرة السير جورج كلارك التي وصفت السياسة التركية بأنها "حضارة وتنوير" مقدمين القمع على أنه عكسه. يشير إلى مذبحة زيلان في يوليو 1930 التي قُتل فيها ما بين 15,000 و47,000 متمرد. يذكر أن القتال استمر حتى بعد إعلان النصر التركي في 1930، واستمرت التحالفات الكردية-الأرمنية في إرسال الأموال. يبين أن الخلافات بين خويبون والطاشناق حول أولويات العمل في العراق أدت إلى إضعاف الحركة، قبل أن يتم سحق الثورة في النهاية.

يختتم الفصل بمناقشة التأثيرات الإقليمية للجمهورية، حيث أدى سحقها إلى توجه نحو التتريك الشديد في تركيا، والخوف من ثورة جديدة في بلاد فارس أدى لاحقاً إلى إعلان جمهورية مهاباد في 1946، بينما استمرت أنشطة خويبون في المنفى في سوريا. يذكر أن الأكراد والأرمن الهاربين من تركيا شكلوا حركة تطالب بالحكم الذاتي في منطقة الجزيرة شمال شرق سوريا بين 1936 و1939، وهو تحالف كردي-مسيحي تم إحياؤه لاحقاً في شمال شرق سوريا، حيث ينظم المسيحيون في وحدات خاصة ضمن قوات سوريا الديمقراطية.

في نهاية المطاف، يعترف المؤلف صراحةً بأن الفصل هو مجرد محاولة أولية لجمع شظايا تاريخية متناثرة، ويقر بوجود فجوات كبيرة في المعرفة، خاصة فيما يتعلق بدور النساء وعدد الأرمن الذين قاتلوا. كما يشير إلى أن خلافات داخل المجتمعين الكردي والأرمني نفسه كانت أكثر فتكاً من الخلافات بين حلفائهم. يمكن القول أن الفصل يقدم سرداً معقداً ومؤلماً للتعاون والمقاومة في ظل الإبادة والقمع، لكنه يظل سرداً جزئياً وغير مكتمل، مما يثير تساؤلات حول مدى دقة التفسيرات التاريخية التي يعتمد عليها، خاصة فيما يتعلق بدوافع الثوار ودور القوى الخارجية مثل بريطانيا وفرنسا.

3.قوات سوريا الديمقراطية: تطور وحدات حماية الشعب إلى ثاني أكبر قوة مسلحة في سوريا55–98▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل تطوّر وحدات حماية الشعب (YPG) من مجموعة مسلّحة صغيرة إلى القوة العسكرية الثانية في سوريا، وذلك من خلال تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (SDF). الإجابة المحورية التي يقدّمها المؤلّف هي أن هذا التحول لم يكن مجرد توسّع عددي، بل تحوّل نوعي من قوة كردية عرقية إلى تحالف عسكري متعدّد الأعراق والأديان، مع الحفاظ على الهيمنة الكردية والمنظومة الأيديولوجية المستمدّة من حزب العمال الكردستاني (PKK).

يسير الفصل تاريخياً، مبتدئاً بانتفاضة عام 2004 في القامشلي التي اندلعت بعد مباراة كرة قدم تحوّلت إلى مواجهات سياسية، وقُتل فيها 36 شخصاً واعتُقل أكثر من 2000 كردي. هذه الانتفاضة مثّلت نقطة تحوّل إذ أقنعت بعض الأكراد بضرورة إنشاء تنظيم مسلّح. يشرح الفصل كيف أن حرمان الأكراد من أي وجود عسكري في سوريا، على عكس أجزاء كردستان الأخرى، دفعهم إلى تكوين مجموعات صغيرة تحت الأرض، تحوّلت صيف 2011 إلى "وحدات حماية الشعب (YXG)" التي لم تُعلَن رسمياً وضمّت نحو 2000-3000 شخص مسلّحين بالسكاكين والمسدّسات فقط.

يوثّق الفصل أول اشتباك مسلّح للأكراد ضد النظام في 11 مارس 2012 في حي الشيخ مقصود بحلب، حيث خاض 15 مقاتلاً معركة استمرت أربع إلى خمس ساعات، أُصيب فيها 12 واستُشهد ثلاثة. مع انسحاب النظام من شمال سوريا في 19 يوليو 2012، أعلن الأكراد رسمياً تشكيل وحدات حماية الشعب (YPG) في مؤتمر استمر ثلاثة أيام، وأُنشئت أول أكاديمية تدريب أيديولوجي في ريف ديرك، حيث كانت ثلاثة أرباع التدريب مخصصة للأيديولوجيا وربعها للجوانب العسكرية.

يتناول الفصل بالتفصيل تشكيل وحدات حماية المرأة (YPJ) في 4 أبريل 2013، وهي ميلشيا نسائية منفصلة عن الرجال، تضمّنت في مهدها أقل من 1000 امرأة. يعرض الفصل نتائج مسح ميداني أجراه المؤلّف على 46 مقاتلة في 2015، وكشف أن 44 منهن لا يرغبن في دولة كردية مستقلة بل يفضلن البقاء ضمن سوريا في نظام لا مركزي، وأن دوافعهن تضمّنت محاربة كل من داعش والأنظمة الأبوية في مجتمعاتهن.

يستعرض الفصل توسّع القوات الكردية إلى مناطق غير كردية، مثل جبل سنجار في العراق في أغسطس 2014 حيث أنقذت وحدات حماية الشعب آلاف الإيزيديين، ما أثار إعجاب المسؤولين الأميركيين. ثم يصف تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (SDF) في أكتوبر 2015 كتحالف يضم وحدات حماية الشعب/المرأة وفصائل الجيش السوري الحر التي كانت تشكّل سابقاً "بركان الفرات"، وذلك بهدف الحصول على الدعم الأميركي المستمر وطمأنة واشنطن بأن القوة سورية الهوية وليست كردية فقط.

يقدّم الفصل أدلة على الطابع المتعدّد الأعراق لـ قوات سوريا الديمقراطية، مشيراً إلى أنه بحلول 2019 شكل العرب أكثر من نصف مقاتليها البالغ عددهم حوالي 100,000، وينتمون إلى 46 قبيلة أو عشيرة عربية مختلفة، وتنتشر القوات على مساحة تزيد على 20,000 ميل مربع (نحو ثلث مساحة سوريا). يذكر الفصل ثلاث وحدات غير كردية مفصّلة: المجلس العسكري السرياني (MFS) الذي تأسس في 27 يناير 2013 وتعاون مع وحدات حماية الشعب صيف 2013 بعد تقدّم جبهة النصرة، وقوى حماية المرأة في بيت نهرين (HSNB) التي تشكّلت في 30 أغسطس 2015 كنظير نسائي للمجلس العسكري السرياني، وقوات الصناديد من قبيلة شمر بقيادة بندر الحميدي التي تعاونت مع وحدات حماية الشعب منذ 2013.

يكشف المسح الميداني الذي أجراه المؤلّف على أكثر من 400 عضو في قوات سوريا الديمقراطية عن ثلاثة أسباب رئيسة لنجاحها في استقطاب غير الأكراد: الحوافز المادية (الرواتب وفرص التدريب)، الوجود المشترك لتهديد مشترك (أولاً داعش ثم تركيا)، ودعم المقاتلين العرب لمبادئ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. تشير البيانات إلى أن 52.3% فقط من المستطلعين قرأوا أعمال عبد الله أوجلان، بينما لم يقرأها 47.7%، مما ينقض فكرة أن الجميع خاضعون لأيديولوجيا واحدة.

يعترف الفصل بالقيود والتحفظات، أبرزها استمرار الجدل حول مدى قطع قوات سوريا الديمقراطية لصلاتها بـ حزب العمال الكردستاني، وعدم تنفيذ قوانين التجنيد الإلزامي في مناطق عربية عديدة، والخلافات حول الهوية المشتركة بين الطوائف المسيحية (سريان وآشوريون وكلدان) مما أدى إلى بقاء الأقلية المسيحية منقسمة على أربع وحدات منفصلة داخل القوات، وغياب النساء في قوات الصناديد القبلية مقابل وجودهن في مجلس منبج العسكري.

يُظهر الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها تفسير انسحاب النظام من الشمال في صيف 2012: هل هو تواطؤ بين حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام أم فرصة انتهزها الأكراد لملء الفراغ؟ ويدعم المؤلّف الرأي القائل بوجود عناصر حقيقة لكلتا القراءتين. كما يثير الفصل تساؤلات حول فعالية النموذج الأيديولوجي المبني على أفكار أوجلان في الحفاظ على ولاء تحالف عرقي متنوع، ومدى نجاح "النضال داخل النضال" النسائي في تحقيق أهدافه التحررية في مجتمع قبلي وديني محافظ.

4.الحياة تحت حكم داعش: حرب نساء ضد نساء99–124▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً حول كيفية حكم تنظيم "داعش" للأراضي التي سيطر عليها في سوريا، مركزاً على دور النساء داخل هذا النظام. يقدم الفصل إجابة واضحة: لقد حكم "داعش" من خلال تسليح النساء ضد بعضهن البعض، مما جعل الحرب ليس فقط بين الرجال والنساء، بل حرباً تشنها النساء على نساء أخريات. يوضح المؤلف أن إخضاع المرأة المسلمة وتدمير استقلالها كان هدفاً رئيسياً للخلافة، وليس مجرد هدف ثانوي. يستعرض الفصل قصتين متعارضتين لامرأتين أمريكيتين كدليلين على هذا الطيف المظلم: سامانثا سالي التي أصبحت مالكة للعبيد، وكايلا مولر التي أصبحت جارية. توضح هاتان القصتان كيف جسّد التنظيم "حرب نساء ضد نساء"، حيث مارست بعض النساء العنف ضد أخريات.

يسير الفصل في ثلاثة أجزاء رئيسية. يصف الجزء الأول "فلسفة" داعش تجاه النساء، مستنداً إلى وثائق مثل "بيان النساء" الذي أصدرته كتيبة الخنساء في 23 يناير 2015. يجادل المؤلف بأن الهدف الأساسي كان جعل النساء تابعيات بالكامل للرجال، وحصرهن في المنزل كـ"سجينات"، معتبراً أن النساء المتعلمات أو غير المتزوجات أو اللواتي يسافرن بمفردهن يشكلن تهديداً. يصف الجزء الثاني كيف حاول التنظيم تحقيق أهدافه عبر ثلاث وسائل رئيسية: تقييد حرية تنقل النساء (بمنعهن من السفر دون محرم، مع استثناء النساء فوق 50 عاماً)، وتقييد ملابسهن ونظرهن (بإجبارهن على تغطية وجوههن بالكامل، حتى العينين)، ومنع اختلاطهن بالرجال. ويظهر الفصل من خلال الفتاوى أن أي استفسار حول تطبيق القواعد كان يؤدي إلى مزيد من التشدد، وليس التخفيف. الجزء الثالث يناقش التحول المفاجئ للتنظيم في أكتوبر 2017، بعد تحرير الرقة، حيث دعا النساء إلى الجهاد. يرى المؤلف أن هذا لم يكن اعترافاً بقدرات النساء، بل كان دليلاً على اليأس واستخدام النساء كوقود للحرب، حينها كانت الخلافة في حالة انهيار.

يستخدم المؤلف أدلة متنوعة لدعم حجته، تشمل فتاوى رسمية صادرة عن داعش (مثل فتوى تشرين الثاني/نوفمبر 2013 في جرابلس التي تصف النساء بأنهن "عاريات حتى وهن كاسيات")، ووثائق مثل بيان كتيبة الخنساء، وروايات الناجيات مثل الفتاة الإيزيدية التي هربت من منزل أبو سياف، وتحليلات باحثات مثل نيلي لحود. يكشف الفصل عن فجوة عميقة بين الدعاية الموجهة للنساء خارج الخلافة (التي تَعِدُ بحياة فاضلة) والواقع القاسي داخلها (الاسترقاق الجنسي وتعدد الزوجات). يعترف المؤلف بحدود التحليل، مشيراً إلى أن فهم داعش في سوريا لا يمكن اختزاله في التاريخ العراقي، كما يترك أسئلة مفتوحة حول عدد النساء اللواتي استجبن لدعوة الجهاد الفعلية، وحول هوية المرأة في فيديو الدعاية لشهر فبراير 2018 التي قد لا تكون امرأة حقيقية.

يمكن القول إن الفصل يقدم حجة مقنعة ومنظمة، ولكنها تفتح الباب للنقاش. فمن ناحية، يؤكد على أن نساء داعش لم يكن مجرد ضحايا، بل كن في كثير من الأحيان جلاّدات شاركن بنشاط في القمع، مما يعقد فكرة "الضحية" و"الجاني". ومن ناحية أخرى، يثير التساؤل حول كيفية التوفيق بين هذه الرواية التي تركز على "حرب النساء ضد النساء" وبين الدور القيادي الذي لعبه الرجال في التخطيط لهذه السياسات وإصدار الفتاوى. يختتم الفصل بتسليط الضوء على معضلة العدالة الدولية، حيث أن المجتمع الدولي يرفض إنشاء محكمة دولية لمحاكمة مقاتلي داعش، ويترك هذا العبء على الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، مما قد يعزز مؤسساتها بشكل غير مقصود.

5.ثورة المرأة في روج آفا وما بعدها125–161▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب "Statelet of Survivors" لمؤلفته إيمي أوستن هولمز لغزاً محورياً: كيف تمكن كيان صغير غير حكومي في شمال شرق سوريا، محاط بالأعداء، من تحقيق ما فشلت فيه حركات تحرر وطنية وحتى مؤسسات دولية كبرى مثل الأمم المتحدة؟ ففي الوقت الذي لم يتجاوز فيه تمثيل النساء في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة 3% من العسكريين و10% من الشرطة العسكرية بحلول عام 2015، كانت نسبة النساء في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تبلغ 30% في العام نفسه. الجواب الذي تقدمه الكاتبة هو أن تمكين المرأة في روج آفا لم يكن مجرد ردة فعل على ظروف الحرب، بل كان نتاجاً لمشروع تحرري واعٍ ومتجذر، تم ترجمته إلى مؤسسات وقوانين وسلطة فعلية، مما يشكل "ثورة في وضع المرأة" جعلتها حاكماً فعلياً للمدن التي كان تنظيم داعش يبيع فيها النساء كسبايا.

تستعرض الكاتبة حججها الرئيسية عبر أربعة محاور. أولاً، تؤكد أن بناء "الدولة الصغيرة" (statelet) فرضته ظروف الحرب الأهلية السورية وانسحاب النظام، مما خلق فراغاً في السلطة سمح للأكراد بتطبيق أفكارهم التي بلوروها سابقاً في باكور (تركيا). ففي تركيا، أنشأ الحراك الكردي هياكل موازية للحكومة مثل "المجالس الكونفدرالية الديمقراطية" ونظام الرئاسة المشتركة (Hevserok) منذ عام 2005، لكن هذه الهياكل بقيت تحت سيطرة الدولة التركية. في سوريا، وبسبب ضعف النظام، أتيحت الفرصة لبناء كيان حقيقي أتاح للمرأة سن القوانين وتقلد المناصب. ثانياً، تشير الكاتبة إلى أن توسع الثورة خارج المعقل الكردي في روج آفا لم يكن ليحدث لولا انضمام نساء عربيات وسريانيات وأرمن وإيزيديات وتركمانيات إلى المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية، مما ساعد على ترسيخ هذه المؤسسات في مناطق متنوعة مثل الرقة ومنبج ودير الزور.

ثالثاً، تتبع الكاتبة جذور هذه الأفكار داخل حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتظهر كيف تطورت عبر صراعات داخلية. تروي الكاتبة أن التحول الأيديولوجي من المطالبة بدولة كردية مستقلة إلى تبني "الكونفدرالية الديمقراطية" التي تقوم على المساواة بين الجنسين، لم يكن مجرد تبني لأفكار موراي بوكشين كما يُعتقد غالباً، بل كان مدفوعاً بنضال النساء داخل الحزب. تبرز الكاتبة دور ساكين جانسيز، المؤسسة المشاركة للحزب والمتحدرة من أصول أرمنية، التي قادت معارك داخلية ضد القيادة الذكورية لإنشاء وحدات نسائية مستقلة، ودفعت ثمن نضالها بالاعتقال والتعذيب. كانت جانسيز قد كتبت كتيباً عام 1978 عن ضرورة إنشاء وحدات نسائية، لكن أفكارها لم تطبق إلا في منتصف التسعينيات بعد صراع مرير، بما في ذلك "تمرد" النساء بقص شعرهن احتجاجاً على محاولة الرجال إخضاع تنظيمهن النسائي المستقل بعد اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999.

رابعاً، تدعم الكاتبة حججها ببيانات مسح أجرته بين عامي 2015 و2020 على عناصر قسد، تُظهر أن الالتزام بالمساواة بين الجنسين لم يعد حكراً على النخبة، بل أصبح قيمة أساسية لدى الجنود، رجالاً ونساءً. فمن بين 380 مستجيباً، صَنّف 62% المساواة بين الجنسين كأولوية أعلى لديهم من المساواة الاقتصادية أو الاستدامة البيئية. بينما فضلت 85% من النساء هذه الأولوية، فضلها 54% من الرجال أيضاً، مما يشير إلى تحول أيديولوجي عميق في صفوف القاعدة الشعبية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل المؤسسات التي أنتجتها هذه الثورة. فمنظمة كونغرا ستار، أو "مؤتمر النجم"، تعمل كمنظمة جامعة للحركة النسائية تدير عشر لجان متنوعة من التعليم إلى الدفاع عن النفس. أما المواثيق القانونية فقد كرست المساواة، ففي ميثاق 2014 نصت المادة 87 على تمثيل لا يقل عن 40% لكل جنس في جميع المؤسسات. وفي ميثاق 2017 قفز عدد المواد المكرسة لشؤون المرأة من 4 إلى 9، متضمنةً تجريم استغلال النساء وإنشاء مجالس قضائية خاصة بهن. على الصعيد العسكري، شكلت النساء 30% من قسد في وحدات حماية المرأة (YPJ)، وقُدْنَ معارك حاسمة مثل تحرير الرقة، عاصمة داعش السابقة. وفي الإدارة المدنية، تتولى نساء مثل إلهام أحمد وليلى مصطفى وليلى حسن مناصب قيادية عليا، مما يرمز لانتصار المرأة على من سعى لاستعبادها.

تتناول الكاتبة أيضاً "اقتصاد المرأة" (Aboriya Jin)، الذي أطلقته الإدارة الذاتية عام 2015 بهدف جعل النساء مستقلات مادياً عن الرجال عبر إنشاء تعاونيات نسائية. وتصف "بيوت المرأة" (Mala Jin) التي افتتحت في آذار 2011 في القامشلي وقبل ظهور داعش، والتي تعمل كملاذات للنساء الهاربات من العنف المنزلي ومراكز لتسوية النزاعات الأسرية. وتورد الكاتبة ملاحظة مهمة عن دور الإرث العائلي في تشكيل الوعي الثوري، فتقتبس من قائدة كردية وإحدى المسؤولات أن جدتيهما كانتا مسيحيتين سريانيتين، مما يلمح إلى جذور التسامح والتنوع في المنطقة.

تعترف الكاتبة بحدود هذا المشروع وصعوباته. فقوانين منع تعدد الزوجات لم تُطبق بالكامل في مناطق عربية مثل دير الزور بسبب "الذهنية السائدة"، حيث قد يُنبذ الرجل الذي لا يتزوج أربع نساء. وفي منبج، لجأت الإدارة إلى عقوبات إدارية كالفصل من العمل لمن يتزوج بأخرى، لكنها لم تستطع فرض حظر شامل. كما تذكر الكاتبة الفشل الدولي في دعم هذا النموذج. فبينما أشاد قادة عسكريون أمريكيون بأفراد الإدارة، ترددت واشنطن في مدح المشروع السياسي خوفاً من إغضاب تركيا، التي تحتل عفرين وتدير "مكتب تعدد الزوجات" في أعزاز. والأكثر إيلاماً، أن اغتيال السياسية هفرين خلف، المعروفة بنضالها النسائي، لم يُندد به من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بشكل فوري.

يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول ديمومة هذه الإنجازات في ظل التهديدات العسكرية التركية المستمرة وغياب الدعم الدولي الجاد. كما يُثار تساؤل حول مدى قابلية تعميم هذا النموذج خارج إطار الحزب الواحد والنظام العسكري الذي نشأ في كنفه، وهل يمكن فصله عن شخصية أوجلان الذي تتزين صورته في كل مؤسسة، بما في ذلك بيوت المرأة. تشير الكاتبة إلى أن دور أوجلان كان مزدوجاً، فبينما كان بطلاً لقضية المرأة، استخدمها أيضاً كآلية لتعزيز سلطته داخل الحزب عن طريق منع الزواج وفرض الولاء المطلق له. هذه الإشكالية، حول قيادة رجل تنتج ثورة نسائية، تبقى إحدى القضايا الجدلية التي يطرحها الفصل دون حل نهائي، ملمحاً إلى أن النموذج، رغم جدارته بالتقدير، لا يخلو من تناقضات داخلية.

6.الانفصال عن دمشق: الأسس الاقتصادية للاستقلال السياسي162–195▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل من كتاب "دولة الناجين" الأسس الاقتصادية التي قامت عليها تجربة الحكم الذاتي في شمال وشرق سوريا، ويجادل بأن قيادة الإدارة الذاتية اتبعت استراتيجية واضحة لفك الارتباط الاقتصادي عن دمشق. يبدأ الفصل بتأريخ الإهمال الاقتصادي المتعمد الذي مارسته الحكومات السورية المتعاقبة بحق المنطقة، واصفاً إياها بأنها "مستعمرة داخلية" مخصصة لإنتاج المواد الخام. وبحسب الفصل، قبل اندلاع الثورة عام 2011، كانت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور الأكثر فقراً في سوريا، حيث كانت 45% من الأراضي المروية مملوكة لـ 2.5% فقط من الملاك، بينما لم يملك 70% من سكان الريف أي أرض. حتى القوانين الإصلاحية، مثل قانون الإصلاح الزراعي الأول عام 1958، طُبّقت بشكل أقل في منطقة الجزيرة، مما أبقى على مستويات عالية من التفاوت وعدم ملكية الأرض. ويضيف الفصل أن سياسات التعريب، التي جُسّدت في مقاربة الملازم محمد طلب الهلال عام 1963، أدت إلى إعادة توطين عائلات عربية أراضٍ صودرت من ملاك أكراد، مما خلق توتراً طبقياً وعرقياً عميقاً. كما يذكر أن المرسوم 49 لعام 2008 قيد نقل الملكية بالقرب من الحدود التركية، وأن الحكومة المركزية منعت بناء جامعات في المناطق ذات الغالبية الكردية وحظرت اللغة الكردية، مما أجبر الشباب الطموح على الهجرة.

ينتقل الفصل إلى شرح الاستراتيجيات الثلاث (قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى) التي تبنتها الإدارة الذاتية لمواجهة هذا الإرث. على المدى القصير، كان الهدف الأساسي هو البقاء ومنع المجاعة، خاصة مع تدفق أكثر من 1.4 مليون نازح داخلي و 10,000 لاجئ عراقي. شمل ذلك توفير الغذاء والماء والكهرباء، ومواجهة حرائق الحقول التي أشعلها تنظيم الدولة الإسلامية، والتصدي لجائحة كوفيد-19 عبر الإغلاق وتقييد السفر. على المدى المتوسط، تمثلت الاستراتيجية المحورية في "فك الارتباط عن دمشق"، وهي عملية تهدف إلى تغيير طبيعة العلاقة مع الحكومة المركزية بشكل جذري، وليس إلى إعلان الاستقلال. وقد تحقق ذلك عبر مصادر رئيسية للدخل. الأول هو السيطرة على حقول النفط، حيث تسيطر الإدارة على حقلي رميلان و العمر وغيرهما. ورغم أن الفصل يشير إلى أن النفط يُباع بأسعار زهيدة تصل إلى 60 دولاراً للطن (أقل من ربع سعره العالمي)، إلا أنه يمثل 63% من إيرادات الإدارة الذاتية. أما المصدر الثاني فهو الضرائب والجمارك، التي شكلت حوالي 36% من الإيرادات، مع تفاوت الرسوم بين المقاطعات (مثل رسوم الأطباء التي تراوحت بين 10,000 و 65,000 ليرة سورية). على المدى الطويل، تطمح الإدارة إلى تنويع الاقتصاد وتطبيع العلاقات التجارية مع تركيا وإقليم كردستان العراق.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لنظريات التنمية الاقتصادية التي تتبناها الإدارة، واصفاً إياها بأنها مزيج انتقائي من الراديكالية النسوية والاشتراكية الاجتماعية والعناصر الرأسمالية. يرفض الفصل فكرة أن هذه النظرة ماركسية بحتة، مستشهداً بالدكتور أحمد يوسف، وزير المالية السابق، الذي رأى أن المشكلة ليست في العلاقة بين العمال والبرجوازية، بل في العلاقة بين الاحتكارات والمجتمع. ويشرح الدكتور يوسف أن الرؤية تقوم على إزالة الصراع بين الأغنياء والفقراء عبر جعل الملكية الخاصة في خدمة المجتمع، مع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كقاطرة للنمو. ويُظهر الفصل تطبيق هذه الأفكار عبر نموذجين للتعاونيات: الأولى هي التعاونيات المختلطة (رجال ونساء) التي تهدف إلى التعاون والاكتفاء الذاتي، حيث يتم توزيع الأرباح وفقاً لنظام يمنح الجمعية العامة صلاحية التصرف بـ 70% من الفائض. الثانية هي التعاونيات النسائية الخالصة، التي تشكل جزءاً من "اقتصاد المرأة" الموازي، والذي لا يهدف إلى الربح بقدر ما يهدف إلى جعل المرأة مستقلة مالياً عن الرجل. الفصل يضرب أمثلة حية على ذلك، مثل أرمنج محمد أحمد، مديرة اقتصاد المرأة، التي ولدت لعائلة من الأكراد المجردين من الجنسية (المكتومين)، وأصبحت مسؤولة عن تخصيص حوالي 80,000 دونم للنساء في الجزيرة. ويكشف أن 60% من المشاركات في هذه التعاونيات هن من العرب، و 40% فقط من الأكراد، مما يشير إلى تجاوز للانقسامات العرقية في الممارسة العملية.

يناقش الفصل قضايا شائكة مثل ملكية الأراضي والجمارك والفساد. ففيما يتعلق بالأراضي، ورغم أن العقد الاجتماعي ينص على حماية الملكية الخاصة، إلا أن الإدارة صادرت ممتلكات الدولة السورية ("مزارع الدولة") وحولتها إلى تعاونيات زراعية. كما صادرت ممتلكات من غادروا المنطقة، لكنها تراجعت عن قرار مصادرة ممتلكات المسيحيين بعد انتقادات حادة من الكنائس. وبخصوص مكافحة الفساد، يذكر الفصل أن الإدارة أطلقت حملات لمنع إساءة استخدام الإيرادات، لكنه يورد حادثة شخصية للمؤلفة تشير إلى أن الإجراءات قد تكون متشددة أحياناً، حيث صودرت بقشيش أعطته لسائق من قبل مسؤولين احتجاجاً على أن البقشيش ممنوع. كما يناقش الفصل علاقة الإدارة بالنفط التي يصفها بأنها معقدة. فمن ناحية، تفاخر المسؤولون بدفعهم رواتب مهندسين تصل إلى 400,000 ليرة سورية مقابل 70,000 ليرة يدفعها النظام، ومن ناحية أخرى، كانوا يوقفون التهريب إلى مناطق النظام كوسيلة ضغط سياسي. وفي سياق مثير للجدل، يتناول الفصل دور شركة دلتا كريسنت إنرجي الأمريكية، التي أسسها جندي سابق في قوات الدلتا، وحصلت على إعفاء من العقوبات الأمريكية لتطوير حقول النفط، مما أثار حفيظة دمشق و طهران و موسكو. يختتم الفصل بالتأكيد أن الإدارة الذاتية نجحت في تحويل ضعف المنطقة (التخلف المتعمد) إلى قوة، عبر بناء اقتصاد بقاءي قائم على التعاونيات والنفط والتصميم السياسي، على الرغم من الحصار والتهديدات الأمنية المستمرة.

7.مدرسة الثورة: الإدارة الذاتية تنشئ نظامًا تعليميًا جديدًا196–223▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو محاولة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا إنشاء نظام تعليمي جديد بعد انسحاب قوات النظام السوري في صيف 2012، ليعكس التنوع العرقي والديني الحقيقي للمنطقة بعد عقود من الإهمال والتهميش والإخفاء في ظل حكم حزب البعث. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المغامرة التعليمية كانت محاولة طموحة و"بأي ثمن" للتغلب على سبعة تحديات كبرى، في خضم حرب وحشية، لاستعادة الهوية واللغات المحلية ومكافحة التطرف. يقر المؤلف بأن النتائج ما زالت مبكرة وغير مكتملة، وأن النظام قوبل بمعارضة شرسة من جميع الأطراف تقريباً.

يبدأ الفصل باقتباس من شيرين هِمو، الرئيسة المشاركة للجنة التعليم في إقليم الجزيرة، التي تصف كيف أن المناهج الدراسية في عهد الأسد جعلت الأكراد والأرمن والسريان والشركس والتركمان "غير مرئيين"، إذ كان الطالب يدرس حتى سن الثامنة عشرة دون أن يعرف بوجودهم. ثم يسرد الفصل جملة التحديات التي واجهتها الإدارة الذاتية، مفصلاً كل منها: المعارضة الشرسة من جميع الأطراف (النظام، داعش، المجلس الوطني الكردي، وحتى بعض السكان المحليين الذين رأوا في الأيديولوجية الجديدة "أيديولوجية غريبة")؛ الإهمال التاريخي للمنطقة وغياب بنية تحتية تعليمية أو جامعات؛ اتهام تدريس اللغة الكردية بأنه خطوة نحو الانفصال؛ تردد المعلمين في الانضمام للنظام الجديد خوفاً من انتقام النظام أو تمسكاً برواتب دمشق الأعلى؛ ارتفاع الأمية ونشر الكراهية في ظل حكم داعش، حيث صدرت فتوى بطرد جميع الأكراد من الرقة ومنحهم 48 ساعة لمغادرتها؛ تدمير المدارس وتزايد عدد السكان، ففي الطبقة مثلاً كان هناك 400 مدرسة قبل سيطرة داعش في أغسطس 2014، وعند زيارة المؤلفة في 2019 لم يبق سوى 140 مدرسة بينما تضاعف عدد السكان أربع مرات؛ وأخيراً، رفض الحكومة المركزية الاعتراف بالشهادات.

في مواجهة هذه العقبات، يصف الفصل كيف tackled الإدارة الذاتية هذه التحديات واحدة تلو الأخرى. ورغم عدم اعتراف سياسي بها، سيطرت على أراضٍ ووسعتها، مما زاد مواردها. جعلت التعليم أولوية قصوى بثلاث طرق: تخصيص موارد مالية كبيرة، وإنشاء مدارس مؤقتة فور تحرير المناطق حتى من الحاويات، وضمان التعليم للجميع بمن فيهم مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية. كما استعانت الإدارة بتجربة أكراد تركيا الذين فروا إلى مخيم مخمور في إقليم كردستان العراق في التسعينيات وطوروا مناهجهم بلهجة الكرمانجية. ويركز الفصل على ثورة اللغات، فإلى جانب تدريس اللغة الكردية التي كانت ممنوعة، عملت الإدارة على إحياء اللغة الآرامية (السريانية) المهددة بالانقراض، وزارت المؤلفة جمعية أولاف تاو في القامشلي حيث لاحظت أن بعض الطلاب كانوا مسلمات يرتدين الحجاب ويتعلمون الآرامية. كما تأسس المجلس الاجتماعي الأرمني في 2020 لتقديم دروس في اللغة والتاريخ الأرمنيين.

لتقديم أمثلة ملموسة، تروي المؤلفة زيارتها الأولى إلى كوباني في يونيو 2015 بعد تحريرها من داعش، حيث أصر السكان على أن يروها أولاً ليس وحدات حماية المرأة، بل مدرستهم الجديدة المكونة من حاوية من الألومنيوم. وتصف تحول اللغة من مجرد أداة صلاة إلى لغة حياة يومية. في المقابل، ينتقل الفصل إلى التحديات في المناطق العربية كمدينة منبج، حيث قابلت المؤلفة شابة تدعى مريم لم تذهب إلى المدرسة قط، وتزوجت ابن عمها رغماً عنها بعد مقتل والدها بغارة جوية. في الطبقة، التقت راوا رومي رئيسة التعليم التي وصفت كيف بدأ المعلمون بتنظيف المدارس المليئة بالألغام بعد شهرين فقط من التحرير في أغسطس 2017، وكيف كانوا يدرسون من "عقولهم بلا كتب". أما في دير الزور، فالتقت ليلى حسن رئيسة المجلس المدني التي قادت بنفسها جهود إعادة فتح 460 مدرسة تضم نحو 160.000 طالب، ورغم أن بعض المدارس تعرضت لهجمات من خلايا داعش النائمة، استمرت الإدارة في التشجيع على الدراسة.

من الناحية الاقتصادية، يذكر الفصل أنه بحلول أبريل 2020، كانت الإدارة الذاتية تدير 4.317 مدرسة مقابل 33 فقط تابعة للحكومة المركزية. وتمكنت من تقديم رواتب للمعلمين تبلغ ضعف رواتب النظام (بين 120 و 200 دولار شهرياً)، مما دفع "نسبة كبيرة" من الموظفين المدنيين إلى التحول لصفوفها. كما أنشأت الإدارة جهازاً بيروقراطياً كبيراً يضم 12 مؤسسة تعليمية جديدة. في خضم هذا، يناقش الفصل قضية "إزالة التطرف"؛ ففيما يرى منتقدون أن المدارس هي أدوات للتلقين، تشير المؤلفة إلى دراسة لـ بنار دينج قارنت الكتب المدرسية في تركيا وروجاڤا، ووجدت أن كتب روجاڤا لا تبدأ بأعلام أو أناشيد وطنية، وتحتوي على إشارة وحيدة إلى عبد الله أوجلان، في حين أن صورة martyrdom والتضحية موجودة لكنها تشمل أبطالاً من خلفيات مختلفة. وتستشهد المؤلفة باستطلاع رأي أجرته بين أكثر من 400 من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، حيث أفاد 47.7% منهم أنهم لم يقرؤوا أي شيء لأوجلان قط، مما يحد من فكرة التلقين الأيديولوجي الشامل.

في الختام، يعترف المؤلف بأنه من المبكر تحديد ما إذا كان النظام التعليمي الجديد قد خلق وحدة أم تقسيمات، مستشهداً بدراسة أشارت إلى أن النظام قد يوسع الفجوات الطائفية واللغوية. ففي إقليم الجزيرة هناك ثلاثة مناهج مختلفة، وتسعى الإدارة حالياً لتوحيدها. ويقر الفصل بوجود تناقض جوهري: حركة تزعم سعيها إلى "ديمقراطية بلا دولة" تجد نفسها مضطرة لإنشاء جهاز بيروقراطي كبير وجهاز تعليمي كامل لتحقيق حلمها. يبقى السؤال مفتوحاً عما إذا كان النظام التربوي الجديد، الذي يعلّم "الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة" لجيل كامل في الشمال الشرقي، قادراً على الصمود في وجه التهديدات المستمرة من تركيا والنظام السوري.

8.اليزيديون ودويلة الناجين: الاعتراف، التمثيل، الحرية الدينية، والحماية224–258▼ ملخص

يتركّز هذا الفصل على أوضاع اليزيديين في سوريا خلال العقد الماضي، ويقدّم مقارنة بين أربعة أنظمة حكم مختلفة عاشوا في ظلها: نظام بشار الأسد، ودولة داعش الخلافة، والإدارة الذاتية الكردية، والاحتلال التركي. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلّف هي أن الإدارة الذاتية هي النموذج الوحيد الذي اعترف رسمياً باليزيديين ووفّر لهم تمثيلاً سياسياً وحرية دينية وحماية، لكن هذه المكاسب كانت هشة وتم تدمير معظمها في المناطق التي احتلتها تركيا.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تسليط الضوء على هوية اليزيديين كأقلية مضاعفة تُضطهد بسبب دينها وعرقها معاً. يوضح أنهم عانوا من 74 مذبحة عبر التاريخ، وتقلّص عددهم بشكل كبير نتيجة أسلمة قسرية وتتريك مستمرين. تحت حكم البعث، مُنع اليزيديون من تسجيل أنفسهم كيزيديين في بطاقات الهوية، وأُجبروا على التسجيل كمسلمين، وحُرموا من الاحتفال بأعيادهم الدينية كرأس السنة ( تشارشاما سور )، وأُجبروا على حضور دروس التربية الإسلامية. يورد الفصل وثيقة تاريخية مهمة: تقرير الملازم محمد طلال هلال الصادر في نوفمبر 1963، والذي وصف الأكراد (بمن فيهم اليزيديون) بأنهم "ورم خبيث" يجب استئصاله، واقترح خطة من 12 بنداً لتهجيرهم وتجريدهم من حقوقهم، وهو ما تبنته الحكومة لاحقاً وأدى إلى إنشاء "الحزام العربي" الذي شرّد نحو 140,000 كردي ويزيدي من حوالي 332 قرية.

يستعرض الفصل كذلك ظاهرتي التبعيد والإخفاء القانوني: فبعد إحصاء عام 1962، صُنّف بعض اليزيديين والأكراد كـ "أجانب" (أجانب) أو "مكتومين" (مختفين قانونياً)، وحُرموا من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية الأساسية، بما في ذلك حق امتلاك العقارات والسفر والتعليم. وقد انتقل هذا الحرمان إلى أطفالهم. أما في ظل حكم داعش، فتشير الفصل إلى أن التنظيم لم يتمكن من شن هجوم إبادي واسع على اليزيديين في سوريا كما فعل في سنجار بالعراق، وذلك بفضل الحماية التي وفّرتها وحدات حماية الشعب ( YPG ) التي سيطرت على مناطق اليزيديين منذ منتصف 2012. لكن داعش أنشأ أسواقاً للرقيق في مدن سورية مثل الباب و الميادين و الشدادي و الرقة و تدمر، وارتكب جرائم جنسية منهجية بحق النساء واستخدم الأطفال الجنود.

في المقابل، يصف الفصل التغيير الجذري الذي أحدثته الإدارة الذاتية. يبدأ باعتراف الميثاق الاجتماعي لعام 2014 بالدين اليزيدي لأول مرة، وذلك قبل ثمانية أشهر من الإبادة في سنجار. وأكد ميثاق 2016 على الإشارة الصريحة إلى اليزيديين إلى جانب الطوائف الأخرى. ونتيجة لذلك، تمكن اليزيديون من التمثيل السياسي عبر حصص في المجالس المحلية، مثل المجلس المشترك في تربسبي الذي ضم 30 عضواً بينهم 5 يزيديين، وإنشاء دور لليزيديين ( ملا إيزيديان ) ووزارة للشؤون الدينية تضمهم. كما تم إنشاء محاكم للدفاع الشعبي ومحاكم إرهاب خاصة، محاكمة أكثر من 8,000 سوري حتى 2021، رغم محدودية الموارد ونقص الاعتراف الدولي. ويشير الفصل إلى أن هذه المحاكم تمثل بديلاً للعدالة السريعة وخطوة نحو المساءلة، رغم عيوبها.

يعترف المؤلّف بحدود واضحة: فالمكاسب كانت سريعة الزوال. مع الغزو التركي لعفرين في يناير 2018 (عملية غصن الزيتون) واحتلال رأس العين/سري كانيه في أكتوبر 2019 (عملية نبع السلام)، تم تدمير جميع هذه المكاسب تقريباً. تشير التقديرات إلى أن 90% من يزيديي عفرين نزحوا، وأن جميع القرى والمقامات الـ 19 الخاصة بهم دُمّرت أو نُهبت. كما تعرّضت مقابرهم للتخريب. ويشير الفصل إلى أن قوات موالية لتركيا اختطفت وقتلت ونزعت الجنسية قسراً وأجبرت يزيديين على اعتناق الإسلام في المناطق المحتلة. ويختتم الفصل بالإشارة إلى معضلة أطفال اليزيديات المولودين من آباء من داعش، حيث لا يُقبلون في المجتمع اليزيدي، مما يضع الأمهات أمام خيار صعب بين التخلي عن أطفالهن أو الانفصال عن مجتمعهن.

يمكن القول إن الفصل يثير سؤالاً جوهرياً حول جدوى مشاريع التحرر والاعتراف المحلية في غياب حماية دولية دائمة، وكيف أن المكاسب السياسية والثقافية التي تُبنى في سياق صراع مسلح يمكن أن تُمسح بسهولة بقوة خارجية لا تواجه عقوبات، مما يضع مستقبل مجتمع بأكمله على المحك رغم نجاحه المؤقت في البقاء.

9.عدم حسم وضع الدول شبه المستقلة259–275▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول فكرة "عدم الحسم" التي تميز وضع "الدول شبه المستقلة"، وتحديداً الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES). يقدم المؤلف حجة مفادها أن هذه الإدارة، التي نشأت بعد عقد من الحرب، تمثل تجربة فريدة في الحكم الذاتي تقوم على التعاون بين الأعراق والأديان، وتمنح النساء والأقليات حقوقاً غير مسبوقة في سوريا، دون أن تتبنى أيديولوجية انفصالية. يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح في البقاء أم ستنهار تحت ضغط الأعداء المحيطين بها، تماماً كما انهارت جمهورية جبل أرارات قبل قرن من الزمان.

يسير الفصل عبر مقارنة تاريخية بين جمهورية جبل أرارات (1926-1932) في شرق تركيا والإدارة الذاتية الحالية. يوضح المؤلف أن المنطقتين نشأتا كرد فعل مباشر على عمليات إبادة جماعية: الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 والإبادة الجماعية للإيزيديين والمسيحيين على يد داعش عام 2014، إضافة إلى فظائع نظام بشار الأسد. وكلتاهما تقومان على تحالفات تتجاوز القومية الكردية الضيقة؛ فجمهورية أرارات قامت على تحالف خويبون - داشناق بين الأكراد والأرمن، بينما تقوم الإدارة الذاتية على تعاون الأكراد والعرب والأرمن والسريان الآشوريين. كلاهما واجهتا اضطهاداً للنساء، وكلاهما استُهدفا بعمليات عسكرية عبر الحدود من قبل تركيا، ما أدى إلى توسع السيطرة التركية. ومع ذلك، يبرز المؤلف فارقاً جوهرياً: فبينما سعت جمهورية أراراد للانفصال عن تركيا، تعلن الإدارة الذاتية تمسكها بالوحدة الترابية لسوريا، مستلهمة أفكار عبد الله أوجلان الذي تخلى رسمياً عن الانفصالية.

ينتقل الفصل لتفصيل الإنجازات الملموسة للإدارة الذاتية رغم الظروف الصعبة. في مجال تمكين المرأة، يصف كيف أن وحدات حماية المرأة (YPJ) نشأت من صراعات داخلية سابقة في حزب العمال الكردستاني (PKK)، حيث لعبت نساء مثل ساكينه جانسيز دوراً رائداً. يذكر الفصل أن نحو 30% من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هن نساء، متجاوزات بذلك هدف الأمم المتحدة المتمثل في 20% من حفظة السلام. كما فرضت الإدارة نظاماً للحصص لا يقل عن 40% لتمثيل النساء في جميع الهيئات، وألغت تعدد الزوجات وزواج القاصرات، وأنشأت "اقتصاداً نسائياً" لاستقلال المرأة مادياً. في مجال حرية الأديان، تم الاعتراف بالديانة الإيزيدية كدين مستقل لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث، وتم ضمان حرية العقيدة في العقد الاجتماعي للمنطقة. في التعليم، أدخلت الإدارة تدريس اللغتين الكردية والآرامية، وأسست جامعة كوباني التي تخرجت أول دفعة منها في أكتوبر 2021، رغم عدم اعتراف العالم بشهاداتها. وفي القضاء، أنشأت نظاماً قضائياً يضم مجلساً من 3 إلى 5 قضاة بدلاً من قاضٍ واحد، وألغت عقوبة الإعدام، مع الاعتراف بنقص القضاة المدربين.

يواجه الفصل التحديات الهائلة للإدارة الذاتية بصراحة. بعد هزيمة خلافة داعش في مارس 2019، وجدت قسد نفسها مضطرة لاحتجاز أكثر من 60,000 شخص مشتبه بانتمائهم لداعش، معظمهم من النساء والأطفال، في مخيمات مثل الهول ومرافق احتجاز مثل سجن الصناعة في الحسكة. يصف الفصل هروباً خطيراً من سجن الصناعة في يناير 2022، استمر القتال خلاله تسعة أيام قبل استعادة السيطرة، وكيف أن المجتمع الدولي تجاهل نداءات الإدارة لتحمل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها، كما ينتقد الفصل افتقار الإدارة للموارد الكافية، واعتمادها بشكل كبير على العمل التطوعي للنساء في برامج إعادة التأهيل، محذراً من أن أطفال داعش قد ينشؤون داخل "خلافة مصغرة". كما يذكر أن الإدارة أوقفت التجنيد الإجباري للنساء، لكنه لا يزال سارياً لمدة عام للرجال، مع وجود انتقادات له في المناطق العربية.

يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة. يشير إلى أن مستقبل الإدارة الذاتية غير مؤكد ومهدد من جميع الجهات: تركيا التي تشن هجمات بطائرات مسيّرة وتحتلها 10% من الأراضي السورية، والنظام السوري المدعوم من روسيا وإيران، وخلايا داعش النائمة. يورد الفصل أدلة من مسؤولين أمريكيين مثل السفير بيل روبوك ومستشار الأمن القومي بريت ماكغورك يؤكدون أن قسد لم تشكل تهديداً حقيقياً لتركيا، مشيراً إلى أن التدخلات التركية تهدف لتحييد النموذج السياسي البديل الذي تقدمه الإدارة. يعترف بأن الإدارة لم تجرِ انتخابات حرة ونزيهة حتى الآن، وأنها تواجه اتهامات باحتجاز معارضين سياسيين. في الوقت نفسه، يوثق خطوات الإدارة لمعالجة الانتقادات، مثل إزالة اسم "روجآفا" من التسمية الرسمية، والسماح للمجلس الوطني الكردي (ENKS) بفتح مكاتب، والتوقيع على اتفاقية أممية لمنع تجنيد الأطفال. ينتهي الفصل بتساؤل مفتوح: هل ستدمر هذه التجربة كما دمرت جمهورية أرارات، أم ستصبح "دولة داخل دولة"، أم سينتهي كل شيء بالضياع؟

في النهاية، تبرز حجة قابلة للنقاش بوضوح: الفصل يجادل بأن الإدارة الذاتية تمثل نموذجاً سياسياً بديلاً لنظام الأسد، لكنها تعاني من "عدم الحسم" القانوني والسياسي. المجتمع الدولي، باستبعاده لها من محادثات جنيف، يعاملها وكأنها كيان منفصل، مما قد يغذي النزعات الانفصالية التي تعلن الإدارة رفضها. بينما يرى المؤلف أن الإرث الإيجابي للإدارة في تمكين النساء وحرية الأديان ومعالجة إرث داعش يجعلها جديرة بالدعم، يبقى السؤال عن قدرتها على البقاء دون اعتراف دولي ودعم كافٍ، في مواجهة أعداء متحدين ضدها.