
Syria
يقدّم كتاب “Syria” لديفيد دبليو ليش تحليلاً معمّقاً لمسار سوريا الحديث تحت حكم عائلة الأسد، مع تركيز خاص على شخصية بشار الأسد والتحولات التي قادت البلاد من آمال الإصلاح في مطلع الألفية إلى الانفجار الثوري في عام 2011، وصولاً إلى الحرب الأهلية المدمرة. الموضوع المحوري للكتاب هو الإجابة عن سؤال كيف تحول بشار الأسد من طبيب عيون شاب وُلدت معه آمال كبيرة في الإصلاح، إلى حاكم يواجه انتفاضة شعبية عنيفة ويدير صراعاً دامياً. المدافعة الأساسية التي يقدمها المؤلف هي أن بشار لم يكن يوماً الإصلاحي الغربي الذي صوّرته وسائل الإعلام، بل هو نتاج طبيعي للنظام الأمني والطائفي الذي ورثه عن والده، وهو نظام يضع البقاء في السلطة والحفاظ على امتيازات الأقلية العلوية والمؤسسة الأمنية فوق أي اعتبار. يرى ليش أن بشار كان “فاعلاً عقلانياً” في حسابات البقاء، وأن القمع لم يكن مجرد وحشية، بل استراتيجية محسوبة بدقة.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني ومنطقي، يبدأ من الجذور الأولى لصعود بشار غير المتوقع إلى السلطة بعد وفاة أخيه باسل في حادث سير عام 1994. يشرح المؤلف السياق الطائفي الحاسم، مشيراً إلى أن العلويين الذين يشكلون 12-13% من السكان، تحسنت أوضاعهم خلال الانتداب الفرنسي وصعدوا في الجيش والمؤسسات الأمنية، وهو النفوذ الذي ترسخ في عهد حافظ الأسد. كان تعيين بشار خليفة لوالده ضمانة لاستمرار هذا النظام، فتم صعوده المنهجي عبر مناصب رئيسية قبل وفاة والده في 10 يونيو 2000. ثم يتناول الفصل الأول “فترة الأمل” التي أعقبت توليه السلطة، والتي شهدت “ربيع دمشق” من إصلاحات محدودة وعفو عن سجناء سياسيين، سرعان ما أغلقه “الحرس القديم” في المؤسسة الأمنية. يصف ليش كيف أن التوقعات المرفوعة من الغرب كانت “المشكلة الرئيسية”، إذ أن صورة بشار كطبيب عيون يحب موسيقى فيل كولينز أخفت حقيقة كونه ابن حافظ الأسد وطفل الصراع العربي الإسرائيلي، والمكلف بالحفاظ على المصالح التقليدية للنظام.
في الفصل الثاني “سوريا مختلفة”، يبني المؤلف حجة أن النظام راهن على عوامل جعلته يعتقد أنه محصن من موجة الربيع العربي. ينتقل الكتاب زمنياً من 2005 إلى 2010، مستعرضاً نجاحات دبلوماسية وسياسية بدت وكأنها تعيد لسوريا أوراق قوتها، مثل سحب القوات من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005، والذي استخدمه الأسد لتعزيز قبضته الداخلية بالتخلص من منافسين مثل نائب الرئيس عبد الحليم خدام. ثم حرب إسرائيل على حزب الله في صيف 2006، والتي اعتبرتها دمشق انتصاراً لها، مما رفع من شعبية الأسد إقليمياً. يصف ليش تطور شخصية الأسد من عدم الثقة في 2004 إلى الغرور والرضا عن النفس بحلول انتخابات 2007 التي حصل فيها على 97% من الأصوات. استند الاعتقاد بأن سوريا مختلفة إلى كون الأسد شاباً (45 عاماً) مقارنة بقادة تونس ومصر، ووقوفه على “الجانب الصحيح” من الصراع العربي الإسرائيلي. لكن الفصل يفضح هذا الوهم، مؤكداً أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية نفسها كانت موجودة، وأن إخفاق الدعوات المبكرة للتظاهر في يناير وفبراير 2011 خلق شعوراً زائفاً بالأمان.
يتعمق الفصل الثالث “لا، ليست كذلك” في الأسباب الجذرية للانتفاضة، مبتدئاً بالشرارة التي أشعلتها: اعتقال وتعذيب عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و15 سنة في مدينة درعا في مارس 2011، بعد أن كتبوا شعارات “يسقط النظام” على جدار مدرستهم. يوضح المؤلف أن الانتفاضة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمي لعوامل اقتصادية واجتماعية خانقة. يشير إلى أن النمو الاقتصادي كان منخفضاً (حوالي 3% في 2003)، بينما بلغت البطالة بين الشباب تحت سن 25 نحو 60%، ويشكل من هم دون 25 عاماً حوالي 60% من السكان البالغ عددهم 22 مليون نسمة. تفاقمت الأزمة بسبب الجفاف وانخفاض إنتاج النفط من ذروة 610,000 برميل يومياً عام 1995 إلى حوالي 385,000 في 2010، مما جعل سوريا على وشك أن تصبح مستورداً صافياً للنفط. حوالي 30% من السوريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر. يضاف إلى ذلك الفساد المستشري الذي وضع سوريا في المرتبة 127 من أصل 178 دولة، وظهور “الرأسمالية المحسوبية” ممثلة بشخصيات مثل رامي مخلوف ابن عم الرئيس. أما القمع فكان أداة يومية تمارسها أجهزة مخابرات تضم ما يقدر بـ 50,000-70,000 ضابط أمن بميزانية تزيد عن 3 مليارات دولار، وهذه الغطرسة هي التي فجرت الاحتجاجات.
يتابع الكتاب وصف رد فعل النظام في الفصل الرابع “النظام يرد”. يشرح كيف فوجئ النظام بحجم الاحتجاجات، وكان هناك انقسام داخلي بين خيار القمع والإصلاح. استند قرار الرد إلى منطق “فعل عكس ما فعله الرئيسان التونسي والمصري”، أي عدم إظهار الضعف. كان خطاب بشار الأسد الأول أمام مجلس الشعب في 30 مارس 2011 نقطة تحول سلبية؛ فقد ركز على “المؤامرة الخارجية” ووصف الاحتجاجات بأنها “فتنة” مستلهماً آية قرآنية، ورفض الاعتراف بالمطالب الشعبية. في مقابل ذلك، أعلن النظام حزمة إصلاحات شكلية مثل رفع حالة الطوارئ التي كانت سارية منذ 1963، ورفع الأجور بنسبة 20-30%، ومنح الجنسية لنحو 250,000 كردي. لكن هذه الإصلاحات قوبلت بتشكك واسع، واعتُبرت مماطلة. يخلص المؤلف إلى أن النظام اختار مسار المماطلة والاعتماد على خطاب المؤامرة الخارجية بدلاً من الإصلاحات الجذرية، مما حوّل الاحتجاجات المحدودة إلى انتفاضة شاملة.
ينتقل الكتاب إلى تطور المعارضة في الفصل الخامس “تصاعد المعارضة”. يبدأ من جذورها المبكرة في “ربيع دمشق” و”الشتاء الدمشقي”، ثم يصل إلى إعلان دمشق عام 2005. مع اندلاع الاحتجاجات، تشكلت المعارضة على مستويين: لجان تنسيق محلية داخل سوريا قادت الاحتجاجات الميدانية، ومؤتمر أنطاليا في تركيا في مايو 2011 الذي مهد لإنشاء المجلس الوطني السوري في خريف 2011. في مقابل ذلك، تشكلت “هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي” التي رفضت التدخل الخارجي ودعت للحوار، مما خلق انقساماً عميقاً في صفوف المعارضة. كما يصف الفصل ظهور الجيش السوري الحر كثمرة لتحول الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات مسلحة، مع لجوء النظام إلى استراتيجية “اضرب الخلد” باستخدام القوات المدرعة والميليشيات الموالية (الشبيحة)، ولعب الورقة الطائفية لإخافة الأقليات من وصول الإسلاميين السنة إلى السلطة.
أما الفصل السادس “الاستجابة الدولية” فيوسع نطاق التحليل ليشمل الصراع الجيوسياسي. يشرح كيف تحولت الأزمة السورية إلى ساحة حرب باردة إقليمية ودولية، مع “سيناريو يوم القيامة” المخيف الذي جعل الجميع يترددون في التحرك: خوفاً من انهيار الدولة السورية وتفككها إلى فوضى طائفية مثل العراق بعد 2003، أو حرب عربية-إسرائيلية. يقسم الأطراف إلى مؤيدين للأسد (إيران، حزب الله، روسيا، الصين، العراق) ومعارضين له (السعودية، قطر، تركيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي). يخصص المؤلف مساحة لدور روسيا المحوري، مشيراً إلى استثماراتها التي بلغت 19.4 مليار دولار في 2009، ومبيعات أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار، وأهمية ميناء طرطوس كقاعدة بحرية، وشعورها بالخداع بعد التدخل في ليبيا. يخلص المؤلف إلى أن الأزمة أصبحت رهينة للصراع الأكبر حول الملف الإيراني، مما جعل الحل السياسي أكثر تعقيداً.
في الفصل السابع “كل شيء على المحك”، يصل الكتاب إلى نقطة التحول الحاسمة في أغسطس 2011 حين دعا الرئيس أوباما الأسد إلى التنحي. يوضح أن النظام اختار حلاً أمنياً صارماً معتمداً على دعم روسيا والصين وإيران، بينما أصبحت المعارضة أكثر يأساً وتسلحاً. يصف تشكيل المجلس الوطني السوري في 2 أكتوبر في إسطنبول كونه مظلة للعديد من جماعات المعارضة، وتعيين الناشط برهان غليون رئيساً له. يذكر أن 60% من أعضائه كانوا مقيمين داخل سوريا. يخصص جزءاً لتحليل دور جامعة الدول العربية التي صوتت في 11 نوفمبر بأغلبية 18 دولة من أصل 22 لصالح تعليق عضوية سوريا وفرض عقوبات، وهي خطوة مفاجئة من نادٍ للديكتاتوريات. كما يناقش فشل مهمة المراقبين العرب في ديسمبر، واستخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن في 4 أكتوبر ضد مشروع قرار غربي، مما أثار اتهامات متبادلة تشبه الحرب الباردة.
يختتم الكتاب بفصلين يحللان السيناريوهات المحتملة. الفصل الثامن “إلى أين سوريا؟” يصف “الفجوة التصورية” بين النظام والغرب، وكيف أن قرارات الأسد الإصلاحية التي اعتبرها الغرب تافهة، كانت في نظره تحولات جوهرية غير مقدرة. يحلل المؤلف ثلاثة سيناريوهات: سقوط الأسد (غير مرجح بدون تدخل خارجي كبير بسبب تماسك النواة الصلبة)، بقاء الأسد (أصبح غير مستبعد بعد صمود النظام لأكثر من عام)، أو حرب أهلية طويلة (الأكثر ترجيحاً). في الخاتمة، يقدم أرقاماً مروعة عن الخسائر: من 11,000 قتيل في يونيو 2012 إلى 80,000 في مايو 2013، وفرار أكثر من 1.5 مليون لاجئ و4 ملايين نازح داخلي. يناقش فشل مبادرة جنيف في يونيو 2012 بسبب غياب السوريين أنفسهم واستبعاد إيران، ويعترف بأن إصرار المعارضة المبكر على شرط رحيل الأسد كشرط مسبق كان خطأ استراتيجياً. يقر المؤلف بأنه لا توجد إجابات سهلة، وأن سوريا لن تعود كما كانت، ويترك السؤال مفتوحاً عما إذا كان السوريون سيحتاجون إلى 15 عاماً كما في لبنان ليدركوا أن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءاً.
يقر المؤلف في عدة نقاط بحدود تحليله. فهو يعترف بأنه حتى لو تعاونت سوريا بشكل كامل، فإن الوضع في العراق لم يكن ليختلف جوهرياً. كما يقر بأن فكرة “الفاعل العقلاني” التي يستخدمها لتحليل قرارات بشار قد تُقرأ في سياق الانتفاضة الشعبية على أنها تبرير للقمع. يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية الإصلاح في ظل الهيكل الطائفي والأمني، وحول قدرة المعارضة على تجاوز انقساماتها. الحجج القابلة للنقاش في الكتاب تتمثل في تصويره لـبشار الأسد كـ”فاعل عقلاني” في مواجهة التهديدات الأميركية، وهو ما قد يُرى كتبرير للقمع. كما أن كتابته من منظور فترة مبكرة من الصراع (قبل صعود داعش والتدخل الروسي الواسع) تجعل بعض تحليلاتها محدودة السياق. أخيراً، يترك القارئ مع إحساس بأن المؤلف يميل إلى التفسير الواقعي الذي يبرر بقاء النظام كأهون الشرين، وهو موقف لا يتفق معه الكثيرون.
الأشخاص
الفصول(9)
1.الأمل12–30▼ ملخص
يُركّز فصل «الأمل» على مسار بشار الأسد من طالب طب غير متوقع للرئاسة إلى حاكم يواجه انهيار السمعة الدولية بعد أحد عشر عاماً من توليه السلطة. يقدّم ديفيد ليش إجابة واضحة: بشار أصبح رئيساً لأنه يمثل أفضل ضمان لبقاء النفوذ العلوي والمؤسسة الأمنية والعسكرية في الحكم، وليس لأنه كان المرشح الأول أو الأكثر كفاءة. يبني المؤلف حجته على التناقض الصارخ بين الآمال الكبيرة التي رافقت صعوده وبين الواقع القاسي الذي تلا ذلك.
يسير الفصل زمنياً، بدءاً من لحظة مقتل الأخ الأكبر باسل الأسد في حادث سيارة صباح ضبابي عام 1994 قرب مطار دمشق الدولي. كان بشار، وهو طبيب عيون مرخص وطالب دراسات عليا في لندن، قد عاد لمساندة العائلة، لكن هذا الحدث غيّر مسار حياته تماماً. يصف الكيفية التي تم بها صعوده المنهجي داخل هرم السلطة: رئيساً لجمعية الحاسوب السورية، ثم صعوداً سريعاً في الرتب العسكرية حتى رتبة عميد، وفي 1998 نال حقيبة لبنان الحيوية التي أخذت من نائب الرئيس عبد الحليم خدام. الغاية كانت بناء شرعيته قبل وفاة والده المفترضة.
يشرح الفصل السياقَ الطائفي الحاسم: ينتمي بشار إلى الطائفة العلوية التي تشكل 12-13% من سكان سوريا، والتي كانت مضطهدة لقرون، بل إن العالم الإسلامي ابن تيمية أفتى بتكفيرها في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. تحسنت أوضاع العلويين خلال الانتداب الفرنسي (بين الحربين العالميتين) حين تجنّدوا في الجيش بينما نظر السنّة إلى الخدمة العسكرية باشمئزاز. بعد استقلال 1946 ثم صعود حزب البعث في الخمسينيات، تسلّق الضباط العلويون السلم السياسي والعسكري حتى هيمنوا على أجهزة الأمن والدولة تحت حكم حافظ الأسد، وهو ما استمر وتعمق في عهد بشار. يخلص ليش إلى أن المؤسسة الأمنية والعسكرية العلوية ورجال الأعمال (معظمهم سنّة) رأوا في بشار أفضل ضمان للحفاظ على مكاسبهم، وهذا هو السبب الأساسي لخلافته.
بعد وفاة والده في 10 يونيو 2000، رشّحه حزب البعث unanimously في اليوم التالي، وغيّر البرلمان المادة 83 من الدستور ليخفض سن الرئاسة من 40 إلى 34 عاماً (عمر بشار المولود في 11 سبتمبر 1965). في 24 يونيو انتخب أميناً عاماً للحزب في المؤتمر القطري التاسع (أول مؤتمر منذ 15 عاماً)، وبعد ثلاثة أيام صوّت البرلمان لصالحه، وحصل في استفتاء شعبي على 97.29% من الأصوات، وأدى اليمين في 17 يوليو 2000. كان خطاب تنصيبه منعشاً بشكل لافت: انتقد البيروقراطية ووصفها بـ«العائق الرئيسي»، وصرّح بأن «السلطة دون مسؤولية تسبب الفوضى»، ودعا إلى التخلي عن الأفكار القديمة، لكنه استبعد أي ديمقراطية على النمط الغربي.
يصف الفصل «ربيع دمشق» الذي أعقب توليه السلطة بسبعة أو ثمانية أشهر، واتسم بعفو عام عن السجناء السياسيين، وترخيص صحف خاصة، وتفكيك عبادة الشخصية التي كانت تحيط بوالده. لكن «الحرس القديم» في المؤسسة الأمنية تدخّلوا وأغلقوا المساحة، وأُعيد سجن ناشطين، وتراجع الإصلاح السياسي تماماً. يوضح ليش أن ما حدث كان «انتقائياً»: إصلاحات اقتصادية وإدارية محدودة، لكن لا مساس بالنظام الحزبي الواحد أو البنية الاستبدادية التي يسميها «دولة المخابرات» (mukhabarat state).
ينتقل الفصل إلى العزلة الإقليمية والدولية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وغزو العراق 2003. يروي الكاتب حواراً مع مسؤول في مكتب ديك تشيني قال له: «هؤلاء الأوغاد يقتلون أبناءنا في العراق»، في إشارة إلى اتهام النظام السوري بالتغاضي عن تدفق المقاتلين الأجانب. يقدّم المؤلف تحليلاً تعاطفياً: عندما ينظر بشار من دمشق، يجد نفسه محاطاً بقوى معادية – تركيا شمالاً (عضو في الناتو)، وإسرائيل جنوباً، والأردن حليف أميركي، والعراق بعد الغزو يحوي 150,000 جندي أميركي على حدوده الشرقية. لبنان كان الصديق الوحيد، لكنه كان يغلي احتجاجاً على الوجود العسكري السوري، خصوصاً بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، وهو ما حمّلت واشنطن مسؤوليته لدمشق.
يستعرض الفصل اتهامات محددة من مسؤولين أميركيين: ديك أرمي (جمهوري) قال إن سوريا تدعم الإرهاب وتخزن أسلحة دمار شامل، وإليوت إنجل (ديمقراطي) صرّح بأن «سوريا دولة إرهابية صغيرة ومتداعية»، وشيللي بيركلي (ديمقراطية) وصفت بشار بأنه «إرهابي أكثر لطفاً، لكنه إرهابي». يرى ليش أن هذه التصريحات كانت تفتقر إلى الفهم العميق لكيفية عمل النظام السوري، مشيراً إلى أن التغيير في سوريا يحدث ببطء شديد وبشكل تدريجي، مستشهداً بتأخّر افتتاح المصارف الخاصة حتى 2004 وسوق الأوراق المالية حتى 2009 رغم الإعلان عنها مبكراً.
في تحليلٍ لقرارات بشار، يجادل المؤلف بأنه تصرّف كـ«فاعل عقلاني»: أراد إفشال عقيدة بوش وإرهاق القوات الأميركية في العراق، لكن مع تجنّب ضربة عسكرية مباشرة. كما أن الضغط الخارجي زاد من حاجته لاستمالة القومية العربية والإسلامية داخل سوريا، مما أعطاه مبرراً لضرب النشطاء المدنيين واتهامهم بأنهم عملاء للغرب. ويعترف ليش بأنه حتى لو تعاونت سوريا بشكل كامل، فإن الوضع في العراق لم يكن ليختلف جوهرياً، لكن القليل من التعقيد كان يمكن أن يحدث فرقاً في بقاء النظام من وجهة نظر دمشق.
يختتم الفصل بفكرة التوقعات المرفوعة التي كانت «المشكلة الرئيسية» لبشار منذ البداية. يذكر أن إعلامه بأنه يحب موسيقى فيل كولينز واهتمامه بكاميرات السوني وكونه طبيب عيون، كلها عناصر بنت صورة زائفة عنه كإصلاحي غربي. يوضح المؤلف أن بشار قضى فقط 18 شهراً في لندن، وهي ليست سنواته التكوينية؛ إنه ابن حافظ الأسد، وطفل الصراع العربي الإسرائيلي والحرب الباردة، والمسؤول عن الحفاظ على المصالح التقليدية للنظام العلوي. هواياته قد تكون حديثة، لكن واجبه الأساسي كان دائماً الحفاظ على الاستقرار والنفوذ.
في نهاية الفصل، يقرّ المؤلف صراحة بأن بشار لم يعد القائد غير المختبر: «لا أحد يبقى رئيساً لسوريا طويلاً دون أن يكون قادراً وماكراً». لكن الفصل يترك أسئلة مفتوحة حول مدى إمكانية حدوث إصلاح حقيقي في ظل هذا الهيكل الطائفي والأمني، وحول ما إذا كان خيار التصعيد العسكري عام 2011 هو نتيجة حتمية للضغوط السابقة وطبيعة النظام. الحجة القابلة للنقاش تتمثل في تصوير ليش لبشار كـ«فاعل عقلاني» في مواجهة تهديدات أميركية، وهو ما قد يُقرأ في سياق الانتفاضة الشعبية التي بدأت بعد سنوات قليلة من كتابة الفصل على أنه تبرير للقمع.
3.سوريا مختلفة32–65▼ ملخص
ملخص فصل "سوريا مختلفة" من كتاب "Syria" لـ David W. Lesch
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا اعتقد نظام بشار الأسد أنه محصن من موجة الاحتجاجات التي اجتاحت العالم العربي في بدايات عام 2011، المعروفة بالربيع العربي؟ يجيب المؤلف بأن النظام راهن على مجموعة من العوامل التي جعلته يظن أن "سوريا مختلفة"، لكنه يخلص إلى أن هذا الاعتقاد كان خاطئاً تماماً، وأن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي فجرت الثورات في تونس ومصر كانت موجودة أيضاً في سوريا، مما جعلها عرضة للانفجار ذاته.
يسير الفصل وفق بنية زمنية واضحة، حيث يستعرض أولاً النجاحات الدبلوماسية والسياسية التي حققها النظام السوري في الفترة من 2005 حتى أواخر 2010، وكيف أدت هذه النجاحات إلى بناء ثقة مفرطة لدى بشار الأسد، قبل أن ينتقل إلى تحليل الأسباب التي جعلته يعتقد بأن بلاده بمنأى عن الاحتجاجات، ثم يكشف عن المغالطة في هذا التفكير.
يبدأ الفصل بتفصيل المواقف الصعبة التي واجهها الأسد في 2005، وعلى رأسها تداعيات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. تحت ضغط دولي وإقليمي هائل، اضطر الأسد إلى سحب قواته بالكامل من لبنان في أبريل 2005. لكنه، وبشكل مفاجئ للكثيرين، استخدم هذه الأزمة لتعزيز قبضته على السلطة في الداخل، كما يشير المحلل جوشوا لاندس بقوله إن الأسد "ربما خسر بيروت، لكنه ربح دمشق". تجلى ذلك في إجبار نائب الرئيس عبد الحليم خدام على الاستقالة في يونيو 2005، وإعادة تشكيل الحكومة في 2006 بإخلاصيين.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى العلاقة المتقلبة مع الولايات المتحدة، والتي وصفت بأنها "فصامية". ففي الوقت الذي كانت فيه إدارة بوش تضغط على سوريا، كان هناك خلاف داخلي بين من يريدون إسقاط النظام ومن يخشون من عواقب انهياره. استغلت دمشق ملف العراق كأداة ضغط، فسلمت بعض المطلوبين لكنها أبقت الغموض حول دورها في تسهيل تدفق المقاتلين الأجانب، مدركة قيمة هذه الورقة. يذكر الفصل أن دراسات في 2005 و2006 خلصت إلى أن المقاتلين الأجانب كانوا يشكلون أقل من 10% من إجمالي المسلحين في العراق، لكنهم كانوا مسؤولين عن غالبية العمليات الانتحارية.
شهد 2006 نقطتي تحول رئيسيتين. أولاً، أدى تفجير مرقد العسكريين في سامراء إلى اندلاع حرب طائفية في العراق، مما خلق تقاطعاً في المصالح مع واشنطن، حيث لم يكن أي من الطرفين يريد انهيار العراق بالكامل. ثانياً، حرب إسرائيل على حزب الله في صيف 2006. اعتبرت دمشق أن "انتصار" حزب الله هو انتصار لها، مما أعاد لسوريا بعضاً من أوراق القوة الدبلوماسية التي فقدتها، ورفع من شعبية الأسد إقليمياً ومحلياً. ركب الأسد موجة شعبية زعيم حزب الله حسن نصر الله لتعزيز شرعيته.
مع اقتراب نهاية ولاية بوش، بدأت جدران العزلة حول سوريا تنهار. في يوليو 2008، استضاف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الأسد في باريس ضمن قمة الاتحاد من أجل المتوسط، وهو اختراق دبلوماسي كبير. كما قامت تركيا برعاية مفاوضات سلام غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل. لكن هذا التقارب لم يكن مستقراً، ففي أكتوبر 2008، شنت القوات الأمريكية غارة عبر الحدود السورية في منطقة أبو كمال، وقتلت مسؤولاً في القاعدة يُدعى أبو غادية، مما أدى إلى تجميد التعاون السوري مؤقتاً. ومع فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية، راهن الأسد على بداية جديدة.
يخصص جزء كبير من الفصل لتحليل شخصية بشار الأسد وتطورها. يصفه الكاتب بأنه كان في 2004 غير متأكد من نفسه، ثم أصبح في 2005 دفاعياً وغاضباً، لكنه بدأ منذ صيف 2006 يشعر بثقة متزايدة وصلت إلى حد الغرور والرضا عن النفس بحلول انتخابات 2007. يقدم الكاتب مشاهد من هذه الانتخابات التي حصل فيها الأسد على أكثر من 97% من الأصوات بنظام الاستفتاء، مشيراً إلى أن المشاهد الحماسية كانت منظمة، لكنه لاحظ أن الأسد بدأ يصدق المتملقين ويعتبر قيادة البلاد قدراً. في مقابل ذلك، يظهر الفصل أن الأسد ليس كلي القدرة، ويواجه فساداً منهجياً وجموداً بيروقراطياً، ويحتاج للمساومة والتلاعب لإنجاز الأمور. كان يعلم أن عودة الجولان هي مفتاح شرعيته الداخلية، وقال للكاتب بعاطفة: "إذا استعدت الجولان، سأكون بطلاً".
في خضم هذا الاستعراض للقوة والثقة، جاءت شرارة الربيع العربي في ديسمبر 2010 بإحراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي لنفسه. يشرح الفصل الآلية التي أدت إلى الانفجار: ففي العالم العربي، وُجد عقد اجتماعي بتوفير التعليم المجاني، مما أدى إلى تخريج مئات الآلاف سنوياً "تمت تعبئتهم (Mobilized) لكن لم يتم استيعابهم (Assimilated)" في الاقتصاد، كما يقول الباحث فيليب خوري. لم تستطع الاقتصادات المتعثرة توفير الوظائف اللائقة، مما خلق فجوة هائلة بين التوقعات والواقع، وزادت من حدة الغضب التفاوت في الثروات والفساد وغياب الحريات.
اعتقاد النظام بأن سوريا "مختلفة" استند إلى عدة حجج عرضها الفصل بوضوح. أولها، أن الأسد كان لا يزال شاباً نسبياً (45 عاماً) مقارنة بقادة تونس ومصر. ثانيها، أنه كان على "الجانب الصحيح" من الصراع العربي الإسرائيلي، بدعمه للمقاومة (حماس وحزب الله)، مما جعله يحظى بشرعية شعبية في نظر الكثيرين. ثالثها، أن الإصلاحات التي بدأها، وإن كانت بطيئة، تحتاج إلى وقت كي تؤتي ثمارها. وأخيراً، فشل الدعوات المبكرة للتظاهر في سوريا في يناير وفبراير 2011، حيث لم يخرج سوى بضعة عشرات، مما عزز شعور النظام بالأمان.
يختتم الفصل بكشف زيف هذا الاعتقاد. يؤكد المؤلف أن "العاصفة المثالية" من ارتفاع أسعار السلع، وتضخم أعداد الشباب، وفساد النخبة، كلها عوامل كانت موجودة في سوريا كما في غيرها. لقد حطمت ثورتا تونس ومصر "حاجز الخوف". وبعد أن أظهرت المقالات المديحية في نيويورك تايمز ولوس أنجلوس تايمز عن سوريا في ديسمبر 2010، وصورة السيدة الأولى أسماء الأسد في مجلة فوغ كـ "وردة في الصحراء"، أصبحت التقارير بعد عام واحد فقط تتحدث عن "آلة القتل". كان الاعتقاد بأن سوريا مختلفة مجرد وهم، وهذا الهوس بالثقة هو الذي جعل النظام غير مستعد للزلزال الذي ضربه في مارس 2011، مما أطاح بكل افتراضاته وبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد.
4.لا، ليست كذلك66–79▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على نقطة انطلاق الانتفاضة السورية في مدينة درعا في مارس 2011، ويُقدّم تحليلاً للأسباب الكامنة وراءها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الانتفاضة لم تكن مجرد رد فعل على حدث واحد، بل كانت نتاج تراكم لعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، فجّرها حادث اعتقال الأطفال في درعا.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف الحادثة التي أشعلت الشرارة. في بداية مارس 2011، كتب عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و15 سنة عبارة "يسقط النظام" على جدار مدرستهم في درعا، مستلهمين شعارات من الثورة المصرية. استخدم الأطفال كلمة "نظام" بدلاً من "حكومة"، مما يشير إلى أن استهدافهم كان للنظام السياسي وليس للحكومة فحسب. قامت قوات الأمن المحلية باعتقال الأطفال، ووفقاً للتقارير، تم إرسالهم إلى دمشق حيث تعرضوا للتعذيب، على الرغم من محاولات عائلاتهم التفاوض على إطلاق سراحهم لمدة أسبوعين.
يتوسع الفصل ليصف تطور الأحداث. في 15 مارس، تظاهر بضع مئات من الأشخاص، معظمهم من عائلات الأطفال المعتقلين، أمام مسجد العمري في درعا مطالبين بإطلاق سراحهم وإصلاح النظام. أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص. في اليوم التالي، تضخم الحشد إلى حوالي 20,000 شخص لحضور جنازات القتلى، وألحقوا أضراراً بمقرات حكومية رمزية. في 23 مارس، شنت القوات السورية هجوماً عنيفاً على مسجد العمري الذي تحول إلى مستشفى ميداني، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة عشر مدنياً وإصابة المئات. قامت الحكومة بقطع الخدمات الأساسية عن درعا (الكهرباء والمياه والهواتف المحمولة) وحاصرتها لعزلها "كالحجر الصحي" لمنع انتشار العدوى.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل العوامل الأساسية الكامنة وراء الانتفاضة، ويبدأ بالاقتصاد. يستشهد المؤلف بكتاباته السابقة من عام 2005 التي حذرت من أن النمو الاقتصادي في سوريا كان منخفضاً جداً (حوالي 3% في 2003) لخلق فرص عمل كافية، خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، حيث قدرت البطالة آنذاك بحوالي 30% . يصف الفصل الإصلاحات الاقتصادية التي جرت في العقد الأول من حكم بشار الأسد، مثل تأسيس البنوك الخاصة في 2004 (التي وصل عددها إلى 13 بنكاً بحلول 2010)، وإنشاء سوق دمشق للأوراق المالية في 2009، وجذب الاستثمارات الأجنبية (خاصة في السياحة والعقارات). ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن هذه الإصلاحات كانت متعرجة ومتقطعة، مما أدى إلى خلق "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي قلص شبكة الأمان الاجتماعي دون تحقيق إصلاحات سوقية فعالة.
يوضح الفصل أن الاقتصاد السوري كان يعاني من مشاكل هيكلية خطيرة بحلول عام 2011، حيث يُقدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2010 بحوالي 3.9%، وهو أقل بكثير من نسبة 6-7% اللازمة لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل. بلغت نسبة البطالة بين الشباب تحت سن 25 حوالي 60% (حوالي 53% للإناث و 67% للذكور)، ويشكل من هم دون 25 عاماً حوالي 60% من السكان البالغ عددهم 22 مليون نسمة. تفاقمت المشكلة بسبب الجفاف الذي ضرب القطاع الزراعي، وانخفاض إنتاج النفط من ذروة 610,000 برميل يومياً في 1995 إلى حوالي 385,000 برميل يومياً في 2010، مما جعل سوريا على وشك أن تصبح مستورداً صافياً للنفط. نتيجة لذلك، كان حوالي 30% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر في 2010.
يُسلط الفصل الضوء على مشكلة رئيسية أخرى وهي التفاوت الكبير في توزيع الثروة، حيث أدت جهود الخصخصة إلى إثراء نخبة صغيرة مرتبطة بالنظام سياسياً أو عائلياً، مما أدى إلى ظهور "الرأسمالية المحسوبية". يُذكر رامي مخلوف (ابن عم الرئيس) وفراس طلاس كأمثلة على "الأوليغارشية الاقتصادية" التي احتكرت قطاعات مهمة. يُفسر هذا السبب في توجيه غضب المحتجين ضد رامي مخلوف بقدر ما كان موجهاً ضد الرئيس نفسه، حيث رأوا فيهما رمزين للفساد والوصول المميز للثروة.
ينتقل الفصل إلى عامل الفساد، مشيراً إلى أن سوريا احتلت المرتبة 127 من أصل 178 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2010. ويصف الكيفية التي أصبح بها الفساد أسلوب حياة، حيث يجب دفع الرشاوى لإنجاز أي شيء، من إصلاح السباكة إلى الحصول على ترخيص تجاري.
أخيراً، يحلل الفصل عنصر القمع، موضحاً أن أجهزة المخابرات في سوريا كانت واسعة الانتشار وتضم ما يُقدر بـ 50,000-70,000 ضابط أمن متفرغ، بميزانية سنوية تزيد عن 3 مليارات دولار، أي ما يعادل أكثر من ثلث الميزانية العسكرية. يصف الفصل الأجواء من الخوف والترهيب التي خلقتها هذه الأجهزة، مع إعطاء مثال شخصي للمؤلف عن احتجازه واستجوابه في المطار في 2007. ويخلص إلى أن تمادي المخابرات في صلاحياتها وطابعها التعسفي كان له نتائج عكسية، حيث أن غطرستهم الجماعية في التعامل مع أطفال درعا هي التي أشعلت الانتفاضة. يربط الفصل اندلاع الاحتجاجات بـ "تأثيرات الإظهار" من ثورات تونس ومصر، حيث شعر السوريون أن "جدار الخوف" قد انكسر ورأوا إمكانية التغيير.
يمكن الإشارة إلى أن الفصل يقدم حجة واضحة مفادها أن الانتفاضة السورية لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة حتمية لتراكم الإخفاقات الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي والفساد المستشري والقمع الممنهج. يقر المؤلف ضمنياً بأن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذها بشار الأسد كانت غير كافية ومتناقضة، وأنه فشل في كبح جماح أجهزة الأمن. تظل الأسئلة حول "ماذا بعد الربيع العربي" والنتائج النهائية له مفتوحة في الفصل، ويشير إلى الطبيعة الطويلة وغير المحسومة للصراع.
5.النظام يرد80–97▼ ملخص
بدأت الاحتجاجات في سوريا خلال النصف الثاني من آذار/مارس 2011، ولم تقتصر على درعا، بل امتدت إلى مدن أخرى مثل بانياس ذات الأغلبية السنية المحافظة، التي احتجت على مراسيم حكومية اعتبرتها معادية للإسلام، وخصوصاً منع المعلمات من ارتداء النقاب في صيف 2010. كما ظهرت احتجاجات في حمص، القامشلي ذات الغالبية الكردية، الحسكة، حماه، اللاذقية، وبعض ضواحي دمشق. في تلك المرحلة المبكرة، كانت الاحتجاجات عفوية ومحلية، تركز على قضايا تهم كل مدينة على حدة، دون تنسيق وطني يذكر، ولم تكن تطالب بإسقاط النظام بقدر ما كانت تطالب بإصلاحات حقيقية ومكافحة الفساد والقمع.
في 24 آذار/مارس 2011، أعلنت الحكومة السورية حزمة إصلاحات، شملت تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث ومحاكمة المسؤولين عن إراقة الدماء، ورفع أجور موظفي الدولة بنسبة 20-30%، وتخفيض ضريبة الدخل، وزيادة المعاشات. وتحدثت المتحدثة باسم الحكومة بثينة شعبان عن إصلاحات في الصحة والقضاء والإعلام ومكافحة الفساد، والسماح بأحزاب سياسية جديدة. وكان أبرز الإعلانات هو تشكيل لجنة لدراسة رفع حالة الطوارئ السارية منذ 1963، والتي كانت البلاد تعيش بموجبها تحت قانون الطوارئ رقم 51 الصادر في 9 آذار 1963، وهو القانون الذي استُخدم لقمع المعارضة. وأكدت شعبان أن الرئيس بشار الأسد لا يقبل إراقة الدماء، ووصفت مطالب الشعب بأنها "مشروعة".
ظل الرئيس الأسد صامتاً لأكثر من أسبوع، مما أثار تساؤلات حول مكانه. يذكر المؤلف ديفيد ليش أنه أرسل رسائل مباشرة إلى بثينة شعبان على أمل أن تصل إلى الرئيس الأسد، نصحه فيها بالمبادرة إلى إصلاحات حقيقية وجذرية، مثل وضع حدود لفترة الرئاسة، والسماح بأحزاب حقيقية، وإجراء انتخابات تحت إشراف قضائي دولي، وإنهاء حالة الطوارئ. لكن نصائحه لم تُؤخذ. ويشير المؤلف إلى أن النظام فوجئ بحجم الاحتجاجات وسرعة تصاعدها، وكان هناك انقسام داخل الدائرة المقربة من الرئيس حول كيفية الرد: بالقمع المعهود أم بالإصلاح. ويضيف أن أحد المسؤولين السوريين الكبار قال له إن قرار الرد في المراحل الأولى استند إلى منطق "فعل عكس ما فعله الرئيسان التونسي والمصري"، اللذين يُعتقد أنهما أظهرا ضعفاً وأُطيحا بهما بسرعة.
ألقى الرئيس الأسد خطابه الأول أمام مجلس الشعب في 30 آذار/مارس، وهو الخطاب الذي يعتبره المؤلف "مثيراً للشفقة" ونقطة تحول سلبية. ركز الخطاب على أن الهدف الأساسي هو "حماية أمن البلاد واستقرارها"، وروج لفكرة "المؤامرة الخارجية" التي تحيكها "أقلام كثيرة في دول قريبة وبعيدة" (في إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة). واتهم قنوات فضائية مثل الجزيرة ووسائل التواصل الاجتماعي بأنها أدوات لهذه المؤامرة. اعترف الأسد بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، لكنه قال إن الإصلاحات المعلنة هي قرارات سابقة من مؤتمر الحزب عام 2005، وليست استجابة للضغوط، رافضاً بذلك أن يُظهر ضعفاً. وختم خطابه باقتباس قرآني "الفتنة أشد من القتل" لتحذير المحتجين، واصفاً ما يحدث بأنه "مؤامرة كبرى" لا حل وسط فيها.
أثار الخطاب ردود فعل سلبية واسعة، وتلته موجة احتجاجات عنيفة في أنحاء البلاد واجهها النظام بقمع متصاعد. في 31 آذار/مارس، شكل الأسد لجنة لدراسة إنهاء حالة الطوارئ، وفي 1 نيسان/أبريل رفع رواتب موظفي الدولة. في 4 نيسان/أبريل، أقيل محافظ درعا. وفي 6 نيسان/أبريل، أعلنت الحكومة منح الجنسية لنحو 250,000 كردي كانوا يعتبرون عديمي الجنسية، وجعل عيد النوروز عطلة رسمية. كما أُلغيت عقوبة منع النقاب للمعلمات، وأُغلق الكازينو الوحيد في البلاد، وسُمح بتشكيل حزب إسلامي موالٍ للحكومة. في 14 نيسان/أبريل، أُفرج عن مئات المعتقلين السياسيين.
في خطابه أمام الحكومة الجديدة في 16 نيسان/أبريل، أعلن الأسد رفع حالة الطوارئ وتحدث مطولاً عن المشاكل الاقتصادية والبطالة، لكنه لم يقدم رؤية سياسية جديدة أو محددة. في 19 نيسان/أبريل، أقرت الحكومة قانوناً لرفع حالة الطوارئ، وفي 21 نيسان/أبريل وقع الأسد مراسيم إنهائها وإلغاء محاكم أمن الدولة العليا. لكن هذه الإصلاحات قوبلت بتشكك واسع، إذ ظلت قوانين أخرى مقيدة قائمة، مثل قانون يجرم الانتماء لـالإخوان المسلمين بالإعدام، وقانون غامض "لحماية الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب". بالنسبة لكثير من السوريين، استمرت حالة الطوارئ "باسم غير اسمها".
في الختام، يقدّم الفصل حجة واضحة مفادها أن النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، فشل في تقديم استجابة جادة وحقيقية للمطالب الشعبية في اللحظة الحاسمة. اختار النظام، بحسب المؤلف، مسار المماطلة والإصلاحات الشكلية والاعتماد على خطاب المؤامرة الخارجية، بدلاً من المبادرة بإصلاحات جذرية. يمكن القول إن هذه الاستراتيجية، التي أرادت تجنب "ضعف" بن علي ومبارك، كانت في الواقع العامل الذي حوّل الاحتجاجات المحدودة إلى انتفاضة شاملة لا رجعة فيها.
6.تصاعد المعارضة98–132▼ ملخص
بدأ الفصل بوصف الجذور المبكرة للمعارضة السورية، متتبعاً إياها إلى ربيع دمشق عام 2000، الذي أعقب تولي بشار الأسد السلطة. في ذلك الوقت، صاغ ناشطو المجتمع المدني بيان الـ 99 الذي طالب بإصلاحات سياسية معتدلة، تلاه بيان الألف الأكثر جرأة في يناير 2001، والذي هاجم صراحةً حكم حزب البعث ودعا إلى نظام متعدد الأحزاب. لكن هذا الجرأة أعطت ذريعة للأجنحة المتصلبة في النظام لدفع الرئيس إلى التراجع، فيما عُرف بقدوم الشتاء الدمشقي، حيث صدرت مراسيم قيدت الحريات، وبرر الأسد القمع في مقابلة صحفية بأن أي تحرك يهدد stability الوطن لا يمكن أن يكون إلا بتآمر خارجي أو عن غير قصد، وكلاهما يخدم أعداء البلاد. تعرض ناشطون مثل رياض سيف وميشيل كيلو ورياض الترك للمضايقة والسجن.
بعد جمود نسبي، شهدت الفترة 2005-2006 موجة جديدة من النشاط المعارض، مدفوعة باغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005، والانسحاب السوري من لبنان، والضغوط الدولية بقيادة أمريكا وفرنسا والسعودية. في أكتوبر 2005، صدر إعلان دمشق الذي وقع عليه أكثر من 250 شخصية معارضة، داعياً إلى إصلاح تدريجي وسلمي نحو دولة ديمقراطية غير طائفية. لكن انضمام شخصيات مثل عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السابق الذي أُقصي عن منصبه، إلى المعارضة في مارس 2006 بتشكيل جبهة الإنقاذ الوطني مع الإخوان المسلمين، أضر بالحركة أكثر مما نفعها، حيث كان خدام رمزاً للفساد والقمع. كما أن اتهام المعارضة في الخارج بالعمالة للغرب، واعتمادها على دعم خارجي، أفقدها مصداقيتها لدى كثير من السوريين. مع تحسن العلاقات السورية-السعودية وصعود أوباما، تضاءل تأثير هذه الجبهة وتلاشت بحلول 2009.
ينتقل الفصل إلى اندلاع الاحتجاجات في سياق الربيع العربي. في 26 يناير 2011، أضرم حسن علي عقلة النار في نفسه في الحسكة احتجاجاً على سياسات الحكومة، لكن لم يحرك ذلك احتجاجات واسعة. دعوات يوم الغضب في 4-5 فبراير لم تحقق النجاح المأمول بسبب الخوف. لكن نقطة التحول الحاسمة كانت اعتقال وتعذيب أطفال درعا، وهو ما أصبح رمزاً للقمع العشوائي وأشعل شرارة الغضب. في 15 مارس، اندلعت احتجاجات في درعا ودير الزور والحسكة وحماة، وتصاعدت في جمعة الكرامة في 18 مارس وجمعة العزة في 25 مارس، وتزايد عدد القتلى. في المقابل، شهدت مدينتا دمشق وحلب الأكبر احتجاجات محدودة فقط، بسبب الدعم الاقتصادي والوظيفي لسكانهما، والوجود الأمني الكثيف، وخوف الطبقة التجارية من الفوضى.
وصف الفصل استراتيجية النظام بأنها انفصامية: تقديم وعود بالإصلاح (كرفع حالة الطوارئ) مع تكثيف القمع العسكري. استخدمت القوات المدرعة والنخبة، خاصة فرقة ماهر الأسد الرابعة والحرس الجمهوري، لضرب الاحتجاجات في أي مكان تظهر فيه، في استراتيجية "اضرب الخلد". كما لعبت الميليشيات الموالية، الشبيحة، دوراً في القمع. اتهم النظام الاحتجاجات بأنها مؤامرة أجنبية ودبرها إرهابيون وعصابات مسلحة، ولعب ورقة الطائفية لإخافة الأقليات (علويين، مسيحيين، دروز) من وصول الإسلاميين السنة إلى السلطة، مما دفع كثيرين إلى دعم النظام خوفاً من الفوضى. في أبريل، قال أحد سكان درعا: "ليأت أوباما أو إسرائيل أو اليهود... أي شيء أفضل من بشار الأسد".
في غضون ذلك، كانت المعارضة في طور التنظيم. أشار الفصل إلى دور اللجان التنسيقية المحلية التي تشكلت من شباب تقني داخل سوريا، والتي قادت الاحتجاجات الميدانية ووثقتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما عُقد مؤتمر أنطاليا في تركيا في الفترة من 31 مايو إلى 3 يونيو 2011، بحضور حوالي 300 شخصية معارضة، لمحاولة توحيد المعارضة في الخارج، مما مهد الطريق لتأسيس المجلس الوطني السوري في خريف 2011. رفضت المعارضة في هذا المؤتمر عروض الحوار والعفو التي أطلقها الأسد في يونيو. في خطابه الأخير الذي نُقل في الفصل، اتهم الأسد الاحتجاجات بأنها "جراثيم" لا يمكن استئصالها إلا بالقوة.
في الختام، اعترف الفصل بوجود فجوة بين المعارضة في الخارج (القديمة) والمعارضة الشبابية في الداخل، وباستمرار الانقسامات والخلافات داخل صفوف المعارضة رغم محاولات التوحيد. كما أقر بأن النظام ظل متماسكاً إلى حد كبير بفضل ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية والأقليات، رغم ظهور تقارير عن حالات انشقاق فردية. تُركت أسئلة مفتوحة حول قدرة المعارضة على تجاوز خلافاتها، وحول ما إذا كان النظام سينهار أم سينجح في إخماد الانتفاضة.
7.الاستجابة الدولية133–174▼ ملخص
تبدأ الاستجابة الدولية للانتفاضة في سوريا بحذر وترقب من جميع الأطراف المعنية، وكأن الجميع يأمل في أن تزول الأزمة من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة. لكن سرعان ما أصبح واضحاً بحلول خريف 2011 أن الأزمة السورية تحوّلت إلى ساحة لحرب باردة إقليمية بين إيران وحلفائها (سوريا، حزب الله في لبنان، والعراق بقيادة شيعية) وبين السعودية وحلفائها (قطر، إسرائيل، الولايات المتحدة، وتركيا). كما ظهرت حرب باردة جديدة على المستوى الدولي بين كتلة تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأخرى تقودها روسيا والصين.
يشرح المؤلف التردد الدولي في التحرك ضد نظام بشار الأسد رغم تصاعد العنف بـ"سيناريو يوم القيامة" الذي يخشاه الجميع: انهيار الدولة السورية وتفككها إلى فوضى طائفية تشبه العراق بعد 2003، بل قد تكون أسوأ. كان القلق الأكبر أن يؤدي انهيار الدولة إلى حرب إقليمية، أو حتى حرب عربية-إسرائيلية، قد يجرّ إيران وحزب الله وتركيا والسعودية إليها. كان الجميع يفضل أن يطبق الأسد الإصلاحات وينهي العنف ليتجنب انهيار سوريا.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى استعراض مواقف الأطراف الدولية والإقليمية واحداً تلو الآخر، مجمّعاً إياهم في فئتين: المؤيدون للأسد، والمعارضون له وفي صفّ المعارضة.
المؤيدون للأسد:
- إيران: تقوم العلاقة على مبدأ "عدو عدوي صديقي"، حيث كان العدو المشترك هو العراق تحت حكم صدام حسين. تدعم إيران سوريا لأنها تمنحها نفوذاً في قلب الشرق الأوسط وعمقاً استراتيجياً، خاصة عبر دعم حزب الله. مع اندلاع الثورة، اتهمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالتآمر، وقدمت مساعدة تقنية لمراقبة الإنترنت والهواتف. والمثير للدهشة أن طهران بدأت في صيف 2011 تشجع الأسد على الإصلاح ووقف العنف، بل واتصلت بالمعارضة تحسباً لسقوطه.
- لبنان/حزب الله: تعتبر سوريا لبنان مجالاً حيوياً لأمنها. بعد انسحاب الجيش السوري 2005، أصبح حزب الله أداة سوريا للحفاظ على نفوذها. دعم الحزب النظام رسمياً، لكن زعيمه حسن نصر الله نصح الأسد بالإصلاح أيضاً، وربما أقام اتصالات مع المعارضة تحسباً لأي طارئ.
- اليمن والجزائر والعراق: لم يقفز قادة هذه الدول بقوة ضد الأسد لأسباب تتعلق بالبقاء. الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لم يرد إنشاء سابقة ضده. الجزائر، التي عاشت حرباً أهلية، تريد تجنب أي استفزاز. أما العراق فله علاقات تجارية قوية مع سوريا (حدود 400 ميل، خط أنابيب نفط عاد للعمل)، وتأثير إيراني واسع على حكومته، لذا لم يصوت ضد الأسد إلا في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأقل إلزاماً.
- حماس: كانت علاقتها معقدة. إنها منظمة سنية، ومعظم المحتجين السوريين سنة، مما وضعها في مأزق. بدأت بالتراجع عن دعم الأسد تدريجياً، وقطعت علاقاتها معه بحلول بداية 2012، مما أغضب إيران التي قطعت تمويلها. يشير المؤلف إلى أن النظام السوري ربما استغل القضية الفلسطينية في مايو ويونيو 2011 بتسيير فلسطينيين لخرق الحدود في الجولان لصرف الأنظار عن الانتفاضة الداخلية، في خرق لاتفاق فض الاشتباك المُتبع منذ 1973.
المعارضون للأسد:
- روسيا (والصين): الدعم الروسي يعود إلى حقبة الحرب الباردة. الأسباب متعددة: استثمارات روسية في سوريا بلغت 19.4 مليار دولار في 2009، ومبيعات أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار خلال العقد الماضي (سابع أكبر زبون لروسيا)، وأهمية استراتيجية لميناء طرطوس كقاعدة بحرية في البحر المتوسط. كما أن روسيا شعرت بالخداع بعد قرار الأمم المتحدة رقم 1973 حول ليبيا، الذي استُخدم لتبرير تدخل الناتو وإسقاط القذافي، وهي ترفض تكرار السيناريو في سوريا. كما ترى موسكو أن الغرب يطبق معايير مزدوجة، وتخشى أن يؤدي إضعاف الأسد إلى إضعاف إيران وإشعال حرب إقليمية.
- تركيا: كانت علاقات أنقرة مع دمشق ممتازة قبل الثورة، ووصل حجم التبادل التجاري في 2010 إلى 2.5 مليار دولار. لكن القمع الوحشي جعل رئيس الوزراء أردوغان يغير موقفه، وبدأ بتحذير الأسد. بحلول سبتمبر 2011، قطع أردوغان جميع العلاقات وأعلن حظراً للأسلحة على سوريا، واستضاف المعارضة السورية وجيشها الحر. كان السبب هو خشية أردوغان من فقدان شعبيته في العالم الإسلامي التي بناها على دعم الديمقراطية.
- السعودية وقطر: بدأتا بحذر، لكنهما تحركتا بعد أن تزايد العنف وأصبح واضحاً أن الأسد على وشك السقوط. أرادت الرياض تقليص النفوذ الإيراني، وأعلن الملك عبد الله في 8 أغسطس أن سوريا ستُسحب إلى "الدوامة" إذا لم تُصلح. أما قطر، فاستخدمت نفوذها الإعلامي عبر الجزيرة وأسهمت في دعم الإسلاميين في الثورات العربية، وقطعت علاقاتها مع دمشق مبكراً في 17 يوليو.
- إسرائيل: بقيت صامتة في البداية، مفضلة "الشيطان الذي تعرفه" على الفوضى. خشيت من مصير أسلحة سوريا الكيماوية والصواريخ. لكن مع تزايد العنف وتحول الموقف الدولي ضد الأسد، بدأ قادة إسرائيليون مثل شمعون بيريز يدعون الأسد للتنحي في يوليو، وتركز النقاش على أن سقوطه سيكون ضربة موجعة لإيران وحزب الله.
- الولايات المتحدة (والاتحاد الأوروبي): تبعت السياسة الأمريكية مساراً دبلوماسياً مع الأسد في بداية ولاية أوباما، وتم تعيين سفير (روبرت فورد) في دمشق بعد شغور المنصب منذ 2005. لكن مع تصاعد العنف، تحول الموقف الأمريكي إلى معارضة واضحة للأسد.
يخلص المؤلف إلى أن الأزمة السورية لم تعد محلية، بل أصبحت رهينة للصراع الجيوسياسي الأكبر في الشرق الأوسط، وخاصة الملف الإيراني. هذه النقطة قابلة للنقاش، فقد يرى البعض أن التدويل كان نتيجة حتمية لطبيعة النظام وحلفائه، بينما يرى آخرون أنه كان من الممكن احتواء الأزمة لو التزم المجتمع الدولي بموقف موحد وحاسم منذ البداية، بدلاً من حسابات المصالح الضيقة التي جعلت من سوريا ساحة لصراع بالوكالة.
8.كل شيء على المحك175–216▼ ملخص
يبدأ الفصل بتأكيد أن أغسطس 2011 كان نقطة تحول حاسمة في الانتفاضة السورية. يكشف الكاتب أن شهر رمضان أظهر ليس فقط صلابة المعارضة، بل أيضاً المدى الذي أصبح النظام مستعداً للذهاب إليه للبقاء في السلطة. في 18 أغسطس، دعا الرئيس أوباما الأسد إلى التنحي، وسارعت دول الاتحاد الأوروبي إلى تأييده، مما أجهز على أي أمل دولي ضئيل في إصلاح سياسي جدي من قبل بشار الأسد. يوضح الفصل أن النظام اختار منذ البداية حلاً أمنياً صارماً، وقرر التمسك بالسلطة بأي ثمن، معتمداً على معايرة دقيقة للعنف لتجنب رد فعل دولي قاسٍ يشبه ما حدث في حماة 1982. كان النظام يعتقد أنه قادر على النجاة بفضل الدعم الذي يتلقاه من روسيا والصين وإيران.
في المقابل، أصبحت المعارضة أكثر يأساً مع اشتداد القمع الحكومي. تحولت الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات مسلحة، وتشكلت ميليشيات متمردة انبثقت جزئياً من المنشقين عن الجيش السوري، وعُرفت باسم "الجيش السوري الحر". يوضح الفصل أن المعارضين أدركوا أنهم لا يستطيعون العودة إلى الوراء، وأن النظام لن ينسى، وأن سقوطه أصبح ضرورياً لسلامتهم. في الوقت نفسه، حاولت الجماعات السياسية المعارضة داخل سوريا وخارجها تشكيل جبهة موحدة، لكنها عانت من انقسامات عميقة. بحلول نهاية 2011، كانت الدعوات تتصاعد من أجل تدخل خارجي، سواء من الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو جامعة الدول العربية أو تركيا، لأسباب أخلاقية وإنسانية.
يتناول الفصل بتفصيل أكبر تطور المعارضة السياسية والعسكرية. في أواخر صيف 2011، تشكلت جبهتان منفصلتان: الأولى سياسية ودبلوماسية تمثلها "الهيئة العامة للثورة السورية" أو "المجلس الوطني السوري"، والثانية عسكرية يمثلها الجيش السوري الحر. تأسس المجلس الوطني السوري رسمياً في 2 أكتوبر في مؤتمر بـ إسطنبول، ليكون بمثابة مظلة للعديد من جماعات المعارضة منها الإخوان المسلمون وإعلان دمشق ولجان التنسيق المحلية. كان الهدف منه الإشراف على خارطة طريق للديمقراطية، وانتخب الناشط برهان غليون رئيساً له. يذكر الكاتب أن النسبة المئوية لأعضاء المجلس المقيمين في سوريا كانت 60%، بينما 40% يقيمون في الخارج. سعت وفود المجلس إلى الحصول على اعتراف دولي، وحظيت بلقاءات مع مسؤولين من عدة دول، أبرزها لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون مع وفد من المجلس في جنيف في ديسمبر.
يقدم الفصل نقيضاً للمجلس الوطني السوري هو "هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي" (أو "هيئة التنسيق")، التي تشكلت في يونيو بقيادة حسن عبد العظيم. على عكس المجلس الوطني السوري، لم ترفض هيئة التنسيق الحوار مع النظام، ودعت إلى انتقال تدريجي للسلطة ورفضت التدخل العسكري الخارجي. يوضح الكاتب التوترات والاتهامات المتبادلة بين المجلس وهيئة التنسيق؛ حيث اتهمت هيئة التنسيق المجلس بأنه "نادٍ واشنطن" وغير وطني، بينما اتهمها المجلس بأنها دمى للنظام. يكشف الفصل أن هذه الانقسامات تفاقمت بسبب العداوات الشخصية والصراعات على السلطة التي تعود لسنوات، مما أضعف أي معارضة موحدة قادرة على تقديم بديل حقيقي للنظام.
ينتقل الفصل إلى مسألة تسليح المعارضة وتحولها إلى ثورة مسلحة. بالنسبة للكثيرين، كان حمل السلاح مسألة دفاع عن النفس، لكن آخرين رأوا أنه الطريقة الوحيدة لإسقاط الأسد. يحذر الكاتب من أن هذا التحول يدعم سردية النظام عن "العصابات الإرهابية"، ويوفر مبرراً لروسيا والصين لمواصلة دعمهما. يذكر أن الغالبية العظمى من المعارضة هم من السنة، مما يعزز مخاوف الطوائف الأخرى ويصور النظام على أنه خط الدفاع الأخير ضد الحرب الطائفية. يصف الفصل الجيش السوري الحر بأنه في أغلبه ميليشيات محلية تفتقر إلى التنسيق والعتاد، وتعتمد على حرب العصابات وضربات الكر والفر. كان سلاحها الأثقل هو قاذفات الصواريخ، وكانت تعاني نقصاً مزمناً في السلاح والذخيرة، وتناشد المجتمع الدولي توفيرها، إلى جانب إنشاء منطقة آمنة ومنطقة حظر طيران. يذكر الكاتب أن بعض التقارير أشارت إلى أن سعر الرصاصة الواحدة في السوق السوداء وصل إلى نحو 4 دولارات في فبراير 2012.
يخصص القسم الثالث من الفصل لدور الأمم المتحدة في الأزمة. منذ أبريل، تبنى مجلس حقوق الإنسان قراراً يدين استخدام القوة المميتة ضد المحتجين. في يونيو، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً يتهم قوات الأمن السورية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. في أغسطس، أصدر مجلس الأمن بياناً رئاسياً يدين القمع ويدعو لوقف العنف، لكنه كان بياناً ضعيفاً ومحايداً نسبياً لضمان عدم استخدام الفيتو من قبل روسيا والصين. في 4 أكتوبر، استخدمت روسيا والصين الفيتو ضد مشروع قرار غربي يهدد بفرض عقوبات على النظام، مما أثار اتهامات متبادلة بين الغرب وموسكو تشبه الحرب الباردة. يشرح الكاتب أن روسيا كانت حساسة للغاية بعد أن شعرت بالخداع بشأن ليبيا، ورأت أن أي قرار قد يفتح الباب لتدخل عسكري ضد حليفها.
أخيراً، يحلل الفصل الدور المفاجئ لـ جامعة الدول العربية. على الرغم من كونها نادياً للديكتاتوريات، إلا أن ضغوط الربيع العربي والانقسامات الإقليمية (بين السعودية وقطر من جهة وإيران من جهة أخرى، وبين الملكيات والجمهوريات) أجبرتها على التحرك. في أغسطس، دعت الجامعة لضبط النفس، وفي سبتمبر قدمت مبادرة للحوار والإصلاح رفضها النظام. وفي خريف 2011، صعدت الجامعة من موقفها: في 11 نوفمبر، صوتت 18 دولة من أصل 22 لصالح تعليق عضوية سوريا وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية. يذكر الكاتب أن لبنان واليمن صوتا ضد القرار، وامتنع العراق عن التصويت. تحت ضغط روسي، وافق النظام في ديسمبر على إرسال مراقبين عرب، لكن المهمة كانت فاشلة بسبب قلة الخبرة والتجهيز والسيطرة الحكومية. في 22 يناير 2012، كشفت الجامعة عن خطة جديدة تدعو الأسد للتنحي وتسليم السلطة لنائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ورفعتها إلى مجلس الأمن. يختتم الفصل بانتقال الملف إلى الأمم المتحدة مجدداً، حيث قدمت المغرب خطة الجامعة في 27 يناير، لكن روسيا أعلنت "خطوطاً حمراء" تشمل فرض حظر أسلحة أو عقوبات، مما أنذر باستخدام الفيتو مجدداً. يقر الكاتب بأن المجتمع الدولي استخف بقدرة النظام على الصمود، وأن الوضع على الأرض كان يتدهور يومياً مع صعوبة العثور على حل واضح.
9.إلى أين سوريا؟217–252▼ ملخص
يصف هذا الفصل من كتاب "سوريا" لديفيد دبليو ليش، بعنوان "إلى أين سوريا؟"، الحياة اليومية الكابوسية التي يعيشها السوريون في خضم الانتفاضة التي بدأت عام 2011، ويحلل الأسباب الجذرية للأزمة والسيناريوهات المحتملة لمستقبل البلاد. الموضوع المحوري للفصل هو فجوة التصورات بين النظام السوري بقيادة بشار الأسد من جهة، والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهي الفجوة التي جعلت أي حل سلمي للأزمة شبه مستحيل. يخلص المؤلف إلى أن مستقبل سوريا يتوقف على ثلاثة سيناريوهات رئيسية: سقوط الأسد، أو بقاؤه في السلطة، أو انزلاق البلاد إلى حرب أهلية طويلة الأمد.
يبدأ الفصل بمشهد مؤلم للحياة في المدن السورية: أكوام القمامة المتراكمة، انقطاع المياه والكهرباء، المتاجر المغلقة والمحطمة، الجدران المليئة بآثار الرصاص والقذائف، الحواجز الأمنية في كل مكان، وهروب العائلات من منازلها. يذكر المؤلف أن بطالة السوريين التي كانت مرتفعة أصلاً قد تضاعفت، وأن قيمة الليرة السورية انهارت من 47 إلى 100 مقابل الدولار خلال عام واحد، وأن رواتب القطاع العام خُفضت إلى النصف. ويضرب مثالاً صارخاً على حالة الفوضى باغتيال مدع عام في مدينة إدلب في 19 فبراير 2012، حيث اتهم كل من النظام والمعارضة الطرف الآخر بالمسؤولية.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تحليل "الفجوة التصوّرية" بين سوريا والغرب. يشرح كيف أن قرارات الأسد الإصلاحية، مثل إلغاء الزي العسكري في المدارس أو إنشاء البنوك الخاصة، التي اعتبرها الغرب تافهة، كانت في نظر الأسد نفسه تحولات جوهرية. ويضرب مثلاً بخروج القوات السورية من لبنان في أبريل 2005، والذي رأى الأسد أنه تنازل "هائل" لم يُقدره الغرب. هذا التباين في التصورات يصل ذروته في خطاب الأسد في 30 مارس 2011، حيث ألقى باللوم على "إرهابيين ومتآمرين وعصابات مسلحة" بدلاً من الاعتراف بالمطالب الشعبية. يرى المؤلف أن هذا التصوّر ليس مجرد جنون عظمة، بل هو نتاج العيش في "حي خطير" وتاريخ من المؤامرات الخارجية.
يدافع المؤلف عن الأسد بالقول إنه ليس ديكتاتوراً سفاحاً على غرار القذافي أو صدام حسين، بل هو نتاج نظام استبدادي لا يستجيب لمطالب الشعب بل يتحكم بها. يستشهد المؤلف بصديقه أيمن عبد النور، الناشط السوري في المنفى، الذي وصف كيف أن الأسد تغير بعد توليه السلطة، وأصبح يعتقد أنه "مختار من الله". يخلص المؤلف إلى أن الأسد و دائرته المقربة يؤمنون حقاً بمؤامرة خارجية، وهذه الفجوة التصورية جعلت العنف "نبوءة ذاتية التحقق"، حيث أن القمع الوحشي خلق ظروفاً موضوعية لتدخل خارجي. ويؤكد أن النظام لا يقدم تنازلات من موقع ضعف، بل فقط من موقع قوة، وأن الإصلاحات التي أعلنها الأسد (كرفع حالة الطوارئ) تأتي دائماً بعد فوات الأوان.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل السيناريوهات الثلاثة المحتملة. السيناريو الأول: سقوط الأسد. يرى المؤلف أن هذا السيناريو، رغم كونه الخيار المفضل للمعارضة والمجتمع الدولي، غير مرجح بدون تدخل خارجي كبير، وذلك بسبب تماسك النواة الصلبة للنظام، وغياب الانشقاقات الكبيرة، والتفوق العسكري الهائل لقوات النظام. يقارن الوضع بـ ليبيا ويعدد الأسباب التي تجعل سوريا أكثر تعقيداً: غياب جبهات قتال واضحة، وكثافة الدفاعات الجوية السورية، وتعقيد التضاريس، وخطر إطلاق صواريخ على إسرائيل كفعل أخير، وعدم استعداد الغرب لتحمل تكاليف إعادة إعمار ضخمة. كما يناقش إمكانية حدوث انقلاب عسكري، ويشير إلى دور روسيا المحوري في هذا السيناريو، حيث قد تضغط على الأسد للتنحي (كما في "الخيار اليمني") إذا أصبح عبئاً عليها، لكنه يستدرك بأن الرئيس بوتين يبدو ملتزماً بدعم الأسد في الوقت الحالي.
السيناريو الثاني: بقاء الأسد في السلطة. يرى المؤلف أن هذا السيناريو لم يعد مستبعداً كما كان في صيف 2011، نظراً لصمود النظام لأكثر من عام، واستمرار تماسك الأجهزة الأمنية، وانقسام المعارضة. يعتقد النظام أنه قادر على "النظرة طويلة المدى" وإرهاق المعارضة من خلال نهج "اضرب الهدف-واقفز" (whack-a-mole)، مع تجنب المجازر الجماعية خشية التدخل الخارجي. ويدعم ذلك بدعم من روسيا و الصين و إيران، وبوجود شريحة صامتة من السكان ترى في بقاء النظام "أهون الشرين"، مستشهداً باستطلاع رأي أظهر أن 55% من السوريين يريدون بقاء الأسد (مع تحفظه على دقة العينة).
أما السيناريو الثالث: طريق مسدود أو حرب أهلية طويلة، فيعتبره المؤلف الأكثر ترجيحاً في هذه المرحلة، في ظل استمرار القمع وغياب أي حل سياسي. يحلل الفصل بالتفصيل خطة المبعوث الأممي كوفي عنان، موضحاً سبب فشلها: عدم ثقة النظام في أي وساطة غربية أو عربية، واتهامه إياها بأنها "مهزلة" لكسب الوقت للمعارضة، ومطالبة النظام المعارضة بإلقاء السلاح أولاً، واستمرار العنف من الطرفين. يشير المؤلف إلى أن النظام يتعامل مع هذه الخطط باعتبارها فخاً، وأنه يشارك فيها لفترة قبل أن يتجاهلها. يخلص الفصل إلى أنه، بغض النظر عن السيناريو، فإن الأسد لن يتنحى طواعية ما لم يكن هناك خيار آخر مطلقاً، لأنه، مثل غيره من الديكتاتوريين، "شرب جرعة السلطة المخدرة".
9.خاتمة253–278▼ ملخص
بدأت خاتمة الكتاب بتأكيد التحول الجذري الذي أحدثته الحرب في حياة السوريين العاديين، من خلال قصتين شخصيتين. الأولى عن قائد عسكري في المعارضة كان طبيب أطفال قبل الانتفاضة، والثانية عن مسؤول حكومي رفيع لم يعد يستطيع زيارة عائلته بسبب استهدافه للاغتيال. هاتان القصتان تلخصان كيف غيّر الصراع المستمر منذ نحو عامين ونصف حياة الملايين.
ثم ينتقل الكاتب إلى عرض الأرقام المروعة للضحايا والدمار. فبينما كان عدد القتلى المقدر في حزيران 2012 حوالي 11,000، ارتفع إلى 80,000 بحلول أيار 2013، ويقدره مراقبون مطلعون بأكثر من 100,000. كما فر أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري إلى تركيا ولبنان والأردن، بالإضافة إلى نحو 4 ملايين نازح داخلياً. وبذلك يكون حوالي ربع الشعب السوري قد تغيرت حياته إلى الأبد، دون احتساب من ماتوا بشكل غير مباشر بسبب نقص الرعاية الصحية أو سوء التغذية.
يناقش الكاتب بعد ذلك مبادرة جنيف في حزيران 2012، والتي أنتجت "بيان جنيف". ورغم أن المبادرة بدت واعدة، إلا أنها كانت تعاني من عيوب جوهرية: أولاً، غياب السوريين أنفسهم عن طاولة المفاوضات. ثانياً، استبعاد إيران، الدولة الأكثر نفوذاً في دمشق والقادرة على ضبط حزب الله. ثالثاً، غموض مفهوم "تطلعات" الشعب السوري الذي يصعب توحيده في ظل الانقسامات العميقة، خاصة مع تنامي نفوذ الجماعات الجهادية مثل جبهة النصرة.
ويخصص الكاتب جزءاً كبيراً لتحليل حالة المعارضة السورية، فيصف تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في 11 تشرين الثاني 2012 في الدوحة، برئاسة معاذ الخطيب. لكنه يوضح أن هذا الائتلاف واجه انتقادات حادة من الداخل لكونه مجرد إعادة صياغة للمجلس الوطني السوري، ومن الخارج لكونه نخبة من المنفيين الذين لا يمثلون حقيقة المعاناة داخل سوريا. أما على المستوى العسكري، فتشكيل المجلس العسكري الأعلى بقيادة اللواء سليم إدريس فشل في إقامة هيكل قيادة فعال، لأن الجماعات الجهادية مثل جبهة النصرة وأحرار الشام استبعدت منه، ولا تزال الميليشيات تعمل باستقلالية.
ينتقل الكاتب إلى معضلة الحل السياسي، ويوضح أن إصرار المعارضة المبكر على رحيل بشار الأسد كشرط مسبق لأي مفاوضات كان خطأً استراتيجياً. فبعد أن أصبح واضحاً أن الأسد لن يرحل قريباً، أصبحت المعارضة في مأزق تفاوضي. من جهة أخرى، يبدو أن تعريف الأسد للفوز قد تغير، فهو الآن يريد "الفوز بعدم الخسارة" أي البقاء في السلطة والتحكم ببعض المدن الكبرى، تاركاً مساحات شاسعة للمعارضة على أمل استعادة السيطرة لاحقاً.
أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، فلا أحد يعرف حجم الأموال المتبقية لدى النظام. فقد كشف مسؤول سوري سابق أن عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب القطاع العام (الذي يعتمد عليه 2-3 ملايين سوري) قد يكون نهاية النظام. كما أن طلب دمشق قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار من إيران قوبل بالرفض بسبب المشاكل الاقتصادية الإيرانية الناتجة عن العقوبات. لكن الاقتصاد السوري لم ينهَر تماماً بفضل السوق السوداء والتهريب والتجارة عبر لبنان، فضلاً عن أن سوريا لم تكن مندمجة في الاقتصاد العالمي بما يمنح الغرب أدوات ضغط اقتصادية مباشرة.
تعرّج الخاتمة على مسألة التدخل الدولي، وتلخص تردد إدارة أوباما العميق. فالأسباب التي جعلت تكرار النموذج الليبي مستحيلاً في سوريا لا تزال قائمة. كما أن الرئيس أوباما كان ببساطة لا يريد التورط في حرب شرق أوسطية جديدة. وتصاعدت الدعوات للتدخل بقوة في نيسان 2013 بعد اتهام النظام السوري باستخدام أسلحة كيماوية (غاز السارين) في حلب، وهو ما كان أوباما قد وصفه بـ"الخط الأحمر". لكن الكاتب يذكر أن محققة أممية، كارلا ديل بونتي، شككت في مصدر السلاح الكيماوي، مما زاد من حذر الإدارة الأمريكية. ويخلص الكاتب إلى أن السؤال ليس هل تستطيع الولايات المتحدة إسقاط النظام (بإمكانها ذلك)، بل ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ فالتجربة العراقية ترهب الجميع، والمعارضة نفسها لا تريد تكرارها.
يحلل الكاتب بعمق تنامي دور الجماعات الجهادية، وفي مقدمتها جبهة النصرة، التي استفادت من الفراغ في الخدمات والأمن. ورغم أنها لا تزال أقلية بين المقاتلين، إلا أن تأثيرها كبير، وقد بدأ النظام السوري حملة إعلامية لتقديم نفسه كحليف للغرب في مكافحة الإرهاب. وقد ساهم إعلان أبو بكر البغدادي في نيسان 2013 عن اندماج فرع القاعدة في العراق مع جبهة النصرة لتشكيل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" في تعقيد المشهد. ويشير الكاتب إلى أن إدراج واشنطن لجبهة النصرة على قوائم الإرهاب في كانون الأول 2012 كان خطوة مشكوكاً في جدواها، فقد أعطتها شرعية في نظر أنصارها وقيّدت المعارضة المعتدلة.
يخلص الكاتب إلى أنه لا توجد إجابات سهلة. فما بدأ كأمل في ربيع عربي سرعان ما تحول إلى كابوس. لقد بالغت المعارضة وداعموها في تقدير قوة النظام وصموده. تظل السيناريوهات الثلاثة (استمرار الحرب الأهلية، انهيار النظام، أو حل سياسي) قائمة مع ترجيح استمرار حالة الجمود. ويرى الكاتب أن المعارضة بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة لتقديم جبهة موحدة، وإلا فإن غالبية السوريين ستبقى على الحياد. ويذكر أن هناك بصيص أمل ضئيل في الاتفاق بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف في أيار 2013 لعقد مؤتمر دولي، لكن العقبات لا تزال هائلة، منها رفض الأسد المحتمل للمشاركة.
في النهاية، يختم الكاتب بتأكيد أن سوريا لن تعود كما كانت أبداً. حتى لو نجا النظام، فسيكون نظاماً مختلفاً. فقد سمع السوريون أصواتهم لأول مرة، ولن يتخلوا عنها بسهولة. ويقارن الكاتب الوضع في سوريا بما حدث في لبنان في السبعينيات والثمانينيات ("لبننة" سوريا)، لكنه يضيف أن البعض بدأ يستخدم تشبيهاً أسوأ، وهو الصومال، أي الانهيار التام للدولة. ويختتم الكاتب بإشارة مؤلمة إلى الفرصة التاريخية الضائعة لتحقيق السلام السوري الإسرائيلي، والتي كانت تتشكل بهدوء بدعم أمريكي في ربيع 2011، لكنها تحطمت على صخرة قمع الاحتجاجات. يظل السؤال مفتوحاً عما إذا كان السوريون سيحتاجون إلى 15 عاماً (كما في لبنان) ليدركوا أن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءاً، فيتجهوا أخيراً إلى حل سياسي.