المورد
SYRIA Civil War to Holy War?

SYRIA Civil War to Holy War?

CHARLES GLASS١ كانون الثاني ٢٠٢٥enOR Books

يطرح كتاب “سوريا: من حرب أهلية إلى حرب مقدسة؟” للمؤلف تشارلز غلاس تساؤلاً محورياً حول طبيعة الصراع الذي اندلع عام 2011، ليجيب بأنه لم يكن أبداً مجرد حرب أهلية داخلية، بل تداخلت فيه مصالح إقليمية ودولية معقدة منذ البداية. يدافع المؤلف عن موقف مفاده أن الانتفاضة الشعبية السلمية تحولت إلى حرب طائفية ودولية بفعل التدخلات الخارجية، حيث دعمت السعودية وقطر الجماعات السلفية، وأعطت تركيا الأفضلية لفصائل الإخوان المسلمين، بينما مولت أمريكا وبريطانيا وفرنسا ما أصبح في النهاية انتفاضة دينية عبر هذه القوى الإقليمية. في المقابل، هرع إيران وحزب الله لدعم النظام، مما أكسب الحرب طابعاً طائفياً عكس الاستقطاب بين الرياض وطهران. يشير غلاس إلى أن النتيجة النهائية التي بدت حاسمة لصالح نظام بشار الأسد عام 2017، انقلبت رأساً على عقب بهزيمته المفاجئة والمذلة في نهاية عام 2024، ليحتل المعارضون قصره في دمشق ويلجأ هو إلى موسكو.

يسير الكتاب عبر فصوله متتبعاً المراحل الرئيسية للصراع، بدءاً من وصف الانتفاضة الأولى التي انطلقت من بلدة درعا في آذار 2011 على وقع الربيع العربي. يوضح الكاتب كيف أن معاناة الفلاحين من الجفاف وقمع المراهقين قادت إلى مظاهرات تحولت من المطالبة بالإصلاح إلى تغيير النظام. ثم ينتقل لتحليل كيفية تحويل التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة إلى حرب بالوكالة، مشيراً إلى أن وصف النظام للاحتجاجات بأنها مدبرة خارجياً كان يشبه سلوك أمريكا التي تغضب من التدخل في انتخاباتها بينما يتدخل CIA في انتخابات دول أخرى. يواصل الفصل تتبع الأحداث من كانون الأول 2016، حيث تدخلت روسيا عسكرياً لإنقاذ الأسد وقلبت الموازين لصالحه بعد استعادة حلب الشرقية، لكن السياسة الأمريكية التي ادعت هدف إخراج روسيا وإيران من سوريا جعلت الأسد أكثر اعتماداً عليهما، ليهجراه في النهاية في تشرين الثاني 2024 لانشغالهما بأولويات أخرى.

يقدم الفصل الأول من الكتاب درساً تاريخياً عميقاً يعود إلى الثورة السورية الكبرى عام 1925، ليكشف عن أنماط متكررة من الحكم والثورة والعنف. يشرح المؤلف تفاصيل اندلاع الثورة بدءاً من سياسات الكابتن غابرييل كاربيه الحاكم الفرنسي في جبل الدروز، وكيف أن انتهاكه لقوانين الضيافة باقتحام منزل السلطان باشا الأطرش كان شرارة الثورة المباشرة. يستعرض الفصل تفصيلاً دقيقاً للمعارك، مثل تدمير طابور الكابتن نورمان وهزيمة قوات الجنرال روجيه ميشو، ويصف كيف انتشرت الثورة إلى حمص ودمشق حيث قصفت القوات الفرنسية المدينة بشكل همجي رداً على دخول الثوار إليها في 18 أكتوبر 1925. يذكر الفصل أن الجانبين استخدما نفس التكتيكات: الفرنسيون قصفوا المدن وعاقبوا القرى جماعياً، بينما ارتكب بعض الثوار مجازر بحق المسيحيين في معالولا، مما أضعف الدعم الشعبي للثورة. في خاتمة هذا الفصل، يعود المؤلف ليرسم أوجه الشبه بين ثورتي 1925 و2011، مشيراً إلى أن كل حكومة سورية بعد 1946 ادعت أنها تمثل روح ثورة 1925، ولكنها انتهت إلى حكم البلاد بنفس أساليب الفرنسيين.

يستخدم الكتاب مدينة حلب في فصليْن متتاليْن كنموذج مصغر لتعقيدات الصراع. في الفصل الثاني، يقدم المؤلف مدينة ذات تاريخ عريق ومزيج اجتماعي وطائفي فريد، ويوضح كيف أن هذا النسيج الفسيفسائي أصبح مهدداً بالتمزق مع تحول الاحتجاجات السلمية إلى حرب طائفية. يبرز غنى المدينة بتنوع سكانها من عرب وأرمن وأكراد ومسلمين سنة ومسيحيين من إحدى عشرة طائفة ويهود، ويشير إلى أن الوثائق العثمانية تُظهر تعايشهم في الأحياء ذاتها دون قيود. يشرح الفصل مخاوف الأقليات كمنطلق رئيسي لفهم الموقف، فـ العلويون يتركزون في الساحل ولهم قاعدة إقليمية، وكذلك الأكراد والدروز، أما المسيحيون فهم منتشرون في مدن متعددة وبلا قاعدة جغرافية واضحة، مما يجعلهم عرضة للخطر. يستشهد الفصل بمقابلة مع المطران مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم الذي يؤكد أن السلاح الوحيد للمسيحيين هو مغادرة البلاد، وهو ما يرفضه.

أما الفصل الثالث، فيبدأ بوصف ملموس لتوقف إنتاج صابون زيت الزيتون الشهير في حلب خلال خريف 2012، بسبب الحرب التي أتت على الأسواق القديمة. يطرح المؤلف سؤاله المحوري عن كيفية تحول حلب، التي كانت تشكل ورشة سوريا وسوقها وتولد 65% من الثروة الوطنية، إلى ساحة حرب مدمرة، ليجيب بأن الحرب فرضت نفسها على حلب من الخارج ولم تنبثق من داخلها. يستخدم غلاس شهادات أصدقائه من أبناء حلب كأدلة على التحول في المشاعر، حيث يقول أحدهم: "دخل الثوار إلى حلب. حلب لم تدخل الصراع." مثال بني زيد، الحي الفقير الذي أرسل شيوخه رسالة يطالبون فيها الثوار بمغادرة حيهم، هو دليل حاسم على أن حتى الفقراء الذين تعاطفوا مع الثورة رفضوا التكتيكات التي تجلب القصف العشوائي. يخلص الفصل إلى أن الجيش السوري الحر، بإشعاله الأسواق القديمة وتفجير سيارتين مفخختين في ساحة سعد الله الجابري في 3 أكتوبر، أضاع تعاطف الكثيرين.

يمتد التحليل في الفصل الرابع ليشمل الطبيعة المتعددة الأوجه للحرب، حيث يرسم صورة قاتمة لتحول الانتفاضة السورية من حركة احتجاجية سلمية إلى حرب أهلية طائفية مدمرة. يقدم المؤلف إجابة متعددة الأبعاد تركز على عوامل متراكمة تشمل طبيعة النظام الاستبدادي، وإرث الانقلابات العسكرية، والتدخلات الخارجية، وانقسام المعارضة. يستعرض الفصل تاريخاً طويلاً من خيبات الأمل للإصلاح في سوريا، بدءاً من تعاون القوميين العرب مع بريطانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، والذي انتهى بالاستعمار وترسيم حدود مصطنعة. يتناول بالتفصيل قصة خط أنابيب التابلاين كدليل على التدخل الخارجي، حيث استخدمت السفارة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية رشوة لترتيب انقلاب العقيد حسني الزعيم في عام 1949، مقابل موافقة سوريا على خط الأنابيب وهدنة مع إسرائيل. يصف الفترة التي تلت ذلك بأنها بداية "عدم الاستقرار في سوريا، مع انقلابات عسكرية منتظمة كتغير الفصول"، لينتهي هذا العصر بانقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970.

يقدم الفصل الخامس صورة عن حالة من الجمود العسكري والاستنزاف اليومي في حي التضامن بدمشق خلال شتاء 2013، بعيداً عن أية انتصارات حاسمة. يبدأ بتقديم قائد ميداني في قوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة، يصف كيف يتقابل مع مقاتلي الجيش السوري الحر وجبهة النصرة وداعش في جبهة تفتقر إلى أي حركة حاسمة. يستخدم المؤلف مثالاً مفصلاً لتبادل الأسرى بين القائد وقائد معارض، لتوضيح طبيعة العلاقات الجديدة التي خلقتها الحرب، حيث تم استبدال جثة مقاتل شاب مقابل ثمانية أو تسعة أسرى، ثم تأمين تبادل آخر لخمس نساء مختطفات من مخيم اليرموك. يخلص الفصل إلى أن الحرب تحولت إلى صراع وجودي لا يرى فيه أي طرف الآخر كإنسان، مما جعل الحل العسكري مستحيلاً والحل السياسي في مهب الريح.

يُركّز الفصل السادس على تفتت النسيج الاجتماعي السوري المتنوع تحت وطأة الحرب، ويجادل بأن الصراع حوّل التعايش التاريخي بين الطوائف إلى فسيفساء محطمة، حيث حل الانقسام الطائفي والعنف الممنهج محل التسامح. يبدأ الفصل باستشهاد من السير مارك سايكس الذي وصف سكان سوريا في عام 1904 بأنهم "تجمّع غير منسجم من أعراق وديانات وعادات مختلفة"، ثم يعارض المؤلف هذه النظرة بسرد قصة مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون الذي يروي حادثة تعاطف معه أمريكي في مطعم مؤكداً أن "الإنسان الطيب هو إنسان طيب بغض النظر عن دينه". يوضح المؤلف أن نظرة المفتي حسون تمثل تقليداً سورياً للتعايش استمر لـ15 قرناً، حيث لم تشهد البلاد سوى موجتين من المذابح الطائفية في منتصف القرن التاسع عشر، الأولى في حلب عام 1850 والثانية في دمشق بعد عشر سنوات التي راح ضحيتها أحد عشر ألف مسيحي، وكان سببها ارتباط المسيحيين بالأوروبيين.

يقدم الفصل السابع نقداً لاذعاً للتدخلات الخارجية، حيث يصف السوريين بأنهم محاطون بـ "أصدقاء" جدد، تماماً كالفائز باليانصيب. في جانب، يدعم روسيا وإيران الرئيس الأسد بالسلاح والغطاء الدبلوماسي، وفي الجانب الآخر هناك "مجموعة أصدقاء الشعب السوري" المكونة من 107 دول ومنظمات. ينتقد غلاس بشدة دور تركيا في تسهيل وصول المسلحين الإسلاميين إلى الحدود السورية، وتمويل قطر والسعودية للجماعات التي أصبحت لاحقاً داعش. يستشهد باعتراف نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن أكبر مشكلة في سوريا هم حلفاء الولايات المتحدة الذين سكبوا مئات الملايين من الدولارات على مقاتلي جبهة النصرة والقاعدة. يلاحظ الفصل تحولاً في الموقف الأمريكي عام 2014، حيث بدأت واشنطن تقصف أعداء النظام السوري بدلاً من النظام نفسه، مما أعطى النظام أملاً في البقاء، ويضرب مثالاً على ذلك بلقاء المستشارة السورية بثينة شعبان مع جيفري فيلتمان في أوسلو في 20 يونيو 2013، حيث قال لها فيلتمان إنهم يعرفون أن الأسد سيبقى، ويسألون كيف يمكن حل المشكلة.

يتركز الفصل الثامن حول فكرة أن الحرب السورية هي إعادة إحياء مأساوية لمعاناة السوريين قبل قرن من الزمان خلال الحرب العالمية الأولى، التي يعرفها السوريون باسم "سفربرلك". يبدأ بصورة شخصية عن جدة المؤلف التي هربت من جبل لبنان في أواخر القرن التاسع عشر، ويستخدم ذلك كمدخل لشرح كيف تظل الذاكرة الجماعية حية عبر الأجيال. يذكر أن ما بين 60% و 80% من سكان الشام (نصف مليون من أصل أربعة ملايين) ماتوا آنذاك جوعاً ومراً وعنفاً، ويستشهد بنصوص أدبية مثل رواية "هشيم الذاكرة" لـ حنا مينا التي تصف أمهات يأكلن أطفالهن. يربط المؤلف بين الحصار الأنجلو-فرنسي في الماضي والعقوبات الأمريكية والأوروبية بعد 2011، وكيف أن كلاهما حرم السوريين من مقومات البقاء الأساسية. يكشف الفصل عن سوء التقدير الذي اعترى جميع الأطراف، فمنذ البداية راهنت القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة على سقوط سريع للنظام، مستندة إلى نموذج ليبيا، لكن هذه التوقعات انهارت وتحول الثوار المسلحون إلى جهاديين سنّة تبنوا أيديولوجيات دينية متطرفة.

يتناول الفصل التاسع سقوط بلدة كسب السورية ذات الغالبية الأرمنية بيد الفصائل المسلحة في 21 مارس 2014، وما أثاره هذا الحدث من صدمة لدى الأرمن في سوريا والعالم، حيث أعاد إحياء ذاكرة الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها على يد الدولة العثمانية عام 1915. يصف المؤلف فرار سكان كسب، ويذكر أن المصادر الأممية أكدت وجود "أعداد كبيرة من المقاتلين في حافلات صغيرة كانت تصعد الجبل، بينما كان رتل للجيش التركي ينزل". يربط المؤلف الحدث بذاكرة الإبادة من خلال شهادة الدكتورة نورا أريسيان التي قالت: "رأيتهم في بيجاماتهم، وكانت 1915 مرة أخرى". يؤكد الفصل أن ما حدث في كسب لم يكن تكراراً للإبادة، حيث لم تقع مجزرة بحق المدنيين وسقط قتيلان فقط بين الأرمن، لكن إطلاق اسم "الأنفال" على العملية – وهو اسم استخدمه صدام حسين في حملته ضد الأكراد عام 1988 – كان استفزازياً، كما أن نهب الممتلكات وترحيل كبار السن العاجزين إلى الجانب التركي استحضر مشاهد الماضي.

ينتقل الفصل الحادي عشر إلى ربيع 2017 مع عودة الكاتب إلى سوريا بعد غياب، واصفاً المشهد الصباحي اليومي في دمشق وحلب حيث يختلط صوت آذان الفجر مع انفجارات المدفعية. يذكر الكاتب أنه بحلول هذا الوقت، قُتل ما لا يقل عن خمسمئة ألف شخص، وتشوه وعمي وشرد الملايين. يصف الأحياء الشرقية المدمرة في حلب التي كانت موطناً لأكثر من نصف سكان المدينة قبل الحرب، حيث غادر حوالي 36 ألف شخص، من المتمردين وعائلاتهم، بالحافلات تحت حماية روسية إلى إدلب. يعود حوالي 150 ألف من سكان شرق حلب السابقين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من استعادة السيطرة الحكومية، لكنهم وجدوا مدينتهم بلا مياه أو كهرباء أو خدمات أساسية. يوضح الفصل أن القوات الحكومية نهبت ممتلكات العائدين، لكن العديد من الحلبيين قالوا إن السيطرة الحكومية حررتهم من مضايقات الجهاديين، مشيراً إلى أن عدد السكان الأرمن، أكبر طائفة مسيحية، انخفض من 45 ألف قبل الحرب إلى 15 ألف فقط.

في الفصل الثاني عشر، يبدأ المشهد بمقتل خالد الأسعد، عالم الآثار البالغ من العمر 81 عاماً، على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 18 أغسطس 2015، حيث رفض الركوع وطلب أن يموت واقفاً مثل نخيل البلاد فقطعوا رأسه. ينتقل الفصل إلى جهود الدكتور معمون عبد الكريم، مدير المديرية العامة للآثار والمتاحف، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل وصول التنظيم، حيث تم تحميل 400 تمثال ومئات القطع الأخرى في شاحنات في ليلة 20 مايو 2015، قبل دقائق من دخول داعش. يصف الفصل تدمير التنظيم لأهم المعالم مثل معبد بل ومعبد بعل شامين وقوس النصر وأسد اللات وأبراج الدفن. يتناول الفصل أيضاً مزاعم التآمر التي تحيط بالصراع، حيث سمع المؤلف من مدنيين محليين أنهم رأوا طائرات حربية أمريكية تدعم داعش، بينما قال آخرون إن الجيش السوري ساعد التنظيم.

ينتقل الفصل الرابع عشر إلى مناقشة الصراع السوري من منظور السياسة الخارجية الأمريكية، مركزاً على فترة حكم الرئيس باراك أوباما، ويخلص إلى أن التدخل الأمريكي في سوريا كان غير مكتمل ومتردداً، مما أدى إلى فشل ذريع في تحقيق أي من أهدافه المعلنة. يصف المؤلف كيف حولت الولايات المتحدة دعمها من خطاب دعم المعارضة السورية إلى تدخل غير مباشر عبر تسليح مليشيات وتمويلها، بينما تركت الحلفاء الإقليميين كالسعودية وقطر وتركيا لتزويد السلاح والمال والرجال. يورد الفصل مثالاً صارخاً على هذا الفشل، حيث يصف كيف أن قرار أوباما بعدم ضرب النظام السوري بعد تجاوزه "الخط الأحمر" في غوطة دمشق عام 2013 قوض مصداقية الولايات المتحدة، ودفع روسيا إلى اقتراح حل دبلوماسي لتدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية.

يستعرض الفصل الخامس عشر واقع دمشق في ديسمبر 2018 بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على معظم أنحاء العاصمة، حيث أثبت النظام بقاءه وبدأت الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها في المناطق الخاضعة لسيطرته. يصف الفصل الفساد المستشري، مستشهداً بتجربة سائقين يدفعون إكراميات للجنود على طريق دمشق-الحدود اللبنانية، وبظهور طبقة جديدة من الأثرياء من خلال تهريب الأسلحة والنفط. تشير التقديرات غير المؤكدة إلى مقتل نصف مليون إنسان ونزوح نحو نصف سكان سوريا البالغ عددهم 22 مليوناً قبل الحرب. يختتم الفصل بتحليل التحديات المتبقية، حيث تسيطر الحكومة على 60% من الأرض و80% من السكان، بينما تبقى ثلاث مناطق خارج السيطرة: شمال حلب وإدلب، والمنطقة الكردية شمال شرق الفرات، ومنطقة "حمراء" حول قاعدة التنف الأمريكية.

يبدأ الفصل السادس عشر بوصف عودة المؤلف إلى دمشق في فبراير 2023 بعد أربع سنوات من الغياب، حيث يصف واقع الحياة اليومية في المدينة بكآبة. الكهرباء تُقطع فتصل ساعة واحدة كل ست ساعات، والبنزين والمازوت شحيحان وغاليان، وسعر صرف الليرة السورية انهار من 3000 ليرة للدولار في العام السابق إلى 6500 ليرة، وسعر كيلو الخبز ارتفع من 500 ليرة قبل عام إلى 40 ألف ليرة. يقدم الفصل إحصاءات صادمة: برنامج الأغذية العالمي يقدر أن 12 مليوناً من أصل 18 مليوناً هم عدد سكان سوريا (هرب 6.6 ملايين منذ 2011) لا يجدون ما يكفي من الطعام، وأكثر من ربع مليون يعانون سوء تغذية حاداً. يكشف الفصل عن تحول سوريا إلى "دولة مخدرات" حسب وصف مجلة الإيكونومست، حيث تنتج وتصدر مليارات الدولارات من حبوب الكابتاغون المنشطة غير القانونية بالتعاون مع مهربين لبنانيين وأردنيين وسعوديين، وسيارات الفيراري والمازيراتي التي تركن أمام المطاعم الفاخرة اشترتها أموال المخدرات.

في خاتمة الكتاب، يروي غلاس سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، مركزاً على قصة لونا الشبل، مستشارة الإعلام الرئاسي، كمؤشر على التصدعات داخل النظام قبل انهياره. يشرح كيف أن النظام السوري انهار بسرعة مذهلة عندما سحب حلفاؤه الرئيسيون، روسيا وإيران، دعمهم العسكري الحاسم. مع سحب روسيا لمعظم قواتها الجوية إلى أوكرانيا، وانسحاب إيران وحزب الله نتيجة الحملة الإسرائيلية، أصبح النظام بلا غطاء جوي. في ديسمبر 2024، تشن هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، بمساعدة الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، هجوماً من إدلب، فبعد ثلاثة أيام تسيطر على حلب، ثم تتجه جنوباً إلى حماة، وفي الرابع من ديسمبر تسقط حمص. في الثامن من ديسمبر، يسقط النظام، ويفر الأسد إلى موسكو، ويدخل الجولاني المسجد الأموي في دمشق معلناً "تاريخاً جديداً"، ومتعهداً بحماية مؤسسات الدولة والأقليات. يختتم المؤلف برسم صورة قاتمة للمستقبل، مشيراً إلى تدخلات إسرائيلية وتركية وأمريكية موسعة، وتدمير 176 هدفاً إسرائيلياً في سوريا خلال 2024 حسب المرصد السوري، ليخلص إلى أن اختفاء نظام الأسد قد لا يعني نهاية الحرب بقدر ما هو بداية حرب جديدة.

يقرّ المؤلف في عدة مواضع بحدود تحليله، حيث يشير إلى أن العديد من التفاصيل أصبح من المستحيل التثبت منها بسبب عدم تمكن الصحفيين من دخول مناطق النزاع دون خطر الاختطاف، وأن روايات الأطراف المختلفة كانت متناقضة تماماً. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا، ويتساءل عن جدوى استمرار الحرب بعد أن ثبت فشل الإطاحة بالنظام، ويلمح إلى أن الحلول السياسية تصطدم بإصرار النظام على البقاء دون تغيير جوهري، مما يجعل مستقبل سوريا رهناً بتوازنات القوى الإقليمية والدولية. الحجج القابلة للنقاش تظهر بوضوح في تركيز المؤلف المكثف على مسؤولية القوى الخارجية في تحويل الانتفاضة لحرب طائفية، مما قد يقلل من وزن العوامل الداخلية بما في ذلك سياسات النظام القمعية ذاتها، كما أن ميله الواضح إلى وصف المعارضة المسلحة بأكملها بأنها أصبحت جهادية قد يتجاهل وجود فصائل وطنية أخرى.

الأشخاص

الفصول(16)

1.مقدمة21–28▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "سوريا: من حرب أهلية إلى حرب مقدسة؟" لمؤلفه تشارلز غلاس، إطاراً شاملاً لفهم الحرب السورية التي اندلعت عام 2011، ويطرح تساؤلاً محورياً حول تحوّلها من انتفاضة شعبية إلى حرب طائفية ودولية. يجيب المؤلف بأن الصراع لم يكن أبداً مجرد حرب أهلية داخلية، بل تداخلت فيه مصالح إقليمية ودولية معقدة، وأن النتيجة النهائية التي بدت حاسمة لصالح نظام بشار الأسد عام 2017، انقلبت رأساً على عقب بهزيمته المفاجئة والمذلة في نهاية عام 2024، ليحتلّ المعارضون قصره في دمشق ويلجأ هو إلى موسكو.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر المراحل الرئيسية للصراع. يبدأ بوصف الانتفاضة الأولى التي انطلقت من بلدة درعا في آذار 2011، على وقع الربيع العربي، حيث قادت معاناة الفلاحين من الجفاف وقمع المراهقين إلى مظاهرات تحولت من المطالبة بالإصلاح إلى تغيير النظام. يوضح الكيفية التي حوّلت بها التدخلات الخارجية هذه الانتفاضة إلى حرب بالوكالة؛ فدعمت السعودية وقطر الجماعات السلفية، وأعطت تركيا الأفضلية لفصائل الإخوان المسلمين، بينما مولت أمريكا وبريطانيا وفرنسا ما أصبح في النهاية انتفاضة دينية عبر هذه القوى الإقليمية. من الناحية الأخرى، هرع إيران وحزب الله لدعم الأسد، مما أكسب الحرب طابعاً طائفياً عكس الاستقطاب بين الرياض وطهران. ويلاحظ الكاتب أن وصف النظام للاحتجاجات بأنها مدبرة خارجياً كان يشبه سلوك أمريكا التي تغضب من التدخل في انتخاباتها بينما يتدخل CIA في انتخابات دول أخرى، متهماً المعارضين بأنهم استقدموا طوعاً تدخلاً خارجياً من أنظمة غير ديمقراطية.

يواصل الفصل تتبع الأحداث من كانون الأول 2016، حيث تدخلت روسيا عسكرياً لانقاذ الأسد وقلبت الموازين لصالحه بعد استعادة حلب الشرقية، مما جعله يبدو آمناً على عرشه مع بقاء المعارضة في إدلب. لكن الكاتب يلفت إلى أن السياسة الأمريكية التي ادعت هدف إخراج روسيا وإيران من سوريا، جعلت الأسد أكثر اعتماداً عليهما، وأن روسيا وإيران هجرتا الأسد في النهاية في تشرين الثاني 2024 لانشغالهما بأولويات أخرى. يتناول الفصل أيضاً عملية "المصالحة" التي اتبعتها الحكومة عبر الحصار والتفاوض لإخلاء أطراف دمشق (الغوطة الشرقية) وحمص وحلب، حيث خيّر المقاتلون بين التسليم أو الخروج إلى إدلب، بينما صمد داعش لفترة وجيزة في مخيم اليرموك والرقة قبل أن يختفي.

في جزء آخر، يحلل الفصل الوضع المعقد للأكراد بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب (YPG)، الذين استغلوا الفوضى لتحقيق حكم ذاتي في منطقة روجآفا. يصف علاقتهم المزدوجة: تعاون مدني مع الحكومة السورية (التي استمرت في دفع الرواتب)، وتحالف عسكري مع الولايات المتحدة ضمن قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي حررت الرقة في تشرين الأول 2017. لكن الكاتب يوثق كيف تخلت أمريكا عنهم مرتين: أولاً لتدخل تركيا في عفرين عام 2018، مما أدى لتهجير مئتي ألف كردي، وثانياً بموافقتها على العملية التركية. ويسجل تناقض الموقفين الأمريكي والروسي، حيث سمحت روسيا بـ"التطهير العرقي" لأكراد عفرين (حلفاء أمريكا) بينما أرسلت الحكومة السورية السلاح لأكراد المنطقة لكنها لم تضع جيشها في مواجهة الجيش التركي، مشبهاً الاحتلال التركي لشمال سوريا باحتلاله لقبرص منذ 1974 أو بالاحتلال العثماني الذي دام أربعمئة عام.

أخيراً، يتناول الفصل موقفي إسرائيل والطائفة الدرزية. إسرائيل التي ترقب التطورات من هضبة الجولان المحتلة، قصفت أهدافاً إيرانية وحزب الله في سوريا منذ 2011، وفي نفس الوقت سهلت حركة الميليشيات المتمردة على حدودها وعالجت جرحاها، في إطار وعد رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بـ"إيقاف إيران" في سوريا، وهي السياسة التي بلغت ذروتها بغزو لبنان في تشرين الأول 2024. أما الطائفة الدرزية في جبل الدروز، التزمت الحياد في معظم فترات الحرب، رغم أن زعيمهم اللبناني وليد جنبلاط حثهم على إسقاط النظام. لكنهم رأوا في المعارضة السلفية تهديداً وجودياً بعد فتاوى تحرض على اغتصاب نسائهم وقتل رجالهم، فحموا منطقتهم من تنظيمي داعش وجبهة النصرة. ورغم ذلك، يختتم الفصل بمفارقة لافتة: حين سقط النظام، هتف الدروز لسقوطه بسعادة لا تقل عن فرحة الجهاديين أنفسهم. يترك الكاتب القارئ مع سؤال الكاتب الدرزي عاطف حذيفة الذي رأى في أسطورة العنقاء السورية رمزاً لأمل العودة إلى الحياة بعد الموت.

بصفتي ملخّصاً، أجد أن القوة الأساسية للفصل تكمن في قدرته على تفكيك الرواية السائدة للحرب كصراع ثنائي بين نظام ومعارضة، واستبدالها بصورة بانورامية لصراع متعدد الأطراف ومتغير التحالفات. لكن نقطة الضعف، أو ربما الحجة القابلة للنقاش، تكمن في تركيزه المكثف على مسؤولية القوى الخارجية في تحويل الانتفاضة لحرب طائفية، مما قد يقلل من وزن العوامل الداخلية، بما في ذلك سياسات النظام القمعية ذاتها. يقدم الفصل نفسه كتاريخ فوري وجريء، لكن القارئ سيحتاج إلى مصادر أخرى لتقييم توازن هذه الرواية مقابل روايات أخرى عن تعقيدات الحرب السورية.

1.الفصل الأول. درس تاريخي29–43▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول فكرة أساسية: أن الحرب السورية التي اندلعت عام 2011 ليست حدثاً منفرداً، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصراعات على السيطرة على سوريا. يقدم المؤلف درساً تاريخياً يعود إلى قرن مضى، وبالتحديد إلى الثورة السورية الكبرى عام 1925، ليكشف عن أنماط متكررة من الحكم والثورة والعنف. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن فهم الصراع الحالي لا يكتمل دون النظر إلى جذوره التاريخية، حيث أن كل حكومة سورية منذ رحيل الفرنسيين ادعت أنها تجسد روح تلك الثورة، لكنها في النهاية وجدت نفسها في موقع المُستعمِر السابق، تواجه تحديات الحكم في بلد يقاوم مشاريع التحديث والسيطرة.

يسير الفصل عبر الزمن، منتقلاً من الحاضر إلى الماضي. يبدأ الفصل بتأكيد أن لا أحد سأل السوريين عما يريدونه، مستشهداً بمحاولة وحيدة لفعل ذلك في عام 1919، وهي لجنة كينغ-كرين التي وجدت أن 80.4% من السكان أرادوا سوريا موحدة، وأن 73.5% أرادوا الاستقلال الكامل. لكن ما حصلوا عليه كان العكس تماماً: التقسيم والانتداب الفرنسي والبريطاني. هذا التذكير بوعد لم يُحقق يُشكل خلفية الفصل بأكمله.

بعدها، ينتقل الفصل إلى الحدث المحوري: الثورة السورية الكبرى عام 1925. يشرح المؤلف تفاصيل اندلاعها، بدءاً من أخطاء الإدارة الفرنسية، وتحديداً سياسات الكابتن غابرييل كاربيه، الحاكم الفرنسي في جبل الدروز. يصف الفصل كيف أن محاولات "كاربيه" الإصلاحية، كبناء المدارس والطرق، قوبلت بالرفض بسبب أساليبه القاسية، مثل استخدام السخرة والعقوبات الجماعية، مما أهان كرامة الدروز. كان شرارة الثورة المباشرة انتهاكاً لقوانين الضيافة، عندما اقتحم جنود فرنسيون منزل السلطان باشا الأطرش، الزعيم الدرزي الشاب، لاعتقال شخص آخر. يتابع الفصل تطور الأحداث بسرعة: من مظاهرات سلمية طالبت باستبدال حاكم، إلى ثورة مسلحة رفضت الانتداب بأكمله.

يقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً للمعارك، مثل تدمير طابور الكابتن نورمان وهزيمة قوات الجنرال روجيه ميشو، مما أظهر قوة الثوار في البداية. يصف أيضاً كيف انتشرت الثورة إلى حمص ودمشق حيث قصفت القوات الفرنسية المدينة بشكل همجي رداً على دخول الثوار إليها في 18 أكتوبر 1925. يذكر الفصل أن الجانبين استخدما نفس التكتيكات: الفرنسيون قصفوا المدن وعاقبوا القرى جماعياً، بينما ارتكب بعض الثوار مجازر بحق المسيحيين في معالولا، مما أضعف الدعم الشعبي للثورة.

يوازن الفصل بين روايتين: الرواية الوطنية التي ترى في الثورة بطولة، ورواية الجنرال الفرنسي أندريا الذي وصفها بأنها "قطاع طرق خالصة". ويقر المؤلف بأنه رغم البطولات، افتقرت الثورة إلى القيادة الموحدة والتنظيم، مما سهّل على الفرنسيين إخمادها بمرور الوقت. أنهى المؤلف القسم التاريخي بإشارة إلى أن الفرنسيين غادروا بعد عشرين عاماً، وأن السلطان الأطرش عاد ليعيش بسلام حتى قاد ثورة أخرى فاشلة عام 1947.

في خاتمة الفصل، يعود المؤلف إلى الحاضر ليرسم أوجه الشبه بين ثورتي 1925 و2011. يذكر أوجه الشبه العديدة: بدأ كلاهما بمظاهرات سلمية واحتجاجات على حاكم محلي، وتفاجأت بهما السلطات، وانتشرا من درعا إلى حمص ثم لباقي البلاد، وتلقيا أسلحة من تركيا والسعودية والأردن، وضمّا فصائل متصارعة من علمانيين وإسلاميين. لكنه يشير أيضاً إلى الاختلافات الجوهرية: فالحرب الحالية اجتاحت العراق بوجود داعش، بينما لم يحدث ذلك في العشرينيات. وأخيراً، يختم الفصل بملاحظة أن كل حكومة سورية بعد 1946 ادعت أنها تمثل روح ثورة 1925، ولكنها انتهت إلى حكم البلاد بنفس أساليب الفرنسيين، وهو درس تاريخي يبدو أن لم يتعلمه أحد.

2.الفصل الثاني. حلب، سبتمبر 2012: القلعة44–53▼ ملخص

يتركّز هذا الفصل على مدينة حلب في ربيع 2012، بعد عام من اندلاع الانتفاضة السورية، ويستخدمها كنموذج مصغّر لتعقيدات الصراع. يقدّم المؤلف مدينة ذات تاريخ عريق ومزيج اجتماعي وطائفي فريد، ويوضح كيف أن هذا النسيج الفسيفسائي أصبح مهددًا بالتمزق مع تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى حرب طائفية. الإجابة الضمنية التي يقدمها الفصل هي أن الصراع، وإن بدأ كحراك شبابي ضد الاستبداد والفساد، سرعان ما تأطّر بمنطق طائفي تغذيه تدخلات خارجية ومخاوف الأقليات، مما يضع مستقبل التعايش في سوريا بأكمله على المحك.

يبدأ الفصل بعرض تاريخي موجز لمدينة حلب، من جذورها التي تعود لثمانية آلاف عام، مرورًا بتسميتها العربية (حلب إبراهيم)، وصولًا إلى وصفها بأنها ثالث أهم مدينة إسلامية بعد القسطنطينية والقاهرة. يبرز المؤلف غنى المدينة بتنوع سكانها من عرب وأرمن وأكراد ومسلمين سنة ومسيحيين من إحدى عشرة طائفة ويهود، ويشير إلى أن الوثائق العثمانية تُظهر تعايشهم في الأحياء ذاتها دون قيود على تملك المنازل لأي مجموعة أو للنساء. هذا التنوع، كما يقول، جعل من حلب نموذجًا مصغرًا لسوريا كلها.

ثم ينتقل المؤلف إلى وصف هذا الماضي القريب المتنوع من خلال معلمين: كنيس بندرة، الذي يسبق بناؤه الفتح العربي في 637 ميلادية، والذي يعكس تاريخ اليهود الذين غادروا بأغلبيتهم بعد تأسيس إسرائيل ثم مغادرة آخرهم في 1992 عندما رفع الرئيس حافظ الأسد قيود الهجرة. هذا الفراغ، بحسب المؤلف، يبشّر بمصير قد ينتظر مسيحيي حلب تحت هيمنة إسلاميين متشددين. يستشهد بمقابلات مع أساقفة مسيحيين يعبّرون عن قلقهم، مثل المطران مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم الذي يؤكد أن السلاح الوحيد للمسيحيين هو مغادرة البلاد، وهو ما يرفضه، ومثل المونسنيور بطرس مراياتي الذي يقول إن كلا طرفي الصراع لديه أخطاء.

يشرح الفصل مخاوف الأقليات كمنطلق رئيسي لفهم الموقف. فـ العلويون، الذين تحكم طائفتهم، يتركزون في الساحل ولهم قاعدة إقليمية، وكذلك الأكراد والدروز. أما المسيحيون فهم منتشرون في مدن متعددة وبلا قاعدة جغرافية واضحة، مما يجعلهم عُرضة للخطر في حال نشوب حرب طائفية. يشير المؤلف إلى أن بعض الأقليات، رغم استفادتهم من سياسات النظام، يترددون في التخلي عنه في الأزمات. ويضرب مثالاً لتداعيات العنف بإشارته إلى مداهمة قوات الأمن لسكن جامعة حلب، حيث تتبادل الروايات الاتهامات بين النظام والطلاب المعارضين.

بالعودة إلى ربيع 1987، يقارن المؤلف بين مشهدين: الأول كان حلب هادئة، والثاني هو حلب في 2012 التي لا تزال هادئة على السطح مع عودة الحياة الليلية، لكن مع سؤال يخامر الجميع: "حتى متى؟". يستعرض تاريخ النظام من 1970 فصاعدًا، بدءًا من صمود حافظ الأسد أمام انتفاضة الإخوان المسلمين في 1982 والتي انتهت بمقتل آلاف السنة، مرورًا بهزيمة الجيش السوري في لبنان صيف ذلك العام، وصولًا إلى انقلاب أخيه الفاشل واستعادة السيطرة على لبنان. يصف الكاتب النظام بأنه كان قاسيًا وفعالًا، قائلاً إن التعذيب كان مخصصًا للمنشقين الجديين، وأن هيبته بدت راسخة كقلعة حلب حتى تفجرت الاحتجاجات في درعا في مارس 2011.

في تحليله للاحتجاجات، يُظهر الفصل جيلاً شابًا لم يشهد قمع 1982، ونشأ في عصر إصلاحات سطحية مثل رفع الزي العسكري المدرسي والسماح بالاتصالات الحديثة، مما زاد شهيته للحرية الحقيقية. يستشهد بمقابلة مع عروة نيابة، مخرج سينمائي يصف الاحتجاجات بأنها كانت "تطبخ منذ فترة". يشير نيابة إلى خطر تحول الاحتجاج من مناهضة للنظام إلى مناهضة للطائفة العلوية، بسبب الدعم السعودي الذي يذهب للجماعات الأقرب للفكر الوهابي، مما يخيف الأقليات أكثر من أي شيء آخر.

يختتم الفصل برسم صورة للجمود العسكري والسياسي في ربيع 2012. فالنظام لم يشهد انشقاقات كبرى، وقلة من الجنود انضموا للثوار. بعض أهالي حمص يغضبون من الجيش السوري الحر لتركهم لمصيرهم بعد تحويل مدينتهم لبوتقة الثورة. تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى مقتل نحو عشرة آلاف شخص بين مارس 2011 وأبريل 2012. المجتمع منقسم بين مؤيدين للنظام ومقاومين ومتربصين. الغالبية ترفض التدخل الخارجي، وخصوصًا التركي، خوفًا من تهجير جديد، وهو هاجس أظهرته مخاوف الأرمن الذين وجدوا في حلب ملاذًا آمنًا بعد مذابح 1915 في تركيا. هناك خشية من أن تكون الثورة قد أصبحت أداة بيد أمريكا والسعودية وإسرائيل لهزيمة إيران، وهو ما قد يجردها من الدعم الشعبي. في النهاية، يختم الفصل بصوت أحد المسيحيين الذي احتج ضد الأسد لكنه يهمس: "أنا أتغوط على هذه الثورة لأنها تدفعني بين ذراعي النظام".

في قراءة متأخرة، يمكن القول إن تحذيرات الفصل المبكرة حول الطابع الطائفي المتنامي للصراع كانت دقيقة. النقطة القابلة للنقاش هي التركيز الكبير على مخاوف الأقليات كمحرك رئيسي، مما قد يُقلّل من سردية الثوار الذين رأوا في النظام عدوًا استبداديًا قبل أن يتحول الصراع إلى حرب طائفية شاملة. إن الإشارات المتكررة لرفض التدخل التركي وتخوف المسيحيين من مصير شبيه باليهود، تبرز مدى وعي الكاتب المبكر بالطبقات العميقة من التاريخ والهوية التي ستحدد مسار هذا الصراع.

3.الفصل الثالث. حلب، خريف 2012: صابون زيت الزيتون54–65▼ ملخص

بدأ الفصل بوصف ملموس لتوقف إنتاج صابون زيت الزيتون الشهير في حلب خلال خريف 2012، بسبب الحرب التي أتت على الأسواق القديمة وأبقت المصانع في حالة جمود. من هنا، يطرح تشارلز غلاس سؤاله المحوري: كيف تحولت حلب، المدينة التي كانت تشكل ورشة سوريا وسوقها، والتي ولدت 65% من الثروة الوطنية، من واحة نسبية من الازدهار والانسجام إلى ساحة حرب مدمرة؟ الإجابة التي يبنيها الفصل هي أن الحرب فرضت نفسها على حلب من الخارج، ولم تنبثق من داخلها، وأن كلا الطرفين—النظام والمعارضة المسلحة—ساهم في تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تقوم عليه المدينة.

يسير الفصل عبر رحلة المؤلف إلى حلب في خريف 2012، مقارناً إياها بزيارته السابقة في أبريل من العام نفسه. يصف المشهد القاتم في الطريق من المطار: طرق مهجورة، مبانٍ مدمرة، وحواجز مرورية مفاجئة. هذا التباين الصارخ بين حلب التي كانت تعج بالحياة وصابونها متوفر في الأسواق، وبين المدينة المحاصرة والمقسّمة، هو الدليل الأول على حجم الكارثة. يروي المؤلف كيف تشكلت "حدود داخلية" في المدينة، حيث أصبحت أحياء مثل سليمانية الآمنة والمضاءة قريبة جداً من أحياء أخرى مثل الجديدة التي هجرها سكانها بعد دخول الثوار إليها.

يستخدم غلاس شهادات أصدقائه من أبناء حلب كأدلة على التحول في المشاعر. أحدهم يقول: "دخل الثوار إلى حلب. حلب لم تدخل الصراع." وآخر يصف كيف أصبح أهالي المدينة محصورين بين "قوتين سيئتين"، حيث حلّ خوف إضافي من جيش الحر وميليشياته محل الخوف القديم من مخابرات الدولة. مثال بني زيد، الحي الفقير الذي ارسل شيوخه رسالة يطالبون فيها الثوار بمغادرة حيهم، هو دليل حاسم: حتى الفقراء الذين تعاطفوا مع الثورة رفضوا التكتيكات التي تجلب القصف العشوائي عليهم. يخلص الفصل إلى أن الجيش السوري الحر، بإشعاله الأسواق القديمة وتفجير سيارتين مفخختين في ساحة سعد الله الجابري في 3 أكتوبر، أضاع تعاطف الكثيرين، بينما النظام بقمعه الوحشي دفع بعض مؤيديه إلى المعارضة.

يمتد التحليل ليشمل الطبيعة المتعددة الأوجه للحرب: هي حرب طبقية، وحرب طائفية، وحرب مقدسة، ويشهد القارئ على تفكك التفاهمات الاجتماعية التي كانت حلب تفخر بها. يقدم الفصل حالة المطران غريغوريوس، أسقف حلب للروم الأرثوذكس، كمثال صارخ على تحول المواقف. من شخص كان في أكتوبر متفائلاً بإمكانية الحوار، يصبح في نوفمبر رجلاً مهزوزاً بعد أن انخفض عدد طلاب مدرسته من 550 إلى 50 فقط، ويدعو لأول مرة الرئيس بشار الأسد إلى التنحي كحل وحيد. هذه الشهادة، من زعيم ديني كان محايداً، توضح عمق اليأس.

يعود الفصل إلى تاريخ 1979 ليوفر مقارنة تاريخية عميقة. يصف تقرير لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA) من مايو 1982 انتفاضة الإخوان المسلمين في حلب والتي بدأت بمجزرة بحق 83 طالباً علوياً، وكيف سحقها النظام بوحشية في حماه عام 1982، مخلفاً ما بين 2000 و 25000 قتيل. يربط المؤلف هذه الذاكرة بحالة الحذر التي سادت حلب في بداية الثورة، حيث خشي السكان من تكرار المأساة. لكن الفرق الجوهري، بحسب الفصل، هو أن هذه المرة جاءت موجة من الفلاحين والفقراء الذين هجروا من أراضيهم بسبب الجفاف بين 2007 و 2011، والذين لم تستوعبهم السياسات الاقتصادية النيوليبرالية للنظام، فجاءوا إلى حلب محملين بالاستياء الطبقي الذي تحول إلى وقود للحرب.

يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا. يختم المؤلف بذكر تنظيم المعارضة في قطر تحت رعاية غربية، ورفض الفصائل الإسلامية لهذا الائتلاف، ورفض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) الانضمام إليه، مما يرسم صورة لحرب طويلة ومدمرة قد يصل عدد ضحاياها إلى 40 ألف قتيل، و2 مليون نازح، بينهم 400 ألف لاجئ عبر الحدود. الفصل هو تأبين لحلب القديمة، وتشريح لكيف يمكن للحرب أن تحول مدينة قائمة على التعددية والتعايش التجاري إلى ساحة خراب، في مأزق لا حل فيه واضحاً.

4.الفصل الرابع. دمشق، خريف 2013: الربيع العربي، الشتاء السوري66–76▼ ملخص

دمشق، خريف 2013: الربيع العربي، الشتاء السوري

يرسم هذا الفصل صورة قاتمة لتحول الانتفاضة السورية من حركة احتجاجية سلمية إلى حرب أهلية طائفية مدمرة، محاولاً الإجابة عن سؤال محوري: كيف تحوّل "الربيع العربي" في سوريا إلى "شتاء سوري" دموي؟ يقدم المؤلف إجابة متعددة الأبعاد، لا تلقي باللوم على طرف واحد، بل تركز على عوامل متراكمة تشمل طبيعة النظام الاستبدادي، وإرث الانقلابات العسكرية، والتدخلات الخارجية، وانقسام المعارضة، وتحولها نحو العنف.

يبدأ الفصل بنكتة قديمة عن كلب لبناني هرب من الحرب الأهلية إلى سوريا، وعاد بعد أشهر وهو في حالة أفضل، لكنه عاد لأنه أراد "أن ينبح". يستخدم المؤلف هذه النكتة كاستعارة قوية للتعاطف مع رغبة السوريين في المعاملة كبالغين، وفي حرية التعبير التي يرمز إليها "النبح". ثم يميز بين "الديكتاتور الكبير" (النظام) و"الديكتاتوريين الصغار" (البيروقراطيون والمسؤولون الفاسدون) الذين يزدهرون في ظله، مشيراً إلى أن كل الديكتاتوريات معرضة للخطر بسبب تغير الظروف الدولية أو شرارة مفاجئة.

يستعرض الفصل تاريخاً طويلاً من خيبات الأمل للإصلاح في سوريا، بدءاً من تعاون القوميين العرب مع بريطانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، والذي انتهى بالاستعمار وترسيم حدود مصطنعة. ثم ينتقل إلى لحظة الاستقلال عام 1946، حيث سيطر كبار ملاك الأراضي والتجار على النظام البرلماني. ويتناول بالتفصيل قصة خط أنابيب التابلاين (Tapline) كدليل على التدخل الخارجي، حيث استخدمت السفارة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية (CIA) رشوة لترتيب انقلاب العقيد حسني الزعيم في عام 1949، مقابل موافقة سوريا على خط الأنابيب وهدنة مع إسرائيل. يصف الفترة التي تلت ذلك بأنها بداية "عدم الاستقرار في سوريا، مع انقلابات عسكرية منتظمة كتغير الفصول"، لينتهي هذا العصر بانقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970.

يقارن المؤلف الثورة السورية بثورات أخرى في الشرق الأوسط "سارت بشكل خاطئ"، مثل الثورة اللبنانية عام 1975 التي أدت إلى حرب خمسة عشر عاماً، والثورة الفلسطينية التي "باعت القضية"، والثورة الإيرانية التي أدت إلى نظام "أكثر وحشية وفساداً" من سابقه. ويخلص إلى أن "الثورات تنتج نتائج مفاجئة"، محذراً من أن من يبدأونها يجب أن يكونوا مستعدين للعواقب غير المقصودة للنجاح كما للفشل.

يعود الكاتب إلى رحلته في سوريا عام 1987، ويقتبس من الدكتور حافظ جمعلي، أحد مؤسسي حزب البعث، الذي وصف جو الخوف في ذلك الوقت، مشيراً إلى أن الرئيس حافظ الأسد كان يعتقد أنه "ملهم وله علاقة خاصة مع الله"، وأن أي أزمة هي "مؤامرة". ينتقل بعدها إلى شخصية رولا روجبي، ابنة فيصل روجبي (أحد منشقّي حزب البعث)، التي كانت تدير فندقاً في دمشق عام 2012. تروي رولا كيف كانت تستضيف نشطاءً شباباً في مقهى فندقها، وتصف انقساماً جيلياً في الصراع، حيث يدعم "القوميون من الجيل القديم" النظام، بينما تقول عن الاحتجاج في دمشق إن "الطبقة الفقيرة فقط هي التي تشارك"، بينما في حمص "جميع الطبقات، جميع الطوائف".

يصف الفصل بوضوح كيف أدى القمع العنيف للاحتجاجات السلمية إلى تحول بعض المعارضين إلى حمل السلاح، مما أعطى اليد العليا لعناصر مسلحة تدعمها جهات دولية. مع تصاعد الخسائر، "هيمن أنصار الحل العسكري على معسكري النظام والمعارضة". انتشرت المعارك من المناطق الحدودية إلى دمشق وحلب، اللتين كانتا بعيدتين عن القتال المسلح في البداية. يعدد الفصل الفئات التي لها مصلحة في استمرار نظام الأسد (الأقليات، والعلويون، والمسيحيون، وأجزاء من الطبقة التجارية السنية)، مقابل من يقفون ضده (الإسلاميون، ومن عانوا من الظلم، والشباب).

بحلول خريف 2013، يصف الكاتب كيف أن المقهى الذي كان يجمع النشطاء يكاد يكون فارغاً، وكيف أن الكاتب خالد خليفة يقول إنه "ضاق ذرعاً بالثورة التي كان يتوق إليها ذات يوم". يتحدث عن نشطاء سلميين تم اعتقالهم، مثل زيدون الزعبي وأوروا نيارابيا، واللذين ربما تم تجنيبهما التعذيب لانتمائهما إلى "الطبقات غير القابلة للتعذيب" (كما وصفها غراهام غرين). فيما يروي آخر هويته "أمضيت ثلاثة أيام في السجن، ثلاثة أيام من الجحيم... قد عدت إلى وظيفتي وأتجنب السياسة"، خائفاً من داعش أكثر من قوات الأمن. وتقول ناشطة شابة: "المظاهرات انتهت... كان ذلك هو الوقت الجميل".

يسلط الفصل الضوء على الفظائع المرتكبة من الطرفين، معتمداً على تقارير منظمة العفو الدولية (HRW)؛ في 4 أغسطس 2013، شنّت داعش وميليشيات إسلامية أخرى هجوماً على قرى علوية، وتقدر المنظمة أنها اختطفت أكثر من مئتي امرأة وطفل علوي. وفي مايو 2013، وصفت المنظمة كيف هاجمت القوات الحكومية المدنيين بشكل عشوائي، وأعدمت 248 مدنياً في جيب سني. يذكر أن الجيش السوري الحر تبرأ من هذه المجازر، لكنه استمر في التعاون مع الجهاديين. يدين الفصل القتل الطائفي وأخذ الرهائن من قبل المتمردين، ويقول إنها "ترعب الأقليات" وتجبرهم على اللجوء إلى النظام للحماية.

ينتقل الفصل إلى الفشل الدبلوماسي، مشيراً إلى أن مبادرة الأمم المتحدة والجامعة العربية برئاسة كوفي عنان ثم الأخضر الإبراهيمي ثم ستافان دي ميستورا "فشلت في كسر الجمود". ثم يقدم إحصاءات مروعة عن حجم المعاناة الإنسانية: بحلول أبريل 2014، قُتل ما يقرب من مئتي ألف شخص، وهو رقم معترف بأنه أقل من الواقع. ويقتبس من تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن تفشي شلل الأطفال، ومن تقرير للدكتورة آني سبارو عن تدمير النظام الصحي: فر أكثر من 16 ألف طبيب، وقُتل 36 مسعفاً، ولم يتبق سوى أقل من 40 سيارة إسعاف من أصل 500. يذكر أن أكثر من 2.4 مليون سوري سُجلوا كلاجئين في الخارج، ونحو 6.5 مليون نازح داخلياً.

في تحليله لأسباب الحرب، يشير الفصل إلى أن احتجاجات درعا في مارس 2011 كانت مشروعة ومحدودة، لكن رد النظام العنيف هو الذي حولها. ثم يوضح دور التدخلات الخارجية: دعم السعودية وقطر (وهي أنظمة غير ديمقراطية) للمتمردين بالسلاح والمال، وفتح تركيا حدودها، والدعم السري من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في مقابل دعم روسيا وإيران للنظام. يختم باستعارة من رواية "أهل الغابة" لتوماس هاردي، متسائلاً: من في واشنطن أو موسكو أو طهران أو الرياض أو الدوحة يمتلك المعرفة العميقة بسوريا، أو يستطيع أن يتنبأ بعواقب تصعيد الصراع بالمزيد من السلاح والمال؟ يترك السؤال مفتوحاً، مشيراً إلى الجهل الكبير الذي يحيط بالقرارات الدولية.

5.الفصل الخامس. تضامن، دمشق، شتاء 2013: حمام دم أخوي77–85▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على واقع الحرب الأهلية السورية كما تجلّى في حي التضامن بدمشق خلال شتاء 2013، مقدّماً صورة عن حالة من الجمود العسكري والاستنزاف اليومي، بعيداً عن أية انتصارات حاسمة. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الحرب قد تحوّلت إلى صراع وجودي لا يرى فيه أي طرف الآخر كإنسان، مما جعل الحل العسكري مستحيلاً والحل السياسي في مهب الريح.

يبدأ الفصل بتقديم قائد ميداني في قوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة، وهو ضابط نظامي في السادسة والثلاثين من عمره. يُشير هذا القائد إلى ستة من مقاتليه، اثنان منهم استُشهدا واثنان أسرى واثنان لا يزالان يقاتلان. يصف القائد الواقع الميداني في حي التضامن، وهو حي مختلط سكانياً من السنة والدروز والعلويين، يقع على تخوم مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. هناك، تتقابل قواته مع مقاتلي الجيش السوري الحر وجبهة النصرة وداعش، في جبهة تفتقر إلى أي حركة حاسمة. يؤكد القائد أن معظم القتال يقوم به أفراد قوات الدفاع الوطني لأنهم من سكان المنطقة ويعرفون تضاريسها، بينما يقاتلهم جيرانهم السابقون من التضامن نفسه، والذين يعرفون أسماءهم وينادونهم بها أثناء الاشتباكات.

يستخدم المؤلف مثالاً مفصلاً لتبادل الأسرى بين القائد وقائد معارض، لتوضيح طبيعة العلاقات الجديدة التي خلقتها الحرب. استبدل القائد جثة مقاتل شاب يدعى ريبال كان طالباً في السنة الثالثة في الأدب الإنجليزي، مقابل ثمانية أو تسعة أسرى. ثم، ومن خلال احتجاز زوجة القائد المعارض لفترة وجيزة، تم تأمين تبادل آخر لخمس نساء مختطفات من مخيم اليرموك. هذا التبادل أفضى إلى تبادل هدايا بين القائدين (مسدس من المعارض وأدوية من القائد الموالى)، وحتى إلى مكالمات هاتفية بينهما. يرى القائد أن الحوار مع الجيش السوري الحر مرغوب فيه لأنه في الغالب علماني، ويتوقع احتمال اتحاده مع الجيش السوري ضد المتطرفين السنة في جبهة النصرة وداعش.

ينتقل الفصل بعدها إلى نطاق أوسع لتحليل المشهد العام. يُظهر أن المكاسب التي حققتها الحكومة في دمشق قوبلت بنجاحات للمعارضة في الشمال، وخاصة في حلب ومناطق الريف العلوي. ويُدخل المؤلف أداة دبلوماسية جديدة هي الاتفاق الروسي-الأمريكي على نزع الأسلحة الكيميائية السورية بعد هجوم الغوطة الشرقية في 21 أغسطس 2013، والذي فتح نافذة لإحياء مؤتمر جنيف. يستشهد المؤلف بالمبعوث الأممي مختار لطفي الذي يحذّر من أن "مكونات الإبادة الجماعية متوفرة في غضون بضعة أشهر"، ويقارن المحلل الوضع السوري بحال لبنان قبل اتفاق الطائف. يُقدّر أن المعارضة تضم أكثر من ألف مجموعة وما لا يقل عن مئة ألف مقاتل.

يكشف الفصل عن الانقسام الحاد حول رؤية الحل. فبينما يصرّف المعارضون على رحيل الأسد فوراً، يؤكد أنصاره أنه ضروري لأي عملية انتقالية. ويورد المؤلف أصواتاً متعددة من دمشق تعبّر عن هذا الانقسام: سجين سياسي سابق يعتبر جنوى مستحيلاً، ورجل أعمال سني محافظ يصفه بالهراء، والروائي خالد خليفة الذي يدعم جنوى، وبطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام الذي يرى فيه السبيل الوحيد لوقف نزيف الهجرة، ووزير الإعلام عمران الزعبي الذي يتهم المعارضة الخارجية بتجنب الحل السياسي. ويختتم الفصل بعودة إلى حي التضامن، مشبّهاً حالته بحالة الجبهة الغربية في الحرب العالمية الأولى من حيث الجمود، مع فارق أن ساحة المعركة تختلط فيها القوات شبه النظامية مع ما يقدر بثمانين ألف مدني.

6.الفصل السادس. حلب ودمشق، سبتمبر 2014: فسيفساء محطمة86–94▼ ملخص

يُركّز الفصل السادس من كتاب "سوريا: من حرب أهلية إلى حرب مقدسة؟" لتشارلز غلاس على تفتت النسيج الاجتماعي السوري المتنوع تحت وطأة الحرب الأهلية في سبتمبر 2014، ويجادل بأن الصراع حوّل التعايش التاريخي بين الطوائف إلى فسيفساء محطمة، حيث حلّ الانقسام الطائفي والعنف الممنهج محل التسامح الذي كان سمةً بارزةً للمجتمع السوري. يقدّم المؤلف الإجابة عبر تتبع تحول الاحتجاجات السلمية إلى حرب طائفية، مظهراً كيف استغلت القوى الإقليمية والدولية هذا التشرذم.

يبدأ الفصل باستشهاد من السير مارك سايكس، الذي وصف سكان سوريا في عام 1904 بأنهم "تجمّع غير منسجم من أعراق وديانات وعادات مختلفة"، ثم يعارض المؤلف هذه النظرة بسرد قصة مفتي الجمهورية السابق، أحمد بدر الدين حسون، الذي يروي حادثة تعاطف معه أمريكي في مطعم أثناء رحلته من مونتريال إلى نيويورك عام 1994، مؤكداً أن "الإنسان الطيب هو إنسان طيب، بغض النظر عن دينه". هذا التوجه التسامحي لدى المفتي، الذي دعا إلى الحوار مع المسيحيين وحتى غير المؤمنين، يضعه في تناقض صارخ مع خطاب الكراهية لشيوخ آخرين مثل عدنان العرعور الذي دعا إلى "طحن" العلويين، أو محمد الزغبي الذي وصفهم بـ"الطائفة القذرة" ودعا إلى قتلهم. يوضح المؤلف أن نظرة المفتي حسون، رغم اتهامه بكونه لسان حال النظام، تمثل تقليداً سورياً للتعايش استمر لـ15 قرناً، حيث لم تشهد البلاد سوى موجتين من المذابح الطائفية في منتصف القرن التاسع عشر، الأولى في حلب عام 1850 والثانية في دمشق بعد عشر سنوات التي راح ضحيتها أحد عشر ألف مسيحي، وكان سببها ارتباط المسيحيين بالأوروبيين.

ينتقل الفصل إلى تفسير تدهور الأوضاع، فيشير إلى أن فشل تدخل غربي مماثل لحملة ليبيا هو ما مهد الطريق لصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي تفوق على الجيش السوري الحر بوحشيته وفعاليته. يصف الكاتب كيف حقق داعش ما عجز عنه الفصائل الأخرى وهو جلب القوة الجوية الأمريكية للحرب، ولكن بشكل لم يصب مصلحتهم، بل جعل الولايات المتحدة حليفاً لاسمياً للنظام. بعد ذلك، يقدم الكاتب شهادة مؤلمة لامرأة شابة في دمشق تصوّر رأس ابن عمها الجندي في الفرقة 17 احتياط مقطوعاً ومثبتاً على سياج حديقة عامة في الرقة، بعد أن أسره تنظيم داعش أثناء اجتياحه مطار طبقة الجوي في 24 أغسطس 2014، في مشهد يفضح الوحشية الممنهجة.

يوضح المؤلف أن الضحايا الأوائل كانوا من الأقليات، ويذكر أن العلويين والمسيحيين، الذين يشكل كل منهم حوالي 10% من السكان، وجدوا أمانهم في نظام الأسد، لكن تكاليف هذه الحماية باهظة. فحتى داخل معقل العلويين في جبل العلويين، يصعب العثور على ثروة خارج العائلة الحاكمة، والفلاحون لا يزالون يعيشون على بضع مئات من الدونمات. يلفت الكاتب إلى أن جزءاً كبيراً من السنة، الذين يشكلون حوالي 70% من السكان، لم يحمل السلاح، وإلا لما صمد النظام. ويرى أن سيطرة العلويين على الجيش بدأت في الانتداب الفرنسي، وليس بفضل حكم الأسد، مما جعل هيمنتهم ورطة تاريخية. ويقتبس الكاتب مقولة لطبيب اسمه حافظ جمالي مفادها أن الجيش أصبح مؤلفاً من ضباط علويين، وهذا "لا يأتي بمحض الصدفة". ثم يقدم شهادة امرأة مسيحية أرمنية تشرح دعمها للنظام لأنها تخشى من وصفها بـ"كافرة" وحرمانها من حريتها، بينما يصفها أستاذ جامعي آخر بأن ما يحدث هو نتاج فشل سياسي أمريكي وفرنسي. ويتحدث الكاتب عن هجرة مسيحيين إلى أرمينيا وبيعهم منازلهم، مستشهداً بأمثلة لمسيحيين انتقدوا النظام لكنهم فضلوه على فوضى الإسلاميين، مثل سمير كاترجي، المهندس المعماري السابق الذي صمم المدرج الروماني في قلعة حلب، وغادر إلى الولايات المتحدة بعد أن سجن عدة مرات لانتقاده العلني للنظام.

يختم الفصل بتأكيد أن الخوف هو الذي يدفع الناس نحو جيوب طائفية، مكرراً نمط الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الأمريكي للعراق، ومحذراً من أن الأحياء المختلطة تتحول إلى غيتوهات. يورد الكاتب كلمات نبيل السمان، أستاذ الهندسة في دمشق، الذي كتب أن الأزمة أثبتت أنه لا يمكن الاعتماد إلا على الأسرة والقبيلة. ينهي الفصل بقصة مقتل نجل المفتي حسون، سارية (22 عاماً)، في 2 أكتوبر 2011، برصاص مسلحين مجهولين. يتذكر المفتي كيف سامح القتلة في جنازة ابنه، لكنهم ردوا بتهديده بالقتل على شاشات التلفاز في السعودية ومصر وبريطانيا، لأنهم يعتبرون دعوته للحوار مع المسيحيين والإسرائيليين حتى، "فتوى لقتله". يخلص الفصل إلى أن سوريا كانت تفتقر إلى الحريات السياسية، لكنها كانت تمتلك حرية اجتماعية ودينية، وهي الحرية التي دُمرت في الحرب.

في التحليل النهائي، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش وهي أن النظام السوري، رغم قمعه، كان ضامناً لتعايش طائفي هش، وأن المعارضة المسلحة، وخصوصاً الجهاديين، دمّرت هذا النموذج. لكن هذه الحجة تُغفل دور القمع النظامي الممنهج في إشعال الاحتقان الذي أوصل البلاد إلى هذه الحال.

7.الفصل السابع. دمشق، صيف 2015: أصدقاء كهؤلاء95–110▼ ملخص

بدأ تشارلز غلاس الفصل السابع بمزحة سورية قديمة عن استطلاع للرأي حول أكل اللحم، ليكشف عن السخرية المرة التي يتعامل بها السوريون مع واقعهم السياسي، حيث لا يُسألون عن رأيهم أصلاً. ينتقل المؤلف بعدها إلى جذور الأزمة، مؤكداً أنها بدأت قبل فترة طويلة من إحراق محمد البوعزيزي نفسه في تونس، وتحديداً منذ أن قرر البريطانيون والفرنسيون "إنقاذ" العرب من العثمانيين. يصف غلاس اتفاقية سايكس-بيكو السرية عام 1916 التي قسمت المنطقة العربية، متجاهلة رغبات سكانها، والتي تجلت في استفتاء لجنة كينغ-كرين عام 1919 حيث طالب أكثر من 80% من مقدمي الالتماسات بالاستقلال الكامل لوحدة سوريا. يذكر المؤلف أن قوات فيصل اعتمدت على البريطانيين، وأنه لم يعلم بسيطرة فرنسا على سوريا إلا من الجنرال اللنبي، لتعود فرنسا وتسيطر على دمشق في 24 يوليو 1920 بعد معركة ميسلون التي استشهد فيها يوسف العظمة و1200 مقاتل عربي.

يشرح غلاس كيف قسّمت فرنسا سوريا إلى دويلات، وجنّدت الفلاحين العلويين الفقراء في قواتها لقمع الانتفاضات الوطنية، مما منحهم موطئ قدم في الجيش السوري. يرى المؤلف أن هذا الإرث الاستعماري هو أصل الأزمة الحالية، حيث مهد الطريق لصعود الضباط العلويين إلى السلطة بعد انقلاب 1949 الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية، وصولاً إلى حكم الأسد. يخلص غلاس إلى أن اتهامات بشار الأسد لبريطانيا بدورها غير البناء في المنطقة ليست بعيدة عن الصواب، مشيراً إلى أن بريطانيا لم تفعل شيئاً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان منذ 1967، وتوقعت سقوط النظام السوري منذ بداية الانتفاضة، مما يجعلها غير قادرة على لعب دور الوسيط النزيه.

ينتقل الكاتب ليصف الحالة السورية في صيف 2015، حيث يجد السوريون أنفسهم محاطين بـ "أصدقاء" جدد، تماماً كالفائز باليانصيب. ففي جانب، يدعم روسيا و إيران الرئيس الأسد بالسلاح والغطاء الدبلوماسي. وفي الجانب الآخر، هناك "مجموعة أصدقاء الشعب السوري" المكونة من 107 دول ومنظمات، والتي يحاول غلاس أن يسأل بسخرية عن دورها خلال احتلال إسرائيل للجولان وتهجير السوريين. يرى المؤلف أن السياسة الأمريكية لـ جورج دبليو بوش لتقويض إيران عبر دعم الجماعات السنية المتطرفة، استمرت في عهد أوباما، مما أدى إلى تأجيج الحرب في سوريا لأغراض خارجية، وجعلها وكأنها حرب إسبانيا أو يوغسلافيا. يخلص إلى أن أيادٍ ليست نظيفة، وأن أحداً لا يربح من الحرب سوى حفاري القبور.

في جزء لاحق، ينتقد غلاس بشدة ما وصفه بـ "ممكني" التطرف، فيشير إلى دور تركيا في تسهيل وصول المسلحين الإسلاميين إلى الحدود السورية، وإلى تمويل قطر و السعودية للجماعات التي أصبحت لاحقاً داعش. ويستشهد باعتراف نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن أكبر مشكلة في سوريا هم حلفاء الولايات المتحدة الذين سكبوا مئات الملايين من الدولارات على مقاتلي جبهة النصرة و القاعدة. لكن غلاس يلاحظ تحولاً في الموقف الأمريكي عام 2014، حيث بدأت واشنطن تقصف أعداء النظام السوري بدلاً من النظام نفسه، مما أعطى النظام أملاً في البقاء. ويضرب مثالاً على ذلك بلقاء المستشارة السورية بثينة شعبان مع جيفري فيلتمان في أوسلو في 20 يونيو 2013، حيث قال لها فيلتمان إنهم يعرفون أن الأسد سيبقى، ويسألون كيف يمكن حل المشكلة.

يصف غلاس واقع الحياة في دمشق في خريف 2014، حيث تحسنت ظروف الأمن نسبياً في مناطق سيطرة الحكومة، مع بقاء مطار جبَر تحت سيطرة المعارضة، وقصف الطيران السوري له يومياً. يُظهر المؤلف تناقضاً صارخاً بين الحياة شبه الطبيعية في دمشق، حيث الأسواق والمطاعم مفتوحة، والحياة على الشاطئ في اللاذقية مع وجود نساء بالبكيني، وبين الدمار في الضواحي وخطر داعش. لكنه يشير إلى أن المواطنين السوريين منهكون، حتى من قاتلوا النظام يتجهون نحو "المصالحة" التي يعتبرها البعض استسلاماً. يختم غلاس الفصل بتحذير من أن الحركات التي دعمتها دول الخليج قد تنقلب عليها، مستعيراً مثل مروض الأسد الذي قد يفتك به في اللحظة المناسبة، ومقراً بأن هناك أسئلة مفتوحة حول مستقبل البلاد التي مزقتها الحرب.

8.الفصل الثامن. دمشق، خريف 2015: إيقاع طبول الحرب الحزين111–123▼ ملخص

يتركز هذا الفصل حول فكرة مفادها أن الحرب السورية التي اندلعت عام 2011 ليست حدثاً منعزلاً، بل هي إعادة إحياء مأساوية لمعاناة السوريين قبل قرن من الزمان خلال الحرب العالمية الأولى، التي يعرفها السوريون باسم "سفربرلك". يرى المؤلف تشارلز جلاس أن نفس الأنماط من القسوة والمجاعة والنزوح وتدخل القوى الكبرى تتكرر، وأن مستقبل سوريا يظل رهينة لإرث الألم الذي سينتقل للأجيال القادمة، كما انتقلت قصص الجدات عن مآسي الماضي.

يبدأ الفصل بصورة شخصية عن جدة المؤلف التي هربت من جبل لبنان في أواخر القرن التاسع عشر، ويستخدم ذلك كمدخل لشرح كيف تظل الذاكرة الجماعية حية عبر الأجيال. ينتقل بعدها لمقارنة مباشرة بين الحرب العالمية الأولى والحرب الحالية، فيذكر أن ما بين 60% و 80% من سكان الشام (نصف مليون من أصل أربعة ملايين) ماتوا آنذاك جوعاً ومراً وعنفاً، ويستشهد بنصوص أدبية من تلك الحقبة، مثل رواية "هشيم الذاكرة" لـ حنا مينا التي تصف أمهات يأكلن أطفالهن، وقصيدة مجهولة تتكرر فيها عبارة "طبول الحرب تدق إيقاعها الحزين". يربط المؤلف بين الحصار الأنجلو-فرنسي في الماضي والعقوبات الأمريكية والأوروبية بعد 2011، وكيف أن كلاهما حرم السوريين من مقومات البقاء الأساسية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لوصف الوضع في دمشق خلال خريف 2015، وهي لحظة محورية انقلبت فيها الموازين ضد النظام. يذكر المؤلف أن زيارته في سبتمبر 2015 كشفت عن تراجع النظام بعد أن كان يبدو منتصراً في 2014، حيث خسر محافظة إدلب، وحوصرت حلب، وسقطت تدمر بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي قام بتعذيب وقطع رأس الباحث الأثري خالد الأسعد البالغ من العمر 82 عاماً. ويضيف أن التضخم بلغ آنذاك حوالي 40%، وأن عدد سكان دمشق تضاعف خمس مرات بسبب النزوح، حيث وصل إلى 10 ملايين نسمة، وأن 9 من كل 10 مرضى في مستشفيات دمشق قدموا من مدن أخرى مثل الرقة. يصف الفصل يأس الشباب الذي يهربون من التجنيد الإجباري، ويلاحظ أن القانون السوري يمنع تجنيد الابن الوحيد لإنقاذ العائلة من الانقراض.

يكشف الفصل عن سوء التقدير الذي اعترى جميع الأطراف. فمنذ البداية، راهنت القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة على سقوط سريع للنظام، مستندة إلى نموذج ليبيا، كما نقلت صحيفة الغارديان عن نائب الرئيس جو بايدن في أكتوبر 2011. ويستشهد المؤلف بصديق سوري في المنفى أخبره أن السفير الأمريكي روبرت فورد حاول تجنيده لحكومة بديلة، وبالسفير الفرنسي إيريك شوفالييه الذي غادر دمشق في مارس 2012 مؤكداً عودته بعد شهرين. لكن هذه التوقعات انهارت، وتحول الثوار المسلحون إلى جهاديين سنّة تبنوا أيديولوجيات دينية متطرفة، مما جعل السوريين الذين ينشدون الديمقراطية بلا مكان على أي من جانبي المتاريس.

يتناول الفصل بالتفصيل تداعيات التدخل الإيراني في سوريا. يوضح المؤلف أن الهدف الأساسي للتحالف الغربي-الخليجي-الإسرائيلي كان كسر ما يسمى "الهلال الشيعي" لإيران الممتد من لبنان إلى اليمن. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً: تضاعف النفوذ الإيراني، وأصبح الجنرال قاسم سليماني هو من يقرر الاستراتيجية العسكرية الكبرى، وانتشرت الميليشيات الشيعية من إيران والعراق وأفغانستان ولبنان في المدن السورية. يورد الفصل شهادات لسكان سنّة في حلب ودمشق يعبرون عن شعورهم بـ"الاحتلال الإيراني"، وحتى علوي علماني يشتكي من "التشييع" الذي جلبه حزب الله. ويخلص إلى أن الحرب تحولت إلى صراع بين أيديولوجيتين دينيتين: ولاية الفقيه الإيرانية والوهابية السعودية لداعش. وهذا هو السبب الذي جعل العديد من السوريين يرحبون بالتدخل العسكري الروسي العلماني في رأي المؤلف.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل الإخفاقات الدبلوماسية، مشبهاً إياها "بعملية السلام" الإسرائيلية-الفلسطينية الفاشلة. يذكر أن مسؤولاً سورياً كبيراً تحدث عن جهود أمريكية-روسية مشتركة لمكافحة الإرهاب، لكن المؤلف يعتبر ذلك وهماً بسبب رفض واشنطن التنسيق مع دمشق وتمسك كل من روسيا وأمريكا بموقفيهما المتعارضين بشأن بقاء بشار الأسد. ويتابع أن تركيا استخدمت الحرب ضد داعش كغطاء لمهاجمة الأكراد، بينما تحالف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فجأة مع الأسد. ويستنتج أن الحرب أصبحت ساحة حرة تتصارع فيها المصالح الخارجية على حساب السوريين، تماماً كما حدث بعد سفربرلك عندما قسمت بريطانيا وفرنسا سوريا إلى دويلات فاشلة.

أخيراً، يختم الفصل بنظرة تاريخية أوسع، مستشهداً بكتاب "قصة سوريا" للدبلوماسي غيث أرمنازي، الذي يصف اتفاقية سايكس بيكو بأنها "مثال أيقوني للخداع الإمبريالي". ويلخص تاريخ سوريا الحديث كسلسلة من إخفاقات الحكم بدأت بإنزال القوى العظمى لرغبات الشعب، مروراً بانقلاب سي آي إيه في 1949 الذي أسس لحكم عسكري لا يستشير الشعب، ووصولاً إلى الحرب الأهلية. ويختتم باقتباسات من لاجئين سوريين في كتاب وندي بيرلمان تعبر عن خيبة الأمل العميقة، مثل قول طبيب من حمص: "الحقيقة أن سوريا ليس لديها أصدقاء. إنها مجرد رقعة شطرنج للقوى العظمى لتسوية حساباتها".

يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً قوياً ومباشراً، لكنه يظل قابلاً للنقاش في نقطتين على الأقل: الأولى هي ميله الواضح إلى وصف المعارضة المسلحة بأكملها بأنها أصبحت جهادية، متجاهلاً في ذلك وجود فصائل وطنية أخرى؛ الثانية هي تناوله للدور الإيراني بطريقة أحادية الجانب، حيث يركز على التمدد الإيراني ويعتبره احتلالاً، دون أن يعطي وزناً مماثلاً لمسؤولية النظام السوري عن إحداث هذا الفراغ الذي ملأته إيران.

9.الفصل التاسع. كسب، خريف 2015: معركة كسب124–138▼ ملخص

الفصل التاسع. كسب، خريف 2015: معركة كسب

يتركز هذا الفصل حول سقوط بلدة كسب السورية ذات الغالبية الأرمنية بيد الفصائل المسلحة في 21 مارس 2014، وما أثاره هذا الحدث من صدمة لدى الأرمن في سوريا والعالم، حيث أعاد إحياء ذاكرة الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها على يد الدولة العثمانية عام 1915. يقدم المؤلف الإجابة على سؤال كيف تحولت كسب، التي كانت بمنأى نسبياً عن الحرب، إلى ساحة معركة، ولماذا كان لهذا السقوط وقع خاص يتجاوز كونه خسارة عسكرية أو جغرافية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ برصد الأجواء في كسب قبل الهجوم. يصف غارو مانجيكيان، مزارع أرمني، عشاءه في 21 مارس 2014 مع رئيس البلدية فازغن تشاباريان، حيث ساد القلق رغم هدوء رئيس البلدية الظاهر. كانت كسب، البلدة الأرمنية الوحيدة في سوريا، قد بدأت تفقد رونقها السياحي بسبب الحرب، لكن أسوأ ما أصابها في 2013 كان عاصفة برد دمرت المحاصيل، لا القتال. ومع ذلك، كانت مؤشرات الخطر تتزايد: مخبرون يحذرون من حشود مسلحة في تركيا، جنود أتراك يختفون من المعابر الحدودية، وميليشيات ملتحية ترتدي زياً غير تركي تحل محلها. مصدر في الأمم المتحدة يؤكد أن "أعداداً كبيرة من المقاتلين في حافلات صغيرة كانت تصعد الجبل، بينما كان رتل للجيش التركي ينزل".

في 21 مارس، بدأ القصف المدفعي من الجانب التركي، وتوغلت الجماعات المسلحة. يصف المؤلف فرار سكان كسب، بمن فيهم غارو مانجيكيان الذي اضطر لترك والدته المصابة بالسرطان وممتلكاته. يصلون في المساء إلى طرطوس حيث تستقبلهم كنيسة القديسة مريم للأرمن الأرثوذكس. هنا يربط المؤلف الحدث بذاكرة الإبادة: تقول الدكتورة نورا أريسيان، أستاذة التاريخ في دمشق: "رأيتهم في بيجاماتهم، وكانت 1915 مرة أخرى". ينتقل الفصل بعدها إلى سرد تاريخ الإبادة الأرمنية بالتفصيل، مستعرضاً خلفياتها منذ أواخر القرن التاسع عشر، مروراً بخطة "إبادة الأرمن" التي أعلنها طلعت باشا في يونيو 1915، وانتهاءً بمسيرات الموت إلى دير الزور. يذكر أن الإبادة توقفت مع هدنة 1918، لكن الصدمة بقيت.

يؤكد الفصل أن ما حدث في كسب لم يكن تكراراً للإبادة، حيث لم تقع مجزرة بحق المدنيين، وسقط قتيلان فقط بين الأرمن. لكن إطلاق اسم "الأنفال" على العملية – وهو اسم استخدمه صدام حسين في حملته ضد الأكراد عام 1988 – كان استفزازياً. كما أن نهب الممتلكات وترحيل كبار السن العاجزين إلى الجانب التركي استحضر مشاهد الماضي. يوضح المؤلف أن المهاجمين كانوا في معظمهم من فصائل سنية متشددة مثل جبهة النصرة والجبهة الإسلامية، بينما شكل أفراد من الائتلاف الوطني السوري المدعوم أميركياً أقلية. وقد تحولت كسب إلى ثكنة، ودُمرت محتويات الكنائس، وأُحرق كل بيانو في البلدة.

يتناول الفصل حرب الدعاية الموازية للحرب العسكرية. فبينما روّج الإعلام التركي صورة "الجهاديين الرحومين" الذين أنقذوا مسنّتين أرمنيتين، كشفت المقابلات اللاحقة أن المسنّتين قالتا إن الملتحين "فتشوا أمتعتهما وسألاهم إذا كان لديهما سلاح" ثم "رُحّلوا" إلى الحدود التركية. من جهة أخرى، بالغت أوساط أرمنية في الخارج، كصحيفة أسباريز في لوس أنجلوس، بنشر أخبار عن مقتل 80 أرمنياً، بل واستُخدمت صورة من فيلم رعب كندي لامرأة مقتولة بصلع في فمها. يحاول رئيس البلدية تشاباريان تصحيح المعلومات قائلاً: "الأرمن لم يُقتلوا"، لكن الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي #SaveKessab التي قادتها نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان استمرت، ودفعت أربعة أعضاء في الكونغرس الأميركي لمطالبة أوباما بحماية الأرمن.

في النهاية، أدى الضغط السياسي إلى نتائج: في 3 يونيو 2014، صنفت تركيا جبهة النصرة كمنظمة إرهابية للمرة الأولى، وجفف الدعم التركي للمسلحين في منطقة كسب. استعاد الجيش السوري البلدة في 15 يونيو بعد احتلال دام ثلاثة أشهر. عاد غارو مانجيكيان فوراً وأسس لجنة للإغاثة والتعمير، رغم أن جراراته سُرقت وحتى جنود سوريون نهبوا منزلاً. كان اللافت غياب القوات السورية عن البلدة نفسها، واعتماد الأهالي على ثقتهم في أن "الأتراك لن يعيدوا الكرة" تحت ضغط اللوبي الأرمني في أميركا. يختتم الفصل بجولة في الكنائس المدنسة، حيث لا يزال الغرافيتي مكتوباً: "سنحطم النصارى والأرمن والعلويين"، ويذكر تفجير كنيسة نصب الإبادة الأرمني في دير الزور وتناثر عظام الضحايا. يعود المؤلف إلى ذكرى زيارته الأولى لكسب عام 1987، متذكراً لوحة تصور المسيح الراعي الصالح حاملاً جثة صبي، مكتوباً تحتها: "دم كثير. ليغفر لنا أحفادنا". يختم الفصل بعبارة موجعة: "اللوحة، مثل كل شيء آخر في كل كنائس كسب، قد احترقت وتحولت إلى رماد".

يقرّ الفصر بحدود السرد: يذكر أن العديد من التفاصيل أصبح من المستحيل التثبت منها بسبب عدم تمكن الصحفيين من دخول كسب دون خطر الاختطاف، وكانت روايات الجهاديين وتركيا من جهة وسوريا والأرمن من جهة أخرى متناقضة تماماً. يُظهر الفصل حججاً قابلة للنقاش، أبرزها التباين بين صدمة الأرمن العالمية واستخدامهم حملة إعلامية مبالغ فيها أحياناً وبين الواقع الذي لم يشهد إبادة جماعية. يطرح تساؤلاً حول مدى مسؤولية تركيا الرسمية عن الهجوم، إذ يصف الفصل كيف أن الجيش التركي "تخلى" عن السيطرة على الحدود لميليشيات المعارضة، لكنه يترك للقارئ الحكم على ما إذا كان ذلك تواطؤاً أم انهياراً للسيطرة.

11.الفصل الحادي عشر. دمشق وحلب، ربيع 2017: ترنيمة الصباح141–169▼ ملخص

يبدأ الفصل الحادي عشر في ربيع عام 2017، مع عودة الكاتب إلى سوريا بعد غياب أربعة أشهر. يصف المشهد الصباحي اليومي في دمشق وحلب، حيث يختلط صوت آذان الفجر مع انفجارات المدفعية وقصف الطائرات الحربية. يقدم المشهد الأولي صورة واضحة عن واقع الحرب المستمرة: قذائف الهاون التي يطلقها المتمردون تستهدف الأحياء المسيحية في دمشق، بينما تقصف المدفعية الحكومية قواعد المعارضة غرب حلب. يصل الكاتب إلى دمشق في 19 مارس 2017، بعد ساعات من هجوم كبير شنّه متمردون من الضواحي الشرقية، واستخدمت فيه سيارات مفخخة، واستغرق الجيش أكثر من يوم لصدّه. بعد انتهاء المعركة، عادت الخطوط الأمامية إلى ما كانت عليه، وعاد المواطنون إلى حياتهم شبه الطبيعية وسط أصوات العنف على الأطراف.

يصف الكاتب كيف أن الحرب جعلت حتى الحيوانات الضالة تبدو متأثرة، وكيف أن صديقاً له كان يأمل بتغيير النظام فقد الأمل أخيراً قائلاً: "لا يهمني كيف سينهونها، المهم أن ينهوها". ثم ينتقل إلى الهجوم الكيميائي في 4 أبريل على بلدة خان شيخون في ريف إدلب، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ثمانين مدنياً، والضربة الصاروخية الأمريكية الانتقامية على مطار الشعيرات، والتي جعلت إنهاء الحرب أكثر صعوبة. يذكر الكاتب أنه بحلول هذا الوقت، قُتل ما لا يقل عن خمسمئة ألف شخص، وتشوه وعمي وشرد الملايين.

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن حلب، ويصف الأحياء الشرقية المدمرة التي كانت موطناً لأكثر من نصف سكان المدينة قبل الحرب. في ديسمبر 2016، تمكن الجيش السوري بدعم حاسم من روسيا من السيطرة على آخر معاقل المتمردين في شرق حلب. غادر حوالي 36 ألف شخص، من المتمردين وعائلاتهم، بالحافلات تحت حماية روسية إلى إدلب. ويصف الكاتب مشهد الدمار بأنه يذكر بـ دريسدن وكوفنتري وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية. عاد حوالي 150 ألف من سكان شرق حلب السابقين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من استعادة السيطرة الحكومية، لكنهم وجدوا مدينتهم بلا مياه أو كهرباء أو خدمات أساسية.

يوضح الكاتب أن عملية إعادة الإعمار بدأت في الأسواق القديمة بمساعدة مؤسسة آغا خان، لكنها ستستغرق عقوداً. يقدر مسؤولو برنامج الغذاء العالمي في مايو 2017 أن 200 ألف من سكان شرق حلب يعتمدون على مساعداته الغذائية، وأن العدد الإجمالي للمحتاجين، بمن فيهم النازحون، يبلغ 600 ألف. كما يشير الكاتب إلى أن القوات الحكومية نهبت ممتلكات العائدين، لكن العديد من الحلبيين قالوا إن السيطرة الحكومية حررتهم من مضايقات الجهاديين. ويختتم الكاتب حديثه عن حلب بوصف تدهور نسيجها الاجتماعي، حيث انخفض عدد السكان الأرمن، أكبر طائفة مسيحية، من 45 ألف قبل الحرب إلى 15 ألف فقط.

بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى دور روسيا في الحرب. يؤكد أن روسيا كانت أكثر دعمًا للجيش السوري في حلب من إيران أو حزب الله، وأنها أشرفت على إخلاء المقاتلين. يذكر الكاتب أن أحد المسؤولين الغربيين قال إنه لولا الروس لمات عدد أكبر بكثير من الناس. ويضيف أن الروس أصبحوا مشهداً مألوفاً في شوارع حلب، حيث كان الناس يتوقفون لسؤاله بلطف إذا كان روسياً. ويشرح دبلوماسي روسي أن التدخل الروسي جاء بعد سقوط إدلب في مارس 2015، حيث أصبح واضحاً أن دمشق قد تسقط، وهو "خط أحمر" لا يمكن لروسيا قبوله. ثم يتطرق الكاتب إلى تباين الأولويات بين الروس والسوريين: فبينما تريد روسيا التعاون مع أمريكا لمحاربة داعش، تريد الحكومة السورية طرد الجهاديين من إدلب. لكن الهجوم الكيميائي على خان شيخون أجهض آفاق التعاون بين روسيا والولايات المتحدة، وأدى إلى فرض عقوبات أمريكية جديدة على سوريا وتهديدات لروسيا.

يعبر الكاتب عن رأيه الشخصي في الفقرة الأخيرة، معتبراً أن الهجوم الكيميائي في خان شيخون لا ينبغي أن يكون الشاغل الأساسي، بل الأهم هو إنهاء الحرب. ويقول إن المحاكمات بعد الحرب يمكنها التعامل مع جرائم الحرب، مستشهداً بكبير المدعين البريطانيين في نورمبرغ. ويرى الكاتب أنه لا يوجد طرف في النزاع يهتم بعدد القتلى السوريين، وأن العسكريين في البيت الأبيض والكونغرس ووسائل الإعلام الأمريكية الذين يطالبون بالتصعيد ضد الأسد، كان بإمكانهم خدمة السكان السوريين بشكل أفضل بالسعي إلى اتفاق مع الروس والملحقين. ويختتم بقوله إنه بدون ذلك، سيكون هناك المزيد من الحرب، والمزيد من جرائم الحرب.

12.الفصل الثاني عشر. تدمر، أكتوبر 2017: عرش زنوبيا170–183▼ ملخص

بدأ الفصل بمشهد مقتل خالد الأسعد، عالم الآثار البالغ من العمر 81 عاماً، على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 18 أغسطس 2015، حيث رفض الركوع وطلب أن يموت واقفاً مثل نخيل البلاد فقطعوا رأسه. كان الأسعد قد كرس حياته لدراسة وحماية آثار تدمر، حيث علّم نفسه اللغة التدمرية، وأشرف على الحفريات والمتحف منذ 1963، وساهم في إعلان اليونسكو للمدينة كموقع تراث عالمي في 1980. ينتقل الفصل بعدها إلى جهود الدكتور معمون عبد الكريم، مدير المديرية العامة للآثار والمتاحف، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل وصول التنظيم. يروي عبد الكريم كيف تم تحميل 400 تمثال ومئات القطع الأخرى في شاحنات في ليلة 20 مايو 2015، قبل دقائق من دخول داعش. يسلط الفصل الضوء على خلفية عبد الكريم الشخصية كابن لأب أرمني نجا من الإبادة وأم سريانية، ويصف كيف حظي بدعم المواطنين من مختلف الطوائف لحماية الآثار.

يقدم الفصل سرداً لاستيلاء داعش على تدمر واحتلالها الذي استمر حتى مارس 2016، ثم عودتهم مرة ثانية في ديسمبر 2016 قبل أن يطردوا نهائياً في مارس 2017. يصف الفصل تدمير التنظيم لأهم المعالم مثل معبد بل ومعبد بعل شامين وقوس النصر وأسد اللات وأبراج الدفن، ويصف مشاهد الدمار في البلدة المجاورة تدمر بعد الحرب. يروي المؤلف مقابلته مع عدد من السكان العائدين مثل غيث الخطيب الذي أعاد متجراً صغيراً، ومحمد خالد علاوي الذي يصف داعش بأنهم يعتبرونه كافراً رغم كونه مسلماً، ومحمد صالح علي محمود الذي يقول إن ابنه عدنان أعدم على يد التنظيم ودمرت ممتلكاته.

يتناول الفصل أيضاً مزاعم التآمر التي تحيط بالصراع، حيث سمع المؤلف من مدنيين محليين أنهم رأوا طائرات حربية أمريكية تدعم داعش، بينما قال آخرون إن الجيش السوري ساعد التنظيم. يذكر الفصل أن داعش استخدم أنفاقاً عميقة مموهة بالحصى أثناء عودتهم الثانية، مما أثار تساؤلات حول قدرة الأقمار الصناعية الروسية والأمريكية على رصدهم. يختم الفصل بمقارنة بين تدمير داعش لآثار تدمر والتدمير المسيحي للآثار الوثنية في القرن الثالث الميلادي كما وصفته الكاتبة كاثرين نيكسي، مشيراً إلى أن داعش ورث دافع التعصب نفسه. يختتم المؤلف بملاحظته أن تدمر نجت ولكن بعد دمار هائل، وأن المعجزة الوحيدة هي أن المتفجرات التي زرعها داعش قبل انسحابهم الثاني لم تنفجر، مما يشبه رفض قائد ألماني أمر هتلر بتدمير باريس عام 1944.

14.الفصل الرابع عشر. واشنطن العاصمة، مايو 2018: قل لي كيف ينتهي هذا190–219▼ ملخص

بدأ الفصل الرابع عشر من كتاب "سوريا: من حرب أهلية إلى حرب مقدسة؟" لتشارلز غلاس بمناقشة الصراع السوري من منظور السياسة الخارجية الأمريكية، مركزاً على فترة حكم الرئيس باراك أوباما. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن التدخل الأمريكي في سوريا كان غير مكتمل ومتردداً، مما أدى إلى فشل ذريع في تحقيق أي من أهدافه المعلنة، كإسقاط نظام بشار الأسد أو الحد من النفوذ الإيراني والروسي.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مسار الحرب، مستعرضاً كيف تطور الصراع من احتجاجات شعبية إلى حرب بالوكالة. يصف المؤلف كيف حولت الولايات المتحدة دعمها من خطاب دعم المعارضة السورية إلى تدخل غير مباشر عبر تسليح مليشيات وتمويلها. يذكر الفصل أن إدارة أوباما قدمت دعماً لوجستياً وغير فتّاك للمعارضة المعتدلة المزعومة، مثل مساعدات غذائية وطبية، فيما تركت الحلفاء الإقليميين كالسعودية وقطر وتركيا لتزويد السلاح والمال والرجال، مع خلافاتهم حول الأهداف والاستراتيجية. يؤكد الفصل أن هذا الدعم غير المباشر لم يكن مقنناً، مما أدى إلى وصول أسلحة إلى جماعات متطرفة مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

يورد الفصل مثالاً صارخاً على هذا الفشل، حيث يصف كيف أن قرار أوباما بعدم ضرب النظام السوري بعد تجاوزه "الخط الأحمر" في غوطة دمشق عام 2013 قوض مصداقية الولايات المتحدة. يذكر النص أن أوباما تراجع عن الضربة في اللحظة الأخيرة بعد تصويت البرلمان البريطاني ضد المشاركة، مما دفع روسيا إلى اقتراح حل دبلوماسي لتدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية. يخلص المؤلف إلى أن هذه الحادثة كشفت عن غياب استراتيجية أمريكية واضحة، إذ تم استبدال التدخل العسكري المباشر ببرامج تدريب وتجهيز سرية عبر وكالة المخابرات المركزية، والتي لم تمنع تدفق السلاح إلى أيدي المتطرفين.

يعترف الفصل بحدود واضحة في تحليله، مشيراً إلى أن التحقيقات التي أجراها مع مسؤولين أمريكيين سابقين أظهرت فجوة معرفية كبيرة. يذكر أحدهم أنهم عثروا على "خزانة فارغة" من وثائق استراتيجية شاملة للشرق الأوسط بعد تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة. تترك الفصل أسئلة مفتوحة حول جدوى الحروب السرية، حيث يستعرض تاريخاً طويلاً من العمليات التي فشلت، من فيتنام إلى أفغانستان وألبانيا وأنجولا، مشيراً إلى أن برنامج "تيمبر سيكامور" في سوريا لم يكن استثناءً.

تظهر الحجج القابلة للنقاش بوضوح في اتهام الفصل للسياسة الأمريكية بأنها كانت "محاولة التوفيق بين استراتيجيات متضاربة" بدلاً من خطة واضحة. ينتقد الفصل بشدة فكرة أن الهدف الإنساني كان الدافع الأهم، معتبراً أن غياب التدخل العسكري المباشر لم يمنع كارثة إنسانية، بل زادها سوءاً، بينما كان التردد في دعم الحل السياسي يطيل أمد الصراع.

15.الفصل الخامس عشر. دمشق، ديسمبر 2018: كهف الدم220–244▼ ملخص

الفصل الخامس عشر، المعنون «كهف الدم»، يستعرض واقع دمشق في ديسمبر 2018 بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على معظم أنحاء العاصمة، مع بقاء جيوب محاصرة صغيرة. الموضوع المحوري للفصل هو تحول الحرب من صراع على الإطاحة بالنظام إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث أثبت النظام بقاءه، وبدأت الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها في المناطق الخاضعة لسيطرته، بينما تظل قضايا الفساد وإعادة الإعمار ووجود القوى الأجنبية معلقة دون حلول جذرية.

يسير الفصل بتفصيل المشهد في دمشق بعد توقف القتال، حيث عادت الكهرباء والمياه وبدأت حفلات الزفاف، واشتكى سائقو سيارات الأجرة من الزحام. ينتقل بعدها إلى مناقشة الفساد المستشري، مستشهداً بتجربة سائقين يدفعون إكراميات للجنود على طريق دمشق-الحدود اللبنانية (مسافة 25 ميلاً)، وبظهور طبقة جديدة من الأثرياء من خلال تهريب الأسلحة والنفط. تشير التقديرات غير المؤكدة إلى مقتل نصف مليون إنسان ونزوح نحو نصف سكان سوريا البالغ عددهم 22 مليوناً قبل الحرب.

يقدم المؤلف أدلة على تعقيد الموقف الدولي، ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لرفع العقوبات وتحويل المساعدات الإنسانية إلى تنموية، تعارضها الولايات المتحدة. ومع ذلك، استأنفت أجهزة استخبارات غربية الاتصال برئيس مخابرات الجيش السوري علي مملوك. أما إدلب، فتبقى بؤرة للجماعات الجهادية، وقد غزاها الجيش التركي بدعم ضمني من روسيا وإيران لمنع الأكراد من إنشاء منطقة متصلة على طول الحدود. يخلص المؤلف إلى أن القوى الخارجية (روسيا، إيران، أمريكا، تركيا) هي التي تحدد مصير سوريا، مستشهداً بمقال لـكينيث بولاك يدعو فيه لاستنزاف إيران في سوريا على غرار أفغانستان، لكنه يعتبر هذا المثال فاشلاً لأنه أنتج طالبان وتنظيم القاعدة.

ينتقل الفصل إلى حصار الغوطة الشرقية في مارس 2018، حيث قسمت القوات الحكومية المنطقة إلى جيبين، وقدرت الأمم المتحدة وجود 400 ألف مدني هناك، لكن تقديرات سابقة كانت مبالغاً فيها (مثل 40 ألفاً في حلب بينما كان العدد 11 ألف فقط). يروي الفصل معاناة المدنيين تحت القصف ونقص الدواء، وخروج أكثر من 10 آلاف مدني من حمورية في 15 مارس 2018. ثم ينتقل إلى موقف الطائفة الدرزية في جبل العرب (جنوب دمشق)، التي التزمت الحياد خوفاً من الجماعات الجهادية التي اعتبرت قتلهم واستباحة نسائهم "حلالاً"، بينما رفض بعضهم عرضاً من زعيم ديني إسرائيلي بـ20 مليون دولار لإعلان جمهورية درزية.

يختتم الفصل بتحليل التحديات المتبقية: سيطرة الحكومة على 60% من الأرض و80% من السكان، بينما تبقى ثلاث مناطق خارج السيطرة (شمال حلب وإدلب، والمنطقة الكردية شمال شرق الفرات، ومنطقة "حمراء" حول قاعدة التنف الأمريكية). يصف الفصل صعوبات إعادة الإعمار وسط العقوبات وغياب التمويل، وفساد يصل إلى القمة (مثل قصة الموظف الذي سرق 50 ليرة سورية، أي حوالي 10 سنتات، مما أثار سخرية البلاد). يشير أيضاً إلى توسع النفوذ التركي في إدلب وعفرين عبر تغيير العملة والمناهج الدراسية ولوحات الطرق، مما يعكس عودة تركيا إلى الأراضي التي خرجت منها عام 1918. ينهي الفصل بالتساؤل عن نهاية هذه الحرب، مذكراً بقول الرئيس أوباما: "أخبروني كيف ستنتهي هذه الحرب"، ويجيب بأن السوريين يعرفون أنها لا تنتهي.

في نهاية الفصل، يطرح المؤلف سؤالاً ضمنياً حول جدوى استمرار الحرب بعد أن ثبت فشل الإطاحة بالنظام، ويلمح إلى أن الحلول السياسية (دستور جديد، انتخابات) تصطدم بإصرار النظام على البقاء دون تغيير جوهري، مما يجعل مستقبل سوريا رهناً بتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

16.الفصل السادس عشر. دمشق، فبراير 2023: سائح في سوريا245–253▼ ملخص

بدأ الفصل بوصف عودة المؤلف إلى دمشق في فبراير 2023 بعد أربع سنوات من الغياب بسبب قيود السفر المرتبطة بجائحة كوفيد وتعقيدات الحصول على تأشيرة من وزارة الإعلام السورية. يصف رحلته بالسيارة من بيروت إلى دمشق، متذكراً زيارته الأولى إليها عام 1973 كسائح وطالب أمريكي، ثم عودته كصحفي لتغطية الحرب. يروي تفاصيل معاناته مع الروتين للحصول على التأشيرة، إذ اضطر للانتظار أشهراً بعد تقديم طلب جديد في 16 أكتوبر 2022، ولم تصدر الموافقة إلا بمساعدة أصدقاء ذوي نفوذ حصلوا له على تأشيرة من وزارة الداخلية. عند وصوله إلى معبر جديدة الحدودي، رفض ضابط الهجرة دخوله لأنه صحفي، لكن تدخل شخص غريب سهل الأمر بشرط أن يكتب إقراراً بأنه تقاعد من الصحافة ولن يعد تقارير من سوريا. دفع 140 دولاراً ثمناً للتأشيرة، ودخل البلاد متخلياً عن صفته الصحافية.

يتحول الفصل بعد ذلك إلى وصف واقع الحياة اليومية في دمشق، حيث يروي المؤلف أحاديثه مع الأصدقاء وأصحاب المتاجر الذين يكررون أن الحياة "لا تُحتمل". الكهرباء تُقطع فتصل ساعة واحدة كل ست ساعات، والبنزين والمازوت شحيحان وغاليان. يوضح أن سعر لتر البنزين في سوريا أعلى بعشر مرات مما هو عليه في لبنان المجاور، ويربط ذلك باحتكار الحكومة للمشتقات النفطية في خزانات قرب ميناء بانياس لإبقاء الأسعار مرتفعة. سعر صرف الليرة السورية انهار من 3000 ليرة للدولار في العام السابق إلى 6500 ليرة وقت وصوله، واستمر في الانخفاض. أكبر فئة ورقية هي 5000 ليرة، مما يضطر الرجال لحمل أكياس من النقود. سعر كيلو الخبز ارتفع من 500 ليرة قبل عام إلى 40 ألف ليرة. اللحوم والخضروات وزيت الزيتون أصبحت فوق قدرة معظم السوريين.

يقدم الفصل إحصاءات صادمة: برنامج الأغذية العالمي يقدر أن 12 مليوناً من أصل 18 مليوناً هم عدد سكان سوريا (هرب 6.6 ملايين منذ 2011) لا يجدون ما يكفي من الطعام، وأكثر من ربع مليون يعانون سوء تغذية حاداً. منظمة الصحة العالمية سجلت أكثر من 50 ألف حالة كوليرا في سوريا حتى نهاية العام الماضي، وتحذر من أوبئة أخرى بسبب نقص الأدوية المستوردة. يقارن المؤلف الوضع في دمشق بما شهده في بغداد بين حرب 1991 والغزو الأمريكي 2003، حين فرضت أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة عقوبات مماثلة بهدف إسقاط نظام صدام حسين. يخلص إلى أن المنطق نفسه يتكرر: "النظام يزدهر والناس يتضورون جوعاً".

يناقش الفصل عقوبات قانون قيصر الذي أقره الكونغرس الأمريكي في 20 ديسمبر 2019، ودخل حيز التنفيذ الكامل بعد 180 يوماً. القانون الذي سُمي تيمناً بمصور وثق القتل والتعذيب في السجون السورية يهدد بمعاقبة أي شخص أو دولة تساعد في إعادة بناء البنية التحتية السورية. يسخر المؤلف من مقدمة بيان وزارة الخارجية الأمريكية التي تؤكد أن العقوبات "ليست موجهة لإيذاء الشعب السوري"، ويرى أن الواقع على الأرض يناقض ذلك، مشيراً إلى التفاوت الصارخ بين أحياء الفقراء المتهالكة وأحياء أبو رمانة والمالكي المزدهرة بالمطاعم والنوادي الليلية ذات الأضواء النيونية.

يكشف الفصل عن تحول سوريا إلى "دولة مخدرات" حسب وصف مجلة الإيكونومست، حيث تنتج وتصدر مليارات الدولارات من حبوب الكابتاغون المنشطة غير القانونية بالتعاون مع مهربين لبنانيين وأردنيين وسعوديين. سيارات الفيراري والمازيراتي التي تركن أمام المطاعم الفاخرة اشترتها أموال المخدرات. أبناء العائلات التجارية العريقة التي افتقرت حديثاً يتحدثون بازدراء عن الأثرياء الجدد الذين كونوا ثرواتهم من الحرب ويزيدونها عبر التهرب من العقوبات. دبلوماسي يلخص الوضع: "النظام لا يزال هنا، والشعب يعاني". كلمة "إعادة إعمار" أصبحت محظورة، والمنظمات الدولية لا يُسمح لها إلا بتقديم مساعدات إنسانية محدودة.

لا يقتصر النقد على العقوبات، بل يمتد إلى الرئيس بشار الأسد نفسه. صديق قديم يهمس: "لا أجرؤ على قولها، لكني أحبه"، ثم يوضح أن الوضع انقلب: قبل الحرب لم يجرؤ أحد على قول إنه لا يحبه، والآن العكس. أصدقاء آخرون، منهم من كان ينشر دعاية مؤيدة للأسد على وسائل التواصل، ينتقدون أداءه وفساد دائرته المقربة وثراءهم الفاحش. أحدهم يقول بصوت خافت: "لقد خاننا". المنتقدون لا يلفظون اسم الأسد أبداً، بل يقولون "هو" أو "إياه"، خوفاً من أن يكون هناك من يستمع. المظالم الآن اقتصادية أكثر منها سياسية، كما كانت قبل عشر سنوات. لكن خيبة الأمل لا تعني ثورة جديدة، بل استسلاماً.

يلتقي المؤلف بالروائي خالد خليفة في مقهى بدمشق القديمة. أحدث رواياته، "لم يُصلِّ عليهم أحد" ، مثل أعماله السابقة، ممنوعة في سوريا. قضاها عشر سنوات في كتابتها بعد أن رأى كنيسة في منطقة القامشلي قرب الحدود التركية دنسها العثمانيون خلال إبادة الأرمن. يقول خليفة: "هذا يفسر كل شيء الآن". أضاف: "كل أصدقائي غادروا سوريا. سوريا انتهت. من يعرف ماذا سيحدث لسوريا الآن؟ لا أحد". يتذكر المؤلف كيف كان خليفة يأمل ويضحك عندما كسرت الشرطة ذراعه في تظاهرة مبكرة، أما الآن فقد اختفى الضحك. يغادر خليفة في اليوم التالي إلى زيورخ لمنحة كتابية، ويتساءل المؤلف هل سيعود.

يتجول المؤلف وحيداً في المدينة القديمة وسوق الحميدية المزدحم، ويمر بمحطة الحجاز للسكك الحديدية المهجورة، ثم إلى مقهى الطابق الأرضي في فندق فردوس تاور. يتذكر الشباب الحماسي الذي كان يجتمع هناك في 2012 و2013 لتنظيم احتجاجات سلمية. معظمهم رحلوا، بعضهم معتقل والبعض في المنفى. عدد قليل من الطلاب يجلسون الآن، لكنهم ينجزون واجباتهم المدرسية على أجهزة الكمبيوتر فقط، لأن الشهادة الجامعية تسهل الهجرة الذي يحلم به معظم الشباب السوري. صديق يقول: "لو وافقت كندا على استقبال أي سوري، لخلا البلد". حتى من دون تأشيرة، يفر الشباب القادرون بحثاً عن عمل وحياة طبيعية.

يستغرب المؤلف كيف يستطيع سكان دمشق أن يقولوا إن الحياة أسوأ الآن مما كانت عليه أثناء الحرب، بعد أن نسوا القصف المدفعي والجوي الذي أرعبهم لسنوات. صديق فشلت تجارته يقول: "نحن نفتقد أيام الصواريخ. كنا نموت، نموت. كانت حرباً. الآن لا ندري". ما لا يدريه هو كيف سيطعم أطفاله. يصف الفصل تقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق: منطقة الحكومة في الوسط، تضم 60% من الأرض و80% من السكان؛ المنطقة الشمالية الغربية التي تحتلها تركيا حيث يشن مسلحون جهاديون هجمات متقطعة؛ والمنطقة الشمالية الشرقية التي يحكمها الأكراد تحت حماية 900 جندي أمريكي والطيران الأمريكي. الولايات المتحدة تحتفظ أيضاً بـ"منطقة حمراء" مساحتها 21 ميلاً مربعاً في الجنوب قرب التنف. سوريا أصبحت "سيركاً متعدد الحلقات" تتصارع فيه قوى تركيا وأمريكا وروسيا وإيران دون أهداف واضحة.

يصف الفصل الوضع كلعبة معقدة: الجنود الأمريكيون قريبون من نظرائهم الروس في منطقة الحكومة، الجيش التركي يهاجم الأكراد رغم الوجود الأمريكي، القوات الإيرانية مدعومة بميليشيات عراقية ولبنانية تضايق الأكراد والأمريكيين والميليشيات السنية. الإسرائيليون يقصفون الإيرانيين والعراقيين وحزب الله من الجو بانتظام. رجل أعمال يشكو: "سوريا هي الملعب. نحن العشب. كل اللاعبين يلعبون علينا: روسيا، أمريكا، إيران، وتركيا". القوى الخارجية تحاول تحقيق عبر المفاوضات ما لا تستطيع تحقيقه بالقوة. موسكو ترعى محادثات بين تركيا وسوريا لانسحاب الأولى من الشمال الغربي، وواشنطن تسعى لتسوية بين تركيا والأكراد لتمديد حكمهم الذاتي، لكن كلا المسارين فشل.

يكشف الفصل عن عودة الدول العربية إلى احتضان الأسد. الأردن والإمارات وبدرجة أقل المملكة العربية السعودية أعادوا فتح العلاقات على أمل تقليص النفوذ الإيراني. دبلوماسيوهم عادوا، واستؤنف التعاون الاستخباراتي، والوفود التجارية تحجز فنادق دمشق. يزور المؤلف فندق غولدن مزّة الجديد، وهو بناء من عشر طوابق يضم 111 جناحاً وغرفة، وعشرة مطاعم وحانات، ومسبحين خارجيين، وقاعة رقص، ومركزاً للمؤتمرات. ضيوفه يمكنهم احتساء المارتيني في البارين على السطح والتأمل في منظر دمشق البانورامي. مصممه معمار إيطالي ومديره فرنسي. معظم السوريين لا يستطيعون دخوله لشراء مشروب، ناهيك عن العشاء.

يختتم الفصل بوصف زلزال 6 فبراير 2023 الذي هز سرير المؤلف في بيروت الساعة 3:15 صباحاً. بلغت قوته 7.8 درجات، وتبعه زلزال أصغر في 20 فبراير. حصيلة القتلى تجاوزت 50 ألف شخص، أكثر من 6 آلاف منهم في سوريا. مدينة حلب كانت الأكثر تضرراً، وكثير من مبانيها التي لم تُرمم منذ استعادتها في ديسمبر 2016 انهارت بالكامل. صديقة في حلب أرسلت صوراً لشققتها ذات الجدران المتصدعة والأسقف المنهارة. تأخر وصول المساعدات إلى حلب والأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، وتبادل النظام وخصومه الجهاديون الاتهامات بعرقلة وصول المعدات والمواد الغذائية. الأمم المتحدة اتهمت أكبر تحالف جهادي، هيئة تحرير الشام، بتأخير الإمدادات بسبب "قضايا الموافقة".

الأسد، الذي كان يصر لسنوات على أن السيادة تتطلب أن تقدم الأمم المتحدة المساعدات عبر دمشق فقط، وافق متأخراً على فتح معبرين حدوديين. أمريكا خففت بعض عقوباتها لمدة 180 يوماً في 9 فبراير 2023 للسماح بإرسال مساعدات إغاثية، لكنها لم تستجب لمناشدات البابا فرنسيس ومجلس الكنائس العالمي ومجلس اللاجئين النرويجي والأساقفة المسيحيين السوريين لمزيد من التخفيف. بعض دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً إيطاليا وجمهورية التشيك، بدأت تخالف الموقف الأمريكي وتطالب بخطوات تسمح للسوريين ببعض الكرامة. يختم المؤلف بقوله: "السوريون يستحقون أفضل مما قدمته لهم حكومتهم والقوى الأجنبية والمتمردون. ومع ذلك، فإن معاناتهم تستمر. وتستمر."

16.خاتمة. ديسمبر 2024: الموت في دمشق254–260▼ ملخص

في خاتمة كتابه "سوريا: من حرب أهلية إلى حرب مقدسة؟"، يروي تشارلز غلاس سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، مركزاً على قصة لونا الشبل، مستشارة الإعلام الرئاسي، كمؤشر على التصدعات داخل النظام قبل انهياره. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن النظام السوري انهار بسرعة مذهلة عندما سحب حلفاؤه الرئيسيون، روسيا وإيران، دعمهم العسكري الحاسم، مما جعله عرضة لهجوم المعارضة المسلحة.

يبدأ الفصل بحادثة غامضة: في الخامس من يوليو 2024، تتعرض لونا الشبل لحادث سيارة مريب في دمشق يؤدي إلى إصابتها بنزيف في المخ، لتتوفى بعد أربعة أيام. كان هذا الحادث كافياً لإثارة موجة من التكهنات حول هوية الجاني الحقيقي، في ظل نظام "غامض" لا يُتوقع فيه كشف الحقيقة. يسرد غلاس سيرة الشبل: ولدت في السويداء عام 1975 لعائلة درزية، وعملت مذيعة في قناة الجزيرة قبل أن تستقيل احتجاجاً على التحرش الجنسي عام 2010، لتعود إلى سوريا وتصبح مستشارة مقربة من بشار الأسد. تزوجت من عمار ساعاتي، وهو ناشط معروف في ميليشيا الشبيحة، وأدرجتهما وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس 2020 تحت طائلة العقوبات الاقتصادية.

تنسج قصة الشبل كمثال على كيف أن النظام أصبح يعتمد على دائرة ضيقة من الموالين الذين يستغلون مواقعهم للإثراء، وكيف أن الصراع بين الحلفاء الروس والإيرانيين على النفوذ أوجد خلافات داخلية. يُلمح الكاتب إلى أن نفوذ الشبل تراجع بعد قصف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل 2024، وسط اتهامات بأنها أو شقيقها سربا معلومات عن موعد اجتماع للحرس الثوري. ويخلص غلاس إلى أن موتها والتكهنات المحيطة به هي "علامات على تصدع داخل النظام".

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى السرد العسكري السريع. مع سحب روسيا لمعظم قواتها الجوية إلى أوكرانيا، وانسحاب إيران وحزب الله نتيجة الحملة الإسرائيلية، أصبح النظام بلا غطاء جوي. في ديسمبر 2024، تشن هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، بمساعدة الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، هجوماً من إدلب. بعد ثلاثة أيام، تسيطر على حلب، ثم تتجه جنوباً إلى حماة رمز انتفاضة الإخوان المسلمين عام 1982 التي قمعها حافظ الأسد. في الرابع من ديسمبر، تسقط حمص، ويُصوّر الكاتب مشهد فرار جنود الجيش السوري بدباباتهم وعرباتهم المدرعة دون مقاومة تذكر، مما يثير حيرة مراقبيه، مرجحاً أن يكون الفساد ورواتب الجنود الزهيدة (40 دولاراً شهرياً) سبباً في ذلك.

في الثامن من ديسمبر، يسقط النظام. يفر الأسد إلى موسكو، ويدخل الجولاني المسجد الأموي في دمشق معلناً "تاريخاً جديداً"، ومتعهداً بحماية مؤسسات الدولة والأقليات، متناقضاً مع حكمه المتشدد في إدلب. يختتم الفصل برسم صورة قاتمة للمستقبل: تدخلات إسرائيلية وتركية وأمريكية موسعة، وتناحر داخلي بين طوائف وميليشيات متنافرة، وتدمير 176 هدفاً إسرائيلياً في سوريا خلال 2024 حسب المرصد السوري. يخلص غلاس إلى أن اختفاء نظام الأسد قد لا يعني نهاية الحرب بقدر ما هو بداية حرب جديدة، مشيراً إلى أن سوريا تحولت إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي دون أن تكون لها السيادة الحقيقية على مصيرها.