المورد
أي دستور تحتاج سوريا ؟ - اليوم التالي

أي دستور تحتاج سوريا ؟ - اليوم التالي

ar

يقدّم كتاب "أي دستور تحتاج سوريا؟ - اليوم التالي"، الصادر عن منظمة "اليوم التالي" السورية، محاولةً للإجابة على سؤالين جوهريين: ما الذي يريده السوريون للمرحلة الانتقالية، وأي دستور تحتاج بلادهم فعلياً؟ لا يكتفي الكتاب بطرح إجابات نظرية، بل يعتمد على مسح اجتماعي ميداني شامل هو الأوسع من نوعه في ظروف الحرب، شمل 1958 مستجيباً في مرحلته الأولى و303 مستجيبين إضافيين في مرحلته الثانية من محافظتي درعا والسويداء، وذلك بين شباط 2017 وتشرين الأول 2017. جوهر الكتاب هو أن الأولوية لدى السوريين ليست دستوراً جديداً، بل وقف معاناتهم اليومية، وأن أي دستور مستقبلي يجب أن ينبثق من توافق وطني حقيقي يضمن اللامركزية، ويوازن بين الهوية العربية الإسلامية للدولة وبين حقوق الأقليات، ويقطع مع النموذج الرئاسي المستبد الذي حكم البلاد لعقود.

تسير حجة الكتاب عبر خمسة فصول مترابطة، كل فصل يبني على ما قبله لكشف رؤية متكاملة. يبدأ الفصل الأول بوضع الدستور في سياقه الواقعي، فيكشف عن مفاجأة كبرى: مناقشة دستور جديد لسوريا ليست على رأس أولويات السوريين إطلاقاً، بل حلت في المرتبة الأخيرة من بين ست قضايا مطروحة على طاولة المفاوضات، حيث لم يخترها سوى %18 من المستجيبين. الأولويات القصوى كانت وقف إطلاق النار (%91.5)، يليه إطلاق سراح المعتقلين (%67.1) ثم فك الحصار (%55.2). هذا الترتيب يعكس حقيقة أن السوريين يعانون من ويلات الحرب اليومية، وأن الحديث عن دستور دائم يبدو رفاهية قبل توقف القتل وانفراج الأزمة الإنسانية. ويدعم هذا الاستنتاج رفض الأغلبية الساحقة لفكرة كتابة دستور دائم في المرحلة الحالية، حيث انقسم المستجيبون بين مؤيدين لـ"إعلان دستوري" مؤقت بنسبة %38.2 ومؤيدين لـ"دستور مؤقت" بنسبة %37.7، مما يعكس قناعة عميقة بأن الظروف الحالية لا تسمح ببناء عقد اجتماعي دائم وتحتاج إلى ترتيبات انتقالية مؤقتة. الأهم من ذلك، أن الطريقة المفضلة لصياغة هذا الدستور هي عبر التوافق بين ممثلي القوى السياسية (%40.6)، ثم انتخاب جمعية تأسيسية (%30.3)، وأخيراً لجنة خبراء (%25.3)، مما يدل على إدراك أن شرعية الدستور تنبع من مشاركة الجميع، وليس من فرض نخبة أو قوى خارجية.

ينتقل الفصل الثاني إلى تفاصيل نظام الحكم، حيث يفحص تطلعات السوريين نحو سلطة تشريعية وتنفيذية جديدة. في ما يخص السلطة التشريعية، أبدت الغالبية (66.9%) تأييدها لنظام برلماني من غرفتين، بهدف ضمان تمثيل أوسع للمكونات المحلية وحماية المصالح الإقليمية، في خطوة لافتة نحو توزيع السلطة بدلاً من تركيزها. أما بخصوص السلطة التنفيذية، وهي القضية الأكثر حساسية، فتكشف النتائج عن رغبة قاطعة في القطيعة مع نموذج الحكم الرئاسي المطلق الذي ساد في عهدي حافظ وبشار الأسد. النسبة الأكبر من المستجيبين (%59.3) ترى أن المدة المثلى لولاية الرئيس هي أربع سنوات فقط، مع إمكانية إعادة انتخابه مرة واحدة. وعند تحديد صلاحيات التنفيذية، لم يحظ النظام الرئاسي المحض (السلطة الكاملة بيد الرئيس) سوى بـ%15.8 من التأييد، بينما انقسم الباقي بين تفضيل النظام البرلماني (تكون السلطة بيد رئيس الوزراء والحكومة) بنسبة %39.7، والنظام البرلماني-الرئاسي المختلط (تقتسم السلطة بين رئيس البلاد ورئيس الحكومة) بنسبة %44.1. الملفت للنظر أن الفئات الأكثر تشبثاً بالنظام الرئاسي هي العلمانيون المتطرفون والطائفة العلوية، مما يُفسره الكاتب كخوف من فقدان الامتيازات في نظام برلماني قد تصل فيه تيارات دينية أو معارضة إلى السلطة.

يتناول الفصل الثالث القضايا الأكثر اشتعالاً: الدين والدولة والهوية. تظهر النتائج تناقضاً ظاهرياً، لكنه منطقي في السياق السوري. هناك إجماع شبه تام (%91.6) على أن ينص الدستور على التزام الدولة السورية بـ"الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، مما يعكس توقاً عارماً للحريات بعد عقود من القمع. وفي الوقت نفسه، هناك دعم كبير (%77.9) لأن تكون "الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر التشريع"، وهو ما يتماشى مع نصوص الدساتير السورية السابقة ومع تزايد التدين كرد فعل على الحرب. لكن التحدي الحقيقي يظهر في ملفي الهوية والأقليات. تحظى "الهوية العربية" بدعم أقوى (%77.8) من "الهوية الإسلامية" (%54)، ويرفض حوالي %67 من المستجيبين حذف كلمة "العربية" من اسم الجمهورية. في المقابل، وبينما تؤيد الغالبية الساحقة (%80.1) الاعتراف بالحقوق الثقافية للأقليات، ينقسم الرأي حول الاعتراف بـ"اللغة الكردية كلغة ثانية"، حيث يعارض ذلك حوالي %33 من العرب، وتكون المعارضة أقوى بين الإسلاميين والطوائف الشيعية والعلوية. يشير الكتاب إلى أن هذه القضية ستكون من أصعب ملفات الدستور القادم، وتتطلب تنازلات متبادلة وحساً وطنياً عالياً، خاصة مع وجود استقطاب حاد بين العرب والأكراد تغذيه الممارسات الميدانية للإدارة الذاتية.

يناقش الفصل الرابع اللامركزية، وهي قضية أخرى خلافية. أيد %42.4 من المستجيبين تبني سوريا نظاماً سياسياً لا مركزياً يمنح السلطات المحلية صلاحيات إدارية واسعة، بينما عارض ذلك %35.5. كما يتوقع، يكون التأييد للامركزية أعلى في مناطق سيطرة المعارضة والإدارة الذاتية وتركيا، حيث عاش الناس تجارب في الحكم المحلي. أما المعارضة الأقوى فجاءت من مناطق سيطرة النظام ومن الطائفتين العلوية والشيعية (تصل نسبة الرفض بينهما إلى أكثر من %90)، غالباً خوفاً من التقسيم وفقدان السيطرة المركزية. وفي تفصيل أدق، يُظهر الكتاب أن من يؤيدون اللامركزية يريدون صلاحيات واسعة للمجالس المحلية في الشؤون المالية والإنفاق والإدارة، وفارق كبير بين العرب والأكراد في الرغبة بصلاحيات التشريع وتعيين المسؤولين وتشكيل قوى حفظ الأمن، حيث يريدها الأكراد أوسع بكثير. وعند السؤال عن منح "وضع خاص" للإدارة الذاتية، رفض ذلك %57.6 من المستجيبين، مما يعكس رفض الأغلبية لأي نموذج يفرض من طرف واحد أو يؤدي إلى تقسيم فعلي.

أخيراً، يبحث الفصل الخامس في المبادئ والضوابط العامة. يُظهر الاستطلاع أن مفهوم "الدولة المدنية" الأكثر شيوعاً بين السوريين هو "الدولة التي تحترم مواطنيها وتحتكم إلى حقوق الإنسان" (%35.9) أو "حكم المدنيين وليس العسكر" (%34.6)، وليس "الدولة العلمانية" أو "الدولة بمرجعية إسلامية". وهذا يعكس رغبة في التخلص من الحكم العسكري الاستبدادي دون الدخول في صراع هوياتي حاد. وفيما يتعلق بتجاوز المشكلة الطائفية المستعصية، تبقى الغالبية متمسكة بـ"نظام حكم يقوم على أساس المواطنة والمساواة أمام القانون" كحل أمثل، دون تغير يُذكر عن استطلاع سابق عام 2015. من جهة الحقوق، هناك إجماع واسع على ضرورة أن يكفل الدستور حقوق العودة للاجئين، والعدالة الانتقالية، وحقوق المرأة، والعمال، وحماية الفقراء. ولعل أكثر ما يلخص الحالة السورية هو توزيع الأولويات بين القيم الأساسية: العدل (%37.7)، يليه المساواة (%20.8)، ثم الحرية (%17.7). هذا الترتيب يعكس مجتمعاً أنهكته الحرب، وأصبح ينشد العدل والمساواة قبل الحرية، التي قد تبدو في سياق الفوضى والاقتتال نقيضاً للاستقرار وليس ركيزة له.

يعترف الكتاب بحدوده المنهجية بوضوح، مشيراً إلى أن العينة لا تمثل كامل سوريا (خاصة المناطق الخاضعة لسيطرة "داعش") وهي عينات إرشادية لا يجوز تعميم النتائج على كافة الفئات الدينية والمناطقية بشكل مطلق. كما يقر بأن الأرقام تعكس آراء لحظة زمنية معينة (2017)، وقد تختلف الأولويات مع تغير الظروف الميدانية. الأهم من ذلك، يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول كيفية التوفيق بين رغبة الأغلبية العربية في الحفاظ على الهوية العربية للدولة، وبين المطالب الكردية بالاعتراف بهويتهم ولغتهم، وكذلك كيفية بناء نظام لامركزي يحافظ على وحدة البلاد ولا يتحول إلى أداة للتقسيم.

من الممكن مناقشة بعض الافتراضات التي يقوم عليها تحليل الكتاب. فعلى سبيل المثال، يقر الكاتب بأن الفارق بين مفهومي "الدولة المدنية" و"الدولة الإسلامية" و"الدولة العلمانية" لا يزال غامضاً لدى كثير من المستجيبين، مما يجعل الإجماع على حقوق الإنسان أو على الشريعة قابلاً لتأويلات متضاربة. كما أن ربط معارضة اللامركزية ببعض الطوائف بشكل مباشر، رغم كونه مبرراً، قد لا يأخذ بالكامل في الاعتبار الأسباب الوطنية أو الاقتصادية البحتة. مع ذلك، يظل هذا الكتاب وثيقة نادرة وقيمة، تستمع بجدية إلى صوت السوريين أنفسهم بدلاً من فرض رؤى خارجية، وتقدم خارطة طريق معقدة ومتناقضة أحياناً، لكنها أمينة للحقيقة الميدانية. خلاصة الكتاب هي أن السوريين لا يريدون دستوراً مثالياً، بل دستوراً انتقالياً عادلاً، يوقف الحرب، ويوزع السلطة، ويضمن الحقوق، ويؤسس لدولة يحكمها القانون، لا رئيس مطلق ولا حزب أوحد.