المورد
_OceanofPDF.com_Syria_and_The_USA_-_Sami_Moubayed

_OceanofPDF.com_Syria_and_The_USA_-_Sami_Moubayed

١ كانون الثاني ٢٠١٢en

يطرح كتاب "سوريا والولايات المتحدة" لسامي مبيّض سرداً تاريخياً شاملاً للعلاقة المضطربة بين البلدين، من أول لقاء جمع الأمير فيصل بالرئيس وودرو ويلسون في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، وصولاً إلى تشكيل الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك خيبة الأمل السورية العميقة والمتكررة تجاه الولايات المتحدة، ودحض فكرة أن العلاقة كانت يوماً ما متكافئة أو مبنية على تفاهم حقيقي. يدافع المؤلف عن موقف مفاده أن السياسة الأمريكية في سوريا لم تكن يوماً مدفوعة بالمبادئ الويلسونية المثالية كما ادُّعي، بل كانت محكومة بمصالح استراتيجية أنانية تتأرجح بين دفع النفوذ الأوروبي، وضمان أمن إسرائيل، واحتواء المد الشيوعي، مما جعل السوريين مجرد بيادق على رقعة شطرنج أكبر.

يسير الكتاب بتسلسل زمني واضح يربط بين الفصول منطقياً. يبدأ الفصل الأول بعرض التأسيس المأساوي للعلاقة، حيث اصطدمت أحلام الأمير فيصل باستقلال سوريا بوعود ويلسون التي تقيدها التزاماته بالصهيونية والمصالح الأوروبية، لتولد العلاقة "ميتة تقريباً". ثم ينتقل الكتاب إلى فترة الانتداب الفرنسي، مظهراً كيف ظلّت صورة أمريكا كفارس أبيض راسخة في أذهان نخبة سورية مثل عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري، رغم عجز شخصيات مثل تشارلز كرين عن تغيير أي شيء على الأرض. مع اشتداد الحرب العالمية الثانية، ينتقل المحور إلى كيف أن خوف واشنطن من تحول سوريا إلى تابع نازي دفعها لدعم استقلالها، ليصل الفصل الرابع إلى ذروته الدرامية في لحظة التحرر من فرنسا عام 1946 بوساطة أمريكية بريطانية، ليكتشف السوريون بعدها مباشرة أن هذا الدعم لم يكن إلا أداة لطرد منافس أوروبي. يكشف الفصل الخامس عن الوجه القاتم لهذه العلاقة، حيث يوثق تورط الولايات المتحدة في أول انقلاب عسكري في سوريا بقيادة حسني الزعيم عام 1949، مدفوعاً برفض القوتلي الاعتراف بإسرائيل والموافقة على خط أنابيب التابلاين. من هنا، يتابع الكتاب تسارع الانهيار: انقلابات أديب الشيشكلي، فشل المساعدات الأمريكية في شراء الولاء، محاولة الانقلاب العراقي الأمريكي الفاشلة عام 1956، وصولاً إلى أزمة "قضية ستون" عام 1957 التي كادت تشعل حرباً إقليمية. يختم الكتاب بصورة متناقضة حيث تنجح مصر في خدمة المصالح الأمريكية بإخراج سوريا من السيطرة الشيوعية عبر تشكيل الجمهورية العربية المتحدة.

الأرقام والوقائع الواردة في الكتاب تترك أثراً لا يُنسى. ففي البداية، نقرأ عن لجنة كينغ-كرين التي تجولت في 36 بلدة واستلمت 1,864 عريضة تؤكد رفض السوريين القاطع للانتداب الفرنسي وللصهيونية، لكن تقاريرها حُبست في الأدراج. في فصل لاحق، نرى كيف أن سوريا كانت على حافة التحول إلى قاعدة سوفييتية، حيث قفزت الصادرات السورية إلى المعسكر الشرقي من 700 ألف دولار (0.5%) إلى أكثر من 11 مليون دولار (8%) بين عامي 1954 و1956. الأكثر دراماتيكية هو التفصيل الدقيق لانقلاب عام 1949: الرقم 300 ألف لاجئ فلسطيني كان حسني الزعيم مستعداً لتوطينهم شمال سوريا كجزء من صفقة سلام مع إسرائيل، وهي صفقة لم تتم بسبب رفض إسرائيل تزويد سوريا بالسلاح. في خضم أزمة "قضية ستون" عام 1957، نقرأ عن حشد تركيا لـ 50 ألف جندي على الحدود السورية، وتحرك الأسطول السادس الأمريكي نحو البحر المتوسط، لتتدخل المملكة العربية السعودية بوساطة مفاجئة. يورد الكتاب شهادة لافتة لأحد المتآمرين في انقلاب 1956، منير العجلاني، الذي اعترف بعد عقود بأنهم كانوا يخططون لانقلاب "لمنع سوريا من أن تصبح تابعة للاتحاد السوفيتي"، وليس لجلب الأميركيين.

يُقرّ الكتاب بعدة تحفظات وحدود، تاركاً أسئلة مفتوحة. يعترف المؤلف بأن دعم ويلسون للعرب لم يكن مطلقاً، بل مشروطاً بدعمه للصهيونية. في فصوله الأولى، يُقرّ بأن شخصيات مثل عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري، الذين دفعوا ثمن تأييدهم لأمريكا بالاغتيال والعزل، لم يكونوا خونة بقدر ما كانوا ضحايا لسوء فهم متبادل. أبرز تحفظ يظهر في الكتاب هو حول أزمة "قضية ستون" عام 1957، حين يقر المؤلف بأن كلاً من الحكومة السورية والأمريكية كانت بحاجة لتضخيم الحادثة لأسباب داخلية، وأن مدى جدية النوايا العسكرية الأمريكية لا يزال غامضاً. كما يطرح السؤال حول سبب عدم حماية وكالة المخابرات المركزية لحسني الزعيم قبل انقلاب سامي الحناوي الذي أطاح به وأعدمه، ليرجح المؤلف أن واشنطن لم تكن على علم بالانقلاب ضده، مما يضعف نظرية المؤامرة المطلقة. أخيراً، يترك الكتاب سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت الجمهورية العربية المتحدة التي تشكلت عام 1958 تمثل انتصاراً للقومية العربية أم خدمة غير مباشرة للمصالح الأمريكية بإبعاد سوريا عن الشيوعيين.

الحجج الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب تتمحور حول تفسير دوافع الولايات المتحدة. يرى المؤلف أن تأييد أمريكا لسوريا ضد فرنسا عام 1945 لم يكن ناتجاً عن تعاطف مع السيادة السورية، بل كان مجرد أداة لطرد منافس أوروبي من الشرق الأوسط. غير أن النص نفسه يظهر أن دبلوماسيين أمريكيين مثل جورج وادزورث كانوا صادقين في تعاطفهم، مما يثير تساؤلاً حول دور الفرد مقابل دور الدولة. في الفصل الأخير، يطرح الكاتب مقارنة مثيرة للجدل عندما يقول إن جمال عبد الناصر، رغم أنه لا يمكن اتهامه بأنه عميل لأمريكا، إلا أنه من الإنصاف القول إن توحيد سوريا مع مصر خدم المصالح الأمريكية الباردة بإقصاء الشيوعيين. هذه النظرة الوظيفية للأحداث، التي تختزل كل تحول في السياسة السورية إلى مجرد رد فعل على المصالح الأمريكية أو السوفيتية، قد تُنتقد لتجاهلها تعقيدات الصراع الداخلي والنزعات القومية والإقليمية الحقيقية التي كانت تدفع السوريين أنفسهم. يبقى السرد الذي يقدمه الكتاب قوياً في توثيق نمط متكرر: كلما اقتربت سوريا من أمريكا، انتهى الأمر بخيبة أمل وصراع، مما جعل التصريح بموالاة واشنطن بمثابة انتحار سياسي في دمشق.

الفصول(13)

1.16–33▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على لقاء سوريا والولايات المتحدة لأول مرة في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، ويُظهر كيف أن المبادئ الويلسونية المثالية اصطدمت بالواقع الاستعماري، تاركةً خيبة أمل عميقة لدى العرب. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فشل واشنطن في دعم طموحات الأمير فيصل، رغم الإعجاب الشخصي بينه وبين الرئيس ويلسون، لم يكن مجرد خطأ دبلوماسي، بل كان ناتجاً عن تضارب المصالح الأميركية بين دعم الاستقلال العربي والالتزام بالصهيونية والمصالح الأوروبية. يطرح الفصل فكرة أن العلاقة السورية الأميركية وُلدت ميتة تقريباً بسبب هذا التناقض.

يسير الفصل زمنياً، مبتدئاً بوصول فيصل بن الحسين إلى باريس في يناير 1919 ممثلاً لوالده الشريف حسين، قائد الثورة العربية. نرى فيصل في بدايته ساذجاً سياسياً لكنه متحمس، وقد أُعلن حاكماً على سوريا في أكتوبر 1918 بعد زوال الحكم العثماني. يصف الفصل دهشته من استقباله البارد من قبل الفرنسيين الذين لم يعترفوا به كرئيس دولة، بل كضيف شرفي فقط. هنا يبدأ فيصل باكتشاف أن الوعود البريطانية (مراسلات حسين-مكماهون) تتعارض مع الاتفاقيات السرية، مثل اتفاقية سايكس-بيكو (فبراير 1916) ووعد بلفور (نوفمبر 1917).

لفت انتباه فيصل الرئيس وودرو ويلسون وخطابه الشهير حول النقاط الأربع عشرة في 8 يناير 1918، وتحديداً النقطة الخامسة (التسوية العادلة للمطالب الاستعمارية) والنقطة الثانية عشرة (حق الأمم غير التركية في الحكم الذاتي). كان فيصل معجباً بويلسون لدرجة أنه اعتبره أباً روحيًا. يلعب دور الوساطة هنا هاورد بليس، رئيس الكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً) وأحد أبناء المبشرين الأميركيين، الذي قرب فيصل من الدائرة الأميركية. يوضح الفصل أن هذه الكلية كانت جسراً ثقافياً هاماً، إذ تخرج منها رجال مثل فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر، اللذان أصبحا أبرز دعاة العلاقة السورية الأميركية.

نجح ويلسون في إقناع الحلفاء بتشكيل لجنة 킹-كرين (صيف 1919) لاستقصاء رغبات السوريين. تؤكد اللجنة، التي تتجول في 36 بلدة وتتسلم 1,864 عريضة، أن الغالبية الساحقة تريد الاستقلال التام أو انتداباً أميركياً، وترفض الانتداب الفرنسي بشدة، وتعادي الصهيونية بشكل قاطع. يقدم فوزي العظم برنامج دمشق الشهير في 3 يوليو 1919 الذي يطالب باستقلال سوريا ورفض الهجرة اليهودية. لكن في تناقض صارخ، يذكر الفصل أن ويلسون نفسه كان داعماً متحمساً للصهيونية، متأثراً بأفكاره الدينية ومستشاريه الصهاينة مثل لويس برانديز. هذا جعل دعمه للعرب مشروطاً وغير كامل.

للتودد إلى ويلسون، وقع فيصل اتفاقية فيصل-وايزمان في 3 يناير 1919، والتي وافق فيها مبدئياً على دعم وطن قومي يهودي مقابل دعم الصهاينة لاستقلال العرب. لكن الاتفاقية انهارت سريعاً عندما رفضها والده الشريف حسين، وأدرك فيصل أن الوعود الغربية لن تُحترم بغض النظر عن توقيعه. يظهر هنا عبد الرحمن الشهبندر كعقلية براغماتية حذرة، إذ حذر فيصل من التناقضات في الموقف الأميركي.

في 8 مارس 1920، أعلن فيصل نفسه ملكاً على سوريا في تحدٍ للقوى الكبرى، لكن الجيش الفرنسي سحقه في معركة ميسلون في 24 يوليو 1920. ينهي الفصل بوصف انهيار حلم فيصل ونفيه، وهو يشعر بخيانة أميركا التي رفعته ثم أسقطته. تظل تقارير لجنة كينغ-كرين حبيسة الأدراج لسنوات، ويموت ويلسون سياسياً بعد جلطة دماغية، فلا ينقذ فيصل.

يتضمن الفصل تحفظات واضحة، أشهرها أن دعم ويلسون للعرب لم يكن مطلقاً، بل مقيداً بدعمه للصهيونية، وأن فيصل نفسه لم يكن مثالياً، بل أظهر استعداداً للتضحية بالقضية الفلسطينية مقابل عرشه في دمشق. يترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول دور الشخصيات المحلية، مثل شكري القوتلي الذي رفض فكرة أي انتداب بطريقة قاطعة معتبراً إياه احتلالاً جديداً، مما يظهر وجود تيار وطني رافض حتى للخيار الأميركي.

ختاماً، يخلص الفصل إلى أن التجربة الويلسونية كانت خيبة أمل استراتيجية. يرى المؤلف أن الولايات المتحدة لم تر في العرب إلا بيادق على رقعة شطرنج، ولم تدرك قيمتهم الحقيقية إلا بعد اكتشاف النفط وتأسيس إسرائيل بعد ثلاثين عاماً. المتضرر الأكبر كان فيصل شخصياً، الذي تحول من بطل تحرير إلى عميل لدى القوى الغربية في نظر شعبه. أما دعاته المؤيدون لأميركا، الخوري والشهبندر، فقد دفعوا الثمن غالياً بالاغتيال والعزل. في النهاية، كان فشل هذا الحلم المبكر جرس إنذار بأن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ستظل ممزقة بين الشعارات المثالية والمصالح الواقعية.

2.34–42▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على زيارة تشارلز كرين الثانية إلى دمشق في أبريل 1922، ويحلّل دلالاتها في سياق العلاقة السورية-الأمريكية المبكرة. يُقدّم المؤلف الإجابة بأن هذه الزيارة مثّلت لحظة فارقة، كشفت عن الفجوة بين طموحات النخبة السورية في الحصول على دعم أمريكي حقيقي، وبين السياسة الأمريكية المنعزلة التي لم تكن مستعدة لتحمّل أي مسؤولية في سوريا، ممّا جعل كرين مجرد رمز خيري عاجز عن تغيير الواقع الاستعماري الفرنسي.

يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، بدءاً من مشهد سوريا بعد رحيل الملك فيصل صيف 1920. يصف كيف قام المفوض السامي الفرنسي هنري غورو بتقسيم البلاد إلى دويلات، وفرض غرامة قدرها عشرة ملايين فرنك على دمشق. ثم ينتقل إلى وصول الرئيس الأمريكي الجديد وارن هاردينغ، الذي تبنّى سياسة انعزالية، ممّا أحبط الآمال السورية التي علّقتها على ويلسون. يأتي بعدها الخبر المنعش للنخبة السورية بزيارة كرين الثانية في 5 أبريل 1922، حيث استقبله الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في محطة الحجاز، وأقام في فندق دمشق بالاس.

يُفصّل الفصل نشاط كرين المكثف خلال إقامته القصيرة التي استمرت ليلتين، بترتيب من الشهبندر وفارس الخوري. تضمّنت الزيارة جولة في أحياء دمشق، ولقاءات مع شخصيات دينية وسياسية، واستماعاً لشكاوى موحّدة من البطالة (أكثر من 25% من الذكور عاطلون عن العمل)، والفساد، والضرائب الباهظة على التجارة مع فلسطين. ويُبرز الفصل حدثين لافتين: الأول هو زيارة كرين لمقبرة ابن تيمية حيث أثار دفن جندي فرنسي لكلبه بجوار القبر غضباً عظيماً. والثاني هو لقاؤه الشهير مع الناشطة نازك العابد في قصر والدها مصطفى باشا العابد، والتي ظهرت أمامه بدون حجاب، وروت له مشاركتها في معركة ميسلون ببزة عسكرية كاملة، ورفضها عرضاً من حاكم دمشق حقي العظم بدفع 100 ليرة سورية شهرياً لشراء ولائها للانتداب. وعرض عليها كرين منحة دراسية قيمتها 2000 دولار أمريكي للدراسة في الولايات المتحدة، لكنها رفضتها في النهاية.

يُشير الفصل بوضوح إلى حدود ما يمكن أن يفعله كرين، وأنه لم يكن يمثل حكومته رسمياً. فقد اعتقلت السلطات الفرنسية الشهبندر فور مغادرة كرين، واتهمته بتلقي أموال لإسقاط الانتداب، وحكمت عليه بـ 20 عاماً من الأشغال الشاقة (عشر سنوات مقابل كل ألف دولار). وتناقلت الصحف الأمريكية خبراً كاذباً عن إصدار حكم غيابي بالمثل ضد كرين نفسه، مما دفع الحكومة الفرنسية للاستفسار عنه، فأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن كرين زار سوريا بصفته الشخصية فقط. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول جدوى الجهود الفردية كهذه، حيث يذكر أن كرين وعد بنقل آمال السوريين إلى الكونغرس، لكن لا يوجد دليل مادي على أنه فعل ذلك.

يحتوي الفصل على حجّتين قابلتين للنقاش بوضوح. الأولى هي المقارنة التي يعقدها المؤلف بين نظرة السوريين لأمريكا في عشرينيات القرن الماضي ومراحل لاحقة، مشيراً إلى أن قبول الشهبندر لأموال أمريكية لم يُعتبر خيانة آنذاك لأن أمريكا لم تكن قوة استعمارية، بينما كان سيدمّر سمعته لو حدث بعد عقود. الثانية هي قراءة المؤلف الختامية التي تصف زيارة كرين بـ "نقطة التحول" في العلاقات السورية-الأمريكية على الرغم من فشلها المباشر، معتبراً أنها حافظت على صورة مثالية لأمريكا كفارس أبيض في أذهان النخبة السورية حتى الحرب العالمية الثانية، قبل أن تصطدم هذه الصورة بالواقع لاحقاً.

3.43–51▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بوصف جهود عبد الرحمن الشهبندر في عشرينيات القرن العشرين، حيث حاول حشد الدعم الأمريكي للقضية السورية بعد فشل مساعيه الأولى مع الرئيس ويلسون. لجأ الشهبندر إلى استغلال المشاعر المعادية للصهيونية في أوساط الموظفين المتوسطين بوزارة الخارجية الأمريكية، معتقداً أن ذلك قد يثير تعاطفهم مع سوريا، مستنداً إلى مواقف سابقة لوزير الخارجية روبرت لانسينغ الذي نصح ويلسون بالحذر بشأن دعم المطالب الصهيونية. لكن جهوده باءت بالفشل، إذ لم يتلق أي رد من البيت الأبيض على رسائله المتكررة، بما في ذلك رسالة من المؤتمر السوري الفلسطيني في جنيف عام 1921 موجهة للرئيس هاردينغ. يذكر الفصل توقيع اتفاقية بين فرنسا والولايات المتحدة في 1 أبريل 1924، اعترفت بموجبها أمريكا بالانتداب الفرنسي على سوريا مقابل حصول المواطنين الأمريكيين على امتيازات خاصة.

يتناول القسم التالي من الفصل ثورة 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، والتي جذبت اهتماماً أمريكياً جدياً بالشأن السوري. بدأت الثورة في 18 يوليو بإطلاق النار على طائرة فرنسية، وتصاعدت المواجهات حتى 2 أغسطس عندما أوقعت قوات الأطرش خسائر فادحة بالجيش الفرنسي. يشرح الفصل كيف انضم الشهبندر، الذي أسس حزب الشعب في دمشق، إلى الثورة كعقل مدبر لها، متخلياً عن منهجه السياسي المعتاد. بلغت الثورة ذروتها في 15 أكتوبر 1925 باقتحام مئة فارس لدمشق ومحاولة اعتقال المفوض السامي الفرنسي موريس ساراي، مما أدى إلى قصف فرنسي عنيف للعاصمة استمر يومين وأسفر عن مقتل 1,100 مدني وتدمير كبير في الأسواق والممتلكات.

يؤكد الفصل أن القصف الفرنسي أصاب بالخطأ ثلاثة شركات أمريكية: سوكوني فاكيوم أويل، وسنجر لماكينات الخياطة، وماك أندروز أند فوربس. أثار هذا غضب الحكومة الأمريكية، وبدأ القنصل بول نابنشو تقاريره المنتظمة عن الثورة. وجه القنصل اتهامات شديدة لفرنسا بأنها تسببت في الثورة بسوء إدارتها، وطالب بتعويضات للشركات الأمريكية وأرسل مدمرتين أمريكيتين إلى شواطئ بيروت كرادع للجيش الفرنسي. حتى أن نابنشو أوصى بتدخل بريطاني لاستبدال الانتداب الفرنسي بآخر بريطاني، لكن الإدارة الأمريكية بقيت حذرة رغم غضبها.

مع انتهاء الثورة تدريجياً عام 1927 وانهيار وول ستريت في أكتوبر 1929، تراجع الاهتمام الأمريكي بسوريا. يصف الفصل الفترة من 1927 إلى 1944 بأنها فترة مظلمة في العلاقات، حيث انشغلت أمريكا بالكساد الكبير بينما عانى السوريون من بطالة حادة وتراجع اقتصادي، مشيراً إلى أن 150 ألف شخص كانوا عاطلين عن العمل في سوريا ولبنان بين عامي 1930 و1944. يتحول الفصل بشكل مفاجئ لمناقشة التأثير الثقافي الأمريكي في سوريا، حيث يصف كيف أصبحت أفلام تشارلي تشابلن وميكي ماوس وتارزان وسيلة للترفيه والهروب من الواقع القمعي، وكانت الأفلام الأمريكية أكثر شعبية من الفرنسية بسبب انخفاض تكلفة استئجارها واعتمادها على الحركة الصامتة التي يفهمها الجميع.

يختتم الفصل بالانتقال إلى فترة فرانكلين روزفلت، الذي بدا غير مبالٍ بسوريا في بداية حكمه عام 1933 بسبب انشغاله بالأزمة الاقتصادية. ومع ذلك، أبدى الشهبندر إعجاباً كبيراً بروزفلت وخطابه الشهير عن "الصفقة الجديدة"، داعياً السياسيين السوريين إلى تطبيق نفس المبادئ. يذكر الفصل أن الرئيس السوري محمد علي العابد، الذي كان سفيراً عثمانياً في واشنطن زمن ثيودور روزفلت، حاول بناء علاقات مع الإدارة الجديدة لكن دون جدوى. يربط الفصل التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو المنطقة باكتشاف النفط في السعودية، مما فتح المجال لتوسع النفوذ الأمريكي وأدى إلى افتتاح أول سفارة في الرياض. وينتهي الفصل بالإشارة إلى اغتيال الشهبندر عام 1940 ومقتل العابد عام 1939، وتولي شكري القوتلي رئاسة سوريا عام 1943 ليكون الرجل الذي ارتقى بالعلاقات السورية الأمريكية إلى مستويات جديدة.

4.52–68▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بطرح فكرة محورية مفادها أن المصالح الأمريكية في سوريا لم تنطلق أساساً من النفط أو الصهيونية، كما يرى كثير من المؤرخين، بل من خوف الولايات المتحدة من تحول سوريا إلى تابعة للنازية خلال الحرب العالمية الثانية. يقدم المؤلف الحجة بأن الخيار النازي، تماماً مثل الخيار السوفيتي لاحقاً، كان متاحاً للقادة السوريين، وأن واشنطن تحركت فقط عندما شعرت أن سوريا تسير نحو أن تصبح "قمراً صناعياً نازياً".

يسير الفصل خطوة بخطوة في تتبع صعود النفوذ النازي في سوريا. يصف كيف سحر أدولف هتلر السوريين الذين كانوا يرونه وسيلة لهزيمة الفرنسيين، حيث كانت خطبه تذاع في مقاهي دمشق القديمة، وأصبح كتابه "كفاحي" من أكثر الكتب مبيعاً بعد ترجمته إلى العربية. يذكر المؤلف شخصيات سورية بارزة تبنّت القضية النازية، مثل فخري البارودي وشكري القوتلي، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا، بمساعدة من الملك فاروق ملك مصر. ويخصص الفصل مساحة مهمة لدور الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، الذي هرب إلى روما وبرلين واجتمع مع هتلر وموسوليني، مطالباً بدعم عربي مقابل الاعتراف باستقلال الدول العربية وحل "المسألة اليهودية" كما حُلّت في ألمانيا وإيطاليا.

يوضح الفصل كيف حاول الحلفاء، وخاصة فرنسا، كبح النفوذ النازي عبر وضع القوتلي قيد الإقامة الجبرية، ونفي البارودي إلى عمان، وحل منظمة "القمصان الفولاذية" التي أسسها البارودي على غرار الكتائب النازية. لكن هذه الجهود باءت بالفشل، وزاد التعاطف مع النازيين مع استمرار الحرب. في هذا السياق، يقدم المؤلف القنصل الأمريكي في سوريا ثيودور مارينر الذي قُتل في بيروت عام 1937، مشيراً إلى أن هذه الحادثة أصبحت دليلاً على راديكالية السوريين بسبب فشل العالم في مساعدتهم على تحقيق طموحاتهم الوطنية.

مع دخول القوات الأنجلو-فرنسية إلى سوريا في يونيو 1941 لتحريرها من نظام فيشي الموالي للنازية، بدأ الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت يتحرك. يصف الفصل كيف ألقى روزفلت خطابه الشهير حول "الحريات الأربع" في يناير 1941، والذي لقي ترحيباً حذراً في سوريا بسبب ذاكرة خيبة الأمل الأمريكية السابقة. ثم ينتقل إلى تعيين جورج وادزوورث قنصلاً عاماً في دمشق عام 1942، وإرسال الجنرال باتريك هيرلي في أبريل 1943 كأرفع مسؤول أمريكي يزور سوريا منذ لجنة كينغ-كرين. يصل هيرلي في خضم أزمة سياسية بعد وفاة الرئيس تاج الدين الحسني، ويلتقي بفاعليات سياسية بينها خالد العظم وشكري القوتلي الذي سلمه رسالة موجهة لروزفلت عبر وكيله الشيخ عبد العزيز الخاني، تحاول تبرئة القوتلي من ماضيه النازي وتطلب دعم أمريكا للاستقلال.

يركز الفصل على "عهد القوتلي" بعد فوزه بالرئاسة في 17 أغسطس 1943. يصف كيف بنى القوتلي جسوراً مع واشنطن، رافعاً التمثيل الدبلوماسي الأمريكي إلى مستوى وزير مفوض، وعيّن ناظم القدسي كأول سفير لسوريا في واشنطن. يقدم المؤلف تفاصيل مهمة عن محاولة القوتلي لقاء روزفلت، التي لم تتم بسبب تدهور صحة الرئيس الأمريكي، ثم يصف بالتفصيل لقاء القوتلي الحاد مع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في 17 فبراير 1945 على قناة السويس، والذي رفض فيه القوتلي بصلابة توقيع أي معاهدة مع فرنسا، مهدداً بجعل مياه البحر "حمراء" من الدماء إن لزم الأمر. يبرز هذا الحوار كدليل على إصرار القوتلي الذي نال إعجاب تشرشل في النهاية.

يختتم الفصل بإعلان القوتلي الحرب على ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من على منبر البرلمان السوري، في خطوة رمزية تهدف إلى دعم طلب سوريا للانضمام إلى الأمم المتحدة. تنجح هذه الخطوة، ويتم دعوة سوريا لمؤتمر سان فرانسيسكو في مايو 1945. يصف الفصل وفاة روزفلت في 12 أبريل 1945، وكيف نعاه الإعلام السوري بحرارة، معتبراً إياه أول رئيس أمريكي أخذ السوريين على محمل الجد وبنى علاقة قائمة على الثقة. يخلص المؤلف إلى أن روزفلت ساعد في إعادة وضع سوريا على الخريطة العالمية وتأمين مقعدها في الأمم المتحدة، وهي لحظة حاسمة في تاريخ العلاقات الثنائية.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود هذه العلاقة الجديدة، مشيراً إلى أن القوتلي نفسه، الذي كان محور هذه الصداقة الناشئة مع واشنطن، أصبح لاحقاً في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة واصفاً إياها بـ"العدو". هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات حول متانة أسس هذه العلاقة التي بنيت على مصلحة مؤقتة (مواجهة النازية) أكثر من كونها شراكة استراتيجية دائمة.

5.69–80▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على المرحلة الحاسمة التي تلت انتهاء الانتداب الفرنسي على سوريا، ويُقدم إجابة واضحة: كيف تحوّلت الولايات المتحدة من حليف منقذ لسوريا في وجه العدوان الفرنسي عام 1945، إلى لاعب أساسي في زعزعة استقرارها السياسي بعد سنوات قليلة. يصف المؤلف هذه العلاقة بأنها كانت مبنية على سوء فهم عميق، حيث راهن السوريون على النوايا الأمريكية بحماس، ليكتشفوا لاحقاً أن واشنطن لديها أولويات أخرى أهم، مثل النفط ودعم إسرائيل الناشئة.

يسير الفصل خطوة خطوة، فيبدأ بلقاء الرئيس السوري شكري القوتلي ونظيره اللبناني بشارة الخوري في بلدة شتورة اللبنانية في 19 مايو 1945، حيث يتفقان على عدم التفاوض مع فرنسا دون ضمانات بالإخلاء. يعود القوتلي إلى دمشق مريضاً، تاركاً زمام الأمور لرئيس وزرائه جميل مردم بك، الذي يصبح الحاكم الفعلي. يبرز هنا دور جورج وادزورث، المبعوث الأمريكي إلى دمشق، كصديق مقرّب من مردم بك، ويصفه الفصل بأنه كان أكثر تعاطفاً مع القوميين السوريين من غيره، ويُقدم لهم تحليلاً دقيقاً للرئيس الأمريكي الجديد هاري ترومان.

يتصاعد التوتر مع الفرنسيين، الذين يقررون استخدام القوة لقمع الحركة الوطنية. في 29 مايو 1945، تقوم القوات الفرنسية بقصف البرلمان السوري ومقر الحكومة، في حادثة عُرفت باسم "مذبحة 29 أيار" أو القصف الثاني لدمشق. يروي الفصل تفاصيل دقيقة عن حصار مردم بك ورجال الحكومة، وهروبهم عبر الأبواب الخلفية، ولجوءهم إلى منازل المواطنين. يُظهر الفصل حالة الذعر التي أصابت الرئيس القوتلي، الذي كان لا يزال مريضاً، وهو يصرخ في وجه الدبلوماسي الأمريكي قائلاً: "أين الجيش العظيم الذي هزم هتلر؟" رافضاً أي عرض بالحماية أو المغادرة، ومؤكداً تمسكه بجذوره في دمشق التي تمتد لمئة عام.

يبرز دور الوساطة الأمريكية والبريطانية، حيث يضغط ونستون تشرشل على ترومان لاتخاذ موقف حاسم. أخيراً، يتدخل الجيش البريطاني في 1 يونيو 1945، مدعوماً من واشنطن، ليفرض وقف إطلاق النار ويجبر القوات الفرنسية على الانسحاب. هنا، يصل السرد إلى ذروة التأييد الأمريكي لسوريا، حيث يقوم مندوب أمريكا في الأمم المتحدة، إدوين بولي، بدعم المطالب السورية بجلاء القوات الأجنبية. يصف الفصل احتفالات الاستقلال في 17 أبريل 1946 بتفصيل حماسي، حيث كان وادزورث يصفق بين الحضور.

ينتقل الفصل فجأة في جزئه الأخير ليُظهر الوجه الآخر لترومان. بعد الاستقلال، يتغير الموقف الأمريكي جذرياً. يستبدل وادزورث بدبلوماسيين أقل تعاطفاً، ويُظهر الفصل أن سوريا المستقلة أصبحت مطلوباً منها تلبية مصالح أمريكية حيوية (النفط وإنشاء إسرائيل). يُقرّ المؤلف بحدود معرفة ترومان وقلة اهتمامه بالعالم العربي، معتمداً في سياسته على مستشارين صهاينة. يختتم الفصل بإشارة واضحة إلى أن ترومان نفسه هو من سيوافق على أول عملية خارجية لوكالة المخابرات المركزية (CIA) ستُطيح بالرئيس القوتلي وتضعه في السجن في انقلاب 1949. يكشف الفصل إذن عن مفارقة تاريخية مؤلمة: القوة التي حررت سوريا من فرنسا هي التي ستساعد لاحقاً في إسقاط حكومتها المنتخبة.

الحجة الأكثر قابلية للنقاش في هذا الفصل هي فكرة أن تأييد أمريكا لسوريا كان مجرد أداة سياسية مؤقتة لطرد فرنسا من الشرق الأوسط، وليس ناتجاً عن تعاطف حقيقي مع السيادة السورية. يُظهر النص نفسه أن مسؤولين أمريكيين مثل وادزورث كانوا صادقين في تعاطفهم، لكن القرار النهائي في واشنطن كان يُحكم بمصالح استراتيجية أبعد، مما يطرح تساؤلاً حول دور الفرد (الدبلوماسي) مقابل دور الدولة (الإمبريالية) في تشكيل العلاقات الدولية.

6.81–95▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة محورية في العلاقات السورية الأمريكية، ويحاول الإجابة عن سؤال رئيسي: كيف ولماذا تورطت الولايات المتحدة في أول انقلاب عسكري في سوريا بعد الاستقلال، وما هي العواقب المترتبة على ذلك؟ يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الإدارة الأمريكية، تحت رئاسة هاري ترومان، دفعت باتجاه الإطاحة بالرئيس المنتخب شكري القوتلي بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: صعود النفوذ الشيوعي في سوريا، رفض القوتلي الموافقة على خط أنابيب التابلاين، ودعمه للحرب ضد إسرائيل عام 1948. يخلص الفصل إلى أن الولايات المتحدة لم تخطط للانقلاب بشكل مباشر، لكنها شجّعت ودعمت قائده العقيد حسني الزعيم، الذي وعد بحل هذه المشاكل الثلاث.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر الأسباب التي جعلت نظام الرئيس القوتلي غير مرغوب فيه من وجهة نظر واشنطن. يبدأ الفصل بوصف حالة سوريا بعد الاستقلال عام 1946، حيث كانت طبقة سياسية عجوز وغير قادرة على تلبية طموحات جيل شاب. يحلل المؤلف ضعف الحزب الوطني الذي يقوده القوتلي، وهزيمته في انتخابات 1947، والتي لم تمنعه من تعديل الدستور ليفوز بولاية رئاسية ثانية. يوضح الفصل أن الولايات المتحدة رأت في القوتلي حليفاً غير موثوق به لأنه رفض التحرك ضد الحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش، بل ورفض أيضاً منح حقوق مرور لخط أنابيب التابلاين الأمريكي، خوفاً من إغضاب بريطانيا والرأي العام السوري. الأهم من ذلك، كان دعم سوريا للفلسطينيين في حرب 1948 ورفض القوتلي التام لأي اعتراف بـ إسرائيل هو القشة التي قصمت ظهر العلاقات.

يعتمد المؤلف على عدة أدلة رئيسية، أبرزها شهادات مسؤولين أمريكيين وسوريين. يورد الفصل روايتين مختلفتين عن بداية الانقلاب: الأولى، من روبرت كيلي، نجل السفير جيمس كيلي، الذي يؤكد أن الزعيم هو من بادر بعرض فكرة الانقلاب على السفارة الأمريكية، وأن واشنطن شجعته فقط دون أن تقدم له دعماً مادياً. الثانية، من مايلز كوبلاند، ضابط وكالة المخابرات المركزية (CIA) في دمشق، الذي يروي في كتابه "لعبة الأمم" أن القنصلية الأمريكية شكلت "فرقة عمل سياسية" لإسقاط القوتلي، وأنهم هم من بحثوا عن رجل قوي يمكنه اتخاذ قرارات صعبة مثل السلام مع إسرائيل. يستخدم الفصل هذه الشهادات لإظهار الجدل حول مدى التورط الأمريكي، ويضيف إليها وثائق أمريكية تظهر لقاءات سرية بين الزعيم و المساعد العسكري ستيفان ميد، حيث أوضح الزعيم خطته على أربع مراحل، ووعد بحملة ضد الشيوعيين وتوقيع معاهدة سلام.

يستعرض الفصل بعد ذلك تفاصيل الانقلاب الذي وقع في 29 مارس 1949 دون إطلاق رصاصة واحدة، والاعتراف الأمريكي السريع به. ثم يقدم المؤلف "دليلاً" قاطعاً على أن الزعيم نفذ وعوده: فور وصوله إلى السلطة، بدأ محادثات سرية مع إسرائيل، ووقع اتفاقية هدنة في 20 يوليو 1949، ووافق على خط التابلاين، واعتقل خصومه السياسيين. يوضح الفصل أن الزعيم وعد بحل سلمي يشمل توطين 300 ألف لاجئ فلسطيني في شمال سوريا مقابل مساعدات أمريكية. هذه النقطة تحديداً تُظهر كيف كانت إسرائيل، برفضها تزويد سوريا بالأسلحة خوفاً من تقوية عدوها، عقبة في وجه تحالف أوسع بين واشنطن والزعيم.

يعترف المؤلف بحدود تحليله وترك أسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بانهيار حكم الزعيم السريع. يقرّ الفصل بأن الولايات المتحدة لم تكن على علم بانقلاب سامي الحناوي الذي أطاح بالزعيم في 14 أغسطس 1949 وأعدمه، مما يضعف نظرية المؤامرة التي تقول إن واشنطن تخلت عنه بعد أن أدى غرضه. يشير المؤلف إلى أن سبب الإطاحة بالزعيم لم يكن بسبب علاقاته مع أمريكا أو إسرائيل، بل بسبب خيانته للزعيم اللبناني أنطون سعادة، مما أفقد دعم ضباط الجيش. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول سبب عدم حماية وكالة المخابرات المركزية (CIA) للزعيم، ويقدم تفسيرين: الأول أن واشنطن لم تكن تعلم بالانقلاب ضده، والثاني أن الزعيم أصبح محرجاً دولياً بتصرفاته غير المتوقعة.

الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي فكرة أن التدخل الأمريكي في سوريا كان نتاجاً طبيعياً للتوترات الإقليمية، وليس مؤامرة مبيتة. يزعم المؤلف أن الولايات المتحدة كانت تبحث عن الاستقرار في المنطقة لضمان تدفق النفط ومنع النفوذ السوفيتي، وهو ما رأته في شخص ديكتاتوري مثل الزعيم أفضل منه في ديمقراطية فوضوية مثل القوتلي. يمكن نقد هذه النظرة بأنها تتجاهل المسؤولية الأخلاقية للدولة العظمى التي تشجع انقلاباً على حكومة منتخبة، وتبرر القمع باسم المصلحة الوطنية. الخاتمة، التي تتصور إمكانية تحقيق سلام مبكر لو بقي الزعيم حياً، تظل نظرية غير قابلة للإثبات، وتُظهر كيف أن قراءة التاريخ من زاوية واحدة قد تغفل تعقيدات الواقع السوري الذي أطاح بالزعيم في نهاية المطاف ليس بسبب سياساته الخارجية فقط، بل بسبب فشله في بناء شرعية محلية.

7.96–105▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة مضطربة من التاريخ السوري بين عامي 1949 و1951، وهي فترة شهدت انقلابات عسكرية متسارعة وصراعاً نفوذاً بين القوى العظمى، الولايات المتحدة وبريطانيا، عبر وكلائهما في المنطقة. الموضوع المحوري هو صعود العقيد أديب الشيشكلي إلى السلطة في سوريا، وكيف مثّل تحولاً في العلاقات السورية الأمريكية بعيداً عن التبعية المطلقة التي ميّزت سلفه حسني الزعيم، ليكون حاكماً قوياً قادراً على فهم قواعد اللعبة في الحرب الباردة دون أن يكون دمية في يد واشنطن.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من إرث الصراع بين العائلة الهاشمية في العراق والأردن والعائلة السعودية، حيث كانت سوريا ساحة لهذا التنافس. يشرح المؤلف كيف أن سامي الحناوي، الذي أطاح بالزعيم في أغسطس 1949، كان ميالاً للتحالف مع العراق الهاشمي، مما دفع إلى تشكيل حكومة مدنية برئاسة ناظم القدسي وبدعم من الرئيس هاشم الأتاسي، لتعزيز فكرة الوحدة السورية العراقية. لكن هذا المشروع لم يدم طويلاً، ففي ديسمبر 1949، نفذ أديب الشيشكلي انقلاباً هو الثالث في عام واحد، أطاح بالحناوي وأجهز على أحلام الوحدة مع بغداد.

يقدم الفصل أدلة على دوافع الشيشكلي وأهدافه، مستنداً إلى سيرته الذاتية كضابط من حماة يكنّ عداءً شخصياً للهاشميين، معتبراً إياهم ملوكاً "مستوردين" لا يصلحون لحكم سوريا. يوضح المؤلف أن الشيشكلي، رغم عدم وجود أدلة ملموسة على اتصالاته المسبقة مع المسؤولين الأمريكيين، كان يُنظر إليه في الشارع السوري كأداة أمريكية لإسقاط رجل بريطانيا (الحناوي). المهم هنا أن الفصل يقرّ بأن جميع الأرشيفات الأمريكية والبريطانية والسورية المتاحة تظهر أن الولايات المتحدة كانت سعيدة بصعود الشيشكلي، لكنه لم يكن عميلاً سهلاً مثل الزعيم.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل ردود الفعل الأمريكية على انقلاب الشيشكلي، في ظل انشغال الرئيس هاري ترومان بقضايا الحرب الباردة والحفاظ على النفط ومنع النفوذ السوفيتي. يروي الفصل قصة رمزية عن صورة الزعيم التي أرسلها لترومان، الذي علّق ساخراً: "من هذا الشخص السيء السمعة الذي يشبه موسوليني؟"، مما يشير إلى أن صنع القرار الأمريكي تجاه سوريا كان يُدار على الأرجح من قبل وكالة المخابرات المركزية والسفارة في دمشق، وليس من البيت الأبيض. يبرز هنا تحوّل في السياسة الأمريكية بعد ديسمبر 1949، حيث رأت واشنطن في الشيشكلي رجلاً يمكن التعامل معه لمواجهة الخطر الشيوعي المتصاعد.

يستعرض الفصل الأدلة على القلق الأمريكي من المد الشيوعي في سوريا، مستشهداً بخطاب نائب الرئيس معروف الدواليبي الذي فضّل أن تكون سوريا جمهورية سوفيتية على أن تكون "لقمة يهودية شهية"، وبدعوة نائب آخر للتحالف العسكري مع الاتحاد السوفيتي. كما يصف الفصل بالتفصيل ملاحقة السفارة الأمريكية لناشطتين شيوعيتين سوريتين هما فلق طرزي ومقبولة شلق، متّهماً إياهما بأنهما "أدوات مغرّرة بالدعاية السوفيتية" رغم نضالهما من أجل حقوق المرأة. هذا التوجس دفع واشنطن لإعلان سوريا مؤهلة للمساعدات الاقتصادية والعسكرية ضمن برنامج النقطة الرابعة، كوسيلة لجذب الشيشكلي إلى فلكها.

على الرغم من المساعدات، يكشف الفصل عن حدود العلاقة، ويُقرّ المؤلف بأن الشيشكلي لم يكن دمية سهلة كما أرادت واشنطن. يوضح أن انطباعات السفير الجديد كافينديش كانون خلصت إلى أن الشيشكلي كان قاسياً ورصيناً وموثوقاً، لكنه لم يكن أداة مثل الزعيم، وكان أكثر اهتماماً بمحاربة إسرائيل من الحد من الشيوعية. كما أن ارتباط ترومان بالصهاينة، ووصفه لإسرائيل بأنها "واحة حرية"، أثارا احتجاجات ضخمة في دمشق، وأظهرا استقلالية الشيشكلي الذي سمح بهذه الاحتجاجات. لذلك، رغم أن الشيشكلي أراد فهم العلاقة الأمريكية الصهيونية، إلا أنه رفض شروط المساعدات التي تمنعه من استخدام السلاح ضد إسرائيل، مما أدى إلى فشل المفاوضات.

في الختام، يحلل الفصل الخطوة الأخيرة للشيشكلي للاستيلاء على السلطة الكاملة في نوفمبر 1951، عندما رفض رئيس الوزراء معروف الدواليبي تعيين رجل الشيشكلي فوزي سلو وزيراً للدفاع. ردّ الشيشكلي باعتقال الحكومة وإجبار الرئيس الأتاسي على الاستقالة، ثم عيّن سلو رئيساً للدولة مع احتفاظه هو بالسيطرة من وراء الستار. يختتم الفصل بملاحظة جوهرية: الشيشكلي فهم أن قوة الولايات المتحدة كانت المدّ الذي لا يمكن مقاومته، فركب موجتها بدلاً من معاداتها، مما جعله الأذكى بين رؤساء سوريا منذ 1932، مؤكداً أن القوة الوحيدة التي تهم في النهاية كانت القوة العسكرية وليس الوعود الوهمية بالوحدة أو الديمقراطية.

8.106–119▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل من كتاب سامي مبارك عن سوريا والولايات المتحدة بمشهد سينمائي يكشف عن تيار خفي من العلاقة المعقدة بين البلدين. في عام 1951، عُرض فيلم "سيراكيوز" لهيومفري بوجارت في دمشق، وكان أول إنتاج هوليوودي يصور السوريين على الشاشة بطريقة وصفتها الصحافة المحلية بأنها متعالية ومهينة. تزامن ذلك مع وجود جمهور سوري متعطش للثقافة الأمريكية، خاصة بين النخبة الثرية التي تابع نجوم السينما مثل كلارك غيبل وغريغوري بيك، بل وقلدت بوجارت في مظهره. لكن الغضب من السياسة الأمريكية، خاصة دعمها لإسرائيل في عهد الرئيس هاري ترومان، جعل الفيلم يبدو كإهانة إضافية.

يصف الفصل الجهود الأمريكية المبكرة لتحسين الصورة من خلال زيارات رفيعة المستوى لسوريا، في مقدمتها زيارة هيلين كيلر في أبريل 1952. كانت كيلر، التي أصبحت أيقونة عالمية رغم إصابتها بالعمى والصمم، مبعوثة من وزارة الخارجية الأمريكية. استقبلها السوريون بحفاوة بالغة، ورأت فيها النساء السوريات نموذجاً يحتذى به في مجتمع يهيمن عليه الذكور. التقت كيلر بالرئيس أديب الشيشكلي وخطبت في منظمات نسائية، مما أكسب الولايات المتحدة وداً مؤقتاً. يخلص وزير التعليم الأسبق منير العجلاني إلى أن كيلر ذكّرت السوريين بأن "ثمة وجهاً آخر للولايات المتحدة، وجهاً إنسانياً".

ينتقل الفصل إلى مرحلة جديدة مع وصول أيزنهاور إلى البيت الأبيض في يناير 1953، وترافقه موجة من التفاؤل في دمشق. اعتبر السوريون أن الرئيس الجديد، بصفته قائداً عسكرياً محنكاً، قد يكون أكثر فهماً لشؤونهم من ترومان. تابعت الصحافة السورية السباق الرئاسي باهتمام غير مسبوق، وانحازت علناً لأيزنهاور. كذلك حظي وزير خارجيته جون فوستر دالاس، ونائب الرئيس ريتشارد نيكسون، باهتمام الصحافة السورية التي درست خلفياتهما بعناية. الأهم كان تعيين السفير جيمس إس. مود، وهو دبلوماسي خبير بالشرق الأوسط، والذي حذر واشنطن مبكراً من أن سوريا ستلجأ إلى الاتحاد السوفيتي إذا لم تحصل على مساعدات عسكرية أمريكية.

يمثل الفصل نقطة التحول بزيارة دالاس إلى دمشق في مايو 1953، وهي الأولى من نوعها لوزير خارجية أمريكي. التقى دالاس بالشيشكلي، الذي تحدث بلغة براغماتية: أقر باستحالة القضاء على إسرائيل، لكنه طلب سلاحاً أمريكياً "لمحاربة الشيوعية". طلب دالاس في المقابل التزاماً سورياً بعدم استخدام هذا السلاح ضد إسرائيل، وهو ما رفض الشيشكلي التعهد به علناً، حفاظاً على صورته القومية. مع ذلك، انتهى اللقاء بتصافح حار، ووصف دالاس الشيشكلي بأنه "زعيم حكيم يمكن التعامل معه".

يستمر الفصل في سرد محاولات الشيشكلي الملتوية: أعلن نفسه رئيساً في يوليو 1953 بنسبة 99% من الأصوات، وخفف قبضته على المعارضة بعفو عام، لكنه استمر في التفاوض مع أمريكا. في المقابل، ثارت الأوساط السياسية والدينية ضده، متهمة إياه بالعمالة. يعرض الفصل بالتفصيل تأثير حادثة "قبية" في أكتوبر 1953، حيث هاجمت القوات الإسرائيلية قرية أردنية وأوقعت 34 قتيلاً، مما دفع دالاس إلى تعليق المساعدات الاقتصادية لإسرائيل، ليعود ويستأنفها بعد أسبوعين تحت الضغط الصهيوني. تسبب هذا التذبذب الأمريكي في إحباط الشيشكلي وإضعاف ثقته بواشنطن.

يصل الفصل إلى ذروته الدرامية حين يصف سقوط الشيشكلي في فبراير 1954. بعد أن شعر بأن أمريكا ستتركه خارج تحالفاتها الإقليمية الناشئة (مثل حلف بغداد)، لجأ الشيشكلي إلى الاتحاد السوفيتي الذي استخدم الفيتو في مجلس الأمن لحمايته. كان هذا خطأً قاتلاً: فقد أظهر لواشنطن أنه غير موثوق به أيديولوجياً. انهار نظام الشيشكلي بعد تمرد عسكري وسياسي واسع، مما اضطره للاستقالة والنفي، بعد أن قتل نحو 600 شخص في محاولة قمع التمرد.

يختتم الفصل بتأمل ختامي خلاصته أن تجربة الشيشكلي مع أمريكا تركت إرثاً سلبياً عميقاً. فالسؤال الذي طرحه السوريون لأنفسهم كان: ما فائدة التقارب مع واشنطن إذا كانت الأخيرة عاجزة عن دعم حلفائها؟ أدى ذلك إلى نفور شعبي وسياسي من أي توجه أمريكي، وأصبح التصريح بموالاة أمريكا بمثابة انتحار سياسي في سوريا. يعكس هذا الفصل معضلة أساسية في العلاقة بين البلدين: رغبة أمريكية في كسب سوريا إلى جانبها في الحرب الباردة، مقابل رغبة سورية في الحصول على السلاح والدعم دون تقديم تنازلات سياسية ثمنها الاستقرار الداخلي. وكل من الطرفين خرج من هذه المواجهة بإحباط وانعدام ثقة، جعلا التقارب التالي شبه مستحيل.

9.120–130▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة حرجة في العلاقات السورية الأمريكية، تمتد من عودة الرئيس هاشم الأتاسي إلى السلطة في مارس 1954 وحتى استقالة رئيس وزرائه فارس الخوري في فبراير 1955. الموضوع المحوري هو التحول الدراماتيكي في السياسة السورية من حالة الانفتاح النسبي على الولايات المتحدة في عهد أديب الشيشكلي إلى موقف محايد ومتوجس، وصولاً إلى قطيعة شبه كاملة مع أي توجّه مؤيد لأمريكا. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فشل المشروع الأمريكي في سوريا لم يكن ناتجاً عن ضعف النفوذ الأمريكي فحسب، بل كان نتاجاً لصراع معقد بين قوى داخلية وإقليمية، تصدرتها بوادر المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، والذي جعل من أي تحالف مع الغرب "جريمة وطنية" في نظر الجمهور السوري.

يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، ويبدأ برفض الرئيس الأتاسي (وهو سياسي وطني مخضرم ومتشكك في الغرب) لجميع الاتفاقيات السابقة مع أمريكا. يصف المؤلف هذا الموقف بأنه "إعادة لف عقارب الساعة". ثم ينتقل إلى رسم ملامح البيئة الإقليمية الجديدة: وفاة الملك عبد العزيز آل سعود في 1954، والذي كان وسيطاً تقليدياً بين سوريا وأمريكا، وخاصة بروز حركة الضباط الأحرار في مصر تحت زعامة ناصر، والذي كان يمثل جيلاً شاباً مخالفاً تماماً لسياسة الأتاسي المحافظة.

يستخدم المؤلف حججاً وأمثلة عديدة لشرح المنطق الذي قاد سوريا بعيداً عن أمريكا. فعلى الصعيد الداخلي، يوضح كيف أن تحالف الأتاسي الطبيعي مع العراق الهاشمي، والذي كان يهدف لمواجهة النفوذ الشيوعي والناصري، أدى إلى نتائج عكسية. فقد استغلت الأحزاب اليسارية، كـالحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش وحزب البعث، هذا التقارب مع بغداد لتصويره على أنه خيانة للقومية العربية، مما أضعف الحكومة وأدى إلى سقوط صبري العسلي في يونيو 1954. كما يضرب المؤلف مثلاً بارزاً على محاولات أمريكا اليائسة لكسب القلوب من خلال سينيراما في معرض دمشق الدولي في سبتمبر 1954، وهو جهاز سينمائي ضخم أحدث ضجة شعبية هائلة، لكنه فشل تماماً في التأثير على نتائج الانتخابات التي جرت بعد أسابيع فقط.

يوثق الفصل كيف أن نتائج انتخابات 24 سبتمبر 1954 كانت بمثابة صدمة لواشنطن. فبينما خسر حزب الشعب الموالي للغرب نصف مقاعده، فاز البعث بـ 17 مقعداً، والأهم من ذلك فوز خالد بكداش ليصبح أول نائب شيوعي في الشرق الأوسط. يعلق المؤلف على أن هذه الانتخابات كانت بمثابة تصادم بين سوريا والولايات المتحدة استمر حتى 1961. كرد فعل، شكل الرئيس الأتاسي حكومة برئاسة صديقه القديم فارس الخوري، وهو سياسي عتيق مثله، في محاولة أخيرة لاستعادة السيطرة المدنية ومواجهة تيارات العسكر. لكن الفصل يبين أن الخوري كان يمثل حقبة سياسية تحتضر، كما يتضح من تصريحه المثير للجدل في 9 ديسمبر 1954 لمجلة المصور المصرية، حيث دعا لقبول الأسلحة الأمريكية لمهاجمة إسرائيل، وهو تصريح أغرق حكومته في حرج سياسي داخلي وخارجي.

يتناول الفصل بالتفصيل أزمة حلف بغداد المحورية، الذي رعته الولايات المتحدة وبريطانيا لمواجهة النفوذ السوفييتي. يبين المؤلف كيف أن ناصر شن حملة شرسة ضد أي دولة تنضم للحلف، معتبراً إياه أداة امبريالية. وجد الخوري نفسه محاصراً بين رغبته في الانضمام للحلف لتحصين سوريا، وبين الضغط الشعبي الهائل بقيادة البعث والشيوعيين الذين نظموا مظاهرات ضده. حاول الخوري المناورة في مؤتمر رؤساء الوزراء العرب في القاهرة (22-29 يناير 1955)، فرفض إصدار إدانة قاطعة للعراق، مما أثار غضب ناصر ودفعه لسحب سفيره من دمشق في 13 نوفمبر، وتصعيد الحملة الإعلامية ضده. انتهت حكومة الخوري في فبراير 1955 بعد أن رفض البرلمان ميزانيته، لتكون شهادة على أن أي سياسي يجرؤ على مجاراة أمريكا أو تحدي ناصر سيواجه مصيراً سياسياً محتوماً، كما يخلص المؤلف في خاتمة الفصل.

يعترف المؤلف بوضوح بحدود التحليل، مشيراً إلى أن اللاعبين الإقليميين الجدد (ناصر والملك سعود) كانوا معقدين ولم يكونوا مجرد أدوات بيد أحد. فمعارضة سعود لحلف بغداد كانت نابعة من تنافسه مع الهاشميين، وليس بالضرورة من رفضه المطلق للغرب. كما يقر المؤلف بشكل ضمني بالغموض الذي يكتنف نوايا بعض الفاعلين، مثل دور السعودية في دفع 300 ألف ليرة سورية لدعم الشيشكلي، أو مدى فعالية اتهامات الناصرية للخوري بالعمالة. هذا يترك أسئلة مفتوحة حول مدى صدق النوايا الإقليمية وتأثيرها الحقيقي على صنع القرار في دمشق.

بعد نهاية الفصل، يمكن القول إن الحجة القابلة للنقاش بجلاء هي أن الفصل يُحمّل التحولات الإقليمية (صعود ناصر، تنافس السعودية والعراق) والصراع الطبقي بين الأجيال (الأتاسي ورفاقه مقابل الضباط الشباب)، مسؤولية أكبر مما يحمّله لسياسات الولايات المتحدة نفسها عن فشل نفوذها في سوريا. فرغم ذكاء استراتيجية السينيراما، يبدو أن أمريكا كانت عاجزة عن مجاراة القوة الهائلة للخطاب القومي الذي قدمه ناصر. يمكن القول إن المؤلف يصور فشل المشروع الأمريكي على أنه قدر تكويني أكثر منه نتيجة أخطاء دبلوماسية أمريكية محددة، وهذا الطرح يظل قابلاً للنقاش حول ما إذا كان التقليل من شأن السياسات الأمريكية (كدفع تركيا للضغط على سوريا للانضمام لحلف بغداد) هو عين الصواب.

10.131–147▼ ملخص

يتناول هذا الفصل من كتاب "سوريا والولايات المتحدة" للكاتب سامي مبيّض الفترة الحرجة من 1955 حتى 1956، حيث تشهد العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة انهياراً متسارعاً. يطرح المؤلف فرضية أساسية مفادها أن السياسة السورية لم تكن نتاج أيديولوجية ثابتة، بل كانت رد فعل متقلباً على الضغوط الداخلية والخارجية، مع تركيز خاص على غياب الدعم الأميركي الفعّال للمعتدلين وبروز قوى ناصرية وشيوعية وقومية. الإجابة التي يقدمها الفصل تكمن في تفصيل كيف تحولت سوريا من حليف محتمل للغرب إلى دولة تتجه شرقاً، بفعل تداخل عوامل داخلية وإقليمية.

يبدأ الفصل بتعاقب صبري العسلي على رئاسة الوزراء في 13 فبراير 1955، خلفاً لـ فارس الخوري. يُوصف العسلي بأنه سياسي "حرباء" يفتقر إلى البرنامج أو الأيديولوجيا، وفقاً لوصف الكاتب البريطاني باتريك سيل، وهو مستعد لدعم أي قوة إقليمية أو دولية تبدو الأقوى. في البداية، اعتبرته السفارة الأميركية في دمشق موالياً للغرب ومحتاجاً لتأييدها، لكن سرعان ما انقلب الوضع. قام العسلي بتشكيل حكومة في 21 فبراير، وهو نفس يوم توقيع حلف بغداد، وأعلن "الحياد التام" ورفض أي حلف غربي. أرسل وزير خارجيته خالد العظم لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر والمملكة العربية السعودية في مارس 1955، في خطوة مضادة مباشرة للحلف.

يسرد الفصل بعد ذلك محطتين حاسمتين عززتا هذا التحول. الأولى كانت غارة غزة في 28 فبراير 1955، التي قادها ضابط إسرائيلي هو أرييل شارون، وأسفرت عن مقتل عشرة مصريين. استغلت القوى السورية الغارة لتبرير الابتعاد عن الغرب، معتبرة أن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيسي لإسرائيل. الثانية كانت قصة حسني البرازي، رئيس الوزراء السابق والموالي بشدة للولايات المتحدة، والذي أصدر جريدة "النص" المناهضة للشيوعية. تم إغلاق صحيفته، وصدر بحقه حكم بالإعدام بتهمة التخابر، مما اضطره للفرار إلى لبنان. يركز الكاتب على هذه القصة كدليل على صعوبة واستحالة الظهور بمظهر مؤيد لأميركا في سوريا آنذاك.

يتناول الفصل أيضاً حادثة "الإنذار الكاذب" بغزو عراقي لسوريا، حيث ادعى مسؤولون عراقيون أن الرئيس هاشم الأتاسي طلب تدخلاً عسكرياً عراقياً لمنع توقيع الاتفاق مع مصر. أرسل وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس برقية شديدة اللهجة إلى السفير في دمشق، محذراً من أن أي تدخل عراقي سيرفع التوتر مع إسرائيل وقد لا تعترف واشنطن بالحكومة الناتجة عنه. لكن التحقيقات أظهرت أن القصة كانت مبالغاً فيها من قبل العراقيين لاختبار رد فعل أميركا، مما يظهر فتور العلاقة بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.

يشكل "شهر العسل السوري-السوفيتي" القسم الأكبر من التحليل. يوضح الكاتب كيف أن سوريا، من 1955 حتى 1958، سلكت طريق التحالف مع الاتحاد السوفيتي. تفصّل الفقرات شراء الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا بقيمة 24 مليون دولار، وإرسال 18 طياراً سورياً بينهم حافظ الأسد للتدرب في مصر على طائرات ميغ سوفيتية. كما زادت الصادرات السورية إلى المعسكر الشرقي من 700 ألف دولار (0.5% من الإجمالي) إلى أكثر من 11 مليون دولار (8% من الإجمالي) بين 1954 و1956. حتى مشاريع البنية التحتية، كبناء مصنع إسمنت ومصفاة نفط في حمص، ذهبت لشركات تشيكوسلوفاكية رغم المنافسة الأميركية. يشير الكاتب إلى فشل محاولات تابلاين (شركة خط أنابيب النفط) وضغوط المسؤولين الأميركيين كـ هوارد بيج لتحسين عروضهم، لكن دون جدوى.

في صيف 1955، كان خالد العظم في نيويورك لحضور الذكرى العاشرة للأمم المتحدة، في أول زيارة لمسؤول سوري كبير منذ استقلال البلاد. يصف الكاتب تناقض العظم، فهو أرستقراطي معجب بالحياة الأميركية، لكنه أصبح أداة للتحول نحو الشرق. حاول شراء أسلحة من فرنسا لكنه فشل بضغط أميركي، مما جعله يعلن أن الغرب لم يترك لسوريا خياراً غيره التوجه إلى الكرملين. في نيويورك، استقبله الرئيس دوايت أيزنهاور باستقبال فاتر، ورفض دالاس لقاءه. جاء خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة مليئاً بالانتقاد لأميركا، وألقاه بالإنكليزية ليصل مباشرة للمسؤولين. يختم العظم زيارته بانطباع سلبي، معتبراً أن الأميركيين يعانون من "عقدة تفوق" ويتعاملون مع الدول الصغيرة باستعلاء.

الحادثة الأكثر دراماتيكية في الفصل هي اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22 أبريل 1955، نائب رئيس الأركان السوري. يوضح الكاتب أن التحقيقات أوضحت أن القاتل ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي (SSNP)، وأن الدوافع كانت شخصية بين ضباط متنافسين. ولكن، تم تحويل القضية إلى صراع سياسي-دولي كبير. تم اتهام الحزب بالتخابر مع الولايات المتحدة عبر أستاذ في جامعة جورج تاون، وتم حظر الحزب وإصدار أحكام بالسجن. يستنتج الكاتب أن الجميع - من ضباط الجيش والناصريين إلى البعثيين والشيوعيين والإخوان المسلمين - استغلوا القضية لتسوية حسابات مع أميركا، بينما كان بإمكانهم اغتيال شخصية أكثر أهمية كالشيوعي خالد بكداش لو أرادوا ذلك حقاً. هذا يظهر تضخم دور سوريا الوهمي في نظر اللاعبين الدوليين.

في خاتمة الفصل، يعود الكاتب إلى فرضيته ملقياً باللوم الأكبر على الرئيس هاشم الأتاسي ورئيس الوزراء صبري العسلي. يرى أن الأتاسي كان كبيراً في السن ولم يعد لديه القوة لمقاومة التيار الناصري، وأن العسلي افتقر إلى برنامج سياسي واضح وعوّض افتقاره للشعبية بتبني خطاب جذاب للجيش والريف. في النهاية، يخلص إلى أن الولايات المتحدة، رغم كونها قوة عظمى، كانت تعرف القليل جداً عن الشرق الأوسط، وفشلت في تقديم إجابة مقنعة للتحدي الإسرائيلي في المنطقة، مما جعل خطابها حول الخطر الشيوعي غير ذي صدى لدى العرب الذين رأوا في إسرائيل الخطر الأكثر إلحاحاً. هذا التفسير، الذي يضع جزءاً من المسؤولية على القيادة السورية نفسها، يظل قابلًا للنقاش، إذ يمكن القول إنه يقلل من شأن الضغوط الإقليمية والدور المصري الطامح للهيمنة.

11.148–164▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التحول الحاد في السياسة السورية خلال الفترة من 1955 إلى 1957، والذي أدى إلى ابتعاد سوريا عن نفوذ الولايات المتحدة واقترابها السريع من مصر بقيادة جمال عبد الناصر ومن الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى محاولة انقلاب فاشلة كادت أن تغير مسار البلاد. الجواب الرئيسي الذي يقدمه المؤلف هو أن التردد الأميركي وعدم فعاليته في مواجهة المد القومي والشيوعي، بالإضافة إلى الدعم السوفيتي المتزايد، دفع سوريا تدريجياً بعيداً عن الغرب، رغم أن القيادة السورية لم تكن بالضرورة معادية لأميركا في البداية.

يسير الفصل زمنياً بتفصيل دقيق، بدءاً من الانتخابات الرئاسية السورية في سبتمبر 1955. يوضح المؤلف كيف فاز شكري القوتلي (البالغ من العمر 63 عاماً) بالرئاسة، معرّفاً إياه كشخصية قومية محافظة ليست معادية للغرب بالضرورة، لكنها لم تكن حليفة مطلقة أيضاً. على الرغم من أن الولايات المتحدة فضّلت القوتلي على منافسه خالد العظم، إلا أن القوتلي سرعان ما أظهر استقلاليته. فبعد أسبوع واحد فقط من توليه المنصب، تقدّمت سوريا بطلب رسمي لشراء أسلحة من أمريكا، لكن في الوقت نفسه، استقالت حكومة صبري العسلي بعد انسحاب حزب البعث منها. محاولات القوتلي تشكيل حكومات مستقلة (مثل حكومة سعيد الغزي) باءت بالفشل بسبب الضغوط الداخلية والناصرية، مما اضطره في النهاية لإعادة العسلي لرئاسة الوزراء في يونيو 1956، لكن هذه المرة بشروط البعثيين التي تضمنت التوجه نحو "الوحدة النظرية" مع مصر.

يتناول الفصل بعد ذلك أزمة قناة السويس في 26 يوليو 1956 كحدث مفصلي. يشرح كيف أدّى تأميم ناصر للقناة، رداً على رفض البنك الدولي تمويل سد أسوان، إلى عدوان ثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ورغم أن الحرب كانت هزيمة عسكرية لمصر، إلا أن الفصل يوضح كيف حوّلها ناصر إلى نصر سياسي هائل بفضل الضغط الأميركي لوقف الحرب (الذي جاء متزامناً مع الغزو السوفيتي للمجر). يصف الفصل رد الفعل السوري الهائل: مظاهرات ضخمة، تطوع الآلاف للقتال إلى جانب مصر، وتخريب خطوط الأنابيب البريطانية. والأكثر دلالة هو الزيارة التاريخية التي قام بها شكري القوتلي إلى موسكو في 30 أكتوبر 1956، وهي الأولى لرئيس سوري، حيث ناشد السوفييت إنقاذ مصر، مما أثار ذعراً أميركياً كبيراً ورسم صورة سوريا كدولة تقترب من أن تصبح "تابعة سوفيتية" في الشرق الأوسط، حسب وصف جون فوستر دالاس.

في الجزء الأكبر من الفصل، ينتقل المؤلف لسرد تفاصيل المؤامرة العراقية الأميركية لإسقاط حكومة القوتلي، والمعروفة بعملية "ستراغل" (الخنق). يوضح أن العراق بقيادة نوري السعيد والملك فيصل، بدعم ضمني من أمريكا وبريطانيا، كان المحرك الأساسي. وقد حاول العراقيون تجنيد الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي لقيادة الانقلاب، لكنه انسحب فجأة بعد استلامه مبلغاً من المال. ثم تحولوا إلى شخصيات سورية معروفة مثل مichael إيليان (رجل أعمال ثري)، وعدنان الأتاسي، ومنير العجلاني، وحسن الأطرش. كان خطتهم تتضمن هجمات وتخريبات في جبل الدروز وحماة، واغتيال شخصيات بارزة مثل أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج. الفصل يصف كيف تم تأجيل الانقلاب لأنه صادف العدوان الثلاثي على مصر في 28 أكتوبر 1956، مما أتاح للمخابرات السورية الوقت لكشفه. وقد أدى ذلك إلى محاكمة كبرى في يناير 1957، وصدرت أحكام بالإعدام على المتآمرين مثل العجلاني والأتاسي والشيشكلي، قبل أن تتدخل السعودية لتخفيف الأحكام إلى السجن. يصف المؤلف المأساة التي أصابت هؤلاء السياسيين، مشيراً إلى أن العملية قضت فعلياً على المعتدلين الموالين للغرب في سوريا.

في نهاية الفصل، يعترف المؤلف بحدود ما يمكن معرفته، مشيراً إلى أن طبيعة المساهمة الأميركية والبريطانية في عملية "ستراغل" لا تزال غير معروفة، وأن بعض الشخصيات المتورطة نفت أي تنسيق مباشر مع الأميركيين. لكنه يقدم اقتباساً جديراً بالاهتمام من منير العجلاني نفسه بعد عقود، حيث اعترف بأنهم كانوا يخططون لانقلاب، لكنه برر فعلته بأنهم كانوا يحاولون منع سوريا من أن تصبح تابعة للاتحاد السوفيتي، وليس جلب الأميركيين. وأقر العجلاني بأن ما أنقذ سوريا من هذا المصير لم يكن فشل انقلابهم، بل جمال عبد الناصر نفسه، الذي قمع الحزب الشيوعي السوري بعد الوحدة في 1958.

الحجة القابلة للنقاش في الفصل هي محاولة المؤلف تقديم صورة أكثر تعقيداً وتفهماً لشخصيات مثل سعيد الغزي وشكري القوتلي، متهماً بعض المؤرخين بظلمهم وتقديمهم كأدوات للسوفييت أو المصريين بينما كانت سياستهم أكثر تردداً واستقلالية مما يُعتقد. لكن السرد العام يظهر بوضوح أن الولايات المتحدة، بسياستها المتأرجحة بين التهديد والتراجع، وفشلها في دعم حلفائها المعتدلين، تركت الساحة مفتوحة بالكامل للمد الناصري والسوفيتي في سوريا.

12.165–179▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب سامي مبيّض عن العلاقات السورية-الأمريكية، بعنوان "قضية ستون"، يركز على أسوأ أزمة في تلك العلاقات خلال صيف عام 1957، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: كيف وصلت سوريا والولايات المتحدة إلى حافة الهاوية العسكرية، وما الذي منع اندلاع حرب؟ يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الأزمة كانت نتيجة لتزايد النفوذ السوفييتي في سوريا وتصلب الموقف الأمريكي في ظل مبدأ أيزنهاور، لكنها انتهت بوساطة سعودية مفاجئة حالت دون وقوع كارثة.

يبدأ الفصل بوضع القارئ في السياق الأوسع. في 5 يناير 1957، أعلن الرئيس أيزنهاور مبدأه الذي يسمح لأي دولة تتعرض لتهديد شيوعي بطلب مساعدة أمريكية، ورصد لها 200 مليون دولار. اعتبرت سوريا هذا المبدأ تهديداً، ووصفه وزير خارجيتها خالد العظم بأنه "أكبر تهديد للشرق الأوسط". في المقابل، يظهر انقسام في الاستراتيجية الأمريكية بين محاولة كسب سوريا عبر مصر أو كبح جماح مصر عبر سوريا. كما يشير الفصل إلى تقارير مقلقة وردت من سفارة واشنطن في دمشق، مثل زيارة 17 وزيراً سوفييتياً لسوريا في 1 سبتمبر 1956، وافتتاح وكالة "تاس" مكتباً لها في دمشق في 1 أكتوبر من العام نفسه.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تفاصيل التحالفات العربية والإقليمية. جرت محاولات أمريكية لتوحيد العرب ضد التمدد الشيوعي عبر الملك سعود بن عبد العزيز، الذي قام بجولة لزيارة ملوك الأردن الحسين (28 أبريل 1957) والعراق فيصل الثاني (11 مايو). أثارت هذه التحركات قلق دمشق، واتهمته بالإمبريالية. وصل التوتر إلى حد سحب السعودية لسفيرها وتجميد الأصول السورية، لكن الرئيس شكري القوتلي تدخل شخصياً لتهدئة الموقف. وكان لهذا الموقف الحكيم أثر كبير لاحقاً، عندما لعب الملك سعود دور المنقذ. ينتقل الفصل بعدها إلى الشرارة التي فجرت الأزمة: في 12 أغسطس 1957، أعلنت سوريا اكتشاف مؤامرة لقلب النظام، خطط لها ثلاثة مسؤولين في السفارة الأمريكية هم العقيد روبرت مالوي والملحق العسكري، ونائب القنصل فرانسيس جيتون، والسكرتير الثاني هاورد ستون الذي يصفه الفصل بأنه أسطورة في وكالة المخابرات المركزية. أمهلتهم السلطات السورية 24 ساعة للمغادرة، واتهمتهم بالعمل على إعادة الرئيس السابق أديب الشيشكلي. في مقابل ذلك، ردت واشنطن بطرد السفير السوري فريد زين الدين. من هنا تفاقمت الأزمة، خاصة بعد أن عين القوتلي عفيف البزرة، الموصوف بـ"الشيوعي البارز"، رئيساً لأركان الجيش السوري في نفس الأيام. على الجانب الآخر، أرسل أيزنهاور المبعوث لوي هندرسون، المشهور بدوره في إسقاط حكومة مصدق في إيران، لجولة في المنطقة لبناء تحالف لـ"عزل" سوريا. التقى هندرسون بقادة تركيا والعراق والأردن ولبنان، متجاوزاً دمشق والقاهرة عمداً. وصل التوتر ذروته مع حشد تركيا لـ50 ألف جندي على الحدود السورية، وتحرك الأسطول السادس الأمريكي نحو البحر المتوسط.

في خضم هذه الأجواء المشحونة، تتجلى الحجج والأدلة. يوضح الفصل أن كلاً من الطرفين كان يرى الموقف من منظارين مختلفين تماماً. أمريكا رأت في سوريا "دولة منبوذة" على وشك التحول إلى قاعدة سوفييتية، بينما رأت سوريا نفسها ضحية مؤامرات أمريكية متكررة. في هذه المرحلة الحرجة، يظهر دور الملك سعود كوسيط. بعد أن رفض رفضاً قاطعاً الضغط على القوتلي وألقى باللوم على أمريكا في الأزمة، قام بزيارة مفاجئة إلى دمشق، كما يروي الفصل. وفي استقبال شعبي ورسمي حافل، أعلن الملك سعود رفضه لأي عدوان على سوريا، مؤكداً أن السعودية "لن تقف مكتوفة الأيدي". حذا حذوه حكام الكويت والعراق والأردن لاحقاً، مما شكل جداراً عربياً منيعاً أمام أي تحرك أمريكي. يذكر الفصل أن الملك سعود أرسل برسالة إلى أيزنهاور يطمئنه فيها أن سوريا لن تتحول إلى تابع سوفييتي، وأن الأزمة قد ضُخمت من الطرفين.

لم يخلُ الفصل من تحفظات وأسئلة مفتوحة. يقر المؤلف بأن كلاً من الحكومتين السورية والأمريكية كان بحاجة إلى تضخيم "قضية ستون" لأسباب مختلفة داخلياً وخارجياً. كما يترك السؤال مفتوحاً حول مدى جدية النوايا العسكرية الأمريكية، مشيراً إلى أن واشنطن كانت تبحث عن خطة بديلة بعد أن خذلها حلفاؤها العرب. ويورد الفصل 16 نقطة صاغها مسؤولون أمريكيون كبار، تضمنت استعداداً لاستخدام القوة تحت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن بشرط أن يظهر الهجوم وكأنه دفاع عن النفس من قبل الدول المجاورة وليس عدواناً إسرائيلياً. وفي النهاية، يذكر أن الأزمة انتهت فجأة بعد تغريدة وزير الخارجية الأمريكي دالاس الذي بدا وكأنه يتراجع عن تطبيق مبدأ أيزنهاور على سوريا، معتبراً وضعها "غير واضح بشكل كامل".

في الختام، يثير الفصل جدلاً قابلاً للنقاش. فمن ناحية، يبدو أن المؤلف يوحي بأن التهديد الشيوعي السوفييتي في سوريا كان حقيقياً بما يكفي لدفع أمريكا لحافة الحرب، وإن كان مبالغاً فيه. لكن من ناحية أخرى، يظهر الفصل أن سوريا لم تكن مجرد دمية في يد موسكو، بل كانت فاعلاً مستقلاً استطاع توظيف الأزمة لتحقيق أهدافه الوطنية، وأن قدرتها على استمالة الملك سعود وحكام عرب آخرين أظهرت أن نفوذها الإقليمي كان أكبر مما قدرته واشنطن. يمكن القول إن الفصل يقدم، بطريقة غير مباشرة، تأييداً لفكرة أن "الدرع العربي" الذي شكله الملك سعود كان العامل الحاسم في إفشال المخططات العسكرية الأمريكية، أكثر من أي اعتبار آخر.

13.180–186▼ ملخص

يتركّز هذا الفصل على الكيفية التي مهّدت بها أزمة سوريا مع الولايات المتحدة في عام 1957 الطريق لتشكيل الجمهورية العربية المتحدة في 1958، والتي يراها الكاتب نتيجةً غير مباشرة لتلك الأزمة. الإجابة التي يقدّمها الفصل هي أن فشل سياسة العزل والمواجهة التي انتهجها وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس، والمبادرة السعودية التي حلت الأزمة، ثم التحرك المصري المفاجئ، كلها عوامل ساهمت في إنهاء استقلال سوريا السياسي لصالح الوحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر.

يسير الفصل خطوة بخطوة من حالة التهدئة إلى الاندماج القسري. يبدأ الفصل بوصف حالة الهدوء التي سادت دمشق بعد المبادرة السعودية، حيث توقف الحديث عن المؤامرات وعاد الساسة السوريون كـصلاح الدين الطرازي وإحسان الجابري للتعبير عن ارتياحهم لتحسن العلاقات مع واشنطن. يشير الفصل إلى أن الملك سعود بن عبد العزيز هو من لعب دور صانع السلام، متجاوزاً بذلك عبد الناصر وحاصلاً على ثقة صناع القرار في واشنطن. يذكر الفصل تصريح القائم بالأعمال الأمريكي روبرت سترونج الذي اعترف بفشل سياسة العزل، قائلاً إن أفضل ما يمكن الأمل به هو "حياد إيجابي" لسوريا، وإنه لا يمكن لأحد إعادتها إلى المعسكر الغربي.

يشرح الفصل بعد ذلك حالة الاستياء التي انتابت عبد الناصر جراء إقصائه عن حل الأزمة السورية، واصفاً إياه بأنه الشخص الوحيد غير الراضي عن الوضع الجديد. يوضح أنه رأى في نجاح الملك سعود تهديداً لطموحاته في زعامة العالم العربي. يصف الكاتب كيف قام ناصر بما يشبه "الانقلاب公共关系" (العلاقات العامة) عبر إنزال 2000 جندي مصري في ميناء اللاذقية بحجة "الدفاع عن سوريا"، رغم أن الأزمة مع تركيا والولايات المتحدة كانت قد انتهت بالفعل. هذا التحرك، بحسب الكاتب، جعل شكري القوتلي والملك سعود يبدوان ضعيفين أمام الشعب السوري المحبّ لناصر، وأعطى دفعة قوية لليساريين الناصريين مثل أكرم الحوراني.

يصل الفصل إلى ذروته بوصف تفاصيل تشكيل الوحدة. في يناير 1958، يقود رئيس الأركان عاطف البزرة مجموعة من الضباط إلى القاهرة لمطالبة عبد الناصر بالوحدة الفورية تحت تهديد السجن في "سجن المزة". يوضح الفصل انقسام الموقف السوري: بين شكري القوتلي الذي رأى في الوحدة حلم عمره وقرر دعم الضباط، وبين وزير الدفاع خالد العظم الذي عارضها بشدة خوفاً من تدمير النظام الاقتصادي الحر والتعددية الحزبية في سوريا. يحسم القوتلي الموقف بإرسال وزير خارجيته صلاح البيطار لدعم المفاوضات، ثم يسافر بنفسه إلى القاهرة في فبراير لتوقيع اتفاق الوحدة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى خاتمة القصة ونتائجها. يصف كيف أصبحت السفارة الأمريكية في دمشق مجرد قنصلية تتبع للسفارة في القاهرة. يروي ندم القوتلي على تسليم سوريا لـناصر، خاصة بعد أن ألغى الأخير عيد الاستقلال السوري في 17 أبريل وأعلن أن العيد القومي الوحيد هو عيد الثورة المصرية (23 يوليو). يذكر الفصل أن الوحدة انهارت بعد ثلاث سنوات في 28 سبتمبر 1961 على يد ضباط سوريين، وأن القوتلي توفي في يونيو 1967 بعد حرب الأيام الستة.

في ختام الفصل، يعقد الكاتب مقارنة مثيرة للجدل، معترفاً بأنها تستند إلى وجهات نظر متباينة. يطرح السؤال حول ما إذا كانت الجمهورية العربية المتحدة تمثل حلم العروبة أم نجاحاً للسياسة الأمريكية. يقول إن ما فشلت فيه سياسة أيزنهاور ودالاس بين 1954 و1957 من محاربة الشيوعية، نجح فيه عبد الناصر في غضون أيام من مارس 1958، حيث قام بتصفية الحزب الشيوعي السوري ونفي زعيمه خالد بكداش. ويختم الفصل بالقول إنه على الرغم من أن ناصر لا يمكن اتهامه بأنه كان عميلاً لأمريكا، إلا أنه من الإنصاف القول إن الوحدة مع مصر خدمت المصالح الباردة للولايات المتحدة بإبعاد سوريا عن سيطرة الشيوعيين.