
_OceanofPDF.com_Syria_and_the_Assad_Family_-_Charles_River
يقدم كتاب "سوريا وعائلة الأسد" الذي أعده تشارلز ريفر إيديترز سرداً تاريخياً متكاملاً يفسر كيف نشأت أسرة الأقلية العلوية لتحكم سوريا لعقود، وكيف قاد ذلك إلى الحرب الأهلية المدمرة. يدافع الكتاب ضمنياً عن فكرة أن فهم الصراع السوري الحالي يتطلب الغوص في جذور هوية الأسرة الحاكمة الطائفية، وصعود حزب البعث، وسياسات حافظ الأسد القمعية، التي ورثها ابنه بشار وأدت إلى الكارثة الحالية. يسأل الكتاب سؤالين محوريين: هل سيبقى بشار الأسد على قيد الحياة سياسياً وجسدياً؟ وما مستقبل سوريا بعد الحرب؟ ويؤكد أن الإجابة تكمن في فهم الطائفة العلوية، والصراع الإقليمي بين السنة والشيعة، والقومية العربية، وتاريخ عائلة الأسد.
يبدأ الكتاب بتأصيل الخلفية الطائفية لبشار الأسد، وهي المفتاح لفهم الصراع. العلويون، الذين يشكلون نحو 12-13% من سكان سوريا، هم أقلية دينية تعود أصولها الغامضة إلى قبيلة كنعانية قديمة. ديانتهم باطنية تستند إلى تعاليم محمد بن نصير في القرن التاسع، وتقدس علي بن أبي طالب بشكل يكاد يصل إلى التأليه، وتتضمن عناصر غير إسلامية كالتناسخ واحتفالهم بأعياد مسيحية. ممارسة السرية "التقية" التي انتهجوها لحماية أنفسهم من الاضطهاد جعلتهم طائفة منعزلة. تحت الحكم العثماني السني، تعرض العلويون لأبشع صنوف التمييز والاستعباد، مما جعلهم في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي. نقطة التحول جاءت مع الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، حيث شكّك الفرنسيون في النخبة السنية، فأنشأوا "قوات خاصة" تعتمد على الأقليات، وخاصة العلويين الذين شغلوا ثلاثة من كل ثمانية كتائب. انضم الشبان العلويون الفقراء إلى الجيش بكثافة لأنه كان الباب الوحيد المفتوح أمامهم، مما مهد الطريق لهيمنتهم على المؤسسة العسكرية لاحقاً.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى صعود حزب البعث والقومية العربية، الإطار الأيديولوجي الذي استخدمته أسرة الأسد للوصول إلى السلطة. تأسس حزب البعث في 1947 في دمشق على يد مفكرين منهم المسيحي ميشيل عفلق، الذي رأى أن القومية العربية تقوم على العرق والروح المشتركة لا الدين. رفع الحزب شعارات الوحدة العربية والاشتراكية ومعاداة الاستعمار. كان الحزب جذاباً للعلويين لأنه قدم أيديولوجية علمانية تضعهم على قدم المساواة مع السنة. في مارس 1963، استولى ضباط بعثيون على السلطة بانقلاب عسكري، وأصبحت سوريا دولة الحزب الواحد بموجب المرسوم رقم 51. هنا صعد نجم حافظ الأسد، الذي انضم للحزب مبكراً وأصبح وزيراً للدفاع. لعبت حرب 1967 دوراً حاسماً، حيث خسرت سوريا مرتفعات الجولان لصالح إسرائيل، وهي القضية التي ظلت هاجساً لحافظ طوال حكمه.
الفصل الثالث يركز على حافظ الأسد وبناء سلالته. ينحدر حافظ من عائلة علوية فقيرة، وغير والده لقب العائلة من "وحش" إلى "أسد" عام 1927. بعد دراسة الطباع العسكرية وتكوين العلاقات، قاد حافظ انقلاباً ناجحاً عام 1971 ليصبح أول رئيس علوي لسوريا. قام على الفور بترقية العلويين في الجيش والحزب وتهميش الضباط السنة، مما خلق توتراً طائفياً حاداً. واجه حافظ تحديين كبيرين: أولهما إثبات شرعية العلويين كمسلمين، فحصل عام 1973 على فتوى من رجل دين شيعي لبناني بارز تعتبر العلويين شيعة حقيقيين. ثانيهما بناء دولة بوليسية محكمة، حيث وضع أقاربه مثل أخيه رفعت على رأس قوات دفاعية تحيط بدمشق وتسيطر على مداخلها. رغم أن شعبيته اعتمدت على توفير الاستقرار بعد سنوات الفوضى، إلا أن الاقتصاد بدأ يتراجع في أواخر السبعينيات. هنا ظهر التحدي الأكبر من الإخوان المسلمين السنة المتشددين، الذين شنوا هجوماً دامياً على كلية المدفعية بحلب عام 1979، وأسفر عن مقتل 83 شخصاً غالبيتهم علويون، ونفذوا محاولة اغتيال فاشلة لحافظ نفسه في يونيو 1980. رد حافظ بوحشية: أعدم 500 سجين من الإخوان في اليوم التالي، وجعل العضوية في التنظيم جريمة عقوبتها الإعدام. ذروة القمع كانت في فبراير 1982 بمجزرة حماة، حيث حاصر الجيش المدينة لـ 27 يوماً وقصفها بالمدفعية والدبابات، مما أسفر عن مقتل ما بين 10,000 و40,000 شخص، وتشريد 100,000 آخرين. بهذا القمع سحق حافظ الإخوان وثبّت حكمه كدكتاتور بارد وحساب، لكنه زرع بذور الكراهية التي ستنفجر لاحقاً.
يصف الكتاب كيف كان بشار الأسد الابن غير المتوقع للحكم. وُلد في 11 سبتمبر 1965، وكان طالب طب عيون في لندن لا يطمح للسلطة. لكن وفاة أخيه الأكبر باسل بحادث سير في يناير 1994 غيّرت كل شيء. انتخبه والده وريثاً رغم عدم خبرته العسكرية أو الحزبية. لتهيئته، وضعه حافظ في الجيش ودعمه بزواجه من السنية أسماء التي درست في الغرب، مما شكل جسراً مع السنة وجذب أنظار الغرب بجمالها وأسلوبها العصري. بعد وفاة حافظ في يونيو 2000، تم تغيير الدستور لخفض سن الرئاسة من 40 إلى 34 عاماً، وفاز بشار في انتخابات صورية بنسبة 97%. بدأ عهده بأمل عُرف بـ "الأمل"، معلناً التحديث والانفتاح، لكن سرعان ما تحول لقمع المنتديات الثقافية التي ناقشت الإصلاح، مستخدماً الاعتداءات الجسدية والغرامات والاعتقالات. على الصعيد الخارجي، انتهز فرصة 11 سبتمبر بالتعاون مع المخابرات الأميركية ضد القاعدة، لكن غزو العراق عام 2003 قلب الطاولة: قطع تدفق النفط العراقي الرخيص، ووضع القوات الأميركية على حدوده، وأثار غضب الرئيس بوش بسبب دعمه للمقاومة العراقية. ثم جاءت حرب لبنان 2006 التي عززت علاقته مع إيران وحزب الله وحماس، مما وضعه في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.
أخيراً، يغطي الفصل الأخير الربيع العربي والحرب الأهلية. بدأت الانتفاضات في تونس ديسمبر 2010 ومصر وليبيا، لكن سوريا بدت في البداية محصنة بسبب أجهزتها الأمنية وشخصية بشار الأقل كراهية من غيره. الشرارة جاءت من مدينة درعا في مارس 2011، حيث كتب تلاميذ مدارس عبارات مناهضة للنظام فعُذبوا على يد الشرطة. خرجت احتجاجات عائلاتهم في 15 مارس وانتشرت عبر وسائل التواصل. بدلاً من التهدئة، اتهم بشار "مؤامرات خارجية" وألقى خطاباً متحدياً في 30 مارس، ثم فوّض أخاه ماهر الذي يقود الفرقة الرابعة والفرقة الجمهورية لقمع الاحتجاجات بالعنف. هذا التحول العنيف دفع البلاد إلى حرب أهلية أسفرت عن مقتل أكثر من 100,000 شخص ونزوح أكثر من نصف مليون لاجئ حتى تاريخ كتابة الكتاب. وتصاعدت الأزمة بشكل خطير مع هجوم 21 أغسطس 2013 بالأسلحة الكيميائية في الغوطة قرب دمشق، الذي أودى بحياة نحو 1,500 مدنياً، حيث تبادل النظام والمعارضة الاتهامات، وكاد أن يجر الولايات المتحدة وروسيا لمواجهة مباشرة قبل أن يُحل دبلوماسياً مؤقتاً.
يقر الكتاب ضمنياً بحدود معرفته، فهو يعتمد على ملخصات فصول وليس النص الأصلي، ويركز على السرد التاريخي أكثر من التحليل النظري العميق. يترك أسئلة مفتوحة حول مصير بشار وسوريا بعد الحرب، ويعترف بأن السياسات الاقتصادية التي بدت ناجحة في عهد حافظ كانت قنبلة موقوتة في عهد بشار. كما يشير دون تفصيل إلى تعقيد التحالفات الإقليمية، مثل دعم حافظ لإيران الشيعية ضد العراق السني، رغم عداء السنة له داخلياً. هناك حجج قابلة للنقاش، أهمها: التركيز المفرط على الطائفية كتفسير وحيد للصراع قد يهمل العوامل الاقتصادية والاجتماعية العميقة. كذلك، وصف الكتاب للغربيين (خاصة تحليل "فوج" لأسماء الأسد) يظهر كيف أن الانبهار بالشخصيات غطى على القمع المبكر. أخيراً، تصوير بشار كضحية للظروف أكثر من كونه فاعلاً رئيسياً قد يقلل من مسؤوليته عن خياراته القمعية الحاسمة في درعا وأماكن أخرى.