
Syria and the Neutrality Trap
الكتاب "سوريا وفخ الحياد" للمؤلف كارستن فيلاند يتناول معضلة أخلاقية وسياسية عميقة واجهها المجتمع الدولي في الحرب السورية: كيف يمكن تقديم المساعدات الإنسانية بشكل محايد عندما تكون الحكومة نفسها هي المصدر الرئيسي للمعاناة وتستخدم هذه المساعدات كأداة حرب؟ يدافع المؤلف عن موقف مفاده أن التمسك الصارم بمبدأ الحياد في صراع غير متماثل كهذا لا يخفف المعاناة فحسب، بل يطيل أمد الحرب ويحوّل المساعدات إلى فخ يخدم الطرف الأقوى. الكتاب ليس تقييماً لشرعية المطالب السياسية لأي طرف، بل تحليل لكيفية تحول العمل الإنساني إلى أداة في "حرب تكاملية" يديرها النظام السوري.
يسير الكتاب عبر فصوله بمنطق تراكمي يبدأ بتقديم المعضلة الأساسية من خلال إحصاءات مروعة عن حجم الدمار في سوريا. تشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى مارس 2020 إلى مقتل 226,247 مدنياً، أكثر من 88% منهم على يد النظام السوري والميليشيات الإيرانية، و3% على يد القوات الروسية، بينما لم تتجاوز نسبة القتلى على يد تنظيم الدولة الإسلامية (IS) 2.2%، وعلى يد فصائل المعارضة المسلحة 1.8%. كما سُجلت 14,221 حالة تعذيب، 98.8% منها ارتكبها النظام، و146,825 شخصاً ما زالوا معتقلين أو مختفين قسراً، 88.5% منهم في سجون الحكومة. هذه الأرقام تخدم غرضاً أساسياً: إظهار أن الحكومة التي تطلب الأمم المتحدة التعاون معها لتوصيل المساعدات هي نفسها مصدر المعاناة الرئيسي.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى وضع الحالة السورية في سياق تاريخي أوسع، مستعرضاً حالات سابقة كشفت عن إشكاليات مماثلة: حرب بيافرا عام 1967 حيث أطالت المساعدات أمد النزاع، وعملية "خطى الحياة في السودان" عام 1989 التي خلقت سابقة للتدخل الإنساني عبر الحدود، والحرب في سريلانكا بين 2008-2009 حيث منعت الحكومة الوصول الإنساني دون أي رد فعل دولي حاسم. يخلص المؤلف إلى أن الحالة السورية ليست الأولى من نوعها، لكنها تبرز بحجم التخطيط المنهجي وقوة الدعم الدولي الذي تلقيته الحكومة السورية من حلفائها، خاصة روسيا والصين.
يخصص الكتاب حيزاً مهماً لتحليل الإطار القانوني، موضحاً أن القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان يفرضان التزامات واضحة على جميع أطراف النزاع، لكن سوريا ليست طرفاً في البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف. يستشهد المؤلف بملفات قيصر التي تثبت استخدام النظام للتعذيب بشكل منهجي كتكتيك حربي، رغم تصديق سوريا على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب عام 2004. كما يناقش مفهوم "الموافقة السيادية" والجدل حول ما إذا كانت موافقة الحكومة ضرورية قانوناً للعمليات الإنسانية عبر الحدود، مشيراً إلى أن الرأي القانوني للأستاذ مايكل بوت عام 2013 يرى أن هذه الموافقة ليست ضرورية بموجب القانون الدولي الإنساني، لكن هذا الرأي بقي أقلية.
يتعمق الكتاب في تحليل استراتيجية النظام السوري في تجريد المعارضين من الإنسانية عبر خطاب "الإرهاب"، مستشهداً باعتراف العقيد المنشق أنور رسلان بأن هدف التعذيب منذ أوائل 2012 لم يعد الحصول على معلومات بل "قتل مدنيين على نطاق واسع لا علاقة لهم بالمعارضة المسلحة أو الجماعات الإرهابية". يحلل المؤلف كيف استفاد النظام من التضخم العالمي في استخدام مصطلح "الإرهاب" بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وكيف قدمت الإدارة الأميركية بقيادة جورج دبليو بوش "ذخيرة قانونية" أفقدت القانون الدولي فعاليته، خاصة عبر مفهوم "المقاتل غير القانوني" المشبوه.
يكشف الكتاب عن الآلية الدقيقة التي سيطرت بها الحكومة السورية على العمل الإنساني، مقارناً إياها بـ"مالك منزل" يسمح بدخول المساعدات لكنه يفرض شروطه. يذكر أن تحليلاً لـ"مكتب سوريا الاقتصادي" أظهر أن الأمم المتحدة قدمت مليار دولار كمساعدات للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة خلال عام 2018، مقارنة بميزانية الحكومة البالغة حوالي 4 مليارات دولار. كما يشير إلى تقرير غير منشور لـ"المركز السوري لبحوث السياسات" يقدر أن الإنفاق الإنساني الدولي في سوريا عام 2017 كان يعادل 35% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. في إبريل 2016، كشف تقرير أن 88% من المساعدات الغذائية المنقولة من داخل سوريا ذهبت إلى مناطق سيطرة الحكومة، و12% فقط إلى خارجها، وأقل من 1% من سكان المناطق المحاصرة تلقوا مساعدات غذائية أممية شهرياً في عام 2015.
يتناول الكتاب بالتفصيل الانتقادات الموجهة للأمم المتحدة، والتي تصاعدت علناً منذ عام 2016. يستشهد بتقرير براهيمي الصادر عام 2000 الذي حذر من أن فشل الأمم المتحدة في سربرينيتسا ورواندا كان بسبب "ترددها في التمييز بين الضحية والمعتدي"، مما أدى إلى "التواطؤ مع الشر". يرى المؤلف أن هذا التحذير ينطبق تماماً على سوريا، حيث أصبحت الأمم المتحدة تقدم الخدمات لنظام يقتل شعبه بشكل غير نقدي تقريباً. يكشف الكتاب عن ممارسات مثيرة للجدل مثل توظيف أقارب مسؤولين كبار في النظام، كشكرية المقداد زوجة فيصل المقداد (نائب وزير الخارجية آنذاك) التي عملت مستشارة كبيرة في منظمة الصحة العالمية، مما خلق "جو من الخوف والرقابة الذاتية" في الاجتماعات.
يصف الكتاب لحظة حاسمة من الانهيار الكامل لمصداقية الأمم المتحدة في معركة حلب نهاية عام 2016، حيث أعلن تحالف من 73 منظمة غير حكومية انسحابهم من آلية التنسيق المشتركة مع مكتب الأمم المتحدة في دمشق احتجاجاً على "التلاعب" من قبل الحكومة و"رضا" الأمم المتحدة. كما يتناول فشل "آلية فض الاشتباك" التي كانت تهدف إلى حماية المستشفيات من القصف عبر مشاركة إحداثياتها، لكن هذه الإحداثيات نفسها تحولت إلى أهداف. تحقيق أممي في أبريل 2020 خلص إلى أنه "من المحتمل جدا" أن الحكومة السورية أو حلفاءها هم من قصفوا ثلاثة مرافق صحية، مما دفع روسيا إلى الانسحاب من هذه الآلية الطوعية في يونيو 2020.
يقدم الكتاب سبعة عوامل رئيسية تجعل معضلة الحياد صعبة للغاية: ضعف القوة الملزمة للأعراف الدولية، عدم وجود قراءة متسقة للقانون الدولي، الممارسة الدولية المعتادة المتمثلة في قناة المساعدات عبر موافقة الحكومة، أن المصدر الرئيسي للمعاناة هو الحكومة نفسها التي تُقنن من خلالها المساعدات، انقسام وكالات الأمم المتحدة وصراع مهامها، ضعف التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة، والتناقض بين دور الأمم المتحدة كوسيط يحتاج للحياد وكجهة تدافع عن حقوق الإنسان والمساءلة.
ينتقل الكتاب في فصوله الأخيرة إلى تحليل محاولات الجهات المانحة الغربية توجيه المساعدات للسكان في مناطق سيطرة المعارضة عبر ما يُسمى "المساعدات الإنسانية الزائدة"، وهي مجموعة من التدابير التي تجاوزت الإغاثة الطارئة نحو "التعافي المبكر" و"التثبيت" و"التأهيل". يصف المؤلف هذه المحاولات بأنها اصطدمت بإشكاليات أخلاقية وسياسية عميقة، حيث خلقت "فراغاً إنسانياً" عندما كانت القرارات السياسية تحكم تنفيذ المساعدات. يورد مثالاً عن مستوصفات متنقلة مولها الاتحاد الأوروبي في إدلب؛ فحين استعاد النظام السيطرة على المنطقة، أُخليت هذه المستوصفات شمالاً، وترك السكان دون خدمات طبية، مما أدى إلى تفشي الكوليرا في 2017.
يقر المؤلف بعدة حدود وتحفظات في الكتاب. فهو لا ينكر أن جماعات المعارضة المسلحة كانت أيضاً تسيء استخدام المساعدات، لكنه يؤكد أن الفرق الجوهري هو أن الحكومة تمتلك السلطة القانونية لوقف مشروع أممي بمجرد رفض التوقيع على ورقة. كما يعترف بأن بعض انتقادات الأمم المتحدة قد تكون مبالغاً فيها، وأن الموظفين المحليين غالباً ما ينتمون إلى الطبقات المتعلمة مما يسهل عليهم التقديم على الوظائف. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مدى حتمية "فخ الحياد" الذي وقعت فيه الأمم المتحدة، خاصة في ظل شلل مجلس الأمن وفشل الجهود السياسية.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، يبرز التناقض الأساسي الذي يعترف به المؤلف: هل كان الانسحاب الكامل للأمم المتحدة احتجاجاً سيكون أكثر فعالية في الضغط على النظام، أم أنه كان سيؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر؟ يطرح الكتاب تساؤلاً افتراضياً: كيف كان سيتصرف النظام السوري لو هددت الأمم المتحدة بالانسحاب جماعياً في عام 2012؟ لكنه يعترف بأن هذه الخيارات تعتمد على الظروف الفردية وتوازن القوى. يقدم الكتاب توصيات عملية للممارسات المحسّنة ضمن الإطار الحالي، منها التمسك بقراءة القانون الإنساني الدولي وبخاصة المادة 3 من اتفاقية جنيف، واتباع نهج تفاوضي أكثر صرامة مع النظام، والعمل الجماعي المنسق بين المنظمات لكسر استراتيجية "فرق تسد" التي يتبعها النظام.
يختتم الكتاب بالإشارة إلى أن الفشل السياسي الدولي في الاستثمار بحل سياسي منذ البداية هو الذي أدى إلى تطرف البدائل السياسية وتدمير خيارات التغيير السلمي، وأن الفشل السياسي ترجم إلى تحدٍ إنساني هائل، وليس العكس. ينهي الكتاب باقتباس من الممثل السوري المعارض جمال سليمان يقول فيه إن "الحياد قتل الكثيرين في سوريا وتركنا في المنفى لثماني سنوات الآن. لقد قتلنا بهدوء بحبل من حرير." هذه العبارة تلخص جوهر الأطروحة التي يدافع عنها الكتاب: أن الحياد الصارم في مواجهة الظلم المنهجي ليس فضيلة أخلاقية، بل قد يكون تواطؤاً فعلياً مع الجاني.
الأشخاص
الفصول(12)
1.مقدمة لمعضلة صعبة16–25▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل التمهيدي هو «معضلة الحياد» التي تواجه صناع القرار الإنساني والسياسي في النزاعات المعقدة، ويقدمها المؤلف من خلال دراسة حالة سوريا. الإجابة التي يطرحها هي أن تقديم المساعدات الإنسانية بشكل محايد وغير منحاز قد يتحول إلى فخ، حين يتم استغلال هذه المساعدات أو تشويهها من قبل أطراف النزاع، مما يطيل أمد الحرب ويزيد المعاناة بدلاً من تخفيفها. يطرح الفصل سؤالاً مركزياً: كيف يمكن تخفيف المعاناة البشرية إلى أقصى حد ممكن في حرب وحشية دون خيانة مبادئ القانون الدولي الإنساني، خاصة مبادئ الحياد وعدم التحيز؟
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بإحصاءات مروعة عن حجم الدمار والمعاناة في سوريا منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 2011. يستشهد المؤلف ببيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى مارس 2020، والتي تفيد بمقتل 226,247 مدنياً، غالبيتهم العظمى (أكثر من 88%) على يد النظام السوري والميليشيات الإيرانية، ونسبة 3% أخرى على يد القوات الروسية. في المقابل، لم تتجاوز نسبة القتلى على يد تنظيم الدولة الإسلامية (IS) 2.2%، وعلى يد فصائل المعارضة المسلحة 1.8%. يذكر الفصل أيضاً 14,221 حالة تعذيب، 98.8% منها ارتكبها النظام، و146,825 شخصاً ما زالوا معتقلين أو مختفين قسراً، 88.5% منهم في سجون الحكومة. هذه الإحصاءات تخدم غرضاً أساسياً في الفصل: إظهار الطبيعة غير المتناظرة للنزاع، حيث مصدر المعاناة الرئيسي هو الحكومة نفسها التي تطلب الأمم المتحدة التعاون معها لتوصيل المساعدات.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف المعضلة الأساسية التي واجهها صانعو القرار. فمن ناحية، كان هناك جدار عازل تقليدي بين القرارات السياسية والإنسانية لمنع تسييس المساعدات. ومن ناحية أخرى، كشفت الحالة السورية أن هذا الجدار قد يتحول إلى غطاء يُستخدم لإطالة أمد الحرب. يقدم المؤلف مثالاً حاداً على هذا التناقض: المنظمات غير الحكومية الصغيرة التي كانت تتسلل إلى مناطق المعارضة المدمرة لبناء مستشفيات في الطوابق السفلية كانت تُرفض كـ«جهات سياسية»، بينما كانت منظمات الأمم المتحدة تُعتبر حيادية تلقائياً بينما تقدم مساعدات عبر دمشق، مصدر القصف الجوي. هذا الوضع أدى إلى جدل حاد بين الأقسام السياسية والإنسانية في وزارات الخارجية الغربية وداخل الأمم المتحدة نفسها.
يطرح الفصل عدة أسئلة مفتوحة ومؤلمة، معترفاً بصعوبة الإجابة عليها. لماذا قبلت الأمم المتحدة الشروط الصارمة التي فرضتها الحكومة السورية على تحركاتها وعملياتها؟ هل كان ينبغي عليها أن تشترط أو حتى تقطع تعاونها مع نظام يمنع الوصول كأسلوب حرب؟ أم أن ذلك كان سيعني التخلي عن واجبها الإنساني تجاه المحتاجين في مناطق سيطرة الحكومة؟ يقر المؤلف بأن كلاً من الخيارين (العمل مع الحكومة بشروطها، أو العمل بدون موافقتها، أو إيقاف العمليات بالكامل) يحمل تبعات وخيمة على المدنيين. يذكر الفصل أيضاً تطوراً مهماً: في 2014، أصبح التوصيل عبر الحدود ممكناً للأمم المتحدة عبر عدد محدود من المعابر دون إذن من دمشق، لكن هذا القرار استمر فقط حتى يناير 2020 بعد استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لتقليص نطاقه.
يقدم الفصل سبعة عوامل رئيسية تجعل هذه المعضلة صعبة للغاية، وكلها مشتقة من تحليل النص: 1) ضعف القوة الملزمة للأعراف الدولية. 2) عدم وجود قراءة متسقة للقانون الدولي من قبل الفاعلين السياسيين الرئيسيين. 3) الممارسة الدولية المعتادة المتمثلة في قناة المساعدات عبر موافقة الحكومة. 4) أن المصدر الرئيسي للمعاناة هو الحكومة نفسها التي تُقنن من خلالها المساعدات. 5) انقسام وكالات الأمم المتحدة وصراع مهامها. 6) ضعف التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة، مما يعيق أهداف السلام والعدالة. 7) التناقض بين دور الأمم المتحدة كوسيط (يحتاج للحياد) وكجهة تدافع عن حقوق الإنسان والمساءلة.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، يذكر الفصل أن الكتاب لا يصدر حكماً على شرعية المطالب السياسية لأي طرف، ولا يتناول حق أي طرف في شن الحرب (jus ad bellum)، بل يركز على السلوك داخل النزاع (jus in bello). هذا التحديد المنهجي يضع تحفظاً مهماً: تقييم تصرفات الحكومة السورية يتم من خلال عدسة القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وليس من خلال تقييم سياسي لشرعية الصراع نفسه.
2.توقعات وخيبات أمل خارج سوريا26–37▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الفجوة بين التوقعات الدولية المبنية على القانون الإنساني وحقوق الإنسان، وبين خيبات الأمل الناجمة عن الواقع السياسي في النزاعات المسلحة، مع التركيز على الحالة السورية كأبرز مثال معاصر. يرى المؤلف أن هذه الفجوة تتسع بشكل خاص في عصر يتزايد فيه التشريع الإنساني ومأسسته، حيث تشهد العقود الأخيرة تراجعاً في تطبيق المعايير العالمية رغم محاولات بعض الخبراء والقانونيين الحفاظ على قراءة تقدمية للقانون الدولي. ويستشهد المؤلف بعدة باحثين لتأكيد هذه النظرة المتشائمة، مشيراً إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان أصبحت تواجه بردود فعل دولية ضعيفة، وأن إساءة استخدام المساعدات الإنسانية ليست ظاهرة جديدة بل هي قديمة قدم اتفاقيات جنيف نفسها.
ينتقل الفصل إلى مناقشة تاريخية لمفهوم التدخل الإنساني، حيث يعرض وجهة نظر المؤرخين سيمز وتريم اللذين يعتقدان أن المبادئ الإنسانية لم تمت بل لا تزال موضع نقاش حيوي. يوضحان أن فكرة التدخل لأسباب إنسانية تطورت عبر القرون، بدءاً من التضامن الديني وصولاً إلى حقوق الإنسان العالمية، وأن ما تغير هو المصطلحات والمفاهيم وليس الجوهر الأخلاقي. يتتبعان تطور من يحتاج إلى الحماية من "رفقاء الدين" إلى "جميع البشر الغرباء"، وتطور المبررات من مواجهة "الاستبداد" إلى مواجهة "الجرائم ضد الإنسانية". يقدم هذا التحليل التاريخي سياقاً لفهم التحديات الحالية، موضحاً أن التدهور الحالي ليس الأول من نوعه في التاريخ.
في المقابل، يعرض الفصل وجهة نظر هوبجود المتشائمة التي ترى أن النظام العالمي لحقوق الإنسان يمر بنهايته، مستشهداً بهجمات على عمال الإغاثة وتعذيب مشتبه بهم من القاعدة وانتهاك القانون الدولي من قبل دول مثل سريلانكا والسودان. يرى هوبجود أن التعددية القطبية ستؤدي إلى "جمود في المعايير على المستوى العالمي" مع عودة السيادة والدين بقوة. يقدم المؤلف مثالاً واقعياً على ذلك من خلال عملية جنيف التي قادتها الأمم المتحدة والتي تم تهميشها لصالح تنسيق أستانا الذي جمع روسيا وتركيا وإيران، حيث كانت النتائج تخدم المصالح الوطنية وليس حقوق الإنسان.
يدخل الفصل بعد ذلك في نقاش عميق حول أزمة المبادئ الإنسانية الأساسية (الإنسانية، الاستقلال، الحياد، النزاهة)، مستشهداً بتحليل أندرو كننغهام الذي يطرح تساؤلات حول جدوى المشروع الإنساني ذاته. يوضح أن العلاقة مع المانحين الحكوميين إشكالية سياسياً وأخلاقياً، وأن هوية الوكالات الدولية الغربية تُعتبر عبئاً، وأن السياقات التي يعمل فيها الفاعلون الإنسانيون أصبحت أكثر خطورة. يشير إلى ظاهرة "إجرام المساعدات" حيث تعيد الدول المضيفة فرض سيادتها وتقاوم المنظمات غير الحكومية، خاصة الأنظمة الاستبدادية التي تنظر إلى هذه المنظمات كتهديد عندما تتحدث عن "القيم العالمية" أو "مسؤولية الحماية".
يطرح الفصل إشكالية جوهرية أخرى وهي علاقة نظام حقوق الإنسان بالموارد والسلطة. يرى هوبجود أن الفضاء الإنساني الكلاسيكي القائم على الحياد والنأي عن السياسة والمال ينهار، بينما يستنتج دونيني وفريقه أن العمل الإنساني تجاوز عتبة السلطة وأصبح "خطاباً للسلطة" بدلاً من كونه "خطاباً قوياً". يقر المؤلف بأن العاملين في المجال الإنساني يعملون في "منطقة رمادية" حيث يضطرون للمساومة المستمرة بين المبادئ والواقع، مقتبساً قول الدبلوماسي الإنساني يان إيغلاند: "إذا كنت هناك لمساعدة الضحايا من أعماق الجحيم، فعليك التحدث إلى الشيطان".
يتناول الفصل بعد ذلك سلسلة من الحالات التاريخية التي توضح التحديات الإنسانية. تبدأ القصة ببيافرا عام 1967، حيث يعتبر الكثيرون أن تدفق المساعدات الإنسانية الضخمة ساعد جيش المتمردين على البقاء لمدة عامين إضافيين، مما أطال أمد معاناة المدنيين. هنا ظهر الطبيب برنارد كوشنر الذي رفض الصمت والحياد وخرق قواعد الصليب الأحمر ليؤسس لاحقاً منظمة أطباء بلا حدود. يرى المؤلف أن الحكومة السورية قد تستخدم هذه الرواية لتبرير موقفها من المنظمات الإنسانية، لكنه يوضح الفرق الجوهري: في سوريا، الحكومة هي المسؤولة بشكل رئيسي عن سقوط الضحايا المدنيين، بينما لم تكن المنظمات الإنسانية تدعم انفصالاً كما حدث في بيافرا.
تنتقل القصة إلى السودان ونقطة تحول رئيسية في التاريخ الإنساني الحديث: عملية خطى الحياة في السودان عام 1989، حيث تم تقييد سيادة الدولة المضيفة لأول مرة لصالح الوصول الإنساني، مما خلق سابقة لعملية إنسانية عابرة للحدود. يوضح الفصل الإشكالية الناتجة: عدم توزيع المساعدات بالتساوي بين المناطق الخاضعة للحكومة والمتمردين، والصراع الداخلي داخل الأمم المتحدة نفسها بين أهداف التنمية والأهداف الإنسانية. أما في دارفور (بدءاً من 2003)، فيصف الفصل كيف أن اتفاق السلام المثير للجدل في مايو 2006 أدى إلى تدهور أمني، وكيف قامت الحكومة بطرد 13 منظمة إنسانية دولية في 2009 كرد فعل انتقامي على مذكرة اعتقال المحكمة الجنائية الدولية للرئيس عمر البشير، تاركة 1.5 مليون شخص بدون مساعدة.
تقدم حالة سريلانكا تشابهاً قوياً مع الوضع السوري، خاصة في المرحلة النهائية من الحرب بين الحكومة وتنظيم نمور التاميل في 2008-2009. يصف الفصل كيف منعت الحكومة جميع الفاعلين الإنسانيين تقريباً من الوصول إلى مناطق القتال الكثيف، وصادرت البضائع من قوافل المساعدات، وقصفت المناطق المدنية بشكل عشوائي دون أن يتحدى المجتمع الدولي هذه الانتهاكات. يستشهد المؤلف بتقرير تشارلز بيتري الذي كلفته الأمم المتحدة والذي وصف "فشلاً منهجياً" للمنظمة الدولية، قائلاً إن الأمم المتحدة أصبحت "جسماً يتجنب السياسة" و"مركزاً على سيادة الحكومة"، حيث كانت تخضع تقاريرها لمجلس الأمن للرقابة الذاتية لاعتقادها أن "الحقيقة ستكون غير مريحة لهم".
يعود بيتري ليقدم في 2017 تقييماً مماثلاً لبعثة الأمم المتحدة في ميانمار، واصفاً إياها بأنها "مختلة بشكل صارخ" مع توترات حادة بين أذرع الأمم المتحدة المختلفة. يستشهد الفصل بتقرير روزنتال لعام 2019 الذي يؤكد التحدي الهائل الذي تواجهه الأمم المتحدة في معالجة مذبحة وطرد أقلية الروهينغا المسلمة في 2017، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة "مسلحة بسلطتها الأخلاقية وقيمها ومبادئها" لكنها تواجه "مساحة سياسية محدودة في البلدان التي تستدعي حكوماتها بقوة السيادة وعدم التدخل".
في البوسنة خلال الحرب (1991-95)، يصف الفصل مشكلة رئيسية هي عدم الوضوح بين المهمة السياسية للأمم المتحدة وأجندتها الإنسانية. كان قوات حفظ السلام (يونبروفور) ممنوعة من استخدام القوة لتأمين توصيل المساعدات، مما أدى إلى توزيع غير متساوٍ. يسلط الضوء على قرار استثنائي في فبراير 1993 عندما قررت المفوضة السامية لشؤون اللاجئين ساداكو أوغاتا تعليق عمليات المنظمة احتجاجاً على عرقلة الوصول الإنساني، مما أثر على 1.6 مليون شخص وأدى إلى رد فعل سياسي سريع من الأطراف المتحاربة. لكن الأمين العام بطرس بطرس غالي ألغى القرار بعد أيام قليلة تحت ضغط سياسي، رغم أن الهدف – تأمين الوصول الإنساني – قد تحقق مؤقتاً.
تختتم سلسلة الحالات بـ إثيوبيا حيث تعاملت الدولة مع الفاعلين الإنسانيين بشكل أبوي وأقامت عقبات بيروقراطية، والصومال وأفغانستان حيث أصبحت وكالات الإغاثة جزءاً من الأجندة السياسية والعسكرية للمانحين، خاصة في سياق "الحرب على الإرهاب" بعد 11 سبتمبر، مما أدى إلى تشريعات جديدة مناهضة للإرهاب أوقفت المساعدات في 2010 وفاقمت معاناة المحتاجين. كما يذكر اليمن في فبراير 2020 حيث سحبت المفوضية بعض أنشطتها احتجاجاً على عرقلة الحوثيين للوصول الإنساني، مقدمين نموذجاً مختلفاً عن سوريا حيث تمسكت الأمم المتحدة بالبقاء بأي ثمن تقريباً.
في تحفظ مهم، يقر المؤلف بأن الدروس المنهجية لم تُستفد بعد، وأن اللاعبين الرئيسيين في المجتمع الإنساني أظهروا "التزاماً محدوداً بالتعلم والمساءلة". ويختتم الفصل بالتأكيد على أن الحالة السورية تظل مثالاً صارخاً بشكل خاص على التسييس المنهجي والمخطط للجهود الإنسانية، والذي يدعمه حلفاء دوليون أقوياء. يضع هذا الاستنتاج الحالة السورية في سياق تاريخي طويل من التلاعب بالمساعدات، لكنه يميزها بحجم التخطيط والمنهجية وقوة الدعم الدولي الذي تلقته الحكومة السورية.
في النهاية، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش حول ما إذا كان الخيار الأخلاقي في مواجهة التلاعب هو الانسحاب حفاظاً على المبادئ (كما في البوسنة واليمن) أم البقاء للتخفيف من المعاناة بأي ثمن (كما في سوريا). يقر المؤلف بصعوبة هذه المعضلة الأخلاقية، مشيراً إلى أن أي نظرية لن تطابق الواقع المعقد على الأرض، وأن الخطوط الحمراء قد تكون ضرورية لمنع التواطؤ، لكنها تأتي على حساب عدم مساعدة المحتاجين على المدى القصير.
3.احتواء الوحش البشري: أساسيات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان38–47▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً أساسياً لفهم الإطار القانوني الذي يحكم النزاع السوري، مركزاً على قانونين رئيسيين هما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. يجادل المؤلف بأن هذين النظامين القانونيين يفرضان التزامات واضحة على جميع أطراف النزاع، لكنه يركز بشكل خاص على مسؤولية الدولة السورية بصفتها الطرف الأقوى والأكثر قدرة على التحكم في أراضيها. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا، رغم وضوح النصوص القانونية، تكشف عن فجوة عميقة بين النظرية القانونية والممارسة على الأرض، حيث تستغل الدولة أدوات القانون أحياناً لتبرير أفعالها أو عرقلة المساعدات الإنسانية.
يسير الفصل بمنهجية واضحة، فيبدأ بتقديم نبذة تاريخية عن تطور القانون الإنساني الدولي بدءاً من اتفاقية جنيف الأولى عام 1864 وإعلان سانت بطرسبرغ عام 1868، وصولاً إلى اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. يوضح أن سوريا طرف في اتفاقيات جنيف ولكنها ليست طرفاً في البروتوكولات الإضافية، مما يجعل القانون العرفي مهماً بشكل خاص. ثم ينتقل إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي تطور لاحقاً كرد فعل على فظائع النازيين، ويؤكد على أن بعض الحقوق مطلقة وغير قابلة للتعليق كحظر التعذيب.
يستخدم المؤلف أدلة ملموسة من النزاع السوري لتوضيح حججه، مثل الإشارة إلى ملفات قيصر التي تثبت استخدام النظام للتعذيب بشكل منهجي كتكتيك حربي، رغم تصديق سوريا على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب عام 2004. يصف الفصل هذه الانتهاكات بأنها ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية. كما يستشهد بتسجيل صوتي مسرب لقائد في الجيش السوري العربي خلال هجوم إدلب في ديسمبر 2019 يأمر فيه جنوده بعدم وجود مدنيين وضرورة قتل الجميع، كدليل على عدم اعتراف الدولة بطبيعة النزاع المسلح الداخلي وإصرارها على وصف المعارضين بإرهابيين.
يخصص الفصل حيزاً مهماً لمناقشة مفاهيم أساسية مثل الحياد والنزاهة والموافقة السيادية. يعرض مبادئ الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ويشرح الفرق الدقيق بين الحياد (عدم إصدار أحكام) والنزاهة (الحكم وفق قواعد مسبقة). يقر المؤلف بوجود توتر بين هذه المبادئ، ويذكر انتقادات شخصيات مثل الفريق روميو دالاير وتشارلز بيتري اللذين يريان أن الحياد أصبح خرافة تخدم القتلة أحياناً. المهم هنا أن يعرف القارئ أن الفصل لا يقدم الحياد كقاعدة مطلقة بل كأداة تشغيلية خاضعة للنقاش.
في القسم المتعلق بـ"الموافقة المثيرة للجدل"، يفحص الفصل بعمق حق الدولة في الموافقة على المساعدات الإنسانية. يعرض النصوص القانونية التي توجب على الدولة قبول المساعدات عندما يكون المدنيون مهددين بالمجاعة، لكنه يعترف بأن الواقع العملي يختلف تماماً. يذكر أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قدرت ذات مرة أن 95% من الاحتياجات الإنسانية لا يمكن تلبيتها إلا بموافقة السلطات. لكنه يشكك في صحة هذا الرقم في سياق سوريا، نظراً للعراقيل التي فرضتها الحكومة. يستشهد بهجوم سبتمبر 2016 على قافلة مساعدات للهلال الأحمر السوري في أورم الكبرى غرب حلب، والذي أدى لمقتل 20 مدنياً، كأحد أخطر انتهاكات حماية العاملين الإنسانيين.
يقر الفصل بوجود أسئلة مفتوحة وحدود واضحة. فمن ناحية، يعترف بأن القانون الإنساني الدولي لا يوفر حوافز كافية للجماعات المسلحة غير الحكومية لاحترام القواعد، ولا يمكن محاسبتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بنفس طريقة الدولة. ومن ناحية أخرى، يقر بأن قدرة أي دولة في نزاع طويل على الوفاء بجميع التزاماتها قد تكون محدودة موضوعياً، لكنه يميز بين "عدم القدرة" و"عدم الرغبة" في الامتثال، مؤكداً أن عبء الإثبات يقع على الدولة. يترك الفصل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان بإمكان الدولة رفض المساعدات قبل الوصول إلى مرحلة المجاعة، ويخلص إلى أن المساعدات نادراً ما تنجح دون موافقة الدولة.
في النهاية، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه. أبرزها هو جدلية "الموافقة السيادية" مقابل "الحق في المساعدة الإنسانية"، حيث يقدم الفصل حججاً متوازنة من أنصار كلا الموقفين، مستشهداً بفلاسفة مثل جون لوك وهوجو غروتيوس لتبرير التدخل الإنساني ضد إرادة الدولة. كما أن مفهوم "الحياد" يقدم نفسه كنقطة خلافية، حيث يظهر الفصل أنه مبدأ تشغيلي أكثر منه قانونياً، وأن بعض الممارسين يرونه مستحيلاً في النزاعات المعاصرة. هذه المناقشات تجعل الفصل غنياً ومتوازناً، دون أن يفرض إجابة واحدة.
4.هدف متحرك: ديناميكيات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان48–65▼ ملخص
هذا الفصل يتناول الإشكالية المحورية حول ديناميكيات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وكيف أن هذه القوانين ليست ثابتة بل تخضع لتغيرات مستمرة تتأثر بالسياسة والقوة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن القانون الدولي يشبه هدفاً متحركاً، تتشكل ملامحه وتفسيراته بناءً على توازن القوى السياسية والعسكرية، وليس فقط على أسس قانونية مجردة. في حالة سوريا، يرى المؤلف أن القانون الدولي أصبح أداة في يد القوى الكبرى، حيث تستخدمه الدول عندما يناسب مصالحها وتتجاهله عندما يتعارض معها، مما أدى إلى أزمة شرعية للقانون الدولي الإنساني.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال عرض حجتين متعارضتين: الحجة السياسية والحجة القانونية. الحجة السياسية، التي يمثلها توني بلير في تدخل سيراليون عام 2000، ترى أن السياسة هي من تشكل القانون، وأنه من المشروع تكييفه حسب الظروف. أما الحجة القانونية فتهتم بهشاشة القانون الدولي وتخشى من انهيار أسسه إذا تم التلاعب به لتحقيق مكاسب سياسية. في حالة سوريا، يوضح المؤلف أن التيار القانوني هو الذي ساد في السياسة الرسمية لمعظم الدول المانحة، لكنه تعرض لضغوط بسبب التناقضات الواضحة بين النظرية القانونية والممارسة الإنسانية، مثل تمرير المساعدات عبر دمشق رغم انتهاكات النظام السوري وحلفائه روسيا وإيران.
يستخدم المؤلف مثالاً مفصلاً عن كيفية تحدي سوريا للصيغ القانونية المعيارية في الأمم المتحدة. في عام 2019، رفضت الحكومة السورية صياغة "موافقة الدولة المضيفة" لتسليم المساعدات الإنسانية، وضغطت لاستبدالها بعبارة "الموافقة الكاملة". تم اعتماد هذا التعديل في النهاية، وهو ما يعتبره المؤلف خطوة أولى نحو وضع عقبات عملية أمام العمل الإنساني، حيث قد يُطلب لاحقاً "موافقة استباقية" من الحكومة بدلاً من اعتبار عدم الاعتراض موافقة ضمنية. هذا المثال يوضح كيف يمكن للدول أن تعيد تشكيل القانون لصالحها.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى نقاش أوسع حول أزمة شرعية القانون الدولي المعاصر. يذكر المؤلف أن القانون الدولي، الذي كان يركز على تنسيق القوى بين الدول، أصبح الآن يتدخل في مجالات الحياة كافة، مما أضعف قبوله في السياقات الداخلية، خاصة في الديمقراطيات. هذا التوسع، وفقاً لـ ماتياس كوم، أدى إلى "تأثير مزيل للقومية" وأثار تحديات شرعية. هذا الوضع شجع الأنظمة غير الديمقراطية، مثل روسيا والصين، على تطبيق معايير مزدوجة أو رفض القيود القانونية عندما تشعر أنها مهددة. يضرب المؤلف مثالاً على ذلك برفض الولايات المتحدة وبريطانيا في مؤتمر الصليب الأحمر عام 2019 لعبارة "احترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني" خوفاً من تأثيرها على صادراتها السلاحية.
في تحليل الجذور الفلسفية للقانون الدولي، يستعرض الفصل النظريات المختلفة: القانون الطبيعي، القانون الوضعي، نظرية الإجماع، ونظرية الإكراه، ويخلص إلى أن لا إجابة نهائية حول مصدر صحة القانون الدولي. هذا يشبه "معضلة مونخهاوزن" الثلاثية، حيث أن كل محاولة لتبرير صحة القانون تؤدي إلى سلسلة لا نهائية من الأسئلة. رغم ذلك، يرى المؤلف أن القانون الدولي هو ممارسة اجتماعية ودليل توجيهي لصنع القرار، وأن الاستثمار السياسي الكبير في صياغة المعاهدات يثبت أنه أكثر من مجرد "أخلاقيات دولية".
يتناول الفصل بعد ذلك تطور مفهوم السيادة الوطنية، من السيادة الصلبة (التي تعطي الدولة حصانة مطلقة) إلى السيادة المنفذة (التي تسمح بتدخلات خارجية). يوضح المؤلف أن السيادة تطورت من مبدأ النظام الداخلي إلى أداة للفوضى الدولية، وأن الهدف من القانون الدولي الحديث هو تصحيح القوة غير المتوازنة للدول. في سياق سوريا، استندت الحكومة السورية إلى مفهوم السيادة الصلبة لتبرير رفض المساعدات الإنسانية ومنع التدخل، مستفيدة من شلل مجلس الأمن.
أخيراً، يقدم الفصل سرداً تاريخياً لصعود وهبوط مبدأ "المسؤولية عن الحماية". يشير المؤلف إلى أن هذا المبدأ شهد ذروته في التسعينيات مع سقوط جدار برلين عام 1989 وتدخل الناتو في كوسوفو عام 1999، ثم توج بقمة العالم عام 2005. لكن التدخل في ليبيا عام 2011 بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 1973 كان نقطة التحول، حيث أدى التوسع في تفسير تفويض الحماية إلى تغيير النظام وقتل القذافي، مما جعل روسيا والصين تعززان رفضهما لأي تدخل إنساني مستقبلي. عندما اندلعت الثورة في سوريا عام 2011، كان السياق الدولي قد تغير تماماً، مما جعل أي فكرة عن تدخل إنساني غير واردة.
يقر المؤلف بحدود واضحة في هذا الفصل، أهمها أنه لا يوجد إجابة نهائية حول مصدر صحة القانون الدولي رغم كل النظريات المطروحة. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت الممارسات الروسية والصينية في سوريا ستنجح في إعادة تشكيل القانون الدولي بشكل رجعي، مؤكداً أن ذلك قد يستغرق بضع سنوات ليتوضح. الحجة القابلة للنقاش هنا هي أن المؤلف يميل إلى انتقاد النهج القانوني الصارم في التعامل مع الأزمة السورية، حيث يرى أن التمسك بمبدأ السيادة الصلبة والتسليم بأنظمة غير مشروعة من الناحية الإنسانية يضعف فعالية القانون الدولي ويجعله أداة في أيدي الأنظمة الاستبدادية.
5.أداة الإرهاب: تجريد "الآخر" من الإنسانية66–71▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل بعنوان «أداة الإرهاب: تجريد "الآخر" من الإنسانية» كيف استخدم النظام السوري خطاب «الإرهاب» كأداة قانونية وسياسية وبلاغية لتبرير القمع الوحشي وتجنيد المجتمع الدولي لصالحه، محوّلاً الاحتجاج المدني السلمي إلى حرب إبادة ضد مواطنيه. يرى المؤلف أن المشكلة الأساسية في سوريا لم تكن صعوبة التمييز بين المدنيين والمقاتلين، بل الإبادة المتعمدة للمدنيين، مستشهداً باعتراف العقيد المنشق أنور رسلان، أحد معذبي الأجهزة الأمنية، في مقابلة عام 2013 بأن هدف التعذيب منذ أوائل 2012 لم يعد الحصول على معلومات بل «قتل مدنيين على نطاق واسع لا علاقة لهم بالمعارضة المسلحة أو الجماعات الإرهابية».
يبدأ الفصل بتتبع الجذور الدولية لهذه الظاهرة، مشيراً إلى أن رد فعل الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 قدّم «ذخيرة قانونية» أفقدت القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي فعاليتهما. يوضح المؤلف أن واشنطن اعتمدت بين 2001 و2009 المفهوم القانوني المشبوه لـ«المقاتل غير القانوني»، وهو مصطلح غير معروف في القانون الدولي، مما أتاح «إجراءات خاصة» مثل التعذيب بالماء في التحقيقات وإنشاء معسكرات اعتقال خارج أي نظام قانوني كمعتقل غوانتانامو. هذا التوجه، برأي المؤلف، شجّع الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي على تبني خطاب مماثل لقمع معارضيها.
ينتقل الفصل إلى مناقشة نقدية لدور مجلس الأمن الدولي، متسائلاً إن كان هيئة تصنع القانون أم يجب أن تلتزم بمعايير عليا كحقوق الإنسان الأساسية، مستشهداً بموقف وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس الذي قال عام 1950 إن «مجلس الأمن هو قانون بذاته». يقدم المؤلف حجج النقاد الذين يرون أن المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة لا يمكن أن تمنح المجلس تفويضاً مطلقاً يتجاوز مبادئ الميثاق نفسه. يخلص إلى أن الولايات المتحدة، بتجاهلها المنهجي للقانون الدولي وإضفاء الشرعية على التعذيب عبر مذكرات داخلية من النائب العام ألبرتو غونزاليس، حذت حذو الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، وبلغ ذروته بـ«الاستعانة بمصادر خارجية للتعذيب» عبر ترحيل مشتبه بهم إلى سجون في أفغانستان ومصر والأردن، بل وإرسال مشتبه بهم من القاعدة إلى الزنازين السورية حتى عام 2002.
بعد ذلك، يدحض الفصل «أسطورة المقاتل غير القانوني»، موضحاً أن هذا المفهوم ينتزع الفرد من أي حماية قانونية دولية، ويتحدى التصنيفات التقليدية للقانون الدولي الإنساني بين المقاتلين والمدنيين. يشير إلى أن الرأي القانوني الذي يقول إن المتمردين حتى لو كانوا «غير قانونيين» تظل حمايات القانون الدولي الإنساني تنطبق عليهم، بقي مجرد حاشية مهملة. ويؤكد أن النظام السوري استغل عمداً التضخم العالمي في استخدام مصطلح «الإرهاب» ليتجنب الاعتراف بوجود نزاع مسلح داخلي، مما كان سيُلزِمه قانونياً بحماية المدنيين والأسرى واحترام المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف، وسمح له بدلاً من ذلك باستخدام القوة المفرطة والتجويع والحصار تحت غطاء «محاربة الإرهاب».
يحلل الفصل الاستراتيجية البلاغية السامة للنظام، التي تجلت في مفاوضات جنيف. فعلى الرغم من المشاركة تحت الضغط الروسي، استخدم رئيس الوفد الحكومي بشار الجعفري باستمرار عبارات كـ«إرهابيين» و«أرجاس» و«وحوش» لوصف المعارضين الجالسين في غرفة المفاوضات ذاتها. يرى المؤلف أن هذا التجريد من الإنسانية كان عقبة كأداء أمام أي محادثات سلام، مبرراً رفض الجلوس مع «غير الوطنيين». في مقابل قوي، يستشهد الفصل بكلام الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس في حفل جائزة نوبل للسلام في 10 ديسمبر 2016، حيث قال إن «السعي لتحقيق النصر بالقوة فقط، ومطاردة التدمير الكامل للعدو، يعني الفشل في التعرف على خصمك كإنسان مثلك».
يختتم الفصل بفكرة «النبوءة ذاتية التحقق»، معترفاً بأن الجماعات المتمردة المتطرفة ارتكبت هي الأخرى جرائم حرب وانتهكت القانون الدولي الإنساني في مراحل لاحقة، مما جعل سردية النظام عن الإرهاب حقيقة جزئية. لكنه يوضح أن هذه النبوءة تحققت بفضل وحشية النظام منذ البداية، والتي غذّت التطرف بدورها. يقدم المؤلف ملاحظة لافتة: بعض الدبلوماسيين الغربيين استخدموا حجة التطرف الإسلامي في 2011 و2012 كتبرير لعدم التدخل أو حتى تزويد المعارضة المعتدلة بسلاح دفاعي، خوفاً من أن يقع في الأيدي الخطأ. لكن بعد سنوات من القتل، انتهت الأسلحة إلى أيدي الجميع. يختم الفصل بأن ضحية هذا التطور هم حقوق الإنسان الجماعية والفردية، لا سيما في الدول الضعيفة وتلك التي تقتل حكوماتها شعوبها.
6.نزع حياد المساعدات: كل الطرق تؤدي إلى دمشق72–103▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو كيف حوّل النظام السوري المساعدات الإنسانية الدولية إلى أداة في استراتيجيته الحربية الشاملة، أو ما يسميه المؤلف "الحرب التكاملية". يشرح الفصل أن دمشق لم تقم فقط بعرقلة المساعدات، بل قامت بإدارتها وتوجيهها بشكل منهجي لخدمة أهدافها العسكرية والاقتصادية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن حياد المساعدات تم تجريده بالكامل وتحويله إلى سلاح، مما جعل كل الطرق المؤدية إلى تقديم المساعدات، سواء عبر الخطوط أو عبر الحدود، تخضع لمنطق صراعي يخدم النظام في المقام الأول.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح آلية سيطرة الحكومة السورية على العمل الإنساني، مقارناً إياها بـ "مالك منزل" يسمح بدخول المساعدات لابنه المحتجز قسراً، لكنه يفرض شروطه ويصعّب العمل. يصف الفصل تطور نظام القيود، بدءاً من إنشاء قائمة بالمنظمات المعتمدة من وزارة الخارجية، وصولاً إلى فرض العمل تحت مظلتين رئيسيتين هما: الهلال الأحمر العربي السوري، وصندوق سورية للتنمية الذي تديره أسماء الأسد. كما يذكر إنشاء "اللجنة العليا للإغاثة"، التي كانت في الظاهر هيئة تنسيقية، لكن القول الفصل في reality كان لـ الأجهزة الأمنية (المخابرات) التي كانت تستطيع رفض أي مشروع دون إبداء أسباب. يذكر الفصل مثالاً مهماً على تحويل المساعدات إلى نموذج تجاري، حيث كان على المنظمات دفع رسوم ترخيص، ولم يُسمح لها باستيراد سوى 10% من البضائع الموزعة، مما أجبرها على الشراء من تجار يدعمون النظام وبأسعار مبالغ فيها، مما خلق نظاماً دائرياً لغسيل الأموال.
يوظف المؤلف أرقاماً وتواريخاً مهمة لتوضيح حجم المشكلة. يذكر أن تحليلاً لـ "مكتب سوريا الإقتصادي" أظهر أن الأمم المتحدة قدمت مليار دولار كمساعدات للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة خلال عام 2018، مقارنة بميزانية الحكومة البالغة حوالي 4 مليارات دولار في تلك السنة. كما يشير إلى تقرير غير منشور لـ "المركز السوري لبحوث السياسات" يقدر أن الإنفاق الإنساني الدولي في سوريا عام 2017 كان يعادل 35% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويكشف الفصل عن حجم التجارة في المناطق المحاصرة، حيث كانت قيمتها تقدر بـ 7 ملايين دولار أمريكي، وكانت تمنح تراخيص لتجار موالين للنظام تحت إشراف ماهر الأسد، شقيق الرئيس، لجني الأرباح وإعادتها إلى النظام. في إبريل 2016، كشف تقرير أن 88% من المساعدات الغذائية المنقولة من داخل سوريا ذهبت إلى مناطق سيطرة الحكومة، و12% فقط إلى خارجها، وأقل من 1% من سكان المناطق المحاصرة تلقوا مساعدات غذائية أممية شهرياً في عام 2015.
يتناول الفصل أيضاً معاناة الهلال الأحمر العربي السوري نفسه، حيث يوضح أنه بحكم كونه جزءاً من الدولة الشمولية، أصبح خاضعاً لسيطرة الأجهزة الأمنية، وأصبحت مستشفيات الدولة وسيارات الإسعاف التابعة له أماكن خطرة للمتظاهرين الجرحى الذين كانوا يُعتقلون ويعذبون. يذكر الفصل تقريراً لمنظمة العفو الدولية صدر في مطلع 2011، وثّق كيف حوّلت السلطات السورية المستشفيات إلى أدوات قمع. كما يشير إلى أنشطاء وموظفين سابقين مثل محمد رائد الطويل، عضو مجلس إدارة الهلال الأحمر الذي اعتُقل وعُذب داخل مقر الهلال الأحمر بسبب دفعته لإيصال المساعدات لمناطق المعارضة. يعترف الفصل بالضائقة الأخلاقية التي يعاني منها العاملون المحليون الذين واجهوا خياراً مستحيلاً: الانصياع لشروط النظام أو عدم القدرة على العمل أساساً، ويذكر أن 65 من موظفي الهلال الأحمر قتلوا أثناء عملهم حتى عام 2020.
يوضح المؤلف نقاشاً دبلوماسياً وأكاديمياً عميقاً حول خيارين صعبين: العمل عبر دمشق وفق شروطها، أو التحول كلياً إلى العمليات عبر الحدود من تركيا. يعترف الفصل بأن بعض الدبلوماسيين الغربيين فكروا في قطع التمويل للأنشطة التي تتعاون مع الحكومة، لكنهم واجهوا عدة عقبات: الحاجة لدعم دولي واسع، والخوف من أن يؤدي الانسحاب الكامل إلى تسييس المساعدات من طرفهم، وقناعة أن التعاون مع الحكومة يسمح بالوصول إلى عدد أكبر من المحتاجين في مناطق سيطرتها. يقدم الفصل رأياً قانونياً أكاديمياً للأستاذ مايكل بوت في عام 2013، يرى أن موافقة الحكومة السورية ليست ضرورية قانوناً للعمليات عبر الحدود بموجب القانون الدولي الإنساني، لكن هذا الرأي بقي أقلية. في النهاية، اختارت الأمم المتحدة في أغسطس 2012 البقاء والعمل تحت القيود الحكومية الصارمة بدلاً من الانسحاب.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة. فهو لا ينكر أن جماعات المعارضة المسلحة كانت أيضاً تسيء استخدام المساعدات وتمنع وصولها ونهبها، لكنه يؤكد أن الفرق الجوهري هو أن الحكومة تمتلك السلطة القانونية لوقف مشروع أممي بمجرد رفض التوقيع على ورقة. كما يشير إلى أن القيود الأمنية كانت تستخدم أحياناً كذريعة للتلاعب، بينما كان المستوى الحقيقي للفساد وغياب المراقبة المستقلة (كما أقرت أوتشا نفسها في تقريرها لعام 2016) يجعل من الصعب قياس الأثر الحقيقي للمساعدات بدقة. أخيراً، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول جدوى الحياد في صراع غير متماثل، وعن المسؤولية الأخلاقية للمنظمات الإنسانية التي وجدت نفسها تمول، ولو بشكل غير مباشر، "آلة القمع"، لكنه لا يقدم إجابات حاسمة.
يسلط الفصل الضوء على حجة قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، وهي فكرة أن البقاء والعمل تحت النظام كان خياراً أخلاقياً وقانونياً صعباً. فمن ناحية، أبقى هذا الخيار قنوات الإغاثة مفتوحة لملايين السوريين، لكنه من ناحية أخرى، جعل المجتمع الدولي شريكاً فعلياً في نظام استغلالي وربما أدى إلى إطالة أمد الحرب من خلال تخفيف العبء الاقتصادي عن النظام. يطرح الفصل تساؤلاً جدلياً مفاده: هل كان الانسحاب الكامل للأمم المتحدة احتجاجاً سيكون أكثر فعالية في الضغط على النظام لتخفيف قبضته، أم أنه كان سيؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر؟ الجدل الذي يوثقه الفصل يظل مفتوحاً، مما يعكس عمق المأزق الذي واجهه العاملون في المجال الإنساني في سوريا.
7.في المحك: معضلة الأمم المتحدة في سوريا104–117▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو معضلة الأمم المتحدة في سوريا، حيث يفحص المؤلف كيف وقعت المنظمة الدولية في "فخ الحياد" أثناء تقديم المساعدات الإنسانية في خضم الحرب. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الأمم المتحدة، في محاولتها للحفاظ على الحياد والتعامل مع الحكومة السورية كسلطة قائمة، انزلقت تدريجياً إلى موقف أصبح فيه تقديم المساعدات غير نقدي بل ومتواطئ أحياناً مع نظام دمر شعبه، مما أضر بمصداقيتها وأخلاقيات عملها.
يبدأ الفصل بوصف آلية الاستجابة الإنسانية المعقدة التي ابتكرتها الأمم المتحدة في سوريا، والتي عُرفت باسم "نهج سوريا بالكامل". يوضح المؤلف أن هذا النهج كان يتطلب تنسيقاً مزدوجاً بين منسقين: الأول في دمشق (RC/HC) والآخر إقليمي في عمان (RHC). كان الهدف من هذا الترتيب هو الجمع بين الجهات الفاعلة الإنسانية العاملة من داخل سوريا وتلك التي تعبر الحدود من تركيا و الأردن و العراق، في محاولة للالتفاف على المعضلة الأمنية والسياسية التي جعلت من المستحيل على موظفي الأمم المتحدة في دمشق زيارة عملياتهم عبر الحدود. يشير المؤلف إلى أن مسؤولاً أممياً سابقاً أكد أن هذا الهيكل ساعد في جمع الفرق معاً للاتفاق على رؤية مشتركة، وذلك ضمن خطة إنسانية سنوية تبلغ قيمتها 3.5 مليار دولار أمريكي. ومع ذلك، يقر الفصل أن النظام في دمشق كان غير راضٍ عن هذا الترتيب المزدوج لأنه أضعف سيطرته الكاملة على العملية الإنسانية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى جوهر الانتقادات الموجهة للأمم المتحدة، والتي تصاعدت علناً منذ عام 2016، متسائلاً: هل كان التواطؤ مع الشر هو البديل الحتمي؟ يستعرض المؤلف تقريراً مهماً في تاريخ الأمم المتحدة، وهو "تقرير لجنة الأمم المتحدة المعنية بعمليات السلام" (تقرير براهيمي) الصادر عام 2000. يقدم التقرير، الذي أعده المبعوث السابق الأخضر الإبراهيمي، استنتاجاً قاسياً مفاده أن فشل الأمم المتحدة في سربرينيتسا و رواندا في التسعينيات كان بسبب "ترددها في التمييز بين الضحية والمعتدي"، مما أدى إلى "التواطؤ مع الشر". يجادل المؤلف بأن هذا التحذير ينطبق تماماً على سوريا، حيث أصبحت الأمم المتحدة تقدم الخدمات لنظام يقتل شعبه بشكل غير نقدي تقريباً. ويشير الفصل إلى أن تقرير براهيمي دعا إلى إصلاح جذري في ثقافة العمل داخل الأمم المتحدة، وجعلها أكثر استحقاقية، وهو ما لم يحدث.
يتعمق الفصل في نقد بنيوي لثقافة العمل داخل الأمم المتحدة، مستشهداً بشهادات مسؤولين سابقين مثل تشارلز بيتري الذي استقال من منصبه في بوروندي. يشير بيتري إلى "قاعدة غير مكتوبة" مفادها أن موظفي الأمم المتحدة الذين يصبحون "غير مرغوب فيهم" في دولة ما يضر بمسيرتهم المهنية، مما يدفعهم لتجنب الصدام مع الحكومات. كما يصف ظاهرة "متلازمة ستوكهولم" التي تصيب الموظفين المتمركزين في العواصم، والذين يبدأون في ترديد خطاب النظام الحاكم. ويتناول الفصل كذلك النقد الأكاديمي، نقلاً عن رينود ليندرز و منصور، اللذين يريان أن الأمم المتحدة عززت بشكل مصطنع ودعمت ادعاءات الحكومة السورية بالسيادة غير المشروطة، حتى عندما كانت شرعيتها على المحك. ويضربان مثالاً بقول يعقوب الحلو، المنسق المقيم السابق، الذي أكد على التلفزيون السوري أن الأمم المتحدة تحترم سيادة سوريا "بالرغم من الوضع الصعب"، وهو ما قدم شرعية للنظام.
ينتقل الفصل إلى انتقاد شخصيات قيادية محددة في الأمم المتحدة في سوريا، مثل علي الزعتري (الذي شغل المنصب بين عامي 2015 و 2019). يصف دبلوماسي غربي الزعتري بأنه كان يرفض أي نقد لطريقة عمل الأمم المتحدة واصفاً إياه بـ"تسييس المساعدات"، وكان متردداً في إحاطة الدبلوماسيين الغربيين. ويروي الدبلوماسي أن الزعتري تحدث بلغة مهينة عن زملائه العاملين عبر الحدود من غازي عنتاب، وحاول تهميش خبراء حقوق الإنسان من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. يشير الفصل أيضاً إلى ممارسات مثيرة للجدل لمسؤولين آخرين، مثل أمين عوض من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، الذي شجع علناً عودة اللاجئين إلى سوريا رغم أن شروط الحماية لم تكن مستوفاة، وهو ما اعتبره الدبلوماسي مساهمة في تطبيع النظام.
يتناول الفصل بالتفصيل مشكلة المتعاقدين والشركاء المحليين، والتي يركز عليها بشدة. تكشف التحقيقات التي أجرتها صحيفة "الغارديان" و هيومن رايتس ووتش أن الأمم المتحدة تعاقدت مع شركات ومنظمات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام، بما في ذلك أشخاص خاضعون للعقوبات الغربية. على سبيل المثال، قدمت اليونيسف مبلغ 268,000 دولار لمنظمة "البستان"، وهي كيان تابع لـ رامي مخلوف، ابن خال الأسد وأحد أقوى رجال الأعمال في سوريا. كما تعاقدت الأمم المتحدة مع مؤسسة الشهيد المملوكة لمؤسس قوات الدفاع الوطني. يتناول الفصل أيضاً حالة الراهبة الأم أغنيس مريم الصليبية، التي اشتهرت بدفاعها عن النظام، والتي حصلت على تمويل من الأمم المتحدة لمشاريع حساسة في مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة، مما أثار تساؤلات حول حياد الأمم المتحدة وحكمتها.
يخصص الفصل فقرة مهمة لانتقاد ممارسات توظيف الأمم المتحدة، التي اعتبرها المؤلف خطاً أحمر آخر. يكشف أن الأمم المتحدة وظفت أقارب مسؤولين كبار في النظام، مثل شكرية المقداد، زوجة فيصل المقداد (نائب وزير الخارجية آنذاك، والذي أصبح وزيراً للخارجية في نوفمبر 2020)، التي عملت مستشارة كبيرة في منظمة الصحة العالمية، مما خلق "جو من الخوف والرقابة الذاتية" في الاجتماعات. يروي مسؤول أممي سابق أنه كان عليه الحذر مما يقوله في الاجتماعات حضرتها السيدة المقداد، واصفاً ذلك بأنه "يسخر من النظام". ويخلص الفصل إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على سوريا، مستشهداً بقضية موظف الأمم المتحدة كاليستي مباروشيمانا من رواندا، الذي استمرت الأمم المتحدة في توظيفه رغم اتهامه بالمشاركة في الإبادة الجماعية، مما يدل على عدم قدرة المنظمة على استخلاص الدروس من أخطائها الماضية.
يختتم الفصل بوصف لحظة حاسمة من الانهيار الكامل لمصداقية الأمم المتحدة، وهي معركة حلب في نهاية عام 2016. في 8 سبتمبر 2016، أعلن تحالف مكون من 73 منظمة غير حكومية تعمل في مناطق المعارضة انسحابهم من آلية التنسيق المشتركة مع مكتب الأمم المتحدة في دمشق، احتجاجاً على ما وصفوه بـ"التلاعب" من قبل الحكومة السورية و"رضا" الأمم المتحدة. واتهمت المنظمات الأمم المتحدة بالسماح للحكومة بإزالة المساعدات الطبية من القوافل وعزل الجهات الفاعلة الإنسانية الأخرى. يتناول الفصل أيضاً فشل "آلية فض الاشتباك" التي كانت تهدف إلى حماية المستشفيات والمرافق الصحية من القصف عبر مشاركة إحداثياتها. لكن هذه الإحداثيات نفسها تحولت إلى أهداف، مما جعل المنظمات تعيش في معضلة: هل تشارك الإحداثيات لحماية مرافقها أم لا؟ يذكر الفصل أن تحقيقاً أممياً في أبريل 2020 خلص إلى أنه "من المحتمل جدا" أن الحكومة السورية أو حلفاءها هم من قصفوا ثلاثة مرافق صحية ومنشآت أخرى، وهو ما دفع روسيا إلى الانسحاب من هذه الآلية الطوعية في يونيو 2020، متهمة الأمم المتحدة بإيواء "جماعات إرهابية".
في تحفظاته، يقر المؤلف بأن بعض انتقادات صحيفة "الغارديان" قد تكون مبالغاً فيها، مثل انتقاد استخدام الأمم المتحدة لشبكة الهاتف المحمول السورية. كما يشير إلى أن الموظفين المحليين في الأمم المتحدة غالباً ما ينتمون إلى الطبقات المتعلمة التي تسهل عليها التقديم على هذه الوظائف، وهي ظاهرة يصعب تغييرها. ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحاً حول مدى حتمية "فخ الحياد" الذي وقعت فيه الأمم المتحدة، خاصة في ظل الشلل الذي أصاب مجلس الأمن وفشل الجهود السياسية. الحجج القابلة للنقاش في الفصل تدور حول ما إذا كانت انتقادات الأمم المتحدة مبررة أم أنها تتجاهل الضغوط الهائلة والقيود التي فرضها النظام السوري على العمل الإنساني، وما إذا كان يمكن للأمم المتحدة أن تعمل بشكل مختلف في سوريا دون الانسحاب الكامل وترك المدنيين لمصيرهم.
8.أزمة مصداقية118–125▼ ملخص
يطرح هذا الفصل، المعنون "أزمة مصداقية"، قضية محورية هي تآكل مصداقية الأمم المتحدة في سوريا نتيجة التناقض بين خطابها الرسمي وممارساتها الفعلية على الأرض. يقدم المؤلف حجة أساسية مفادها أن الأمم المتحدة، بعد فشلها في حل الصراع عبر الوساطة، أصبحت متورطة في تخفيف أعراض الحرب بطريقة شابتها انتهاكات للمبادئ الإنسانية، مما جعل سوريا اختباراً حاسماً لهيبة المنظمة في زمن تراجع التعددية. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن المنظمة عانت من انقسام داخلي حاد وتردد قيادي، مما جعلها غير قادرة على تطبيق معاييرها الخاصة، وأدى إلى فقدان ثقة كل من المانحين والمجتمع المدني.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر توثيق هذه الأزمة، بدءاً من انتقادات المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام التي هزت النظام الأممي. يستشهد المؤلف بتصريح حاد من المحامي إبراهيم أولابي من برنامج التنمية القانونية السورية، الذي يقول: "لا يوجد عمل في سوريا متوافق تماماً مع حقوق الإنسان... والأمم المتحدة هي الأسوأ". يذكر الفصل أن الأمين العام السابق بان كي مون تعهد في عام 2013، بعد تقرير فشل المنظمة في سريلانكا، بـ"التحدث علناً عندما تكون الانتهاكات جارية"، لكن هذه الكلمات بدت جوفاء وفقاً للمؤلف. وبدلاً من زيادة الشفافية، أدى الانتقاد العلني إلى انسحاب بعض الوكالات الأممية من الأنظار العامة ووقف نشر بيانات عن شركائها، مما زاد التعتيم.
في رد فعلي على الانتقادات، طورت إدارة الشؤون السياسية (DPA) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وثيقة "المعايير والمبادئ للمساعدة الأممية في سوريا" في أكتوبر 2017، تحت قيادة وكيل الأمين العام جيفري فيلتمان. تضمنت هذه المعايير بنوداً واضحة: أن تكون المساعدة مبنية على احتياجات السكان لا الحكومة، وألا تقدم لأطراف ارتكبت جرائم حرب، وأن تراعي الحقوق في التوصيل بغض النظر عن مناطق النفوذ. لكن الفصل يظهر أن هذه المبادئ تحولت إلى ساحة معركة داخلية. فبينما أيدتها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) ومكتب المبعوث الخاص، حاول فريق الأمم المتحدة القطري في دمشق بقيادة علي الزعتري إضعافها وإعادة تفسيرها، مما دفع روسيا للاحتجاج عليها علناً لدى الأمين العام أنطونيو غوتيريش. ينتقد المؤلف غوتيريش لعدم إظهاره "شجاعة" في مواجهة ضغوط الدول الكبرى، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بالوثيقة وعدم انعقاد فريق العمل المكلف بمراقبتها حتى وقت نشر الكتاب.
أما المجتمع المانح، فيصفه الفصل بأنه محبط من هذا الشقاق الداخلي. في عام 2019، بدأت مجموعة من الدول الغربية (بقيادة ألمانيا، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الدنمارك، هولندا) إعداد قائمة انتقادات لحالات انتهاك مبادئ الأمم المتحدة، شملت تدخل النظام في اختيار الموظفين، والممارسات المتعلقة بالمشتريات، ومنع برامج الحماية. وصلت المذكرة إلى نائبة الأمين العام في يناير 2021، لكن المجموعة انقسمت بين من يريد التشهير بالمنظمة ومن يفضل الدبلوماسية السرية. يصف أحد الدبلوماسيين الغربيين المشكلة بأنها "نظامية"، مشيراً إلى معضلة المانحين: لا يمكنهم وقف التمويل الإنساني الكلي، لأن ذلك سيؤذي المدنيين، لكن استمراره بنفس الطريقة يعني التواطؤ في انتهاك المعايير.
يختتم الفصل بتأثير هذه الأزمة على السياسة الأمريكية، من خلال تقديم قانون "أوقف دعم الأمم المتحدة لـالأسد" في الكونغرس عام 2019. ينتقد القانون الممارسات الأممية مثل شراء النفط من شركات الدولة، وتحويل ملايين الدولارات لبنوك الدم التابعة للجيش السوري، وإجبار المنظمات غير الحكومية على اختيار شركاء من قائمة الحكومة. لكن المؤلف يكشف مفارقة: القوة الدافعة وراء القانون لم تكن إنسانية بحتة، بل كانت معاداة النفوذ الإيراني في سوريا وتهديد إسرائيل. يوضح الدبلوماسي السوري السابق بسام برابندي أن سوريا نفسها "لم تكن محل اهتمام" لأعضاء الكونغرس، بل كان الإطار المناهض لإيران هو ما جعل القانون مقبولاً. هذا الخلط بين الأهداف الإنسانية والسياسية، كما يرى المؤلف، جعل المساعدات الغربية تبدو كأداة لتغيير النظام في نظر الحكومة السورية، مما زاد من تعقيد العمل الإنساني ودفع الأمم المتحدة لتصبح "فاكهة متدنية" يهاجمها الجميع من اليمين واليسار السياسي.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات في الفصل، أبرزها الاعتراف بأن الوكالات الأممية ليست كتلة واحدة، بل بعضها مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) التزم بالمعايير ودفع الثمن بتقليص تأشيرات موظفيه. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان الضغط العلني على الأمم المتحدة يؤدي إلى إصلاح حقيقي أم إلى مزيد من التخفي والتراجع عن الشفافية. الحجة القابلة للنقاش ضمنياً هي أن "المعايير والمبادئ" التي وضعتها الأمم المتحدة لنفسها كانت معروفة مسبقاً في القانون الدولي، لكن الحاجة إلى إعادة صياغتها تؤكد أن المشكلة ليست في القوانين بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها تحت الضغط.
9.تنويع المساعدات: طرق للتحايل على دمشق126–135▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل قضية محورية: كيف حاولت الجهات المانحة الغربية توجيه المساعدات للسكان في مناطق سيطرة المعارضة السورية، متجاوزةً بذلك قيود النظام في دمشق، في ظل غياب حل سياسي حاسم. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الجهود تمثلت في ابتكار أدوات جديدة تتجاوز المساعدات الإنسانية التقليدية، لكنها اصطدمت بإشكاليات أخلاقية وسياسية وإدارية عميقة، وكثيراً ما أخفقت في تحقيق أهدافها الإنسانية والسياسية معاً.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. أولاً، يشرح الأزمة الأساسية: التمويل الإنساني التقليدي كان يُوجه عبر الأمم المتحدة إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، بينما كانت المناطق الخاضعة للقصف محرومة منه. أدى ذلك إلى ظهور ما يُسمى "المساعدات الإنسانية الزائدة"، وهو مصطلح غطى مجموعة من التدابير التي تتجاوز الإغاثة الطارئة نحو "التعافي المبكر" و**"التثبيت"** و**"التأهيل"**، لكنها ظلت غامضة الحدود. يوضح المؤلف أن هذه الأدوات كانت بمثابة اختراع طارئ يخدم غرضين: إيصال المساعدات إلى مناطق لا تصلها المساعدات التقليدية، ودعم هياكل المعارضة لمنحها شرعية كبديل معتدل للنظام.
ثانياً، يستعرض الفصل الآليات العملية التي طُورت. على سبيل المثال، تم إنشاء صندوق التعافي السوري بقيادة ألمانيا والإمارات في 2013، لكنه عانى من البيروقراطية والبطء مقارنة بتمويل الجماعات المتطرفة الذي كان يأتي "بحقائب مليئة بالمال". يورد المؤلف مثالاً عن مجلس محلي معتدل في الرقة احتاج 50 دولاراً أسبوعياً لدفع رواتب عمال النظافة، وهو مبلغ لم تستطع الوكالة الألمانية توفيره بسرعة بسبب الإجراءات المعقدة. في المقابل، كانت دول الخليج تقدم دعماً سريعاً نقدياً دون مراقبة، مما جعل التنافس غير متكافئ.
ينتقل الفصل بعدها إلى الانتقادات الحادة التي وُجهت لهذه السياسات. المصطلح نفسه "مساعدة إنسانية زائدة" اعتُبر تبريراً لتدخلات سياسية تحت غطاء إنساني، مما يهدد حياد العاملين في المجال الإنساني ويجعلهم جزءاً من أجندات الدول المانحة. والأخطر، كما يشير المؤلف، هو أن هذه السياسات خلقت "فراغاً إنسانياً" عندما كانت القرارات السياسية تحكم تنفيذ المساعدات غير الإنسانية. يورد مثالاً عن مستوصفات متنقلة مولها الاتحاد الأوروبي في إدلب؛ فحين استعاد النظام السيطرة على المنطقة، أُخليت هذه المستوصفات شمالاً، وترك السكان دون خدمات طبية، مما أدى إلى تفشي الكوليرا في 2017. وينتقد دبلوماسي أوروبي هذه السياسة قائلاً: "هكذا جعلنا من سياسة التنمية أداة سياسية نعاقب بها السكان لفشلهم في محاربة الأسد".
في القسم المخصص للمرحلة المتأخرة بعد 2016، يوضح المؤلف أن سقوط حلب الشرقي كان نقطة تحول. أدرك الغرب أن "الحرب خُسرت أساساً"، فتخلى تدريجياً عن الدافع السياسي (دعم شرعية المعارضة)، وبقي الدافع الإنساني فقط. لكن إعادة الإعمار ظلت ملفاً شائكاً. روسيا حاولت تحويل النقاش نحو التطبيع المبكر من خلال مؤتمر سوتشي في يناير 2018، لكن الاتحاد الأوروبي تمسك بشروطه السياسية (ربط إعادة الإعمار بإصلاحات سياسية جادة) مؤكداً أنها "أداة لتحسين الأوضاع" وليست مكافأة للنظام. لكن العقوبات الأمريكية المشددة وسياسة "الجزرة والعصا" الأوروبية أثبتتا فشلهما في تحريك النظام.
يتناول الفصل أيضاً الوضع على الأرض من منظور النظام. الأسد يرفض الإصلاحات خوفاً من انهيار نظامه، ويعتبر المساعدات الدولية محاولة لتغيير النظام بوسائل أخرى. بدلاً من تهيئة بيئة لعودة اللاجئين، أصدر النظام أكثر من 60 قانوناً لتنظيم الأراضي والممتلكات، تسمح له بمصادرة ممتلكات المعارضين وإقامة "مناطق تنموية" للسكان الموالين. وقد أعاد اكتشاف حزب البعث كأداة للسيطرة الاجتماعية بعد 2017، بعد أن كان قد ألغى المادة الثامنة من الدستور في 2012. هذا يعني أن أي جهد لا مركزي لإعادة الإعمار سيجري احتواؤه من قبل المركز.
في خضم ذلك، يطرح المؤلف أسئلة مفتوحة بوضوح. هل الزمن يعمل لصالح الأسد أم لصالح الغرب؟ الأسد يعتمد على الروس والإيرانيين، لكن اقتصاده ينهار وعملته لا قيمة لها. الغرب يعاني من انقسامات داخلية، واختفى التوصل إلى موقف أوروبي موحد بشأن سوريا لأول مرة في 2019. ثم جاءت جائحة كورونا 2020 لاستنزاف ميزانيات الدول المانحة، مما أغلقت نافذة فرصة الأسد للحصول على أموال إعادة الإعمار بسهولة. يقترح بعض المحللين مثل موريل آسبورغ الربط مع السلطات المحلية لتجنب الفساد المركزي، وآخرون مثل جوليان بارنز داي يقترحون الشراكة مع المجتمع المدني، لكن كلا المقترحين يظل يائساً وغير مضمون في ظل سيطرة النظام المحكمة.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، يبرز التناقض الأساسي الذي يعترف به المؤلف: سياسة "المساعدات الزائدة" كانت محاولة يائسة لعلاج أعراض كارثة دون معالجة أسبابها السياسية. من ناحية، تخلت عن مبدأ الحياد الإنساني وجعلت المساعدات رهينة للأجندات السياسية. ومن ناحية أخرى، فإن التمسك الصارم بالمبادئ الإنسانية التقليدية كان يعني التخلي عن ملايين المدنيين تحت القصف. هذا المأزق الأخلاقي هو جوهر ما يسميه الكاتب "فخ الحياد". ويخلص الفصل إلى أن النقاش حول إعادة الإعمار أصبح محاصراً في معضلة أخلاقية مماثلة: عدم العمل يعني قبول دولة فاشلة في منطقة استراتيجية وجيل ضائع من السوريين، أما العمل بشروط النظام فيعني تغذية نظامه النهبي والاستبدادي.
10.مواقف غير قابلة للتوفيق: طرق بلا وجهة136–143▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، "مواقف غير قابلة للتوفيق: طرق بلا وجهة"، على المأزق الأخلاقي والسياسي العميق الذي واجهته المنظمات الإنسانية في سوريا، والذي يُسمّيه المؤلف "فخ الحياد". الإجابة المحورية التي يقدمها هي أن محاولة الحفاظ على الحياد الإنساني الصارم في صراع يُمارس فيه النظام السوري "حرباً تكاملية" (حيث يُستخدم العمل الإنساني نفسه كأداة حرب) لم تفشل فقط في تخفيف المعاناة، بل ساهمت في إطالة أمد النزاع. يطرح الفصل تساؤلاً جذرياً: هل الأفضل تقديم مساعدات قد تصل نسبة ضئيلة منها فقط إلى المحتاجين بينما يغذي الباقي آلة الحرب، أم وقف المساعدات بالكامل لحرمان النظام من الموارد وإجباره على إنهاء الصراع؟
يبدأ الفصل باقتباس صارخ من الدبلوماسي السوري السابق بسام برابندي، الذي يلخص المعضلة قائلاً إن الـ 80% من المساعدات التي لا تصل إلى المحتاجين تُغذي الصراع. ويقترح برابندي خياراً صعباً: وقف المساعدات لستة أشهر قد يؤدي إلى وفيات إضافية، لكنه قد ينهي الصراع بحرمان النظام من الموارد. ويذكر أن سكاناً في حلب اتهموا العاملين في المجال الإنساني بإطالة أمد معاناتهم لأن توصيل المساعدات تحول إلى "عمل تجاري" بالنسبة لهم. في المقابل، تدافع ممثلة عن الصليب الأحمر عن الفصل الصارم بين العمل الإنساني والسياسي، مؤكدة أن المبادئ التوجيهية هي ما يسمح للعاملين بالإنسانيين بالعمل بفعالية دون الحاجة "للنظر يميناً أو يساراً"، تاركة الشأن السياسي للسياسيين.
يوضح الفصل حالة "المعتقلين" كمثال صارخ على هذا الانقسام. يرى برابندي والناشطون السوريون أن إطلاق سراح النساء والأطفال هو "طلب إنساني" يمكن استخدامه كورقة ضغط سياسية على النظام. لكن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا رفض ربط ملف المعتقلين بمفاوضات جنيف، معتبراً إياهما "ملفين منفصلين". ويخلص المؤلف إلى أن إدراج قضايا إنسانية في أجندة المفاوضات السياسية، عندما لا تكون الأطراف مستعدة حقاً لبناء الثقة، قد لا يكون ناجحاً وقد يعرض الأرواح للخطر. لم ينجح هذا النهج في تاريخ محادثات جنيف منذ 2014، وكذلك فشلت محاولات برابندي لإشراك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مجموعة العمل المعنية بالمعتقلين المرتبطة بصيغة أستانا، بدعوى أن ذلك سيكون "تسييساً" للقضية الإنسانية. وينتقد برابندي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لسلبيتها، مشيراً إلى أن دفعها لمليارات الدولارات للأمم المتحدة يمنحها نفوذاً لا تستخدمه.
يتعمق الفصل في تحليل ما يسميه "النقص المزدوج" في النظام الدولي. النقص الأول هو الشلل الذي أصاب أدوات التعددية، وعلى رأسها مجلس الأمن بسبب الفيتو الروسي، مما حال دون معالجة الكارثة كأزمة سياسية. النقص الثاني هو إلقاء عبء التعامل مع أعراض المأساة وحدها على عاتق العاملين في المجال الإنساني، الذين تُركوا وحدهم لمواجهة نظام يرتكب جرائم حرب. يصف المؤلف المساعدات الإنسانية الضخمة التي خصصها المانحون بأنها "غطاء" أو "ورقة تين" لفشلهم السياسي في التدخل، مقتبساً من دونيني ودالير وصف المنظمات الإنسانية بأنها ورقة التين التي تخفي تقاعس الدول. ويشير إلى أن بعض العاملين في المجال الإنساني أظهروا نقصاً في التقييم أو الحساسية، مما زاد الطين بلة.
يحلل الفصل دوافع القوى الكبرى في سوريا، ويركز بشكل خاص على روسيا. يرى أن موسكو دخلت الحرب على ثلاثة مستويات متوازية (عسكري، سياسي، دبلوماسي) لتعزيز قوتها الجيوسياسية والعودة إلى مستوى الندية مع الولايات المتحدة. لكن المؤلف يطرح سؤالاً نقدياً: لماذا شعرت روسيا بضرورة التواطؤ في أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني؟ يجيب بأن هذا السلوك حال دون نجاح طموحاتها العالمية على المدى الطويل. ويصف فشل "القوة الناعمة" الروسية، فلو امتنعت موسكو عن استخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن وقيدت نفسها عسكرياً، لكانت انتصرت في الحرب عسكرياً مع بعض التأخير، لكنها كانت ستتحول بسلاسة من طرف في الحرب إلى صانع سلام، مما كان سيخفف أعباءها ويكسبها دعماً دولياً لإعادة الإعمار.
يختتم الفصل بالحديث عن "ازدراء التعددية". فبالإضافة إلى انتقادات ترامب للأمم المتحدة، أظهر حلفاء الأسد، وخاصة روسيا، احتراماً متضائلاً للمنظمة، فشوهوا عمل خبرائها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ولجنة التحقيق، متهمين إياهم بالتحيز. أصبحت الأمم المتحدة "كيس ملاكمة" للقوى الكبرى و"أداة إنكار" للحقائق. وينهي الفصل باقتباس من مقابلة للرئيس بشار الأسد مع باربرا والترز عام 2011، حيث وصف فيها الأمم المتحدة بأنها "لعبة نلعبها" ولا يؤمن بها أحد، مما يلخص التحدي الوجودي الذي تواجهه المنظمة الدولية.
في التعليق الختامي، يطرح الفصل حجة قابلة للنقاش بشكل كبير: وهي أن الالتزام الصارم بالحياد الإنساني في صراعات كهذه ليس فقط غير فعال أخلاقياً، بل قد يكون تواطؤاً فعلياً مع الجاني. لكن الإشكالية التي لا يعالجها الفصل بالعمق الكافي هي: من يملك السلطة والشرعية لاتخاذ قرار وقف المساعدات الإنسانية كأداة سياسية؟ وما هي الضمانات التي تمنع تحول هذا القرار نفسه إلى أداة ابتزاز في يد قوى دولية أخرى؟ هذا السؤال يظل مفتوحاً ومصدراً للجدل المستمر.
11.حجج للتغيير: كيف نتجنب فخ الحياد144–151▼ ملخص
يطرح هذا الفصل حجة مركزية مفادها أن ممارسة "الحياد" الصارم في تقديم المساعدات الإنسانية في صراعات مثل سوريا ليست محايدة في الواقع، بل تتحول إلى فخ يخدم الطرف الأقوى ويطيل أمد الحرب. يقدم المؤلف، كارستن فيلاند، سبعة حجج رئيسية تدعو إلى تغيير هذه الممارسة الدولية الراهنة، ويخلص إلى أن استمرار العمل "كالمعتاد" هو أسوأ الخيارات بعد ما حدث في سوريا، سواء لإنقاذ الضمير الإنساني العالمي أو لتعزيز صمود القانون الدولي.
يسير الفصل عبر الحجج السبع بشكل متسلسل. أولاً، الحجة القائمة على الاحتياج، حيث يرى المؤلف أن المساعدات لا تصل إلى الأكثر احتياجاً ولا تكفي، مما يجعل مبادئ الحياد والنزاهة مهزلة. ثانياً، الحجة القانونية، التي تشير إلى أن الرأي القانوني المعاصر يدعم أشكالاً بديلة للتعاون الإنساني مثل عمليات التسليم عبر الحدود رغم إرادة الدولة المعنية، لكنه يحذر من أن هذا الموقف قد يصبح هشاً إذا استمر تآكل التعددية. ثالثاً، الحجة القائمة على القيم، حيث يرى أن تحويل المساعدات وإساءة استخدامها يقوي الأنظمة التي ترتكب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وهي حقوق أصبحت جزءاً من نظام القيم العالمي الذي التزمت به الأمم المتحدة.
رابعاً، حجة الوساطة، التي تفيد بأن الطرف الأقوى في النزاع (غالباً الدولة) يستخدم الموارد الإنسانية لمصلحته، مما يزيد عدم التكافؤ ويجعل أي وساطة مستحيلة لأنه يزيل أي حافز للطرف الأقوى للجلوس إلى طاولة المفاوضات. خامساً، حجة المصداقية، حيث فشلت الأمم المتحدة في تحقيق حل سياسي وسيط في معظم النزاعات الحالية، وأثار تعاملها مع المساعدات استياءً واضحاً في الحالة السورية، مما يترك أثراً دائماً على المنظمة التي تواجه تشكيكاً من قادة وطنيين وتخفيضات في الميزانية. سادساً، الحجة الاقتصادية، التي ترى أن الموارد المهربة تمتص ملايين الدولارات في اقتصاد حربي يطيل النزاع، ويقوي هيكل دولة مفترسة، ويعفيها من تقديم الخدمات لشعبها. سابعاً، حجة فخ الحياد نفسه، حيث يوضح الفصل أن صانعي القرار الذين يصرون على الحياد الاسمي يتجاهلون الواقع السياسي، مما يجعل "الحياد" في الإنفاق تحيزاً فعلياً لصالح الطرف الأقوى.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الخيارات الجذرية لتجنب هذا الفخ. الأول هو الاعتراف صراحةً بأن المساعدات في ظل هذه الظروف ليست إنسانية، أو الانسحاب التكتيكي المؤقت كما حدث في البوسنة عام 1993 أو اليمن عام 2020. ويطرح تساؤلاً افتراضياً: كيف كان سيتصرف النظام السوري لو هددت الأمم المتحدة بالانسحاب جماعياً في عام 2012؟ لكنه يعترف بأن هذه الخيارات تعتمد على الظروف الفردية وتوازن القوى، وأن هناك حججاً مضادة قوية مثل حجة "الجدار الناري" التي تحمي العمل الإنساني من التأثير السياسي، وحجة "الاستقرار القانوني" التي تخشى تآكل النظام القانوني الدولي باتخاذ قرارات فردية مختلفة في كل أزمة.
يقدم الفصل قائمة توصيات عملية للممارسات المحسّنة ضمن الإطار الحالي، مستنداً إلى تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وتشاتام هاوس والمجلس النرويجي للاجئين وأوكسفام. تشمل التوصيات: التمسك بقراءة القانون الإنساني الدولي وبخاصة المادة 3 من اتفاقية جنيف التي تنفي صلاحية الأسباب "التعسفية أو المتقلبة" لرفض الوصول الإنساني؛ واتباع نهج تفاوضي أكثر صرامة مع النظام، مستشهداً بحالات نجاح منظمات دولية تفاوضت بإصرار وألغت مشاريعها عند فرض شروط غير مقبولة؛ والعمل الجماعي المنسق بين المنظمات لكسر استراتيجية "فرق تسد" التي يتبعها النظام، من خلال تجميع عروض المساعدات وتقديمها كخيار "خذ أو اترك".
أما التوصيات الأخرى فتشمل: تعزيز آليات التمويل المشترك وتبادل المعلومات حول نجاحات المفاوضات؛ إنشاء خطوط حمراء مشتركة والاستعداد للانسحاب؛ وضع مبادئ توجيهية تشغيلية تمكن المنظمات من اختيار شركائها المحليين بحرية ومراقبة العمليات؛ إجراء تقييمات احتياجات مستقلة وشاملة؛ ورفض أي تدخل خارجي في عمليات التوظيف، وعدم توظيف مقربين من أي طرف متقاتل. كما ينبغي للمنظمات التوقف عن مشاركة ملفات المشتريات مع الحكومة أو كيانات تابعة مثل الهلال الأحمر العربي السوري أو سوريا ترست، وإنشاء عملية فحص دقيقة لاستبعاد المتورطين في انتهاكات أو الموجودين على قوائم العقوبات.
يشير الفصل إلى تقرير روزنتال لعام 2019 حول أداء الأمم المتحدة في ميانمار، الذي يميز بين مقاربتين أقل تطرفاً من الانسحاب: الأولى هي "الدبلوماسية الصريحة" (العمل الجماعي القوي)، والثانية هي "المشاركة المبدئية" أو "الدبلوماسية الهادئة". ويرى أن أي منهما ليس صواباً أو خطأً بحد ذاته، ويمكن أن يعملا بالتوازي. في السياق السوري، يوصي الفصل باستخدام المساحات المحلية الصغيرة للعمل الإنساني، كما فعلت منظمة كاريتاس الكاثوليكية التي تعاونت مع شركاء سوريين مسجلين لدى الحكومة وتمتعت بحرية تشغيلية نسبية في بعض المناطق.
في الختام، ينتقد الفصل سلوك الجهات المانحة، التي غالباً ما تختار طريق المقاومة الأقل بتحويل الأموال للأمم المتحدة دون تدقيق كافٍ بدافع تجنب الجدل. ويطالب بزيادة الشجاعة الفردية والسياسية لتجربة شراكات جديدة، ومراجعة الحوافز التنظيمية في وزارات الخارجية والتنمية، وكسر "الجدار الناري" بين الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان في صنع القرار. ويخلص إلى أن تطبيق هذه الدروس والتوصيات قد يجعل خيار الانسحاب الكامل هو الملاذ الأخير، لكنه يظل خياراً واقعياً لا بد منه في لعبة البوكر السياسية التي تتطلب من الإنسانيين أحياناً المقامرة لإنقاذ مبادئهم، معيدين بذلك هدف المساعدات إلى مركزه الصحيح بدلاً من موقعه المحرف.
تُظهر الحجج المطروحة في الفصل قابليتها للنقاش بوضوح، خاصة فيما يتعلق بالخيارات الجذرية. فبينما يقدم المؤلف حججاً قوية ضد الوضع الراهن، فإنه يعترف بوجود حجج مضادة صلبة مثل "الجدار الناري" و"الاستقرار القانوني". كما أن توصياته العملية، رغم منطقيتها، تطرح تساؤلاً حول إمكانية تطبيقها في بيئة شديدة التسييس كسوريا، حيث أثبت النظام قدرته على فرض إرادته. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان النهج الأكثر تشدداً سيؤدي بالفعل إلى تحسين الوصول الإنساني أم إلى حرمان الملايين من المساعدات تماماً، خاصة أن الفصل نفسه يعترف بأن فرص نجاح التهديد بالانسحاب كانت أكبر في المراحل المبكرة من النزاع.
12.الخاتمة152–201▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل الختامي هو استخلاص الدروس المستخلصة من الحرب السورية وتأثيرها على القانون الدولي والممارسات الإنسانية والسياسية. يقدم المؤلف حجة أساسية مفادها أن الصراع السوري كشف عن عجز مزدوج في النظام الدولي: شلل متعدد الأطراف وغياب الإرادة السياسية لاحتواء النزاع، وترك الفاعلين الإنسانيين وحدهم للتعامل مع أعراض كارثة إنسانية في ظل نظام يقتل شعبه. يخلص الكتاب إلى أن مفهوم "المسؤولية عن الحماية" قد دُفن تحت أنقاض سوريا، بينما عادت سيادة الدولة الصارمة إلى الواجهة بقوة، وأن المساعدات الإنسانية نفسها تحولت إلى فخ سياسي يُطيل أمد الحرب.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه المعضلات. يبدأ بتأكيد أن تعقيد الصراع، بتعدد الأطراف والمصالح، وشلل مجلس الأمن، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، شكل كابوساً للمدنيين ولأي محاولة تسوية سياسية. يذكر المؤلف أن الحكومة السورية كانت مسؤولة عن الغالبية العظمى من deaths المدنيين وتدمير البنية التحتية الطبية، لكنها في الوقت نفسه تلقت حصة كبيرة من المساعدات الدولية، التي قدرت بعض التقديرات أنها شكلت حوالي ثلث الناتج المحلي الإجمالي لسوريا زمن الحرب. يحلل الفصل بعمق ما يسميه المؤلف "الحرب التكاملية"، وهي استراتيجية منهجية يستغل فيها النظام جميع الموارد الدولية المتاحة، بما في ذلك المساعدات الإنسانية، لصالحه، عبر توجيهها أو امتصاصها أو استخدامها لدعم اقتصاده الحربي.
يقدم الفصل حجة رئيسية حول "فخ الحياد". هذا الفخ يقع فيه صناع القرار السياسي والإنساني عندما يتمسكون بمبادئ الإنسانية والحياد والتجرد بشكل صارم في محاولة لحماية قراراتهم من التأثير السياسي السام. لكن عندما تكون الحكومة طرفاً في الحرب وتقتل شعبها على نطاق واسع وتستخدم المساعدات كسلاح، فإن راية الحياد تصبح مهزلة، وقد يتحول الموقف المحايد إلى نقيضه، مما يطيل أمد الحرب والمعاناة. يناقش الفصل الجدل بين معسكرين: المعسكر السياسي أو البراغماتي الذي يرى أن السياسة والعسكر شكلا القانون الدولي، وأن الانتهاكات الجسيمة تبرر تجاوز حكومة الدولة المضيفة وحتى مجلس الأمن عند شله، والمعسكر القانوني الذي يهتم باستقرار القانون الدولي ويربط أي تغيير بتفويض من مجلس الأمن، ويفضل إيصال المساعدات عبر الحكومة القائمة.
يسرد الفصل سلسلة من الانتقادات الموجهة للأمم المتحدة في سوريا، بما في ذلك التركيز المفرط على سيادة الدولة، وتوظيف أقارب لأعضاء الحكومة، والاختيار غير الدقيق للشركاء المحليين المرتبطين بالميليشيات، وعرقلة الحكومة لتقارير الأمم المتحدة وحركتها. يرى المؤلف أن نقاط الضعف الهيكلية هذه ليست جديدة، فقد ظهرت في تقارير سابقة مثل تقرير براهيمي عام 2000، لكن منحنى التعلم في الأمم المتحدة ظل مسطحاً، حيث يكرر كبار المسؤولين نفس الأخطاء دون مساءلة.
أخيراً، يناقش الفصل تحول المساعدات في سوريا إلى "نموذج تجاري" للربح، حيث أنشأ النظام هيكلاً هجيناً تجارياً خيرياً لإعادة توجيه الأموال إلى كياناته وأصدقاء عائلة الأسد. يحذر المؤلف من أن أي مساعدات غير مشروطة في مرحلة ما بعد النزاع ستغذي حرب النظام الاقتصادية وتديم الانتهاكات. ويخلص إلى أن الفشل السياسي الدولي في الاستثمار بحل سياسي منذ البداية هو الذي أدى إلى تطرف البدائل السياسية وتدمير خيارات التغيير السلمي، وأن الفشل السياسي ترجم إلى تحدٍ إنساني هائل، وليس العكس. ينهي الفصل باقتباس من الممثل السوري المعارض جمال سليمان يقول فيه إن "الحياد قتل الكثيرين في سوريا وتركنا في المنفى لثماني سنوات الآن. لقد قتلنا بهدوء بحبل من حرير."
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص