المورد
Syria's Secret Library

Syria's Secret Library

Mike Thomson١ كانون الثاني ٢٠١٩enPublicAffairs

بدأت قصة “مكتبة سوريا السرية” لمايك طومسون من بلدة داريا، الضاحية الدمشقية التي لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل كانت كياناً متماسكاً له هويته المستقلة. يصف الكاتب داريا قبل عام 2011 بأنها مجتمع زراعي عريق، كان تعداد سكانه نحو 90,000 نسمة، يتميز بتاريخ من التحدي والاحتجاج السلمي يعود إلى العصر الأموي، وصولاً إلى مبادرة “مجموعة شباب داريا” في عام 1998 التي حاولت إنشاء “مكتبة سبل السلام” الأولى، قبل أن تُقفل وتُصادر كتبها من قبل الشرطة. هذه النزعة المبكرة للتمرد الفكري والمدني هي التي فسرت لاحقاً تحول البلدة إلى قلب نابض للمقاومة السلمية في بداية الثورة.

يُظهر الكتاب التحول الدراماتيكي الذي شهدته داريا بعد اندلاع الاحتجاجات في 2011، حيث قاد يحيى شربجي، الناشط السلمي البالغ من العمر 32 عاماً، حملة “الورود والماء” للجنود، وانضم إليه غيات مطر، الخياط الشاب. لكن جثة غيات الممزقة التي أُعيدت بعد اعتقاله في سبتمبر 2011 كانت نقطة التحول. بعد مذبحة أغسطس 2012 التي راح ضحيتها، حسب الروايات المحلية، أكثر من 700 شخص بينهم 39 امرأة و62 طفلاً، تحولت البلدة التي كان يسكنها 80,000 نسمة إلى مجتمع محاصر لا يتجاوز عدد سكانه 8,000 شخص، وبدأ فصل جديد من المعاناة تحت الحصار الخانق الذي فرضه النظام منذ نوفمبر 2012.

في قلب هذا الدمار، ولدت المكتبة السرية. مجموعة من الشبان الجامعيين السابقين، بمن فيهم أنس حبيب، وعبد الباسط الأحمر، وأيهم السقا، وهمام الطعون، وسارة مطر، قرروا إنقاذ الكتب من المباني المدمرة والمهددة بالزوال. كانت عمليات الإنقاذ أشبه بمهمات عسكرية، تتم في ساعات الفجر الأولى، عبر ثقب الجدران واستخدام الحبال والبطانيات، مع الالتزام بعدم تجاوز نسبة خطر 70%. الكتب التي جمعوها كانت متنوعة: من باولو كويلو وماركسية محمد عمارة، إلى أدونيس ومرام المصري، وروايات أغاثا كريستي. فلسفتهم كانت منفتحة تماماً، كما أوضح أنس: “لا نمنع أي كتاب. استبعاد الكتب التي لا نتفق معها هو مجرد مساعدة لرفع الجهل”.

تزامن الافتتاح الرسمي للمكتبة في مايو 2014 مع تكثيف النظام استخدام القنابل البرميلية، لكن الاحتفال تحت الأرض تم بالحلوى المصنوعة من السكر والدقيق وجوز الهند. لم تكن المكتبة مجرد مستودع كتب، بل تحولت إلى مركز مجتمعي متكامل. أصبح أمجد، الصبي في الرابعة عشرة، أميناً للمكتبة. كانت المدرسة التي أسستها سارة مطر في قبو شقة سكنية تُعلّم الأطفال التفكير النقدي، بعيداً عن مناهج حفظ نصوص الرئيسين بشار وحافظ الأسد. قصت سارة صور الطعام من كتب العلوم لئلا تثير مشاعر الحرمان لدى التلاميذ الجائعين. وفي خطوة لافتة، قال محمد شحادة، المدرس السابق المعروف بـ”الأستاذ”، إن البقاء في داريا المحاصرة هو شكل من أشكال المقاومة، ورغم أن 60% من مباني البلدة كانت قد دُمرت، فإن المجلس البلدي المنتخب حديثاً كان لا يزال يقوم بإصلاح النوافذ والأبواب.

الفن أيضاً كان جزءاً من هذه المقاومة الفكرية. أبو مالك الشامي، الفنان الشاب الذي حمل السلاح وانضم إلى الجيش السوري الحر في مارس 2013، بدأ الرسم على الجدران في صيف 2014. لوحته الشهيرة لطفلة تقف على كومة من الجماجم وتكتب “أمل” أصبحت أيقونة عالمية. عمل مع المصور مجد معضماني، الملقب بـ”عين داريا”، وأنتجا أكثر من 20 لوحة جدارية. بعد مقتل مجد، استمر أبو مالك برسم لوحات تعبر عن القمع والثورة وأمهات سوريا. هو نفسه أصيب برصاصة في صدره أثناء هجوم في زبداني، لكنه استخدم فترة النقاهة للتخطيط لأعمال جديدة. وكان يقرأ في المكتبة السرية عن التاريخ والتنمية البشرية، معترفاً بأنها غرست فيه حب القراءة.

المكتبة لم تقتصر على المدنيين. المقاتلون في الجيش السوري الحر، مثل راتب أبو فايز وعمر أبو أنس، كانوا يتبادلون الكتب في الخنادق، ويعقدون نوادي كتاب كل خمسين متراً تقريباً على خط المواجهة. عدد زوار المكتبة بلغ 30 شخصاً يومياً، وتضاعف عدد القائمين عليها من عشرة شبان إلى أكثر من 80 شخصاً يعملون بنظام المناوبات. أقيمت محاضرات عن إعادة بناء هيروشيما بعد القنبلة الذرية، وعن غارة لندن الجوية (The Blitz) وكيف صمدت المدينة. حتى أن أيهم السقا، طالب طب الأسنان السابق، أصبح طبيب الأسنان الوحيد في داريا بعد رحيل جميع الأطباء، معتمداً على الكتب الطبية من المكتبة ومواد منتهية الصلاحية ومولد كهرباء يعمل لساعة يومياً.

الحياة تحت الحصار كانت جحيماً يومياً. الموت يتربص بالفلاحين في حقولهم، والأمهات يضعن أطفالهن في الفراش جائعين ويشربن الماء ليشعرن بالشبع. بحلول صيف 2013، كان سبعة أشخاص قد ماتوا بسبب سوء التغذية. في أغسطس 2013، استخدم النظام غاز السارين في الغوطة الشرقية وداريا، مما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 1400 شخص، وهو ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه أكبر استخدام للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين منذ عهد صدام حسين، دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً. في 30 سبتمبر 2015، تدخلت القوات الجوية الروسية دعماً للنظام، مما زاد من تأزيم الوضع.

مع استمرار الحصار، تحولت المكتبة إلى هدف. في صباح أحد أيام ديسمبر 2015، أصيبت بقنبلة برميلية دمرت مدخلها، لكن الكتب نجت بفضل النفق الذي حفره القائمون عليها. انتشرت شائعات بأن النظام استهدفها بعد حصوله على معلومات عن موقعها. رغم كل هذا، ظل المقاتلون والمدنيون على اتصال بالعالم الخارجي عبر Skype وWi-Fi ضعيف الإشارة، يروون قصصهم. في يناير 2016، صدمت سارة المؤلف عندما قالت إن الجدران في المكتبة أصبحت “تبكي”. وفي 24 يوليو 2016، بدأ هجوم عنيف جديد، وسقطت أجزاء من داريا في اليوم التالي باستشهاد القائد الميداني أبو عارف عليان.

في 25 أغسطس 2016، تم التوصل لاتفاق بين قادة المتمردين والحكومة يمنح الجميع ممراً آمناً. في صباح 26 أغسطس، بدأت حافلات الهلال الأحمر العربي السوري بنقل المقاتلين إلى إدلب والمدنيين إلى مناطق خاضعة للحكومة. عبد الباسط وأنس ومحمد شحادة وسارة وأمجد غادروا داريا. أنس قال إنه سيحمل معظم ذكرياته في رأسه حتى لا يستطيع أحد أخذها. أمجد، أمين المكتبة البالغ من العمر 14 عاماً، تجول في المكتبة لأخر مرة محاولاً حفظ كل شيء، وبكى، ثم غطى مع آخرين مدخل المكتبة بأكياس الرمل لإخفائها. بعد الإخلاء بخمسة أسابيع، عثر فريق من سي إن إن على المكتبة منهوبة، والجنود السوريين يحملون الكتب على شاحنة صغيرة. لاحقاً، عُثر على الكتب معروضة للبيع في شوارع دمشق، بفضل نظام الترميز الذي سجل به كل كتاب وصاحبه.

لم يتوقف الحلم عند هذا الحد. في إدلب، بدأ مالك الرفاعي ومحمد شحادة والمجموعة مشروعاً جديداً: مكتبة متنقلة. بتمويل من “المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية” ومقرها بروكسل، اشتروا شاحنة صغيرة وأكثر من 2200 كتاب، وبدأوا جولاتهم في يوليو 2017، متجنبين نقاط تفتيش الجماعات المتطرفة. عبد الباسط تزوج من خطيبته زهور في نهاية 2016، وأصبح أباً لطفل اسمه محمد، ويدخر لشراء كتب جديدة، معترفاً بأن المكتبة كانت “أكسجين لأرواحهم”. أنس أصبح أباً لطفلة اسمها بتول، ويخطط للعودة إلى داريا لإعادة بناء المكتبة. أبو مالك الشامي واجه تهديدات من جبهة النصرة في إدلب بسبب لوحاته، مما اضطره لتعليق مشروعه الفني. سارة تعيش في مخيم قرب الحدود التركية، وتخطط لإنشاء مكتبة صغيرة هناك، رغم أن الحياة في المخيم أكثر رعباً من داريا المحاصرة بسبب الاقتتال بين الجماعات المسلحة.

يقرّ الكتاب بصعوبة التحقق من الأرقام الدقيقة للمجازر، ويترك أسئلة مفتوحة حول مصير الصحفي أوستن تايس الذي اختفى في داريا، وحول مصير يحيى ومعن شربجي بعد اعتقالهما. كما يعترف المؤلف بأن المجتمع الدولي فشل في حماية داريا، وأن المكتبة، رغم رمزيتها، لم تنجح في جلب مساعدات ملموسة للمدينة المحاصرة. الكتاب هو شهادة على أن الروح الإنسانية والتعطش للمعرفة يمكن أن يزدهرا في أحلك الظروف، لكنه أيضاً تأبين مؤلم لمدينة دُمرت بالكامل، ولجيل كامل من الشباب السوري الذي راهن على القلم بدلاً من السيف، ودفع الثمن غالياً.

الأشخاص

الفصول(16)

1.الفصل الأول15–22▼ ملخص

يُقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "مكتبة سوريا السرية" صورة حية ومفصلة لبلدة داريا كما كانت قبل اندلاع الثورة السورية في عام 2011، واضعاً الأساس لفهم التحول الجذري الذي ستشهده لاحقاً. الموضوع المحوري هنا هو رسم ملامح هوية داريا المتعددة الأوجه: تاريخياً، ودينياً، واجتماعياً، واقتصادياً، لإظهار أنها لم تكن مجرد ضاحية من دمشق، بل كانت مجتمعاً متماسكاً وفخوراً بنفسه، وله إرث طويل من التحدي والسلمية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر طبقات هذه الهوية. يبدأ بالوصف الجغرافي والسكاني، مشيراً إلى أن عدد سكانها كان حوالي 90,000 نسمة، وأنها بلدة منفصلة عن دمشق بخصائصها وتاريخها. يربط المؤلف بين العمق التاريخي لداريا كموقع لوجود الصحابة، مثل بلال بن رباح، المؤذن الأول في الإسلام، وبين الأهمية الدينية التي جعلتها وجهة لطالبي العلم. ثم ينتقل إلى سرد أسطورة عناقيد العنب السماوية التي أُهديت إلى داريا، وهي قصة نشرتها مجلة بريطانية في عام 1862 وتتحدث عن تفرد عنب داريا الذي لا ينمو في أي مكان آخر، وهي أسطورة توضح مكانة البلدة حتى على المستوى العالمي. يُعزز المؤلف هذا الإرث الزراعي بذكر مهرجان العنب الذي أُقيم في داريا عام 1953 وحضره رئيس سوريا آنذاك، أديب الشيشكلي، ليربط بين الفخر المحلي والتقدير الرسمي.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى رسم مشهد الحياة اليومية النابضة في داريا قبل الحرب، متنقلاً من المقاهي المزدحمة مثل "كافيه الأبطال" الذي كان يعج بمشجعي كرة القدم، إلى الأفراح الصاخبة التي كانت تمثل حدثاً اجتماعياً ضخماً يقسم حسب الجنسين، ثم إلى الأماكن البارزة مثل مقهى البوظة الفاخر "كوشك" ومحل "التوسترة المركزي" الذي كان يبيع المكسرات المحمصة. لا يخلو هذا المشهد من الإشارة إلى التحديات اليومية التي واجهها السكان، مثل انقطاع الكهرباء المتكرر، ومشاكل المياه، وغياب مستشفى عام حتى قبل الحرب، وتفشي الرشوة لتسيير المعاملات الحكومية. يُظهر الفصل أن هذه الحياة، رغم بساطتها وصعوباتها، كانت مبنية على مجتمع متماسك يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً.

يختتم الفصل بالكشف عن الجانب الأعمق من هوية داريا: تاريخها الطويل في الاحتجاج والمقاومة السلمية. يذكر المؤلف أن نزعة التمرد لدى داريا تعود إلى حوالي عام 730 ميلادي ضد سلطة الأمويين، ثم يربط هذا الماضي بدورها في الحروب الصليبية. يصل السرد إلى العصر الحديث مع تأسيس "مجموعة شباب داريا" في عام 1998، وهي مجموعة تقدمية بدأت بتنظيف الشوارع ثم تطورت لمواجهة الفساد. يسلط الفصل الضوء على مبادرتهم الأهم: إنشاء أول مكتبة عامة مجانية في البلدة، أطلقوا عليها اسم "مكتبة سبل السلام"، والتي جمعوا لها مئات الكتب من تبرعات الأهالي. لكن هذه المبادرة قوبلت بالإغلاق الفوري ومصادرة الكتب من قبل الشرطة. كما يشير الفصل إلى اعتقال العديد من أعضاء المجموعة لاحقاً بسبب تنظيمهم مسيرات سلمية احتجاجاً على اجتياح جنين وغزو العراق، مما يوضح العلاقة المتوترة بين رغبة الشباب في التغيير السلمي وسلطة الدولة القمعية.

لا يقرّ المؤلف صراحةً بحدود معينة في هذا الفصل، فهو يقدم وصفاً سردياً غنياً بالمعلومات. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الأساطير (كأسطورة العنب) والحكايات المتناقلة كدليل على تميز البلدة يمكن أن يثير نقاشاً حول الفصل بين الوقائع التاريخية الموثقة والذاكرة الجماعية الشعبية، وهو ما يعترف به المؤلف ضمناً عبر اعتماد هذه الحكايات كمادة أساسية في بناء السرد.

2.الفصل الثاني23–37▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التحوّل الدراماتيكي الذي شهدته بلدة داريا السورية، من مهدٍ للاحتجاج السلمي إلى مسرح لواحدة من أبشع مجازر الحرب الأهلية. يُظهر المؤلف كيف أن سكان البلدة، الذين توارثوا ثقافة المقاومة اللاعنفية، وجدوا أنفسهم مضطرين لمواجهة عنف متصاعد من قبل النظام السوري، مما أدى في النهاية إلى تدمير مجتمعهم بالكامل وفرض حصار خانق عليهم.

يبدأ الفصل بمشهد احتجاج سلمي في داريا عام 2011، حيث خرج المتظاهرون للمطالبة بالإصلاحات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. يصف المؤلف قصة أنس حبيب، الطالب السابق في الهندسة المدنية، الذي انضم إلى حشد من حوالي 50 متظاهراً خرجوا من مسجد العباس. مع ازدياد أعدادهم، بلغت 1500 متظاهر، واجهوا حشداً مناهضاً يردد شعارات مؤيدة للأسد، وهو ما يوضح الانقسام العميق في المجتمع السوري بين من يريد التغيير ومن يخشى على حريته الدينية في حال سقوط النظام. يُظهر أنس خوفه على حياته بعد أن رأته والدته على شاشة التلفزيون، لكنه في النهاية يقرر مواصلة طريقه الاحتجاجي.

يبرز الفصل شخصية يحيى شربجي، الناشط البالغ من العمر 32 عاماً، والذي قاد الاحتجاجات بأسلوب غاندي سلمي، داعياً المتظاهرين لإعطاء الجنود الورود والماء بدلاً من الرد على عنفهم، مما أكسبه لقب "رجل الورود". انضم إليه غيات مطر، الخياط البالغ من العمر 26 عاماً، والذي تحول من متشكك إلى مؤمن بهذا الأسلوب بعد أن لاحظ تغيراً في سلوك الجنود، فصار يُعرف بـ"غاندي الصغير". لكن هذا النهج السلمي لم يدم طويلاً؛ ففي 6 سبتمبر 2011، تم اعتقال غيات ويحيى وأخيه معن، وبعد أربعة أيام، أعيدت جثة غيات الممزقة إلى أسرته. يشير الفصل إلى أن هذا الاغتيال كان نقطة تحول، حيث بدأ الشباب السلميون السابقون، مثل الطالب راتب أبو فايز، في حمل السلاح، انضم الكثير منهم إلى الجيش السوري الحر.

يصف الفصل التصعيد المروع للعنف. فبعد أن قصف النظام مدينة حمص في فبراير 2012 وامتد القتال إلى حلب، تحولت داريا إلى هدف مباشر. يروي عبد الباسط الأحمر، طالب الاقتصاد السابق، كيف تحولت مدرستهم إلى مستشفى ميداني مكتظ بالجرحى، وأصبح تأخير الموت هو كل ما يستطيع الأطباء فعله بسبب نقص الإمدادات. بلغت المأساة ذروتها في أغسطس 2012 عندما حاصرت القوات الموالية للأسد البلدة وبدأت عملية تمشيط منزلية. يوثق الفصل شهادات مروعة عن عمليات إعدام جماعية واغتصاب، حيث يروي عادل، ابن عم أنس، كيف أُعدم شاب أمام خطيبته ثم اغتصبت هي. بعد انسحاب القوات، عُثر على أكثر من 700 جثة، بينهم 39 امرأة و62 طفلاً، حسب الروايات المحلية، بينما شككت تقارير أخرى في العدد وألقت باللوم على مقاتلي المعارضة في بعض المجازر.

يقرّ المؤلف بصعوبة التحقق من الأرقام بسبب عدم وجود صحفيين مستقلين، ويشير إلى اتهامات متبادلة بين النظام والمعارضة بشأن المسؤولية عن المجزرة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مصير الصحفي الأمريكي أوستن تايس الذي اختفى في داريا، ويُعتقد أنه اختطف من قبل الأمن السوري، على الرغم من نفي النظام الرسمي. كما يبقى مصير يحيى ومعن شربجي مجهولاً بعد اعتقالهما. في النهاية، يصف الفصل كيف تحولت داريا من بلدة يقطنها 80,000 نسمة إلى أقل من 8,000، بعد أن فرّ معظم السكان خوفاً من عودة الجيش، تاركين وراءهم مجتمعاً محاصراً ومقطوعاً عن العالم، ليبدأ فصل جديد من المعاناة تحت الحصار.

3.الفصل الثالث38–54▼ ملخص

بدأ حصار داريا بسرعة. في ليلة رأس السنة عام 2012، كان ضباب خفيف يغطي البلدة، وسرعان ما تحول إلى قصف عنيف مع تقدم قوات النظام السوري. على الرغم من التفوق العددي والعتاد الكبير، تمكن بضع مئات من المقاتلين المتمردين، الذين كانوا في البداية مجرد شبان مدنيين، من الصمود. بحلول 17 فبراير 2013، أعلنت الأمم المتحدة أن حصيلة القتلى تجاوزت 70,000 شخص. في أغسطس 2013، استخدم النظام غاز السارين في الغوطة الشرقية وداريا، مما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 1400 شخص وإصابة المئات، وأدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ذلك واصفاً إياه بأكبر استخدام للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين منذ عهد صدام حسين، لكن المجتمع الدولي لم يتخذ إجراء فعلياً.

يصف المؤلف مايك طومسون طبيعة الحياة تحت الحصار، حيث كان نقص الغذاء كارثياً، خاصة مع منع قوات النظام دخول المساعدات وإحكام الطوق على الأراضي الزراعية. تمكن المقاتلون من الصمود عبر حرب عصابات اعتمدت على الاختباء في المنازل المدمرة وحفر الخنادق، بينما ظل خط المواجهة متحركاً. كانت العلاقة بين المقاتلين وقادتهم أخوية وغير هرمية، ورفضوا ارتداء الزي العسكري كرهاً بنظام الأسد. ومع استمرار القصف بلا هوادة، أصبح الجوع جزءاً من الحياة اليومية، حيث كان الجميع يكتفون أحياناً بوعاء من الحساء الخفيف.

في خضم هذا الدمار، بدأت مجموعة من الشبان السابقين في الجامعة، بمن فيهم عبد الباسط، آنس حبيب، أيهم السقا، همام الطعون، وسارة مطر، بالتفكير في كيفية تغذية أذهانهم إلى جانب أجسادهم. بعد أن دمّرت النيران مكتبة داريا العامة، قرروا إنشاء مكتبة سرية تحت الأرض لإنقاذ الكتب من القصف والخراب. تجمع الكتب من المنازل المدمرة والمباني العامة التي كانت مهددة بالزوال، وتم نقلها إلى قبو في حي مدمر حيث كانت المباني مهجورة تماماً، مما جعلها أقل استهدافاً. صمموا المكان بأرفف ومقاعد صُنعت من خشب الأنقاض نفسها، وسجلوا أسماء أصحاب الكتب احتراماً لممتلكاتهم.

يصف المؤلف التفاصيل الدقيقة والمثيرة لعمليات إنقاذ الكتب، التي كانت تشبه مهمات عسكرية محفوفة بالمخاطر. كان المتطوعون يتسللون في ساعات الفجر الأولى لتجنب القناصة، ويستخدمون طرقاً معقدة مثل ثقب الجدران والسير على ألواح خشبية بين المباني المرتفعة. في إحدى المرات، كاد فريق إنقاذ أن يفضح أمرهم عندما أضاء أحدهم مصباحاً قوياً ناسياً تحذيرات المقاتلين، لكنهم نجوا بأعجوبة. استخدموا البطانيات والحبال لإنزال الكتب من الطوابق العليا، وتجنبوا الأماكن المفتوحة، بل وكانوا يدفعون السيارات القديمة عندما تنفد منها الوقود. ورغم المخاطر، كانوا يقيسونها بعناية ولم يخاطروا بحياتهم بنسبة خطر تتجاوز 70%.

كانت الكتب التي جُمعت متنوعة وغنية، من مؤلفات باولو كويلو وماركسية محمد عمارة، إلى دواوين الشعراء أدونيس ومرام المصري، وحتى نسخة عربية من رواية "جثة في المكتبة" لأغاثا كريستي. رأى هؤلاء الشباب في المكتبة منارة للتعليم والمقاومة الحضارية، ووسيلة لاستمرار التعليم وإعداد مناهج للشباب المحاصر. على الرغم من أن بعض السكان كانوا يفضلون جمع الطعام، إلا أن الفريق آمن بأن "الروح تحتاج للكتب كما يحتاج الجسد للطعام". أصبحت المكتبة ملاذاً للهدوء في بحر من الدمار، ومكاناً يثبت أن الإنسانية والتعطش للمعرفة أقوى من براميل الموت والجوع.

4.الفصل الرابع55–70▼ ملخص

بدأ الفصل الرابع من كتاب "مكتبة سوريا السرية" لمايك طومسون بتأمل تاريخي عميق، موضحاً أن تأسيس مكتبة داريا السرية في خضم الحرب الأهلية السورية لم يكن أمراً عشوائياً، بل كان امتداداً لحب دام لآلاف السنين للأدب والشعر والمعرفة في هذه الأرض. ويشير الكاتب إلى أن سوريا كانت موطناً لأول مكتبة في العالم، وهي المكتبة الملكية لمملكة إيبلا القديمة، التي تأسست قبل حوالي 4500 عام. لم تكن هذه المكتبة تضم كتباً ورقية، بل نقوشاً على ألواح طينية، حيث عثر عليها فريق من علماء الآثار الإيطاليين في منتصف السبعينيات من القرن الماضي في موقع تل مرديخ، على بعد حوالي 35 ميلاً جنوب غرب حلب. تضمنت المجموعة أكثر من 1800 لوح طيني كامل ونحو 5000 قطعة، مرتبة بعناية على أرفف خشبية ومصنفة حسب الموضوع.

مع العودة إلى الحاضر، يصف الكاتب كيف كانت الحياة في داريا في صيف عام 2013 تزداد صعوبة تحت الحصار. يروي أن العديد من السكان فروا خلال هدنة قصيرة إلى بلدة المعضمية المجاورة، لكن الكثيرين منهم لم يصلوا بسبب مضايقات واحتجازات قوات الحكومة. ويشير الكاتب إلى أن الحصار لم يكن تكتيكاً حكومياً فحسب، بل استخدمته أيضاً فصائل المعارضة المسلحة ضد بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين. في هذه الأجواء القاسية، برزت شخصية محمد شحادة، مدرس اللغة الإنجليزية السابق، الذي أصبح معروفاً بـ"الأستاذ" نظراً لنضجه وحكمته. يصفه الكاتب بأنه رجل هادئ وذو عزيمة، لم يغادر داريا على الرغم من الخطر لأنه يرفض أن تُطهر بلدته من سكانها، معتبراً أن البقاء هو مقاومة.

يصف الفصل الحياة اليومية تحت الحصار، حيث كان الموت يتربص بالفلاحين في حقولهم، وكان الأطفال يذهبون إلى المدارس رغم أن أمهاتهم لا يعرفن إن كانوا سيعودون. يتحدث محمد شحادة عن الصمود العجيب لأهالي البلدة، حيث كانت لحظات الحزن على الموتى تمتزج أحياناً بالضحك عند تذكر طيباتهم. أما الغذاء، فكان تحديًا يومياً مع نفاد مخازن الطعام بحلول صيف 2013، واضطر الناس لإضافة العشب والأوراق إلى طعامهم ليشعروا بالشبع، فيما توفي سبعة أشخاص بالفعل بسبب سوء التغذية. ولمواجهة هذه المجاعة، حوّل الأهالي كل مساحة متوفرة إلى مزرعة، ناشرين التربة على الشرفات والأسقف والباحات لزراعة الأعشاب والخضروات.

بالإضافة إلى الجوع، كان نقص الأدوية والمعدات الطبية يمثل تحدياً أكبر، خاصة بعد أن قصفت القوات الموالية للحكومة مستودعاً طبياً. ويصف الكاتب كيف كانت قوات النظام ترفض دخول المساعدات، وتقطع إمدادات المياه النظيفة بانتظام، مما أجبر الأهالي على جمع المياه من الآبار التي غالباً ما كانت ملوثة وتسبب أمراضاً معوية خطيرة. ومع انقطاع الكهرباء، اضطر الأهالي لابتكار حلول بدائية، كصنع الوقود من البلاستيك المحروق لتشغيل المولدات لتوفير الإضاءة والتدفئة، وخاصة في ليالي الشتاء الباردة التي تنخفض فيها درجات الحرارة إلى ما دون الصفر.

في وسط هذه الأوضاع المروعة، برزت روح التضامن والتعاون بين الأهالي. يتحدث الكاتب عن إنشاء مجلس بلدي جديد في داريا، وهو مثال نادر على الديمقراطية المدنية في زمن الحرب، حيث تم انتخاب أعضائه البالغ عددهم 120 عضواً بالاقتراع كل ستة أشهر. لم يكتفِ المجلس بتوزيع الطعام والماء، بل أنشأ ورشاً لتصليح السيارات والملابس، ومدرسة ابتدائية، وعيادة طبية، وحتى مطبخاً لتوزيع الحساء. وفي خطوة ملفتة ومؤثرة، كان المجلس يقوم بإصلاح النوافذ والأبواب في المنازل المتضررة، رغم أن 60% من مباني البلدة كانت قد دُمرت كلياً أو جزئياً. هذه الأفعال كانت طوق نجاة نفسي ومعنوي للحفاظ على الحياة.

يتناول الفصل أيضاً الجانب الترفيهي والنفسي، حيث عاد دوري كرة القدم المصغر للعمل في البلدة، وأقيمت الحفلات الغنائية في الأقبية. يروي محمد شحادة كيف كانوا يقضون الأمسيات بالغناء والاسترجاع للأيام التي سبقت الحصار، وهو ما كان يمنحهم دفعة معنوية هائلة. وفي هذا الإطار، يعرض الكاتب بدايات المكتبة السرية، مشيراً إلى أن محمد شحادة، الذي عانى من رقابة النظام منذ المدرسة الابتدائية، كان داعماً كبيراً لفكرة إنقاذ الكتب وتجميعها. ويشرح أناس حبيب، أحد أعضاء المجموعة، فلسفتهم المفتوحة: "لا نمنع أي كتاب. نحن منفتحون على جميع الموضوعات. نعتقد أن استبعاد الكتب التي لا نتفق معها هو مجرد مساعدة لرفع الجهل."

يختتم الكاتب الفصل بوصف الافتتاح الرسمي للمكتبة في مايو 2014، والذي تزامن مع استخدام قوات الحكومة لقنابل برميلية جديدة، مما زاد من رعب الحصار. لكن هذا لم يمنع الاحتفال تحت الأرض، حيث تزينت الجدران بالملصقات وأكاليل الورق، وتجمع محبو الكتب لتصفح الرفوف في أجواء من السرور. يصف محمد شحادة تلك المناسبة بالرائعة، حتى أن المنظمين تمكنوا من تحضير حلوى خاصة بالسكر والدقيق وجوز الهند. ويختتم الفصل بتأكيد أن هذه المكتبة السرية أصبحت منبعاً للأمل، ونافذة على عالم آخر يسوده التعلم والسلام، لتصبح القلب النابض لبلدة محاصرة.

5.الفصل الخامس71–85▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على محاولات سكان داريا المحاصرة لاستمرار الحياة الطبيعية، وخاصةً تعليم الأطفال، في ظل القصف والجوع والحصار المفروض منذ نوفمبر 2012. يطرح الفصل إجابة رئيسية مفادها أن المجتمع المدني في داريا، وبجهود فردية استثنائية، استطاع خلق بدائل للتعليم والقراءة رغم الخطر، مقدماً بذلك نموذجاً للصمود في وجه محاولة النظام السوري فرض الاستسلام عبر التجويع والقصف. يوضح المؤلف كيف تحول الأمل بتدخل المجتمع الدولي، بعد فشل محادثات جنيف في أواخر 2013، إلى خيبة أمل مريرة، مما دفع السكان إلى الاعتماد على أنفسهم.

يسير الفصل عبر قصص متوازية لشخصيات كرست جهودها لإنقاذ عقل الأطفال. نلتقي أولاً بـ أمجد، الصبي في الرابعة عشرة من عمره، الذي أصبح "أمين المكتبة السرية" بعد أن اكتشفها مصادفة هرباً من القصف. يصف أمجد بحماس مهامه كمسؤول عن استعارة الكتب وتنظيفها، ويتباهى بمكتبه الصغير وكرسيه في وسط المكتبة. ثم تنتقل القصة إلى سارة مطر (وهو اسم مستعار)، وهي ربة منزل في أواخر العشرينات، أسست مع صديقتها أمينة مدرسةً في شقة بأحد الأزقة الهادئة، ثم نُقلت إلى قبو بسبب القصف المتواصل. تروي سارة كيف علمت نفسها الإنجليزية بمشاهدة أفلام الممثلين مثل أنجلينا جولي، وكيف تحررت من المناهج الدراسية القديمة التي كانت تفرض حفظ نصوص للرئيس بشار الأسد ووالده حافظ الأسد، وتركز الآن على تعليم الأطفال التفكير النقدي والتعبير عن مشاعرهم.

تتجلى مأساة الجوع بوضوح عندما تشرح سارة أنها قصت صور الطعام من كتب العلوم قبل إعطائها للتلاميذ، كي لا تثير مشاعر الحرمان لديهم. تواجه المدرسة مشاكل أخرى كشح الأدوات المكتبية ونقص الكتب المدرسية، واضطرار الأطفال للقراءة في ظلام شبه تام لعدم توفر وقود للمولد الكهربائي. يبرز الفصل أيضاً معاناة سارة الشخصية، فهي لا تستطيع الاتصال بعائلتها في مناطق النظام خوفاً من تعرضهم للاشتباه بالتهميش، وتطلب إخفاء هويتها الحقيقية. في المقابل، نعرف قصة عائشة فياض، المعلمة في أوائل الأربعينات، التي أسست مدرسة "أمل الأمة" بعد أن فقدت ابنها في الخامسة عشرة من عمره، إذ انضم إلى المقاتلين في الجبهة وقتل هناك. تروي عائشة كيف حاولت منعه لكنها شعرت بالعجز، وتصف الألم الذي ينتظر أمهات أخريات قد يخسرن أبناءهن.

تستخدم المؤلفة قصص سارة وعائشة كأدلة على أنشاء بديل عن الحرب. توظف عائشة مكتبة والدها الضخمة كمصدر للكتب، وتنزلق إلى ذكرياتها عن والها الذي كان يجلس محاطاً بالكتب. تواجه المدرستان خطراً متصلاً، إذ يضطران أحياناً إلى فتح المدرسة لساعة أو ساعتين فقط في الصباح الباكر عندما يكون القصف أقل حدّة. تروي عائشة كيف أن بعض الأطفال، الذين يفكرون في الانضمام إلى جبهة النصرة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيطر على الرقة في يناير 2014، تحولوا إلى الدراسة عندما رأوا زملاءهم الأكبر سناً يلتزمون بها. مع ذلك، يعترف الفصل بحدود هذا الجهد: فالمكتبة السرية تقع في منطقة خطرة، والوصول إليها صعب على معظم الأطفال، ولا توجد كتب علمية كافية، ويظل خطر الموت يلاحق الجميع.

يقرّ الفص بأسئلة عميقة تظل مفتوحة. ماذا يحدث للأطفال الذين يتركون المدرسة وينضمون للقتال؟ هل يمكن للتعليم حقاً أن يكون بديلاً مقنعاً عن الانتقام والثأر؟ وكيف يمكن للأطفال التركيز على الدروس بينما تهتز الجدران من القصف؟ تختتم القصة بلحظة مروعة في مارس 2014، أثناء محادثة مع سارة، حين سقطت قنابل تزن 500 كيلوغرام على المباني المجاورة. تصف سارة شعورها بالخدر ونسيان وجوه أحبائها، وتنزل إلى القبو المظلم لتقضي الليل، وتترك للكاتب رسالة صوتية تطمئنه فيها أنها لا تزال على قيد الحياة. ينتهي الفصل بالإشارة إلى أن هذا الجحيم لم ينتهِ، لكن أفراداً مثل شباب المكتبة (أنس، عبد الباسط) وعائشة وسارة وأمجد، ظلوا يشعلون شعلة الأمل بالتعليم والكتب، وبأن لقاءً جديداً ينتظر الكاتب مع شخص يستخدم فرشاة الرسم بدلاً من القراءة.

6.الفصل السادس86–97▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب "مكتبة سوريا السرية" على قصة الفنان الشاب أبو مالك الشامي (وهو اسم حركي)، الذي حوّل جدران مدينة دارة المدمرة إلى لوحات فنية تعبّر عن الأمل والمقاومة السلمية في وجه الحرب والموت. يقدّم المؤلف مايك طومسون إجابة واضحة: في خضمّ العنف والدمار، وجد سكان داريا طرقاً غير متوقعة للحفاظ على إنسانيتهم، سواء عبر إنشاء مكتبة سرية تحت الأرض أو عبر فن الشارع الذي يبعث رسالة أمل.

يبدأ الفصل بوصف المشهد السياسي والعسكري في سوريا في صيف 2014، حيث يعاد انتخاب بشار الأسد بنسبة 88.7% في 3 يونيو، وتتقهقر قوات المعارضة في حمص بعد حصار دام سنتين. في الوقت نفسه، يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الموصل في العراق ويُعلن "الخلافة" في 29 يونيو، مما يحوّل انتباه العالم بعيداً عن مأساة داريا المحاصرة.

يتحول السرد فجأة إلى ليلة هادئة في أغسطس 2014، حيث يظهر شخص مجهول تحت ضوء القمر يرسم على جدار مبنى مدمر. عند الفجر، يظهر رسم لطفلة صغيرة تقف على كومة من الجماجم وتكتب كلمة "أمل" عالياً فوق رأسها. يصبح هذا الرسم أيقونة عالمية، ويصف الكاتب تأثره العميق به، مقارناً إياه برد فعل والد الممرضة التي قُتلت في انفجار قنبلة في إيرلندا الشمالية عام 1987، والذي نادى بالمغفرة لا الانتقام.

بعد بحث طويل، يتواصل الكاتب مع الفنان المجهول، أبو مالك الشامي، ويكتشف قصته. يروي أبو مالك أنه من دمشق وينحدر من عائلة كبيرة، بدأ الرسم في الاحتجاجات السلمية في 2011 وهو في السادسة عشرة من عمره. بعد اعتقاله وتعذيبه هو وشقيقه، يقتنع أن الاحتجاج السلمي لا يجدي، وينضم إلى الجيش السوري الحر (FSA) في داريا في مارس 2013. يصف الفنان مشواره الخطير عبر نقاط التفتيش التي تديرها "اللجان المحلية" المعروفة بوحشيتها، وصدمته الهائلة عند رؤية الدمار والقتلى لأول مرة. يتولى مهمة الدفاع عن المدينة، ويكشف أن عدد المدافعين لا يتجاوز بضع مئات.

يبدأ أبو مالك الرسم على الجدران في صيف 2014 بعد أن هدأت المعارك قليلاً. يشرح أن هدفه الأول هو "تجميل" المشهد القاتم للخراب وإدخال البهجة إلى قلوب السكان المنهكين. يلتقي بالمصور مجد معضماني، الملقب بـ"عين داريا"، الذي يصبح مساعده وروحه التوأم. يوفّر مجد المواد من متجر مهمل ويصنع مزيل دهان بنفسه. معاً، ينتجان أكثر من 20 لوحة جدارية ذات رسائل سياسية واجتماعية، تتناول مواضيع مثل القمع والثورة وأمهات سوريا والمعتقلين. يصف الكاتب هذه اللوحات بأنها شكل من أشكال "المقاومة الفكرية"، تماماً مثل المكتبة السرية.

تضرب المأساة حين يُقتل مجد أثناء تصويره المعارك على الجبهة الأمامية. يصاب أبو مالك بالاكتئاب ويفكر في التوقف، لكن تشجيع السكان يدفعه للاستمرار. يرسم بعد وفاة مجد لوحته الشهيرة لـ"الطفلة والأمل" كأول عمل منفرد. يُظهر الفصل أيضاً لوحة أخرى لصديقين مراهقين قتلا في المعركة، وأخرى لجندي بلا هوية تجلس أمامه طفلة تعلّمه معنى الحب، في رسالة واضحة ضد التلاعب بالجنود في الحروب.

يُصاب أبو مالك نفسه برصاصة تخترق صدره أثناء هجوم في زبداني، ويمكث في الفراش أربعة أشهر. لكنه يستخدم فترة النقاهة للتخطيط للوحات جديدة، مثل لوحة "بابا نويل" التي أتمها بمساعدة أصدقائه. يقرر بعدها ترك القتال والتفرغ الكامل للرسم. يختتم الفصل بالكشف عن ارتباط أبو مالك بالمكتبة السرية، حيث يقرأ كتباً عن التاريخ والتنمية البشرية والروايات، معترفاً بأن المكتبة هي التي غرست فيه حب القراءة. يصف المكتبة كمكان للتنمية الذاتية رغم الحصار المستمر بالألغام والقنابل اليومية.

يقرّ الكاتب بصعوبة حماية المكتبة واللوحات من الدمار المباشر، لكنه يخلص إلى أن الأهم هو "الروح التي لا تُقهر" لأهالي داريا، والتي يصعب إخمادها حتى لو دُمّرت كل الجدران والكتب. لا يقدّم الفصل حججاً قابلة للنقض بقدر ما يقدّم شهادة إنسانية على قوة الأمل والفن والمقاومة السلمية في أحلك الظروف، مع الاعتراف بأن هذه الجهود الرمزية لم تنجح في جلب مساعدات ملموسة للمدينة المحاصرة.

7.الفصل السابع98–109▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على كيفية استمرار عمل المكتبة السرية في داريا تحت الحصار، وكيف تحوّلت من مجرد مكان لحفظ الكتب إلى مركز مجتمعي متكامل للتعليم والثقافة والدعم النفسي. يجيب المؤلف عن سؤال محوري: كيف يمكن للإرادة الإنسانية والتعليم أن يزدهرا في قلب الحرب والدمار؟

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تقديم شهادات حية لأعضاء المكتبة. يبدأ بوصف الصعوبات اللوجستية: صعوبة جلب الطعام والأدوية بسبب إحكام الحصار، واستمرار القصف، وخطر القناصة الموالين للنظام. ورغم ذلك، يواصل أنس وعبد الباسط وزملاؤهم إنقاذ الكتب تحت جنح الظلام، حيث يُوضع على كل كتاب ملصق يحوي اسم وعنوان المكان الذي أتى منه، ثم يُرقّم ويُنظّف ويُرمّم ويُصنّف حسب المؤلف والموضوع. يُقرّ المؤلف بصعوبة التواصل مع الفريق، خاصة عبر Skype بسبب ضعف إشارة Wi-Fi في القبو، لكنه يشير إلى أن الجميع كانوا يُرحّبون به.

يتوسع الفصل في وصف كيف أصبحت المكتبة فضاءً متعدد الاستخدامات: مكاناً للقاء، وغرفة شاي، ومركزاً تعليمياً، وقاعة محاضرات، ووسيلة ترفيه. يخبره سعيد سقا، طالب الصيدلة السابق في أوائل العشرينات من عمره، أن عدد الزوار يصل إلى 30 شخصاً يومياً، وأن عدد القائمين على المكتبة تضاعف من عشرة شبان إلى أكثر من 80 شخصاً يعملون بنظام المناوبات عدا يوم الجمعة. يشير سعيد إلى أن المكتبة لا تُعلن عن نفسها أبداً حفاظاً على السرية، مما يجعل الكثيرين يمرّون أمامها يومياً دون علمهم بوجودها.

يُفصّل الفصل أنواع الفعاليات: دروس في اللغة الإنجليزية والرياضيات والتاريخ العالمي، ومناظرات في الأدب والدين، تليها نقاشات حيوية. من أبرز المحاضرات محاضرة عن إعادة بناء هيروشيما بعد القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية، وأخرى عن غارة لندن الجوية (The Blitz) وكيف صمدت المدينة. كما كانت هناك محاضرات عن الدروس المستفادة من الحرب الأهلية في العراق المجاور بعد غزو التحالف عام 2003.

يقدّم الفصل شهادة راتب أبو فايز، المقاتل الشاب في الجيش السوري الحر، الذي يشرح كيف تُستخدم المكتبة لمناقشة مشاكل داريا ووضع أفضل السياسات. يُقسم المثقفون والخبراء إلى مجموعات نقاشية حسب العمر؛ راتب نفسه جزء من مجموعة تضم 30 شاباً وُلدوا بين 1992 و1995، يجتمعون أسبوعياً حسب الوضع الأمني. يتحدث راتب عن تطوره الشخصي: من خوفه من إلقاء خطابه الأول إلى اعتزازه بنفسه كمتحدث محترف، حيث صار يُعلّم الآخرين كيفية إلقاء المحاضرات. ويشير إلى وجود لجنة لمتابعة التقدم في المشاريع الأخرى، لأنهم يعتقدون أن المتابعة تزيد الإنتاجية.

يُظهر الفصل تحولاً شخصياً عميقاً لدى راتب: فقبل الثورة، لم يكن هو وأصدقاؤه يهتمون بالقراءة إلا للدراسة الجامعية، لكن المكتبة غيّرت ذلك تماماً، وأصبحت القراءة النافذة الوحيدة على العالم خارج داريا بعد غياب التلفاز. كان راتب يأخذ الكتب معه إلى خطوط المواجهة، حيث يتبادل المقاتلون الكتب في أوقات الهدوء. يؤكد زميله عمر أبو أنس أن العديد من المقاتلين يحملون "مكتبات مصغرة" في حقائبهم، ويتبادلون الكتب بل ويعقدون نوادي كتاب في الخنادق، يقدّم كل مقاتل فيها عرضاً عن الكتاب الذي قرأه ويُناقش الحبكة والأخلاقيات. يقول عمر: "يوجد نقطة للجيش الحر كل خمسين متراً تقريباً، كل واحد لديه نحو أربعة كتب نتبادلها ونتناقش فيها". هذا يحدث عندما لا يستطيعون الوصول إلى المكتبة السرية.

يُضيف الفصل بعداً عاطفياً عبر قصة همام الطون، مقاتل آخر في الجيش الحر، الذي يتذكر شاباً يافعاً بكى بحرقة في أحد الاجتماعات مطالباً بنقل المعرفة لمن هم أقل حظاً، ممن لا يقرأون أو لا يعرفون القراءة. يروي همام بنبرة حزينة أن هذا الشاب قُتل بصاروخ بعد وقت قصير، وكان عمره 22 عاماً فقط.

يواجه الفصل سؤالاً صعباً: ماذا يقول هؤلاء الشباب لمن يطالبهم بحمل السلاح بدلاً من الجلوس للقراءة؟ يُجيب أنس بقول عربي قديم: "من لا يعلم يتحول إلى لص طرق". ويضيف أن الحرب ستنتهي وستحتاج البلاد إلى إعادة بناء، والمتعلمون سيكونون جزءاً كبيراً من ذلك. وعندما يسأله المؤلف عن مقولة "القلم أقوى من السيف"، يجيب أنس: "لا أحتاج حتى إلى مناقشة ذلك، إجابتي نعم، 100% ". يؤيده همام قائلاً إن القتال وبناء المكتبة ليسا متناقضين، فكلاهما يدعم الثورة ويسعى لإنقاذ داريا.

لكن الفصل لا يُخفي وجود معارضين. يعترف همام بأن بعض مقاتلي الجيش السوري الحر غير المتعلمين هددوا بتفجير المكتبة، قائلين: "نحن نقاتل وأنتم تفكرون في الكتب فقط". يعتقد همام أن التهديد قد تأثر باسم المكتبة الأول "فجر الأمة" لأن كلمة "فجر" تشبه كلمة "فجّر" في العربية. لحل الأزمة، دعاهم همام لزيارة المكتبة، وبعد أن استمعوا لخطب لقادة الجيش الحر هناك، تغيّرت عقول معظمهم. اكتشفوا لاحقاً أن بعضهم كان أمياً، فسجّلوا في صفوف محو الأمية وأصبحوا يترددون على المكتبة بانتظام.

يختتم الفصل بقصة ملهمة لـأيهم السقا، طالب طب الأسنان السابق في جامعة دمشق الذي اضطر لترك دراسته بسبب الحرب. بعد أن غادر جميع أطباء الأسنان داريا، أصبح أيهم الوحيد القادر على علاج الأسنان. بمساعدة الكتب الطبية من المكتبة السرية ومواد تخصصية حمّلها من الإنترنت، استطاع سدّ الفجوات في معرفته. يصف عبد الباسط أيهم بأنه شخص منفتح، دائم الابتسامة، طويل القامة، ذو وجه طفولي. ورغم محدودية أدواته (جهاز قديم، مواد منتهية الصلاحية، غياب التعقيم، مولد كهرباء يعمل لساعة يومياً)، ونقص التخدير الذي يرغمه على إجراء بعض العمليات المؤلمة للأطفال، يواصل أيهم عمله. يُظهر أيهم غضباً وألماً واضحين عند الحديث عن الأطفال الذين يضطر لرفض علاجهم، أو الذين يعانون آلاماً مبرحة بسبب نقاد التخدير، قائلاً: "كيف تشرح لطفل صغير أن سبب معاناته هو دكتاتور يمنع المساعدات من الوصول لبلدته؟" يرى أيهم أن مساعدته، ولو القليلة، هي السبيل الوحيد للحفاظ على صحته العقلية في ظل المشاهد المروعة: القصف، الجوع، نقص الدواء، والأطفال الذين يموتون في الشوارع.

الحجج القابلة للنقاش: يطرح الفصل سؤالاً أخلاقياً حول أولوية التعليم مقابل القتال في زمن الحرب. إجابة الفصل واضحة ومتحيزة لصالح التعليم، مقدّمة إياه كضرورة للمستقبل وليس ترفاً، لكنها لا تخفي وجود تيار معارض يرى في القراءة مضيعة للوقت، مما يُظهر تعقيد الأولويات داخل المجتمع المحاصر.

8.الفصل الثامن110–119▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تحوّل الحرب في سوريا إلى صراع تحت الأرض في بلدة داريا المحاصرة، ويستكشف حياة المقاتلين والمدنيين على حد سواء في مواجهة القصف المستمر والحصار الخانق. يقدّم المؤلف إجابة واضحة عن كيفية بقاء الثوار على قيد الحياة والاستمرار في القتال رغم التفوق العسكري الساحق لقوات النظام، وذلك من خلال الابتكار في حرب الأنفاق والاعتماد على الفساد داخل صفوف الجيش السوري لشراء الأسلحة والذخيرة، بالإضافة إلى لجوئهم إلى المكتبة السرية كملاذ نفسي وجسدي.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من مشهد الحرب تحت الأرض، حيث يصف شبكة الأنفاق الضيقة والمظلمة التي حفرها الثوار يدوياً لمواجهة آلات النظام المتطورة، والتي رغم ضوضائها كشفت مواقعها. يشرح الكاتب أهداف هذه الأنفاق: الفرار من التفوق العددي، أو شن هجمات مفاجئة، أو نصب كمائن. ثم ينتقل إلى وصف الجبهة البرية في داريا من خلال شهادة راتب، أحد مقاتلي الجيش السوري الحر، الذي يشرح طبيعة الحواجز المصنوعة من براميل مليئة بالتراب، وأنواع المقاتلين (المراقبين، القناصة، القوات الخاصة)، وكيفية تحركهم بين المواقع. بعدها، يقدّم الكاتب مقابلة مع علاء، أحد أفراد الجيش السوري الحر، الذي يكشف عن المصادر المذهلة لذخيرتهم: التهريب من بلدة المعامية المجاورة، ثم بين نقاط تفتيش النظام، واغتنام غنائم المعارك، وأخيراً، والأكثر دهشة، شراء الأسلحة والذخيرة من ضباط فاسدين في الجيش السوري نفسه، حيث كانوا يتعاملون مع أعدائهم ليلاً ويبيعونهم السلاح الذي سيُستخدم ضدهم نهاراً، مع العلم أن بعض هذه الذخيرة كانت مفخخة بالـ تي إن تي لقتل الثوار. يستمر الفصل في تفصيل حياة الخط الأمامي القاسية، حيث يصف علاء كيف يحفرون خنادق ضحلة ويغطونها بالألواح الخشبية لتتحول إلى أنفاق مؤقتة، لكن قوات النظام تدمرها بالجرافات والدبابات. يصف راتب لحظات القتال القريب، حيث يتواجد الطرفان في نفس المبنى، تفصل بينهم غرفة واحدة، وينتظرون قتل بعضهم البعض في ظل نصب الفخاخ. كما يبرز معاناة الثوار مع الطقس القاسي دون القدرة على إشعال النيران خوفاً من القناصة. يتطرق الفصل إلى تدخل القوات الجوية الروسية في 30 سبتمبر 2015، والذي يُظهره الكاتب كدعم حاسم لـ بشار الأسد تحت ذريعة محاربة داعش، لكنه استهدف في الواقع فصائل المعارضة الأخرى. وأخيراً، يعود الفصل إلى المكتبة السرية نفسها، التي تعرّضت لقصف بقنبلة برميلية في صباح أحد أيام ديسمبر 2015، مما أدى إلى تدمير مدخلها ومنزل مجاور، لكن القائمين عليها تمكنوا من الوصول إليها عبر نفق حفروه في متجر مجاور، ليجدوا أن معظم الكتب قد نجت. تنتشر شائعات بأن النظام استهدف المكتبة بعد حصوله على معلومات عن موقعها، مما يثير الذعر.

يشير الفصل إلى حدود وتحفظات واضحة من قبل المؤلف، حيث يعترف بصعوبة التحقق من الشائعات حول استهداف المكتبة بشكل متعمد، ويقول إنها "غير مثبتة تماماً". كما يقرّ بصعوبة تحديد خط الجبهة بدقة من الصور الجوية. تُترك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية التدخل الروسي في تغيير ميزان القوى بشكل كامل، وكيف سيتعامل الثوار مع استمرار الحصار ونقص الذخيرة بعد تضييق الخناق على الضباط الفاسدين.

من بين الحجج القابلة للنقاش، يبرز السرد الذي يقدّمه المؤلف عن فساد ضباط الجيش السوري كحقيقة مطلقة. بينما يدعمها شاهد عيان (علاء)، إلا أن هذه الرواية تعتمد على شهادة من جانب واحد، وقد تكون مبالغاً فيها أو غير ممثلة للصورة الكاملة للحرب. كما أن تصوير التدخل الروسي على أنه يستهدف أساساً "جماعات معتدلة" بدلاً من "داعش" هي وجهة نظر سياسية واضحة، تستند إلى قراءة لأهداف الضربات الجوية، وقد تكون محل جدل بين مؤيدي هذا التدخل ومناهضيه.

9.الفصل التاسع120–131▼ ملخص

بدأ ملخص الفصل التاسع من كتاب "Syria's Secret Library" بعد الحادثة التي كادت أن تدمر المكتبة السرية، حيث عمل عبد الباسط وأصدقاؤه بجد لاستعادتها إلى مجدها السابق. ركزت جهودهم أولاً على التنظيف، إذ كانت أكوام الكتب مغطاة بالغبار والحجارة، وتطلب الأمر تنظيفها وفرزها من جديد. كما احتاجوا لإصلاح الرفوف والجدران والسقف، وإزالة الأنقاض الثقيلة من المدخل المنهار جزئياً. بعد أسابيع قليلة، حين اتصل المؤلف بعبد الباسط عبر سكايب، بدا كل شيء طبيعياً؛ فقد عاد الهدوء، وامتلأت الرفوف بالكتب، وكانت هناك كومة جديدة من الكتب المنقولة حديثاً بجانب كرسي أمجد، بعضها وجد في متجر مدمر على بعد بضع شوارع، والبعض الآخر أحضرته عائلة مجاورة.

أشار عبد الباسط إلى رف كامل من الكتب التي تبرع بها جده، وتحدث بحنين عن كتاب يخص الحضارة وتأثيرها على البشر عبر الزمن، متناولاً المساواة والتسامح الديني وأخلاقيات الحرب. ثم انتقل الحديث إلى حب عبد الباسط لمسرحية هاملت لشكسبير، التي كانت من كتبه المفضلة. وصف أسلوب شكسبير الجميل وقدرته على تجسيد المشاهد وكأنها فيلم سينمائي، معترفاً بأنه أصبح مدمناً على قراءتها حتى أثناء عمله في المستشفى، لدرجة أنه اضطر أن يوبخ نفسه قائلاً: "يجب أن يتوقف هذا، إنه ليس من العدل تجاه المرضى".

توقف المؤلف عند هذه النقطة ليتأمل فكرة أن الناس حول العالم يشتركون في أكثر مما يختلفون فيه، وأن حب القصص العظيمة مثل هاملت يتجاوز الحدود واللغات. ثم انتقل إلى تاريخ سوريا الأدبي الغني، متحدثاً عن نيقولاوس الدمشقي الذي ولد عام 64 ق.م، وأصبح مؤرخاً محترماً وصديقاً لهيرودس الكبير، وكتب تاريخ العالم في 144 مجلداً. ثم ذكر الشاعر أبو تمام الذي ولد عام 788 م، واشتهر بمختارات شعرية من عشر كتب تضم أكثر من 800 قصيدة. أما الكاتب المثير للجدل أبو العلاء المعري (973-1057)، وهو شاعر وفيلسوف أعمى ونباتي، فقد كتب قصائد تنادي بعدم أذية الحيوانات والطيور. وقد أثارت آراؤه المعادية للدين غضب المتطرفين حتى يومنا هذا، حيث قامت جماعة جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) بقطع رأس تمثاله في عام 2013.

عند سؤال سارة عن كتاباتها المفضلة بعد يوم طويل من تدريس الأطفال، فاجأته بإجابتها: أغاثا كريستي، وتحديداً رواية الجثة في المكتبة. قرأتها باللغة الإنجليزية، وأعجبت بها لأنها تحمل رسالة أخلاقية مفادها أن الجريمة والعنف لا يؤتيان ثماراً. كما أحبت رواية الخيميائي لباولو كويلو، التي منحتها الأمل في أصعب الأوقات، وتذكر منها مقولة: "الخوف من المعاناة أسوأ من المعاناة نفسها". أما عيهم وراتب، فبعد تفكير طويل، ذكر الأول الكاتب السوري الشهير علي الطنطاوي، بينما تذكر الثاني كتاباً لمصور صحفي مصري يدعى أحمد منصور، بعنوان تحت النار في أفغانستان، وجد فيه تشابهاً كبيراً مع حربهم في داريا.

انضم همام إلى المجموعة وبدأ يسرد قائمة طويلة من الكتب التي أحبها، معظمها عن الدين، مثل الدين لعبد الله دراز، والتفسير الماركسي للإسلام، وقصة الإيمان لنديم الجسر، وتاريخ الأديان لمحمد أبو زهرة. كما أشاد بكتاب كيف تصل إلى الناس لمحمد قطب أبو، واصفاً إياه بأنه من أفضل الكتب. لكنه اشتكى من ندرة كتب الفلسفة في المكتبة. بعد هذه المحادثات، حاول المؤلف شراء بعض هذه الكتب من مكتبة في لندن، لكنه وجد أن بعضها متوفر بالعربية فقط، بينما استطاع الحصول على الأخرى مثل هاملت وأغاثا كريستي والخيميائي.

ثم تناول الفصل الشاعر السوري الكبير أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر)، الذي يعتبر أعظم شاعر عربي حي، ورُشح لجائزة نوبل سنوياً منذ 1988. شعره متجذر في القصيدة الكلاسيكية لكنه يعالج قضايا العالم العربي الحديث، مثل قصيدته زمن بين الرماد والورد التي تتحدث عن الهزيمة في حرب 1967. أثار أدونيس الجدل في أوساط مختلفة، سواء بانتقاده للأسد أو المعارضة، أو بتساؤله عن التقاليد الإسلامية، مما جعله يتلقى تهديدات بالقتل وحرق كتبه. انتقل إلى باريس عام 1980 ليعيش في المنفى، وهو المصير الذي يلحق بالعديد من السوريين الذين تجرأوا على التعبير عن رأيهم.

انتقل المؤلف بعدها إلى دور المرأة السورية في الأدب، معترفاً بخطئه في افتراض أن أعمالهن لم تحظ بالتقدير في مجتمع أبوي. ذكر الشاعرة مرام المصري، المولودة عام 1962، وهي شاعرة نسوية من اللاذقية، كتبت عن الحرب الأهلية السورية، ومنها قصيدة مؤثرة عن طفل ميت بين يدي والده. أما الشاعرة الأكثر إثارة للجدل فهي أحلام النصر، المعروفة بلقب "شاعرة الدولة الإسلامية". على النقيض التام من مرام، فهي داعمة متحمسة لتنظيم داعش، وهربت إلى الرقة في أكتوبر 2014، وتزوجت من مقاتل نمساوي. نشرت ديواناً شعرياً بعنوان وهج الحقيقة يمجد الجهاد، ودافعت عن حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. لم تكن كتبها موجودة في مكتبة داريا، ولم يقرأها أحد هناك، لكنها مثلت أداة دعائية مهمة للتنظيم.

في ختام الفصل، عاد المؤلف إلى الواقع السياسي القاتم. مع تدخل روسيا إلى جانب النظام في نهاية 2015، والدعم العسكري من إيران وحزب الله، تحسنت fortunes الرئيس بشار الأسد. كان الجيش السوري الحر، رغم قوته في داريا، يفقد تماسكه في بقية البلاد بسبب نفوذ الجماعات المتطرفة. سأل أهالي داريا المؤلف عن سبب عدم تدخل المجتمع الدولي، فأجابهم أن الغرب يخاف من وصول الأموال والسلاح إلى أيدي المتطرفين مثل داعش أو جبهة النصرة. لكنهم رفضوا ذلك بحنق، مؤكدين أن مثل هذه الجماعات ليست موجودة في داريا، غير مدركين لحجم نفوذها المتزايد في الخارج.

ورغم كل هذا، استمرت المكتبة في توليد الأمل. كما قال عمر أبو أنس: "الكتب تحفزنا على الاستمرار. نقرأ كيف تخلى الجميع عن أمة معينة في الماضي، ومع ذلك نجحت في النهاية. لذا يمكننا أن نكون مثلهم. تساعدنا في التخطيط للحياة بعد رحيل الأسد. نريد أن نكون أمة حرة، ونأمل بالقراءة أن نحقق ذلك". يختتم الفصل بهذه النبرة المفعمة بالأمل والإصرار، رغم اليأس السياسي المحيط بهم. يمكن القول إن الفصل يبني حجة قوية على أن الأدب والقراءة ليسا مجرد ترف فكري، بل أداة مقاومة يومية وأساس للحفاظ على الهوية والتخطيط لمستقبل أفضل، حتى في أحلك الظروف. مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الأمل على الصمود في وجه آلة الحرب والدمار الشاملة.

10.الفصل العاشر132–144▼ ملخص

بدأ مايك طومسون هذا الفصل بلقاء عابر في قطار إنجليزي في يناير 2016، حيث عبّرت امرأة جلست بجانبه عن اعتقادها بأن السوريين "لا بد أنهم اعتادوا" على القصف والموت. كانت هذه الملاحظة صادمة للمؤلف، ودفعته للتأمل في معنى "التعود" على الحرب. فهو يقر بصلابة سكان داريا المذهلة، الذين كانوا يواصلون حياتهم رغم الانفجارات والجوع، لكنه يرفض فكرة أن الرعب يمكن أن يصبح طبيعياً أبداً. من هنا، يبدأ استكشافه لجانب إنساني عميق: كيف يعيش الناس حياتهم العاطفية تحت الحصار؟ هل هناك مكان للحب والزواج في عالم يبدو أنه لا يترك سوى مجالاً للبقاء؟

للكشف عن ذلك، يتوجه المؤلف إلى أصدقائه في داريا، ويبدأ بـ عبد الباسط. يروي له الأخير كيف أن أخته الكبرى اتصلت به فجأة وسألته عن مواصفات زوجته المستقبلية. بعد أن كتب قائمة طويلة، فوجئ باتصال من والدته تخبره بأنهم وجدوا له العروس المناسبة، وهي زهور من بلدة المعلمية المجاورة. كانت المفاجأة أن والديه ذهبا لخطبتها نيابة عنه، وفق التقاليد، لكن زهور اشترطت مقابلته شخصياً. بفضل هدنة قصيرة في المعلمية، تمكن عبد الباسط من لقائها، ووصف تلك الساعة بأنها جعلت قلبه يتكلم، فتمت الخطوبة. لكن الفرحة لم تكتمل؛ فعند توجهه مع عائلته لحفل الخطوبة، منعهم جنود النظام عند حاجز قرب المعلمية، وأجبروهم على العودة. لم يستسلم عبد الباسط، فحاول إرسال وردة حمراء إلى زهور عبر رجل يعرف الجنود، لكنهم مزقوا الزهرة وألقوا بها. يكمل الرجل قصته والدموع في عينيه، معترفاً بأن فراق خطيبته وعائلته هو أصعب ما يواجهه.

بعدها، ينتقل المؤلف إلى أنس، الذي لديه أيضاً خطيبه اسمها أسماء تعيش مع عائلتها في ريف دمشق. تعرّفا عبر الإنترنت بوساطة من والديهما، وتطورت علاقتهما عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني حتى أصبحا مخطوبين. ثم يروي محمد شحادة، الملقب بـ "الأستاذ"، قصة أول حفل زفاف في المعلمية بعد توقيع الهدنة في مطلع 2014. كان العريس عامل صحة في مستشفى ميداني في داريا، وخطيبته قد فرت إلى المعلمية. يصف محمد دموع الفرح التي ذرفها الحاضرون، ويرى في هذا الزفاف فعلاً من أفعال الصمود والإصرار على الاحتفاء بالحياة في وجه الموت. على النقيض، يعاني محمد نفسه من فراق زوجته وأطفاله الذين أجلاهم إلى المعلمية خوفاً عليهم. بعد ثلاثة أشهر، قطعت قوات النظام الطريق بين المدينتين، فلم يعد يرى أطفاله، بمن فيهم مولوده الجديد الذي لم يحمله أو ير وجهه أبداً. زوجته أنجبت وحيدة بمساعدة جارتها، وهو لا يعرف عنه سوى أنه ذكر.

يتوقف المؤلف عند سارة، التي تعيش مع زوجها في داريا بينما هربت عائلتها الممتدة. لا تستطيع زيارتهم أو حتى الاتصال بهم خوفاً من المراقبة الأمنية. لذا ابتكرت نظام إشارات: تغير صورت الشخصية على فيسبوك كل مساء ليعلموا أنها ما زالت على قيد الحياة. تعترف بأنها تحاول إقناع نفسها بأنها لم يكن لديها عائلة أصلاً، لأن تذكرهم مؤلم جداً. تأخذ عزاءها في رعاية الأطفال الذين تعلمهم، وكثيرون منهم أيتام، وترى معاناتهم عن كثب وطفولتهم المسروقة.

بحلول أواخر فبراير 2016، يزداد الوضع سوءاً. تشن قوات النظام هجوماً جديداً على داريا وتسيطر على أكثر من عشرين مبنى كان يسيطر عليها الثوار. يُستثنى داريا من وقف إطلاق النار الوطني بدعوى وجود مسلحين من جبهة النصرة. يحذر محمد من أن القوات تحاول اختراق الخطوط الدفاعية والاستيلاء على الأراضي الزراعية، مما يعني قطع شريان الحياة الوحيد للطعام. يصف المؤلف الجوع المدقع: أمهات يعطين أطفالهن كل ما يملكن ويشربن كميات كبيرة من الماء ليشعرن بالشبع. يروي أيهم طبيب الأسنان كيف تضطر الأمهات للكذب على أطفالهن الجائعين، واعدات إياهم بطعوم لا تأتي أبداً. هو نفسه يحلم بكوب شاي محلى بالسكر ورقائق البطاطس والدجاج، ويعترف بأنه يحدق في صور الطعام لساعات محاولاً خداع عقله ليشعر بالشبع.

ورغم الجوع، يحتفظ البعض بروح الدعابة. يروي عبد الباسط قصتين طريفتين: الأولى عن كبد خروف اشتروه بكمية قليلة، وبينما هم خارج الغرفة لطيبه، أتت قطة وأكلت معظمه. صديقهم الذي يعاني من الوسواس القهري رفض أكل الباقي، لكنه بعد أيام أُجبر على أكل أوراق شجر العليق المنقوعة بالماء، فبدا أن الحصار شفاه من وسواسه. القصة الثانية عن مقاتل جريح كان يصرخ من ألم في ساقه لكنه يمسك بطنه بإحكام، ليكتشف الأطباء أنه يخفي كيلو من التمر في يده خشية أن يُسرق منه. يضيف المؤلف شعوره بالذنب وهو يستمع لهذه القصص بعد أن ترك نصف وجبة غدائه.

في مطلع أبريل 2016، وقّعت سبع وأربعون امرأة في داريا رسالة مفتوحة تطالب برفع الحصار وإدخال المساعدات. يصفن حالات سوء التغذية وغياب حليب الأطفال وحتى سائل غسيل الصحون، ويلجأن إلى طهي شوربة من البهارات فقط لدفع الجوع. يصففن أولادهن على شكل حروف S.O.S للتأكيد على أن البلدة مليئة بالمدنيين وليس الإرهابيين. بعد أربع سنوات من الانتظار، دخلت سيارات الدفع الرباعي البيضاء التابعة للأمم المتحدة إلى داريا في 16 أبريل 2016، لكن خيبة الأمل كانت كبيرة إذ لم تحمل أي طعام أو دواء، بل جاء وفد لتقييم الاحتياجات. يسجل أنس في مذكراته كيف سألت قائدة الوفد خولة مطر طفلة عما تريدهم أن يحضروه، فتوقعت الطفلة طلب الشوكولاتة، لكنها طلبت الأرز والطحين والخبز.

في 12 مايو 2016، وصلت أخبار عن قافلة للصليب الأحمر تحمل حليباً ولقاحات ولوازم مدرسية، لكن الفرحة تحولت إلى غضب عندما رفضت الفرقة الرابعة من الجيش السوري السماح لها بالدخول. بعد ضغوط دولية متصاعدة، دخلت القافلة نفسها في مطلع يونيو لكنها حملت أدوية لا طعام، وكانت التعليمات على بعضها تشير إلى ضرورة تناولها مع الطعام. أخيراً، في 9 يونيو 2016، دخلت قافلة مشتركة من الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري مكونة من تسع شاحنات محملة بأول شحنة غذائية منذ بدء الحصار في نوفمبر 2012. وزعت حصصاً من الأرز والعدس والحمص والفول والبرغل والزيت والملح والسكر، تكفي كل أسرة لمدة شهر بحسب تقديرات الأمم المتحدة، أو عشرين يوماً بحسب المجلس المحلي الذي قدر عدد السكان بـ 8,000 نسمة وليس 4,000. اختفت السعادة، وأحس الناس أن العالم ما زال يهتم، رغم قلة المساعدات وغياب الوقود لتشغيل المضخات والمولدات، وفي ظل استمرار القصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة.

11.الفصل الحادي عشر145–158▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على معاناة المدنيين في بلدة داريا السورية المحاصرة، من خلال قصّتين متوازيتين: الأولى لطفلة اسمها إسلام (12 عاماً) وعائلتها، والثانية للمعلّمة سارة وتلاميذها في المدرسة. يقدّم الفصل إجابة واضحة ومؤلمة عن السؤال المحوري: كيف تبدو الحياة تحت الحصار من وجهة نظر الأطفال والنساء الذين يكافحون من أجل البقاء والتعليم والأمل؟ الجواب هو أن الحياة أصبحت جحيماً يومياً من الجوع والقصف والخوف وفقدان الأحبة، وأن الأمل الذي مثّلته المكتبة السريّة بدأ يتلاشى مع اشتداد الحصار.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر هذه القصص. يبدأ مع الطفلة إسلام التي تقرأ قصة "ذات الرداء الأحمر" بصوت عالٍ في منزلها المدمر جزئياً في ضواحي داريا. يصف الكاتب كيف تغمرها القراءة وتنقلها إلى "مكان أفضل"، حيث تنسى جوعها للحظات. إسلام التي علّمت والدتها أم إسماعيل القراءة، تحلم بزيارة المكتبة السريّة لكن المسافة خطيرة جداً. تروي والدتها معاناتها اليومية في إطعام أطفالها الستة، حيث لا تملك سوى وجبة واحدة يومياً من الحساء المائي، وتقول إنها توقفت عن الأكل لتعطي حصتها لأطفالها. يكشف الحوار عن مأساة أعمق: والد إسلام قُتل برصاص قناص أثناء بحثه عن طعام في المعضميّة، تاركاً العائلة بلا معيل. تروي الأم كيف وجدته ملقى على الأرض ميتاً، وهي صورة لا تفارقها.

يصف الفصل أيضاً إصابة إسلام بشظايا في ذراعها ويدها اليسرى أثناء بحثها عن الطعام مع والدتها. منذ ذلك الحين، أصابها الخوف وندر أن تغادر المنزل. المأساة الأكبر تكمن في إجابة إسلام عندما سألها الكاتب عن أحلامها للمستقبل: "اعتدت التفكير في ذلك، لكن ليس بعد الآن. لا أعتقد أنني سأكبر أكثر. سأموت هنا على الأرجح." هذا الرد يصدم الكاتب ويلخص أعمق أثر للحصار: تدمير الأمل ذاته لدى الطفل.

بعد هذه المقابلة، ينتقل الفصل إلى الحديث مع المعلّمة سارة التي تعمل مع الأطفال في ملجأ المدرسة. توضّح سارة كيف أثر الجوع المستمر على تركيز التلاميذ وأخلاقهم. في تمرين طلبت فيه من الأطفال أن يتخيّلوا الجنة، وصفتها بأنهار من العسل والشوكولاتة، لم يستطع أي طفل تخيل ذلك. الطفلة يانا وصفت مشهد والدها وهو يحاول إصلاح مولد الكهرباء. الطفل أمير (8 سنوات) وصف طائرة تقصفهم وهم يركضون نحو القبو. كلاهما لم يستطع تخيل الجنة، بل أعاد إنتاج كوابيسه اليومية. تروي سارة أيضاً حادثة مؤثرة: وزّعت بسكويتات على كل تلميذ ثانٍ، وطلبت منهم مشاركتها مع جارهم. التلميذ جورام لم يشارك، لكنه في الحقيقة وضع نصفه في حقيبته ليأخذه لأخته الصغرى التي توفي والدها قبل يومين فقط. هذا المشهد يظهر نبل الأطفال رغم الظروف، لكنه يكسّر قلب المعلّمة.

يصف الفصل كيف تدهور الوضع في داريا بحلول منتصف يوليو 2016. سيطرة القوات الموالية للحكومة على جميع المزارع المتبقية حول البلدة، مما قطع آخر مصادر الغذاء، وأصبح السكان يعتمدون على الخضروات القليلة التي يزرعونها على الأسطح. القصف يزداد كثافة. يستمع الكاتب إلى تسجيل صوتي لـعبد الباسط يصف فيه رعب طائرة هليكوبتر ترمي براميل متفجرة فوقهم. المقاتل عمر أبو أنس من الجيش السوري الحر يؤكد أن الوضع يزداد سوءاً، وأن أصدقاءه يموتون كل يوم. لكنه، رغم ذلك، يبقى قلقه الأكبر منصّباً على حماية المكتبة السريّة التي يعتبرها جزءاً من روح الثورة، ويضع أكياس رمل إضافية حولها معتقداً أن النظام يعلم مكانها وسيقصفها.

في مسعى لمساعدة إسلام والمكتبة، يتصل الكاتب بجمعية خيرية بريطانية ويطلب إرسال كتب. لكن الجمعية ترفض بعد أن أخبرته الحكومة السورية أنها لن تسمح بإدخال الكتب إلى المناطق المتمردة، لأنها ستكون موضع شك، وأنه من الصعب تبرير إرسال الكتب بدلاً من الطعام والماء. يبرر الجمعية موقفها، لكن الكاتب مستاء لأنه يعلم أهمية الكتب، مذكّراً بقول أنس: "كما يحتاج الجسد للطعام، تحتاج الروح للكتب."

في نهاية الفصل، يقارن الكاتب بين حياته الآمنة في لندن وحياة أبطاله في داريا، ويشعر بأنه "مُتفرّج صحفي". يؤكد الفصل أن المكتبة السريّة، التي كانت رمزاً للمقاومة والأمل، أصبحت فارغة و"ميتة" بحسب وصف سارة، التي شعرت كأن "الجدران تبكي". يختتم الفصل بحدث واقعي: في 24 يوليو 2016، بدأ هجوم عنيف جديد على داريا، وسقطت أجزاء منها في اليوم التالي باستشهاد القائد الميداني أبو عارف عليان مع مقاتلين آخرين. الفصل لا يقدم حلولاً، بل يوثق مرحلة انهيار الأمل تحت وطأة الجوع والقصف وفقدان الأحبة، تاركاً القارئ أمام صورة مأساوية لـ"جيل ضائع" كما وصفه أنس.

12.الفصل الثاني عشر159–174▼ ملخص

بدأ هذا الفصل بإذاعة فيلم وثائقي أعدّه المؤلف عن داريا على إذاعة بي بي سي 4 في 28 يوليو/تموز 2016، تلته نسخة أقصر على إذاعة بي بي سي العالمية. أثار البرنامج ردود فعل واسعة من المستمعين في بريطانيا وحول العالم، الذين تأثروا بقصة المدينة التي تحتفي بالكتب والتعليم وسط القتل والكراهية. عبّر أحد التغريدات عن شعور بأن "سوريا لم تعد أرضاً بعيدة"، وعلّق أستاذ أميركي في العلاقات الدولية في واشنطن بأنه شعر "ببصيص أمل لمستقبل سوريا لأول مرة منذ زمن طويل". الأهم كان رد فعل سكان داريا أنفسهم، حيث أرسل مالك رسالة نصّية مفادها أن الجميع متحمسون لأن قصتهم رُويت أخيراً للعالم، وأصبحوا يشعرون أنهم لم يعودوا وحيدين.

بعد أيام قليلة، وفي أحد أيام الاثنين في ضاحية إيست فينتشلي بلندن، تلقى المؤلف رسالة نصّية تقول: "عمر مات". كان عمر أبو أنس في الرابعة والعشرين من عمره، وقد قُتل مع مجموعة من المقاتلين المتمردين بعد محاصرتهم بقصف من القوات الحكومية، وذلك بعد ساعتين فقط من بث الوثائقي الذي انتهى بكلماته المتفائلة: "نحن نخطط لما هو قادم من خلال الكتب التي نقرؤها. نريد دولة حرة ونريد شيئاً أفضل من الأسد". وصف همام، أقرب أصدقاء عمر، مشاعره في رسالة مؤثرة نُشرت على فيسبوك، معتبراً أن فقدان عمر هو فقدان روحه، وأخبر المؤلف في مكالمة لاحقة أن عمر كان كل شيء بالنسبة له، وأن موته كان أكثر الأحداث إيلاماً في حياته.

مع استمرار تقدم القوات الموالية للأسد، سقط المزيد من المباني في داريا، وقُتل قائد المتمردين أحمد أبو المجد، لكن المتمردين شنوا هجوماً مضاداً عبر نفق سري استعادوا خلاله مواقعهم لفترة وجيزة قبل أن تستعيدها الحرس الجمهوري. بينما كان العالم منشغلاً بأحداث أخرى مثل الأولمبياد في البرازيل ووباء زيكا وزلزال إيطاليا وفيضانات لويزيانا، ظهرت صورة لطفل صغير ملطخ بالدماء والغبار في حلب الشرقية المحاصرة، مما أعاد انتباه الإعلام العالمي إلى أهوال سوريا. في 19 أغسطس/آب، قصفت القوات الحكومية آخر مستشفى يعمل في داريا بقذائف برميلية، باستخدام أسلحة حارقة يُزعم أنها محظورة دولياً، مما ترك نحو ثمانية آلاف شخص بلا رعاية طبية.

في 25 أغسطس/آب، أرسلت سارة مطر رسالة نصّية تقول: "زوجي اقتحم وأخبرني أننا نغادر داريا. أنا مصدومة!"، معلنة التوصل لاتفاق بين قادة المتمردين والحكومة يمنح الجميع ممراً آمناً. في صباح اليوم التالي، دخلت قوافل المساعدات إلى المدينة، وتم إجلاء المقاتلين إلى إدلب، بينما نُقل المدنيون إلى مراكز استقبال. أعطت القوات الحكومية المدنيين خيارين: إما الذهاب إلى إدلب التي تتعرض للقصف، أو إلى منطقة كسوة الخاضعة للحكومة، لكن بشرط الإدلاء بشهادات رسمية بأنهم لا يدعمون الثورة. وصف عبد الباسط مشاعره خلال زيارته الأخيرة للمكتبة السرية، حيث عانق الكتب وبكى، قائلاً إنه فعل ذلك ليترك جزءاً من روحه هناك، معتبراً أن المكتبة هي "مصنع للأفكار والحلول" و"وقود الحياة".

أما محمد فلم يفاجأ بالاتفاق، فقد كان يدرك احتمال حدوثه منذ مايو/أيار، لكنه بذل جهوداً مع إدارة المجلس المدني للسماح لمن يريد البقاء بالبقاء، وهو ما رُفض. في يوم الإخلاء، نصح محمد الناس بحمل الضروريات فقط، ثم توجه بعد زيارة مقبرة المدينة إلى نقطة الإخلاء متجهاً إلى إدلب لمواصلة نضاله السلمي، معتقداً أنه سيُعتقل لو دخل منطقة حكومية. أنس كان من بين الحشود، ووصف صعوبة اختيار ما يحزمه في حقيبتين فقط خلال ثمان وأربعين ساعة، وقال إنه سيحمل معظم ذكرياته في رأسه حتى لا يستطيع أحد أخذها أو تدميرها. نُصح أنس بعدم أخذ أي كتب، لكنه اعترف أنه بسبب الصدمة والجوع والقصف، أصبح عقله غير قادر على التركيز في القراءة، وشعر بالذنب لإهماله المؤقت للمكتبة.

في اتصال مع أمين المكتبة أمجد، الذي كان يكدّس أمتعته مع والديه، قال إنه قضى معظم أيامه الأخيرة جالساً في المكتبة السرية دون أن يفعل شيئاً، غير قادر على استيعاب ما يحدث. أخبر أمجد أن المكتبة أصبحت هادئة ثم فجأة امتلأت بعائدين للكتب خوفاً من مصادرة جنود الأسد لها، فأعادها هو إلى الرفوف مصنفة بدقة. وصف أمجد جولته الأخيرة في المكتبة قائلاً: "تجولت وأنا أحدق في كل شيء محاولاً حفظ ما أراه، فبكيت. لا أستطيع منع نفسي". قال إنه لم يستطع النوم في الليلة السابقة، وكان يعتقد دائماً أنه سيعمل هناك ويعتني بها إلى الأبد، لكنه لم يعد يملك خياراً. وأعرب عن أمله في أن تتسع حقائب عائلته القليلة لبعض الكتب التي سيأخذها معه لمساعدته في تعليمه.

بحلول ظهر يوم الجمعة 26 أغسطس/آب، بدأت الحافلات التي ترافقها سيارات إسعاف من الهلال الأحمر العربي السوري بالتجمع في وسط داريا. تحوّلت المدينة إلى صحراء حضرية متداعية، وراح الحافلات تستنزف ما تبقى من حياة فيها. بينما كان العالم يراقب، سار جنود الحكومة السورية في شوارع داريا لأول مرة منذ أربع سنوات، وهم فائزون. في مشهد غير ملحوظ، اندفع مجموعة من الشبان ذهاباً وإياباً حول مدخل المكتبة السرية، حاملين أكياساً من التراب والركام، وغطوا بها ما تبقى من الباب، على أمل أن تبقى المكتبة مخفية عن أولئك الذين قد يؤذونها، وأن يعودوا يوماً ما لإحيائها من جديد.

13.الفصل الثالث عشر175–190▼ ملخص

هذا الفصل الثالث عشر من كتاب "مكتبة سورية السرية" لمايك طومسون يتناول مصير أبطال الكتاب بعد إجلائهم من بلدة داريا المحاصرة في أغسطس/آب 2016، وكيف يواجهون الحياة الجديدة في إدلب. يبحث الفصل في سؤالين محوريين: هل نجح سكان داريا في الوصول بأمان إلى وجهتهم؟ وكيف تبدو حياتهم بعد أن تركوا خلفهم مكتبتهم السرية التي كانت شعلة أمل في زمن الحرب؟

يبدأ الفصل بقلق المؤلف على أصدقائه الذين لم يسمع منهم شيئاً بعد الإجلاء: عبد الباسط، وسارة، وأنس، وأمجد وآخرين. يصف محاولاته اليائسة للاتصال بهم، التي باءت كلها بالفشل بسبب انقطاع الإنترنت أو مصادرة الهواتف من قبل قوات النظام. يشير المؤلف إلى تقارير منظمة العفو الدولية عن إعدام ما يصل إلى 13,000 معتقل في سجن صيدنايا العسكري، وعن استخدام أكثر من 30 طريقة تعذيب منذ الثمانينيات، أسفرت عن وفاة 17,000 شخص إضافي منذ 2011، مما يزيد مخاوفه على مصيرهم. لكنه يتذكر أن مدينة حمص شهدت إجلاءً مماثلاً قبل ثلاثة أشهر، حيث سُمح لنحو 1,000 مقاتل ومدني بالمغادرة إلى إدلب، مما يعطيه بصيصاً من الأمل.

يتحول القلق إلى فرح عندما تصل رسالة نصية من عبد الباسط في 12 سبتمبر/أيلول 2016، يخبره فيها بأنه آمن في إدلب. يصف عبد الباسط رحلة الإجلاء الدرامية في 27 أغسطس/آب 2016 بالتفصيل: كيف صعد إلى الحافلة ورأسه مرفوع، شاعراً بالفخر لأنهم صمدوا أربع سنوات رغم الحصار والقصف. يصف محمد قوة التحصينات العسكرية التي رأها: ثلاث خطوط دفاعية، وأكياس رمل، وخنادق مليئة بالمياه. كان بينهم وبين الجيش السوري بأكمله بضع مئات من المدافعين فقط. في المقابل، تحول فخرهم إلى مرارة عندما رأوا حجم الدمار الكامل لبلدتهم من على الطريق السريع، حيث لم يبقَ منها إلا الأنقاض.

في نقاط التفتيش، يتعرض الإجلاء للترهيب؛ توجيه الأسلحة نحوهم، والصراخ، والدفع. يتهم عبد الباسط المجتمع الدولي بالفشل: "لماذا لم يوقف الصليب الأحمر والأمم المتحدة هذا التطهير العرقي؟" لكن روحهم تنتعش عندما يعبرون إلى مناطق سيطرة المعارضة، حيث يستقبلهم السكان بالأرز والزهور وإطلاق الرصاص في الهواء ترحيباً بهم، رغم أن محمد يعلق بسخراء أن تلك الذخيرة كانت كافية لإنقاذ داريا. بعد 12 ساعة من السفر بدلاً من ثلاث ساعات في الأوقات العادية، يصلون إلى إدلب حيث يحصل عبد الباسط على شقة سكنها مالكه وأسرته لاستضافته.

يكشف عبد الباسط عن ألمه الأكبر: منع جنود النظام من أخذ أي كتاب من المكتبة السرية. يقول: "كل ما استطعنا وضعه في حقائبنا الظهرية كان بعض الملابس. لو استطعت، لكنت أخذت المكتبة السرية بأكملها معي." يذكر الكتب التي كان سيختارها: "هذا ما علمتني الحياة" لمصطفى السباعي، و**"هاملت"** التي يقرأها مراراً ويجد فيها عالماً مختلفاً، وكتاباً عن تحسين الذات غير متذكر اسمه، كان سبباً في تحول صديق من مدمن حشيش إلى شخص منتج في المجتمع.

ثم يتواصل المؤلف مع أنس حبيب، الشريك المؤسس للمكتبة. يصف أنس حياته في إدلب بأنها أفضل من داريا الموبوءة بالقصف والحصار، لكنه يشعر بعدم الراحة: "إنه عالم جديد ليس نقيًا بالطريقة التي كانت عليها داريا." يواجه صعوبة في الاندماج لأن بعض الجماعات هناك تريد الشريعة بدلاً من الديمقراطية والحقوق المدنية. ورغم ذلك، فهو لم يواجه مشاكل تذكر لأن سكان داريا يحظون بتقدير كبير بسبب صمودهم الطويل ضد النظام. يتحدث أنس عن كتابه المفضل الذي كان سيأخذه معه: "دموع الرجال" لفيصل بن محمد الحاج، الذي يعكس حالته المزاجية بأبيات شعرية عن عدم موت من ماتوا لأجل قضية. لكنه يجد عزاءه حالياً في كتاب آخر: "جبال الأمل"، لمؤلف من داريا أصبح مشلولاً بعد إصابة في عموده الفقري، ويتحدث الكتاب عن الأمل وعدم الاستسلام، وعنوان صفحته الأولى: "مصابيح الأمل: إذا فقدنا الأمل، فقدنا الحياة".

أما سارة مطر، فترسل رسالة في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2016 تصف فيها واقعها القاسي في مخيم قرب الحدود التركية. ترسل صورة للآلاف من الخيام الزرقاء والبيضاء الممتدة إلى الأفق، في أرض صخرية حمراء لا شجر فيها ولا عشب، يتطاير غبارها في الصيف ويعلق بوجوه الأطفال. تقول إن حياتها هناك أكثر رعباً من داريا المحاصرة: "نحن نعيش في خوف من الجماعات المسلحة التي تتقاتل فيما بينها... نقلق باستمرار من أن نُحتجز في مرمى نيرانهم أو نُختطف." تعترف أنها لم تتكيف بعد، وتشعر بفراغ داخلي، وتقول: "في أسوأ لحظاتي، أشعر أننا نعيش حياة الموتى هنا." تفتقد الأطفال الذين كانت تعلمهم في داريا، وتقول إنها كانت تشعر بالأمان وهي ترعاهم رغم القصف. وتحكي عن دهشة السكان المحليين عندما طلبت كتباً بدلاً من الطعام: "كيف تطلبين كتباً وأنت لاجئة بلا شيء؟! كوني جادة!" لكنها مصرّة على إنشاء مكتبة صغيرة في المخيم.

في ختام الفصل، ينتقل التركيز إلى الوحدة العائلية والفقد. يصف عبد الباسط ألمه من الانفصال عن عائلته الكبيرة التي لم يرَ معظم أفرادها منذ أربع سنوات. يشعر أنه "في المنفى عن حياته، وليس فقط عن منزله"، وأن هويته أصبحت ضبابية. يخاف من الاتصال بوالديه خوفاً من أن تجعلهم المكالمات "إرهابيين" في نظر أجهزة الأمن التي تراقب هواتف العائلة. يروي كيف كان فخوراً بهما عندما أومأا بفهم واعتزاز وهو يخبرهما برغبته في البقاء في داريا المحاصرة. رغم كل شيء، يخطط عبد الباسط للزواج من خطيبته التي اختارتها له أمه وأخته، ويدخر المال من أجل حفل الزفاف، لكنه يقلق على سلامتها في رحلتها إلى إدلب. يتذكر المؤلف الوردة التي حاول عبد الباسط إرسالها إليها من داريا المحاصرة، والتي قطعها جنود النظام إلى أشلاء عند نقطة تفتيش، ويتساءل إن كان بإمكانهما لم شملهما هذه المرة.

باختصار، يرسم الفصل صورة عميقة وحزينة لمرحلة ما بعد النزوح: النجاة الجسدية لم تكتمل بالنجاة النفسية. أبطال داريا فقدوا مكتبتهم، وهويتهم، وعائلاتهم، ودخلوا إدلب حيث لا مكان للكتب المجانية ولا للحلم بديمقراطية كانت سبب ثورتهم. مع ذلك، في كل لقاء، يظهر شغفهم بالقراءة، وأحلامهم بالزواج والعلم، وإصرارهم على إعادة بناء حياتهم، مما يجعل الفصل تأملاً مؤلماً في ثمن المقاومة والخسارة الإنسانية.

14.الفصل الرابع عشر191–204▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على مصير المكتبة السرية في داريا بعد إخلاء المدينة، ويكشف عن نهبها وتدميرها على أيدي الجنود السوريين، مجيباً بذلك على السؤال المحوري حول ما حل بهذا المعلم الثقافي بعد انتهاء الحصار. يتابع الكاتب جهوده الحثيثة لمعرفة مصير المكتبة بعد أن تمكن من تتبع أثر العديد من أصدقائه في داريا، ويبدأ الفصل بتوتره وقلقه من أنه لم يعد لديه أي أخبار عن المدينة أو مكتبتها.

يبدأ السرد باكتشاف الكاتب لخبر تدمير المكتبة عبر تقرير مصور من سي إن إن نشر في 6 أكتوبر 2016. يصف الكاتب مشاهدته للقطات التي تظهر جنوداً يخرجون أكواماً من الكتب من قبو ليحملوها على شاحنة صغيرة، مما يؤكد أن موقع المكتبة لم يعد سراً وقد تم نهبها. يعبر الكاتب عن صدمته وحزنه العميق، مشيراً إلى أن تدمير هذه المجموعة الاستثنائية من الكتب التي جُمعت على مر السنين تحت وابل من القناصة يبدو عملاً غير عقلاني، خاصة أن أصحابها رحلوا ولم يشكلوا تهديداً عسكرياً للنظام.

للحصول على تفاصيل أوضح، يتصل الكاتب بالصحفي فريدريك بلايتغن والمنتجة كلوديا أوتو من سي إن إن، واللذين كانا قد حصلا على تصريح لدخول داريا بعد الإخلاء بخمسة أسابيع تقريباً. يرويان للكاتب كيف عثرا على المكتبة بالصدفة تقريباً بفضل وجود الشاحنة التي تحمل الكتب، ويؤكدان أن الجنود الذين شاهدوهما ينتمون إما للجيش السوري أو لميليشيات موالية له. تصف كلوديا أوتو المشهد بأنه "دمار كامل" وأن المدينة تحولت إلى "مدينة أشباح"، بينما يضيف فريدريك أن عدداً قليلاً من المنازل بقي سليماً وأن العديد منها كان لا يزال يحترق عند وصولهما.

يصف الصحفيان الأجواء داخل المكتبة بعد النهب بأنها كانت مظلمة ومخيفة وخالية من أي إضاءة، لكن المدهش أنه لم يكن هناك أي دمار هيكلي داخلها، بل كانت الوسائد لا تزال في زاوية القراءة. يرويان كيف شعرا بالهدوء والسلام داخلها رغم الفوضى الخارجية، وهو ما ساعدهما في تخيل الأجواء الدافئة التي كان يتحدث عنها روادها. يشارك الصحفيان أيضاً خبراً سعيداً هو عثورهما على الطفل أمجد، أمين المكتبة السابق، حياً يعيش مع عائلته في مخيم للاجئين قرب دمشق، ويصفان كيف غيّرته المكتبة وغذّت عقله الناقد، مما جعله قائداً في أسرته على الرغم من أن والديه أميان.

يتلقى الكاتب بعد ذلك سيلاً من الرسائل الحزينة والغاضبة من أصدقائه في داريا، منهم عبد الباسط الذي عبر عن ألمه العميق، وهمام التون الذي وصف تدمير المكتبة بأنه "أكثر خسارتنا إيلاماً". يشرح همام للكاتب كيف أن المكتبة كانت "جزءاً أساسياً من ثورتهم" لأنها أتاحت لهم قراءة الكتب التي كانت الحكومة تمنعهم من قراءتها. ويكشف أنس للكاتب أن الكتب المسروقة من المكتبة عُثر عليها معروضة للبيع في شوارع دمشق، وذلك بفضل نظام الترميز الخاص الذي سجل به كل كتاب وصاحبه، مؤكداً أن النظام لا يضع أي قيمة للمعرفة.

في نهاية الفصل، يتواصل الكاتب مع أمجد عبر الهاتف، فيجده في البداية حذراً وخائفاً، لكنه يعود ليكون الصبي الحماسي السابق بعد أن يطمئن. يعبّر أمجد عن حزنه العميق لفقدان المكتبة التي كانت "حياته"، ويقول إن خسارتها هي أكثر ما يحزنه. يتحدث بحنين عن أمنيته في إعادة بنائها ويؤكد أنه سيكون أول من يدخلها. يختتم الفصل بقصة لقاء مؤثر بين صديقة الكاتب سارة ووالدتها التي سافرت من دمشق إلى إدلب لزيارتها، رحلة استمرت 24 ساعة ومرت بالعديد من الحواجز العسكرية الخطيرة، لتعيد لسارة جزءاً من أملها.

يقرّ الكاتب في نهاية الفصل بأن روح المكتبة والإلهام الذي زرعته لا يزال حياً داخل كل من عرفها، على الرغم من تدميرها المادي. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل أمجد في ظل تحوله إلى شخصية عامة قد تجلب له المتاعب في بلد خطير، وحول قدرة اللاجئين مثل سارة على التكيف مع مجتمعات منقسمة لم تعد تشبه مجتمع داريا الذي عرفوه.

15.الفصل الخامس عشر205–215▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول مصير أفراد مجموعة المكتبة السرية في داريا بعد إجلائهم إلى إدلب، وكيف واصلوا نضالهم الثقافي والفكري في وجه الحرب والتطرف. يقدم المؤلف صورة تفصيلية عن محاولاتهم لإعادة بناء حياتهم، ومواجهة التحديات الجديدة، وأهمها صراعهم مع الجماعات الإسلامية المتشددة التي تسيطر على المنطقة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الروح التي قامت عليها المكتبة السرية لم تمت، بل تحولت إلى مشاريع جديدة، أبرزها مكتبة متنقلة تجوب قرى إدلب.

يسير الفصل عبر سلسلة من القصص الشخصية والمشاهد المتلاحقة التي تبدأ بتلقي المؤلف رسائل من أصدقائه في المنفى. يذكر أولاً رسالة من عبد الباسط في أواخر نوفمبر 2016 يخبره فيها بزواجه، وهي رسالة لم يرها المؤلف إلا بعد شهرين. ثم ينتقل إلى لقاء جديد مع أبو مالك الشامي، "بانكسي داريا"، الذي أخبره أن تحقيق أهدافه في إدلب أصعب مما كان يتوقع بسبب "الجماعات المسلحة" التي لا تشاركه رؤيته للثورة وتتقاتل فيما بينها. يخطط أبو مالك لمشروع ضخم في وسط مدينة إدلب لتغيير صورتها كمعقل للإسلاميين، لكنه يضطر لتعليق المشروع بعد أسابيع بسبب تهديدات جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، والتي حذرته من أنه قد يعتقل أو ما هو أسوأ. يوضح أبو مالك أنه حاول الحصول على حماية الجيش السوري الحر لكنه لم يكن متأكداً من قدرتهم على مواجهة المتطرفين.

يتخلل الفصل أخبار شخصية سعيدة تخفف من وطأة الأحداث، أبرزها رسالة صوتية من أنس في منتصف مارس 2017 يعلن فيها زواجه، تليها رسالة من زوجته أسماء تعبر عن فخرها بعمله في المكتبة السرية. لكن هذا الفرح لا يدوم طويلاً، إذ يصف الفصل الهجوم الكيميائي على بلدة خان شيخون في الثلاثاء 4 أبريل 2017، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 80 شخصاً. يراجع المؤلف سابقة "الخطوط الحمراء" عندما تجنب الرئيس باراك أوباما الرد على هجوم كيماوي في الغوطة عام 2013 راح ضحيته 1400 شخص، في مقابل قرار الرئيس دونالد ترامب بقصف جوي على قاعدة جوية سورية في الخميس 6 أبريل 2017 رداً على هجوم خان شيخون، لكنه يقر بأن ذلك لم يردع النظام.

بعد الهجوم الكيميائي، يتفاقم الصراع بين الفصائل المتمردة في إدلب حول علم الثورة والعلم الإسلامي، مما يؤدي إلى اشتباكات شوارع تزيد معاناة المدنيين. في هذا السياق، تنقل سارة تأجيل زيارة والدتها لها بسبب تشديد النظام الأمني واعتقال المسافرين من وإلى دمشق. ثم يعود الفصل إلى الحديث عن محمد شحادة، مدرس اللغة الإنجليزية السابق، الذي يصف الحياة في إدلب بأنها "أصعب من أي وقت مضى" بسبب الاقتتال الداخلي، ويعرب بصوت خافت عن قلقه من أن يضعف ذلك دفاعاتهم ويغري القوات الموالية بالهجوم. يذكر أنه بدلاً من اليأس، بدأ هو وزملاؤه مشروعاً للتواصل مع ناجين من حرب البوسنة من خلال الصحفية جانين دي جيوفاني، لتعلم كيفية التعامل مع الصدمات النفسية والتغلب عليها.

يختتم الفصل بعرض المشروع الأبرز: المكتبة المتنقلة. يوضح أن مالك الرفاعي ومحمد شحادة والمجموعة فوجئوا بصعوبة الحصول على الكتب في إدلب، فقرروا استنساخ تجربة المكتبة السرية في شكل جديد. بعد عناء في البحث عن تمويل، حصلوا على موافقة منظمة "المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية" ومقرها بروكسل لتمويل شراء شاحنة صغيرة وأكثر من 2200 كتاب. تم طلاء الشاحنة بألوان زاهية (أخضر نيون وسقف أحمر) لتكون مرئية ومحببة، على عكس المكتبة السرية التي كانت مخفية. بدأت جولات المكتبة في يوليو 2017 وتوقفت في القرى النائية، متجنبة نقاط تفتيش المتطرفين. يصف مالك فرحة الأطفال، كطفل اسمه غسان من قرية كفر حلب أحب كتاب "أطلس الكون والفضاء"، لدرجة أنهم أهدوه إياه. كما خططوا لاصطحاب محاضرين وخبراء مع الشاحنة لتقديم محاضرات ومسابقات ودروس لغة إنجليزية، مستلهمين من النجاح الذي حققته المحاضرات في داريا.

لا يخلو الفصل من حجج قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بوصف الجماعات الإسلامية في إدلب وعلاقتها بـ الجيش السوري الحر، إذ يعرض الفصل توتراً واضحاً بين رؤية المثقفين العلمانيين وهيمنة الجماعات المسلحة، لكنه يقر بعدم اليقين بشأن ميزان القوى بينهم. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مصير الطفلة إسلام (12 عاماً) ووالدتها اللتين لم يحصل المؤلف على أخبار عنهما، مما يبرز حدود المعرفة والتواصل في خضم الحرب. في النهاية، يعترف المؤلف بأنه كان يخشى تفكك المجموعة بعد فقدان المكتبة، لكن مشروع المكتبة المتنقلة أثبت أن إرثهم الثقافي استمر وتطور.

16.الفصل السادس عشر216–282▼ ملخص

يستكشف هذا الفصل حياة عبد الباسط بعد مغادرته داريا، حيث انتقل إلى مدينة إدلب واستقر فيها. لم يعد الفصل يركز على المكتبة السرية نفسها بقدر ما يركز على الأمل الشخصي الذي يمثله عبد الباسط وقدرته على بناء حياة جديدة وسط الحرب. الدليل على ذلك هو تحوله من شاب يعيش تحت الحصار إلى زوج وأب، مع احتفاظه بشغفه العميق بالكتب والتعلم، وهو ما يشكل الإجابة التي يقدمها المؤلف: أن روح المكتبة السرية وأهدافها لم تمت رغم الخراب والتشريد.

يسير الفصل على خطى حوار مطول بين المؤلف وعبد الباسط. يبدأ بوصف منزله المتواضع في إدلب حيث لا تزال ندوب الحرب بادية ولكن الحياة تعود بشكل ما. ثم ينتقل إلى الحدث الأهم: زواج عبد الباسط من خطيبته زهور في نهاية عام 2016. يصف عبد الباسط يوم زفافه البهيج الذي اختلف عن حفلات الزفاف الغربية بفصل الرجال عن النساء، ثم لقائهما معاً حيث حملها إلى غرفتها. يصبح أباً لطفل اسمه محمد، ويبدو سعيداً ومكتفياً لأول مرة منذ أن عرفه المؤلف. يصف المؤلف الصوت المبتسم في حديثه، ويقارنه بالرعب الذي عاشه في داريا المحاصرة.

يتعمق الحوار في الجانب الفكري من حياة عبد الباسط الجديدة. يكتشف المؤلف أن زهور قارئة نهمة مثله، وهذه الصفة هي ما جعلها شريكته المثالية. يخبره عبد الباسط أن حبها للقراءة جعله يدرك أنها المرأة التي يريدها لبقية حياته، وأنها كانت تشجعه على الذهاب إلى المكتبة السرية أثناء الحصار لأنها كانت المكان الوحيد الذي يبقيه متزناً. مع ذلك، يختلف ذوقهما: عبد الباسط يميل إلى الأدب بينما زهور تفضل كتب التنمية البشرية والرياضيات، بل وتخطط لحياتهما بجداول زمنية تبدأ من الخامسة والنصف صباحاً. على الرغم من اختلافاتهما، يخططان معاً لقراءة عدد محدد من الكتب شهرياً.

يتناول الفصل بعد ذلك التحديات العملية. نظراً لعدم وجود مكتبات في إدلب وغلاء الكتب، بدأ الزوجان في الادخار لشرائها، وتمكنا حتى الآن من شراء كتابين فقط: واحد عن الاقتصاد وآخر عن الأفكار والبحث. يصر عبد الباسط على أهمية المكتبات معادلاً إياها بأهمية الطعام والماء، ويعبر عن خططه لإنشاء مكتبة صغيرة في إدلب، حتى لو كانت صغيرة جداً. كما يبدي حنينه لنسخة من مسرحية هاملت لشكسبير، الذي كان يقرأه في المستشفى بين المرضى، ليشاركها مع زوجته.

ينتقل الفصل إلى السياق السياسي الأوسع. بحلول 10 يناير 2018، بدأ الهجوم على محافظة إدلب آخر معقل للمعارضة، مما اضطر 100 ألف مدني للنزوح. يعلق عبد الباسط على السياسة الدولية، معبراً عن خيبة أمله من أوباما وفعلته خطوطه الحمراء، مع بعض الأمل الحذر في رد فعل ترامب بعد هجوم كيماوي. يعتقد عبد الباسط أن النظام قد لا يستطيع احتلال إدلب بالكامل لعدم كفاية قواته. في لحظة مهمة من الفصل، ينضم صديقه أنس إلى المكالمة، وقد أصبح أباً لطفلة اسمها بتول. يبدو أنس شاباً ومتفائلاً، ويعلن عن خطته العودة إلى داريا لإعادة بناء المكتبة السرية والمدرسة القريبة، مؤكداً أن الهدف هو "إعادة بناء العقول لا المباني".

يختتم الفصل بتأملات عميقة من عبد الباسط حول جوهر المكتبة السرية. يعترف المؤلف بأنه تساءل عما إذا كانت المكتبة قد أصبحت مجرد ذكرى عاطفية بعد كل هذه الخسائر، ليجيب عبد الباسط بعاطفة جياشة. يصف المكتبة بأنها "مئذنة" أضاءت لهم الطريق، و"أكسجين لأرواحهم"، و"سلاحهم الأكبر ضد النظام". رغم أن الواقع العسكري يجعل العودة إلى داريا حلماً غير واقعي، يؤكد عبد الباسط بعزم لا يتزعزع: "سأعود وأعيد بناءها أو سأموت وأنا أحاول". يعترف المؤلف بأن مستقبل القيم التي قامت عليها المكتبة يبدو قاتماً، لكنه يعبر عن إيمانه الراسخ بقدرة شعب داريا على النجاح في النهاية.

هذا الفصل، في جوهره، يقدم حجة قابلة للنقاش حول "ماهية الانتصار". بينما يرى العالم أن النظام انتصر عسكرياً، يقدم عبد الباسط وأنس رؤية مختلفة: الانتصار هو الحفاظ على الروح الإنسانية والإيمان بقوة المعرفة حتى في أحلك الظروف، وهو انتصار لا يمكن للقصف أو الحصار أن يهزمه.

التحليل والكلمات المفتاحية