المورد
Syrie, le pays brûlé, 1970-2021

Syrie, le pays brûlé, 1970-2021

Collectif, Catherine Coquio١ كانون الثاني ٢٠٢٢frÉditions du Seuil

سوريا لم تكن مجرد ساحة حرب، بل مختبراً لعصر جديد من الوحشية السياسية والإفلات المنهجي من العقاب. هذا هو الاستنتاج المحوري لكتاب "Syrie, le pays brûlé, 1970-2021"، الذي يقدمه مؤلفوه كـ"الكتاب الأسود" الأول بهذا الحجم، جامعاً توثيقاً دقيقاً لجرائم نظام الأسد على مدى نصف قرن. يطرح الفريق البحثي، بقيادة كاثرين كوكيو، فكرة أن هذه الحرب ليست نزاعاً إقليمياً عابراً، بل "مختبر" لضعف الديمقراطيات الغربية وآمالها، ونذير لعصر جديد من العنف. فهم يعتبرون أن تشبيه هذه الحرب بالحروب السابقة يحجب حداثة العنف الذي ظهر فيها، ويحول دون رؤية كونها نذيراً. يرون أن ما حدث في سوريا هو لحظة تحول حاسمة في التاريخ الحديث، حيث صارت سوريا تجربة لأسلحة واستراتيجيات جديدة، كقصف المستشفيات والمدارس بشكل مباشر، و"إرهاب الدولة" الذي يهدف إلى تهجير السكان. ويخلصون إلى أن عدم الرد على الهجمات الكيماوية يُعتبر استسلاماً من الديمقراطيات.

يسير الكتاب عبر أربعة أجزاء رئيسية، ينسج حجة مترابطة تبدأ بتحليل جذور النظام، مروراً بتشريح آليات القمع اليومي، وصولاً إلى توثيق سياسات التدمير الشامل، وانتهاءً بمساءلة قانونية عن هذه الجرائم. البداية من تحليل طبيعة النظام السوري نفسه، الذي يصفه المؤلفون بأنه "نظام إرهاب دائم" و"دولة بربرية". هذا النظام، الذي تأسس بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، لا يقوم على بناء شرعية سياسية بل على تفكيك المجتمع والسياسة، مستخدماً العنف كأسلوب وحيد للحكم. يعتمد النظام على "عصبية" أقلية، هي الطائفة العلوية التي تمثل 10% من السكان، والتي استولت على الدولة مستخدمة أيديولوجية قومية عربية. هذا السلطة "لا-مكاني" بامتياز، يعمل على تفتيت كل التكوينات الاجتماعية والمؤسسات، ولا يهدف إلا إلى استمرار زعزعة الاستقرار داخلياً وخارجياً. فالنظام أشبه بعصابة طائفية صغيرة تدير الدولة كجماعة إجرامية، وليس كهيكل سياسي يسعى لبناء أمة. هذا التحليل يفسر كيف أن "الإرهاب" ليس استثناءً في سياسة النظام، بل هو لغة التواصل الأساسية، حيث يمارس النظام "إرهاب دولة" يهدف إلى تهجير السكان وإخماد أي صوت معارض.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تفصيل أدوات هذا القمع الممنهج، مركزاً على جريمة الاختفاء القسري والإبادة في السجون. يستشهد الكتاب بأرقام صادمة: تشير تقارير إلى أن نحو 215,000 شخص اعتقلوا منذ عام 2011، وأن أكثر من 83,971 منهم اختفوا قسراً. يخصص الكتاب فصلاً كاملاً لسجن صيدنايا، الذي يصفه بـ"المسلخ البشري"، حيث قُدر عدد الموتى فيه بـ 14,456 شخصاً، بمتوسط 500 وفاة شهرياً بين عامي 2011 و2015. لم يكن هذا القمع عشوائياً، بل كان سياسة منظمة تستهدف تدمير الضحية نفسياً وجسدياً، مستخدمةً "ثقافة القسوة" المؤسساتية. ففي سجون بشار الأسد، تحول الاعتقال إلى "سياسة إبادة" و"آلة موت" بيروقراطية، حيث يُوثق كل شيء بدقة داخلية، من صور الجثث إلى تقارير الوفاة المزيفة، بهدف إخفاء الجريمة وإدامة حالة الرعب. هذه الآلية البيروقراطية في التوثيق الداخلي للجرائم تكشف عن هوس النظام بتسجيل كل تفاصيل وحشيته، مما جعل من الممكن لاحقاً جمع أدلة قاطعة.

وهنا يبرز دور التوثيق الفريد الذي قام به المصور المعروف باسم "سيزار"، والذي قام بنسخ أكثر من 53,275 صورة، منها 28,707 صور لمعتقلين متوفين يمثلون 6,786 ضحية، وأخرجها سراً من البلاد. هذا الكم الهائل من الأدلة البصرية، إلى جانب شهادات الناجين والوثائق الداخلية المسربة، شكل المادة الأساسية للمحاكمات التاريخية التي بدأت في ألمانيا. ففي يناير 2022، صدر حكم بالسجن المؤبد على العقيد أنور رسلان، رئيس شعبة التحقيق في فرع 251، بتهمة جرائم ضد الإنسانية شملت تعذيب ما لا يقل عن 4,000 معتقل وقتل 27 منهم. هذا الحكم، رغم أهميته، يظل مجرد غيض من فيض، إذ يعترف الكتاب بأنه يمثل خطوة أولى في طريق العدالة الطويل، بينما يظل العديد من المسؤولين الكبار، وعلى رأسهم بشار الأسد، طلقاء.

يمتد القمع ليشمل البعد الجغرافي بأكمله، حيث يوثق الكتاب سياسات التدمير الممنهجة للمدن. يصف بالتفصيل مجزرة حماة في فبراير 1982، حيث قصف الجيش السوري المدينة التي كان يقطنها 250,000 نسمة، مما أسفر عن ما بين 10,000 و25,000 قتيل، وتم تدمير مركزها التاريخي بالجرافات. هذا النمط من التدمير الشامل تكرر بعد عام 2011 في مدن مثل حمص وداريا وحلب، عبر الحصار والتجويع والقصف العشوائي. لا ينسى الكتاب تخصيص فصول للمعاناة اليومية تحت القصف، حيث تحول الإسعاف والعلاج إلى عمل من أعمال المقاومة. ويتناول بالتفصيل استهداف المسعفين والأطباء، مثل مقتل الصحفيين ريمي أوشليك وماري كولفين في حمص. هذا الاستهداف لم يكن مجرد عنف عشوائي، بل كان سياسة منظمة تهدف إلى تدمير كل مظاهر الحياة المدنية في المناطق المتمردة.

في قلب هذه الوحشية، يقدم الكتاب توثيقاً دقيقاً للهجمات الكيماوية، التي تشكل تجسيداً صارخاً للإفلات من العقاب الدولي. يكشف الكتاب عن تحقيق صحفي يوثق 130 حالة استخدام للغازات السامة ضد المدنيين بين أكتوبر 2012 وأبريل 2017، ويكشف أن النظام كان يخطط لاستخدام غاز السارين منذ 2009. لحظة تجاوز "الخط الأحمر" الذي وضعه الرئيس الأمريكي أوباما شكلت نقطة تحول، حيث شجعت هذه الإفلات من العقاب على استمرار التدمير الكيميائي للسكان. يصف الكتاب كيف أن المجتمع الدولي، ممثلاً في مجلس الأمن، فشل في اتخاذ أي إجراء رادع بسبب استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) 13 مرة، مما جعل من سوريا نموذجاً للإبادة الجماعية التي تتم "على العلن" والتمتع بالحصانة الدولية.

لا يهمل الكتاب البعد الطائفي لهذه الحرب، ويؤكد أن الطائفية لم تكن سبباً لها بقدر ما كانت إحدى نتائجها. فالنظام استخدم الطائفية كأداة للبقاء، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، حيث اعتمد في بناء نواته الصلبة من الجيش والأجهزة الأمنية على أبناء الطائفة العلوية. مع اندلاع الاحتجاجات في مارس 2011، كان النظام أول من وظف الطائفية، واصفاً المحتجين بـ"الجهاديين" و"التكفيريين"، بينما حاول المحتجون نفي هذا التوصيف برفع شعارات وطنية جامعة. ولكن مع عسكرة الثورة وتشكيل الجيش السوري الحر، عززت طبيعة التمويل المتدفق من قطر والكويت وتركيا ظهور جماعات إسلامية مسلحة متشددة مثل جبهة النصرة وداعش، مما رسخ التقسيم الطائفي وأعطى النظام ذريعة إضافية لاستمرار حربه. التدخل الخارجي، وخصوصاً الإيراني والروسي، أضفى طابعاً طائفياً صريحاً على قوات النظام، حيث حشدت إيران آلاف المقاتلين الشيعة من العراق ولبنان وأفغانستان، مما جعل الحرب ساحة لصراعات إقليمية ودولية.

أما فيما يتعلق بالقضية الكردية، فيقدم الكتاب تحليلاً تاريخياً شاملاً، يوضح كيف أن السياسة البعثية تجاه الأكراد كانت منهجية وتصاعدية، بدءاً من نفي الهوية وصولاً إلى التطهير العرقي عبر "الحزام العربي". ففي عام 1962، جُرد عشرات الآلاف من العائلات الكردية من الجنسية السورية، وفي 24 يونيو 1974، بدأ تنفيذ مشروع "الحزام العربي" بطرد آلاف الأكراد من أراضيهم وإقامة 40 قرية عربية مكانها. هذا الإرث من التمييز المنهجي انفجر بعد عام 2011، حيث سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) على المناطق الكردية الثلاثة (روجآفا) في 19 يوليو 2012، وأعلن الإدارة الذاتية لاحقاً. يقدم الكتاب هذه التطورات في سياقها، معترفاً بالدور المهيمن لـ PYD وعلاقته "الغامضة" مع النظام، والتي تظهرها تصريحات أوجلان من سجنه في أبريل ومايو 2011، حيث أبدى استعداده لدعم النظام مقابل اعترافه بالإدارة الذاتية. هذا التعقيد يكشف عن طبقات أخرى من الصراع، حيث تتداخل القضية القومية مع المصالح الإقليمية والدولية.

في ختام هذا العمل الضخم، يقدم الكتاب نفسه ليس فقط كشهادة على الفظائع، بل كأداة قانونية وأخلاقية في مواجهة الإفلات من العقاب. إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (M3D) في ديسمبر 2016 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل ابتكاراً مؤسسياً لجمع وتحليل الأدلة (صور، فيديوهات، وثائق) التي سلمها الناشطون والصحفيون، لتسهيل محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهر مفتوحاً: كيف يمكن لنظام أن يرتكب مثل هذه الفظائع "على العلن" لسنوات دون أن يُوقف؟ هذا السؤال يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية القانون الدولي وأخلاقيات المجتمع الدولي، ويجعل من سوريا ليست مجرد حالة إنسانية مأساوية، بل مرآة تعكس أزمة النظام العالمي برمته. ففي النهاية، يرى الكتاب أن العدالة تبدأ بالوعي، وأن الاستماع إلى أصوات الضحايا والناجين هو الخطوة الأولى نحو المطالبة بالإنصاف، رغم أن الطريق ما زال طويلاً وشاقاً.

الفصول(20)

1.درعا، الشرارة والتصعيد676–715▼ ملخص

بدأت شرارة الانتفاضة السورية في مدينة درعا في فبراير/شباط 2011، عندما قام مجموعة من المراهقين، تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين، برسم كتابة على جدار مدرستهم تقول: "حان دورك يا دكتور"، في إشارة إلى بشار الأسد الذي يحمل شهادة في طب العيون. سرعان ما اعتقلت أجهزة الأمن أربعة وعشرين منهم، وخضعوا للتعذيب الوحشي لأكثر من شهر في مراكز interrogatorio مختلفة، من السويداء إلى فرع فلسطين الشهير في دمشق، حيث تعرضوا للضرب بالكابلات الكهربائية والصعق الكهربائي والتهديد بالقتل، وأجبروا تحت التعذيب على الاعتراف بأكاذيب وبأسماء أطفال آخرين. تصف شهادات الناجين، وخصوصاً نيف وبشير، صدمتهم من قسوة التعذيب ومن لاوعيهم السياسي، إذ لم يكونوا يعرفون حتى معنى كلمات التهم التي وجهت إليهم، كالانتماء لـ"الإخوان المسلمين" أو "القاعدة".

تحولت قضية هؤلاء الأطفال إلى شرارة أشعلت احتجاجات أوسع. في 18 مارس 2011، خرجت مظاهرة حاشدة أمام مسجد العُمري في درعا للمطالبة بإطلاق سراحهم، بعد أن لاقى رفض عاطف نجيب، رئيس فرع المخابرات، الإفراج عنهم برد مهين لعائلاتهم، مما أثار حفيظة الأهالي في مدينة قبلية محافظة. اشتبكت قوات الأمن مع المتظاهرين وأطلقت النار عليهم، فقتلت اثنين هما محمود جوهرة وحسام عبد الوالي عياش، ليكونا أول شهيدين في الانتفاضة. بعد أيام، أُطلق سراح الأطفال بشكل مفاجئ، ليكتشفوا أنهم تحولوا إلى رموز لمقاومة القمع، وحُملوا على الأكتاف في مظاهرات حاشدة اعتبرتهم أبطالاً.

يوثق الفصل لحظة محورية أخرى بعد شهرين، وهي قصة الطفل حمزة الخطيب البالغ من العمر 13 عاماً، الذي اعتقل أثناء محاولته إيصال المؤن إلى درعا المحاصرة في أبريل/نيسان 2011، وأُعيد جثمانه مشوهاً ومبتور الأعضاء التناسلية في 25 مايو/أيار. تحولت صورته إلى أيقونة عالمية للانتفاضة، بما في ذلك في مظاهرات النساء في دمشق اللواتي نددن بالقتل وهتفن "نحن جميعاً أمهات حمزة الخطيب"، مما يشير إلى تحول استشهادي في خطاب الاحتجاج.

يكشف الفصل أيضاً عن استراتيجية النظام القمعية من خلال شهادات، منها شهادة اللواء المنشق أحمد طلاس، الذي يصف وجود "خلية أزمة" غير رسمية داخل القصر الجمهوري يرأسها بشار الأسد شخصياً، وتتخذ قرارات القمع دون إشراك وزارتي الدفاع والداخلية. ويؤكد أن النظام كان بإمكانه احتواء الحركة بالحوار في ربيع 2011، لكنه اختار العنف. كما يستعرض تحليلاً لخطاب الأسد في 30 مارس 2011، حيث اتهم المتظاهرين بأنهم أدوات "مؤامرة خارجية" و"طابور خامس"، متبنياً خطاباً أمنياً تآمرياً رفض الاعتراف بالطابع الجماهيري للانتفاضة.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتوثيق تصاعد العنف، حيث يُظهر حصار درعا بالدبابات والجرافات في 25 أبريل/نيسان، والهجوم على الاعتصام السلمي في ساحة الساعة بحمص في 19 أبريل/نيسان، والذي اعتبر "مجزرة". تبرز هنا قدرة الاحتجاجات على تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية في البداية، وهو ما حاول النظام تفكيكه لاحقاً من خلال "إصلاحات" انتقائية مثل منح الجنسية للأكراد وإعادة المدرسات المنتقبات إلى التدريس، في محاولة لتقسيم الحركة وإضعافها.

اختتم الفصل بنصين أدبيين قويين يعكسان عمق الصدمة ورفض القمع. الأول، نص سينمائي للمخرج أسامة محمد، يصور لحظة إذلال مراهق يُجبر على تقبيل حذاء ضابط أمن، ويطرح أسئلة وجودية حول الذاكرة الجماعية والعار. والثاني، أغنية احتجاجية للموسيقار سامي شقير، بعنوان "يا عيب"، تندد بقتل الأطفال العزل في درعا وتكرس شعار "القاتل لشعبه خائن"، وهو الشعار الذي أصبح لازمة الحراك السوري. يخلص الفصل إلى أن أطفال درعا لم يكونوا سبب الثورة بل "شرارتها"، وأن القمع الوحشي للنظام هو الذي حوّل احتجاجات محلية إلى انتفاضة شاملة.

في المجمل، يثبت الفصل أن استهداف الأطفال وتعذيبهم كان خطأ استراتيجياً فادحاً من النظام، الذي ألهب مشاعر السكان في مجتمع قبلي محافظ، وحوّل غضباً مكبوتاً إلى ثورة لا يمكن السيطرة عليها. يطرح السؤال حول حدود السردية الرسمية التي تصف الأحداث بأنها "مؤامرة"، ويشير إلى أن التسليم بالطابع الشعبي للحراك هو المدخل الوحيد لفهم جذور الصراع.

1.30–53▼ ملخص

يُقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "Syrie, le pays brûlé" مقاربة شاملة للحرب السورية، معتبراً إياها لحظة تحوّل حاسمة في التاريخ الحديث، وليس مجرد نزاع إقليمي آخر. يطرح المؤلفان جويل هوبريشت وأنطوان غارابون فكرة أن هذه الحرب هي "مختبر" لضعف الديمقراطيات الغربية وآمالها، مشيرين إلى أن فهمها يتطلب تجاوز ما يسميان "التعب من الشرق الأوسط" الذي قد يصيب المراقبين. يرى المؤلفان أن تشبيه هذه الحرب بالحروب السابقة يخفي حداثة أشكال العنف التي ظهرت فيها، ويحول دون رؤية كونها نذيراً لعصر جديد.

يستخدم الفصل مقارنة موسّعة مع الحرب الأهلية الإسبانية، معتبراً أن سوريا كانت بمثابة "حرب إسبانيا" لجيل من القادة الغربيين (مثل أوباما، ميركل، كاميرون، وأولاند). فكما جربت ألمانيا أسلحتها في إسبانيا، صارت سوريا مختبراً لأسلحة واستراتيجيات جديدة، كقصف المستشفيات والمدارس مباشرة، و"إرهاب الدولة" الذي يهدف لتهجير السكان. ويخلص المؤلفان إلى أن عدم الرد على الهجمات الكيماوية يُعتبر استسلاماً من الديمقراطيات. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في هوية الفاعلين: فبدلاً من المثقفين اليساريين الذين تطوعوا في الألوية الدولية، جاء إلى سوريا مقاتلون جهاديون وعائلات بأكملها تبحث عن مغامرة أو دِين متطرف، ليس لبناء عالم أفضل بل لإحياء ماضٍ أسطوري ووحشي.

يحدد الفصل أربع "شخصيات" جديدة أنتجتها الحرب على الساحة الدولية: الطاغية (أكثر تهوّراً وعدوانية)، اللاجئ (الذي أُستخدم كأداة لزعزعة استقرار أوروبا)، الإرهابي (في صيغته الجهادية العالمية المتطورة)، ومستخدم الإنترنت، وهي الشخصية الأكثر ابتكاراً. يتمحور الاهتمام حول الدور غير المسبوق للصورة الرقمية. فقد وثّق السوريون بأنفسهم كل تفاصيل الوحشية اليومية، من الهجمات الكيماوية إلى القصف بالبراميل المتفجرة وسنوات القنص، وذلك بفضل سهولة الوصول إلى الأجهزة الرقمية. ويشير المؤلفان إلى أن هذه الوفرة الهائلة من الصور (بمئات الآلاف) خلقت معضلة جديدة: بدلاً من أن تكون قيمتها في ندرتها، أدى طوفان المعلومات إلى إضعاف تأثيرها الفردي وإغراقها في محيط من الأخبار الحقيقية والكاذبة، مما هدّد بكسر "جدار اللامبالاة" العالمي.

للتغلب على هذه المعضلة، يبرز ابتكار مؤسسي جديد هو الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (M3D) التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2016 ومقرها جنيف. هذه الآلية مكلّفة بجمع وتحليل الأدلة (صور، فيديوهات، وثائق) التي سلمها الناشطون والصحفيون، لتسهيل محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية. ويثير الفصل تساؤلاً جوهرياً حول مسؤولية شركات التكنولوجيا الكبرى (GAFAM) التي تمتلك هذه الأدلة، وهل ستكون على مستوى المسؤولية التاريخية في حفظ هذا "التراث المظلم" للإنسانية.

أما في مجال العدالة، فيقرّ الفصل بأن الطريق طويل. فرغم عرقلة روسيا لأي تحرك في مجلس الأمن، فإن مبدأ "الولاية القضائية العالمية" وجنسية بعض الضحايا المزدوجة مكّنا من رفع دعاوى في محاكم وطنية، خاصة في ألمانيا التي أصبحت في طليعة مكافحة الإفلات من العقاب. ويُذكر فتح أول محاكمتين ضد معذّبي النظام: محاكمة كوبلنز (التي انتهت في يناير 2022) ومحاكمة فرانكفورت التي بدأت وقتها، وقد استندت الأولى بشكل خاص إلى صور الجثث التي سربها ضابط سابق (عُرف باسم سيزار). ويشير الفصل إلى الجدل الدائر حول إمكانية وصف الجرائم بـ"الإبادة الجماعية" بسبب الاستهداف الممنهج للمدن ذات الغالبية السنية واستخدام الأسلحة الكيماوية.

في ختام الفصل التمهيدي، يتساءل المؤلفان عن إمكانية محاكمة بشار الأسد في المستقبل، مستذكرين أن محاكمة سلوبودان ميلوشيفيتش كانت لا يمكن تصوّرها قبل حدوثها. ويؤكدان أن العدالة تبدأ بالوعي، وأن الاستماع إلى أصوات الضحايا والناجين (الواردة في الكتاب) هو الخطوة الأولى نحو المطالبة بالإنصاف. خلاصتهم هي أن الكتاب، بوصفه "الكتاب الأسود" الأول بهذا الحجم، يقدّم دعماً حاسماً للجهود القضائية من خلال توثيق جرائم "النظام العشائري" خلال عقد من النار والدم.

1.نظام الإرهاب الدائم58–90▼ ملخص

يطرح هذا الفصل، المستل من كتاب "Syrie, le pays brûlé, 1970-2021"، موضوعاً محورياً هو تحليل طبيعة النظام السياسي السوري، الذي يصفه بـ"نظام الإرهاب الدائم". الإجابة التي يقدمها المؤلفون هي أن هذا النظام ليس مجرد دولة تمارس الإرهاب، بل هو "دولة بربرية" (État de barbarie) تقوم على منطق تفكيك المجتمع والسياسة، وتستخدم العنف كأسلوب وحيد للحكم وإدامة السلطة، بدلاً من بناء أي شرعية سياسية أو مؤسسات وطنية. هذا النظام، الذي تأسس بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، يُدار من قبل جماعة (عصابة) طائفية صغيرة، هي الأقلية العلوية، التي استولت على الدولة باستخدام أيديولوجية قومية عربية ودولة طوارئ دائمة.

يسير الفصل عبر عدة خطوات، مستعرضاً حججاً وأمثلة متعددة. يبدأ بالإشارة إلى أعمال الباحث الراحل ميشيل سورا، الذي يعتبره مرجعاً أساسياً لفهم هذا النظام. طور سورا تحليلاً يستند إلى مفاهيم المستكشف التونسي في القرن الرابع عشر ابن خلدون (العصبية، الجماعة، الدعوة) لفهم ديناميكية السلطة. وفقاً لهذا التحليل، استولت "عصبية" أقلية (العلويون الذين يمثلون 10% من السكان) على الدولة (الجماعة) باستخدام أيديولوجية "دعوة" قومية عربية (معاداة إسرائيل والصهيونية). هذا النوع من السلطة "لا-مكاني" (a-topique)، بمعنى أنه يعمل على تفتيت كل التكوينات الاجتماعية والمؤسسات التي يمكن أن تبني أمة، ولا يهدف إلا إلى استمرار زعزعة الاستقرار داخلياً وخارجياً. ثم ينتقل الفصل إلى مقارنة هذا النظام "اللا-مكاني" بحركات مثل الإخوان المسلمين التي يصفها بأنها "فاضلة" (u-topique) لأنها تنبثق من نسيج المدن. ويشير إلى أن دوامة العنف التي ينتجها النظام تجعله في حاجة دائمة إلى عدو إرهابي (سواء الإخوان أو داعش لاحقاً) لتبرير وجوده.

يقدم الفصل عدة أدلة وأمثلة على طبيعة هذا النظام. يذكر مجزرة حماة في فبراير 1982، حيث قصف الجيش السوري المدينة التي كان يقطنها 250,000 نسمة، مما أسفر عن ما بين 10,000 و25,000 قتيل (حسب تقرير لمنظمة العفو الدولية نوفمبر 1983) وتم تدمير مركزها التاريخي بالجرافات (الترابيزا). يُفسر ذلك بأنه ثأر من الأقلية العلوية الفلاحية ضد الطبقة التجارية السنية التي اضطهدتها لقرون. ويأتي كمثال على أنصار الله في لبنان، وكيف أن كل العمليات الخارجية (اغتيالات، سيارات مفخخة) التي تُنفذ عبر وكلاء مثل أبو نضال أو حركة أمل الإسلامية، هي أدوات بيد النظام السوري في لعبة إقليمية أوسع. ويوضح الفصل أن "الإرهاب" ليس استثناءً في هذه السياسة، بل هو لغة التواصل الأساسية في النظام الإقليمي الذي تتحكم فيه سوريا ودمشق.

العنف ليس مجرد أداة، بل هو "أسلوب حكم" (modalité de gouvernance). يوضح الفصل أن النظام مارس سلطات استثنائية منذ البداية عبر قانون الطوارئ، وأن السجن والتعذيب الجماعي أصبحا جهازين أساسيين في الحكم. السجن هو نموذج للحكم، حيث يُستخدم لإذلال المواطنين وتحطيمهم ككائنات سياسية من خلال الألم الجسدي والنفسي. المذابح، مثل مجزرة حماة، ليست مجرد رد فعل على تحدٍ، بل هي "أداء عنف" (violence performative) له هدف تربوي: تعليم المواطنين أنه لا مجال للعصيان، وأن النظام يزرع "توقع المذبحة" الدائم في أذهانهم. وهكذا، يخلق النظام حالة من "الحرب الأهلية الدائمة" كهيكل للعلاقات الاجتماعية، ويقسم المجتمع إلى من يستحق الحياة ومن يجب إقصاؤه.

يقر المؤلفون ببعض الحدود والتحفظات، حيث يشيرون إلى صعوبة تطبيق مفهوم "الإرهاب" بالمعنى الغربي على النظام السوري، لأن هذا المفهوم يفترض وجود دولة، بينما النظام السوري هو نقيض الدولة (État de barbarie). كما أنهم يقرون بأن التحليل يستند إلى نظريات ميشيل سورا التي توقفت عند فترة حافظ الأسد، ويتركون سؤالاً مفتوحاً حول كيف يمكن أن يستمر هذا النظام القائم على الزعزعة دون أن يقع ضحية لدوامة العنف التي يغذيها، خاصة بعد ظهور داعش. في نهاية الفصل، يقدم ملحقاً زمنياً لأبرز الاغتيالات السياسية التي نفذها النظام بين عامي 1972 و2013، بدءاً من اغتيال محمد عمران في لبنان مروراً برفيق الحريري، وانتهاءً بمحمد شطح، مما يعزز فكرة أن الاغتيال هو سياسة مستدامة وليست حوادث منفردة.

في الختام، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح، وهي أن وصف النظام السوري بـ"الشمولي" هو وصف خاطئ، لأنه يفتقر إلى القوة والقدرة على بناء مجتمع جديد، بل يكتفي بـ"تفريغ" الفضاء السياسي من أي معنى وتحويله إلى "صحراء" من العلاقات القبلية والعصبية. المقارنة بين استراتيجية النظام وأعمال الباحثة حنة أرندت حول الإرهاب والدكتاتورية تظهر أن النظام أقرب إلى "الطغيان" منه إلى "الشمولية"، حيث أن العنف فيه فوضوي ومدمر لكل شيء، ولا يترك فراغاً يسمح بأي حرية.

2.سجون بشار331–456▼ ملخص

ملخص الفصل: «سجون بشار» من كتاب "Syrie, le pays brûlé, 1970-2021"

يتناول هذا الفصل بشكل أساسي آليات القمع المنهجي والإبادة في سجون النظام السوري تحت حكم بشار الأسد، مركزاً على التوثيق الفريد الذي قدمه المصور المعروف باسم "سيزار" والملاحقات القضائية التي تلت ذلك. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن النظام لم يمارس القمع العشوائي فحسب، بل أنشأ "آلة موت" بيروقراطية منظمة، تهدف إلى إخفاء جرائمها عبر التوثيق الداخلي والتخلص من الجثث في مقابر جماعية، وذلك بهدف تدمير الذاكرة الفردية والجماعية للشعب السوري.

يسير الفصل على ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول يروي قصة "سيزار"، وهو مصور في قسم الطب الشرعي للشرطة العسكرية بدمشق. قبل 2011، كان عمله يقتصر على تصوير حوادث الجنود. بعد اندلاع الثورة في مارس 2011، تلقى أوامر بالذهاب إلى مشرحة مستشفى تيشرين العسكري لتصوير جثث مدنيين، ثم تحول الأمر إلى تصوير جثث معتقلين ماتوا تحت التعذيب بأعداد متزايدة. يصف الفصل بالتفصيل مراحل تطور هذه الجريمة من مشرحة المستشفى إلى حظائر المركبات المكشوفة في مستشفى 601 بمنطقة المزة، حيث تتراكم الجثث وتصبح مجرد أرقام. يتم تصوير كل جثة بثلاث أو أربع صور، ويُكتب عليها رقم السجين ورقم فرع المخابرات المسؤول (مثل 215 و 227 و 251)، ثم تُلفق تقارير رسمية تزعم الوفاة بسبب "توقف القلب".

يشرح الفصل كيف قام "سيزار" وصديقه الناشط "سامي"، بتكليف من حركة "التيار الوطني السوري" بقيادة عماد الدين الرشيد، بنسخ أكثر من 53,275 صورة (بما في ذلك 28,707 صور لمعتقلين متوفين يمثلون 6,786 ضحية) على أقراص USB وإخراجها سراً من البلاد. الغرض كان فضح النظام دولياً واستخدام هذه الأدلة كورقة تفاوض. على الرغم من عرض هذه الصور أمام المجتمع الدولي في جنيف وفي الكونغرس الأمريكي، إلا أن الولايات المتحدة وروسيا (التي استخدمت حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن في مايو 2014) حالت دون اتخاذ إجراءات رادعة، متحججة بـ"السياسة الواقعية" والتركيز على خطر تنظيم داعش.

المسار الثاني من الفصل يتناول المحاكمة التاريخية في ألمانيا، حيث تم تطبيق مبدأ "الولاية القضائية العالمية". أدين عياد الغريب، وهو منفذ صغير، في 24 فبراير 2021 بالسجن لأربع سنوات ونصف بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية. هذا الحكم كان مهماً لأنه أثبت أن نظام القمع السوري مارس التعذيب بشكل منهجي على نطاق واسع يشكل "هجوماً واسع النطاق ومنهجياً ضد السكان المدنيين". المحاكمة الأكثر أهمية كانت للعقيد أنور رسلان، رئيس شعبة التحقيق في فرع 251 (المعروف أيضاً بـ"الخطيب")، والذي حكم عليه في 13 يناير 2022 بالسجن المؤبد لجرائم ضد الإنسانية شملت تعذيب ما لا يقل عن 4,000 معتقل وقتل 27 منهم واغتصاب اثنين. يصف الفصل تفاصيل المحاكمة، ويذكر مصادر الأدلة الرئيسية مثل شهادات الضحايا والناجين (الذين وصفوا الزنازين المظلمة والمزدحمة والضرب المبرح والتعليق من الأطراف) وشهادات "المطلعين" من داخل النظام مثل الموظفين السابقين في الأجهزة الأمنية الذين شهدوا تحت أسماء مستعارة. كما تم تقديم أدلة وثائقية ضخمة من داخل النظام، بما في ذلك محاضر الاستجواب والتقارير السرية، مما كشف عن هوس النظام البيروقراطي بتوثيق جرائمه. يبرز الفصل دور منظمات مثل "لجنة العدالة والمساءلة الدولية" (CIJA) التي استعادت مئات الآلاف من الصفحات.

المسار الثالث والأخير يسلط الضوء على الفظائع في سجن صيدنايا العسكري. بناءً على تقرير لمنظمة العفو الدولية، يصف الفصل هذا السجن بأنه "مسلخ بشري". يُقدر عدد المحتجزين بين 10,000 و20,000 شخص، ويتم إعدام ما بين 5,000 و13,000 منهم بين سبتمبر 2011 وديسمبر 2015. يصف الفصل طقوس الإعدام اليومية المروعة: حيث يُطلق على نقل السجناء ليلاً اسم "القطار"، ويتم تعليقهم واحداً تلو الآخر بعد خضوعهم لمحاكمة صورية لا تتجاوز ثلاث دقائق. تُودع الجثث في شاحنات مبردة وتُنقل إلى مستشفى تيشرين حيث تُسجل رسمياً كحالات وفاة طبيعية، ثم تُلقى في مقابر جماعية. يختتم الفصل بعرض شهادة مفصلة ومؤثرة من الناجي نجاح البقاعي، أستاذ الرسم الذي اعتقل ثلاث مرات ووصف بالتفصيل "حفلة الاستقبال" بالضرب المبرح بكابلات كهربائية، وظروف الزنازين المزدحمة، والحالة النفسية المتمثلة في "الخروج من الشبكة"، والتعذيب المستمر، وآليات الفساد التي سمحت له بالإفراج عنه بدفع فدية.

في النهاية، يقر الفعل بحدود كبيرة، معترفاً بأن المحاكمة الألمانية الأولى كانت مجرد خطوة أولى وأن العديد من المسؤولين الكبار ما زالوا طلقاء. كما أشار إلى عرقلة القضاء الفرنسي لملاحقة الجرائم في سوريا، بسبب تفسير ضيق لقانون الولاية القضائية العالمية، مما جعل فرنسا مكاناً محتملاً للإفلات من العقاب. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول فعالية العدالة الدولية في مواجهة مثل هذه الجرائم.

ملاحظة شخصية ضرورية: الفصل يقدم حجة قوية لا تقبل الجدل حول الطبيعة الإجرامية المنهجية للنظام السوري. الحجج والأدلة، خاصة شهادات الناجين والصور التي تم تهريبها، تخلق صورة مرعبة لا يمكن دحضها بسهولة. ومع ذلك، فإن القارئ قد يتساءل عن الدور الذي لعبته بعض فصائل المعارضة المسلحة في تفاقم العنف، وهو ما لا يتناوله الفصل بشكل متوازن، حيث يركز بشكل حصري على جرائم النظام. هذا التركيز الأحادي الجانب، رغم كونه مشروعاً في سياق توثيق جرائم النظام، قد يترك القارئ مع صورة غير مكتملة عن تعقيدات الصراع السوري.

2.مذابح تدمر وحما (1980-1982)91–143▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل أحد أكثر فصول تاريخ سوريا دمويةً، وهو فترة 1980-1982 التي شهدت تصعيداً هائلاً في العنف بين نظام حافظ الأسد وجماعات المعارضة، وعلى رأسها الإخوان المسلمون. المحور الأساسي للفصل هو توثيق كيف تحولت سياسة القمع الممنهج إلى مجازر جماعية، بدءاً من سجن تدمر وصولاً إلى التدمير شبه الكامل لمدينة حماة. يقدم المؤلفون أدلة قوية، من شهادات مباشرة ومقالات صحفية وأعمال أدبية وتسجيلات تاريخية، لإثبات أن هذه المجازر لم تكن مجرد ردود فعل على هجمات المعارضة، بل كانت أداة متعمدة من النظام لبث الرعب وإخماد أي صوت معارض، لتتحول إلى "تقنية حكم" قائمة على توقع العنف المفرط.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني وجغرافي. يبدأ بواقعة مجزرة سجن تدمر التي وقعت في 27 يونيو 1980، بعد يوم واحد من محاولة اغتيال فاشلة للرئيس الأسد. يستشهد الفصل بشهادة أحد المشاركين فيها، ويدعى عيسى إبراهيم فياض، وهو عنصر في سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد. يصف فياض كيف تم استيقاظهم فجراً، وتوزيعهم على مروحيات، وتقسيمهم إلى مجموعات اقتحام. يقول إن التعليمات كانت بقتل "أرجاس الإخوان المسلمين"، ويقر بأنه أطلق النار شخصياً على حوالي 15 شخصاً داخل أحد العنابر، ويقدر إجمالي القتلى في السجن بـ 550 شخصاً. يُظهر هذا الدليل كيف حول النظام السجن إلى مكان للإبادة الجماعية في غضون نصف ساعة فقط، وأن هذه الأفعال لم تكن مخفية بل كانت عملاً عسكرياً منظماً.

بعدها، ينتقل الفصل إلى التأريخ للحدث عبر وسيلتين مختلفتين. الأولى هي افتتاحية صحيفة تشرين التي كتبها رفعت الأسد في 1 يوليو 1980، بعد أربعة أيام من المجزرة. في هذا النص، يهدد رفعت الأسد صراحةً بأن النظام مستعد "لتقديم مليون شهيد" و"تدمير ألف قلعة" من أجل البقاء، مصوراً المعارضين على أنهم خونة وأعداء للأمة. هذا الخطاب يقدم دليلاً على أن القيادة كانت تتبنى فلسفة العنف كأساس للحكم، وليس فقط كرد فعل. الطريقة الثانية هي من خلال الأدب، عبر مقتطف من رواية "مديح الكراهية" للكاتب خالد خليفة، والتي تقدم منظوراً إنسانياً عميقاً لمأساة ما بعد المجزرة من وجهة نظر عائلة وعاهرات، مرسخةً فكرة أن هذه الأحداث تركت جرحاً نازفاً في الذاكرة الجماعية السورية.

يتوسع الفصل بعد ذلك ليشمل مجازر أخرى، مكملاً بذلك خريطة العنف في ذلك العام. يذكر مجزرة حي المشارقة في حلب في 11 أغسطس 1980، حيث شنت الوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر هجوماً انتقامياً بعد هجمات للمعارضة، مما أدى إلى مقتل 83 شخصاً بشكل عشوائي، تم إعدامهم ثم جر جثثهم في الشوارع. ثم يتناول ما يسمى بـ "حماة الصغيرة" في أبريل 1981، مدعوماً بتحقيق ميداني للباحث ميشال سورا، حيث يصف شاهد عيان كيف تم محاصرة أحد أحياء حماة وقصفه، وصولاً إلى إعدام جماعي للمدنيين، تاركين الجثث تتحلل وتأكلها الكلاب. هذا الجزء يوضح نمطاً متكرراً: القصف العشوائي، الإعدامات الميدانية، وطمس الجثث في شاحنات القمامة.

الجزء الأكبر من الفصل مخصص بالتفصيل لـ مجزرة حماة الكبرى في فبراير 1982، والتي تُعتبر ذروة هذه الموجة من العنف. يورد الفصل تقريراً للصحفي سورجي شالاندون من صحيفة ليبراسيون الفرنسية، والذي تمكن من دخول حماة أثناء الحصار. يصف الصحفي كيف تحولت المدينة إلى جحيم: قصف مدفعي وطيران، بيوت مدمرة، جثث في الشوارع، عائلات بأكملها تم إعدامها، وعمليات تطهير منزل بمنزل بواسطة "النمور الوردية" (سرايا الدفاع). يوثق الصحفي أن أبناء حماة قاوموا بشراسة، لكن القوات الحكومية، التي بلغ عددها نحو 10,000 جندي، سحقتهم بوحشية. ينقل عن أحد رجال الدين قوله إن عدد القتلى تجاوز 8,000 أو 10,000، بينما تتراوح التقديرات بين 15,000 و 40,000 قتيل، وتم تدمير المساجد والكنائس والمواقع التاريخية، وتم جرف أحياء بأكملها بالجرافات.

وأخيراً، يقدم الفصل تحليلاً للآثار طويلة المدى، مذيلاً بمقال للباحثة سيسيل بوكس عن عودة ذكرى حماة بعد 2011. يشير إلى أن الصمت القسري الذي فرضه النظام لمدة ثلاثة عقود، حيث كان يسمى الحدث بـ "الأحداث" فقط، ويمنع أي نقاش، قد تحطم مع اندلاع الثورة السورية. يصف كيف استعاد النشطاء ذاكرة المجزرة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف استُخدمت صور الجثث والدم لتذكير العالم بالجرائم السابقة. هذا الجزء يطرح سؤالاً مفتوحاً حول جدوى التوثيق في وجه الإفلات من العقاب، حيث أن وفرة الصور والأدلة بعد 2011 لم تمنع استمرار القتل والإفلات من العقاب، مما يطرح قضايا جدلية حول طبيعة الذاكرة والعدالة في ظل نظام لم يتغير جوهره.

3.العنف الجنسي457–480▼ ملخص

يُخصّص هذا الفصل لدراسة ظاهرة العنف الجنسي في سياق الحرب السورية، مقدّماً إجابة واضحة: أن هذا العنف لم يكن مجرد نتيجة جانبية للنزاع، بل استُخدم كسلاح حرب ممنهج من قبل نظام بشار الأسد بشكل خاص، بهدف ترويع المدنيين، وإذلالهم، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وانتزاع الاعترافات. يقدم الفصل أدلة دامغة على أن الاغتصاب كان "الكلمة السائدة" في مراكز الاحتجاز، حيث تعرض له الرجال والنساء والأطفال على حد سواء.

يبدأ الفصل بتأريخ العلنية الأولى لهذه الجرائم، فيشير إلى تصريح الكاتبة سمر يزبك في نوفمبر 2011 حول الاغتصاب كوسيلة ضغط، ثم تحقيق أنيك كوجان الصحفي في مارس 2014 الذي وصف الاغتصاب بأنه "سلاح دمار شامل"، مستنداً إلى تقرير شبكة اليورو-متوسطية لحقوق الإنسان من نوفمبر 2013. يورد الفصل تقديراً لـ عبد الكريم ريحاوي بأن عدد النساء المغتصبات في مراكز الاحتجاز تجاوز 50 ألف امرأة منذ بداية الثورة، مع الإشارة إلى صعوبة الإحصاء بسبب الوصم الاجتماعي الذي يؤدي إلى "جرائم شرف" وحالات انتحار. يُقدم الفصل بعد ذلك شهادة مفصلة لـ حسناء الحريري، وهي امرأة من منطقة درعا اعتُقلت عدة مرات، تصف فيها التعذيب اليومي والاغتصاب الجماعي، وإجبارها على مشاهدة عمليات الاغتصاب، وولادة أطفال من الاغتصاب في الزنزانات حيث اضطرت لأن تكون قابلة. شهادتها تكشف عن المنهجية الوحشية: الاغتصاب لم يكن مجرد إيذاء جسدي، بل كان أداة لـ"تلويث" الضحية وتدمير مستقبلها الاجتماعي والأسري، واصفة هذا الفعل بأنه الأسوأ في الحرب بأكملها.

تتبع الشهادة الثانية لـ"زين"، وهي امرأة أخرى اعتُقلت في أكتوبر 2013 بعد أن أثار لبسها الشبهات، وتصف الاغتصاب الوحشي من قبل "الشبيحة"، ثم استخدامها كورقة ضغط لانتزاع اعترافات من سجناء آخرين بتهديدهم باغتصابها. تصف زين مشاهدتها لسجينة حامل من سجن فرع 215 تُجهض في زنزانتها دون أي رعاية طبية. تؤكد كلتا الشهادتين أن قوات النظام وميليشياته هم الجناة الرئيسيون، وأن المعاناة لا تنتهي بالخروج من السجن، فالعار يلاحق الضحايا ويسبب الطلاق والرفض الأسري. كما يقرّ الفصل بأن هذه مجرد أمثلة عن واقع أوسع وأكثر فظاعة، حيث تظل آلاف النساء مختفيات في الزنازين.

ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة العنف الجنسي ضد الرجال، وهو جانب غالباً ما يُهمش في الخطاب الإعلامي والقانوني. يقدم الكاتب هالي بوبسين أدلة على أن الاغتصاب واستهداف الأعضاء التناسلية هو ظاهرة واسعة الانتشار، خاصة في سجون الحكومة السورية، على أيدي قوات الأمن والاستخبارات. يُستخدم هذا العنف كأداة تعذيب للحصول على معلومات، ولكن هدفه الأعمق هو "إزالة الرجولة" وتجريد الضحية من دوره الاجتماعي كحامٍ لعائلته، مما يسبب له وصمة عار لا تُحتمل في مجتمع محافظ. يذكر الفصل أن هذا العنف لا يقتصر على قوات النظام، بل ترتكبه أيضاً جماعات جهادية ومتمردة، خصوصاً ضد المثليين. من الأدلة القصصية، يورد الكاتب حالة رجل أُجبر على اغتصاب زميلته تحت تهديد السلاح، وكيف دمرت هذه التجربة حياة كلاهما.

يختتم الفصل بالحديث عن التحديات الإنسانية والقانونية. يؤكد الكاتب أن التركيز الحصري على النساء كضحايا للعنف الجنسي يحد من فهم كيفية استخدام هذه الجرائم لتعزيز الصور النمطية الضارة حول النوع الاجتماعي. يُطالب الفصل بضرورة تطوير برامج دعم شاملة تأخذ في الاعتبار احتياجات كل من الرجال والنساء، مع توفير الرعاية الطبية والنفسية والقانونية. كما يناقش الكاتب خطر عودة اللاجئين إلى سوريا في ظل غياب الضمانات الأمنية، حيث أن تجارب العنف الجنسي الممنهج في السجون تجعل العودة غير واردة بالنسبة للضحايا، الذين يخشون تكرار التجربة. ويُنهي الفصل بتحذير من الدعوات الدولية المبكرة لعودة اللاجئين دون ضمان محاكمة الجناة ووقف الانتهاكات.

3.الأسرة الحاكمة والعشيرة144–181▼ ملخص

ملخص الفصل: «الأسرة الحاكمة والعشيرة»

يتناول هذا الفصل تحليلاً عميقاً لطبيعة النظام السياسي في سوريا تحت حكم عائلة الأسد، مركزاً على العلاقة بين الأسرة الحاكمة والطائفة العلوية، والآليات التي استخدمها النظام لتثبيت سلطته منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم في عام 1970. يقدم الكاتب، ميشيل سوراه، قراءة مستندة إلى مفاهيم ابن خلدون حول العصبية والمُلك، لشرح كيفية تحول النظام من السلطة السياسية إلى القوة الغاشمة.

يبدأ الفصل بوصف الاستراتيجية التي اتبعها حافظ الأسد لربط مصير الطائفة العلوية بمستقبله الشخصي، الأمر الذي تطلب إزالة زعماء عصبيات ثانوية كانوا يمثلون بديلاً محتملاً بسبب علاقاتهم مع السنة في دمشق. من بين هؤلاء محمد عمران، الذي اغتيل في لبنان عام 1972، ومحمد الفاضل، وزير العدل الأسبق الذي اغتيل عام 1976.

يشير الفصل إلى أن فترة 1979-1980 شهدت أزمة حادة، حيث عمت الإضرابات والمظاهرات المدن السورية الكبرى في مارس 1980 احتفالاً بذكرى سبعة عشر عاماً من حكم البعث. في مواجهة هذه التحركات، تم تشكيل "الفيالق ذات القمصان السوداء" وجابوا المنطقة العلوية حتى اللاذقية. وخلف هذه التعبئة تقف جمعية علي المرتضى "الإنسانية"، التي أسسها جميل ورفعت الأسد، شقيقا الرئيس، ومعين ناصيف وعلي إيد.

عُقد مؤتمر طائفي في القرداحة، قرية الرئيس، في منتصف أغسطس 1980 بحضور حافظ الأسد، حيث طلب من أبناء طائفته التوقف عن اعتبار أنفسهم طفيليين يعيشون "على" المجتمع، والدخول فيه بدلاً من ذلك. وقد تقرر "تحديث" الجهاز الديني العلوي وتوثيق الصلات مع الشيعة الإمامية، في إطار مشروع بناء "محور شيعي" يمتد من لبنان إلى باكستان. في هذا السياق، تم إرسال 200 طالب علوي إلى قم للتخصص في الفقه الجعفري.

في مجال القمع، يصف الفصل تحول الدولة إلى القوة البدائية (المُلك الطبيعي)، مع حل النقابات المهنية في 9 أبريل 1980، وإصدار قانون يعاقب بالإعدام مجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين في 7 يوليو 1980. كان القمع مركزاً على المدن الشمالية، حلب وحماة، وراح ضحيته مئات الأشخاص، من بينهم أطباء ومحامون اغتيلوا في منازلهم.

تفاصيل الفصل واحدة من أبشع الجرائم، وهي مجزرة سجن تدمر في 25 يونيو 1980، بعد محاولة اغتيال فاشلة استهدفت حافظ الأسد. أرسل رفعت الأسد 80 من رجاله في 8 مروحيات إلى سجن تدمر، حيث أطلقوا النار على السجناء في زنازينهم. تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 500 و700 سجين، بينما يتحدث تقرير للمخابرات عن 1,181 ضحية. بعد أربعة أيام، أعلن رفعت الأسد استعداده للتضحية بمليون مواطن لإنقاذ الثورة.

يمتد قمع النظام إلى خارج الحدود، حيث اغتيل صلاح الدين البيطار في باريس في يوليو 1980، وسالم اللوزي، رئيس تحرير مجلة الحوادث اللندنية، وتعرضت زوجة عصام العطار، المرشد الأعلى للإخوان المسلمين، للاغتيال في آخن بألمانيا. كما تم اختطاف القائم بالأعمال الأردني في بيروت، هشام المحيسن، واحتجازه لمدة 68 يوماً في البقاع.

ينتقل التحليل إلى الجانب الاقتصادي، مظهراً الاعتماد شبه الكامل للنظام على المساعدات العربية، حيث تبلغ حصة سوريا 1.85 مليار دولار سنوياً وفقاً لقمة بغداد 1978، أو 2.3 مليار مع احتساب تكلفة قوة الردع في لبنان. يشكل الإنفاق العسكري أكثر من 50% من ميزانية التشغيل، بينما تغطي الإيرادات المحلية 32% فقط من النفقات الجارية. الميزانية الإجمالية لعام 1981 تبلغ 30.5 مليار ليرة سورية، منها 9.4 مليار للأمن الوطني.

يختم الفصل بوصف حالة المجتمع السوري المنقسم والمخدر بالخوف، حيث أصبحت دمشق مجرد تجمع سكاني بدون روح (2 مليون نسمة)، بينما تظهر حماة كمقاومة مسلحة تمنع وحدات خاصة من دخول أحيائها في ماي 1981، بتقديرات تتراوح بين 200 و500 قتيل. الاستنتاج المحوري هو أن النظام محاصر في مأزق: لا يستطيع البقاء بدون الدعم العربي، ولا يستطيع التخلي عن قمعه العسكري دون أن ينهار بنيته الاجتماعية القائمة على العصبية والنفوذ.


تكملة الفصل: الطائفة العلوية والنظام السوري (صبحي حديدي)

يُكمِل هذا النص الفصل السابق بمنظور أحدث، بدءاً من اندلاع الانتفاضة السورية في مارس 2011، ليدحض الادعاءات بأن الطائفة العلوية كتلة متجانسة في ولائها للنظام. يذكر أن مدينة اللاذقية كانت ثانية المدن السورية بعد درعا في الانخراط بالحراك، وأن إماماً علوياً أقام صلاة الجمعة في مسجد سني، بينما صلى سنيون خلف إمام علوي. كما يشير إلى الشباب العلوي المعارض الذي دفع ثمناً مضاعفاً لمعارضته.

يقسم الكاتب العلويين إلى فئات: قلة مندمجة في شبكات الفساد، وكثرة تتبع النظام خوفاً أو حاجة، وأقلية معارضة. يبرز أن القرار السياسي بيد عشيرة تنتمي للطائفة العلوية، لكن تماسكها ليس دينياً بقدر ما هو قائم على المصالح المشتركة. وقد عملت هذه العشيرة على تخصيص كل منطقة أو قبيلة علوية بإدارة جهاز أمني أو عسكري معين: أبناء القرداحة في الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، والنميلاطية في المخابرات العسكرية، والحدادين في مخابرات القوات الجوية، والكلبية في المخابرات العامة.

يلفت الكاتب إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي طال العلويين أيضاً، مما جعل الفلاح الذي فقد أبناءه في الحرب يحرق محصوله من التبغ لعدم كفاية سعره. كما يشير إلى الدور الروسي بعد التدخل العسكري في سبتمبر 2015، حيث قامت روسيا بإنشاء وحدات عسكرية موالية لها مباشرة مثل "قوات النمر" بقيادة العقيد سهيل الحسن، و"قوة المهام الصعبة" التي تضم 10,000 عنصر من عائلات علوية أقل خضوعاً لعشيرة الأسد. هذا خلق نموذجاً بديلاً جاذباً للشباب العلوي العاطل، وأثار توترات بين ماهر الأسد وسهيل الحسن.


مستقلة: الشبيحة ودولتهم (ياسين الحاج صالح)

يُعرّف هذا القسم ظاهرة "الشبيحة"، التي دخلت الاستخدام العام مع اندلاع الثورة السورية. يعود أصل المصطلح إلى فترة التدخل السوري في لبنان عام 1976، ثم توسع استخدامه خلال أزمة الثمانينات. كان الشبيحة في البداية شباباً من المنطقة الساحلية، علويين، مرتبطين بعائلة الأسد وعائلات متحالفة مثل دب ومخلوف، يعملون في التهريب والابتزاز ويتمتعون بحصانة كاملة من السلطات.

يصف الكاتب جرائم الشبيحة في اللاذقية في الثمانينات، والتي طالت علويين أيضاً، مثل اغتصاب هالة عقل وقتلها، واغتيال الأستاذ الجامعي سمير غفار. السمة الأساسية للشبيحة هي قرابتهم من رؤساء الأمن. يُذكر أن كتائب الدفاع بقيادة رفعت الأسد كانت ميليشيا من الخارجين عن القانون حتى 1985.

يحلل الكاتب أربعة عناصر في نفسية الشبيحة: القرابة مع القادة، العداء للمجتمع، الولاء الشخصي للرؤساء، والمصلحة المالية. يصف الشبيحة العادي بأنه قليل التعليم، من بيئة مهمشة، قوي البنية، حليق الرأس، ويرتدي الأسود. ويرى أن الشبيحة هم "بروليتاريا القمع" يبيعون قوته لـ"رأسماليي السلطة"، حيث يتقاضون بين 7,000 و10,000 ليرة سورية ليوم الجمعة، و2,000 لباقي الأيام.

يخلص الكاتب إلى أن "التشبيح" متأصل في بنية النظام، يظهر في كل أزمة وجودية. ويرى أن إنهاء الشبيحة يتطلب إنهاء هذا النظام، كما لخصه شعار رفع في تلبيسة قرب حمص في أغسطس 2011: "نريد دولة علمانية تحكمنا، لا دولة شبيحة تقتلنا". يختم بانتقاد "التشبيح الإيديولوجي" الذي أضعف الفكر النقدي وأدى إلى خسارة 1967، معتبراً أن الثورة تحاول الخروج من لغة النظام وعالمه الرمزي، وأنه حتى الآن هناك حوالي 5,000 جسد دُمّر في هذه المواجهة.

4.الدعاية ولغات السلطة182–232▼ ملخص

ملخص الفصل: «الدعاية ولغات السلطة»

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل كيفية استخدام النظام السوري، تحت حكم عائلة الأسد، للغة كأداة أساسية للسيطرة والقمع، تتجاوز مجرد الدعاية المباشرة. تجيب المؤلفة عن سؤال كيف تنتج اللغة عنفاً نفسياً واجتماعياً خفياً، يساهم في تدمير الذوات السياسية للأفراد، وإفقادهم القدرة على الفعل السياسي والتمثيل المشروع.

يسير الفصل عبر عدة خطوات تحليلية متشابكة. يبدأ بتفكيك مفهوم "شرعية مسلوبة"، وهو جوهر العنف اللغوي. فبدلاً من الاعتماد فقط على تسميات واضحة مثل "إرهابيين" التي يمكن للمتظاهرين مقاومتها، يخلق النظام منطقة رمادية من التهديدات غير المحددة. مثال على ذلك مصطلح "سقف الوطن"، وهو إطار غير محدد يحدد الحدود المسموح بها للنشاط السياسي، مع بقاءه دائماً غامضاً ومتحركاً. يربط المؤلف هذا المفهوم باستراتيجية شبيهة بالعلاقة مع "شريك نرجسي"، حيث تظل القواعد غير واضحة لضمان إمكانية القمع في أي لحظة. أداة أخرى هي مفهوم "المكرمة"، حيث تقدم زيادة في الرواتب أو عفو كمِنَح شخصية من النظام، لا كحقوق مكتسبة. هذا يخلق حالة من التبعية والانتظار الدائم، ويمنع أي شكل من أشكال الفعل الجماعي لإنتاج المطالب. تشير المؤلفة إلى أن الفضيلة الوحيدة المتبقية أمام بعض المعارضين كانت رفض هذه "المكرمة" المتمثلة في الدولة نفسها، حيث تم الخلط بين الدولة والنظام باعتباره "عطية" من الأسد.

ثم يحلل الفصل عملية "إضفاء القداسة على لغة القائد". منذ عهد حافظ الأسد، تم تحويل أقواله البسيطة والعادية (مثل "الرياضة هي الحياة") إلى "أقوال" يجب ترديدها كالنصوص الدينية في المدارس. يقدم هذا التلقين خيارين للشاب السوري: إما الإيمان بوجود حكمة خفية خلف هذه الباناليتها، أو التظاهر بالإيمان كآلية للبقاء. هذا التظاهر ("فعل كما لو") يُنهك الذات ويدمرها أخلاقياً ونفسياً.

ينتقل الفصل إلى شرح "الألم النفسي للغة" عبر حالات أخرى مثل "ما لم يُقل يقتل" و"التلطيف يقتل". ففيما يخص الطائفية، يُنكر النظام أي حديث عنها في الإعلام الرسمي، بينما يعمل بكل قوته على استغلالها وتحريضها في الواقع العملي، عبر اختيار قاعدة ولائه العسكرية والأمنية من خلفية طائفية محددة. تخلق هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع عنفاً رمزياً يومياً، حيث يصبح الانتماء الطائفي، رغم غيابه عن البطاقة الشخصية، أداة للموت على الحواجز. أما التلطيف، فيتبلور في مصطلحات مثل "السلطات المختصة" التي تغلف جهاز القمع والاختطاف والقتل، أو في المسلسلات التلفزيونية التي ترمز إلى السجن بـ"البنتون" أو تعيد تسمية وحدات التعذيب إلى "مراكز إعادة تأهيل وطني"، مما يجرد العنف من فاعله ويجعله وكأنه قدر طبيعي لا مهرب منه.

في القسم المتعلق بـ"اللغة الذهانية"، يتناول الفصل خطاب بشار الأسد نفسه. يصف المؤلف كيف أن رئيس النظام غالباً ما يرد على أسئلة سياسية بتعريف حرفي أو علمي مجرد، محولاً المجاز إلى حرفية. هذا الكبت للرمز وإلغاء المسافة بين الدال والمدلول يفسر، في نظر الكاتبة، الانتقال المباشر إلى العنف الجسدي (كنزع عيون الأطباء في مجزرة حماة 1982). التحذير المرسوم على الجدران ("الأسد أو نحرق البلد") لم يعد مجرد تهديد، بل أصبح فعلاً حرفياً عندما أضرمت النيران في البلاد. غياب التوقيع على هذه الشعارات يدل على انتشار لغة السلطة المجهولة، المنفصلة عن الدولة البيروقراطية الرسمية، والدالة على حضور أمني مطلق.

أخيراً، يخلص الفصل إلى أن هذه الخصائص للغة العنف ليست شاملة، ولكنها تظهر فعالية هذا "الجنون اللغوي". إنه "سياسة إبادة" على المستوى الخطابي تعمل عبر تجريد الذات من الشرعية، وإذلالها، والتفريق بين الذهني والاجتماعي، أو دمج الدال والمدلول بشكل مرضي لا يمكن الفكاك منه. ويشير التحفظ الرئيسي في النص إلى أن هذه القراءة "اختيار ذاتي"، نوع من "الإثنوغرافيا الذاتية اللغوية" لما عرفته الكاتبة عن سوريا، ولا تدّعي أنها شاملة لكل مظاهر العنف اللغوي للنظام. كما تفتح نافذة على سؤال هام حول كيفية تلوث الفضاء اللغوي للمعارضة والنقاشات السورية الداخلية بهذا الفهم الرافضي وغير المتسامح مع الآخر المختلف.

4.الجزء الرابع - سياسات التدمير - جرائم ضد الإنسانية على العلن666–675▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل، وهو الجزء الرابع من كتاب "سوريا، البلد المحترق"، على توثيق جرائم النظام السوري التي يصفها المؤلفون بأنها "جرائم ضد الإنسانية على العلن". الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن العنف الذي مارسه النظام السوري بقيادة بشار الأسد منذ اندلاع الانتفاضة في 2011 لم يقتصر على جرائم حرب، بل بلغ مستوى الجرائم ضد الإنسانية كما هي مُعرّفة في القانون الدولي، وقد ارتُكبت هذه الجرائم في وضح النهار وبحصانة دولية غير مسبوقة، خاصة بعد تجاوز "الخط الأحمر" المزعوم للهجمات الكيميائية في 2013.

يبدأ الفصل بوصف ما يعتبره "الشعلة" الأولى للثورة، وهي اعتقال مجموعة من المراهقين في درعا بسبب كتابتهم لكتابات "تخلّصية" على الجدران، مستوحاة من ثورات الربيع العربي. ثم ينتقل إلى "التصعيد" الوحشي للقمع، ويُبرز قصة تعذيب وقتل الطفل حمزة الخطيب، الذي أصبح الأيقونة الأولى للثورة. يُوضح الفصل كيف أن هذا القمع الوحشي، الذي استهدف الأطفال، كان بمثابة إعلانٍ لمؤسسة قسوة لا ترحم ولا حدود لها، مستشهداً بأغنية شعبية ونثرٍ شعري يُظهر مدى الصدى الذي أحدثته هذه الأحداث في تأجيج الثورة وقمعها الدموي الفوري.

يتناول الفصل الثاني ما يسميه "سياسة المذبحة"، حيث يقدم بيانات رقمية للفترة من مارس 2011 إلى يونيو 2015، ثم يروي شهادات حية عن مجازر ارتُكبت بين 2011 و2013 في مدن متعددة مثل حمص والحولة ودوما وداريا ومعضمية الشام وحلب. هذه الشهادات تأتي من ناجين وشهود عيان، وحتى من أحد الجناة الذين انجروا إلى هذه السياسة. يخصص الفصل الثالث للحصار، ويشرح تعريفه القانوني كجريمة ضد الإنسانية عندما يُحاصر المدنيون وتمنع عنهم المساعدات، ويصفه بأنه "سلاح قاتل" استخدمه النظام بشكل منهجي لسحق المناطق المتمردة. يُسلط الضوء على حصارات طويلة ومريرة مثل حصار حمص (2011-2014)، وداريا (2012-2018)، وحلب الشرقية (2012-2016)، ومخيم اليرموك (2013-2015)، وحصار الغوطة الشرقية (2012-2018)، وهو الأكثر توثيقاً في الفصل.

في فصوله التالية (الرابع والخامس والسادس)، ينتقل الفصل إلى تدمير المدن بالقنابل. الفصل الرابع يُفصّل في القصف، ويقدم شهادات من سكان حمص وحلب، ويخصص جزءاً مهماً لاستهداف الصحفيين، مثل مقتل ريمي أوشليك وماري كولفين في حمص. الفصل الخامس يُوثق جانباً نظامياً لا يقل أهمية وهو استهداف المسعفين والأطباء، ويصف كيف أصبح فعل الإسعاف والعلاج تحت القصف عملاً من أعمال المقاومة وكابوساً يومياً مرعباً، مستنداً إلى شهادات من حلب (2012 و2016) والغوطة الشرقية (2018). الفصل السادس يتناول "إبادة المدن وتدمير التراث"، وهو مفهوم يجمع بين تدمير المباني السكنية والتراث التاريخي والثقافي، معتبراً أن شعار "الأسد أو نحرق البلد" يأخذ بُعداً زمنياً يتعلق بمستقبل سوريا وماضيها العميق.

يبلغ الفصل ذروته في الفصل السابع المخصص للهجمات الكيميائية. يُلخّص تحقيقاً صحفياً من 2017 يوثق 130 حالة استخدام للغازات السامة ضد المدنيين بين أكتوبر 2012 وأبريل 2017، ويكشف عن معلومات تفيد بأن النظام كان يخطط لاستخدام غاز السارين منذ 2009. يحلل ياسين الحاج صالح التحول السياسي الذي مثله تجاوز "الخط الأحمر" الذي وضعه أوباما، وكيف أن هذه الإفلات من العقاب الدولي شجّع على استمرار التدمير الكيميائي للسكان. يختتم الفصل بشهادتين مروعتين: الأولى من صحفي فرنسي على جبهة جوبر، والثانية من أحد المقاومين في دوما عن الإبادة بالغاز التي تعرض لها "أهل زملكا".

يُقرّ الفصل بحدود واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بالصعوبة البالغة في توثيق وتحديد المسؤولين بشكل شامل بسبب التغييرات المستمرة في المناصب القيادية، وتعدد الأجهزة الأمنية المتنافسة، واعتماد النظام على دعم القوى الخارجية مثل روسيا وإيران. ورغم الإجراءات القضائية المتخذة ضد شخصيات رفيعة المستوى في بعض الدول (مذكرات اعتقال فرنسية وألمانية)، يلاحظ الفصل أن الإدانات الفعلية القليلة جداً، مثل محاكمة العقيد أنور رسلان في كوبلنز بألمانيا التي انتهت بحكم بالسجن المؤبد في يناير 2022 بتهمة "جرائم ضد الإنسانية"، لا تمثل إلا غيضاً من فيض في طريق العدالة الطويل.

في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قوية ومترابطة مفادها أن نظام الأسد نفذ سياسة منظمة وشاملة لتدمير المدن السورية وسكانها باستخدام كافة الوسائل الممكنة، من القصف والحصار والتجويع إلى الأسلحة الكيميائية واستهداف المدنيين والمسعفين والصحفيين. النص أمين للغاية في نقله للشهادات والوقائع، ويترك انطباعاً بأن الجانب القابل للنقاش بقوة هنا هو ليس في تفاصيل الجرائم الموثقة بقدر ما هو في السؤال الفلسفي والقانوني حول كيف يمكن لنظام أن يرتكب مثل هذه الفظائع "على العلن" لسنوات دون أن يُوقف، مما يُثير تساؤلات جوهرية حول فعالية القانون الدولي وأخلاقيات المجتمع الدولي في مواجهة جرائم الدولة.

6.239–262▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل النظام السجني في سوريا في عهديْ حافظ الأسد وبشار الأسد، معتبراً إياه أداةً مركزيةً للحكم تقوم على الترهيب والتعذيب والإبادة، وليس فقط على العقاب. الإجابة التي يقدّمها المؤلف واضحة: هذا النظام ليس مجرد تجاوزات، بل هو "سياسة إبادة" و"آلة موت" ممنهجة، صُمّمت لـ"تطهير" البلاد من أي معارضة وكسر أي مقاومة، وبلغت ذروتها الوحشية بعد انتفاضة 2011.

يسير الفصل خطوةً خطوة من خلال تفكيك آليات هذا النظام. يبدأ بتأكيد أن سجون بشار تحوّلت إلى "مسالخ" و"مراكز موت"، مستشهداً بتقارير شبكة الحقوق السورية التي تفيد بأن 215,000 شخص اعتقلوا منذ 2011، وأن 83,971 منهم اختفوا قسراً. يُبرز الفصل قاعدة "لا فرق" التي كانت توجيهاً رسمياً، والتي ساوت بين القاصر والبالغ، والمرأة والرجل، والمعارض والمساند المُفترض. ويضرب مثالاً مروعاً بطفل الثالثة عشرة حمزة الخطيب الذي أُعيد جثمانه مُشوَّهاً لأهله في مايو 2011، مما أشعل فتيل الغضب في البلاد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف "ثقافة القسوة" المؤسساتية، التي لا تقتصر على الأدوات البدائية (الكرسي الألماني، الإطارات، الصعق الكهربائي) بل تشمل الإهانة اللفظية والجنسية المنهجية، والتي كانت تُمارس بهدف تدمير الضحية نفسياً قبل جسدياً. ويشير إلى أن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، كان سلاحاً شاملاً استُخدم ضد الرجال والنساء والأطفال على حد سواء، وأن هدفه كان تمزيق الأسر والمجتمع. ويستشهد بتقرير منظمة العفو الدولية في فبراير 2017 الذي وصف سجن صيدنايا بـ"المسلخ البشري" و"سياسة الإبادة"، حيث بلغ عدد الموتى فيه 14,456، منهم 110 أطفال، وقُدّر متوسط الوفيات بـ 500 شهرياً بين عامي 2011 و2015.

يُركّز الفصل على سجن صيدنايا كـ"نموذج مصغّر" لهذه السياسة، مقارناً إياه بـتدمر (تادمور) في عهد حافظ الأسد. فبينما بني صيدنايا أصلاً لـ 8,000 سجين، استوعب تحت حكم بشار ما يصل إلى 20,000 معتقل. كما يشير إلى استخدام السجن كموقع لاختبار الأسلحة الكيماوية، وإلى وجود محرقة فيه. ويعود بالفصل إلى جذور هذا النظام في عهد حافظ الأسد، حيث يصفه بـ"دولة البربرية" التي أسسها بخبرة النازي ألويس برونر ومعاونة ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي. ويذكر أن 17,000 شخص اختفوا بين 1980 و2000، وأن السجون كانت مسرحاً لإعدامات جماعية، كالتي شهدها سجن تدمر في يونيو 1980 راح ضحيتها نحو ألف معتقل.

أخيراً، ينتقل الفصل من الوثيقة إلى الأدب، متناولاً ظاهرة "أدب السجون" السوري الذي ازدهر بعد خروج معتقلين من عهد حافظ الأسد، أمثال مصطفى خليفة (صاحب "القوقعة")، وآرام كرابيت (صاحب "ثلاثة عشر عاماً في السجون السورية")، وياسمين الحاج صالح (صاحب "خلاصاً أيها الشباب"). يرى الفصل في هذه الكتابات محاولة لـ"سجن السجن" باللغة، ولتفكيك "الاستشهادية السجنية" التي رأى فيها هؤلاء الكتّاب خطراً سياسياً. هذه النصوص، بحسب الفصل، لا تكتفي بالشهادة على الألم، بل تتحول إلى تأمل في الحرية والكرامة الإنسانية، وتقدم نقداً للخطاب الأيديولوجي الذي برّر القمع لعقود.

ملاحظة نقدية: يبرز الفصل استمرار الإفلات من العقاب رغم التوثيق الدقيق، ويُلمّح إلى أن بعض الأوساط اليسارية واليمينية المتطرفة في الخارج لا تزال تنكر هذه الفظائع، مما يديم "لا واقعية" الجرائم. لكن ما قد يكون مثيراً للجدل بناءً على النص نفسه، هو تلك المعضلة الأخلاقية التي يطرحها أدباء السجون أنفسهم: كيف يمكن للمرء أن يحول تجربة البؤس المطلق إلى "مادة ثقافية" و"شيء" يُستهلك، دون أن يقع في فخ التمجيد أو التطبيع مع الرعب؟ هذا السؤال يظل مفتوحاً في ثنايا الفصل، ويُخضع مفهوم "الشهادة" نفسه للمساءلة.

9.481–531▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على جريمة الاختفاء القسري في سوريا، ويعتبرها أداةً منهجيةً يستخدمها النظام السوري لقمع أي معارضة وإخضاع المجتمع منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في الثمانينيات. الإجابة التي يقدمها المؤلف واضحة: هذه الجريمة ليست مجرد انتهاك عرضي، بل هي استراتيجية مُخطّط لها لبث الرعب، وتدمير النسيج الاجتماعي، وحرمان الضحايا وعائلاتهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك الحق في المعرفة والحق في الحداد.

يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بتعريف "الاختفاء القسري" وفقاً للمواثيق الدولية، مستشهداً بتقارير منظمة العفو الدولية التي تُقدّر عدد الضحايا بما لا يقل عن 82,000 شخص منذ بداية النزاع في 2011. يذكر الفصل أن النظام السوري اعترف رسمياً في يوليو 2018 بوفاة 161 شخصاً فقط من المختفين قسراً، وهو رقم ضئيل مقارنة بالحجم الفعلي للمأساة. ثم ينتقل إلى توثيق قصص شخصية مؤلمة، مثل قصة حمزة الخطيب، المراهق ذي الـ 13 عاماً الذي أصبح رمزاً للثورة بعد أن أُعيد جثمانه مشوهاً.

يخصص الفصل مساحة واسعة لعمل الناشطين القانونيين مثل حسن الحسن، الذي يكرس جهده لمطابقة صور الجثث المشوهة (المأخوذة من أرشيف "ملف قيصر" الذي يضم أكثر من 50,000 صورة) مع عائلات المختفين. تُظهر هذه القصص كيف أن عائلات الضحايا، ومعظمها من النساء والأمهات، يعشن في حالة من العذاب النفسي المستمر بين الأمل اليائس بمعرفة مصير أحبائهم والخوف من التأكيد على موتهم. يصف الفصل كيف أن النظام لا يكتفي بالقتل، بل يمنع دفن الجثث أو إقامة مراسم العزاء، مما يخلق حالة "حداد مستحيل" تمنع الجرح النفسي من الالتئام.

في القسم الأخير من الفصل، والذي يكتبه عمر قدّور، يتم تحليل هذه الممارسات بشكل أعمق تحت مفهوم "الأسدية". هنا، يُقال إن الهدف ليس مجرد إخفاء الجريمة، بل هو الاستمرار في تعذيب الأسر عبر حرمانها من أي يقين. يُقارن الكاتب هذه الممارسات بجرائم النازية، مشيراً إلى أن إحراق الجثث وتدنيتها هو امتداد للجريمة وليس محاولة لإخفائها. يُشير الفصل أيضاً إلى أن النظام السوري، بعد عام 2018، بدأ بإبلاغ العائلات بموت ذويهم عبر مستخرجات قيد عائلية، لكنه لا يُسلم الجثث، مما يجعل الموت أمراً غير حقيقي وغير قابل للتصديق. يُقر الكاتب صراحة بصعوبة التصنيف القانوني لهذه الجرائم، ويقول إنها تحتاج إلى مصطلح خاص، مثل "النازية" أو "الجهادية"، ليتم الاعتراف بها دولياً على أنها إبادة جماعية.

يتضمن الفصل تحفظات واضحة، أبرزها أن الأرقام الرسمية لا تعكس الواقع المروع، وأن حجم المأساة أكبر بكثير مما تم توثيقه. كما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول الصعوبة البالغة التي تواجهها العائلات، ليس فقط في الحصول على المعلومات، بل في التعامل مع شبكات الابتزاز التي تستغل حاجتهم.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قوية ومؤلمة مفادها أن جريمة الاختفاء القسري في سوريا هي شكل متطور من الإبادة، لا تستهدف الجسد فقط بل الروح والذاكرة أيضاً. المنطق الذي يتبعه النظام، كما يصفه الفصل، هو منطق الإبادة الكاملة التي تتعمد أن لا تترك أثراً أو قبراً يُحتكم إليه، مما يجعل الشفاء الوطني مهمة مستحيلة. يُمكن القول إن مقارنة الكاتب بالنازية، رغم قوتها البلاغية، قد تكون نقطة نقاش في حد ذاتها، لكن الفصل يبررها من خلال تفصيل آليات التعذيب واختفاء الجثث التي يصفها كسياسة منظمة.

10.532–539▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب "Syrie, le pays brûlé, 1970-2021" السيرة الذاتية والنضالية للمحامية والناشطة السورية رزان زيتونة، قبل أن ينتقل إلى نص كتبته بنفسها بعنوان "الناجون الخمسة من 'أبو الموت'". الموضوع المحوري للفصل هو توثيق الوحشية المنهجية لنظام الأسد من خلال قصتين متوازيتين: قصة رزان زيتونة التي اختفت بعد أن كرّست حياتها لتوثيق جرائم النظام، وقصة خمسة معتقلين نجوا بأعجوبة من معتقل يُعرف فيه الجلاد باسم "أبو الموت". الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الوحشية ليست مجرد تجاوزات فردية، بل هي جوهر النظام الذي أنتج آلافاً من جلاديه.

يسير الفصل على خطوتين رئيسيتين. يبدأ بتقديم مفصل لشخصية رزان زيتونة، التي أصبحت ناشطة في مجال حقوق الإنسان ومحامية تدافع عن سجناء الرأي منذ عام 2001. حصلت على العديد من الجوائز الدولية تقديراً لنضالها، منها جائزة ساخاروف عام 2011 وجائزة آنا بوليتكوفسكايا وجائزة ابن رشد عام 2012. مع اندلاع الثورة، شاركت في تأسيس "لجان التنسيق المحلية"، ثم انتقلت إلى العمل السري لتوثيق الانتهاكات، وأنشأت "مركز توثيق الانتهاكات في سوريا". في أغسطس 2013، وثّقت الهجوم الكيميائي في الغوطة الشرقية الذي أوقع نحو 1300 ضحية. تم اختطافها مع زوجها وائل حمادة وصديقتها سميرة الخليل والناشط ناظم حمادي في 10 ديسمبر 2013 من مدينة دوما في الغوطة الشرقية، التي كانت تحت سيطرة المعارضة آنذاك (والمسؤول الأرجح هو جيش الإسلام بقيادة زهران علوش). الفصل يصف اختفاءهم بالصدمة، ويلفت إلى أنهم منذ ذلك الحين لا يُعرف مصيرهم ويشار إليهم بـ"أربعة دوما".

أما الجزء الثاني والأهم من الفصل، فهو مقال كتبته رزان زيتونة بنفسها ونُشر في 15 سبتمبر 2013، بعنوان "الناجون الخمسة من 'أبو الموت'". تروي فيه قصة هروب خمسة معتقلين من معتقل فرع المخابرات الجوية في حرستا تحت قيادة الملازم أول المعروف بلقب "أبو الموت" واسمه الحقيقي مَعن. تشرح زيتونة كيف كان هذا الجلاد يمارس طقوساً مهينة قبل الإعدام، مثل إجبار الضحية على تقبيل يده وخنقه. كان يقدم نفسه للسجناء قائلاً: "أنا عزرائيل... بل أنا الله". فر المعتقلون الخمسة، وهم أحمد حمادة، لؤي بلّور، فوّاز بدران، حسن نصر الله و مؤيد الجندلي، أثناء تكليفهم بأشغال شاقة تحت نيران الحراس، معتبرين أن الموت بالرصاص أقل بشاعة من الموت عطشاً تحت التعذيب.

في مقالها، تستخدم رزان قصة هؤلاء الخمسة كاستعارة للثورة السورية كلها. فكما كان هروبهم "عملاً غير معقول"، كان الخروج على النظام السوري في 2011 عملاً "غير معقول" في نظر العالم. وتنتقد بشدة ازدواجية المعايير الدولية التي تستنكر عمليات الإعدام العلنية التي تقوم بها الجماعات الجهادية (كـ "داعش" وتنظيم القاعدة)، بينما تغض الطرف عن وحشية بشار الأسد الذي تصفه بأنه النسخة الأعلى من "أبو الموت"، وعن آلاف الجلادين الذين يمارسون التعذيب والقتل منذ أكثر من سنتين ونصف. وتخلص إلى أن صور التعذيب التي لا تنشر في وسائل الإعلام هي الأكثر فظاعة، لكن العالم يختار التعامل مع النظام. تنهي زيتونة مقالها بتأكيد أنها كلما أصابها الإحباط، تتذكر معجزة هروب الخمسة، وتأمل في يوم تشهد فيه "معجزة خروجنا الجماعي من جحيم 'أبو الموت'".

لم يُبدِ المؤلف تحفظات واضحة على القصص المنقولة، بل قدمها كشهادة مباشرة تعبر عن واقع النظام السوري. الأسئلة المفتوحة تتعلق بمصير الأربعة المختطفين (رزان زيتونة ورفاقها)، الذي ظل مجهولاً عند كتابة الفصل. هناك نقطة جدلية واضحة في المقال نفسه، وهي اتهام رزان زيتونة الصريح للمجتمع الدولي بالتواطؤ عبر ازدواجية المعايير في إدانة العنف، حيث يُدان عنف الجماعات المتطرفة بينما يُتغاضى عن عنف الدولة، وهو نقد يظل قابلاً للنقاش بناءً على تقييم السياسات الدولية الفعلية.

11.545–562
12.563–595▼ ملخص

بدأت الثورة السورية في عام 2011 كحركة احتجاجية سلمية ومطالبة بالحرية والكرامة، لكن سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية مدمرة. يرى الكاتب باولو ج. بينتو أن الطابع الطائفي الذي اتخذته هذه الحرب لم يكن سبباً لها، بل كان إحدى نتائجها. فقد استخدم النظام السوري برئاسة بشار الأسد الطائفية كأداة للبقاء، بينما ساهمت عوامل داخلية وخارجية في تعميق الانقسامات.

يؤكد النص أن النظام البعثي، رغم خطابه العلماني، كان يمارس المحسوبية الطائفية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة بعد انقلاب عام 1970. فقد اعتمد النظام في بناء نواته الصلبة من الجيش والأجهزة الأمنية على أبناء الطائفة العلوية، بينما قدم امتيازات لأقليات أخرى كـالمسيحيين والدروز والإسماعيليين لضمان ولائهم، مقابل تصوير الأغلبية السنية على أنها تشكل تهديداً. هذا الخليط من السياسات خلق أرضية من التوتر والاستياء بين الطوائف.

في المقابل، تطور خطاب معارض للنظام ذو طابع إسلامي منذ سبعينيات القرن الماضي، بقيادة الإخوان المسلمين. وبعد مواجهات دامية انتهت بمجزرة حماة عام 1982، قمعت المعارضة بعنف وتراجعت لفترة. لكن مع وصول بشار الأسد إلى الحكم ومحاولته استيعاب الخطاب الديني الرسمي، ظهرت مظاهر جديدة للاستياء، خاصةً مع تصاعد التوتر الطائفي في العراق بين عامي 2006 و2008. ومع ذلك، لم تستهدف الانتقادات في سوريا الأقليات الدينية بقدر ما استهدفت سياسات النظام.

مع اندلاع الاحتجاجات في مارس 2011، كان النظام أول من وظف الطائفية، واصفاً المحتجين بـ"الجهاديين" و"التكفيريين" وشبّههم بهجمات 11 سبتمبر. في المقابل، حاول المحتجون نفي هذا التوصيف برفع شعارات وطنية جامعة وإبراز مشاركة شخصيات من أقليات دينية في التظاهرات. لكن التوترات الطائفية كانت موجودة في بعض المناطق المختلطة طائفياً مثل حمص، وسرعان ما تحولت إلى مواجهات مباشرة.

واستخدم النظام استراتيجية مزدوجة: أولاً، أطلق سراح سجناء جهاديين لتغذية العنف الإسلامي، وثانياً، وظف مليشيات موالية تعرف بـ"الشبيحة" لتنفيذ مجازر وعنف ممنهج ضد المناطق السنية. هذا الاستخدام المتفاوت للعنف جعله يظهر كحامي للأقليات، بينما تم إسكات أي صوت معارض داخل تلك الطوائف بقسوة عبر الضغوط العائلية أو الدينية. هذا التلاعب بالخوف والمخاوف الوجودية جعل من التنبؤات الطائفية "نبوءة ذاتية التحقق".

كما عمل النظام على استقطاب رجال الدين، خصوصاً من الكنيسة، لتأييده. أما المؤسسة الدينية السنية فقد انقسمت بين مؤيدين للنظام وآخرين للمعارضة، مما فتح المجال أمام دخول شيوخ من السعودية والخليج لملء الفراغ، بعضهم كان خطابهم طائفياً وتحريضياً مثل عدنان العرعور، مما عزز مصداقية رواية النظام عن وجود "خطر إرهابي".

مع عسكرة الثورة وتشكيل الجيش السوري الحر في يوليو 2011، عززت طبيعة التمويل المتدفق من قطر والكويت وتركيا ظهور جماعات إسلامية مسلحة متشددة مثل جبهة النصرة وداعش (بعد 2013). هذه الجماعات، بخطابها الطائفي العلني وعنفها الوحشي ضد كل من يخالفها، رسخت التقسيم الطائفي وأعطت النظام ذريعة إضافية لاستمرار حربه.

إلى جانب هذه العوامل الداخلية، كان للتدخل الخارجي دور حاسم في ترسيخ الطائفية. فقد استعان النظام بإيران وحزب الله وميليشيات شيعية أخرى، مما أضفى طابعاً طائفياً صريحاً على قواته. وبالمقابل، ولّد هذا التحالف خوفاً لدى السنة من "هلال شيعي"، مما دفع بعضهم إلى التطرف.

في النهاية، خلص الكاتب إلى أن الحرب الأهلية أدت إلى إعادة توزيع ديموغرافي قسري للطوائف، وتفتيت النسيج الاجتماعي الذي كان يعرف تعايشاً طائفياً معقداً. ويختتم بتساؤل حول إمكانية خلق أشكال جديدة للتعايش الشامل في سوريا بعد انتهاء هذه الفترة المظلمة، معتبراً أن هذه المهمة ستكون أصعب التحديات.

13.596–606▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل مسألة الأكراد في سوريا، محاولاً تقديم إجابة شاملة حول جذور هذه القضية وتطورها، متجاوزاً النفي الرسمي الذي مارسته الأنظمة البعثية المتعاقبة لوجود قومية كردية مستقلة داخل الدولة السورية. يوضح الكاتب أن الإشكالية لا تقتصر على التمييز، بل تتعلق بإنكار الهوية ذاتها، ويعرض الأدلة التاريخية والتدابير السياسية التي تشكل جوهر هذه القضية.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني ومنطقي. يبدأ بتأكيد الوجود الكردي التاريخي في سوريا، مستشهداً بتقرير فرنسي من عام 1937 يعود لسلطة الانتداب، يشير إلى أن محافظة الجزيرة كانت تضم 82,000 كردي مقابل 42,000 عربي مسلم، مما يجعل الأكراد يشكلون الأغلبية النسبية عشية الحرب العالمية الثانية. يذكر الكاتب أن مناطق مثل "عين العرب" (كوباني) و**"عفرين"** كانت تُعرف تاريخياً بأسماء مثل "كردستان السورية" أو "جبل الأكراد". هذا الدليل التاريخي يُستخدم كحجة أساسية لدحض الادعاءات بأن الأكراد "دخلاء" على سوريا. يذكر الفصل أيضاً أعلاماً سوريين من أصل كردي لعبوا أدواراً وطنية بارزة، مثل رئيس الجمهورية محمد علي العابد، وقائد الثورة السورية الكبرى إبراهيم هنانو، والكاتب محمد كرد علي، والرسام فتح المدرس، مما يُظهر عمق الاندماج لكنه يبرز أيضاً تبلور وعي قومي كردي خاص.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة التأسيس السياسي، مسجلاً أن أول حزب سياسي كردي هو "الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري" الذي تأسس في دمشق عام 1957 بدعم من جلال طالباني وفي سياق إقليمي تميز بمعارضة سوريا لحلف بغداد. يذكر أن السلطات السورية شجعت الحزب في البداية كأداة لزعزعة استقرار تركيا والعراق، لكن هذا التحالف انتهى سريعاً مع اندلاع ثورة مصطفى بارزاني في العراق عام 1961، مما أدى إلى اعتقال قادة الحزب الكردي السوري عام 1960. يُسجل الفصل هنا نقطة تحول حاسمة: إجراء إحصاء سكاني في الجزيرة بتاريخ 5 أكتوبر 1962، والذي نتج عنه تجريد عشرات الآلاف من العائلات الكردية من الجنسية السورية. يلي ذلك عرض لمذكرة محمد طلب هلال الصادرة في 11 ديسمبر 1962، والتي تُعد وثيقة تأسيسية للتمييز المنهجي. يعدد الكاتب اقتراحات هلال الاثني عشر التي تشمل: التهجير الداخلي، منع بناء المدارس في المناطق الكردية، تجريدهم من الجنسية، حرمانهم من العمل، وإقامة "حزام عربي" على طول الحدود مع تركيا.

يشرح الفصل كيف انتقلت هذه التوصيات من مجرد اقتراح إلى سياسة دولة. مع صعود حزب البعث إلى السلطة في مارس 1963، تم تبني هذه التدابير، وتم إقرار مشروع "الحزام العربي" رسمياً في المؤتمر الثالث للحزب في سبتمبر 1966. ينص المشروع على نزع ملكية الأراضي في شريط حدودي بطول 350 كيلومتراً وعرض يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً. يُحدد الفصل تاريخ 24 يونيو 1974 كبداية فعلية للتنفيذ في عهد حافظ الأسد، حيث تم طرد آلاف الأكراد من أراضيهم وإقامة 40 قرية عربية مكانها. يوضح الكاتب أن بناء سد الفرات كان ذريعة مثالية لهذه السياسة، حيث تم نقل سكان القرى المغمورة بالمياه إلى "الضياع الحكومية" الجديدة ضمن الحزام العربي. تشير الفقرة إلى أن القمع قاد لاعتقال قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1973، ولم يطلق سراحهم إلا عام 1980 بسبب انشغال النظام بمواجهته الدامية مع الإخوان المسلمين.

ينتقل الفصل إلى عقد الثمانينيات وما تلاه، مسجلاً فترة من الهدوء النسبي بسبب تحسن العلاقات بين النظام السوري والأحزاب الكردية العراقية التي كانت تحارب صدام حسين، ودخول حزب العمال الكردستاني (PKK) على الخط بعد لجوء زعيمه عبد الله أوجلان إلى سوريا عام 1980. هنا، يُقدم الفصل تحليلاً نقدياً للفاعلين: يصف PKK بأنه "زائر مربك" ومزعج، حيث استقطب آلاف الشباب الكردي السوري في الفترة 1989-1990 بسبب تنظيمه القوي وخطابه الثوري، متفوقاً على الأحزاب الكردية المحلية التي اتسمت بالانقسامات القبلية. يُشير إلى أن نفوذه تجلى بفوز ستة مرشحين قريبين منه في انتخابات 1990. لكن هذا الوجود انتهى عام 1998 تحت الضغط التركي، والذي أجبر حافظ الأسد على توقيع اتفاق أضنة وتسليم أوجلان، الذي أُلقي القبض عليه في كينيا عام 1999. لاحقاً، في عام 2003، أنشأ الحزب واجهته السورية، حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تعرض للاضطهاد الشديد حتى عام 2011.

يسجل الفصل تفجر الأوضاع في مارس 2004 خلال مباراة كرة قدم في القامشلي، والتي تحولت إلى انتفاضة كردية حقيقية تم خلالها حرق مبنى حزب البعث وإسقاط تمثال حافظ الأسد، مما أدى إلى تدخل عسكري أسفر عن حوالي 40 قتيلاً. كما يذكر مظاهرات حاشدة في يونيو 2005 احتجاجاً على اغتيال الشيخ مشعوخ الخزناوي. مع ذلك، يُقر الكاتب بوجود انقسامات كردية، مشيراً إلى أن بعض القوى الكردية شاركت في "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي" عام 2005، مما يدل على تباين الاستراتيجيات بين الانخراط في المعارضة الوطنية والسعي لتحقيق مكاسب ذاتية.

في القسم الأخير عن مرحلة "ما بعد الثورة"، يصف الفصل موقف الأكراد من الانتفاضة السورية عام 2011. يذكر أن شخصيات كردية مثل مشعل التمو وعبد الباسط سيدا شاركا في تأسيس المجلس الوطني السوري، لكنه يركز بشكل خاص على الدور المهيمن لـ PYD. ينقل الفصل تصريحات أوجلان من سجنه في أبريل ومايو 2011، والتي تظهر استعداده لدعم النظام السوري مقابل اعترافه بالإدارة الذاتية الكردية، مما يكشف عن موقف براغماتي واضح وعلاقة "غامضة" مع النظام. يُنهي الفصل بعرض التطورات الميدانية اللاحقة: سيطرة PYD على المناطق الكردية الثلاثة (روجآفا) في 19 يوليو 2012، وإعلان الإدارة الذاتية، ثم تشكيل "مجلس سوريا الديمقراطية" في ديسمبر 2015، وأخيراً إعلان "الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا" في 7 مارس 2016. يختم الكاتب بالإشارة إلى الاجتياحات التركية المتتالية كعامل جديد زاد من تعقيد العلاقات العربية الكردية وشحنها بالكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويدعو في النهاية إلى ضرورة تقارب الطرفين لبناء حل عادل ومستدام.

في تحليل نقدي بناءً على النص، يظهر الفصل بوضوح أن السياسة البعثية تجاه الأكراد كانت منهجية وتصاعدية، بدءاً من نفي الهوية وصولاً إلى التطهير العرقي عبر "الحزام العربي". بينما يعترف النص بدور PYD المهيمن بعد 2011، فإنه يُلقي عليه مسؤولية كبيرة في تعميق الفجوة مع العرب، من خلال استغلال الحرب لفرض أمر واقع، والدخول في علاقة براغماتية مع النظام. النص مثير للجدل في تصويره لـ PKK وPYD كقوى خارجية "مربكة" أكثر منها حركة تحررية، وفي تركيزه على انقسامات الأحزاب الكردية المحلية دون تحليل مماثل لانقسامات النظام أو المعارضة العربية. الأسئلة المفتوحة التي يتركها الفصل تتعلق بإمكانية تحقيق مصالحة حقيقية بين المكونين القوميين في ظل الفيدرالية القائمة والتدخلات الإقليمية والدولية.

14.607–630▼ ملخص

ملخص فصل "سوريا في الرهانات الإقليمية والدولية" لزياد ماجد

يُحلل هذا الفصل الأسباب الكامنة وراء تدخل القوى الإقليمية والدولية في سوريا منذ اندلاع الثورة في عام 2011، ويوضح كيف أدى عدم التوازن الكبير في الدعم بين أطراف الصراع إلى إطالة أمد الحرب وتمكين نظام الأسد من البقاء. يقدم المؤلف إجابة واضحة: لم تكن الثورة السورية محصورة بمواجهة نظامها الداخلي فحسب، بل اصطدمت بمصالح قوى كبرى جعلت من سوريا ساحة لصراعاتها الجيوسياسية، مما حال دون سقوط النظام رغم ضعفه.

يسير الفصل بشكل تدريجي، مستعرضاً أدوار اللاعبين الرئيسيين واحداً تلو الآخر، بدءاً من حلفاء النظام الأقوياء وصولاً إلى الدول التي ادعت دعم الثورة لكنها ترددت في تقديم الدعم الفعال. الحجة المركزية للمؤلف هي أن روسيا وإيران قدمتا دعماً استراتيجياً غير مشروط للنظام بهدف الحفاظ على نفوذهما وتحقيق أهدافهما، بينما كان دعم "أصدقاء سوريا" (السعودية، قطر، تركيا، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة) مشروطاً ومتردداً ومحدوداً، مما خلق اختلالاً حاسماً في ميزان القوى العسكري.

يبدأ الفصل بتحليل الدعم الإيراني، موضحاً أنه كان محورياً منذ البداية. لم يقتصر هذا الدعم على الخبرة الأمنية في قمع الاحتجاجات والتجسس الإلكتروني، بل تحول إلى تدخل عسكري مباشر على ثلاثة مستويات: التخطيط للعمليات عبر قاسم سليماني من فيلق القدس، وتزويد النظام بالذخائر والمعدات وحتى الصواريخ قصيرة المدى، وتدريب عشرات الآلاف من المقاتلين الطائفيين. كما حشدت إيران آلاف المقاتلين الشيعة من العراق ولبنان (حزب الله) وأفغانستان وباكستان، والذين لعبوا دوراً حاسماً في معارك حلب في 2016 ودرعا في 2018. يشرح الفصل الدوافع الإيرانية باقتباس تصريحات مسؤولين إيرانيين، حيث وصف أحدهم سوريا بأنها "خاتم الذهب للمقاومة"، بينما اعتبرها آخر "المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين"، مشيراً إلى أن فقدانها يعني العجز عن الدفاع عن طهران. المبرر الأساسي هو الحفاظ على "الهلال الشيعي" الاستراتيجي الذي يصل إيران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان، مما يشكل قوة ردع ضد إسرائيل ويضمن الهيمنة الإقليمية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل الدور الروسي، معتبراً إياه الأكثر حسماً. يوضح المؤلف أن موسكو استخدمت حق النقض (الفيتو) 13 مرة في مجلس الأمن لحماية النظام، وزودته بالأسلحة والخبرات. لكن التحول الجذري كان في 30 سبتمبر 2015، حين أعلن بوتين التدخل العسكري المباشر. يسرد الفصل سبعة أسباب رئيسية لهذا التدخل، منها: رغبة روسيا في العودة كقوة عظمى على المسرح الدولي بعد تهميشها في حروب يوغوسلافيا والعراق وليبيا، والحفاظ على حليفها القديم منذ حقبة الاتحاد السوفيتي، وحماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية (مثل قاعدة طرطوس البحرية وسوق الأسلحة)، ومبدأ رفض "التدخل الأممي" في الشؤون الداخلية للدول. ويصف الفصل كيف تزامن التدخل الروسي مع حالة الضعف الشديد للنظام في صيف 2015، حيث لم يعد يسيطر سوى على 20% من الأراضي، مما دفع بشار الأسد نفسه لطلب النجدة. كان الهدف العسكري الروسي المزدوج هو إضعاف المعارضة المعتدلة (التي اعتبرتها موسكو إرهابية) إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية، لتقديم الخيار للعالم كخيار ثنائي: إما النظام أو داعش، مما أجبر الغرب على تقبل بقاء الأسد.

في مقابل هذين الحليفين القويين، ينتقد الفصل بشدة موقف "أصدقاء سوريا". يبدأ بتحليل الموقف التركي، الذي كان داعماً قوياً للثورة في البداية (بفتح الحدود واستضافة المعارضة)، لكنه سرعان ما انشغل بهاجس القضية الكردية، خوفاً من قيام كيان كردي مستقل في شمال سوريا. هذا القلق دفع أنقرة للتسامح مع تسلل الجهاديين لإرباك المقاتلين الأكراد، ثم التدخل عسكرياً في 2016 و2018 و2019 لاستهداف الميليشيات الكردية بدلاً من النظام، وصولاً إلى التعاون الوثيق مع موسكو.

ثم ينتقل الفصل إلى التنافس القطري السعودي، موضحاً كيف انطلق كلاهما من أهدافهما الخاصة: قطر سعت لترسيخ نفوذها الإقليمي ودعم جماعات الإسلام السياسي، بينما رأت السعودية في دعم المعارضة أداة لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة. يخلص الفصل إلى أن هذا التنافس، بالإضافة إلى "التردد الغربي"، حال دون وضع استراتيجية سياسية واضحة لدعم الثورة، ومنع وصول السلاح النوعي للمعارضة. كما يشير إلى أن السمعة السيئة للنظامين السعودي والقطري في الغرب انعكست سلباً على صورة الثورة نفسها.

أخيراً، يحلل الفصل الموقفين الأمريكي والأوروبي، مبرراً ترددهما بعوامل داخلية وخارجية. فمنذ انتخاب أوباما، كانت الأولوية للمشاكل الداخلية وتجنب الحروب الخارجية الجديدة بعد أخطاء العراق وأفغانستان. كما أن الملف النووي الإيراني والقضية الفلسطينية كانا يحتلان أولوية أعلى من سوريا. أما أوروبا، فقد أثقلتها الأزمات المالية، وأضعفها صعود اليمين المتطرف المناهض للاجئين، مما جعلها غير قادرة على تقديم دعم فعال يرقى لمستوى الدعم الروسي الإيراني. يُظهر الفصل أن الغرب فضّل إلقاء ثقل دعم المعارضة على عاتق الحلفاء الإقليميين مع منعهم من تقديم أسلحة نوعية، واكتفى بفرض عقوبات غير فعالة.

يختم الفصل بصورة قاتمة عن الوضع في يناير 2020: سوريا مجزأة وخاضعة لاحتلالات متعددة، والنظام ضعيف رغم سيطرته على 60-65% من الأراضي، والميليشيات الإيرانية تتهافت على النفوذ، والحل السياسي بعيد المنال رغم التفوق العسكري الروسي. يقرّ المؤلف أن روسيا، رغم نجاحها عسكرياً، لم تنجح في فرض حل سياسي، وذلك بسبب تعقيد المشهد الدولي واستمرار عزلة النظام وتشبث القوى الأخرى بمواقعها.

15.631–648▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل الآلية المعقدة التي استخدمتها روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين لدعم نظام بشار الأسد في سوريا، مُركّزاً على مفهوم "الحرب الهجينة". يوضح الفصل أن التدخل الروسي لم يقتصر على العمليات العسكرية المعلنة (أواخر سبتمبر 2015)، بل شمل أدوات غير تقليدية وعملية على الأرض سبقت هذا الإعلان الرسمي، وفي مقدمتها توظيف مرتزقة من مجموعة "فاغنر".

يبدأ الفصل برسم أوجه الشبه بين نظامَي بوتين والأسد منذ وصولهما إلى السلطة عام 2000، حيث يصف كليهما بأنهما يقومان على سيطرة الأجهزة الأمنية، وعبادة الشخصية، والدعاية الحكومية، والفساد، ورفض الإصلاحات الديمقراطية. هذا التشابه يفسر، بحسب الكاتبة، موقف موسكو في مجلس الأمن الدولي منذ أبريل 2011، حيث استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد القرارات التي تنتقد النظام السوري، وكرّرت رواية دمشق التي تصف المعارضة بأنها "إرهابية".

قبل التدخل العسكري الروسي المباشر، كانت روسيا تدعم الأسد عبر عقود أسلحة ومساعدة تقنية، ومن أبرزها عقد تنقيب عن النفط والغاز وقّعته شركة "سويوزنفتغاز" في 25 ديسمبر 2013 مع الحكومة السورية. لكن الأهم هو الكشف عن وجود مرتزقة روس في سوريا قبل إعلان التدخل الرسمي. يشير الفصل إلى أن أولى مجموعات "فاغنر" كانت موجودة منذ خريف 2014، أي قبل عام من الإعلان عن التدخل الجوي الروسي في 30 سبتمبر 2015.

يقدّم الفصل تفاصيل دقيقة عن هذه القوة غير النظامية. كان يقودها ضابط سابق في المخابرات العسكرية الروسية (GRU) يدعى دميتري أوتكين، الملقّب بـ"فاغنر". كان الدافع المادي واضحاً: رواتب تتراوح بين 120,000 و 180,000 روبل شهرياً خلال المهام، مع تعويضات للقتلى تصل إلى 5 ملايين روبل في سوريا، وهي أضعاف متوسط الراتب الروسي الرسمي آنذاك (بين 30,000 و 35,000 روبل). كان المرتزقة يؤدون المهمات القتالية البرية الأكثر خطورة أمام القوات السورية، مشاركين في معارك رئيسية مثل معركتي استعادة تدمر (مارس 2016 ومارس 2017).

يُظهر الفصل أن العقل المدبر لهذه الآلية هو رجل الأعمال يفغيني بريغوجين، الملقب بـ"طاهي بوتين". لم يكتفِ بريغوجين بتمويل مرتزقة فاغنر عبر شركات وهمية، بل كان أيضاً المحرك لـ"حرب معلوماتية" موازية. كان يمول "مصنع القزم" (Agence de recherches Internet) الذي ينتج تعليقات مؤيدة لروسيا على شبكات التواصل، ويمول وكالة أنباء (FAN) التي تنشر الدعاية المؤيدة للتدخل في سوريا وتبرره. هذا الربط العضوي بين المرتزقة والدعاية هو جوهر "الحرب الهجينة"، حيث يستفيد الكرملين من العمليات العسكرية والدعائية دون تحمّل المسؤولية الرسمية عنها.

يكشف الفصل عن أبعاد اقتصادية جشعة لهذه الحرب. في ديسمبر 2016، وقّعت شركة "إيفروبوليس" (المرتبطة ببريغوجين) اتفاقاً مع شركة النفط السورية الحكومية، يحصل بموجبه مرتزقة فاغنر على 25% من إنتاج النفط والغاز من الحقول التي يحررونها. هكذا، حوّل الكرملين الحرب إلى مشروع تجاري لمكافأة الموالين له.

يتطرق الفصل كذلك إلى الجرائم التي ارتكبها هؤلاء المرتزقة، مستشهداً بتقرير لصحيفة "نوفايا غازيتا" (نوفمبر 2019) عن شريط فيديو يظهر مقتل جندي سوري منشق بوحشية على يد عناصر فاغنر، بمن فيهم ضابط شرطة سابق. نفى الكرملين أي صلة لهذه الجريمة بالجيش الروسي الرسمي، مُظهراً بذلك فائدة "الحرب الهجينة": إمكانية التبرؤ من التجاوزات.

يختتم الفصل بعرض التحديات التي تواجه الرواية الرسمية. فبينما أشارت تقارير دولية (من لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة في مارس 2020) إلى تورط الطيران الروسي في قصف أهداف مدنية وصفته بـ"جريمة حرب"، وانسحبت روسيا من بروتوكول دولي يسمح بالتحقيق في مثل هذه الجرائم، تظل الأسئلة مفتوحة حول مستقبل العلاقة بين موسكو والأسد. في أبريل 2020، نشرت وكالة FAN التي يمولها بريغوجين هجوماً عنيفاً ضد فساد عائلة الأسد، مما يشير، وفقاً للفصل، إلى أن الكرملين قد يستخدم هذا الملف للضغط على حليفه أو حتى التخلي عنه. يختتم الفصل بالتأكيد على أن مصطلح "جريمة ضد الإنسانية" الذي استخدمته "نوفايا غازيتا" لوصف جريمة القتل التي ارتكبها مرتزقة فاغنر، يحمل وزناً خاصاً لصدوره من داخل روسيا.

16.649–664▼ ملخص

يشرح هذا الفصل من كتاب "Syrie, le pays brûlé" الإطار القانوني الذي يمكن من خلاله تصنيف الجرائم المرتكبة في سوريا وتحديد المسؤولين عنها. الموضوع المحوري هو استحالة الإفلات من العقاب عبر الآليات القانونية الدولية والوطنية، رغم التحديات السياسية الكبيرة. يقدم الفصل إجابة واضحة: رغم صعوبة تطبيق العدالة، فإن توثيق الجرائم وتطوير التصنيفات القانونية يبقيان السبيل الوحيد لمحاكمة المسؤولين، بدءاً من بشار الأسد وصولاً إلى المنفذين.

يمضي الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاثة محاور رئيسية. أولاً، يحدد التصنيفات القانونية للجرائم الدولية الكبرى: الإبادة الجماعية (بنية تدمير مجموعة)، الجرائم ضد الإنسانية (هجوم واسع النطاق على المدنيين)، وجرائم الحرب (انتهاك قوانين النزاع). يوضح أن الفعل الواحد كالاغتصاب قد ينطوي تحت أي من هذه التصنيفات حسب السياق. يشدد الفصل على أنه لا يوجد تسلسل هرمي للمعاناة بين هذه الجرائم، رغم أن الإبادة توصف أحياناً بأنها "جريمة الجرائم". يستشهد بتقارير مبكرة لمنظمات مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي التي صنفت القمع في درعا وتلكلخ كجرائم ضد الإنسانية منذ 2011. كما يذكر تفاصيل صادمة عن سجن صيدنايا حيث كان يُعدم بين 20 و50 شخصاً أسبوعياً بين 2011 و2015، وتوثيق 200 ألف معتقل و20 ألف قتيل هناك.

ثانياً، يحلل الفصل مسألة تحديد المسؤولية ("الإسناد"). يشرح مبدأ "المسؤولية الرئاسية" و"المسؤولية الهرمية" اللذين تأسسا في محاكمات نورمبرغ وطوكيو. الأول يُحمّل القادة المسؤولية عن أوامرهم، والثاني يُحمّلهم المسؤولية عن عدم منع أو معاقبة جرائم مرؤوسيهم مع علمهم بها. يورد الفصل تقرير لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة (فبراير 2012) الذي يؤكد أن الجرائم كانت نتيجة سياسة دولة، وأن الأوامر صدرت من أعلى المستويات. يذكر أسماء شخصيات رئيسية في جهاز القمع: علي مملوك، جميل حسن، ماهر الأسد، سهيل الحسن، ويشرح كيف أن النظام الأمني للـ "مخابرات" والـ "شبيحة" يمثل شبكة معقدة لكنها ترتبط مباشرة بـ بشار الأسد كمسؤول أعلى.

ثالثاً، يعرض الفصل الجهود القضائية الفعلية. يشرح إعاقة مجلس الأمن الدولي للعدالة بسبب الفيتو الروسي، مما حال دون إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية. في المقابل، يركز على المحاكمات الوطنية عبر "الاختصاص القضائي العالمي". يذكر قضايا محددة: إدانة أنور رسلان بالسجن المؤبد في ألمانيا (2022)، مذكرات توقيف فرنسية بحق جميل حسن وعلي مملوك وآخرين، والتحقيقات مع شركات مثل لافارج (بشأن تمويل التنظيمات الإرهابية) وقوسموس (بتهمة توفير أدوات مراقبة). يقدم الفصل تحفظاً واضحاً بأن معظم هذه القضايا لا تزال في مراحلها الأولى، وأن الملاحقين هم غالباً منفذون وليسوا قادة كبار.

يطرح الكاتب تحدياً كبيراً عبر تساؤل مفتوح: "ما قيمة التصنيف القانوني إذا ظل جريمة غير مُعاقَب عليها؟" يؤكد أن الاعتراف الرسمي بالجرائم عبر الأحكام القضائية هو ما يمنح المعاناة معناها القانوني، مستشهداً بمحكمة رواندا كدليل على أهمية الإدانات القضائية في ترسيخ الحقيقة التاريخية. في الختام، يناقش الفصل إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (M3) في 2016، التي تهدف لجمع وتصنيف الأدلة بشكل منهجي لاستخدامها في محاكمات مستقبلية، معترفاً بأنها ليست محكمة لكنها أداة حيوية لكسر حلقة الإفلات من العقاب. يظل الإشكال الجوهري المطروح هو الفجوة بين ثراء الأدلة القانونية وفقر الإرادة السياسية لتحويلها إلى عدالة فعلية.

19.716–770▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل سياسةَ المجازر المُمنهجة التي نفّذها النظام السوري وحلفاؤه خلال المرحلة الأولى من الحرب، من عام 2011 حتى عام 2015، مُركّزاً على أنها لم تكن حوادثَ عابرة أو نتيجةَ فوضى، بل استراتيجيةً مُتعمّدةً للقمع والإبادة. الإجابة التي يُقدّمها الفصل هي أن النظام، بقيادة بشار الأسد، استخدم العنفَ المفرط والمُمنهج، بما في ذلك المجازر الجماعية ذات الطابع الطائفي، كأداةٍ أساسيةٍ لإخماد الاحتجاجات السلميّة وتصفية الخصوم، وذلك عبر جهاز دولة موازٍ وغير رسمي يعمل خارجَ الهيكل العسكري التقليدي.

يُوثّق الفصل حصيلةَ الصراع مُقدماً أرقاماً من مصادر مختلفة، مثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي أحصت بين عامَي 2011 و2021 أكثر من 350,209 قتيل، معترفةً بأن هذا الرقم جزئي، والشبكة السورية لحقوق الإنسان التي حددت 207,295 مدنياً قتلوا على يد القوات الحكومية وحلفائها. ثم يُفصّل في إحصاءات المجازر بين آذار 2011 وحزيران 2015، مشيراً إلى 53 مجزرة ارتكبتها أطراف مختلفة، لكن الغالبية الساحقة (49 مجزرة) نُفذت من قبل القوات الحكومية، وأودت بحياة 3,074 شخصاً غالبيتهم من المدنيين، من بينهم 526 طفلاً و71 امرأة. يُوزّع الفصل هذه المجازر جغرافياً، مركزاً على حمص (22 مجزرة)، حلب (8 مجازر)، حماة (7 مجازر)، و** ريف دمشق **(5 مجازر).

يبدأ الفصل عرضَه التفصيلي بمجزرة ساحة الساعة في حمص في 18 نيسان 2011، من خلال شهادة إحدى الناجيات التي تصف فرحة المشاركين بالاحتجاج السلمي الذي تحول فجأةً إلى مأساة مع إطلاق الرصاص الحي. ثم ينتقل الفصل إلى شهادة حاسمة للجنرال المنشق أحمد طلاس، الذي يكشف عن وجود "دولة داخل الدولة"، مشيراً إلى أن ضباطاً متطرفين من الأمن العسكري، معظمهم من العلويين الأكراد، كانوا يتلقون أوامرَ مباشرةً من جهات عليا في دمشق لفتح النار على المتظاهرين العُزّل، متجاوزين بذلك القيادات الميدانية التي كانت ترفض إطلاق النار. ويُوضح طلاس أن هؤلاء الضباط المعتدلين الذين رفضوا إطلاق النار تمت إقالتهم بحجة "مشاكل صحية"، بينما بقي المتطرفون في مناصبهم.

يُخصص الفصل الجزء الأكبر من تحليله لمجزرة حولة التي وقعت في 25-26 أيار 2012، والتي راح ضحيتها 108 أشخاص بينهم 34 امرأة و49 طفلاً، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش. يُقدم الفصل هذه المجزرة كنموذج صارخ على الاستراتيجية المُتعمدة، حيث يصف كيفية تحرك ميليشيات "الشبيحة" الموالية للنظام، بغطاء وتغطية من الجيش، لتنفيذ عمليات قتل جماعي واغتصاب في بلدة تلدو. يستند الفصل إلى تحقيق صحفي من مجلة دير شبيغل الألمانية يتضمن سبع شهادات مفصلة لناجين، تصف اقتحام المنازل وإعدام العائلات بأكملها بوضوح مروّع. ومن بين هذه الشهادات، شهادة الطفل علي عادل سيد (11 عاماً) الناجي الوحيد من عائلته، والتي تبيّن أن القتلة لم يكتفوا بالقتل بل سرقوا ممتلكات الضحايا. كما يتضمن الفصل شهادة صارمة من الناجية فوزية خلف التي تصف بجرأة عمليات الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها هي وبناتها على مرأى من زوجها قبل قتله.

بعد مجزرة حولة، ينتقل الفصل إلى شهادة من مدينة دوما في حزيران 2012، يرويها أحد الناشطين، لتصوير نمط آخر من القمع الممنهج. يصف الاقتحام العسكري للمدينة، حيث كانت فرق الموت تدخل المنازل وتجمع العائلات في الحمامات لإعدامهم بإجراءات شبه عسكرية. تبرز الشهادة أيضاً دور منظمة الهلال الأحمر العربي السوري التي جُردت من حياديتها وسيطرت عليها أجهزة الأمن، مما جعلها غير قادرة على تقديم الإسعافات الأولية للضحايا. وتختتم الشهادة بوصف التحول في أساليب القصف من المدفعية والصواريخ إلى الطيران الحربي، الذي زاد من رعب المدنيين وعجْزهم عن التكيف.

يُقرّ الفصل بوجود تحفظات، خاصة فيما يتعلق بعدم اليقين بشأن الأرقام النهائية للضحايا، حيث تعترف جميع المنظمات بأن إحصائياتها جزئية. كما يُلمّح إلى جدل حول توزيع المسؤوليات، لكنه يُفنده بقوة عبر الأدلة المقدمة. الحجة القابلة للنقاش والتي يُصرّ عليها الفصل هي التفاوت الأخلاقي الواضح بين جرائم النظام الممنهجة وردود فعل المعارضة المسلحة، رغم اعترافه بأن المعارضة ارتكبت أيضاً مجازر لكنها أقل عدداً بكثير. يرفض الفصل فكرة وضع الطرفين على قدم المساواة، مؤكداً أن جرائم النظام هي جرائم دولةٍ مُخطط لها، بينما جرائم المعارضة هي ردود فعل ناتجة عن القمع الوحشي الذي مارسه النظام.

20.771–877▼ ملخص

هذا الفصل يقدّم مقارنة مكثفة ومؤلمة بين تجربة الاعتقال في سجون النظام السوري وتجربة الحصار الذي فرضه النظام على مناطق سيطرة المعارضة، ولا سيما الغوطة الشرقية. الموضوع المحوري للفصل هو أن الحصار في الغوطة الشرقية ليس مجرد حصار عسكري تقليدي، بل هو أشبه بـ "معسكر اعتقال" أو "سجن عملاق" يضم نصف مليون إنسان، وهو أداة مهيأة لإبادة جماعية محتملة بالغاز أو الحرق. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النظام حوّل هذه المناطق المحاصَرة إلى سجون مفتوحة، مطبقاً نفس منطق السجن: العزل، التجويع، الحرمان من الرعاية الطبية، والقتل البطيء أو السريع.

يسير الفصل بتقديم التشابهات خطوة بخطوة. يبدأ بوصف الحصار في الغوطة بأنه يختلف عن حصارات تاريخية أخرى (مثل غزة أو لينينغراد) في قسوته وهدفه. يربط الكاتب بين السجن والحصار من خلال التجارب الإنسانية المشتركة: الحرمان المطلق من الزيارات العائلية، وفقدان الوظائف والدراسة، والعجز عن حضور جنازات الأحبّة، وتقدم أفراد العائلة في العمر بعيداً عنهم. كما يوضح كيف أن كلا المعسكرين يولّدان عالماً من "البدائل" (كهرباء بديلة، طب بديل، عائلة بديلة)، وكيف يتقلص المعجم اللغوي للسجين والمحاصر إلى مجموعة ضيقة من الكلمات الجديدة ذات الدلالات المحلية المأساوية، مثل "المنفوش" (اسم تاجر قريب من النظام)، "التنور" (جهاز التعذيب)، و**"التسليف"** (النوم على الجانب).

يستخدم الفصل أمثلة مروعة لتوضيح التشابه في آلية القتل وغياب الإنسانية. يروي حادثة في صيف 2003 في سجن فرع فلسطين، حيث رفض الجلاد إحضار دواء لسجين يُعاني أزمة قلبية قائلاً: "عندما يموت، اقرعوا الباب لنخرج الجثة". ثم يضع في مقابلها حادثة في خريف 2017 في الغوطة الشرقية، حيث زار وفد من الأمم المتحدة والصليب الأحمر المرضى وأبدى تعاطفاً ثم غادر تاركاً قائمة الإخلاء الطارئ تنتظر الموت، فجاء الموت بالفعل ليفرج عن المصاب بالسرطان نبيل وغيره. كما يصف مشهداً في سجن استخبارات مطار المزة عام 2000 عندما ألقى الجلاد ملعقة حلاوة واحدة لـ 28 سجيناً، ويقارنه مع وصول قافلة مساعدات أممية كبرى إلى الغوطة عام 2017 والتي لم تكفِ لإطعام المحاصرين الخمسمئة ألف.

لا يخلو الفصل من تساؤلات مفتوحة وتحفظات. يعترف الكاتب بأن المقارنة ليست مطلقة، حيث إن السجين يمكن أن يتلقى (أو لا) الطعام من الجلاد، بينما المحاصرون في الغوطة يُتركون ليواجهوا الجوع بأنفسهم. لكنه يقرّ بأن الجلاد في الحالتين هو نفسه النظام. ويترك الفصل أسئلة مفتوحة حول أسباب صعود الفكر التطرفي والعدمي في مثل هذه البيئة المسحوقة، مقترحاً أن هذه الممارسات تحتوي الإجابة على تساؤلات من يحللون أسباب التطرف. كما يشير إلى أن البقاء على قيد الحياة لا يعني الحرية الحقيقية، لأن "ذنب الناجي" يمنع المتعافي من العيش كبقية الناس.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن الفصل يقدّم حجة نقدية واضحة وقابلة للنقاش، وهي أن النظام السوري، من خلال هذه الممارسات المزدوجة (السجن والحصار)، لا يهدف فقط إلى القمع العسكري، بل إلى تدمير الإنسانية ذاتها وتجريد الضحايا من أبسط مقومات الحياة، مما يفرض على القارئ إعادة النظر في استعارات مثل "الحصار" و "السجن" في السياق السوري ليكتشف أنها لم تعد كافية لوصف فظاعة الواقع.