
Tell Ahmar on the Syrian Euphrates
يقدّم كتاب "تل أحمر على الفرات السوري" لمؤلفه غي بونينس دراسةً شاملةً ومتعمقةً لتاريخ موقع تل أحمر الأثري، الواقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات السوري، على بعد حوالي 20 كيلومتراً جنوب مدينة جرابلس (كركميش القديمة) والحدود السورية-التركية الحالية. الموضوع المحوري للكتاب هو تتبع تاريخ الموقع عبر آلاف السنين، منذ أقدم فترات الاستيطان في الألف السادس قبل الميلاد وحتى العصر الحديث، مع التركيز بشكل خاص على دوره كمفترق طرق حيوي وملتقى للحضارات. يدافع المؤلف عن فكرة أن تل أحمر لم يكن مجرد مستوطنة عادية، بل كان لاعباً استراتيجياً فاعلاً على المسرح الإقليمي والدولي، حيث تنافست عليه القوى الكبرى مثل الآشوريين والآراميين والحيثيين، مما جعله مرآة للتغيرات السياسية والثقافية الكبرى في غرب آسيا القديمة. ويمكن القول إن الجواب الذي يقدمه الكتاب يكمن في إظهار كيف أن الموقع تطور من قرية صغيرة في العصر الحجري النحاسي إلى مركز احتفالي في العصر البرونزي، ثم إلى عاصمة لمملكة آرامية وأخيراً إلى مدينة إقليمية آشورية هامة، قبل أن يفقد أهميته مع انهيار الإمبراطورية الآشورية.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني صارم، حيث يبدأ بتعريف الموقع جغرافياً وتاريخياً ليضع الخلفية الأساسية. يعرض الفصل الأول وصفاً دقيقاً للموقع الذي كان يُعرف في الألف الأول قبل الميلاد بـ مصواري (باللوية)، وتل بارسيب (آرامياً)، وكار-شلمنصر (آشورياً)، ويشرح كيف أن بناء سد تشرين غمر المدينة السفلى بالكامل وحوّل التل إلى شبه جزيرة. ثم ينتقل الكتاب إلى استعراض مراحل الاستيطان المتعاقبة، مبيناً المنطق الذي يربط الأجزاء ببعضها: فبعد فترات الاستقرار الأولى التي أظهرت تأثير ثقافتَي حلف والعبيد في العصر الحجري النحاسي، ينتقل إلى العصر البرونزي المبكر الذي كشف عن "مجمع الهيبوجيوم" وهو ضريح حجري ضخم يُرجح أنه كان مركزاً احتفالياً مهماً. هذه المرحلة من الازدهار تبعها انهيار في بداية الألف الثاني، ثم إعادة إعمار متواضعة في العصر البرونزي الوسيط، والتي تطورت بسرعة لتجعل من الموقع مركزاً إدارياً وتجارياً تابعاً لممالك قوية مثل يَمحَد وكركميش، ودليل ذلك اكتشاف مجمع إداري ضخم يحتوي على أختام أسطوانية ومخازن حبوب. المنطق هنا هو أن ازدهار الموقع كان يرتبط دائماً بعلاقاته مع القوى الإقليمية المحيطة، وأن كل فترة ازدهار كانت تتلوها فترة ركود أو تدمير.
مع نهاية العصر البرونزي وبداية فترة "الانهيار"، يتناول الكتاب الفترة المضطربة التي تلت انهيار الإمبراطورية الحيثية، حيث سيطر الآراميون على الموقع وأسسوا مملكة بيت عديني. يبذل المؤلف جهداً كبيراً في حل التناقض الظاهري بين المصادر الآشورية التي تسمي الموقع "تل بارسيب" وتنسبه إلى زعيم آرامي يُدعى أحوني، والنقوش اللووية التي تسميه "مصواري" وتتحدث عن حكام محليين كـ هباتيلا وأرياهينا. يخلص بونينس إلى أن هذين التصورين ليسا متناقضين، بل يعكسان حقيقة سياسية معقدة: فالحكام المحليين كانوا آراميين تبنوا الثقافة اللوية لأسباب تتعلق بالمكانة والشرعية، بينما نظر إليهم الآشوريون كجزء من بنية قبلية آرامية. هذا التحليل اللافت يظهر براعة المؤلف في الجمع بين الأدلة الأثرية والنصية، ويقدّم حجة ذكية حول مفهوم "الاستيعاب الثقافي" كأداة سياسية.
تأتي نقطة التحول الحاسمة مع الغزو الآشوري بقيادة الملك شلمنصر الثالث الذي استولى على الموقع عام 856 قبل الميلاد بعد مقاومة شرسة دامت ثلاث سنوات، وأعاد تسميته إلى كار-شلمنصر (ميناء شلمنصر). من الشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها هنا، المقارنة بين الحدثين: غزو شلمنصر الثالث وعهد الحكام المحليين، حيث يجد المؤلف "تطابقات مذهلة" بين التسلسل الزمني الآشوري والتسلسل اللوي، مما يقدم إطاراً زمنياً دقيقاً لفهم هذه الفترة المحورية. وما يثير الانتباه أيضاً هو تأكيد المؤلف على أن السيطرة الآشورية لم تكن فورية أو شاملة، بل كانت تدريجية ومحافظة على التقاليد المحلية، كما يتجلى في بقاء حكام محليين مثل نينورتا-بيلو-أوصر الذين أداروا المدينة باسم الحكام الآشوريين، واستمروا في استخدام اللغة اللوية في نقوشهم الخاصة. هذه الفترة المبكرة من الاحتلال لا تزال غامضة أثرياً، حيث لم يكشف التنقيب عن مبانٍ ضخمة تعود لعهد شلمنصر الثالث، مما يشير إلى أن التغيير الحقيقي بدأ مع شخصية التورتانو شمشي-إيلو في النصف الأول من القرن الثامن، وهو الذي بنى "بوابة الأسد" الشهيرة وسور المدينة، واستخدم نقوشاً بلهجة شبه ملكية تدل على سلطته الواسعة.
يصف الكتاب بعد ذلك التحول الكامل للموقع إلى معقل إداري آشوري منذ منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، حيث أعيد تنظيم الأكروبول بالكامل باستخدام هيكل ضخم من الطوب الأحمر (وهو ما أعطى الموقع اسمه الحديث "تل أحمر")، وشُيد فوقه قصر آشوري ضخم يُعد من أفضل القصور الإقليمية حفظاً وقت اكتشافه. يصف المؤلف بالتفصيل وحدات القصر الثلاث: الوحدة العامة التي تضم غرفة العرش واللوحات الجدارية التي تزينها مشاهد بحرية ومعارك، والوحدة الخاصة بشقتيها السكنيتين المزينتين بلوحات تمجد الملك وتظهر خدمه وحراسه، والوحدة الثانوية المسورة التي يبدو أنها كانت أقدم وأهملت لاحقاً. من الأرقام اللافتة في هذا السياق، ارتفاع مسلتَي الملك آسرحدون (680-669 ق.م) التي نصبها على الطريق الرئيسي الرابط بين بوابة الأسد والأكروبول، حيث يبلغ ارتفاع إحداهما 2.5 متر وتصور الملك ممسكاً بحبل أوشاناهورو، ابن ملك النوبة ومصر. كما يصف تمثالاً من البازلت بالحجم الطبيعي لشخصية آشورية خصي تعرض "لقتل طقسي" بمسخ وجهه وضرب ثقوب في جمجمته وصدره، مما يعكس كراهية شديدة لصاحبه وغياب أي أثر للثقافة المحلية، ليحل محلها بالكامل الرموز الآشورية.
في الفصول التي تتناول الحياة اليومية والتخطيط العمراني، يقدم الكتاب صورة حية لمدينة لم تُبنَ وفق خطة موحدة، بل كانت نسيجاً عمرانياً غير منتظم يضم مساكن فخمة وورش عمل. وأبرز مثال على ذلك "بيت حنّي" في المنطقة C، وهو مجمع سكني كبير تحول من مسكن إلى ورشة عمل مع الوقت، حيث احتوت غرفته رقم 15 على ورشة نسيج وأدوات حياكة وجذوع خشب صنوبر مستوردة من آسيا الصغرى يتراوح طولها بين 1 و2 متر. من الشهادات اللافتة في هذا المجال اكتشاف أرشيف من حوالي 20 لوحاً مسمارياً ولوحين آراميين، تعود لفترة حكم الملكين سنحاريب وآشوربانيبال، وتوثق أنشطة هاني التجارية وعلاقاته مع الحكومة المركزية. هذا الأرشيف كشف عن مجتمع عالمي الطابع (كوزموبوليتاني)، حيث تشهد الأختام والفخار المستورد من قبرص وفينيقيا وفلسطين وفريجيا، بالإضافة إلى وجود شهود من مدن آشورية بعيدة مثل كالح ودور-شاروكين، على أن المدينة كانت محطة رئيسية على طريق التجارة الذي يربط آشور بالعالم المتوسطي. يقر المؤلف بحدود واضحة هنا، معترفاً بأن هذه الصورة تخص النخبة الثرية فقط، وأنه لا يعرف الكثير عن حياة الفلاحين وصغار الحرفيين.
يختتم الكتاب بمصير الموقع بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية، وهو فصل يمثل نقيضاً لقصص الازدهار السابقة. يوضح المؤلف أن الموقع لم يُدمر بعنف، بل هُجر تدريجياً لأنه فقد أهميته الجيوسياسية مع انهيار الإمبراطورية التي صنعته. يصف الانتقال إلى العصور اللاحقة: بضع قبور من العصر الأخميني، وكنز نقدي صغير وتماثيل طينية من العصر الهلنستي، وأرضيات من العصر الروماني تشير إلى استيطان متقطع. ويختتم السرد بمشهد مؤثر لمصير القرية الحديثة بعد بناء سد تشرين في يوليو 1999، حيث غمرت المياه جزءاً منها وهُجرت منازلها، ثم عاد العنف مع الحرب الأهلية السورية التي دمرت ما تبقى وسوّت الأكروبول بالجرافات ليكون محطة عسكرية، في مفارقة مأساوية حيث أن المزايا الجغرافية نفسها التي صنعت ازدهار الموقع القديم تسببت في خراب المستوطنة الحديثة. يعترف المؤلف صراحةً بالفجوات الكبيرة في المعرفة الأثرية للفترات اللاحقة، ويعزو ذلك إلى تغير أنماط الاستيطان في غرب آسيا بعد منتصف الألفية الأولى، حيث هُجرت التلال لصالح مستوطنات متفرقة يصعب تتبعها.
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، تفسير "الاستيعاب الثقافي" للحكام المحليين الذين تبنوا الثقافة اللوية. بينما يقدم بونينس حجة مقنعة بأن هذا التبني كان أداة شرعية سياسية لحكام آراميين، قد يرى باحثون آخرون أن هذا يعكس هيمنة ثقافية أو عرقية لويّة أعمق مما يعترف به الفصل. كما أن التفسير الوظيفي لبعض المباني، مثل "المنزل A13" الذي يُعتقد أنه كان جنائزياً، يظل محل نقاش لعدم العثور على عظام بشرية فيه. وفي النهاية، يقدم الكتاب صورة شاملة ومدهشة لموقع أثري واحد تحول عبر آلاف السنين من مجرد تل على نهر الفرات إلى مسرح للتاريخ الكبير، حيث تنافست الإمبراطوريات وتصادمت الثقافات، قبل أن يعود ليختفي تحت مياه بحيرة صناعية، في دروس مؤثرة عن صعود الحضارات وسقوطها.
الأشخاص
الفصول(10)
1.22–50▼ ملخص
يُقدم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "تل أحمر على الفرات السوري" لـ غي بونينس دراسةً شاملة للموقع الأثري تل أحمر، الواقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات السوري، على بعد حوالي 20 كيلومتراً جنوب مدينة جرابلس (كَرْكَميش القديمة) والحدود السورية-التركية الحالية. الهدف المحوري للفصل هو تقديم وصف دقيق ومتكامل للموقع، جغرافياً وتاريخياً وأثرياً، ليكون بمثابة خلفية أساسية لفهم الفصول اللاحقة التي تتناول التنقيبات والنتائج التي تم التوصل إليها.
يبدأ الفصل بتعريف الموقع وأسمائه عبر العصور؛ ففي الألف الأول قبل الميلاد كان يُعرف بـ مصواري (باللوية)، وتل بارسيب (وهو اسم آرامي غالباً)، وكار-شلمنصر (بالآشورية). ويشير المؤلف إلى أن الأسماء الأقدم غير معروفة، رغم أن ديفيد هوكينز افترض أن الاسم اللوي "مصواري" قد يكون مشتقاً من مازواتي، وهي مدينة ذُكرت في زمن الملك الحيثي سوبيلوليوما الأول في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. يُفسر الاسم العربي الحديث "تل أحمر" بلون الطوب المستخدم في تثبيت جوانب الأكروبول خلال فترة السيطرة الآشورية.
ينتقل الفصل بعدها إلى وصف البيئة الطبيعية، فيوضح أن التل يقع على حافة مصطبة طبيعية تطل على السهل الفيضي للنهر، والذي يغمره الآن مياه سد تشرين. يمتد سهل زراعي خصب شرق التل لمسافة 25 كيلومتراً من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، و7 كيلومترات من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي. ويُصنف الموقع ضمن منطقة حدودية بين المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث يتراوح معدل هطول الأمطار السنوي بين 200 ملم و400 ملم، مما يجعل الزراعة البعلية ممكنة ولكنها محفوفة بالمخاطر.
يُخصص الفصل حيزاً لتحليل مورفولوجيا الموقع. يُقسم الموقع إلى ثلاثة أقسام رئيسية: الأكروبول (التل نفسه، وهو أقدم جزء وكان مسكناً من الألف السادس قبل الميلاد، وضم قصور الحكام)، والمدينة الوسطى (المصطبة الطبيعية غرب الأكروبول، والتي تشغلها القرية الحديثة الآن)، والمدينة السفلى (منخفض طبيعي شمال وشمال شرق الأكروبول، والذي توسعت فيه المستوطنة مع بداية العصر الآشوري). كان الموقع محاطاً بسور نصف دائري، بني على الأرجح في العقود الأولى للاحتلال الآشوري، وقد سُوّي بالأرض تقريباً لكنه لا يزال واضحاً في الصور الجوية. ويوضح المؤلف أن بناء سد تشرين ألحق أضراراً بالغة بالموقع، حيث غمرت المياه المدينة السفلى بالكامل، وأصبح التل وجزء من المدينة الوسطى شبه جزيرة في بحيرة السد.
ثم يناقش الفصل علاقة الموقع بالنهر، مبرزاً مزاياه الاستراتيجية كموقع يطل على 25 كيلومتراً من وادي النهر، لكنه يشير أيضاً إلى التحديات، مثل عدم استقرار مجرى النهر وتغير مساره عبر الزمن، والفيضانات الموسمية العنيفة التي تسببت في تآكل الجزء الجنوبي من الأكروبول. ويقدر المؤلف أن التل فقد حوالي ربع أو خمس مساحته بسبب هذا التآكل.
أحد أهم محاور الفصل هو موقع تل أحمر كملتقى طرق. يشرح المؤلف أن الموقع يقع عند قمة الهلال الخصيب، مما جعله في موقع مثالي للتبادل بين بلاد ما بين النهرين وسوريا-فلسطين والبحر المتوسط غرباً، والأناضول شمالاً. ورغم أن المنحدرات البيضاء تشكل عائقاً طبيعياً، إلا أن وجود فجوة (ممر نهر الساجور) هو ما حول هذا العائق إلى فرصة؛ إذ أن هذه الفجوة حمت الموقع من الغرب وسيطرت على حركة المرور عبرها. يُذكر أن قوات شلمنصر الثالث أقامت حصنين عند ملتقى الساجور بالفرات: موتكنو (ربما في تل عبر أو قملق) وبيترو (تل عشارية على الأرجح). ويؤكد الفصل على دور تل أحمر كمعبر استراتيجي، مستشهداً برسالتين لمسؤولين آشوريين كدليل على أن السفر إلى آشور كان يمر عبره، سواء أكان قادماً من كيقية (كيليكيا) أو كُمُح أو مرعش (مرقسا) أو سامال (زنجرلي) أو أسدود أو موآب.
ينتقل الفصل بعدها لمناقشة الموارد الطبيعية المتاحة في المنطقة، والتي شملت الزراعة (وإن كانت غير مضمونة)، وصيد الأسماك، وأشجار الحور التي استُخدمت في البناء والتجارة، والحجر الجيري والبازلت المتوفرين بكثرة لصنع التماثيل والأدوات. ومن الموارد اللافتة التي يذكرها الفصل حجر تُرميناباندو، وهو نوع من البريتشيا الحمراء التي جلبها الملك الآشوري سنحاريب من موقع يُدعى كابري-دارجيلا (على حدود تل بارسيب) لصنع الأواني الفخمة. ويطرح المؤلف فرضية أن مسلة الإلهة عشتار ومسلة إله القمر المكتشفتين في تل أحمر قد نُحتتا من هذا النوع من الحجر.
أخيراً، يُوثق الفصل تاريخ اكتشاف واستكشاف تل أحمر في العصر الحديث. كانت أولى الزيارات الأثرية في عام 1908 بقيادة ديفيد هوغارث، الذي سجل الآثار الظاهرة وافترض بشكل صحيح أن الموقع هو تل بارسيب الآشوري. في العام التالي 1909، زارت غيرترود بل الموقع بتكليف من هوغارث لالتقاط صور فوتوغرافية ونقوش. وفي عام 1911، أثناء تنقيبات هوغارث في كركميش، قام كامبل تومسون بفك رموز نقوش الأسود عند البوابة الشرقية، مؤكداً بذلك هوية الموقع باسم كار-شلمنصر (تل بارسيب). بعد الحرب العالمية الأولى، بدأت التنقيبات الفرنسية الرسمية في 1929 بقيادة فرانسوا تورو-دانجان واستمرت حتى 1931، وركزت على الأكروبول وكشفت عن قصر آشوري بجدارياته، و"المستوى الآرامي" الذي تبين لاحقاً أنه خليط من عصور مختلفة، والقبر المقبب (الهيبوجيوم)، ومواد فخارية تعود للألف السادس قبل الميلاد. ثم تولت بعثة من جامعة ملبورن الأسترالية العمل من 1988 إلى 1999، تلتها بعثة من جامعة لياج البلجيكية من 2000 إلى 2010، وساهمت هذه البعثات في إلقاء الضوء على فترات تاريخية كانت مجهولة أو شبه مجهولة، مثل العصر البرونزي المبكر والمتوسط والحديث، والحضور الآشوري الوسيط، مما أعطى صورة أشمل وأكثر تعقيداً لتاريخ الموقع مما قدمته التنقيبات الفرنسية.
يقر المؤلف بحدود واضحة في المعرفة الحالية، مثل عدم اليقين بشأن بعض الأسماء القديمة للموقع (مثل العلاقة بين مصواري ومازواتي)، وصعوبة تحديد تاريخ التآكل النهري للجزء الجنوبي من الأكروبول، وكون التعرف على أحجار "تُرميناباندو" هو افتراض يحتاج إلى تحليل بتروغرافي تأكيدي، وعدم دقة تخطيط بعض المباني القديمة من قبل البعثة الفرنسية. ويترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان السور قد امتد لحماية الموقع من جهة الجنوب.
2.51–168▼ ملخص
يطرح هذا الفصل من كتاب "Tell Ahmar on the Syrian Euphrates" موضوعاً محورياً هو تاريخ الاستيطان في موقع تل أحمر، بدءاً من أقدم الأدوات على الحياة البشرية فيه وحتى نهاية العصر البرونزي المبكر حوالي 2000 قبل الميلاد. يقدم المؤلف، جاي بونينز، إجابة واضحة مفادها أن الموقع لم يكن مجرد مستوطنة عادية، بل كان لاعباً فاعلاً على المسرح الإقليمي والدولي منذ الألفية السادسة قبل الميلاد، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي على نهر الفرات، ومشاركاً في التطورات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها المنطقة، مثل ثقافة العبيد وتوسع ثقافة أوروك ثم النهضة الحضرية المحلية في الألفية الثالثة.
يسير الفصل وفق تسلسل زمني صارم، مقسماً إلى أربعة أقسام رئيسية تعكس مراحل تطور الموقع. يبدأ القسم الأول بتغطية الفترة الممتدة من حوالي 5500 إلى 3500 قبل الميلاد، وهي فترة "الاتصالات الأولى مع بلاد الرافدين". يستعرض المؤلف هنا الأدلة الأثرية على وجود طبقات تعود إلى العصر الحجري النحاسي المتأخر، حيث عثر على كسر فخارية تعود لثقافتي حلف (ربما) والعبيد فوق التربة البكر مباشرة. من أهم النتائج في هذه الفترة اكتشاف بقايا "منزل ثلاثي الأجزاء" (المنزل AQ) في الطبقة A15/9، وهو نمط معماري نموذجي لثقافة العبيد. يشرح المؤلف أن هذا النوع من المباني قد يشير إلى بدايات التمايز الاجتماعي، حيث يرى علماء الآثار أن مجتمعات العبيد كانت "مشيخات". يقدم الدليل على المكانة الخاصة لهذا المنزل من خلال الفخار المكتشف فيه، والذي تألف بشكل أساسي من أوعية صغيرة تستخدم لتناول الطعام وليس لإعداده أو تخزينه، مما يوحي بتنظيم وليائم أو استخدامه كمنطقة تمثيلية. كما يعثر على أدوات صغيرة مثيرة للاهتمام مثل مثقاب صواني وقلادة حجرية سوداء. يعترف المؤلف بصعوبات في التأريخ الدقيق لهذه الطبقة، مشيراً إلى وجود تناقض بين تاريخ الكربون المشع (الذي يعود لنهاية الألفية السادسة) والتأريخ النمطي للفخار (الذي يعود للفترة 4500-3900 قبل الميلاد)، ويترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان التاريخ الحقيقي يقع في منتصف الألفية الخامسة.
يتناول القسم الثاني الفترة الانتقالية نحو العصر الحجري النحاسي المتأخر 4 (حوالي 3600-3400 قبل الميلاد)، المسمى "نحو المجتمعات الحضرية". هنا، يظهر في الطبقة A15/6 دليل على احتكاك مع ثقافة أوروك الجنوبية الرافدينية، التي بدأت تتوسع شمالاً. يتمثل هذا الدليل في ظهور أنواع فخارية جديدة ومميزة مثل "الأوعية ذات الحواف المشطوفة" (Bevelled Rim Bowls) التي يعتقد أنها استخدمت في إنتاج الخبز، وفخار الرمادي (Grey Ware) وفخار الزخرفة المحجوزة (Reserved Slip Ware). يوضح المؤلف أن هذه العناصر تظهر لأول مرة في الفرات الأعلى خلال فترة أوروك الوسطى. ومع ذلك، يوضح المؤلف بوضوح أن تل أحمر لم يكن جزءاً من حركة الاستعمار الأوروكي الكبرى التي أسست مستوطنات مثل حبوبة/كاناس وجبل عرفة الواقعة جنوباً، حيث أن البقايا في تل أحمر كانت محدودة ولم تظهر تقنيات البناء الأوروكية النموذجية (لبنات ريمتشن المستطيلة).
ينتقل القسم الثالث إلى "فترة انتقالية" خلال النصف الأول من الألفية الثالثة (حوالي 3000–2500 قبل الميلاد)، وهي بداية العصر البرونزي المبكر. يشير المؤلف إلى أن الحضارة الحضرية التي ظهرت في شمال سوريا خلال هذه الفترة كانت تطوراً محلياً وليست نتيجة تدخل خارجي. في تل أحمر، تتمثل أدلة هذه الفترة في الطبقة A15/5 حيث عثر على أرضية مدكوكة بعناية وموقد وجرة مطمورة، بالإضافة إلى طبقات لاحقة كشفت عن إنشاءات صغيرة متواضعة تعود للعصر البرونزي المبكر الأول/الثاني (المباني A1 إلى A7). من اللافت للنظر العثور على قبر فردي بالغ (المقبرة A8 F42) دفن بوضعية القرفصاء، وُضعت عنده جرة ذات زخرفة محجوزة، وهو دليل على استمرارية هذه الزخرفة التي كانت سائدة في فترة أوروك حتى بداية العصر البرونزي.
أما القسم الرابع والأخير والأكثر تفصيلاً فهو مخصص لـ"الفترة الحضرية الثانية" (حوالي 2500–2000 قبل الميلاد)، والتي بلغت فيها سوريا مستوى جديداً من التحضر. يركز هذا القسم على أربعة اكتشافات رئيسية في الموقع. أولها وأهمها هو "مجمع الهيبوجيوم"، وهو ضريح حجري ضخم. يكشف الكشف الأثري الجديد أن هذا الضريح لم يكن معزولاً بل كان جزءاً من مجمع معماري أكبر يضم غرفة شمالية ودرجاً يؤدي إلى غرفة شمالية غربية ومساحة شرقية. يصف المؤلف بالتفصيل بناء الضريح المغطى بسقف مقبب، والمحتويات الغنية التي عثر عليها داخله، بما في ذلك عظام بشرية لبالغين مختلطة بعظام ماعز وأكثر من ألف إناء فخاري كامل وعدد كبير من القطع البرونزية (خناجر، أزاميل، فؤوس، مرايا، وخاتم لجام مزين بحمارين متقابلين). يربط المؤلف هذا الخاتم بآخر من معدن الإلكتروم عثر عليه ليونارد وولي في مقبرة الملكة بو-أبي في أور. تشمل القطع الفريدة أباريق على شكل طيور وأخرى بفوهات على شكل رجال. يوضح المؤلف أن الضريح استخدم لمرة واحدة فقط وبقي محور المجمع عبر أربع مراحل بنائية، وأصبح تحت الأرض تماماً في مرحلته الأخيرة. الوظيفة الأرجح لهذا المجمع، بحسب المؤلف، هي وظيفة احتفالية وليست سكنية، حيث كان الضريح بمثابة النصب التذكاري لجماعة ربما كان مركزها بعيداً عن الموقع.
الاكتشاف الثاني هو المبنى M10، وهو مبنى كبير يعود للعصر البرونزي المبكر الرابع، يقع غرب مجمع الهيبوجيوم. يرى المؤلف أن التشابه الكبير في الأبعاد وتقنية البناء والمستوى بين هذا المبنى والغرف الشمالية للهيبوجيوم في مرحلته الأخيرة يشير بقوة إلى أنهما كانا جزءاً من بنية معمارية واحدة، مما يعني أن مجمع الهيبوجيوم قد تم توسيعه بشكل كبير في مراحله الأخيرة. الاكتشاف الثالث هو شارع صغير متعرج (منطقة A22, A25, A26) على المنحدر الجنوبي للتل، يعود للعصر البرونزي المبكر الرابع، تصطف على جانبيه إنشاءات صغيرة. من بين هذه الإنشاءات "المنزل A13"، الذي يقدم المؤلف حجة مفصلة لاعتباره ذا وظيفة جنائزية وليس سكنياً، مستنداً إلى وجود حفرة بيضاوية قد تحتوي جثماناً بالغاً، ومنخفض مخروطي الشكل مشابه لما وجد في غرفة الدفن للأطفال في الهيبوجيوم، ووجود أقداح فخارية موضوعة عن قصد. الاكتشاف الرابع هو "المنزل A12" المجاور الذي أظهر تشابهاً مع المنزل A13 بوجود موقد وأقداح موضوعة عمداً، مما يعزز الطابع الجنائزي المحتمل للمنطقة.
يختتم الفصل بفقرة متخصصة من تأليف أرليت روبيرت عن تماثيل العصر البرونزي المبكر الطينية المصنوعة يدوياً. تصف هذه الفقرة النوع الأكثر شيوعاً وهو التماثيل البشرية العمودية ذات القاعدة المتسعة، والوجوه التخطيطية ذات الأنف المعقوف والعيون البارزة، والشعر المبالغ في تصويره بتسريحات متنوعة. تشير الكاتبة إلى أن هذه التماثيل تثير إشكاليات كبيرة حول جنسها (ذكر أم أنثى؟) ووظيفتها (بشرية أم إلهية؟ تعويذة أم لعبة أم أداة طقسية؟)، وتقر بأنه لا يوجد معيار حاسم لتحديد الجنس وأن كل النظريات حول معناها تبقى افتراضية في غياب النصوص. كما تذكر تماثيل الحيوانات (أغنام، ماشية، خيول) التي تكثر في الموقع ولكنها تحظى باهتمام أقل من الباحثين، وتطرح نفس الأسئلة حول وظيفتها ومعناها.
بشكل عام، يقدم الفصل حجة مقنعة حول تطور تل أحمر من قرية صغيرة في فترة العبيد إلى مركز احتفالي مهم في العصر البرونزي، مروراً بمرحلة من الاتصال المحدود بحضارة أوروك. الأدلة المادية، خاصة من مجمع الهيبوجيوم والشارع الجنائزي المحتمل، تدعم بقوة فرضية المؤلف بأن الموقع كان يلعب دوراً رمزياً وطقوسياً هاماً في المنطقة. من التحفظات الهامة التي يقر بها المؤلف محدودية الأدلة في الفترات المبكرة بسبب صعوبات التنقيب وضيق المساحات المكشوفة، بالإضافة إلى التناقض في التأريخ بالكربون المشع. هناك نقطة قابلة للنقاش وهي التفسير الوظيفي للمباني مثل "المنزل A13" كمنشأة جنائزية، حيث أن غياب العظام البشرية هو فجوة واضحة في هذا الاستنتاج، على الرغم من أن المؤلف يقدم تفسيرات بديلة محتملة. كما أن الجدل حول جنس ووظيفة التماثيل الطينية يظل مفتوحاً، مما يدل على أن فهم الحياة الدينية والاجتماعية في هذه المجتمعات المبكرة لا يزال غير مكتمل.
3.169–262▼ ملخص
يُخصص هذا الفصل لدراسة فترة الألف الثاني قبل الميلاد في موقع تل أحمر، وهي الفترة التي تلت انهيار حضارة الألف الثالث. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الموقع، بعد فترة من الفراغ والاضطراب، شهد إعادة إعمار متواضعة في العصر البرونزي الوسيط الأول، ثم تطور ليصبح مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً في العصر البرونزي الوسيط الثاني، قبل أن يدمر بعنف في نهاية المطاف. الفصل غني بالتفاصيل الأثرية التي تثبت هذا التطور.
يسير الفصل خطوة بخطوة وفقاً للتسلسل الزمني للأحداث. يبدأ بوصف فترة بداية الألف الثاني، التي تميزت بعدم الاستقرار وهجرات، أبرزها حركة العموريين. كدليل على هذا القطع الجذري مع الماضي، يشير المؤلف إلى أن معبد الألف الثالث لم يُعاد بناؤه أبداً، وبدلاً من ذلك شُيدت أربعة أفران كبيرة من نوع التنور فوق أنقاضه (الطبقة A+S/16). يشرح المؤلف أن هذه الأفران تمثل احتلالاً مؤقتاً، تبعه فترة هجر أتاحت للتل أن يتشكل بشكل طبيعي. بعد ذلك، في العصر البرونزي الوسيط الأول، تم حفر سفح التل لبناء مجموعة من الغرف (الطبقة A+S/15)، والتي كانت عبارة عن مستوطنة ريفية متواضعة، كما يستدل عليه من ضآلة المساحة المكتشفة وطبيعة العمارة. الأدلة الأثرية هنا هي الجدران غير المنتظمة التي كانت تستند إلى وجه التل الاصطناعي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى ذروة فترة الممالك السورية المستقلة (حوالي 1800-1600 قبل الميلاد)، واصفاً إياها بعصر الازدهار الذي أضاءته أرشيفات ماري. يذكر المؤلف أن موقع تل أحمر، الذي لم يُعرف اسمه آنذاك، كان يقع على حدود مناطق نفوذ متعددة، منها مملكة يَمحَد (عاصمتها حلب) ومملكة كاركميش. في هذا السياق، تم الكشف عن منزل S3 (الطبقة A+S/11)، وهو منزل متكامل من أربع غرف وفناء، وُجدت فيه أدوات بازلتية وفخاريات وأختام، مما يدل على حياة يومية منظمة. من أهم مكتشفات هذا المنزل وجود مقابر أطفال تحت أرضيته، وهو تقليد شائع، بالإضافة إلى مقبرة لشخص بالغ (المقبرة S2+3 F167) ضمت أختماً أسطوانياً يعود تاريخه إلى حوالي 1750-1725 قبل الميلاد. يخلص المؤلف إلى أن المنزل دُمر في حريق عنيف، ويُرجح أن يكون ناتجاً عن زلزال بسبب وجود شقوق في الجدران.
يتناول الفصل بعد ذلك أبرز اكتشاف: مجمع إداري. يصف المؤلف بناءً ضخماً من خمس وحدات معمارية شُيدت على شكل قوس في الجزء العلوي من التل (المنطقة M)، وتتكون كل وحدة من مجموعة من الغرف. يصف بالتفصيل الكتل الثلاث المركزية (الكتل 1 و2 و3)، جدرانها السميكة وأرضياتها وغرفها المخصصة للتخزين. يوضح المؤلف وظيفة كل كتلة: الكتلة 1 كانت مستودعاً صغيراً للبضائع، والكتلة 2 وظيفتها غير واضحة، بينما كانت الكتلة 3 الأكثر إثارة للاهتمام. ففي غرفة 1 منها، عُثر على حوالي خمسة عشر كتلة من الطين مختومة بأختام أسطوانية، بالإضافة إلى ختم أسطواني مصنوع من الطين المحروق، وحبوب قمح. هذا دليل على أن الحبوب كانت تُخزن في أكياس مختومة بإدارة رسمية. ويضيف المؤلف أن وُجدت في الغرفة 4 أختام تحمل مشاهد للآلهة، مما يعزز فكرة وجود إدارة رسمية تدير المبنى. يذكر الفصل أيضاً مبنيين آخرين (M8 وM9) كانا جزءاً من هذا المجمع لكن بجودة بناء أقل، ربما كونهما مطبخاً ومسكناً للموظفين. يخلص المؤلف إلى أن هذه المباني، بشكلها المنحني وجدرانها السميكة، ربما شكّلت الجزء الشمالي من نظام دفاعي، وأن الوظيفة الأساسية للمجمع كانت تخزين البضائع تحت إدارة مركزية، ويُرجح أن الموقع كان خاضعاً لنفوذ كاركميش أو يَمحَد، كموقع تجاري استراتيجي على مفترق طرق رئيسية. ودليل آخر على أهمية الموقع هو اكتشاف رقيم مسماري (رسالة) من القرن الثامن عشر/السابع عشر قبل الميلاد ألقي في حفرة، ما يدل على وجود أرشيف رسمي في الموقع.
يخصص المؤلف قسماً مهماً لتحليل أختام العصر البرونزي الوسيط التي قامت بها الباحثة أديلهايد أوتو. يشرح الفصل أن هذه الأختام مهمة لأنها جاءت من سياق أثري واضح وتقدم مرجعاً زمنياً دقيقاً لنشأة الأختام السورية القديمة. يصف الفصل أنواع الأختام المستخدمة، مثل أختام الأبواب وأختام الجرار والأكياس، مما يكشف عن الممارسات الإدارية. من الناحية الأيقونية، يُحدد الفصل مجموعة من الأختام تصور إله العاصفة في وضع "الإله الضارب"، بالإضافة إلى آلهة أخرى مثل الإلهة عنات. هناك أيضاً أختام تصور شخصيات نسائية محجبة. يخلص الباحث إلى أن هذه الأختام تمثل "أسلوب تل أحمر للختم" المميز، والذي يعود تاريخه إلى حوالي 1760-1700 قبل الميلاد، ويملأ فراغاً كبيراً في تاريخ النقش السوري. ويؤكد أن هذه الأختام تثبت اتصالات تل أحمر التجارية مع الأناضول.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى نهاية العصر البرونزي الوسيط، مازجاً بين نتائج الحفريات الحديثة والقديمة. من خلال مقارنة مخطط المجمع الإداري الذي كشفته الحفريات الحديثة مع مخطط "المستوى الآرامي" للحفريات الفرنسية، يكتشف المؤلف تشابهاً كبيراً. يستنتج من ذلك أن المجمع الإداري لم يختفِ تماماً بعد الحريق الكبير الذي دمره، بل أعيد تصميمه وتوسيعه لاحقاً، وأن ما كشفته الحفريات الفرنسية هو لهذه المرحلة اللاحقة من إعادة البناء، وليس لجدران المبنى الأصلي. أخيراً، يخصص الفصل قسماً لتحليل فخار العصر البرونزي الوسيط من توقيع سيلفيا بيريني. يصنف الفصل الفخار إلى أشكال مغلقة (للطبخ والتخزين مثل الجرار الكبيرة CS04 التي ربما استخدمت للجعة، والجرار متوسطة الرقبة CS08 وCS09 للتخزين والنقل الطويل) وأشكال مفتوحة (لخدمة واستهلاك الطعام والشراب، مثل الأوعية الصغيرة المقرنة OS08). تربط هذه التحليلات بين الاستخدامات اليومية والأدلة العلمية من بقايا الطعام لاستنتاج الوظائف المختلفة لهذه الأواني. ويختم الفصل بالإشارة إلى أن التشابه بين فخار تل أحمر وفخار المواقع المجاورة على نهر الفرات وفي شمال بلاد ما بين النهرين يعكس كثافة العلاقات التجارية والثقافية في تلك الحقبة.
يناقش الفصل حدوداً وتحفظات عدة بوضوح. يقر المؤلف بأن التأريخ الدقيق لبعض الطبقات (مثل A+S/14 و15) يعتمد على أعداد صغيرة من الكسر الفخارية، مما يجعل التواريخ المستخلصة غير قاطعة، كما في حالة الجرة ذات القاعدة من طبقة A+S/14 التي تتعارض مع تاريخ الجرة السيرو-كيليسية من نفس الطبقة. ويشير إلى أن تحديد وظيفة الكتلة 2 في المجمع الإداري لا يزال غير واضح، وأن وجود طابق علوي في منزل S3 هو مجرد احتمال يواجه صعوبات، منها عدم العثور على حطام سقوط من هذا الطابق. كما يعترف الفصل بأن السلطة التي كان المجمع الإداري تابعاً لها غير معروفة، ويطرح احتمالين هما كاركميش أو يَمحَد. وأخيراً، يُقر بوجود قيود على البحث بسبب الوضع السياسي الذي حال دون الدراسة الكاملة للرقيم المسماري.
الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص تتعلق بالسبب وراء تدمير المبنيين الرئيسيين (منزل S3 والمجمع الإداري) في النار. يرجح المؤلف بقوة أن يكون زلزال هو السبب المشترك، مستنداً إلى وجود شقوق وانزلاقات في الجدران، ويستبعد أن يكون تدميراً بشرياً. هذه الفرضية، رغم منطقيتها، تبقى افتراضاً يعتمد على تفسير الأدلة الأثرية، ويمكن مناقشة إمكانية وجود أسباب أخرى مثل هجوم عسكري لم يترك أثراً واضحاً.
4.263–324▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل دراسةً تاريخيةً وأثريةً معمّقة لموقع تلّ أحمر (الواقع على نهر الفرات السوري) خلال الفترة الممتدة تقريباً من عام 1200 إلى عام 856 قبل الميلاد. الموضوع المحوري للفصل هو تتبّع التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها الموقع، بدءاً من فترة الانهيار الحيثي وصعود القبائل الآرامية، وصولاً إلى الغزو الآشوري بقيادة شلمنصر الثالث. يقدّم المؤلف إجابةً أساسيةً عن طبيعة الحكم في تل أحمر خلال هذه الفترة، محاولاً حلّ التناقض الظاهري بين المصادر التاريخية الآشورية التي تسمي الموقع "تل بارسيب" وتنسبه إلى بيت عديني الآرامي، والمصادر اللووية التي تسميه "مصواري" وتصوره مملكة تابعة لسلالة محلية؛ ويخلص المؤلف إلى أن هذين التصورين ليسا متعارضين بل يعكسان وجهتي نظر مختلفتين: داخلية (من منظور الحكام المحليين الذين تبنوا الثقافة اللووية) وخارجية (من منظور الفاتحين الآشوريين الذين رأوا بنية قبلية آرامية).
يسير الفصل بخطى منهجية واضحة، مقسّماً إلى أقسام رئيسية. يبدأ القسم الأول، "الآشوريون والآراميون"، بتحليل الطبقات الأثرية المبكرة (الطبقتان A+S/7 و A+S/6). يصف الفصل وجود مباني متواضعة وفخار محلي خشن، إلى جانب وجود واضح لفخار آشوري متوسطي، وخصوصاً الأوعية المقوسة (Fig. 121)، وهو ما يعتبره المؤلف دليلاً على وجود آشوري في الموقع في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، في فترة الصراعات الأخيرة للإمبراطورية الآشورية الوسطى. يعزز هذا الاستنتاجَ وجودُ ختم أسطواني من الحجر الرمادي على الطراز الآشوري الوسيط (Fig. 122)، ونحت عظمي لمخلب سنوري (Fig. 123) يقارن بمنحوتات كركميش. يربط المؤلف هذه الطبقات بالحملات العسكرية للملكين الآشوريين تجلات بلاصر الأول وآشور بيل كالا، مشيراً إلى أن التدمير العنيف للطبقة A+S/6 قد يكون مرتبطاً باستيلاء الآراميين على الموقع في عهد الملك آشور رابي الثاني (ما بين 1012 و972 قبل الميلاد)، مستشهداً بنص لشلمنصر الثالث حول مدينتي بيترو وموتكينو المجاورتين.
ينتقل القسم الثاني، "اللويون والآراميون"، إلى تحليل المصادر الكتابية. يناقش الفصل أولاً النقوش اللووية التي يرجعها الباحث ج. ديفيد هوكينز إلى أواخر القرن العاشر وأوائل القرن التاسع قبل الميلاد (حوالي 920-880)، ويؤكد أنها تثبت أن الاسم اللوي للموقع هو مصواري (Masuwari). يُفصّل الفصل في تحليل النقش الأهم، "السيرة الذاتية لابن أرياهينا" (Tell Ahmar 1)، المنحوت على مسلة إله العاصفة الكبيرة (Fig. 235). يتتبع هذا النقش قصة أسرة حاكمة بدأت بـ هباتيلا الذي مات عنيفاً، ثم حفيده أرياهينا الطفل الذي أطاح به والد هامياتا، ثم هامياتا نفسه الذي يُعتقد أنه الحاكم الوحيد الذي حكم لفترة كاملة، وأخيراً ابن هامياتا الذي أطاح به ابن أرياهينا الشرعي. ويستنتج المؤلف من ذلك أن فترة حكم هؤلاء الحكام استمرت حوالي 50 أو 60 عاماً، مما يضع تأسيس سلالة هباتيلا في حوالي عام 980-940 قبل الميلاد، واستعادة ابن أرياهينا للعرش حوالي عام 880 قبل الميلاد. يناقش الفصل بعدها النقوش الآشورية، موضحاً أن شلمنصر الثالث فتح تل أحمر عام 856 قبل الميلاد بعد محاولتين فاشلتين في عامي 858 و857، وأطلق عليه اسم تل بارسيب (Til Barsib)، واصفاً إياه بأنه معقل لـ أحوني زعيم بيت عديني. يقدم الفصل تاريخاً لبيت عديني منذ عام 899 قبل الميلاد، حيث ورد اسمه لأول مرة في عهد أداد نيراري الثاني، وصولاً إلى حملات آشور ناصربال الثاني بين عامي 876 و868 التي ذكرت أحوني لأول مرة كدافع للجزية.
يشكّل القسمان الفرعيان التاليان جوهر حجة المؤلف. في "نحو إعادة بناء تاريخ تل أحمر حوالي 1100-856"، يضع المؤلف جدولاً زمنياً (Table 2) يقارن بين التسلسل الزمني الآشوري (غزوات تجلات بلاصر الأول، الاستيلاء الآرامي، غزو شلمنصر الثالث) والتسلسل الزمني اللوي (هباتيلا، هامياتا، ابن أرياهينا). يجد الفصل "تطابقات مذهلة" بين الحدثين، مما يدفع إلى طرح احتمالين: إما أن الحكام اللويين هم تطور سياسي محلي داخل إطار بيت عديني الأوسع، أو أن كلا التسلسلين يعكسان جوانب مختلفة من الحقيقة نفسها. يميل المؤلف بقوة إلى الخيار الثاني. يقدم أدلة لغوية على أن أسماء مثل هباتيلا (التي قد تكون تحريفاً لـ "عبد إيل") وهامياتا (التي قد تكون "عمي يعرف") هي أسماء سامية وليست حورية، مما يجعل من الممكن اعتبار هؤلاء الحكام آراميين. ثم يفسر التناقض بين النقوش بأن "البيت الشرقي" (bâtiment est) الذي اكتشفته البعثة الفرنسية كان مقراً للحكم المحلي يخضع لسلطة أحوني، وأن التبني الواعي للغة اللوية والفن السوري-حيثي من قبل حكام مصواري كان لأسباب تتعلق بالمكانة والشرعية في محاولة لاستحضار تقاليد الألف الثاني قبل الميلاد، وهي ظاهرة يصفها الفصل بأنها "استيعاب ثقافي" (acculturation). ويخلص إلى أن "بيت عديني" هي الحقيقة السياسية الأساسية، بينما "مصواري" هي الصورة المثالية التي أراد الحكام المحليون إظهارها.
في القسم الثالث، "أين كان قصر حكام مصواري؟" ، ينتقل الفصل إلى التحليل الأثري للطبقة A+S/5، والتي تمثل إعادة تنظيم كاملة للقطاع الشرقي من التل. يصف اكتشاف مبنى كبير بجدران عريضة (1.60-1.70 م) مع طبقات من القصب والأغصان. يطابق هذا المبنى (le bâtiment est) ما عُثر عليه في الحفريات الفرنسية السابقة، ويقع فوق طبقة من العصر الحديدي II وتحت القصر الآشوري الحديث مباشرة، مما يجعله الموقع الذي فتحه شلمنصر الثالث عام 856. يحدد الفصل مواقع أخرى محتملة للمباني الرسمية، بما في ذلك بقايا مبنى في القطاع الشمالي الشرقي تم دمجه لاحقاً في القصر الآشوري، ومبني غربي يحتوي على أرضية فسيفساء حصوية (Figs. 128-130). يرى المؤلف أن وجود فسيفساء حصوية يُعد دليلاً على اتصال بالعالم الحيثي، حيث أقدم مثال معروف لها هو في أوشاكلي هويوك بوسط الأناضول. يُستنتج أن أكروبول مصواري ربما احتوى على عدة مبانٍ رسمية، بما في ذلك قصر محتمل للحكام.
في القسم الرابع، "الحي السكني ومعبد إله العاصفة"، يشير الفصل إلى أن البلدة نفسها كانت تقع على مصطبة "المدينة الوسطى" غرب التل، بينما لم يُعثر على أي مبنى ديني في الأكروبول. يُفترض وجود معبد لإله العاصفة، بناءً على نقش لووي ونقش لاحق للحاكم الآشوري، ويرجح الفصل أن موقعه كان تحت المقبرة الحديثة في الطرف الغربي للمدينة الوسطى.
أخيراً، يُخصص القسم الخامس، "قوة الصور"، مساحة واسعة لتحليل البرامج الفنية والدعائية لحكام مصواري. ينقسم هذا القسم إلى ثلاثة أجزاء: (أ) الدين والسياسة: مسلات إله العاصفة الكبيرة، حيث يحلل بالتفصيل أيقونية إله العاصفة كما تظهر على ست مسلات، وأهمها مسلة أحمر/قبة (Ahmar/Qubbah Stele) التي عثر عليها في نهر الفرات عام 1999. يشرح رمزية كل عنصر: القرص المجنح داخل الهلال (الكونية)، إله العاصفة بخوذته المقرنة وفأسه وصاعقته الثلاثية الشعب (القوة المدمرة والخصبة)، الثور الصغير (القوة والخصوبة)، والحلزون (Guilloche) (المحيط الكوني). يربط الفصل بين هذا الإله وكل من بعل شميم ("سيد السماء") الذي كان يظهر آنذاك، وإله العاصفة في حلب (Tarhunza of Aleppo)، ويرى أن هذا الاختيار كان سياسياً من قبل هامياتا، الذي كان بحاجة إلى الشرعية الإلهية. ب) قوة ومجد حكام مصواري: الأرتوستات (Orthostats)، ويناقش بقايا الألواح الحجرية المنحوتة التي تصور مواكب عسكرية (Fig. 136)، وشخصيات من النخبة الحاكمة (Fig. 138)، ومشاهد دينية مثل ثور يُقدم للتضحية (Fig. 139) وكائنات حامية (Fig. 141). يرى المؤلف أن هذه المنحوتات تهدف إلى تمجيد القوة العسكرية والتقوى. ج) أرستقراطية مصواري: المسلات التصويرية، ويحلل مسلات أصغر حجماً تعكس اهتمامات شخصية للنخبة، مثل مسلة لإله العاصفة بحجم أصغر (Fig. 142)، ومسلة محتملة لشخص ملكي (Fig. 143)، وأخرى نادرة لأم وطفلها (Fig. 144).
يختتم الفصل بفقرة تركيبية، ويتلوها قسم إضافي يتناول المواقع التابعة لتل أحمر في جواره، مثل قبة (Qubbah) وقاسمية (Qasmiye)، ويناقش المنحوتات واللقى التي عُثر عليها هناك، مما يدعم فكرة وجود شبكة من المستوطنات التابعة لمصواري/تل بارسيب. يعترف المؤلف بحدود المعرفة الحالية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد حدود إقليم مصواري، وعدم إمكانية العثور على القصر الرسمي أو المعبد بشكل قاطع، مما يترك العديد من الأسئلة مفتوحة، مثل الموقع الدقيق للمعبد وطبيعة الهياكل السياسية الدقيقة. حجة الفصل القابلة للنقاش هي تفسير "الاستيعاب الثقافي" اللوي، فبينما يقدم المؤلف حجة مقنعة بأنه كان أداة شرعية، قد يرى آخرون أن هذا التبني يعكس هيمنة ثقافية أو عرقية لويّة أعمق مما يعترف به الفصل.
5.325–355▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل من كتاب "Tell Ahmar on the Syrian Euphrates" بدايةَ الجزء الثالث من الكتاب، وهو مخصّص لـ تل أحمر تحت الحكم الآشوري. يُحلّل الفصل الفترة الأولى من الاحتلال الآشوري، الممتدة من سنة 856، تاريخ الغزو، حتى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد. الموضوع المحوري هو طبيعة السيطرة الآشورية المبكرة على المدينة، ويقدّم المؤلف إجابة مفادها أن هذه السيطرة لم تكن فورية أو شاملة، بل كانت تدريجية ومُحافظة على التقاليد المحلية، وأن التغيير الحقيقي لم يبدأ إلا في وقت لاحق، وخاصة من خلال جهود القائد الآشوري شمشي-إيلو.
يبدأ الفصل بسرد تفاصيل غزو الملك شلمنصر الثالث لمدينة تل بارسيب، التي كانت قد نظّمت مقاومتها تحت قيادة أحوني، وذلك بعد ثلاث سنوات من الحملات العسكرية بين عامي 858 و856. بعد الاستيلاء عليها، غيّر شلمنصر اسمها إلى كار-شلمنصر، وجعلها إحدى مدنه الملكية، وأوكل إدارتها إلى التورتانو، وهو أعلى مسؤول عسكري في الإمبراطورية بعد الملك. يستند المؤلف في تحليله إلى نقوش مسمارية مهمة، أبرزها مسلة كرخ (Kurkh Monolith) التي يعود تاريخها إلى عام 853. من خلال هذه النقوش، يستخلص المؤلف نتيجتين رئيسيتين: أولاً، أنه لا يبدو أن المدينة قد شهدت تدميراً كبيراً أثناء الغزو؛ فالنصوص لا تذكر مجازر أو نهباً، بل تشير إلى أن أحوني هرب قبل دخول القوات الآشورية. لذا، يحذّر المؤلف من توقع العثور على طبقة أثرية من الدمار الواضح في الموقع. ثانياً، على الرغم من أن النص الملكي يذكر بناء قصور، إلا أن المؤلف يشير إلى أن الحفريات الأثرية لم تكشف عن أي مبانٍ تعود بوضوح إلى عهد شلمنصر الثالث. ويُرجّح أن التغييرات التي أجراها شلمنصر في المدينة كانت إعادة تنظيم للمباني القائمة أكثر من كونها إنشاءات ضخمة جديدة. ويُلاحظ أن المدينة، رغم أهميتها الاستراتيجية كمعبر لنهر الفرات، لم تذكر كثيراً في حملات الملك التالية، مما يدل على أن اهتمامه بها كان محدوداً في تلك المرحلة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن شخصية محورية في تاريخ المدينة، وهو التورتانو شمشي-إيلو، الذي كانت مسيرته الطويلة تمتد من أوائل القرن الثامن الميلادي حتى عام 752. يُظهر الارتباط الخاص بين شمشي-إيلو وكار-شلمنصر من خلال الأسدين الحجريين الضخمين اللذين أقامهما عند البوابة الشرقية للمدينة، وهما اللذان ساعدا في التعرف على الموقع. يلفت المؤلف الانتباه إلى أن نقوش شمشي-إيلو تتخذ لهجة ملكية، حيث يصف نفسه بأنه انتصر على أرغيشتي ملك أورارتو، ويطلق على كار-شلمنصر اسم "مدينتي اللوردية"، وهو أسلوب لا يستخدمه عادةً إلا الملوك. ويشير هذا إلى السلطة الواسعة التي كان يتمتع بها. ومع ذلك، يُقدّم المؤلف أدلة على أن سيطرة شمشي-إيلو لم تكن مباشرة على المدينة. فالنقوش التي عُثر عليها في أرسلان طاش تُظهر أن الحكم الفعلي للمدينة كان في يد حاكم محلي يُدعى نينورتا-بيلو-أوصر، والذي يصف نفسه بأنه حاكم كار-شلمنصر وخادم لشمشي-إيلو. وهذا يشير إلى أن المدينة أصبحت عاصمة مقاطعة، لكن السلطة المحلية كانت بيد حاكم يعمل تحت سلطة التورتانو.
يُحلّل المؤلف أيضاً الوضع السياسي والإداري بشكل أعمق. ففي نقش ثلاثي اللغة (آشوري، آرامي، ولوي)، يُقدّم نينورتا-بيلو-أوصر نفسه في النسختين الآشورية والآرامية كـ "حاكم"، لكنه في النسخة اللويانية يستخدم لقباً أكثر غموضاً هو "رب البلاد" (Country-Lord)، وهو لقب كان يستخدمه ملوك مستقلون في المنطقة مثل ملوك كركميش. والأكثر إثارة للاهتمام أنه في النسخة اللويانية يُشير إلى تل أحمر باسمها القديم ماسوواري، بينما يستخدم الاسم الرسمي كار-شلمنصر في النسختين الأخريين. يرى المؤلف أن هذا يعزز فرضية بقاء سلالة محلية في السلطة بعد هزيمة أحوني، حيث تدير المدينة تحت سلطة آشورية. يُقارن المؤلف هذه الحالة بحالة هدد-يسعي في تل حلف، الذي كان يُلقب نفسه "ملكاً" بالآرامية و"حاكماً" بالآشورية. ويخلص إلى أن كار-شلمنصر كانت بالفعل مقاطعة آشورية في النصف الأول من القرن الثامن، ولكنها كانت تُدار من قبل حكام محليين، مما يعارض الرأي السائد بأن المقاطعة أُنشئت فقط في عهد سرجون الثاني.
في القسم التالي، ينتقل الفصل إلى وصف الجانب الأثري، مركزاً على بوابة الأسد وسور المدينة، اللذين يُعتبران أبرز بقايا أثرية من هذه المرحلة المبكرة. يصف المؤلف بالتفصيل تخطيط البوابة، التي كانت من النوع ذي "المداخل الثلاثة"، وتتكون من حجرتين مستطيلتين مع غرف أصغر، ويُقدّم إعادة بناء محتملة لشكلها بناءً على بقاياها. ويُقدّر عرض النتوءات في السور بحوالي 8.50 متراً وعمقها 3.50 أمتار، مع تباعد بينها بحوالي 12.50 متراً. أما أسدا البازلت الضخمان، فقد تم نحتهما بشكل دائري جزئياً ومندمجين في جدار البوابة. يُحلل المؤلف أسلوبهما الفني، مشيراً إلى أنهما مزيج من السمات الآشورية (مثل رسم المخالب وتمثيل العضلات بشكل خطي) والسمات السوريّة-الحيثية الأكثر امتلاءً في الشكل، ويعتبرهما من الأعمال المحلية التي تأثرت بالنماذج الآشورية. ويُرجّح المؤلف، استناداً إلى السياق التاريخي، أن شمشي-إيلو هو من بنى البوابة والسور بالكامل، وليس فقط الأسود، لتعزيز دفاعات الإمبراطورية. ويخصّ المؤلف الأسود بأسماء تؤكد قوتها كحراس. بالنسبة لشكل السور، يناقش المؤلف الفرضية القائلة بأنه كان يمتد إلى الوادي السفلي ليشكل مدينة دائرية، لكنه يرفضها بسبب عدم ملاءمة الجغرافيا للاستيطان الدائم في هذا الوادي. وبدلاً من ذلك، يُرجّح بقوة أن السور كان نصف دائري، مستشهداً بأمثلة مماثلة من مواقع آشورية أخرى مثل زيارت تبة وقصر شماموك.
أخيراً، يختتم الفصل بمناقشة أسرة تل أحمر خلال فترة ما بعد الغزو، وما يُطلق عليه المؤلف "الآشورية التدريجية". يُظهر المؤلف أن التقاليد الفنية السوريّة-الحيثية استمرت جنباً إلى جنب مع التأثيرات الآشورية. يصف عدة نقوش حجرية وُجدت في الموقع، مثل لوح يصور شخصين يحملان قرابين، وآخر يظهر كائناً مجنحاً برأس طير، وهو موضوع يعود إلى تقاليد معبد إله الجو في حلب ولكنه نُفذ بأسلوب آشوري. ويصف أيضاً لوحين عُثر عليهما خارج أسوار المدينة، أحدهما يصور رجلين في مركبة حربية ذات 6 أضلع، مما يدل على أنه يسبق منتصف القرن الثامن، والآخر يحمل شعار إله القمر من حران. ويخلص المؤلف إلى أن هذه الأعمال الفنية، التي لا تزال تحتفظ بجذورها المحلية ولكنها تعكس بشكل متزايد القوانين الآشورية، يمكن تأريخها إلى الفترة الممتدة من الغزو في عام 856 وحتى النصف الثاني من القرن الثامن. والخلاصة الرئيسية هي أن غزو عام 856 لا يمكن اعتباره نهاية للثقافة اللويانية-الآرامية في تل أحمر، بل بداية مرحلة من التكامل التدريجي تحت سيطرة آشورية ظلت غير مباشرة في البداية.
6.356–419▼ ملخص
يركز هذا الفصل على تحول تل أحمر (المعروفة سابقاً باسم ماسواري، ثم تل بارسيب، وأخيراً كار-شلمنصر) إلى معقل إداري وعسكري وسياسي للإمبراطورية الآشورية منذ منتصف القرن الثامن قبل الميلاد. يقدم المؤلف الأدلة الأثرية والنصية التي تظهر كيف فرضت آشور سيطرتها على المدينة من خلال إعادة تنظيم أكروبول المدينة، وبناء قصر ضخم، ونشر تماثيل ومسلات عبر الموقع، كل ذلك بهدف تجسيد القوة الإمبراطورية وإخضاع المنطقة.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف الإدارة الآشورية المعقدة للمدينة. يشرح أن شلمنصر الثالث رفع المدينة إلى رتبة "مدينة ملكية"، مما يعني وجود قصر ملكي، لكن الملك كان يمثل محلياً بواسطة حاكم إقليمي (bel pihati)، مثل هنانو (الذي سمي العام 701 ق.م باسمه) ونابو-نادين-أخي (الذي سمي العام 647 ق.م باسمه غالباً). يكشف النص عن هيكل إداري متعدد المستويات من خلال ألواح مسمارية، مثل اللوح T14 الذي يذكر "نائب الحاكم" (saniu)، و"رئيس البلدية" (hazannu)، و"مشرف المدينة" (sa muhhi ali)، وكلهم مُنعوا من التحدث مع شخصين مهمين هاني وحشانا دون أوامر من القصر المركزي. يشير المؤلف أيضاً إلى وجود وظائف أخرى مثل "المديرة" (sakintu) التي تمثل مصالح الملكة، و"مدير القرى" (rab alani)، و"كبير المغنين" (rab zammari)، وحتى "مبعوث المدينة" (sir ali)، مما يدل على جهاز إداري متكامل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى قلب المشهد الحضري: الأكروبول، الذي أعيد تنظيمه بالكامل في القرن الثامن. يصف الفصل بالتفصيل تقوية جوانب التل بواسطة هيكل ضخم من الطوب الأحمر، مدعوم بطبقات من الحجارة الكبيرة والحصى، مع وجود مصطبة حجرية صغيرة (glacis) لحماية القاعدة. يشير المؤلف إلى أن هذا الغطاء من الطوب الأحمر هو الأرجح ما أعطى الموقع اسمه الحديث: تل أحمر. هذا الهيكل الضخم لم يكن مجرد دعم، بل كان قاعدة للقصر الآشوري الضخم الذي شُيد فوق الأكروبول، والذي يصفه الفصل بأنه من أفضل القصور الإقليمية حفظاً وقت اكتشافه. يوضح الفصل أن القصر بني بدون أساسات عميقة، معتمداً على هذا المصطبة الحمراء لتحقيق الاستقرار، ويغطي كامل سطح الأكروبول على عكس الفترة السابقة التي كانت تضم مبانٍ منفصلة.
يخصص الفصل قسماً كبيراً لوصف هندسة القصر وزخارفه، معتمداً على رسومات البعثة الفرنسية الأصلية. يوضح أن القصر كان مقسماً إلى ستة أقسام، يمكن تجميعها في ثلاث وحدات رئيسية:
- الوحدة العامة: تحتوي على فناء خارجي (A) يضم مكاتب إدارية وغرف حراسة مع مراحيض، وفناء للجمهور (B) بجوار غرفة العرش. لوحة المدخل (الغرفة I) كانت تزينها مشاهد بحرية مثل معركة بحرية لتذكير الزائر بمدى القوة الملكية. غرفة العرش (XXII) كانت كبيرة وموجهاً نحو الشمال، مع قاعدة حجرية للعرش وحجر لتنقية الواصلين من الماء.
- الوحدة الخاصة: وتتكون من شقتين سكنيتين (Apartment I & II) لكل منهما غرفة استقبال، غرفة خاصة، ممر يؤدي إلى حمام. تُظهر اللوحات الجدارية في هاتين الشقتين مشاهد تمجد الملك، مثل استقباله للسجناء أو الجزية، وتشمل صوراً لحراس ورجال حاشية (بمن فيهم خصيان يقفون خلف العرش). يشير المؤلف إلى أن وجود شقتين يشير إلى إقامة مجموعتين مختلفتين (رجال ونساء على الأرجح).
- الوحدة الثانوية (المسورة): مجموعة من الغرف في الشمال، معزولة وبُدئ بإغلاق مداخلها تدريجياً، مما يشير إلى أنها كانت أقدم من باقي القصر وأهملت مع الزمن.
يتناول الفصل أيضاً وظيفة القصر، مؤكداً أنها كانت علامة أيديولوجية على السيطرة الآشورية، وإيواءً للحاكم الملكي أثناء رحلاته عبر الإمبراطورية. أما بالنسبة لتواريخ البناء والهجر، فيقول المؤلف إن التاريخ الدقيق للبناء غير مؤكد (احتمالات تمتد من بداية القرن الثامن إلى عهد سرجون الثاني)، لكنه كان له تاريخ طويل من الاستخدام والتعديلات. انتهى استخدام القصر مع نهاية السيطرة الآشورية في أواخر القرن السابع، ولكن دون دليل على تدمير عنيف؛ بل استمر السكن فيه من قبل مستوطنين مجهولين، مع إعادة بناء جدران أرق. التدمير الوحيد الملحوظ كان متعمداً: تشويه وجوه الشخصيات في اللوحات الجدارية.
يمتد نفوذ القصر إلى المدينة بأكملها. يشرح الفصل كيف تم تنظيم الاحتفالات التي تؤكد على هيمنة الأكروبول. طريق رئيسي يربط بوابة الأسد (المدخل الشرقي للمدينة القادم من آشور) بالأكروبول. على هذا الطريق، نصب الملك آسرحدون (680-669 ق.م) مسلتين:
- المسلة ب: بالقرب من بوابة الأسد، ارتفاعها 2.5 متر، تصور الملك ممسكاً بحبل أوشاناهورو (ابن تاركو ملك النوبة ومصر) وأمير آخر. على الجانبين أبناؤه آشوربانيبال وشمش-شوم-أوكين.
- المسلة أ: عند سفح الأكروبول، ارتفاعها أكثر من 2 متر، بنفس التصوير مع نقش يشرح تنظيم خلافة زعيم عربي اسمه هزائيل.
يختتم الفصل بعرض آثار كبار الشخصيات الآشورية المنتشرة في الموقع. تشمل هذه:
- مسلة آشور-دور-بانيا (حاكم كار-شلمنصر) المهداة للإلهة عشتار أربيلا، وهي مصنوعة من البريشيا الحمراء (حجر ثمين تم استخراجه في عهد سنحاريب 704-681 ق.م). الأسلوب محلي الطابع، والإلهة تقف على أسد، مما يمزج التقاليد الآشورية مع السورية.
- مسلة أخرى تصور إله القمر، محفوظة بشكل سيء، وقد تكون مهداة من شخصية مهمة أخرى.
- مسلة صغيرة منحوتة على وجهين، تصور إله القمر على واجهة معبد من جهة، وكائناً مجنحاً من جهة أخرى.
- تمثال من البازلت بالحجم الطبيعي لشخصية آشورية خصي، عثر عليه بالقرب من قبر ضخم (في المنطقة C). التمثال تعرض "لقتل طقسي": فقد تم مسخ ملامح الوجه، وضربت ثقوب في الجمجمة والصدر، مما يمحو هوية الشخص المتوفى ويجعله عاجزاً عن التعبير. هذا يدل على كراهية شديدة للشخصية التي يمثلها (ربما حاكم محلي).
- بقايا زخارف من مبانٍ رسمية أخرى، مثل قاعدة عمود كروي، وجزء من ثور حجري كان يحرس بوابة، مع نقش يعود للملك سرجون الثاني، وأجزاء من نقوش حجرية تصور مواضيع آشورية معروفة: ملك يحمل سهماً وقوساً (ربما شمشي-إيلو؟)، وموكب من الأسرى أو الخاضعين للجزية، ومشهد حصار لمدينة.
يشير المؤلف في النهاية إلى أنه على الرغم من ظهور أسلوب محلي في بعض القطع (مثل مسلة عشتار)، فإن المكون السوري-الحثي المحلي (masuwari) قد اختفى تماماً، وحلت محله الرموز والأساليب الآشورية، مما يؤكد السيطرة الكاملة للإمبراطورية على المدينة وذاكرتها.
7.420–481▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على التخطيط العمراني والهندسة المعمارية السكنية في مدينة تل أحمر خلال فترة الاحتلال الآشوري الحديث، مُقدّماً صورة تفصيلية لكيفية توزيع المباني وتنظيمها داخل أسوار المدينة، وطبيعة الحياة فيها. يُجيب المؤلف، وبشكل أساسي، بأن المدينة لم تُبنَ وفق مخطط تطويري مُسبق، بل كانت عبارة عن نسيج حضري غير منتظم يضم مساحات مفتوحة وورشاً ومنازل فخمة، تعكس مزيجاً من التأثيرات المعمارية الآشورية والمحلية.
يبدأ الفصل بمناقشة التخطيط العام للمدينة التي تبلغ مساحتها حوالي 60 هكتاراً، والتي يُرجّح أنها من إنشاء العصر الآشوري الحديث. ويشير إلى أن الحفريات الاستكشافية والمسح الجيوفيزيائي الذي أجراه جون راسل أظهرا وجود مساحات مفتوحة داخل المدينة، ربما كانت حدائق أو بساتين، وأن المباني لم تُشيّد وفقاً لخطة موحدة. فلم يكن هناك تخصص في اختيار مواقع المباني، مما أدى إلى مزيج غير منتظم من المساكن الفخمة (المتكيفة مع النماذج الآشورية) والمباني المتواضعة وورش المعادن. ويُفترض وجود طريق رئيسي يربط بوابة الأسد بالأكروبوليس، مًشكّلاً المدخل الشرقي الرئيسي للمدينة القادم من آشور.
ثم ينتقل الفصل إلى وصف تفصيلي لمجمع سكني كبير يُعرف باسم "بيت حنّي" في المنطقة C. هذا المجمع هو الأكثر تنقيباً بين المساكن الفخمة، ويتكون من ثلاث وحدات: C1b وC1a وC2. يُوضح الفصل أن هذه الوحدات لم تُبنَ في الوقت نفسه، لكنها تعايشت لاحقاً ككل متكامل. يُحلل المؤلف تخطيط المبنى C1a، مُشبّهاً إياه بـ المسكن J في مدينة خورسباد، حيث كان يُنظّم حول فناءين خارجي وداخلي، مع غرفة استقبال وغرف خاصة وحمام. لكن الثابت أن هذا المبنى لم يُستخدم أبداً بالطريقة التي توحي بها المقارنات المعمارية.
يُظهر الفصل أن المبنى C1a شهد ثلاث مراحل من الاستخدام، وأنه بعد وقت قصير من بنائه، تم تحويله من مسكن إلى ورشة عمل. هذه النقطة تدعمها أدلة مادية قوية، مثل: سدّ المداخل الأصلية (مثل المدخل الرئيسي المؤدي من الغرفة 15 إلى الفناء 13)، وتحويل الغرفة 15 إلى ورشة نسيج، وحفر حفر في أرضية غرفة الاستقبال لوضع أوانٍ كبيرة، وبناء سلالم داخل الفناء الخارجي. ويخلص الفصل إلى أن الوظيفة السكنية انتقلت إلى المبنى C2 الذي بني لاحقاً ليكون مكمّلاً لـ C1a.
يُقدّم الفصل أدلة تأريخية مهمة من ألواح طينية عُثر عليها في المبنى، مما يُحدد تاريخ أقدم مرحلة من المبنى C1a في النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد، وبالتحديد بعد عام 649 ق.م.، واستمر استخدامه حتى نهاية الإمبراطورية الآشورية وربما بعد ذلك بقليل. كما تُشير هذه الألواح إلى أن اسم صاحب المجمع كان "حنّي" . وبخصوص التدمير، يُلاحظ أن المبنى لم يُدمّر بعنف في مراحله المتأخرة، بل يبدو أنه هُجّر تدريجياً، وأخذ السكان معهم معظم محتوياته.
يصف الفصل بالتفصيل بعض الغرف المهمة في المبنى C1a، خاصة الغرفة 15 التي كشفت عن اكتشافات مدهشة. فقد عُثر فيها على عتبات مزخرفة تم الكشف عن نقش لوفي تحتها، ومقابض أبواب غير معتادة توحي بإمكانية إغلاق الباب من الداخل بطريقة تقيد الحركة، بالإضافة إلى أدوات نسيج وأختام طينية وآثار حريق. والأكثر دلالة هو العثور على قطع من العاج المنحوت، بعضها استُخدم بشكل عَرَضي لتدعيم جرار، مما يشير إلى أن هذه القطع لم تكن تُستخدم لعرضها بل كانت مهملة.
فيما يخص المبنى C2، صُمم ليكون مكملاً لـ C1a، ويتميز بخطته التي تضم وحدة سكنية على شكل حرف L، وهي سمة معمارية يعتقد المؤلف أنها قد تكون من ابتكار الأقاليم الغربية للإمبراطورية. وتشمل هذه الوحدة غرفة استقبال مزوّدة بجهاز للموقد المتنقل وحمام، كما تحتوي على فناء فسيفسائي جميل بنقوش متعرجة بالأبيض والأسود.
يصف الفصل أيضاً قبراً مقبباً تحت الأرض، مبنياً من البلاط الفخاري، عُثر عليه قرب المنطقة C. وقد نُهب هذا القبر في العصور القديمة عبر فتحة في سقفه، وهو نموذج معروف في المدافن الآشورية في آشور، لكن العلاقة بينه وبين المباني المحيطة به (مثل C1b و C5) تظل غير واضحة. كما يصف مبنىً سكنياً آخر في المنطقة D، يبدو أنه دُمّر بعنف، ربما على يد القوات المصرية أو البابلية خلال الصراع في كركميش عام 605 ق.م.
يُفرد الفصل مساحة لنتائج المسح الجيوفيزيائي الذي قام به جون راسل، والذي غطّى حوالي 27 هكتاراً من المدينة. استخدم المسح تقنية الاستشعار المغناطيسي والمسح بالمقاومة الكهربائية، وتمكن من تحديد الخط الغربي لسور المدينة الذي كان غير مرئي تماماً، بالإضافة إلى شبكة واسعة من الشوارع والمباني، بما في ذلك مبنى ضخم على الأرجح كان بوابة للمدينة، ومبانٍ خارج السور يُحتمل أنها مزارع. يقدم هذا المسح أول صورة شاملة عن التنظيم المكاني للمدينة الآشورية الجديدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف مبنى آخر في المنطقة E يُدعى E2، والذي يتميز بتصميم يذكّر بطراز بيت حيلاني، وهو طراز معمارية سوري-حيثي تقليدي يتكون من رواق ذي أعمدة وغرف خلفية متوازية. لكن لا يمكن اعتباره تطبيقاً دقيقاً لهذا الطراز لعدم وجود درج جانبي ووجود غرفة استقبال آشورية، مما يشير إلى أن البنائين استلهموا من التقاليد المحلية دون تقليدها بشكل كامل.
أما المبنى الآخر في نفس المنطقة، E1، فيُرجّح أنه كان في الأصل مسكناً آشورياً، ولكن تم تحويله إلى مكان مقدس. الأدلة على ذلك قوية: زخارف جدارية مرسومة تصور إلهاً (ربما عشتار) يقف على أسد، وهو مشهد ديني نموذجي، بالإضافة إلى وجود رمح ثلاثي الشعب من الحديد، يُحتمل أنه يرمز للإله هاداد/إله العاصفة. كما تم تحويل إحدى الكوات في المبنى إلى هيكل ديني (ربما مذبح). يؤكد الفصل أن المبنى E1، مثل E2، لم يُظهر أي علامة على الدمار العنيف.
يختتم الفصل بملخص يجمع كل هذه الملاحظات. في تل أحمر تحت السيطرة الآشورية، لم يتم تطوير المدينة وفق مخطط مركزي، بل كانت مبانيها الكبيرة تُقام بحرية دون تخطيط مسبق. الهندسة المعمارية تعكس تفاعلاً ثقافياً: التأثير الآشوري هو الغالب (خاصة في المساكن الفخمة)، لكن التقاليد المحلية (مثل تخطيط "بيت الحيلاني" والفسيفساء الحصوية) لم تنقرض تماماً. التقييس الثقافي والاندماج كانا جاريين داخل حدود الإمبراطورية. وأخيراً، تؤكد الأدلة المعمارية أن الموقع لم يُدمر بعنف، بل هُجر تدريجياً بعد سقوط آشور بعد عام 612 ق.م.، مع استمرار احتلال متقطع في بعض المناطق مثل المنطقة D التي قد تكون تضررت خلال الحرب المصرية-البابلية في عام 605 ق.م.
8.482–522▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الصور التي تزيّن الأدوات اليومية في موقع تلّ أحمر (تيل بارسيب) الأثري على نهر الفرات السوري، وهي صور تختلف عن تلك التي نُوقشت في فصول سابقة والتي كانت تهدف بشكل أساسي إلى نقل أفكار أو رسائل سياسية أو دينية لجمهور محدد. هنا، ينعكس الأمر: فالوظيفة العملية للأداة هي الأساس، بينما يأتي الزخرف في المرتبة الثانية، وإن لم يكن خالياً تماماً من المعنى. يستعرض الفصل ثلاث فئات رئيسية من هذه الأدوات: الأختام، والعاج المنحوت، وتماثيل الطين الصغيرة.
أما الأختام فهي محور القسم الأول والأكبر من الفصل. يوضح الكاتب أن الأختام في غرب آسيا القديمة لم تكن مجرد أدوات للتوثيق، بل كانت تُمثّل تعويذة شخصية ورمزاً لمكانة صاحبها. في العصر الآشوري الحديث، حدث تغيير كبير في تقنيات الختم، تمثل في الاستعاضة التدريجية عن الختم الأسطواني بالختم الطابعي، وهو تطور موازٍ لانتشار اللغة الآرامية على حساب الأكادية. في تلّ أحمر، كان عدد الأختام الأسطوانية (تسعة) مساوياً تقريباً لعدد الأختام الطابعية (ثمانية)، وهو أمر لافت لأن الألواح الطينية التي عُثر عليها في المبنى سي1 كانت تحمل بصمات أختام طابعية في الغالب.
يصف الفصل بعناية أنواع الأختام وتقنيات استخدامها. فعلى سبيل المثال، وُجد ختم أسطواني من حجر أبيض ناعم دون أي زخرفة، بتركيبة برونزية كاملة، مما يشير إلى أن قيمته الرمزية ككائن كانت تفوق وظيفته في ترك علامة تعريفية. بالمثل، وُجدت بصمتان فارغتان تماماً لختم طابعي على لوح طيني، مما يدل على أن مجرد الضغط بالختم، حتى دون زخرفة، كان كافياً لربط صاحبه بالوثيقة. وهناك تقنية أخرى ممثلة ببصمات تُركت باستخدام هدب الثوب، وهي ممارسة تُعرف باسم "سيسيكتو"، حيث يقوم الشخص المعني بالعقد بوضع خيوط من هدب ثوبه على الطين بدلاً من الختم، وكانت قوة هذه البصمة ملزمة قانونياً رغم افتقارها للعلامات الفردية.
يتناول الفصل أيضاً البصمة المزدوجة على ما يُرجح أنه ختم جرة، حيث تجتمع بصمة ختم أسطواني مع بصمة ختم طابعي، مما قد يمثل دليلاً على الفترة الانتقالية من الأختام الأسطوانية إلى الطابعية. بالإضافة إلى ذلك، يُناقش الفصل قطعة غامضة من العاج على شكل رأس امرأة، اقترح أحد الباحثين أنها قد تكون صندوق ختم قديماً من العصر الروماني، حيث يُمرر خيط من خلالها ويُعقد في تجويفها ثم يُغطى بالشمع لحماية الختم.
أما أيقونياً، فكانت الأختام الأسطوانية منقوشة بأسلوب آشوري بحت، بينما أظهرت الأختام الطابعية تنوعاً أسلوبياً أكبر. من بين الأختام الأسطوانية، يظهر أحدها أشهر المناظر: شخصيتان تقفان على جانبي جرة طويلة، يُعتقد أن إحداهما تمثل الملك. وهناك مناظر صيد (قوس يصطاد نعامة) ومناظر دينية، مثل شخص يقف بخشوع أمام رمز إله القمر (هلال على عمود) مع رمز الثريا (السبعة كواكب). الأختام الطابعية، نظراً لصغر حجمها، حملت نقوشاً أبسط، منها ما يُظهر رموزاً دينية، وشخصيات بشرية، وحيوانات مثل الوعل. والعثور على ختم طابعي منقوش بعلامات من الكتابة اللّويّة يشير إلى بقاء التقاليد اللّويّة لفترة بعد زوال الممالك اللّويّة.
قسم خاص من الفصل، من تأليف فانيسا بوشلوس، يتناول الأختام المصرية والمُصرّية التي عُثر عليها. وهي ليست كثيرة لكنها ذات دلالة، وتشمل جعراناً من الخزف الأبيض وجعراناً على ألواح طينية. تاريخ هذه القطع يعود إلى الأسرتين المصرية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين (حوالي 747-525 ق.م) وهو معاصر للطبقة الأثرية التي وُجدت فيها. من المرجح أنها وصلت إلى تيل بارسيب عبر شبكات التجارة الفينيقية واليونانية، وليس عبر اتصال مباشر مع مصر، مما يعكس الأهمية التجارية للمدينة الواقعة على ملتقى الطرق بين بلاد الرافدين وسوريا والأناضول والبحر المتوسط، حيث كانت بوابة للساحل وحلقة وصل بين الحضارات.
القسم الثاني من الفصل مخصص للعاج المنحوت، الذي عُثر على معظمه في غرفة الانهيارات في المبنى سي1. كان هذا العاج يستخدم عادة لتزيين قطع الأثاث. القطعة الأكبر هي لوحة 32.3 سم طولاً تصور موكب خدم يحملون المؤن ويقودهم موسيقيون، وهو أسلوب سوري شمالي نموذجي مع تأثيرات مصرية وسورية حثّية. قطعة أخرى بارزة هي لوحة منحوتة على الوجهين، ارتفاعها 15.9 سم، تظهر على أحد وجهيها أشجاراً منمقة، وعلى الوجه الآخر شجرة تدعم زهرة لوتس يقف فوقها مخلوق أسطوري (غريفين)، بأسلوب سوري شمالي واضح. قطعة ثالثة تظهر رأساً بأسلوب مصريّ قوي، مما يشير إلى تنوع التأثيرات الفنية في الموقع. كما عُثر على العديد من القطع التي تظهر زخارف نباتية، خاصة سعيفات النخيل، بعضها منفذ بتقنية التطعيم بالذهب.
القسم الأخير يتناول تماثيل الطين الصغيرة، وهي من أكثر المكتشفات شيوعاً في الموقع، لكن وظيفتها تظل غامضة: أهي ألعاب أم تمائم دينية؟ يميل الكاتب إلى أنها كانت ألعاباً تُصنع في المنازل نظراً لرداءة تنفيذها. التماثيل البشرية تصور غالباً نساءً بتسريحات شعر كبيرة، وأجسام أسطوانية (تُسمى تماثيل العمود)، ولا تظهر عليها صفات جنسية واضحة، مما يدعم فكرة أنها دمى أطفال. في المقابل، هناك ألواح من الطين مصنوعة بالقوالب، تُظهر نساء عاريات أو كاسيات مع التركيز على الأنوثة، ويُعتقد أنها كانت مرتبطة بفكرة الخصوبة وتُنتج بكميات كبيرة على أيدي حرفيين محترفين، وكانت جزءاً من التصوّر الديني المنزلي لسكان القصور والبيوت البسيطة على حد سواء. تماثيل الحيوانات، خاصة الخيول، صُنعت أيضاً بشكل بدائي غالباً. بعضها كان يحمل راكباً، والبعض الآخر كان ذا عجلات صغيرة، مما يرجح استخدامها كلعبة أطفال يمكن جرّها. في المحصلة، يخلص الكاتب إلى أن الصور على الأدوات اليومية تُظهر الوحدة الثقافية (الكويني) للإمبراطورية الآشورية، حيث عكست الأختام مزيجاً من العناصر الآشورية والمصرية والسورية والفينيقية، وجاءت العاجيات بأساليب غربية متنوعة وُجدت نظائرها في نمرود كالخو، بينما بقيت تماثيل الطين المحلية فقط ضمن التقاليد المحلية.
9.523–579▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل من كتاب "Tell Ahmar on the Syrian Euphrates" على حياة السكان والأنشطة الحرفية في مدينة تل برسيب/كَر-شلمنصر خلال فترة الحكم الآشوري، وذلك بالاستناد إلى الوثائق المكتوبة واللقى الأثرية التي عُثر عليها في المباني السكنية الكبيرة، ولا سيما المبنى المعروف باسم البناء C1a. يُقدّم الفصل صورة مفصّلة عن مجتمع كان في قلب الإمبراطورية الآشورية، وكان في الوقت نفسه على اتصال وثيق بالعالمين المتوسطي والأناضولي.
يبدأ الفصل بمناقشة أرشيف هاني، وهو رجل أعمال يبدو أنه كان المالك للمجمع السكني الذي عُثر فيه على حوالي 20 لوحاً مسمارياً ولوحين آراميين. تعود هذه الألواح إلى فترة حكم الملكين الآشوريين سنحاريب وآشوربانيبال (بين عامي 683 و640 قبل الميلاد تقريباً). تدور معظم هذه الوثائق حول الأنشطة التجارية لهاني، مثل إقراض المال وشراء العبيد. ويحتوي الأرشيف أيضاً على قوائم توزيع مؤن، مما يشير إلى احتمال أن هاني كان مسؤولاً أيضاً عن توزيع المواد الغذائية. تشير اللقية رقم T14 إلى أن هاني كان على صلة بالحكومة المركزية.
يتناول الفصل بعد ذلك تعدد اللغات في المدينة، حيث أن الألواح المسمارية كُتبت بالآشورية، وهي لغة الإمبراطورية الرسمية. لكن وجود لوحين آراميين يُظهر الاستخدام الإداري للغة الآرامية في نهاية العصر الآشوري، وهي ظاهرة معروفة من مواقع أخرى مثل تل شيوخ فوقاني وتل حلف ودور-كاثيمو. كما يُشير الفصل إلى العثور على نقوش صغيرة بأبجدية سامية غربية، وأيضاً وجود آثار للغة اللوية، والتي كانت سائدة في المنطقة قبل الغزو الآشوري، مما يشير إلى أن هذه اللغة ربما لم تكن قد نُسيت تماماً.
يُظهر الفصل الطابع العالمي (الكوزموبوليتاني) للمدينة من خلال الأدلة النصية والأثرية. فالألواح المسمارية تذكر شهوداً من مدن آشورية مثل كالح (نمرود) ودور-شاروكين (خورساباد). كما أن أسماء بعض الأشخاص تحمل أصولاً جغرافية من مناطق غربية مثل حماة وتبال (في آسيا الصغرى) وربما السامرة. أما الأدلة الأثرية، فتشمل وجود جرار فينيقية، وفخار مستورد من قبرص، وجرة مزينة بوجه بشري تعكس ممارسات موثقة حتى في إيطاليا، وألواحاً لتجميل الوجه من النوع المنتشر في فينيقيا وفلسطين، وجرة ذات فوهة ومقبض على محورين متعامدين تشبه أشكالاً فخارية معروفة في فريجيا بوسط آسيا الصغرى. كل هذه الأدلة تؤكد أن تل برسيب كانت محطة رئيسية على الطريق بين الإمبراطورية الآشورية ومصر والعالم المتوسطي.
أما القسم الأكبر من الفصل فيُخصص للحرف والصناعات. في مجال علم المعادن، عُثر في المباني السكنية على كمية كبيرة من حراشف الدروع البرونزية والحديدية، بالإضافة إلى رؤوس سهام ورماح وخنجر. يرى المؤلف أن هذه الأسلحة لم تكن من مخازن رسمية، بل يُرجح أنها كانت تُخزن لإجراء أعمال التصليح. تم العثور على قوالب صغيرة من الطين لعمل حراشف الدروع، مما يعزز فكرة أن التصليح كان يتم في الموقع، بينما كان الإنتاج الرئيسي يتم في مكان آخر. وقد تم تحديد ورشتي تصنيع: واحدة قريبة من منزل هاني (في المنطقة CJ4) والتي كشفت عن أدلة على صناعة النحاس والحديد معاً، وأخرى على مسافة أبعد غرباً (في المنطقة L) حيث كان يُشغل البرونز. يُفصّل الفصل في شرح عملية تشغيل الحديد، بدءاً من صهر الخام لإنتاج "كتلة" إسفنجية، ثم طرقها وتنقيتها لإزالة الخبث وتحويلها إلى حديد مطاوع.
في مجال النسيج، تشير اللقى في الغرفة رقم 15 من البناء C1a إلى أنها كانت ورشة حياكة. فقد عُثر فيها على أوزان نول بأحجام وأشكال مختلفة (بيضاوية، أسطوانية، حلقية، مخروطية)، وجذوع خشب صنوبر مستوردة من آسيا الصغرى (يتراوح طولها بين 1 و2 متر) كانت لتكون مناسبة تماماً لصنع النول. كما عُثر على جرارين كبيرين مدفونين في الأرض، وجرار أخرى محطمة، وهاون بازلتي، وهو ما يتوافق مع استخدام السوائل وطحن مواد معينة، وربما كان أحدها الصبغة المذكورة في لوح T12. بالإضافة إلى ذلك، يشير الفصل إلى استخدام أدوات عظمية (مِلْعَق) ودوارق المغزل في عملية إنتاج المنسوجات.
يتناول الفصل بعد ذلك أدوات الحياة اليومية. فالمصابيح كانت من النوع "الصحني" ذي الفوهة المضغوطة. وعُثر على أُطر حجرية وخزفية قد استُخدمت لحمل المصابيح أو مباخر البخور. كما تم العثور على مشابك (زبازين) برونزية وحديدية من النوع المثلث والمقوس، وقد انتشرت في جميع أنحاء الإمبراطورية على الأرجح عبر التجارة. عُثر أيضاً على لوحَين أبيضين صغيرين للتجميل من النوع الفينيقي الفلسطيني. وللوزن، استُخدمت أثقال على شكل بطة، ومكعبات حجرية أو حديدية، وكرات حجرية.
في موضوع تجهيز الطعام، يُناقش الفصل الأدوات المستخدمة. فالطحن كان يتم باستخدام رحى يدوية تتكون من حجرين (علوي وسفلي)، وهاونات كبيرة لسحق الحبوب لإنتاج البرغل، وصحون صغيرة بأربعة أرجل (مزينة أحياناً برؤوس ثيران) لسحق البهارات أو مواد التجميل. أما الطهي فكان يتم في أفران أسطوانية من الطين تُعرف باسم "التنور". ويخصص الفصل جزءاً كبيراً لوصف أنواع الأواني الفخارية المستخدمة لتخزين الطعام ونقله واستهلاكه (الجرار الكبيرة، الجرار متوسطة الحجم ذات القاعدة المدببة، القدور، الصحون، الكؤوس، الزجاجات الصغيرة للعطور والزيوت). يُصنف الفصل الفخار إلى ثلاث مجموعات رئيسية حسب أسلوب الصنع والجودة: فخار خشن مصنوع يدوياً، وفخار عادي مصنوع على الدولاب، وفخار فاخر مطلي أو مزجج أو مزخرف.
يختتم الفصل بملاحظة مهمة: أن المواد المستخلصة تأتي من مساكن كبار الشخصيات، مما يعني أن الصورة المقدمة تخص النخبة الاقتصادية والسياسية بشكل أساسي. ويُقر المؤلف بالجهل بكيفية عيش الفلاحين وصغار الحرفيين، وبالدور الدقيق للجيش في الحياة المحلية، على الرغم من أن وجوده في عاصمة إقليمية يجب أن يكون كبيراً. في النهاية، يُؤكد الفصل أن تل أحمر كانت تقع عند مفترق طرق ثقافية متعددة، مما جعلها مدينة عالمية الطابع، تمتزج فيها التأثيرات الآشورية مع التأثيرات المتوسطية والأناضولية.
10.580–600▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب "تل أحمر على الفرات السوري" لـ غاي باننز سرداً لمصير الموقع بعد انهيار الإمبراطورية الآشورية الحديثة، متتبعاً تاريخه حتى العصر الحديث. الموضوع المحوري هو التغير الجذري في وظيفة تل أحمر وأهميته الجيوسياسية عبر العصور، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الموقع فقد دوره كمركز إقليمي حيوي مع سقوط الإمبراطورية التي صنعته، وتحول تدريجياً من مدينة آشورية كبرى إلى موقع أثري مهجور ومقبرة، قبل أن يختفي تحت مياه سد تشرين في 1999.
يبدأ الفصل بمناقشة نهاية المدينة الآشورية. يوضح المؤلف أنه على الرغم من سقوط نينوى في 612 ق.م. على يد الميديين وحلفائهم البابليين، إلا أن المملكة الآشورية لم تنته فوراً، بل انسحبت إدارتها وبلاطها الملكي إلى حران والمنطقة الواقعة بين نهر الفرات ونهر الخابور، وهي المنطقة نفسها التي يقع فيها تل أحمر. لهذا، يرى المؤلف أنه من غير المرجح أن يكون الموقع قد عانى من عنف مباشر عند سقوط قلب الإمبراطورية. كما أن الحرب بين المصريين والبابليين في 605 ق.م. بالقرب من كركميش، على مقربة شديدة من الموقع، لا يبدو أنها أثرت عليه بشكل كبير. فالقصر الموجود على الأكروبوليس والمباني السكنية في المنطقتين C وE لا تظهر أي آثار حريق في طبقاتها الأخيرة، باستثناء مبنى سكني واحد في المنطقة D قرب البوابة الغربية. الانطباع العام الذي يستخلصه المؤلف هو أن الموقع هُجر ببساطة. ويُعزى ذلك على الأرجح إلى فقدان تل أحمر لأهميته الجيوسياسية مع نهاية القرن السابع قبل الميلاد، إذ لم يعد جسراً يربط المناطق الغربية بإمبراطورية كانت تتمركز في بلاد ما بين النهرين العليا. وقد اكتسب هذا الدور في القرن التاسع قبل الميلاد لأن كركميش كانت لا تزال قوية جداً بحيث لا يمكن مهاجمتها مباشرة، ثم حافظ عليه لأن الإمبراطورية كانت بحاجة إليه، لكنه فقده حين زالت الإمبراطورية نفسها. ومن الدلائل القوية على هذا الفقدان للمكانة أن مصير الموقع تحت الحكم البابلي غير معروف تماماً، إذ لا تقدم المصادر الكتابية ولا الأدلة الأثرية أي معلومات عنه. لكن يشير المؤلف إلى أن المرحلة الأخيرة وغير الواضحة من مراحل احتلال "بيت هاني" (المرحلة C/2a) قد تشير إلى بقاء نمط حياة آشوري في الأيام الأولى من الحكم البابلي، كما هي الحال في موقع دور-كاتليمو على نهر الخابور.
ينتقل الفصل بعدها إلى العصر الأخميني، حيث لا يمثله في الموقع سوى بضع قبور. فقد تعرفت بعثة ثورو-دانجان على سبعة قبور على الأكروبوليس، شملت أربعة مدافن في جرار، ومدفنين في توابيت على شكل أحواض استحمام، وقبر واحد غير محدد النوع، احتوت على أوانٍ برونزية وحلي وأختام وجعارين منقوشة بالهيروغليفية المصرية أو بالخط الآرامي. في المدينة الوسطى، تم اكتشاف ثلاثة قبور محتملة، منها قبر C2 F4 الذي حُفر في جدار الغرفة 2 من المبنى C1b ويحتوي على فخار ووعاء برونزي، وقبر آخر في مجمع المباني C5 احتوى على ناووس من الخزف الفخاري. أما القبر الأكيد الوحيد فهو في المنطقة CJ4 (CJ4 F.32)، وهو مدفن أرضي بُطّن بالطوب اللبن والحجارة، احتوى على جرة صغيرة ووعاء برونزي وخاتم أسطواني من المرمر منقوش بمشهد لملك يسحب أسيراً مكبلاً ويمسك بماعز بري. ويشير المؤلف إلى وجود حفر أخرى قد تكون قبوراً رغم خلوها من العظام والقرابين. الأهم من ذلك، أن مكان إقامة الأحياء في هذه الفترة غير معروف، ويعزو ذلك إلى تغير عالمي في بنية الاستيطان في غرب آسيا بدأ في منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد، حيث هُجرت التلال تدريجياً لأسباب غير معروفة، وحل محلها استيطان متفرق، مما يجعل من الصعب تحديد المستوطنات المرتبطة بهذه القبور.
أما العصر اليوناني-الروماني، فنجد على الأكروبوليس حجارة منحوتة بعناية يعتقد أنها تعود لمنصة من العصر الهلنستي، بالإضافة إلى كنز نقدي صغير وتماثيل، خاصة من الطين المصبوب، وشظايا مصابيح زيتية. ورغم هذه اللقى، لم يُعثر على أي مستوطنة هلنستية في الموقع. وفي المنطقة C، عُثر على أرضيات من العصر الروماني مباشرة فوق مباني العصر الآشوري، مع جدران سيئة الحفظ وبعض القطع النقدية وشظايا الزجاج والفخار، بما في ذلك قطع من الترا سيغيليتا. ويُلاحظ الفصل أن طبيعة الاستيطان تغيرت في العصر الروماني، حيث تكثفت بشكل ملحوظ على ضفتي الفرات، ويفترض أنها شملت قرى ومزارع متفرقة، ربما نتيجة لسياسة استيطان منهجية من قبل السلطات الإمبراطورية، بما في ذلك إسكان المحاربين القدامى. والدليل على ذلك هو شاهد قبر عُثر عليه على الضفة اليمنى مقابل الموقع، وهو مرثية لجندي روماني يُدعى ماركوس، ابن غوراس، حامل لواء الكوهورت الأولى من أسكالون، خدم 25 عاماً وعاش 50 عاماً، وهو من مواليد إميسا (حمص حالياً). ويؤرخ النقش لأواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني الميلادي. ويخلص الفصل إلى أن دور نهر الفرات كحدود ومنطقة عازلة بين الإمبراطوريتين الرومانية والإيرانية لم يمنع بل ربما شجّع على تطور الاستيطان في المنطقة.
ينتقل الفصل بعدها إلى فترة طويلة من الظلام، من الفتح الإسلامي حتى القرن التاسع عشر، حيث لا توجد أدلة كافية على استيطان متواصل، لتعود الحياة للموقع فقط مع ظهور القرية الحديثة التي لا يُعرف بالضبط متى حصلت على اسم "تل أحمر". ويختتم المؤلف السرد التاريخي بوصف مؤثر لمصير القرية الحديثة بعد اكتمال بناء سد تشرين في يوليو 1999، مما أدى إلى غمر جزء منها وهجران منازلها، وتحولها إلى أطلال. ثم عادت الحياة بشكل هش، لكن العنف عاد مجدداً مع الحرب الأهلية السورية الأخيرة، حيث دُمّرت المنازل التي أعيد بناؤها، وسُوّي الأكروبوليس بالجرافات ليصبح محطة عسكرية، ليمثل المفارقة المأساوية بأن المزايا الجغرافية التي صنعت ازدهار الموقع القديم هي ذاتها التي تسببت في خراب القرية الحديثة.
يختتم الفصل، وأخيراً الكتاب بأكمله، بقسم إضافي بقلم أندرو إس. جاميسون عن الحفاظ على المكتشفات الأثرية بعد الحفريات. تعالج هذه الإضافة مشكلة تخزين القطع الأثرية التي لا تستطيع المتاحف استيعابها. وتصف مبادرة تعاونية سورية-أسترالية (مشروع التعاون البحثي الأثري السوري-الأسترالي) بدأت في 2008، تهدف إلى إنشاء مستودع للقطع الأثرية في قلعة نجم، وهي قلعة عربية من القرن الثالث عشر الميلادي تطل على بحيرة سد تشرين. يوضح القسم المراحل الأربع للمشروع: إنشاء المستودع (بدأ بنقل فخار العصر الآشوري الحديث من المنطقة C كدراسة تجريبية في 2010)، ثم إنشاء مركز بحثي للمجموعات المرجعية الأثرية، يليه تعزيز التوعية والتفسير والبرامج العامة، وأخيراً تحديد فرص المشاركة المجتمعية والأنشطة السياحية. ويشير النص إلى أن الأزمة في سوريا حالت دون متابعة المشروع، لكنه يضع تصوراً للمستقبل حيث يمكن أن تخدم القلعة كمنشأة بحثية وتعليمية وسياحية تفيد المجتمع المحلي والزوار على حد سواء، وتوفر فرصاً للتدريب والتنمية الاقتصادية.
في هذا القسم الأخير، يُقر المؤلف (جاميسون) ضمناً بأن المشروع متوقف بسبب الظروف، ولا يقدم إجابات قاطعة عن نجاحه المستقبلي، بل يتركه كأمل وأهداف يُسعى لتحقيقها.