
The Book Collectors
بدأ كل شيء بصوت بعيد عبر سكايب في 15 أكتوبر 2015. كانت دلفين مينوي، صحفية فرنسية، على اتصال بشاب سوري في الثالثة والعشرين من عمره اسمه أحمد. لم يغادر داريا، بلدته المحاصرة على بعد أقل من ثمانية كيلومترات من دمشق، منذ قرابة ثلاث سنوات. في تلك البلدة، كان يعيش نحو اثني عشر ألف ناجٍ من أصل 250 ألف نسمة قبل الثورة. كان صوت أحمد بالكاد مسموعاً وسط دوي الانفجارات، وصورته تتقطع بسبب ضعف الاتصال. هكذا بدأت قصة صداقة افتراضية، ومن خلالها، كُشف النقاب عن واحدة من أكثر مبادرات المقاومة المدنية إبداعاً أثناء الحرب السورية: مكتبة سرية تحت الأرض.
الموضوع المحوري للكتاب هو قوة الثقافة والقراءة كملاذ وأداة للمقاومة في وجه الحرب والموت والجهل. تدافع دلفين مينوي عن فكرة أن إنقاذ الكتب وخلق فضاء للقراءة في قلب الحصار هو فعل ثوري بامتياز، يعيد للبشر إنسانيتهم المسلوبة ويحافظ على تراث أمة تتفتت. الكتاب ليس مجرد تأريخ لمبادرة ثقافية، بل هو شهادة على أن التمسك بالحياة والمعرفة هو انتصار يومي ضد قوى التدمير، وأمل في بناء مستقبل مختلف حتى وسط الأنقاض.
تتبع الحجة تسلسلاً زمنياً وشخصياً. يبدأ الكتاب بلحظة الاتصال الأولى، ثم يعود بالذاكرة ليشرح كيف نشأت الثورة في داريا في مارس 2011، وكيف تحول أحمد من شاب منعه والده من الخروج إلى الشوارع إلى ثائر يصرخ "واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد". بعد أن فرض النظام حصاراً كاملاً في 8 نوفمبر 2012، ورفض أحمد مغادرة بلدته، تحول إلى صحفي هاوٍ بكاميرا فيديو. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في أواخر 2013 عندما اتصل به أصدقاؤه لمساعدتهم في إنقاذ كتب من منزل مدمر. بعد تردد، اكتشف أحمد هناك شعوراً بالحرية يشبه ما شعر به في أول مظاهرة له، وهكذا ولدت فكرة المكتبة السرية. الحجة تتقدم عبر تفصيل جمع الكتب من الأنقاض، وإنشاء المكتبة في قبو تحت الأرض، ووصف حياة القراء فيها، ثم تتوسع لتقدم سياقاً تاريخياً لحركة "شباب داريا" التي سبقت الثورة، وأخيراً تتابع مصير هؤلاء الأبطال بعد سقوط المدينة وخروجهم إلى المنفى.
الكتاب غني بالوقائع والأرقام التي لا تُنسى. أنقذ أربعون متطوعاً ستة آلاف كتاب في أسبوع واحد، وخمسة عشر ألف كتاب بعد شهر. تم افتتاح المكتبة سراً، مفتوحة من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، تستقبل متوسط خمسة وعشرين قارئاً يومياً. من أصل 250 ألف نسمة، بقي 12 ألف فقط في داريا، منهم نحو ألفي مقاتل. في 25 أغسطس 2012، اقتحم الجنود داريا وأعدموا سكاناً أمام الجدران، ودُفن نحو خمسمئة شهيد في مقبرة عاجلة. في ليلة 21 أغسطس 2013، ضرب هجوم بغاز السارين المدينة. وفي هامش التاريخ، نقرأ عن اعتقال أربعة وعشرين ناشطاً من "شباب داريا" في مايو 2003، وحكم على الأستاذ محمد شحادة بثلاث سنوات في سجن صيدنايا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي نبض معاناة وأمل.
لم يخلُ الكتاب من اعترافات بالحدود والأسئلة المفتوحة. تعترف المؤلفة بصعوبة نقل التجربة كاملة عبر شاشة سكايب متقطعة، وبأنها لا تستطيع سوى التخمين في بعض التفاصيل. هناك أيضاً أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا ومصير ثوار 2011 الذين بدأوا يشعرون بخيبة أمل. يطرح أحمد نفسه السؤال: كيف يمكن بناء "طريق ثالث" بديل عن النظام وداعش؟ في إدلب، حيث انتقل أحمد، يجد نفسه محاصراً بين ضغوط الجماعات الجهادية ومستقبل غامض، معترفاً بأن المنطقة أصبحت "كركبة" كبيرة. حتى في انتصارهم بصمود أربع سنوات، يقر الأبطال بأن الأصعب هو "تعلم العيش بشكل طبيعي" بعد الحرب.
بناءً على المادة المقدمة، تبرز بعض الحجج القابلة للنقاش. يقدم الكتاب دفاعاً قوياً عن فكرة أن العزلة والحصار، المفروضان من قبل النظام، حمتا داريا من التطرف الخارجي وأبقتا روح المقاومة المدنية نقية. يقول الأستاذ محمد شحادة: "المفارقة أن الحصار حمانا من أي محاولة للتطرف، وأبقى روح داريا حية. كنا وحدنا، وكنا نحل خلافاتنا بالحوار". هذه الفكرة قد تكون محل جدل، إذ يمكن القول إن الحصار كان كارثة إنسانية محضة، كما أن بعض الجماعات الجهادية تسللت إلى المدينة رغم العزلة، لكن تم طردها لاحقاً. كذلك، ينتقد الكتاب بعنف إعلام النظام الذي يتهم الداريين بالإرهاب، ويقلب الطاولة بالقول إن النظام هو من يعتمد على مليشيات أجنبية بينما يقاتلون هم بأبنائهم. هذه المواقف تعكس رؤية واضحة لكنها ليست وحيدة في تفسير تعقيدات الحرب السورية.
في الختام، يترك الكتاب انطباعاً بأن داريا لم تكن مجرد مدينة، بل "فلسفة حياة" كما قال شادي، واستثناءً سورياً صغيراً أثبت أن الإنسان يمكن أن يبني شيئاً بينما ينهار كل شيء حوله. في عالم يبدو أن القسوة فيه هي السائدة، فإن قصة جامعي الكتب هؤلاء، الذين حفروا في الأنقاض بحثاً عن كتب بدلاً من الذهب، تقدم وميضاً نادراً من الإنسانية والأمل، وتؤكد أن الكتب والقصص هي آخر ما نموت عنه.
الفصول(2)
1.11–104▼ ملخص
بدأ كل شيء بصوت بعيد. في 15 أكتوبر 2015، اتصلت دلفين مينوي لأول مرة مع أحمد عبر سكايب. كان أحمد شاباً في الثالثة والعشرين من عمره، لم يغادر بلدته داريا منذ قرابة ثلاث سنوات. داريا، الواقعة على بعد أقل من ثمانية كيلومترات من دمشق، كانت محاصرة ومقطوعة عن العالم، يعيش فيها نحو اثني عشر ألف ناجٍ. كان صوته بالكاد مسموعاً وسط دوي الانفجارات، وصورته تتقطع بسبب ضعف الاتصال. عرّف أحمد بنفسه: الابن الأكبر بين ثمانية أطفال، درس الهندسة المدنية قبل الثورة، أحب كرة القدم والأفلام، وحلم بأن يصبح صحفياً. لكن والده، الذي قضى اثني عشر شهراً في السجن عام 2003 بتهمة "إهانة السلطة" بعد همسة لصديق، ثناه عن هذا الحلم.
عندما اندلعت الثورة السورية في مارس 2011، كان أحمد في التاسعة عشرة، سن التمرد. منعه والده، الذي لا يزال يعاني صدمة السجن، من الخروج إلى الشوارع. غاب أحمد عن أول مظاهرة في داريا، لكنه تسلل إلى الثانية. انضم إلى الحشد وصرخ بأعلى صوته: "واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد". شعر بشيء يتمزق في صدره، مثل ورقة، لكنه كان إحساسه الأول بالحرية. مرت أسابيع وأشهر من المظاهرات المتواصلة، وردّ عليها نظام بشار الأسد بإطلاق النار على الحشود. في 8 نوفمبر 2012، تم فرض حصار كامل على داريا. هربت عائلة أحمد إلى بلدة مجاورة وتوسلت إليه أن يتبعهم، لكنه رفض. كانت هذه ثورته، ثورة جيله. حصل على كاميرا فيديو وحقق حلم طفولته في كشف الحقيقة، وانضم إلى المركز الإعلامي التابع للمجلس المحلي.
بعد عام من العنف، في أواخر 2013، اتصل به أصدقاؤه يطلبون مساعدته. عثروا على كتب في أنقاض منزل مدمر وأرادوا إنقاذها. ضحك أحمد في البداية. في وسط الحرب، ما فائدة إنقاذ الكتب بينما لا يمكن إنقاذ الأرواح؟ لم يكن قارئاً نهماً من قبل، فالكتب كانت تذكّره بصور الأسد التي كانت تسخر منه في كتبه المدرسية. لكنه تردد ثم تبع أصدقاءه عبر جدار مهدم. انفجار مزق الباب الأمامي لمنزل كان مملوكاً لمدير مدرسة هرب. تجول أحمد بحذر في غرفة المعيشة المضاءة بشعاع وحيد من الشمس، حيث كانت الأرضية مغطاة بالكتب المتناثرة بين الأنقاض. ركع ببطء والتقط كتاباً عشوائياً. كان العنوان بالإنجليزية، عن الوعي الذاتي. فتح الصفحة الأولى وفك رموز الكلمات القليلة التي يعرفها. لكن الموضوع لم يعد مهماً. كان يرتجف. شعر بنفس الإحساس بالحرية الذي عاشه في أول مظاهرة له.
أحصى الأصدقاء الكتب التي عثروا عليها ذلك اليوم: أدب عربي وعالمي، فلسفة، لاهوت، علوم. "بحر من المعلومات في متناول اليد"، كما قال أحمد. كان عليهم الإسراع، فالطائرات كانت تدوي في الخارج. حشوا الكتب في شاحنة صغيرة حتى امتلأت. في الأيام التالية، استمر جمع الكتب من أنقاض المنازل المهجورة والمكاتب المدمرة والمساجد المتداعية. كانوا حوالي أربعين متطوعاً، نشطاء وطلاب ومقاتلين، ينتظرون هدوء الطائرات ليحفروا في الأنقاض. أنقذوا ستة آلاف كتاب في أسبوع واحد، وبعد شهر بلغ العدد خمسة عشر ألف كتاب. كان لا بد من إيجاد مكان لتخزينها وحمايتها، للحفاظ على هذه الفتات من تراث سوريا قبل أن يذهب كل شيء دخاناً. هكذا وُلدت فكرة المكتبة العامة، التي لم تكن لداريا واحدة تحت حكم الأسد. ستكون الأولى، "رمز لمدينة لن تنحني، مكان نبني فيه شيئاً بينما ينهار كل شيء حولنا".
خوفاً من انتقام النظام، تقرر أن تبقى المكتبة في سرية تامة، دون اسم أو لافتة. ستكون مساحة تحت الأرض، محمية من الرادارات والقذائف، يجتمع فيها القراء المتحمسون والمبتدئون على حد سواء. القراءة كملاذ، وصفحة تفتح على العالم بينما كل الأبواب مغلقة. عثر أحمد وأصدقاؤه على قبو مبنى مهجور على خط المواجهة، ليس بعيداً عن القناصة لكنه بمنأى عن القصف. بنوا أرففاً خشبية، وجدوا طلاءً لتجديد الجدران، وأعادوا تجميع كنبتين أو ثلاث، ووضعوا أكياس رمل أمام النوافذ، وأحضروا مولداً للكهرباء. لأيام، انشغل جامعو الكتب بتنظيفها وتصنيفها وترتيبها حسب الموضوع وبالترتيب الأبجدي. قبل افتتاح المكتبة، كان هناك تفصيل أخير: التأكد من أن كل كتاب مرقم ويحمل اسم صاحبه مكتوباً بخط اليد على الصفحة الأولى. "نحن لسنا لصوصاً، وبالتأكيد لسنا نهّابين. هذه الكتب ملك لسكان داريا. بعضهم مات، والبعض الآخر غادر، وآخرون اعتقلوا. نريدهم جميعاً أن يستعيدوا ممتلكاتهم بمجرد انتهاء الحرب". هكذا وصف أحمد دوافعهم، باحترام مذهل للآخرين رغم العيش مع الموت ليل نهار.
كان يوم افتتاح المكتبة احتفالاً هادئاً، بدون عصير أو زينة، فقط بضعة أصدقاء تجمعوا للمناسبة. لكن الأهم، كما قال أحمد، كان ذلك الإحساس بالوخز في صدره مرة أخرى، كما في أول مظاهرة له. أصبحت المكتبة بسرعة حجر الزاوية في هذه البلدة المعزولة. كانت مفتوحة من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، ما عدا الجمعة، وتستقبل متوسط خمسة وعشرين قارئاً يومياً، معظمهم من الرجال، فالنساء والأطفال نادراً ما يغامرون بالخروج خوفاً من القنابل. في سبتمبر 2015، كاد صديق أحمد أبو العز، المدير المشارك للمكتبة، أن يُقتل بقنبلة برميلية أصابته بشظايا في رقبته أثرت على جهازه العصبي.
أرسل أحمد مقطع فيديو مدته دقيقتان، يظهر فيه شباب داريا وهم يشقون طريقهم بين الأنقاض، وأكوام الكتب في أحضانهم، وابتسامات على وجوههم. ثم مشهد من داخل المكتبة: أرفف جديدة وكاميرا تتجول، وقراء غارقون في مجلدات سميكة. لاحظت دلفين أن الموسيقى التصويرية للفيديو هي مقطوعة من فيلم "أميلي" للمخرج يان تيرسن، وهو الفيلم المفضل لأحمد الذي شاهده عشرات المرات.
في مقابلة لاحقة عبر سكايب مع أبو العز، الذي تعافى من إصابته، شرح هذا الأخير كيف أن الكتب هي وسيلتهم لتعويض الوقت الضائع ومحو الجهل. قبل الثورة، كانوا يتغذون على الأكاذيب. "عشنا في نعش. الرقابة كانت غراء حياتنا اليومية. أخفوا عنا الحقيقة. قيل لنا إن الأسد، الأب والابن، هما ممثلو الله على الأرض". بعد الثورة، أصبحت الكتب متنفسهم. قال أبو العز: "الكتب لا تضع حدوداً، بل تحرّرنا. لا تشوّه، بل ترمّم". أشهر الكتب التي أقرضوها كانت "الخيميائي" لباولو كويلو، الذي يروي رحلة راعي غنم إسباني من الأندلس إلى أهرامات مصر، ويتردد صداها لدى ثوار داريا كقصة عن اكتشاف الذات والحرية اللامحدودة. كما كان كتاب "كتاب العبر" لابن خلدون من أكثر الكتب شعبية، حيث يقدم تأملات في صعود وسقوط السلالات العربية، وهو ما يشغلهم في ظل عدم اليقين الثوري.
تكشف دلفين عن طبيعة داريا. في السريانية، لغة قديمة، تعني داريا "كثير البيوت"، وهي سخرية قاسية لمدينة لم يبق فيها سوى القليل من المباني. من أصل 250 ألف نسمة قبل الثورة، بقي 12 ألف فقط، منهم نحو ألفي مقاتل. تروي دلفين تاريخ المقاومة المدنية في داريا، الذي يعود إلى التسعينيات. بعد مجزرة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها ما بين عشرة وثلاثين ألف شخص، تشكلت مجموعة من حوالي ثلاثين ناشطاً في داريا عُرفت باسم "شباب داريا". كانوا يعقدون اجتماعات سرية في مسجد، يدرسون القرآن ويقرأون أعمالاً محظورة لمفكرين إسلاميين تقدميين، مثل جودت سعيد، فيلسوف المقاومة اللاعنفية. انطلقوا بمبادرات مدنية: حملات توعية بيئية، تنظيف شوارع، مكافحة فساد.
يروي أحمد قصصهم بدقة، بفضل معلمه محمد شحادة، الملقب بـ"الأستاذ"، وهو أحد أعمدة حركة "شباب داريا". في أبريل 2002، نظمت المجموعة أول احتجاج صامت ضد الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين، بمشاركة أكثر من مئتي شخص بينهم عشرات النساء. في 2003، نظموا حملة مقاطعة للسجائر الأمريكية بعد الغزو الأمريكي للعراق، لكن أربعة وعشرين ناشطاً اعتقلوا في مايو بتهمة "محاولة قلب النظام"، وحُكم على محمد شحادة بثلاث سنوات في سجن صيدنايا سيئ السمعة. هناك، تعرف على معارضين كبار وتعلم أن يأخذ refuge في الكتب. أُفرج عنه مبكراً في 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، لكنه ظل تحت المراقبة.
مع اندلاع الثورة في مارس 2011، كانت داريا من أولى المدن التي انتفضت. في 25 مارس، تظاهر آلاف رغم الحظر. حمل المحتجون الورود وزجاجات الماء للجنود، معلقين عليها "نحن إخوانكم. لا تقتلونا". الفكرة جاءت من خياط يدعى غِياث مَطَر، الذي اعتُقل في 6 سبتمبر 2011 وأُعيد جثمانه بعد ثلاثة أيام مخصياً ومذبوحاً. أُطلق عليه لقب "غاندي الصغير". في فبراير 2012، في "السبت الأسود"، دبابات من قاعدة المزة العسكرية دهست جنازة وقتلت حوالي ثلاثين شخصاً. ثم في 25 أغسطس 2012، في منتصف رمضان، اقتحم جنود النظام داريا. منزلاً منزلاً، أعدموا سكاناً أمام الجدران. احتمى أحمد في ملجأ، واكتشف بعد ثلاثة أيام أن جثث الضحايا جُمعت في باحة مسجد. دُفن نحو خمسمئة شهيد في مقبرة عاجلة، لكن العدد الحقيقي ربما بلغ سبعمئة. في 8 نوفمبر 2012، فُرض الحصار الكامل على داريا، وهربت عائلة أحمد.
بعد عام، في ليلة 21 أغسطس 2013، سقط صاروخان دون انفجار، لكن المستوصف غرق بمرضى يعانون تشنجات واختناق. كانت داريا ضحية هجوم بأسلحة كيماوية، حددتها المخابرات الفرنسية على أنها غاز السارين. بعد جدل دولي، وافق الرئيس الأمريكي باراك أوباما على وضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت المراقبة الدولية بدلاً من توجيه ضربات، تاركاً داريا تدفع الثمن. اشتد الخناق، لكن أحمد رفض الاستسلام: "علينا مواصلة الطريق الذي خطّه الأستاذ". هكذا وُلدت فكرة إنقاذ الكتب من الأنقاض في أواخر 2013.
في نهاية أكتوبر 2015، أرسل أحمد قواعد المكتبة: لا استعارة بدون إذن، إعادة الكتب في الوقت المحدد، احترام هدوء الآخرين، الحفاظ على النظافة، وإعادة الكتب إلى مكانها بعد القراءة. حتى مقاتلو الجيش السوري الحر أصبحوا من رواد المكتبة، وأكثرهم وفاءً كان يُدعى عمر أبو أنس، ويلقبونه "ابن خلدون" لكثرة قراءته لهذا المؤرخ التونسي. في مقابلة عبر سكايب، شرح عمر، البالغ من العمر 24 عاماً والمقاتل في لواء شهداء الإسلام، كيف تحول إلى القراءة. "عندما أدركت أن الحرب قد تطول لسنوات، وأننا لا نستطيع الاعتماد إلا على أنفسنا، حلّت الكتب محل الجامعة". القراءة ساعدته على ألا يفقد نفسه. يعيش حياة مزدوجة: بندقية كلاشينكوف في يد، وكتاب في متناول اليد الأخرى. أنشأ مكتبة مصغرة على خط المواجهة، وبثّ الفكرة في رفاقه. قال عمر: "القراءة ذكرتنا بأننا بشر. الحرب تدمّر، لكن القراءة تُبقينا أحياء".
كتابه المفضل هو "القوقعة" للكاتب السوري مصطفى خليفة، الذي كتبه بعد اثني عشر عاماً في سجن تدمر. هذا الكتاب الممنوع في عهد الأسد الأب والابن، والذي يصف رعب الاعتقال، أصبح مرآة لعمر. يقرأ مقاطع منه ليتذكر لماذا يقاوم. يحيى الشربجي، صديق الأستاذ وأحد نشطاء التسعينيات، هو صاحب النسخة التي عُثر عليها، وقد اعتُقل في 2011 ولم يُعرف مصيره بعد، لكن اسمه ما زال على الصفحة الأولى من الكتاب، وفاءً بتقليد المكتبة في حفظ أسماء المالكين.
تدقق دلفين في هوية داريا. هل فيها إرهابيون، كما يردد إعلام النظام؟ يجيب أحمد بصراحة: في بداية الثورة، رفع بعض المحتجين الراية السوداء ذات الشهادتين. قالوا إنها راية النبي، لا راية القاعدة. في نهاية 2012، تسلل نصف دستة من مقاتلي جبهة النصرة إلى داريا. استغلوا الجوع والجهل، وخاضوا صراعات مع قدامى حركة "شباب داريا". لكن في 2014، وقع المجلس المحلي ميثاقاً مشتركاً مع قادة كتيبتي الجيش الحر، نص على عدم تشكيل أي كيان آخر بدون إجماع. على عكس الرقة، صمدت داريا وطردت الجهاديين. يُعزى هذا إلى أن القرارات العسكرية تخضع للمجلس المحلي، الذي يعمل كحكومة مصغرة مستقلة. يقول أحمد: "المفارقة أن الأسد يتهمنا بالتسلل بعناصر أجنبية، بينما قواته تعتمد على طائرات روسية ومليشيات من إيران والعراق وأفغانستان". "لو أراد النظام حقاً القضاء على الإرهاب، لقصف الرقة منذ زمن، لا داريا".
في 13 نوفمبر 2015، بينما كانت دلفين تحتفل بعيد ميلادها في اسطنبول، وقعت هجمات باريس، التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها. استيقظت على مشهد من الموت. ابنتها الصغيرة، سامارا، أخذتها إلى المكتبة في المعهد الفرنسي، حيث قصة السبت كالعادة. في القبو، شعرت للمرة الأولى أن المكتبة فقاعة حماية، "مثل داريا". فتحت بريدها الإلكتروني لتجد رسالة من أحمد: "نحن آسفون جداً لما حدث في فرنسا. في داريا، نحن إلى جانبكم ضد الإرهاب. لو لم تكن معاناتنا عميقة والقصف شديداً، لكنا أشعلنا الشموع تضامناً. نعلم أن فرنسا اليوم في حداد لأنكم تدعمون نضالنا من أجل الحرية". كتب أحمد هذه الكلمات وهو يعيش تحت وابل من القنابل، فقد أصدقاء لا يُحصون، ولم يرَ عائلته منذ ثلاث سنوات. ثم جاءت رسالة أخرى في 7 ديسمبر 2015، سطر واحد:
2.105–113▼ ملخص
يبدأ الفصل الختامي من كتاب "جامعو الكتب" بمنام متكرر للمؤلفة دلفين مينوي، تجتمع فيه بشخصيات محورية من دارايا في مكتبة المعهد الفرنسي في إسطنبول. في هذا الحلم، تظهر ملامح أحمد وشادي وحسام بدقة متناهية، ويتحدثون لجمهور صغير عن "قصة مكتبة سرية"، ويقدمون للأطفال كتباً ذات صفحات بيضاء ليكتبوا أو يرسموا فيها قصة مدينتهم. هذا الحلم لم يعد مجرد خيال، بل أصبح امتداداً للواقع، بعد لقاءات حدثت على الأراضي التركية لم يكونوا يجرؤون على الأمل بحدوثها.
لقد مر عام على مغادرتهم المتسرعة لدارايا. عام من محاولة الابتعاد عن الكابوس الذي عاشوه، ومن التحديق في الحياة بعيداً عن شاشات الهواتف. كان شادي أول من غادر سوريا، فوصل في أكتوبر 2016 إلى ريحانلي في محافظة هاتاي التركية. منحته الحكومة التركية، التي استقبلت أكثر من 2.5 مليون لاجئ سوري، تصريح سفر لإجراء عملية في يده. عندما التقت به المؤلفة لأول مرة في مقهى صغير، تعرفت عليه من خلال الضمادة على ذراعه اليسرى. أخرج من حقيبته كاميرته المحترقة تلك التي أنقذت حياته، ونظرت إليها الكاتبة كما تنظر إلى ناجية.
جلسا على طاولة صغيرة، وتحدث شادي عن دارايا كرمز وعن الكاميرا كشاهد على ما حدث. قال إن العالم بأسره تخلى عنهم. سألته إن كان قد شاهد فيديو بشار الأسد في دارايا، فأجاب بأنه "مجرد عرض". أخرج من حقيبته أقراصاً صلبة مليئة بالصور والفيديوهات التي التقطها خلال أربع سنوات من الحصار، وأصر على أنها صور لجماعة متحدة ومترابطة، تعمل على بناء المستقبل. تحدث عن دارايا باعتبارها "فلسفة حياة" وليس مجرد مكان، وأكد أنه لو خير بين العودة لخاض التجربة ذاتها دون تردد، معتبراً أن صمودهم أربع سنوات في حصار قاسي هو "انتصار كبير". لكنه اعترف بأن الأصعب هو ما بعد ذلك: تعلم العيش بشكل طبيعي، ومشاهدة الطائرات دون ارتعاش، والنوم في صمت.
بعد أسابيع، اتصلت به المؤلفة لتعرف أحواله. كانت العملية قد نجحت وبدأ يستعيد بعض الحركة في أصابعه. انتقل مؤقتاً إلى إسطنبول حيث هاجر والداه. يملأه والداه بالطعام ويثنيانه عن العودة إلى سوريا، لكنه يظل مقتنعاً بأن مكانه لا يزال هناك. يأخذ دروساً في اللغة التركية ويخطط لاستئناف دراسته، ويلتقي بالكاتبة مرة شهرياً لتناول القهوة واستذكار أجواء دارايا.
بعد محاولات عديدة فاشلة للتواصل الافتراضي أثناء حصار دارايا، تمكنت المؤلفة أخيراً من لقاء الأستاذ محمد شحادة وجهاً لوجه في إسطنبول في يناير 2017. كان هادئاً ومتوازناً وكريماً بوقته وكلماته تماماً كما تخيلته. تحدث عن بدايات العمل المدني في دارايا، الذي يعود إلى التسعينيات، وعن كتبه المفضلة. أدركت الكاتبة بوضوح تأثيره الكبير على شباب دارايا. لكنه الآن قلق من انشغالات أخرى أصعب من صدمات الحصار: كيف ينظر إلى المستقبل؟ كيف يفهم الانقسامات التي تمزق سوريا؟ وكيف يتجنب التشاؤم عندما يصبح مصير ثوار 2011 أكثر غموضاً؟ قال مقولته التي لم تنسها الكاتبة: "المفارقة أن الحصار حمانا من أي محاولة للتطرف، وأبقى روح دارايا حية. كنا وحدنا، وكنا نحل خلافاتنا بالحوار. لم يكن هناك غزو خارجي أو محاولات تلاعب أو تدخل أجنبي". على عكس مناطق أخرى من سوريا، حيث تتدافع القوى الأجنبية والإقليمية للدفاع عن مصالحها وفصائلها. بعد عام من سقوط دارايا، سوريا على وشك التقسيم. يعود في ربيع 2017 إلى شمال سوريا. في مايو، لحقته زوجته وأطفاله، الذين كانوا لاجئين في دمشق، وانضمّوا إليه في إدلب. ولأول مرة، قبل أصغر أطفاله الثلاثة، الذي ولد أثناء الحصار.
حسام بخير، وفي أواخر 2016 عبر الحدود بمساعدة مهرب واستقر في غازي عنتاب جنوب تركيا. تخلى عن اسمه المستعار وعاد إلى اسمه الأصلي جهاد، وهو اسم شائع في بلاد الشام. في يناير 2017، التقت به الكاتبة في مقهى قرب الرصيف الذي استهدفه انتحاري في العام السابق. كان منبهراً بكل شيء: المباني المتقنة، وسائل النقل العامة، والكهرباء التي تعمل دون انقطاع. وجد أفضل الأماكن في المدينة في يوم واحد، واشترى اثني عشر كتاباً من مكتبات الكتب المستعملة، من بينها رواية "كبرياء وتحامل" لجين أوستن. قاده شغفه بالقراءة إلى مكتبة بيازيد ومقهى بيجز في حي الفاتح. بعد فنجاني إسبريسو، ذهب لحل "مسائل إدارية"، ورافقته الكاتبة. تعرفت في هذه اللقاءات على "حسام" المغامر والمجازف من أيام دارايا. استطاع تمديد تأشيرته ووعد ببطاقة إقامة. ذهبا إلى القنصلية السورية، حيث كان قلقاً من أن النظام يراقبه، لكن أحد العاملين استقبله بحرارة ووعده بجواز سفر جديد في أقل من شهر. قال له مازحاً: "بعد الكابوس الذي عشناه، لم يعد هناك ما يفاجئني أو يخيفني". في المساء نفسه، عاد بالحافلة إلى غازي عنتاب لخوض امتحان للانضمام إلى منظمة غير حكومية. نجح في الامتحان، وبدأت حياته الجديدة. لكن بدون زينة، إذ فسخ خطوبته بهدوء بعد أسابيع، ربما ليرتب نفسه قبل تكوين أسرة.
عمر، المعروف بـابن خلدون، يعيش في الذاكرة والأفكار ومقاطع الفيديو والصور التي احتفظ بها رفاقه. بعد إخلاء المدينة في أواخر أغسطس 2016، تمكنت لجنة التفاوض من استعادة جثته كجزء من تبادل رفات. دُفن في مقبرة الشهداء في دارايا، في حفرة في التراب، ووضع اسم على شاهد القبر وبعض الزهور. يرقد هناك على الأرض التي قاتل من أجلها، هادئاً مثل جندي رامبو.
اختار أحمد البقاء في إدلب، مسكنه الجديد. يشارك رفاقه من الحصار منزلاً صغيراً في بلدة قرب الحدود التركية. يقرأ كثيراً ويتطوع لمساعدة النازحين ويجد عزاءه في المشي بين بساتين الزيتون والاستماع إلى موسيقى فيلم أميلي. لكن إدلب ليست ملاذاً آمناً. في أواخر 2016، عاش عن بعد نهاية حصار آخر على حلب الشرقية، وشاهد موجة نزوح جديدة تغمر إدلب. في أبريل 2017، فتح الهجوم الكيماوي على خان شيخون جراح دارايا من جديد. قال أحمد: "أصابني الشلل عندما سمعت الخبر. شعرت أنني أعيش ما عانيناه في 2013". أثار الهجوم رد فعل من الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بضربات على مواقع النظام. ثم استؤنفت محادثات أستانا وأوقفت القصف الروسي السوري. بموجب اتفاق غامض في مايو 2017، رهنت موسكو وطهران وأنقرة على جعل إدلب إحدى أربع "مناطق خفض تصعيد"، لكن القلق على مستقبل غامض حل محل الارتياح. نشطاء دارايا، الذين استقبلوا كأبطال في البداية، بدأوا يشعرون بخيبة أمل. قال أحمد: "كنا نريد أن نجسد طريقاً ثالثاً، بديلاً عن النظام وداعش". لكن الوضع في إدلب مختلف وأكثر تعقيداً. الجماعات الجهادية، مثل جبهة النصرة السابقة، تفرض قانونها: تمزق أعلام المعارضة، وتكتب شعارات دينية على الجدران، وتقمع المظاهرات، وتمنع صوت المرأة من الإذاعات. هذه الضغوط تزيد من ابتعاد أحمد عن الدين، فقد حلق لحيته ويرفض فكرة الحجاب الإجباري ويدين نفاق المتطرفين. يصف إدلب بأنها "كركبة" كبيرة بلا هدف محدد، حيث تتنافس العشرات من الفصائل والمجالس المحلية. رغم الخوف من أن تكون إدلب مسرحاً للمعركة الأخيرة، يريد أحمد أن يبقى متفائلاً ومقتنعاً بأن ليل سوريا الطويل سيعقبه ولادة جديدة. يحلم بإنشاء مكتبة متنقلة لأطفال إدلب. في ليالي الشك، يعود بذاكرته إلى تجربة دارايا الفريدة. عثر مؤخراً على فيديو في هاتفه، صوره في 27 أغسطس 2016 قبل ساعتين من مغادرة الجيب المحاصر، وهو يجوب أنقاض المدينة بمفرده. ينتهي الفيديو بمشهد لواجهة المكتبة المحطمة. قال أحمد: "عندما أفكر في دارايا، هذه هي الصورة المحفورة في ذهني"، مع مشهد ملجأ المكتبة المذهل وغير المتوقع، على إيقاع صوت محمود درويش وهو يقرأ "حالة حصار".
في الختام، يترك الفصل القارئ مع صورة "أنقذوا سوريا" المرسومة على جدار في دارايا على يد أبو مالك الشامي، أحد مؤسسي المكتبة، كتذكار أخير لتلك التجربة الفريدة.