
The Cave
بالطبع. هذا ملخص شامل وأمين لكتاب "الكهف" بناءً على ملخصات الفصول التي قدمتها.
يُؤرّخ كتاب "الكهف" للطبيبة أماني بلّور، بالتعاون مع الصحافية رانيا أبو زيد، رحلة امرأة شابة من طفولة في ريف دمشق إلى طليعة المشهد الطبي في واحدة من أكثر بيئات الحرب قساوة. الموضوع المحوري للكتاب هو الصمود الإنساني في وجه آلة الحرب السورية، وتحديداً تحت الحصار الخانق والخوف من القمع. الإجابة التي يدافع عنها الكتاب هي أن الكرامة الإنسانية والإرادة في الحياة والعلاج يمكن أن تصمد حتى في أحلك الظروف، وأن سرد هذه القصص هو واجب أخلاقي لمن عايشوها. الكتاب هو شهادة شخصية قبل أن يكون تحليلاً سياسياً، يسجل تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف والحصار والموت، من وجهة نظر امرأة كانت طفلة تحلم بالتغيير ثم أصبحت طبيبة ومديرة مستشفى تحت الأرض.
تتدرج حجة الكتاب من الخاص إلى العام، ومن الشخصي إلى الجماعي. تبدأ الرحلة باستكشاف جذور أماني في بلدة كفر بطنا، حيث تصف صراعها المبكر مع التقاليد الاجتماعية الصارمة التي كانت تضع المرأة في قالب محدد، وطموحها لأن تكون مختلفة، مستلهمة من والدتها التي آمنت بالتعليم كمفتاح للتحرر. يوضح هذا الجزء كيف أن الرغبة في تغيير الذات سبقت الرغبة في تغيير الوطن. مع اندلاع الثورة السورية في 2011، ينتقل السرد من الصراع الشخصي إلى الصراع الجماعي. تصف أماني تحولها من طالبة طب خجولة، كانت تخشى النظام وتصدق دعايته، إلى شابة تكتشف حقيقة القمع وتنضم إلى زملائها في الاحتجاجات. تتسارع وتيرة الأحداث بعد ذلك، حيث يتحول الأمل الثوري إلى حرب أهلية، وتتحول حياة الناس العادية إلى صراع يومي من أجل البقاء تحت الحصار والقصف. يصبح مستشفى "الكهف" هو النقطة المحورية التي تتجمع فيها كل خيوط القصة: التحديات الطبية، المآسي الشخصية، فقدان الأحبة، الصراعات بين الفصائل المسلحة، النضال من أجل الموارد، والتمييز الاجتماعي ضد النساء. يُختتم الكتاب بنهاية درامية تشبه النهاية المتوقعة للحرب الأهلية: تهجير قسري وخسارة كل شيء، لكن مع إصرار على أن الروح لم تنكسر.
الحجة التي تربط الأجزاء ببعضها هي أن المعاناة، مهما كانت عظيمة، لا تنتج بطلاً واحداً، بل مجموعة من البشر العاديين الذين يتخذون خيارات استثنائية في ظروف لا تطاق. كل فصل يبني على الذي قبله ليُظهر كيف أن الحرب لم تسلب هؤلاء الأشخاص إنسانيتهم فحسب، بل كشفت أيضاً عن أعمق طباعهم: التضامن المجتمعي الذي ظهر في تقاسم الطعام، والفساد الأخلاقي الذي تجلى في استغلال الأزمة من قبل بعض التجار والفصائل، والتعصب الذكوري الذي استمر في مضايقة الطبيبات حتى في أحلك أيام الحصار.
يحتوي الكتاب على شهادات وأرقام لافتة يصعب نسيانها. في ليلة 21 أغسطس 2013، تعرضت كفر بطنا لهجوم كيميائي بغاز السارين، حيث وصفت أماني بألم مشهد توأمين صغيرتين بدأتا تتعافيان بحقن الأتروبين، والأم التي طلبت منها ألا ترى جثث أطفالها الثلاثة، والأب الذي أخبرته موت رضيعه وهي تتجه لإنقاذ غيره. تشير أماني إلى أن بعثة الأمم المتحدة أصدرت تقريراً وجدت فيه "أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام السارين، ووصف الأمين العام بان كي مون الهجوم بأنه "أكبر استخدام مؤكد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين منذ استخدام صدام حسين لها في حلبجة عام 1988". في تفاصيل الحصار، يروي الكتاب كيف تحولت الحياة إلى كابوس من الحرمان، حيث كان الناس يحصلون على 10 أو 15 دقيقة فقط من الكهرباء يومياً، واضطروا لطحن علف الحيوانات وأكل أوراق الملفوف كبديل عن الخبز، وتوفي طفلان في بلدة زملكا بعد تناولهما كلوريد الأمونيوم ظناً منهما أنه ملح. في مجال الرعاية الصحية، تذكر أماني أنها كانت تعالج أكثر من 100 طفل جائع بأقل من 20 علبة حليب أطفال، وأن طفلاً عمره شهر واحد كان وزنه 3.3 أرطال فقط. في ذروة الهجوم الأخير في 2018، استقبل المستشفى وحده ما يقارب 77 جثة في ليلة مجزرة كفر بطنا، وأحصى 50 مريضاً بحاجة لعملية جراحية عظمية في يوم واحد مع وجود جراح واحد فقط. في لحظة تاريخية أخرى، أصبحت أماني أول امرأة تنتخب مديرة لمستشفى ميداني في مناطق المعارضة، وتذكر أنها شعرت بالفخر عندما تم اعتماد منحة شهرية بقيمة 36,000 دولار من أطباء بلا حدود.
يقر الكتاب بحدود واضحة ويعترف بأسئلة مفتوحة. تعترف أماني بأن الاستجابة الطبية في ليلة الهجوم الكيميائي كانت محدودة بسبب نقص الموارد والمعرفة، وأنهم كانوا يعملون كـ "جنود آليين" في غياب أي بديل. يترك الكتاب مصير المختفين، مثل شقيقها الأكبر فاتح وزوج أختها ماهر، مجهولاً إلى الأبد، مما يعكس العجز التام أمام آلة القمع. كما يشير إلى تناقض مؤلم: بينما كان المجتمع المحاصر يتكاتف لمواجهة الجوع والقصف، كان بعض الرجال في نفس المجتمع يجدون وقتاً لوصف العاملات في المستشفى بكلمات مثل "سيئات" و"فاسدات"، مما أدى لاستقالة بعض الممرضات. يفتح الكتاب أسئلة حول جدوى المعايير الدولية عندما لا تُطبق، وعن دور المجتمع الدولي الذي صمت بينما كان النظام يستخدم الأسلحة الكيميائية مراراً، وعن مصير الأطفال الذين عانوا سوء التغذية والمرض تحت الحصار.
من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يمكن الإشارة إلى موقف أماني من المجتمع الدولي، حيث ترى أن صمته وتقاعسه شجعا على ارتكاب المزيد من الفظائع، وهذا تفسير يختلف فيه المحللون. كما أن تصويرها للعنف المسلح كرد فعل لا اختيار، وتأكيدها على أن القمع هو ما صنع المسلحين، قد تكون وجهة نظر يختلف معها البعض. النقاش الأعمق يكمن في التناقض بين دور المجتمع المدني الذي حاول تنظيم الحياة وتقديم الخدمات، وبين الممارسات الاجتماعية الأبوية والتمييزية التي استمرت، وحتى تعززت، في ظل الحرب والحصار. يظهر الكتاب أن الجوع والفقر قد يغيران التقاليد العائلية نحو الأسوأ (تزويج الأطفال والتخلي عن الأيتام)، لكنهما لا يغيران بالضرورة التقاليع الذكورية الضارة التي تعيق عمل النساء.
الفصول(20)
1.مقدمة: ليلة مسمومة8–17▼ ملخص
يصف هذا الفصل الليلة التي تعرضت فيها بلدة كفر بطنا في الغوطة الشرقية لسوريا لهجوم كيميائي بواسطة غاز السارين، من وجهة نظر الطبيبة الشابة أماني بلّور، التي كانت تعمل في مستشفى ميداني تحت الأرض يُعرف باسم "الكهف". الموضوع المحوري هو تجربة الطبيبة المباشرة مع هذا الهجوم الجماعي، والطريقة التي تحولت بها من طبيبة متدربة إلى مجرد آلة للبقاء على قيد الحياة وتقديم العلاج وسط فوضى مطلقة.
يبدأ الفصل باقتحام سائق الإسعاف أبو عمار لمنزل أماني في الساعة الثانية بعد منتصف ليل 21 أغسطس 2013، ليخبر شقيقها الأصغر محمد بوجود هجوم كيميائي. كانت المنطقة محاصرة من قبل قوات النظام السوري بقيادة بشار الأسد منذ أربعة أشهر (منذ أبريل)، وكانت خطوط الهاتف مقطوعة منذ عام 2011. تصل أماني إلى المستشفى في غضون دقيقة واحدة بالسيارة، لتجد أمامها ساحة مزدحمة بالجثث والمصابين الذين يتلوىون ويختنقون، بينهم نساء حاسرات الرأس وأطفال نصف عراة، وقد جاؤوا كما هم دون مراعاة للحياء. لم تكن هناك إصابات مرئية أو دماء، بل كانت الأجسام تتفاعل بشكل جهازي مع السم.
يدخل الفصل في تفاصيل الاستجابة الطبية اليائسة. كان المستشفى يضم طبيبين فقط بشكل دائم: أماني (26 عاماً، خريجة حديثة من جامعة دمشق) وزميلها الدكتور سليم نامور (جراح عام يكبرها بـ 26 عاماً). لم يكن لدى أحدهم فكرة عن نوع المادة الكيميائية المستخدمة، لكنهم بدأوا بإعطاء الأتروبين لتخفيف التشنجات. تذكر أماني أنها رأت الدكتور سليم يبكي من الصدمة، وأن الدكتورة أسماء كانت تصرخ في وجهه ليعود إلى العمل. تنتشر الشائعات، ويبدأ الناس بإحضار زجاجات الخل والصودا لصبها على وجوه المرضى، معتقدين خطأً أنها تساعد. يصرخ مذيعو المساجد بحمل زجاجات الكولا إلى المستشفى، مما يزيد الفوضى.
يصف الملخص القرارات المستحيلة التي اتخذتها أماني: تمييز التوأمين الصغيرتين اللتين بدأتا تتعافيان بعد حقن الأتروبين، ورفضها رؤية جثث ثلاثة أطفال اعتادت علاجهم بناء على طلب أمهم التي فقدتهم جميعاً، وإخبارها لأب بأن طفله الرضيع مات وهي تتجه لإنقاذ غيره. كانت الجثث تُكدس في زاوية الغرفة حتى ارتفاع نصف متر لإفساح المجال للمصابين الجدد. لم يكن هناك ما يكفي من الأتروبين أو الأكسجين أو أجهزة التنفس اليدوية، وقام ممرض بفتح أسطوانة الأكسجين الوحيدة في الهاء، معتقداً أن الجميع سيستفيدون منها، لكن أحداً لم يستفد فعلاً. كما أن المستشفى لم يكن لديه أنابيب للتنبيب الصناعي أو طاقم يعرف كيفية تركيبها.
مع بزوغ الفجر، قصف النظام مستشفى الفاتح المجاور الذي كان يعالج ضحايا الهجوم الكيميائي أيضاً، مما أدى إلى تدفق ضحايا جدد. في اليوم التالي، خرجت أماني لترى شرفة الطابق الأول وقد امتلأت بجثث الضحايا، من بينهم شقيق إيمان، الممرضة التي كانت تعمل معها، وهو المنقذ الذي أنقذ الكثيرين قبل أن يموت. تم تصوير الجثث وتصنيفها بأسماء أو أرقام، وعرضها على أجهزة كمبيوتر ليتعرف عليها الأهالي، وكانت اللحظات التي يجد فيها الأحياء أحباءهم بين الموتى مفجعة.
بعد أسابيع، أصدرت بعثة الأمم المتحدة تقريراً ذكرت فيه أن هناك "أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام غاز السارين في الغوطة، ووصف الأمين العام وقتها بان كي مون الهجوم بأنه "جريمة حرب"، مشيراً إلى أنه "أكبر استخدام مؤكد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين منذ استخدام صدام حسين لها في حلبجة عام 1988". لكن أماني تتأمل أنه حتى الحقائق الثقيلة كاستخدام الأسلحة الكيماوية لم تعنِ شيئاً في الحرب السورية، إذ استمرت الهجمات الكيماوية والتقليدية بعد ذلك، حيث تلقت الأمم المتحدة 16 ادعاءً بحلول ديسمبر 2013 وحده.
في الختام، تعترف أماني بأنها لم تبكِ طوال تلك الليلة، بل كانت مثل "جندي آلي"، تمشي في نومها كي تتمكن من العمل. أما الآن، فهي تبكي كثيراً وتعيش الكابوس مراراً، ويطاردها شعور بالذنب تجاه الأم التي رفضت رؤية أطفالها والأب الذي أخبرته بموت رضیعه دون أن ترفه عنه. تقول إنها تروي قصتها من أجل التاريخ، لأنها تعلم أنها لن تعيش للأبد، لكن هذه الشهادات يجب أن تبقى.
لا يوجد في الفصل حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، فهو سرد شخصي مباشر لأحداث موثقة، مع إقرار ضمني بأن الاستجابة الإنسانية والطبية كانت محدودة بسبب نقص الموارد والمعرفة، وهو عذر أكثر منه نقد. السرد يظل أميناً لتجربة الطبيبة دون أن يجادل في رواية سياسية معينة، سوى التأكيد على أن النظام هو من نفذ الهجوم.
1.الفصل الأول: حياة مختلفة19–26▼ ملخص
يبدأ الفصل الأول باستبطان واضح: الطفلة التي تروي القصة لم تكن تعرف ماذا تريد أن تكون، لكنها عرفت أنها تريد أن تكون مختلفة. الاختلاف هنا هو الخيط المحوري الذي يربط كل ذكرياتها الأولى. تشرح الكاتبة أن دافعها الجوهري كان الرغبة في ترك بصمة في الحياة، وأن تكون شخصاً مهماً، وأن تؤكد وجودها، وهو طموح رأته متعارضاً مع المصير التقليدي للنساء حولها: الزواج المبكر والبقاء ربة منزل. والدتها كانت مصدر الإلهام الأساسي، إذ غرست فيها أن التعليم هو المفتاح لحياة مختلفة.
تنتقل السيرة إلى تفاصيل النشأة في كفر بطنا، وهي بلدة ريفية على بعد نحو تسعة أميال من دمشق. تصف المنزل الصغير المكون من ثلاث غرف الذي بناه والدها على أرض ورثها، والحديقة الواسعة المحاطة بجدار عالٍ التي كانت ملاذها الخاص، خاصة تحت شجرة المشمش القديمة. تذكر أشجار الزيتون والخوخ والليمون والمشمش، ووفرة الفاكهة التي كانت توزع على الأهل والجيران. تشير إلى أن اسم منطقتها، الغوطة، يعني واحة من البساتين والحدائق، المشهورة بمشمشها، حيث الطرق مظللة بأشجار كثيفة لدرجة أنك تقود لمسافات طويلة دون رؤية السماء.
تتوسع الكاتبة في وصف العائلة: هي أصغر بنت من بين أربع بنات وولدين، والطفلة الخامسة مع أخ أصغر اسمه محمد. تنام هي وأشقاؤها في غرفة واحدة على فرش رقيقة على الأرض، وكانت تحلم بأن يكون لها غرفتها الخاصة. بعد زواج أختيها الكبيرتين، شاركت الغرفة مع أختها تهاني التي تكبرها بثلاث سنوات. وعندما بلغت هي الثالثة عشرة من عمرها، بنى والدها غرفة إضافية وشقة صغيرة في الحديقة لأخيها الأكبر فاتح وزوجته أميرة. تصف كفر بطنا بأنها بلدة يعرف فيها الجميع الجميع، مع التزامات اجتماعية صارمة كالمشاركة في الأفراح والأحزان، لكنها تشير إلى أن أسرتها لم تكن مندمجة تماماً في المجتمع لأن والدتها من دمشق، وكان الجيران ينعتونها بـ "الدمشقية" ويعاملونها كغريبة.
تقدم المقارنة بين الوالدين صورة واضحة للصراع الثقافي داخل الأسرة. ماما كانت ابنة مدينة، درست في الجامعة لعام كامل قبل أن تتركه بعد الزواج، وكان والداها منفتحين وجدتها تعرف القراءة والكتابة. أما بابا فغير متعلم، لا يقرأ ولا يكتب، وعمل ميكانيكياً مدنياً في قسم الشرطة. تروي الكاتبة أن والدتها أخبرتهن عندما كبرن أن زواجهما كان عن حب، رغم أن المجتمع كان يميل للزواج المدبر. إخوة ماما نصحوها بعدم الزواج منه لأنه غير متعلم، لكنها أصرت. والدها كان شخصية قوية وسريعة الغضب، يهيمن على المنزل ويتخذ القرارات وحده، وكان يعتقد أن تعليم البنات غير مفيد، بينما كانت والدتهن تشجعهن سراً على الدراسة.
تستخدم الكاتبة قصص شقيقاتها كأدلة واقعية على المعايير المزدوجة في مجتمعها. أختها الكبرى زينة تزوجت في سن 13 عاماً بعد أن احتلت المرتبة الأولى في صفها السابع، إذ سحبها والدها من المدرسة خشية أن تبقى عانساً. لكنها لاحقاً عادت إلى المدرسة بعد أن كان ابنها البكر في الصف التاسع، وحصلت على شهادة الإعدادية. أختها الثانية هنادي خُطبت أيضاً في سن 13، لكنها كانت عنيدة وكسرت الخطبة، مما تسبب بمشاكل كبيرة في المنزل، لأن المجتمع ينظر للفتاة التي تفسخ خطبتها كالمطلقة. يشير النص إلى أن بابا كان يخشى ألا يتقدم أحد لخطبة فتاة فسخت خطبتها، لكن هنادي تلقت عروضاً كثيرة وفي الصف الحادي عشر تزوجت طبيباً بيطرياً لأنه رجل متعلم. عادت هي الأخرى لإكمال تعليمها وحصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي. أما تهاني، فتزوجت رجلاً أردنياً وانتقلت إلى الأردن في سن 23، وهو أمر كان شبه مسموع به في العائلة.
تتعمق الكاتبة في مشاعرها الشخصية تجاه هذه المعايير المزدوجة التي امتدت لكل شيء، حتى اللعب. تشرح أنه بعد بلوغها سن البلوغ، مُنعت من ركوب الدراجة والتأرجح والتسلق، لأن هذه الأنشطة أصبحت "عيباً"، وهو وصف لم يقتنع به كافياً. بينما كان مسموحاً لإخوتها الذكور بكل شيء، شعرت بالظلم والاستياء. كانت تخاف من القيل والقال الذي قد يدمر سمعتها وسمعة أسرتها، لكنها كانت في داخلها تتمرد وتقول لنفسها إنها ستكسر كل هذه القواعد يوماً ما. تصف طفولتها بأنها لم تكن سعيدة، وأن الجو في المنزل لم يكن سعيداً بسبب مزاج والدها الحاد، فنشأت في خوف وقلق كونا شخصيتها. لكنها تتعاطف معه لاحقاً، مدركة الضغوط المالية التي كان يعانيها كمعيل وحيد لعائلة كبيرة. تذكر أيضاً الأوقات الطيبة، مثل الرحلات الصيفية إلى الشاطئ والمواقع الأثرية، واحتفالات عيد الأم ورأس السنة والأعياد الدينية.
تتناول الكاتبة مسألة الحجاب كقرار شخصي اتخذته في نهاية المرحلة الابتدائية، رغم أن والدتها حاولت ثنيها قائلة إنها صغيرة جداً. بالنسبة لها، الحجاب غير مكانة الفتاة في المجتمع واعترف بنضجها، وهو ما أحبته. لكن هذا النضج جاء بتكاليف: صديقاتها في المدرسة خطبن في الصف الثامن أو التاسع وتركن المدرسة للزواج، وبحلول الصف العاشر كانت تمشي إلى المدرسة وحدها. تعبر عن خوفها من الزواج المبكر الذي رأته نهاية لحياتها وأحلامها وطموحاتها، وأنه سيحصرها في الطبخ والتنظيف فقط.
يتوج الفصل بقصة أول عرض زواج جدي واجهته في عام 2002، عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. تقدم شاب من الجيران عمره حوالي 22 عاماً، وكان صاحب منزل وسيارة، وهو ما جعله ثرياً بمعايير الحي. تدخلت جدتها لأبيها، ذات العقلية المحافظة جداً، وضغطت على والدها لنيل موافقة الكاتبة. المرة الأولى، تمكنت والدتها من صرف الخاطبات. أما هذه المرة، فكانت الجدة هي الوسيط، مما صعّب الأمر. يتحدث والدها معها بلطف، قائلاً إنه ليس كل يوم يطرق عريس مناسب الباب. تمهلت الكاتبة أسبوعاً قبل أن تبلغ والدتها بأنها لا تريد الزواج وتريد مواصلة التعليم. لم يعترض والدها أو يصر، لكن جدتها غضبت بشدة ووبختها قائلة إنها لن تجد أفضل منه. تختتم الكاتبة المشهد بصمتها أمام جدتها، مدركة أن كلماتها لن ترضيها، لكن قرارها كان واضحاً.
يمثل هذا الفصل توثيقاً لصراع داخلي وعائلي ومجتمعي حول مصير النساء، حيث تقدم الكاتبة نفسها كطفلة لاحظت التناقضات، واستوعبت دروس والدتها، وبدأت في بناء هويتها المستقلة التي ستقودها لاحقاً إلى طريق مختلف حقاً. النص لا يصدر أحكاماً أخلاقية بقدر ما يصور المعاناة الواقعية والطموحات الصاعدة في بيئة تقليدية. الحجج القابلة للنقاش تنبع من التوتر بين قيم المجتمع التقليدية وطموحات الفتاة الفردية، وهو صراع لم يُحسم بعد في نهاية الفصل، بل يُترك كسؤال مفتوح حول كيف ستختلف حياة أماني عن حياة أمها وأخواتها.
2.الفصل الثاني: الطريق إلى الطب27–36▼ ملخص
يصف هذا الفصل رحلة أماني بالور الشخصية والفكرية، منذ طفولتها في بلدة كفر بطنة وحتى اندلاع الثورة السورية في عام 2011. المحور الأساسي هو الانتقال من الخضوع التام لنظام الحكم القمعي في سوريا، إلى التمرد عليه، وذلك من خلال مسارين متوازيين: مسارها الأكاديمي في كلية الطب بجامعة دمشق، ومسارها السياسي الذي بدأ باكتشافها لحقيقة النظام.
يبدأ الفصل بعام 2006، عندما علم والد أماني بنجاحها في امتحان البكالوريا للمرة الثانية، مما أهلها لدراسة الطب. كان هذا مصدر فخر كبير للعائلة، وخصوصاً والدها الذي عارض في البداية رغبتها في دراسة الهندسة معتبراً إياها مهنة غير لائقة للفتاة. تصف أماني شعورها بالرهبة عند دخولها جامعة دمشق، التي كانت مكاناً كبيراً ومخيفاً يضم حوالي 600 طالب من المتفوقين في سوريا. تختلف أجواء الجامعة عن قريتها المحافظة، حيث كان يعتبر التحدث مع الرجال الأجانب "عيباً"، مما جعلها تتجنب إلقاء التحية على زملائها الطلاب في السنوات الأولى.
يتعمق الفصل في وصف نظام الخوف الذي ساد في سوريا تحت حكم عائلة الأسد. تروي كيف كانت المواد الدراسية الإجبارية، مثل "الدراسات الثقافية" و"الاشتراكية"، مجرد أدوات لتلقين عبادة حافظ الأسد وابنه بشار الأسد، الذي تولى السلطة عام 2000. كان يُمنع ذكر اسم الرئيس دون ألقاب التبجيل، وكان السؤال عن النظام السياسي محرماً حتى داخل المنزل، وكان الرد الدائم "الجدران لها آذان". تعترف أماني بأنها صدقت هذه الدعاية في صغرها، واعتقدت أن حافظ الأسد مقدس كنبي. كان الخوف من أجهزة المخابرات، المعروفة باسم المخابرات، يمنع أي شكل من أشكال المعارضة، بموجب قانون الطوارئ الذي طُبق منذ عام 1963 وحظر الاحتجاجات والتجمعات دون إذن رسمي.
تكسرت هذه الصورة المثالية مع ظهور القنوات الفضائية العربية، مثل الجزيرة القطرية. تروي أماني كيف كانت تشاهد مع عائلتها برنامجاً ينتقد تعديل الدستور لخفض سن الرئاسة من 40 إلى 34 عاماً ليتناسب مع عمر بشار الأسد. كان هذا أول نقد سياسي تسمعه، مما أثار دهشتها وخوفها، لكنه زرع بذرة الشك. بعد سنوات، في حوالي سن الـ 19، عرفت لأول مرة بوجود معتقلين سياسيين عندما أخبرتها صديقة لأختها أن شقيقها اختفى على يد النظام. تصف أماني غضبها من جيل والديها الذي التزم الصمت خوفاً، رافضة اعتبار الخوف عذراً للصمت الذي ساد حتى عام 2011.
يصل الفصل إلى ذروته مع وصف أحداث ما عُرف بـ"الربيع العربي". تبدأ القصة بوفاة محمد بوعزيزي، البائع المتجول التونسي الذي أضرم النار في نفسه احتجاجاً على مضايقات الشرطة. كان هذا الشرارة التي أطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي في يناير 2011، ثم بالرئيس المصري حسني مبارك بعد 18 يوماً من الاحتجاجات. تروي أماني مشاعرها المخفية من الفرح والتفاؤل وهي ترى هذه التغييرات، متسائلة لماذا لا تصل الموجة إلى سوريا.
تصل الثورة إلى سوريا في أواخر فبراير 2011، بدءاً من مدينة درعا بعد اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم. تصف أماني ذهولها وهي تسمع من زملائها أن النظام أرسل دبابات إلى درعا، وتسأل بحيرة: "ماذا فعل أهل درعا ليستحقوا الدبابات؟". تنتقل الاحتجاجات بسرعة إلى دمشق، بما في ذلك داخل حرم الجامعة. تروي مشهداً مفصلاً ومؤلماً لاعتقال زملائها الطلاب الذين تظاهروا داخل الكلية، وكيف هاجمهم بلطجية النظام بعنف باستخدام الهراوات والصعقات الكهربائية، بينما كانت تقف تحت شجرة مرعوبة. الأكثر إيلاماً بالنسبة لها كان رؤية بعض زملائها الطلاب ينضمون إلى المهاجمين، ليكشفوا عن أنفسهم كـ"عيون" للنظام. في نهاية الفصل، تقرر أماني وصديقاتها أنه إذا تكررت التظاهرة، فسينضممن إليها، ولن يتركوا زملاءهم وحدهم مرة أخرى.
3.الفصل الثالث: الثورة37–48▼ ملخص
يُؤرِّخ هذا الفصل المرحلةَ الأولى من الثورة السورية ويُقدِّمُ منظوراً شخصياً عميقاً لكاتبته التي كانت طالبة طب في بداية الأحداث. المحور الأساسي هو تحوُّل الأمل الثوري إلى واقع دموي، وكيف واجهت الكاتبة وعائلتها ومجتمعها المحلي في كفر بطنا هذا التحوُّل. يُجيب الفصل ضمنياً على سؤال: كيف بدت الثورة من الداخل، وكيف تحوّلت من أحلام بالتغيير إلى مواجهة يومية مع القمع والحرب؟
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، يبدأ بالحماس الأولي للثورة. تصف الكاتبة كيف شعرت بأن شيئاً جميلاً يحدث في سوريا، وكيف اعتقدت بسذاجة أن بشار الأسد سيتنحى مثل مبارك وبن علي. هذا الأمل المبني على الاعتقاد بأن الاحتجاجات هي "نبض الشعب الحقيقي" سرعان ما تصادم مع واقع القمع. تشرح الآلية التي كانت تتم بها المظاهرات بعد صلاة الجمعة، وكيف كانت المساجد منصة للانطلاق رغم أن الخطباء كانوا غالباً موالين للنظام. ثم تنتقل إلى الكيفية التي كسر بها موت أول شهيد في بلدتها، ماهر النجار، في 22 أبريل 2011، حاجز الخوف. تقول الكاتبة إن موته جعل الهمسات بالثورة تتحول إلى نداءات صاخبة، وأصبح إطلاق لقب "شهيد" على المحتجّين فعلاً تحدّياً صريحاً.
يتوسع الفصل في الحديث عن تبعات القمع. تروي الكاتبة كيف حوّلت جنازات الشهداء إلى مظاهرات أكبر، مما خلق "حلقة مفرغة خرجت عن السيطرة". ثم تنتقل إلى حادثة مداهمة الجيش لمنزلهم، واقتحام الجنود له دون سبب، مما أثار رعباً شديداً لديها لأنها كانت تعلم ما يمكن أن يحدث للنساء في مثل هذه المواقف. هذا الخبرة الشخصية المباشرة توضح وظيفة الحجة المركزية: القمع الوحشي لم يُسكت الناس، بل زاد من حدة الكراهية ودفع المزيدين للانضمام للثورة. كما تذكر حادثة انشقاق ثلاثة مجندين من حيهم، وكيف تم إلقاؤهم من الطابق الرابع بعد إبلاغ مخبر عنهم، مما عمّق مشاعر الكراهية والغضب.
طوال الفصل، هناك تركيز على المعضلة الأخلاقية والعملية المتعلقة بالرعاية الطبية. ففي عام 2012، وبينما كانت في سنتها الأخيرة في كلية الطب، طُلب منها معالجة صبي أصيب برصاصة طائشة، فوجدته ميتاً بالفعل. هذا الحدث دفعها للشعور بالعجز والحاجة لتعلم كيفية التعامل مع الجروح. ثم تأتي قصة إصابه زوجة أخيها، أميرة، برصاصة في فخذها أثناء عودتها من زيارة أهلها، مما يوضح كيف أصبح الذهاب إلى المستشفى خطراً بسبب اعتقال الأطباء والجرحى على أيدي قوات الأمن. تبرز هنا الحجة القائلة إن النظام جعل الخوف يحول دون مساعدة الناس لبعضهم البعض، لكن هذه الوحشية لم تزدهم إلا إصراراً على اختيار جانب الثورة.
في سبتمبر 2012، تم تحرير كفر بطنا من قبل رجال البلدة المسلحين. لكن الكاتبة لم تكن مبتهجة بالكامل، لأنها عرفت من نمط التحرير السابق أن القصف سيتبعه فوراً. وهذا ما حدث بالفعل: بدأ القصف بالصواريخ، ثم بطائرات الهليكوبتر، وأخيراً بطائرات الميغ والسوخوي. تصف الكاتبة كيف تعلمت ككل سوري التمييز بين أصوات الحرب، وتأقلمت مع القصف حتى أصبح لا يسجل في وعيها. لكن طائرات الحرب ظلت الأكثر رعباً، حيث تظهر فجأة وتزرع الرعب في النفوس.
لا يتضمن الفصل تحفظات كبيرة من الكاتبة على مسار الثورة نفسها، بل يقرّ بأن بعض العناصر في المعارضة السورية بدأت تتجه نحو العنف المسلح، وهو اتجاه لم تكن تدعمه هي ولا من تعرف. لكنها تقدم ذلك كرد فعل عنيف على لغة العنف التي يفهمها النظام. كما تشير إلى الانقسام الحاد في المجتمع السوري بين مؤيد ومعارض للأسد، وهو انقسام تعمّق بالدم. في النهاية، تترك الكاتبة أسئلة مفتوحة حول المستقبل المجهول الذي كانت سوريا تتجه نحوه. من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص هو تصويرها للعنف المسلح كرد فعل لا اختيار، وتأكيدها على أن القمع هو ما صنع المسلحين وليس العكس، وهي وجهة نظر قد يختلف معها البعض.
4.الفصل الرابع: نقاط التحول49–57▼ ملخص
في أكتوبر 2012، تخرّجت الكاتبة أماني بلّور من كلية الطب، لكن دون احتفال أو صور جماعية، واكتفت بتسلم الشهادة والعودة إلى المنزل. كان فرح والديها عارماً، رغم استمرار الثورة والمواجهات المسلحة. لكنها تدرك لاحقاً أن ذلك اليوم كان واحداً من آخر أيام السعادة الحقيقية لعائلتها. ففي 8 نوفمبر 2012، وقع "أسوأ يوم" في حياتها: توفي جدها لأمها، لكن المأساة الأكبر كانت في غارة جوية شنها الطيران الحربي السوري على منزل شقيقتها زينة.
كان المنزل مكتظاً بالأقارب والمعزين بوفاة الجد، بينما حلّقت الطائرات الحربية في السماء دون توقف. خرجت عمة الكاتبة لإحضار بنات زينة الثلاث اللواتي كن في منزل والدتهن، لكن غارة جوية عنيفة هزت الأرض. انهار جزء من مبنى زينة بالكامل، واختفى المبنى المجاور. هرع الرجال للبحث تحت الأنقاض بأيديهم، إذ لم تكن فرق الخوذ البيضاء قد تشكلت بعد. عُثر على الطفلة سارة (9 سنوات) حية تحت باب، وأصيبت بجروح طفيفة. أما سوزان (16 عاماً) فقد قذفها الانفجار إلى سطح مجاور، وأصيبت بكسور في الجمجمة وفقدت الوعي. وعُثر على العمة مصابة بجروح في البطن.
أما الطفلة سلام (7 سنوات)، ذات الابتسامة المشاغبة وشعرها الأشقر، فقد جلبها عمها فاتح ميتة بين ذراعيه. سحقتها جدار انهار عليها. انهارت زينة، ورفضت أن تفارق جثة ابنتها، مردّدة أنها "تبدو بخير". لم يُظهر الجسد سوى جرح غائر في مؤخرة الرأس. دُفنت سلام في نفس اليوم. ظلت زينة تسأل لأسابيع إن كانت ابنتها قد دُفنت حية، وتطلب التأكد مراراً.
رفضت العائلة ترك سوزان تموت، فتوجهوا بها عبر حواجز النظام إلى جرمانا، أقرب منطقة يسيطر عليها النظام، مع أن الطيران الحربي مصدره النظام نفسه. عند الحاجز الأول، قال الجندي: "لأنها بنت، يمكنها المرور. لو كانت مراهقاً جريحاً، لما سمحت". أُدخلت سوزان المستشفى وأجريت لها عملية جراحية ناجحة لجمجمتها. أمضت الكاتبة وزينة ثلاثة أيام في المستشفى، صامتة زينة لا تأكل ولا تتكلم، تحدق في صور سلام على هاتفها وتبكي.
بينما كانت العائلة لا تزال تحت الصدمة، أنجبت زوجة فاتح ابنتهما الأولى في 25 نوفمبر 2012 بعد أسبوعين من الغارة. فرح فاتح كثيراً، وكان قد اشتهى بنتاً يدللها. غادر مع زوج زينة ماهر في الثامنة صباحاً ليشتري مستلزمات المولودة، قائلاً لأماني: "اعتني بزوجتي". لم يعدا أبداً. اختفيا دون أثر، ولم يجيبا على هواتفهما رغم أن التغطية كانت متوفرة في دمشق. صدمة جديدة تضاف إلى سلسلة الخسائر التي أنهت أي أمل في عودة الحياة كما كانت.
يطرح الفصل إجابة واضحة: نقطة التحول في حياة الكاتبة لم تكن مجرد سقوط قتيل، بل تحوّل الحرب من حدث خارجي إلى جرح شخصي مباشر يغيّر كل شيء. تسير السردية زمنياً من فرحة التخرج إلى يوم مقتل سلام، ثم اختفاء فاتح وماهر، لتظهر كيف أن قراراً واحداً – كالتأخر في مغادرة المنزل لأداء واجب العزاء – قد يودي بحياة طفلة بريئة. الأمثلة مفصلة وصادمة: وصف جسد سلام الذي يبدو سليماً من الأمام بينما فتحت قذيفة مؤخرة جمجمته، وإصرار زينة على إنكار الموت، والجندي الذي يقرر السماح لسوزان بالمرور فقط لأنها أنثى. لا يخلو الفصل من حدود واضحة: الكاتبة لا تدّعي معرفة مصير فاتح وماهر، وتترك الأسئلة مفتوحة. كما تعترف بأن رد فعلها كان إنكاراً، وبأنها لم تكن قد اعتادت بعد على مشاهد الموت رغم دراستها الطبية. الجدل الأخلاقي ضمنياً لا صريحاً: كيف يمكن لطبيب شاب أن يوازن بين تعاطفه الإنساني والعمل في ظل نظام يستهدف الأحياء السكنية عمداً دون أي مبرر عسكري؟
5.الفصل الخامس: شارع الموت59–69▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على التحوّل الجذري في حياة أماني بلّور، من طالبة طبّ متخرّجة حديثاً إلى طبيبة ميدانية في مستشفى تحت الأرض في بلدة كفر بطنا الخاضعة لسيطرة المعارضة، ويُصوّر محاولاتها اليائسة للتوفيق بين رغبتها في خدمة مجتمعها المحاصر والخوف الدائم على حياتها وحياة عائلتها. المحور الأساسي هو فقدان الأمل والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الحياة في ظل النظام السوري تحوّلت إلى كابوس من الاختفاء القسري والقصف العشوائي والحصار الخانق، حيث يصبح النجاة في حد ذاته إنجازاً.
يبدأ الفصل باختفاء شقيق أماني الأكبر، فاتح، وزوج أختها ماهر، بعد أن احتجزتهما قوات الأمن في "نقطة تفتيش طائرة" في بلدة عدرا. يصف الفصل اليأس الذي أصاب العائلة بعد أن استنفدت كل صلاتها ودفعت المال لمحامين لا يقدمون أي معلومات مؤكدة. ويمضي الوقت دون أن تعرف العائلة مصير الرجلين، ليبقيا ضمن مئات الآلاف من السوريين الذين اختفوا قسراً. هذا الحدث يُبرز عجز المواطن العادي أمام جهاز أمني لا يرحم ولا يقدم أي مساءلة.
يعود الفصل بعد ذلك إلى الصعوبات المعيشية داخل منزل العائلة المكتظ في جرمانا، حيث تعيش عدة عائلات بعد نزوحها من كفر بطنا بسبب القصف. يصف الفصل كيف أن هذه الضغوط اليومية، إلى جانب الصدمات المتعددة (موت الشقيق سلام، إصابة بنات الأخت، النزوح)، جعلت الأجواء متوترة. بعد شهر تقريباً، تقرر أماني ووالداها العودة إلى كفر بطنا برغم المخاطر، متمسّكين ببقايا حياتهم الطبيعية.
يتحوّل السرد بعدها إلى اكتشاف أماني لمستشفى "الكهف" الجديد، وهو مستشفى ميداني أُنشئ في الطابق السفلي لمبنى مستشفى لم يكتمل بناؤه في ساحة كانت تشكل جزءاً من طفولتها السعيدة. يُقدّم الدكتور سليم نمور، الجراح العام، نفسه كطبيب وحيد في المستشفى، وقد ترك عيادته في دمشق وعمله التدريسي ليعالج جرحى الانتفاضة. تشرح أماني كيف بدأت التطوع هناك على الفور بتاريخ 12/12/2012، متحديةً مخاوف والديها اللذين كانا يخشيان عليها بعد فقدان ابنهما.
يستعرض الفصل طبيعة العمل في "الكهف"، حيث الهرم الطبي منهار والجميع يقوم بأي مهمة، من تنظيف الدماء إلى إجراء العمليات. يصف الدكتور سليم بأنه كان يُجري تدريبات ارتجالية للفريق الصغير، ويُعلّمهم مهارات مثل تجبير العظام وخياطة الجروح، وحتى الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية خلال العمليات. تقدم أماني وصفاً مؤثراً لأول مرة تخيط فيها جرحاً لطفل في الرابعة من عمره، وكيف أن ضغط الأب وخوفها جعلا المهمة تبدو طويلة جداً. يوضح هذا المثال كيف أن الحرب أجبرت أطباءً حديثي التخرج على تحمّل مسؤوليات تفوق خبرتهم بكثير.
يتناول الفصل أيضاً التحديات الإضافية التي واجهتها أماني، مثل اضطرارها للعمل في عيادة في بلدة عين ترما المجاورة لتدعم عائلتها مادياً، بعد أن أصبحت هي المعيل الوحيد لها. يصف خط سيرها اليومي الخطير عبر طريق يُعرف باسم "شارع الموت"، وهو طريق رئيسي مكشوف للقصف وتحيط به منازل مهدمة، وتروي مرة كاد فيها شظايا قذيفة أن يصيبها. هذه التفاصيل تُظهر الاستهتار المطلق بحياة المدنيين وغياب أي مكان آمن. تعكس الأرقام التي تذكرها أماني، مثل راتبها الجيد نسبياً مقارنة بالقطاع الحكومي أو عدد الأطباء المحدود في الغوطة، واقع الانهيار الاقتصادي والخدمي.
يُقرّ الفصل بحدود واضحة: العجز التام عن معرفة مصير المختفين، وفشل كل الوسائل القانونية والشخصية للحصول على أي معلومة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مصير فاتح وماهر، ومصير العديد من المرضى الذين تُركوا دون رعاية بسبب نقص التمويل والإمكانيات. وأخيراً، يُظهر الفصل حقيقة يمكن مناقشتها وهي أن الحرب لم تغيّر فقط المشهد المادي، بل غيّرت أيضاً الأدوار الاجتماعية التقليدية، مما جعل امرأة شابة غير متخصّصة تترأس عيادة أطفال، وأطباء بيطريين يعالجون بشراً. هذا التكيّف القسري مع الكارثة هو جوهر ما يرويه الفصل.
6.الفصل السادس: يبدأ الحصار70–77▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل، السادس من كتاب "الكهف"، بتوثيق لحظة تحول جذرية في حياة الناس في الغوطة الشرقية وهو بداية الحصار الذي فرضته قوات النظام السوري في أبريل 2013. يقدم الفصل إجابة واضحة عن سؤال كيف يتحول المجتمع من حياة طبيعية إلى حالة من البقاء على قيد الحياة تحت حصار خانق. الموضوع المحوري ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو وصف دقيق لتجربة الحرمان التدريجي الذي يمس كل تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من الخبز وصولاً إلى الملح، وكيف يتكيف البشر مع هذه الظروف القاسية.
يسير الفصل خطوة بخطوة مع تفاقم الحصار، مستخدماً سرداً شخصياً قوياً. يبدأ بمصادرة الخبز عند الحواجز، مما اضطر عائلة الكاتبة للخبز في المنزل رغم عدم إتقانهم لهذه المهارة. ثم ينتقل إلى انقطاع الكهرباء الذي لم يعد لساعات بل لأيام، حيث كانوا يحصلون على 10 أو 15 دقيقة فقط من الكهرباء يومياً، مما جعل المنازل "مظلمة دائماً". يصف الفصل تفاصيل الحياة في هذا الظلام: النوم في حرارة الصيف دون مروحة، والاستيقاظ مغطى بلدغ الحشرات، ثم جفاف صنابير المياه لأن المضخات تحتاج للكهرباء، واضطرارهم لحمل المياه يدوياً من الآبار.
يتعمق الفصل في تفاقم الأزمة عندما اختفت أسطوانات الغاز، فاضطروا للطبخ بالحطب. هنا، يقدم الفصل أمثلة حية على التدهور الصحي: معاناة الكاتبة ووالدتها من السعال والتهاب الحلق المستمر بسبب استنشاق الدخان، ورؤيتها لأطفال في مشفى "الكهف" يعانون الأعراض نفسها. ثم يصف تحول الحطب نفسه إلى سلعة ثمينة، مما دفع الناس لقطع الأشجار المثمرة التي كانت تميز الغوطة الخضراء، وهو مشهد يسبب ألماً للكاتبة. في هذا السياق، يعترف الفصل بأن أحداً لم يتخيل أن الوضع سيزداد سوءاً، فقد ظن الناس أن الحصار سينتهي أو أن المجتمع الدولي سيتدخل.
يبلغ وصف الجوع ذروته في شتاء 2013 وأوائل 2014، حيث يعترف الفصل بأن "أسوأ ما في الأمر كله كان الجوع". بعد نفاد الطحين، يصفون كيف بدأوا يأكلون علف الحيوانات بعد طحنه، متذكرين مرارته ورائحته الكريهة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. يوضح الفصل كيف استغل "مجرمي الحرب" الأزمة، مثل منتج ألبان كبير من دوما له صلات بالجيش، كان يدخل بعض المواد الغذائية عبر حاجز مخيم "وافدين" ليباع بأسعار خيالية، حيث وصل سكر لسعر يعادل 20 ضعف سعره في دمشق. ويشير الفصل إلى تحفظ مهم: أن بعض النساء كن يذهبن إلى ذلك الحاجز يتوسلن للخروج لشراء طعام لعائلاتهن، لكن الناس كانوا يقولون إنهن يدفعن الثمن بأعراضهن أو يتعرضن للاغتصاب.
يوثق الفصل لحظات من الاضطرار إلى أكل أي شيء: أزهار برية مسلوقة تسببت بتقيؤ الكاتبة ليلة كاملة، وخلط الزعتر بزيت المكدوس المستعمل، وصولاً إلى نقطة لم يعد فيها ملح حقيقي في الغوطة، حيث تسممت عائلة من زملكا بعد تناولها ما ظنته ملحاً فتبين أنه كلوريد الأمونيوم، مما أدى لوفاة طفلين. يصف الفصل أيضاً مراحل متأخرة من الحصار حيث حلّت أوراق الملفوف مكان الخبز، وأصبح قرع مبشور ومقلي ملفوفاً بأوراق الملفوف يُسمى "شاورما القرع" طبقاً شهيراً رغم طعمه السيئ. لكن الفصل لا يخلو من لحظات فرح هشة، مثل ظهور الموز والبطاطس فجأة في الأسواق بأسعار خيالية، فاشترتها الكاتبة واحتفلت بها عائلتها وكأنه عيد.
مع صيف 2014، تحسنت الأحوال نسبياً مع إزهار أشجار الفاكهة؛ فظهر المشمش الذي صنعوا منه "عَمَرْدين" (معجون مشمش مجفف) كمصدر رئيسي للطاقة، وظهرت أشجار التوت في الحديقة، وزرعوا الذرة، ثم بدأوا بصنع خبز من الشعير كان أفضل من أوراق الملفوف. ورغم كل هذا، يقر الفصل أن القصف الجوي والمدفعي لم يتوقف. لكن السمة الأهم هنا هي الإقرار بقدرة البشر الهائلة على التحمل والتكيف، حيث يصف الفصل كيف تضامن المجتمع: حفر الجيران بئراً أقرب للمنازل، وتوصيل المولدات الكهربائية باشتراكات شهرية باهظة، وتقاسم الأسر القادرة طعامها مع العاجزات. كما يذكر أن المشفى بدأ يتقاضى رواتب (10,000 ليرة سورية للكاتبة، أي حوالي 33$ في ذلك الوقت) من منظمة غير حكومية أجنبية، وهو دخل متواضع لكنه أفضل من لا شيء، وكانوا يتشاركونه مع المحتاجين.
الفصل بأكمله مبني على أدلة سردية وشخصية، وهو لا يقدم حججاً نظرية بقدر ما يقدم شهادة حية على جريمة حرب ممتدة. الحجج القابلة للنقاش تضمرها تفاصيل الفصل نفسه، مثل دور "مجرمي الحرب" المحليين الذين استغلوا الحصار لتحقيق أرباح طائلة، مقابل صورة التضامن المجتمعي والتكيف الإنساني. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول دور المجتمع الدولي الذي لم يتدخل، وحول كيف يمكن للبشر أن يتأقلموا مع ظروف لا تطاق، وكيف يمكن للجوع أن يدفع الناس لارتكاب أفعال يندمون عليها أو تدمّر سمعتهم. لكنه في النهاية، يؤكد على فكرة الصمود والابتكار في مواجهة الموت البطيء.
7.الفصل السابع: الموت78–84▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تجربة الموت اليومي في مستشفى "ذا كيف" تحت الأرض، وكيف غيّر هذا الواقع المستمر تفكير الطبيبة أماني بالور ومشاعرها تجاه الحياة والعالم. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الموت في الحرب لا يصبح أمراً مألوفاً أبداً، بل يترك ندوباً نفسية عميقة، ويكشف عن عجز المهنيين الطبيين وعجز المجتمع الدولي عن حماية الأبرياء.
يسير الفصل بتسلسل زمني وعاطفي، يبدأ بوصف كيف أصبح فريق المستشفى كالعائلة رغم القسوة. يصف الكاتبة مشاعر الألفة داخل "ذا كيف" قبل أن تنتقل فجأة إلى تفاصيل يوم مروع في عام 2013، عندما وصل ضحايا حروق بالغة من غارة جوية على سوق في كفر بطنا. هنا، تقدم الكاتبة مثالاً حياً على العجز الطبي: رجل سمين احترق لحم ساقيه حتى العظم، ولم يبقَ للأطباء سوى إعطائه مسكنات والانتظار حتى الموت. وظيفة هذا المثال هي إظهار أن الطبيب يتحول أحياناً إلى مجرد شاهد عاجز على المعاناة.
ثم ينتقل الفصل إلى وصف مشاهد الموت المتكررة، مثل مريض دخل المستشفى وجزء من دماغه خارج جمجمته، أو شاب أصيب بجروح في الصدر وكان وضعه مستقراً ثم مات فجأة. هذه الأمثلة تؤكد أن قلة الإمدادات وغياب غرف العناية المركزة في الغوطة الشرقية (التي لم يكن بها سوى اثنتي عشرة سريراً فقط) جعلت الأطباء عاجزين عن إنقاذ من يحتاجون إلى رعاية متقدمة. تعترف الكاتبة بأنها كانت تتجادل مع أطباء في عيادات أخرى لتأمين سرير لمريضها، لكن كل المرافق كانت منهكة وناقصة الموارد.
يصل الفصل إلى ذروته مع وصف الهجوم الكيميائي في 21 آب/أغسطس 2013، عندما استخدم غاز السارين في الغوطة. هذا الحدث هو المحوري في الفصل. الكاتبة تصف كيف أن الفريق الطبي الصغير لم يكن يعرف حتى ما يتعاملون معه في البداية. المثال الأهم هنا هو قصة هبة، عاملة المختبر في "ذا كيف"، التي فقدت والديها وأخويها (بعمر 15 و12 سنة) في تلك الليلة، وأصيبت هي وأخوها خالد بمضاعفات خطيرة. هذه القصة تظهر أن الكارثة لم تكن مجرد أرقام، بل دمرت عائلات بكاملها. يذكر الفصل أن فريق التقصي الدولي حصل على عينات دم من الناجين، بما فيهم هبة وخالد.
يدرج الفصل أرقاماً مهمة: ينقل تقدير ناشطين أن عدد القتلى في الهجوم الكيميائي بلغ حوالي 1,400 شخص، لكن الكاتبة تعتقد أن الرقم أعلى من ذلك. كما يذكر أن تحقيق الأمم المتحدة خلص إلى وجود "أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام السارين، لكنه لم يحدد المسؤول. هذا يقود إلى تحول فكري حاسم لدى الكاتبة: خيبة أملها من المجتمع الدولي الذي لم يعاقب النظام السوري، رغم أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان قد اعتبر استخدام الأسلحة الكيميائية "خطاً أحمر". تشير الكاتبة إلى اتفاق أيلول/سبتمبر 2013 بين الولايات المتحدة وروسيا لنزع الأسلحة الكيميائية، وتقول إنها أصيبت بخيبة أمل لأن العقاب الوحيد كان مصادرة السلاح لا معاقبة المجرم. ثم تذكر أنه بحلول 2014، ادعى النظام تسليم أسلحته، لكن الهجمات الكيميائية استمرت في مناطق أخرى.
يفتح الفصل أسئلة مفتوحة عن شعور الكاتبة بالخوف من المستقبل المجهول واقتناعها بأن المجتمع الدولي لا يبالي بالسوريين. كما يترك تساؤلاً ضمنياً عن جدوى المعايير الدولية عندما لا تُطبق. الحجة القابلة للنقاش بوضوح هنا هي موقف الكاتبة من المجتمع الدولي، حيث ترى أن صمته وتقاعسه شجّعا على ارتكاب المزيد من الفظائع، وهو موقف يختلف فيه المراقبون والمحللون في تفسير أسباب هذا الصمت. في النهاية، يُنهي الفصل بغضب وأسى، متسائلاً عما إذا كانت جريمة الضحايا هي أنهم آمنوا بالحرية والديمقراطية.
8.الفصل الثامن: اشتداد الحصار85–94▼ ملخص
الموضوع المحوري يركّز هذا الفصل على تفاقم ظروف الحصار الخانق الذي فرضه النظام السوري على الغوطة الشرقية في الفترة بين 2013 و2017، وكيف أثّر هذا الحصار بشكل مباشر وغير مباشر على حياة الأطفال والمدنيين. يقدم الفصل إجابة واضحة: الحصار لم يكن مجرد إغلاق جغرافي، بل كان سلاحاً فتاكاً يقتل ببطء عبر حرمان السكان من الغذاء والدواء واللقاحات، وأدى إلى تشويه النسيج الاجتماعي.
سير الفصل والحجج والأمثلة يبدأ الفصل في أواخر عام 2013، بعد الهجوم الكيماوي، حيث تصف الكاتبة كيف أنها اعتمدت على الكتب المدرسية التي أحضرتها من دمشق لتعليم نفسها طب الأطفال، وذلك بسبب انقطاعها عن العالم الخارجي. تروي كيف استفادت من طبيبين كبيرين من بلدة عربين هما الدكتور يحيى (أستاذها السابق في الجامعة) والدكتور بشير، اللذين كانا يتسمان بالكفاءة العالية والسن المتقدمة، وشاركاها خبراتهما. كما تفرح بانضمام طبيبة شابة أخرى إلى فريقها في مشفى "الكهف" في عام 2014، وهي الدكتورة آلاء، التي كانت تبلغ من العمر 27 عاماً ولديها خبرة سنتين في مشفى الأطفال الرئيسي في دمشق. تسرد الكاتبة كيف أن آلاء تركت تخصصها في دمشق وعادت إلى بلدتها سقبا في الغوطة الشرقية، وكيف واجهت صعوبات في دخول الغوطة عبر حواجز النظام، لكنها نجحت في النهاية باستخدام بطاقة هوية مستشفاها الحكومي.
يتناول الفصل لاحقاً تعلّم الكاتبة لطب حديثي الولادة تحت إشراف الدكتور يحيى الذي كان يرى أن هذا الفرع هو جوهر التخصص. تصف كيف كانت تقضي نهارها في "الكهف" ولياليها في وحدة حديثي الولادة في مستشفى القدس في حمورية، حيث تعلمت عملاً دقيقاً. توضّح أن وحدة الدكتور يحيى كانت تفتقر إلى المعدات، فلم يكن فيها سوى جهازَي تنفُّس وست حاضنات، بينما يحتاج كل طفل إلى جهاز خاص به، مما اضطرهم إلى التنفس اليدوي باستخدام أمبو (Ambu). تقول الكاتبة إن العديد من الأطفال كانوا يفقدون حياتهم في تلك الوحدة، ففي بعض الأيام كان هناك خمسة أطفال يموتون جميعاً في اليوم التالي.
تنتقل الكاتبة إلى الحديث عن انضمام ممرضتين رائعتين إلى فريق "الكهف" هما سامر وفَرَح. كانت فرح خجولة جداً لدرجة أنها ظلت تقف بعيداً عن المرضى لأشهر قبل أن تألف المكان. أما سامر فكانت "قوّة طبيعية" وطاقة دائمة الحركة، لكنها كانت تحمل الكثير من الألم؛ فوالداها مطلقان، وأختها الصغرى احتجزها أحد دوريات الأمن التابعة للنظام في بداية الثورة لعدم حملها أوراقاً ثبوتية، واختفَت مثل فاتح وماهر، مما جعل الموضوع مؤلماً جداً يُتجنّب الحديث عنه.
يصف الفصل السنوات 2014 و2015 بأنها كانت كئيبة جداً، إذ كان الجميع منهكين جسدياً ونفسياً. يوضح الكاتب كيف أن الحصار كان يقتل الأطفال بشكل مباشر وغير مباشر، خاصة المصابين بأمراض مزمنة مثل الثلاسيميا والسرطان، إذ لم تكن الأدوية كافية لإجراء العلاج الكيميائي أو نقل الدم. كانت حواجز النظام لا تسمح بمرور الأطفال المرضى أو أدويتهم. تذكر الكاتبة أنها كانت شديدة الارتباط بمرضاها، وأن كل خسارة لطفل كانت تؤلمها بعمق، فلم تستطع الانفصال عنهم كطبيبة ولا كإنسانة.
يتناول الفصل الأمراض الموسمية الناتجة عن تلوث المياه أو حرق الوقود غير النظيف والبلاستيك. كان فصل الصيف يجلب أمراض الجهاز الهضمي، والشتاء يجلب الأمراض التنفسية. أدى انعدام الكهرباء والاعتماد على مياه الآبار غير المعالجة إلى عودة الأمراض المنقولة بالمياه مثل التيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي أ. تذكر الكاتبة أن بعض المزارعين كانوا يسقون الخضروات بمياه المجاري، وأن متطوعين في الغوطة تتبعوا مصدراً لتلوث مياه الثلج المستخدم في تبريد المشروبات وتسبّب في وباء التهاب كبدي.
كانت حالات سوء التغذية بين الأطفال تتزايد بشكل كبير، وتصف الكاتبة مشهداً مؤلماً: تبرعاً بأقل من عشرين علبة حليب أطفال لتوزيعها على أكثر من 100 طفل جائع، ومعظم أمهاتهم يعانين سوء التغذية. تذكر أنها وزنت كل طفل لاختيار الأكثر احتياجاً، وتذكر أن طفلاً عمره شهر واحد كان وزنه 3.3 أرطال بينما يجب أن يكون وزنه حوالي 9 أرطال. عندما لم يحصل بعض الأطفال على الحليب، وجه إليها الأهل اتهامات بالقسوة وعدم الإحساس. وفي حادثة مؤلمة أخرى، جاءها رجل بعد سنوات وأخبرها أنها حرمت طفلته من الحليب، وأنها ماتت جائعة أثناء القصف، مما جعلها تشعر كأنها طعنت في قلبها.
العزاء الوحيد للكاتبة كان الدين، فتجد في كفر بطنا بضع دقائق يومياً لقراءة القرآن، وكانت الصلاة ملجأها الروحي بعيداً عن جحيم الغوطة. تأمل أن يكون الأبرياء الذين عانوا كثيراً قد عُوّضوا في الآخرة، لأنه لا عدالة في هذا العالم.
في مطلع عام 2017، تسبب نقص اللقاحات في وباء الحصبة، ونقص الأدوية الخافضة للحرارة. كان الأهل اليائسون يتبعون الكاتبة إلى منزلها ويطرقون بابها في الصباح الباكر. قررت التحدث إلى وسائل الإعلام للمرة الأولى وطلبت اللقاحات علناً. توضح أنها استخدمت اسمها الحقيقي دون تمويه، رغم مخاطر التعريف بنفسها كطبيبة في صفوف المعارضة، لكنها شعرت أن الله سيحميها لأنها على حق.
تتحدث الكاتبة عن كيف تغيرت شخصيتها من فتاة خجولة منعزلة إلى طبيبة ناشطة، وأنها أصبحت تشعر براحة مع نفسها. تذكر كيف دافعت عن حقوقها منذ طفولتها، والآن أصبحت الظالمة هي الحصار، وخاصة تأثيره على الأطفال.
يتناول الفصل عواقب اجتماعية أخرى للحصار، منها تزويج بعض الأهالي لبناتهم الصغيرات لتخفيف أعباء الطعام. تذكر مثالين: راما التي كانت 11 سنة عندما بدأت تعالجها من الربو، وتزوجت وهي في الرابعة عشرة تقريباً، وأصبحت أرملة في سن الرابعة عشرة بعد أربعة أشهر من زواجها. والمثال الثاني علاء التي كانت تبلغ حوالي 9 سنوات عندما جرحت بشظية، وتزوجت في سن 12 سنة تقريباً وارتدت العباءة والنقاب، مما جعل الكاتبة لا تعرفها. تذكر أن أكثر من 10 فتيات ومراهقات في حيها فقط تزوجن في سن مبكرة وأصبحن أرامل، وأكبرهن كانت 15 سنة. تشرح الكاتبة أن الفقر دفع بعض الأهالي للتخلي عن أطفالهم لأنهم لا يستطيعون إطعامهم، كما حدث مع يتيمة رفض أقاربها استضافتها لأنهم لا يملكون المال.
كما تناقش الكاتبة موضوع القيل والقال الذي تعرضت له هي وزملاؤها في المشفى من قبل بعض أعضاء المجلس المحلي في كفر بطنا، الذين كانوا يعتبرون عمل النساء إلى جانب الرجال "مخلاً بالشرف". كانوا يصفون العاملات في المشفى بكلمات مثل "سيئات" و"فاسدات" و"عديمات الشرف"، ويصفون المشفى بـ"روضة العشاق". تشرح الكاتبة أن هذا الثرثرة لم تكن مجرد كلام جارح، بل كان لها عواقب وخيمة على سمعة الفتاة وزواجها. تذكر أن بعض الممرضات استقلن بسبب ذلك، وهو ما كان خسارة للمشفى. بالرغم من الألم، لم تترك الكاتبة عملها، وفضلت ألا يعرف والداها بهذه الإشاعات لحمايتهما، لكنهما عرفا من خلال "عناوين الأخبار" إلا أنهما لم يطلبا منها التوقف عن العمل.
التحفظات والأسئلة المفتوحة يقر الفصل بحدود القدرات الطبية، مثل نقص المعدات والأدوية، والاضطرار لاستخدام أدوية منتهية الصلاحية، وصعوبة الاختيار بين المرضى. كما يترك أسئلة مفتوحة: هل كان أحد يستمع إلى صرخات الأطباء والمتضررين؟ هل هناك عدالة في العالم بعد كل هذه المعاناة؟ وكيف يمكن لبعض الرجال في نفس المجتمع المحاصر أن يجدوا وقتاً لإلحاق الأذى المعنوي بالنساء المنقذات للحياة؟
حجج قابلة للنقاش يظهر في الفصل تناقض بين دور المجتمع المدني (المجالس المحلية، المتطوعين) في محاولة تنظيم الحياة وتقديم الخدمات، وبين الممارسات الاجتماعية الأبوية والتمييزية التي كانت تعرقل هذا العمل، مثل منع النساء من المشاركة في المجلس المحلي وإشاعة القيل والقال عن العاملات في المشفى. هذا التناقض يثير تساؤلات حول أولويات المجتمع تحت الحصار وكيف أن الجوع والفقر يمكن أن يغيرا التقاليد العائلية نحو الأسوأ (تزويج الأطفال والتخلي عن الأيتام) لكن لا يغيران بالضرورة التقاليع الذكورية الضارة.
9.الفصل التاسع: التعذيب والأنفاق95–103▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على التحوّل الذي طرأ على الثورة السورية في منطقة الغوطة الشرقية، من انتفاضة سلمية إلى صراع مسلّح، ويبحث في العلاقة المعقدة والمتناقضة بين المدنيين والجماعات المقاتلة التي ظهرت لحمايتهم. لا يقدّم الفصل إجابة واحدة، بل يرسم صورة قاتمة لواقع يعيشه المدنيون تحت حكم فصائل متنوعة، بعضها يمارس نفس أساليب القمع التي حاربها.
يبدأ الفصل بوصف المشهد العسكري المتشظّي في الغوطة الشرقية بحلول عام 2012. فبعد أن كانت البداية عفوية بحمل السلاح للدفاع عن النفس، أصبحت هناك هيكلية تحت مظلة الجيش السوري الحر، لكنها بقيت غير منظمة. في بلدة كفر بطنا، كانت السيطرة لكتيبة واحدة هي فيلق الرحمن، بينما سيطرت جيش الإسلام على بلدة دوما المجاورة. يصف الفصل حساسية الأهالي تجاه قائد الفيلق غير المحلي، أبو نصر شمير، الذي اضطر للحرص على احترام التقاليد المحلية لكسب ودّهم. كما يتناول دوافع انضمام المقاتلين، التي تراوحت بين الإيمان بالقضية والحاجة إلى راتب في ظل غياب فرص العمل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الجماعات المتطرفة التي تعمل خارج إطار الجيش الحر، وأبرزها جبهة النصرة. يصف الراوية مظهرهم الغريب الذي يختلف عن السوريين، وانعزالهم عن المجتمع. ويُسرد موقفان يوضحان التوتّر بينهم وبين الطواقم الطبية النسائية في مشفى "الكهف": الأول عندما أداروا وجوههم نحو الحائط لدى رؤيتهنّ بزعمهم منعاً للاختلاط، والثاني عندما رفض مقاتل منهم إسعافه من طبيبة (صماهر) رغم نزيفه، مما دفعها للبكاء. تصف الراوية شعورها بالخوف وعدم الارتياح تجاه هؤلاء، وتتساءل عن سوريا التي يقاتلون من أجلها، مؤكدة أنها لا تشبه سوريا المتسامحة والعلمانية التي تعرفها. وتشير إلى أن تأثير هذه الأفكار أدى إلى تغيّر ملابس بعض النساء في البلدة، واضطرار أخريات لارتداء الحجاب خوفاً من المضايقات.
ثم ينتقل الفصل إلى فساد بعض فصائل الجيش الحر نفسها، موضحاً أنها لم تكن أفضل من الجماعات المتطرفة ولا من النظام. المثال الأبرز هو قصة منشقّ من حمص اعتقلته فيلق الرحمن بشبهة التعاون مع النظام. يصف الفصل وصوله إلى المستشفى ويداه متورمتان وسلخ الجلد منهما نتيجة التعذيب. يهمس للطاقم بأنه بريء، ثم يُعاد إلى سجنه بعد العلاج. تثير هذه الحادثة غضب الراوية التي تتساءل عن الفرق بين هذه الفصائل و"بلطجية الأسد". وتفصّل كيف أن المقاتلين أصبحوا متسلّطين، يضربون الرجال (مثل المسعف أبو عمار) ويضايقون النساء، في غياب أي سلطة عليا يمكن اللجوء إليها سوى الله.
بعدها، يصف الفصل الاقتتال الداخلي بين الفصائل، وتحديداً بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام، والذي وصل إلى حد استخدام مدافع مضادة للطائرات. أدى هذا الاقتتال إلى استقبال المستشفى لما يقارب مئة إصابة في موجة واحدة من القتال، مما خلق جواً من اليأس والإحباط بين الطاقم الطبي، الذي شعر أن من يفترض أن يحميهم أصبحوا يقتلون بعضهم، بينما يكتفي النظام بالمشاهدة. يصف الفصل شعور الطاقم بأنهم يعالجون الجرحى "آلياً، مثل الروبوتات، بلا قلب"، وأن حياة المقاتلين الذين يعرفونهم من الحي ضاعت بلا طائل. ويعبّر عن الخوف من أن يدخل مقاتل من فصيل المستشفى ليتأكد من عدم علاج "مقاتل من الفصيل الآخر".
أخيراً، يكشف الفصل عن مصدر تموين الفصائل المقاتلة بالسلاح والمواد: الأنفاق السرية التي حفرتها تحت الأرض لتهريب الإمدادات من أحياء دمشق الخاضعة لسيطرتها. في مطلع عام 2015، ظهرت فجأة في الأسواق مواد غذائية كالأرز والزيت، مما كشف عن وجود هذه الأنفاق التي أصبحت لاحقاً "عملاً تجارياً كبيراً" لقادة الفصائل ورجال الأعمال وموظفي النظام الذين يتم رشوتهم. حسّنت الأنفاق الوضع قليلاً وكسرت احتكار تاجر الألبان من دوما، لكنها لم تحل أزمة الجوع وسوء التغذية لارتفاع الأسعار وعدم استمرارية الإمدادات. كما سمحت بتهريب الوقود، مما وفر ساعات قليلة من الكهرباء يومياً. يذكر الفصل أن أقرب نفق لمنطقة الراوية كان في القابون في برزة، التي صالحت النظام عام 2014. على الرغم من خطورة استخدام الأنفاق للعلاج، لجأ إليها بعض المرضى، وقُبض على بعضهم من قبل النظام. وتنهي الراوية الفصل بشعور متناقض: "بصيص أمل صغير، ممر مظلم صغير للراحة فُتح لنا"، في إشارة إلى الأنفاق التي لم تدخلها هي أبداً لأنها تريد البقاء حيث يحتاجها الناس، في مشفاها تحت الأرض.
10.الفصل العاشر: فاصل105–112▼ ملخص
يبدأ الفصل العاشر بمشهد مختلف تماماً عن بقية الفصل؛ فهو يصور لحظات نادرة من الهدوء النسبي في مستشفى "الكهف". تعمد الكاتبة، أماني بلّور، إلى إظهار أن الحياة لم تكن قتلاً وجرحاً فقط، بل كانت تتخللها فترات من السكون استثمرها الطاقم الطبي للتمسك ببقايا إنسانيتهم. كان سماهر، إحدى الممرضات، تطبخ وتخبز للجميع، وكان الطهي على نار الحطب في الخارج يُعدّ طقساً من طقوس الحياة الطبيعية.
يصف الفصل كيف أن الموظفات، ولا سيما النساء، كنّ يقمن بزيارات اجتماعية لأهالي زملائهن، وأمهات الزملاء مثل محمود وزاهر أصبحن صديقات مقربات. تروي أماني تفاصيل رحلة ليوم واحد إلى مزرعة عم إحدى الممرضات، التي تضمّنت حمام سباحة وشواء للحوم، وهو أمر نادر في ظل الحصار. هذه الرحلات، التي قالت عنها إنها كانت بمثابة "جلسات علاج نفسي"، كانت تمنحها دفعة من الطاقة لمواصلة العمل، لكنها كانت دائماً محدودة ومحكومة بضربات الحرب التي كانت تهدد بإلغائها في أي لحظة.
يتخذ الفصل منحىً آخر عندما يتحول التركيز إلى قصة حب بين الممرضة الخجولة فرح وزميلها أبو نور، حيث يتزوجان في صيف 2015 بعد أن تقدّم لخطبتها. يُصوّر الفصل حفل الزفاف بتفصيل حيّ، فكان أوّل حفل زفاف تحضره الكاتبة منذ اندلاع الثورة. تذكر أنها ارتدت فستاناً لم تخرجه من خزانتها منذ بداية الثورة، ووضعت المكياج لأول مرة منذ سنوات. كان الحفل بمثابة متنفس للجميع، رقصوا وضحكوا بصخب، ونسوا الحرب لساعات قليلة، كما لو أن الحياة عادت إلى طبيعتها القديمة.
إلا أن هذا الفرح لم يدم طويلاً. في 28 سبتمبر 2015، بينما كانت أماني تحتسي الشاي مع سماهر وفرح وأبو نور وممرض آخر يُدعى حسن ومدير المستشفى عبد الرحمن، وقعت ضربة جوية استهدفت المستشفى بشكل مباشر. للوهلة الأولى لم تكن الصورة واضحة بسبب الغبار الكثيف، لكن سرعان ما تكشفت الفاجعة: لقد دُمر الجناح الذي كانوا فيه بالكامل. يصف الفصل لحظات الصدمة والبطء، حيث كانت أماني عاجزة عن الحركة بينما كان الدفاع المدني ("الخوذ البيضاء") يتدفقون لإنقاذ الجرحى.
لقي أبو نور وحسن وعبد الرحمن حتفهم في تلك الضربة، بينما أصيبت فرح بجروح في ظهرها، وأُصيبت سماهر بجرح بالغ في رأسها أدى إلى فقدان ذاكرتها ونسيان أسماء زملائها وحقيقة الضربة. تذكر الكاتبة كيف أخبرت فرح بموت زوجها بعد شهر وعشرة أيام فقط من زفافها، لترد عليها وهي في حالة إنكار قائلة إنه ليس ميتاً بل سيأتي لتفقدها.
يختتم الفصل باعتراف الكاتبة بأن هذه الضربة كانت من أسوأ الهجمات التي استهدفت المستشفى، لكنها لم تكن الأخيرة. فبعد الضربة بيومين فقط، في 30 سبتمبر 2015، تدخلت القوات الجوية الروسية رسمياً في الحرب السورية، مما جعل الأمور أسوأ بكثير. يقر المقال بأن المستشفى لم يكن آمناً أبداً، وأن الهجمات على المستشفيات كانت جزءاً من استهداف النظام للمدنيين. لقد كانت ضربة 28 سبتمبر بمثابة جرس إنذار بأنه حتى "الكهف" لم يعد ملاذاً آمناً، وأن الحزن والدمار كانا ينتظران عند الباب، رغم كل المحاولات اليائسة للعيش.
11.الفصل الحادي عشر: رد الفعل113–122▼ ملخص
في أواخر عام 2014، تنحى الدكتور سليم عن منصب مدير مستشفى "الكهف"، ليصبح المنصب انتخابياً، مع استمراره في العمل بالمستشفى. كانت هذه التجربة جزءاً من محاولة أوسع لتطبيق الديمقراطية في المؤسسات المدنية الناشئة في سوريا التي تسيطر عليها المعارضة. كان الأطباء البالغ عددهم نحو اثني عشر طبيباً في كفر بطنا ينتخبون مديراً للمستشفى لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، وكانت هذه الانتخابات فرصة حقيقية للشعور بأنهم يصوتون، على عكس الانتخابات الوهمية التي كانت تجري في عهد الأسد. تصف الكاتبة شعورها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، حين حاولت التصويت في استفتاء عام 2000 باستخدام بطاقة انتخاب خالتها، لتجد أن موظف الاقتراع لم ينتظر إجابتها قبل أن يضع علامة "نعم" نيابة عنها، في مشهد يعكس هزلية تلك الانتخابات.
أُجريت أول انتخابات حقيقية في مستشفى "الكهف"، وفاز فيها الدكتور خالد، وهو جراح مسالك بولية في الأربعينيات من عمره، ليحل محل الدكتور سليم. كان الدكتور خالد محبوباً ومعروفاً بروحه المرحة وقدرته على نزع فتيل التوتر، وهي مهارة ثمينة في مستشفى أصبح مركزاً مجتمعياً يحتضن النقاشات المحلية التي قد تتحول إلى مشاجرات. بنى الدكتور خالد على أسس الدكتور سليم، الذي أنشأ المستشفى من لا شيء في مساحة مهجورة مليئة بالقمامة. انتخب الدكتور خالد لأول مرة في أكتوبر 2014، وخدم فترتين، تزامنت الثانية مع فتح الأنفاق للتهريب غير العسكري، مما سمح له بتوسيع قدرات المستشفى الجراحية والطوارئ من خلال الحصول على المعدات والإمدادات، كما تواصل مع منظمات دولية مثل أطباء بلا حدود والجمعية الطبية الأمريكية السورية.
انتهت فترة الدكتور خالد الثانية في أكتوبر 2015، بعد وقت قصير من التدخل العسكري الروسي وتكثيف الغارات الجوية وقصف المستشفى. أراد الترشح لولاية ثالثة، مما أثار خلافات حادة، لكنه سُمح له بالترشح، وفاز ضده الدكتور فاتح، صاحب مستشفى فاتح القريب. صوتت الكاتبة للدكتور فاتح لأنها أرادت التغيير، رغم تقديرها للدكتور خالد. لكن ضغط إدارة مستشفيين سرعان ما أثقل كاهل الدكتور فاتح، فاستقال بعد خمسة أشهر، وأخبر الكاتبة أنها الأنسب لتولي المنصب. كانت الفكرة مطروحة في ذهنها من قبل، لكنها ترددت لأنها كانت تبلغ من العمر 29 عاماً فقط، ولأنها تفتقر إلى الخبرة الإدارية، لكنها شعرت أنها قادرة على تحسين المستشفى.
استشارت الكاتبة الدكتور سليم الذي شجعها بحماس، وكذلك فعل الدكتور خالد، فأعلنت ترشحها. لكن شقيقها الأصغر محمد، الذي يعمل سائق سيارة إسعاف في المستشفى، لم يكن سعيداً، وحاول ثنيها محذراً من المشاكل التي ستواجهها، لأن مدير المستشفى كان دائماً هدفاً لغضب المجتمع المحاصر. توجهت إلى والديها لتطلب رأيهما. كان والدها قلقاً وقال لها إن الناس لا يرحمون، وإن كل مشاكل المجتمع ستقع على رأسها، بينما توسلت إليها والدتها ألا تزيد من مشاكلها في ظل الحصار والقصف. استمعت إليهما، لكنها قررت الترشح، لأنها شعرت أنها تستطيع فعل ذلك، وأن عليها تحمل المسؤولية، فهي طبيبة.
في الأول من مارس 2016، الذي صادف عيد ميلادها، انتُخبت الكاتبة بالإجماع مديرة لمستشفى "الكهف"، بعد أن مدد الأطباء مدة الولاية من ستة أشهر إلى عام. لم تكن هناك تصفيقات أو خطابات، فقط تهنئة سريعة من الأطباء قبل العودة إلى العمل. لكن بمجرد خروجها إلى الممر، رأت الوجوه العابسة، وسمعت النقد اللاذع. أخبرها شقيقها أنهم حذروها، وعاد إلى المنزل ليخبر والديها. لم يعترضا، لكن والدها قال لها فقط: "اتخذت قرارك، فاستعدي لوجع الرأس". أما الانتقادات فكانت قاسية وسريعة، ومركزة على جنسها فقط، لا على كفاءتها أو خبرتها. قال بعض الرجال للدكتور سليم: "ألم تجدوا أحداً غيرها؟ لماذا انتخبتم امرأة؟ هل لم يعد هناك رجال؟"
كان رد فعل بعض زملائها في المستشفى هو الأكثر إيلاماً، ومنهم فني المختبر الذي كان أصغر منها سناً، لكنه قال لها بصراحة إنه لا يريد امرأة كمديرة. أما سائق الإسعاف الآخر، أبو عمار، فحاول استخدام الدين لتشويه سمعتها، مدعياً أن عملها "حرام"، رغم أن أحداً من "الشيوخ" في البلدة لم يقل شيئاً. كان أبو عمار يحاول تحريض الموظفين ضدها، قائلاً: "هل تريدون امرأة تأمركم وتقول لكم ماذا تفعلون؟" كانت الكاتبة تتجاهله وتغلق باب مكتبها، لكنها لم تجرؤ على مواجهته مباشرة بسبب احترامها له كرجل أكبر سناً. في المقابل، وقف إلى جانبها أطباء مثل الدكتور علاء، ومساعدو الجراحة الشبان محمود وزاهر، وجميع الفتيات في المستشفى، بالإضافة إلى الدكتور سليم الذي كان دائماً موجوداً لتقديم النصح. كانت والدتها تنصحها بالهدوء والصبر، بينما كان الدكتور علاء يقول لها: "تجاهليهم، لا تبرري أي شيء، أنت تستطيعين فعل هذا".
اعترفت الكاتبة بأنها شعرت بالغضب الشديد، لكنها استخدمت هذا الغضب كوقود لإثبات خطأ منتقديها، ولإظهار أنها كفؤة، بل وأنها ستجعل مستشفى "الكهف" أفضل مما كان عليه. كانت مصممة على تغيير عقول هؤلاء الرجال، وإثبات أن المرأة ليست أقل من الرجل، وأن مكانتها ليست في المنزل. كانت ترد على من يقول لها ذلك: "لماذا لا أكون هنا؟ أنا طبيبة درست مثل هؤلاء الأطباء، ومكاني هنا". كما رفضت حجة أن العمل خطير ويحتاج إلى رجل، قائلة: "المرأة يمكنها فعل ذلك أيضاً، وأنا أفعله". أشارت إلى أن طبيبات كثيرات عملن في الغوطة قبل الثورة، وكانت هناك مديرات مستشفيات في دمشق، لكن كون المستشفى ميدانياً في زمن الحرب جعله مؤسسة مهمة، والمنصب فيه ذا سلطة، وهو ما أراده بعض الرجال. في اجتماعات المكتب الطبي الموحد للغوطة، كانت المرأة الوحيدة، لكن الأطباء الآخرين عاملوها كند، لأنهم اعتادوا العمل مع نساء متعلمات ومؤهلات. على الرغم من أنها توقعت بعض المعارضة من الرجال المحافظين، إلا أن خيبة أملها الكبرى كانت من زملائها الشباب المتعلمين في المستشفى، الذين اعتبرتهم أصدقاء. في النهاية، أكدت الكاتبة أنها كانت أول امرأة تدير مستشفى ميدانياً في زمن الحرب في سوريا التي تسيطر عليها المعارضة، وأنها لم تكن تعلم في ذلك الوقت أنها الوحيدة التي فعلت ذلك.
12.الفصل الثاني عشر: وضع الخطط123–131▼ ملخص
يشرح هذا الفصل التحديات الإدارية والطبية التي واجهتها أماني بلور بعد توليها إدارة مستشفى "الكهف"، وكيف سعت لوضع خطط ملموسة لضمان استمراريته في ظل الحرب والحصار. الجواب المحوري الذي يقدمه الفصل هو أن إدارة مستشفى في منطقة محاصرة تتطلب أكثر من المهارات الطبية؛ فهي تحتاج إلى قدرة على التعامل مع النقص المزمن في الموارد، والضغط النفسي، والصراعات البشرية، مع التركيز على الاستدامة المالية والإدارية كأولوية قصوى.
يبدأ الفصل بتفصيل المهام المتراكمة على عاتق أماني كمديرة، والتي شملت كل شيء بدءاً من صيانة سيارات الإسعاف وشراء قطع الغيار والديزل، وصولاً إلى متابعة الإيصالات لضمان مطابقتها لشروط المنظمات المانحة. النقص في المستلزمات كان المصدر الأكبر للصداع والتوتر مع المرضى الذين كانوا يلومونها شخصياً على عدم توفر الأدوية في الصيدلية. تؤكد أماني أنها كانت تخبر المرضى وعائلاتهم المحبطين أنه حتى أفضل طبيب في العالم سيواجه صعوبة في إدارة المستشفى في ظل الحصار، حيث كانت الأنفاق تزيد الإمدادات لكنها لم تكن كافية، خاصة للمضادات الحيوية للجروح.
لم تقتصر الصعوبات على نقص المواد فحسب، بل امتدت إلى إدارة شؤون الموظفين. كانت مشاكل الموارد البشرية تصل إلى مكتبها باستمرار، بدءاً من الخلافات الشخصية بين الموظفين إلى الرغبة في تغيير المناوبات. إصرارها على القواعد، مثل ارتداء الزي الطبي الإلزامي وأوقات الراحة المحددة، أثار استياء بعض الموظفين. الأكثر إيلاماً بالنسبة لها كان ردود الفعل من بعض الأشخاص الذين اعتبرتهم دائرتها المقربة، حيث اتهمها أحد أصدقائها بأنها "تغيرت كثيراً" منذ أن أصبحت مديرة. تقبلت أماني هذا الانتقاد لكنها أصرت على أن مسؤولياتها الجديدة وإدارة المستشفى بسلاسة يجب أن تأتي قبل كل شيء.
تصف أماني يومها النموذجي الذي يبدأ حوالي التاسعة صباحاً، ويقسم بين عيادة طب الأطفال لمدة ثلاث ساعات، ثم الإسعاف لمساعدة الجرحى أو متابعتهم، وأخيراً الأعمال الإدارية في مكتب صغير تشاركه مع ابن أختها شادي وناشط إعلامي. كانت تُقاطع باستمرار لأسئلة طبية وغير طبية، مما جعلها تشعر بضغط هائل نفسي وجسدي. كانت الأولوية القصوى التي تبقيني مستيقظة في الليل هي كيفية تأمين دعم مالي ثابت للمستشفى بدلاً من الدعم غير المنتظم من المنظمات الدولية. تشير إلى أن الدكتور خالد بدأ محادثات مع أطباء بلا حدود و منظمة الصحة، لكن الدعم كان طارئاً ومحدداً بأشياء معينة مثل أدوية بمبلغ معين أو رواتب.
كان التواصل مع المنظمات الدولية في حد ذاته معاناة؛ فقد انقطعت شبكات الهاتف والإنترنت في الغوطة لسنوات، وكانت تخرج إلى السطح وتصعد ستة طوابق فوق المستشفى على أمل الحصول على إشارة قوية لإرسال رسائل. المنظمات كانت تطلب ملفات وإيصالات قد تستغرق ساعات لرفعها وإرسالها، وأحياناً كانت تشكك في احتياجاتهم أو أسعار المشتريات من السوق السوداء عبر الأنفاق التي كانت تُغلق غالباً. كان الدكتور خالد يسد العجز في رواتب الموظفين من جيبه الخاص عندما تتأخر أموال المنظمات، وكانت الرواتب الشهرية تتراوح بين 100 و 150 دولاراً للشخص الواحد.
بعد فشل معظم المنظمات في الرد أو التزامها، ركزت أماني على أطباء بلا حدود باعتبارها أفضل أمل، حيث كانت تتبنى عدداً محدوداً من المرافق وتغطي احتياجاتها كاملة. أعدت كمية هائلة من الأوراق والمستندات، بما في ذلك جرد كامل للإمدادات، وتدقيق مالي يوضح المصروفات والميزانية المطلوبة. تصف توسع المستشفى من ثلاث غرف في 2012 إلى الطابق السفلي بأكمله ومساحة إضافية متصلة بممر، ويملك ثلاثة غرف عمليات وثلاث غرف عيادات وعنبراً ومختبراً ومستودعاً. كان المستشفى يستقبل ما يصل إلى 3,000 مريض شهرياً، ويجري حوالي 200 عملية جراحية. كان عدد الموظفين حوالي 100 شخص، ثلثهم من التمريض، وثلث تقنيون، وثلث خدمات، بالإضافة إلى الأطباء.
خلال الأشهر الأولى بعد انتخابها، شرعت أماني في إعادة هيكلة شؤون المستشفى فعينت مديراً مالياً لوضع نظام رواتب شفاف، وصيدلياً مسؤولاً عن المشتريات الطبية، ومسؤولاً لشراء الوقود. طلبت من الدكتور خالد أن يصبح المشرف الطبي للمستشفى لمراقبة جودة الرعاية وحل المشاكل المتعلقة بنقص المستلزمات، مثل انتشار العدوى بعد العمليات بسبب عدم الامتثال لتعقيم الأدوات. عينت أيضاً مديراً للخدمات لشؤون عمال النظافة والسائقين والحراس، بينما رفضت صديقتها الدكتورة آلاء منصب المدير الإداري لانشغالها، فانتخب الموظفون فهد، فني التخدير، رغم الخلافات السابقة بينهما. استغرقت هذه التعيينات من أربعة إلى خمسة أشهر، وواجهت اعتراضات لكنها خففت عبئها وأعطتها فريق إدارة يمكن الاعتماد عليه.
في أواخر عام 2016، بدأت أماني بالتحدث إلى وسائل الإعلام بانتظام لتسليط الضوء على معاناتهم، خاصة سوء تغذية الأطفال. ظهرت على قناة الجزيرة مما أثار غضب والدها خوفاً من النظام، لكنها رأت أن بعض المخاطر تستحق العناء لتوعية العالم. بعد تأخير طويل وضغط دولي، سمح النظام بدخول ثلاث قوافل مساعدات تابعة للأمم المتحدة إلى الغوطة الشرقية في عام 2016، جلبت حوالي 10 شاحنات تحتوي على طعام ومستلزمات طبية بما في ذلك حاضنتي أطفال حديثي الولادة. احتفظت أماني بواحدة لأطفال الخدج في مستشفاها وأعطت الأخرى لمستشفى في زملكا، لكن حليب الأطفال الرضع لم يكن مسموحاً به من قبل النظام، باستثناء كميات صغيرة من الحليب المدعم للأطفال شديدي سوء التغذية.
يختتم الفصل بقصة طاقم تصوير وثائقي طلب الإقامة في المستشفى. رفضتهم أماني في البداية خوفاً من استهداف المستشفى، مستذكرة حادثة قصف المستشفى بعد مقابلة تلفزيونية لها. لكن إصرار الطاقم وإقناعهم للدكتور خالد والدكتور سالم جعلها تتراجع، ليس بموافقتهم بل لاعتقادها بأنهم قد يموتون في أي لحظة ولا أحد خارج الأسوار سيعرف ما حدث. أرادت تسجيل الحقيقة للأطفال الذين يموتون. كان اعتماد أطباء بلا حدود لطلب منحتها الشهري بقيمة 36,000 دولار بعد حوالي شهر من تقديمه أسعد وأفرح لحظة في حياتها، حيث أصبحت رواتب الموظفين مضمونة وتوقفت عن التسول من أجلها. أنهت الفصل بالتأكيد على أن المستشفى حتى بوجود فريق كامل من المتخصصين لا قيمة له بدون المال لشراء الدواء والمستلزمات الطبية.
13.الفصل الثالث عشر: بلوغ الثلاثين132–140▼ ملخص
بدأت الدكتورة أماني بلور هذا الفصل بالتحدث عن تعافي زميلتها سماهر، الممرضة التي أصيبت في غارة جوية مروعة في 2015 أودت بحياة ثلاثة من زملائها. تعافت سماهر ببطء في المستشفى نفسه، واستعادت ذاكرتها تدريجياً، لكنها واجهت صعوبات شديدة، بما في ذلك الصداع المنهك. في غيابها، تولت فرح مسؤولية الجناح، وهي التي أصيبت في ظهرها وفقدت عريسها أبا نور في الغارة نفسها. عادت سماهر لاحقاً للعمل في عيادة بمهام إدارية بسيطة، وكانت تقف أحياناً أمام الغرفتين المدمرتين في الجناح، تحدق فيهما بانزعاج واضح. في النهاية، تعافت بما يكفي لتعود لإدارة الجناح.
اتخذت أماني قراراً صعباً بإعادة بناء الغرفتين المدمرتين، رغم خوفها من استهدافهما مجدداً. المنطقة الواقعة فوقهما لم تكن محمية بالطوابق العليا لأنها كانت شرفة مكشوفة حيث وضعت جثث ضحايا الهجوم الكيميائي في 2013. لذلك، عززت الدكتورة أماني الدفاعات بأكياس الرمل، ووسعت سعة الجناح من 12 سريراً إلى 20 سريراً. بالتعاون مع الدكتور علاء، أضافت جناحاً للأطفال في عمق القبو، بعيداً عن محيط المبنى، وزينت جدرانه بألوان زاهية ورسوم شخصيات كرتونية مثل ميكي ماوس. كانت سعيدة جداً برؤية ابتسامات الأطفال عند دخولهم الجناح. كما رتبت ستائر بين الأسرة لتوفير الخصوصية، وشعرت بالفخر لأنها أعادت بناء الأجنحة وتحسينها.
كان الهدف التالي لأماني هو توظيف المزيد من النساء في المستشفى، وهو أحد أهم أهدافها. كانت تؤمن بأن العمل يمكن أن يغير الإنسان كما غيرها، وجعلها أقوى وأكثر استقلالية وغير مكانتها في أسرتها. بحلول 2016، تدهورت الأوضاع المعيشية في الغوطة الشرقية، وأصبح معظم الناس فقراء، مما جعل فكرة عمل النساء مقبولة اجتماعياً أكثر من ذي قبل. بدأت بعض النساء بالتطوع في المغارة على أمل التدرب والتعيين. عينت أماني الأرامل كلما أمكن، معظمهن كعاملات نظافة، ودربت شابات كخبيرات تمريض. لكن رغم أولويتها، كان عدد النساء في الفريق المكون من نحو مئة شخص حوالي 15 امرأة فقط. رأت أماني في هذا تقدماً، رغم أنها رأت أنه من المؤسف أن تحتاج حرب وظروف معيشية يائسة لتحقيق عدالة بين الجنسين.
في 2017، أنهت أماني ولايتها الأولى كمديرة للمستشفى في عيد ميلادها الثلاثين. في صباح هذا اليوم، وقعت غارة جوية أدت لسقوط ضحايا، وكانت في غرفة العمليات تعالج الجرحى. شعرت بالغضب لأن النظام شن مجزرة في عيد ميلادها. لم تكن تتذكر تفاصيل الهجوم لأن الهجمات كانت متكررة ومتداخلة. كانت كل أفكارها منصبة على حماية المستشفى والمرضى وتأمين الإمدادات الطبية. بعد انتهاء الموجة الأولى من الإصابات، أرادت أخذ استراحة، لكن فرح أوقفتها وأخبرتها أن زملاءها ينظمون لها حفلة مفاجئة في الجناح.
ذهبت أماني إلى الجناح بحجة طارئة، فوجدت زملاءها بمن فيهم الدكتور سليم حول طاولة عليها طعام رغم الشح. نفخت الممرضات القفازات كبالونات وكتبوا عليها "عيد ميلاد سعيد أماني". لم تكن هناك كعكة بل شمعة واحدة، وكان لديهم فشار وسلطة تبولة بدون طماطم ومع فجل متوفر. قال الدكتور سليم مازحاً: "تخيل أن الفشار هو بيتزا بالجبنة التي تمتد لنصف متر!" تأثرت أماني بشدة بهذه اللفتة الجميلة، وشعرت أنها في المكان الصحيح محاطة بزملائها الذين تحبهم كعائلة. شعرت بحب لم تشعر به من قبل.
بعد الحفلة، حضرت أماني اجتماعاً مع أعضاء المكتب الطبي في كفر بطنا، حيث كانوا سيختارون مديراً جديداً للمستشفى. دخلت الاجتماع مستعدة لتسليم المسؤولية، لكن جميع الأعضاء طلبوا منها البقاء في منصبها لأن المستشفى استقر تحت قيادتها. قبلت أماني الطلب رغم إرهاقها، لأنها كانت لا تزال لديها خطط لإكمالها وأخرى لبدئها، من بينها مشروع الأنفاق.
بدأ المسلحون في دوما بحفر الأنفاق، وسمعت أماني أنهم حفروا أنفاقاً للمستشفيات هناك، أحدها كان كبيراً بما يكفي لمرور سيارة إسعاف، لأن النظام كان يستهدفها ويراقب مساراتها. تعرضت سيارات إسعافهم للقصف 10 مرات على الأقل، مما أدى لإصابة شقيقها محمد. دمرت غارتان سيارتي إسعاف وقتلتا سائقين. طلبت أماني اجتماعاً مع الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) لمناقشة مشروع الأنفاق، الذي وافقوا على تمويله من خلال مانحين أجانب.
أشرف مهندسان على تقييم المغارة، وخططا لبناء نفق واحد يتفرع إلى ثلاثة ممرات. الأول سيؤدي إلى العيادة التي استخدموها كمساحة إضافية، ويمتد من المستشفى تحت الأرض إلى الطابق السفلي للعيادة. كان النفق طويلاً بما يكفي لرحلة مدتها 10 أو 15 دقيقة سيراً على الأقدام، بارتفاع يسمح بالوقوف بشكل كامل وعرض يكفي لشخصين جنباً إلى جنب، مع إضاءة. أما الممر الثاني فكان لإنشاء مساحة طوارئ بديلة إذا دمرت المغارة، وكمخرج للهروب في حال انهيار المدخل. الممر الثالث كان يربط المستشفى بالمقبرة، لأن القصف جعل السير فوق الأرض خطيراً. كان هذا الممر الأطول، واستخدمه المرضى القريبون من المقبرة للوصول إلى المستشفى بأمان.
استغرق حفر الأنفاق حوالي أربعة أشهر من التصميم حتى الإنجاز. أشرفت أماني بشكل وثيق على العمل، وكانت تخطط لتوسيعه. بحلول نهاية 2017، أصبحت شبكة الأنفاق الثلاثة جاهزة للعمل، بجدرانها المغطاة بألواح معدنية رمادية وهيكل أحمر مقوس. استقرت الأمور في روتين منظم، واستأنفت أماني والدكتور علاء زيارات عيادة حديثي الولادة في حمورية للتعلم والدراسة مرتين أسبوعياً. خلصت أماني إلى أنهم تكيفوا مع عدم الاستقرار بعد نحو ست سنوات من الحرب القاسية، وأصبحوا معتادين على الوحشية.
14.الفصل الرابع عشر: الهجوم الأخير142–150▼ ملخص
بدأت نهاية ما وصفته الدكتورة أماني بلور في هذا الفصل مساء 18 فبراير/شباط 2018، عندما انطلقت هجمات عنيفة ومتواصلة على منطقة الغوطة الشرقية، مختلفة عن كل ما سبقها من قصف. كانت الدكتورة أماني تمشي مع الدكتورة آلاء عائدة من عيادة حديثي الولادة في سقبا عندما فوجئتا بقصف مدوٍ ومستمر لم يتوقف، على عكس المعتاد. في صباح اليوم التالي، امتلأت السماء بطائرات حربية، وتوافد الجرحى بأعداد هائلة إلى مستشفى "ذا كيف" (المغارة). كان واضحاً أن هذه ليست هجوماً عابراً، بل الهجوم النهائي الذي طالما ترددت شائعات عنه، والذي رفضت أماني تصديقه لأنه بدا مستحيلاً في ظل صمود مقاتلي جيش الحر في منطقة جوبر. لقد كانت معنويات الجميع مرتفعة بانتصارات جوبر، لكن سرعان ما تبدد ذلك الأمل.
يصف الفصل بوحشية القصف الجوي والقذائف والبراميل المتفجرة التي غيرت شكل الطرق والمباني. استُهدف الصاروخ الوحيد المتبقي للخدمة، وأصبح الخوف يسيطر على الجميع، حتى سيارات الإسعاف التي كانت تسير بلا أضواء في الليل لتجنب الاستهداف. لم يعد أحد في الشوارع، وبدأ الجوع يهدد الناس الذين فضلوا البقاء في الأقبية على المجيء إلى المستشفى للحصول على المكملات الغذائية للأطفال. في هذا الرعب، دفع الخوف والدي أماني في النهاية إلى مغادرة منزلهما والانتقال إلى قبو، وهو قرار ارتاحت له كثيراً. في المستشفى، كان الجميع يعملون بلا كلل: أطباء وممرضون وحتى متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) الذين فقدوا كل معداتهم وعرضوا خدماتهم كأفراد. كانت أماني تشعر بمسؤولية هائلة وتفاجأ بأن باقي الأطباء ينتظرون توجيهاتها، رغم أن الخوف من السقوط في أيدي النظام كان يطاردها كأسوأ احتمالية.
مع تقدم الهجوم، بدأت المستشفيات الأخرى في المنطقة تسقط الواحدة تلو الأخرى. تعرض مستشفى القدس في حمورية للقصف، ثم مستشفى سقبا، ومستشفى النساء في البلدة نفسها. أصبح "ذا كيف" المستشفى الوحيد القادر على العمل في المنطقة، لكنه يفتقر إلى العناية المركزة، مما أدى إلى وفاة العديد من المرضى الذين كانوا بحاجة إليها. يصبح الفصل أكثر إيلاماً مع وصف مشهد طفل صغير يُدعى محمد، لم يتجاوز العاشرة من عمره، أصيب بقصف جوي أصاب عائلته في قبو منزلهم. كان دماغه يخرج من أذنيه، وكان يلهث بحثاً عن الهواء. أمه تبكي: "لماذا؟ ... ابني يموت أمامي ولا أستطيع فعل شيء!" يعترف الفصل بأن أماني كانت تنهار أحياناً، فتختبئ في غرفة فارغة لتبكي، لكنها كانت تنهض مجدداً لتواصل العمل تحت ضغط هائل، متحدثة إلى وسائل الإعلام على أمل أن يحرك ذلك العالم لوقف الهمجية، لكن دون جدوى.
تتوالى الفاجعة في 5 مارس/آذار 2018 بمقتل صديقها طبيب الأسنان أحمد في غارة جوية. يصاب الجراح خالد بالذهول وهو يبكي ويواصل العملية، وتنهار ممرضة عندما تعلم أن شقيق زوجها قُتل في الغارة نفسها. ثم يكتشف فهد ومحمد عنتر أن الشاب الذي فشلا في إنقاذه هو ابن عم فهد وشقيق محمد. وفي اليوم نفسه، رأى محمود، المساعد الجراحي الشاب، جثة أخيه بين القتلى. كان جميع الجرحى والقتلى من بلدة كفر بطنا، وجميعهم معروفون أو أقارب للعاملين في المستشفى. كانت أماني تعمل بدموعها، غير قادرة على مواساة زملائها.
في 8 مارس/آذار 2018، تعرض المستشفى لهجوم بقذائف محملة بغاز الكلور أصابت قبو عائلة في حمورية، وجاء الناجون (27 شخصاً) إلى المستشفى وهم يسعلون وأعينهم محتقنة بالدم. أصيبت أماني برعشة من الخوف من تكرار هجوم السارين الذي عانته من قبل. ورغم معالجتهم، رفض الناجون مغادرة المستشفى من شدة الخوف، وتحول المستشفى والأنفاق المحيطة به إلى ملاذ أخير للعائلات التي لا مكان لها. كانت الجثث تُنقل عبر نفس الأنفاق التي تسكنها العائلات الآن. نفدت الأسرة، واضطر الجرحى للنزف على أرضية الممرات لساعات. في يوم واحد، كان هناك حوالي 50 مريضاً بحاجة لعملية جراحية عظمية، ولم يكن هناك سوى جراح عظام واحد يعمل بلا توقف.
يختتم الفصل بفقدان الأمل نهائياً عندما سيطر النظام على حمورية في منتصف مارس/آذار 2018. لم يتحقق الهجوم المضاد الموعود من قبل الثوار، بل على العكس، بدأ بعض مقاتلي فيلق الرحمن بإلقاء أسلحتهم والفرار. بل إن الوضع تفاقم عندما بدأت فصائل مسلحة مختلفة، مثل جبهة النصرة، في الاقتتال الداخلي مع أتباع شيخ ديني متعاون مع النظام، مما جعل الشوارع أكثر خطورة. تعترف أماني بأنها أصيبت بالغضب الشديد من هذه الفصائل التي تتقاتل فيما بينها بدلاً من الدفاع عن الناس. وتنهي الفصل باستسلام مرير: "لم أصدق أنه بعد كل هذه السنوات من المعاناة، كانت هذه هي النهاية: الهجوم الأخير. معركتنا الأخيرة."
15.الفصل الخامس عشر: الوداع151–158▼ ملخص
بدأ الفصل الخامس عشر، «الوداع»، بوصف هدوء غير معهود في القصف يوم 16 مارس/آذار 2018، مما دفع سكان كفر بطنا للخروج بحثاً عن الطعام. لكن هذا الهدوء كان فخاً؛ إذ أطلقت طائرة حربية صواريخ على الحشد في الشارع الرئيسي، ما أدى إلى حرق بعضهم أحياء. كانت أماني بالور داخل غرفة العمليات في مستشفى «ذا كايف» حين اقتحم الجرحى المكان، فامتلأ الممر بالقتلى والمصابين الذين لم يعد هناك متسع لهم حتى على الأرض. وصفت أماني مشاهد مروعة: جثث متفحمة، وشاب في حالة حرجة يغرق في دمائه، ومصور إعلامي يترك كاميرته الملطخة بالدماء ليحمل كيس محلول وريدي لأحد الجرحى. في تلك الليلة، التي عُرفت بمجزرة كفر بطنا، أحصى المستشفى 77 جثة لم يُمكن نقلها إلى المقبرة، ونام النازحون إلى جانب الجثث على الأرض.
بعد ساعات من المجزرة، وفي 17 مارس/آذار، انتشرت شائعات عن تقدم جيش النظام نحو سقبا المجاورة، مما يعني أنه على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من كفر بطنا. قررت أماني إخلاء المستشفى، معتبرةً ذلك مسؤوليتها الأخيرة. بدأ الفريق بنقل الجرحى إلى مرافق طبية في عين ترما وزملكا، بينما اختار بعض الجرحى العودة إلى منازلهم لانتظار مصيرهم. نامت أماني بخوف، واستيقظت في 18 مارس/آذار على يد شقيقها محمد الذي أخبرها أن الجيش موجود في البلدة وأنه لم يعد أمامهم سوى المغادرة.
تحدت أماني تحذير شقيقها وغادرت «ذا كايف» مع د. آلاء لتوديع منزلها. وصف الفصل زيارتها الأخيرة بتفاصيل حساسة: الحديقة المدمرة، السجادة الحمراء التي كانت والدتها تعتني بها، غرفة والديها الفارغة، سريرها المغطى بزجاج النافذة المحطم، الكوب الأخضر الذي كان على مكتبها. شعرت بانتهاك حرمة المنزل عندما دخلته بحذائها لأول مرة في حياتها. أخذت معها حقيبة صغيرة تحتوي على جواز سفرها وشهادتها الطبية وبعض الملابس، وتركت كل ما يحمل ذكريات جميلة لأنه غير ضروري. أدركت أن المنزل بلا أهله لا قيمة له.
عند عودتها إلى المستشفى، أشرفت على حرق كل سجلات المستشفى في المدفئة لمنع النظام من الوصول إلى المعلومات الشخصية للمرضى والموظفين. جالت بنظرها في المكان الفارغ لأول مرة، متذكرة خمس سنوات ونصف من العمل. رأت وسام، مساعد الجراح، الذي رفض المغادرة وقرر البقاء مع زوجته وابنه، وعلمت لاحقاً أنه اعتُقل. زارت عنابر الأطفال والكبار، وتذكرت الضربة التي قتلت زملاءها، والهجوم الكيميائي عام 2013 الذي شهد تكديس الأطفال القتلى في زاوية قريبة من المدخل.
تركت أماني معطفها المختبر الأبيض المليء بالدماء، وأغلقت باب مكتبها وأخذت المفتاح، مدركة عبثية ذلك لكنها أرادت حرمان جنود النظام من الجلوس على مكتبها. خرجت من باب المستشفى والدموع تكاد تتغلب عليها، لكنها تمسكت بعدم البكاء لتكون قوية لـ د. آلاء التي كانت تبكي. صعدت إلى سيارة الإسعاف الوحيدة المتبقية، حيث كان شقيقها ينتظرها مع د. آلاء وشقيقها وفتاة صغيرة مصابة ترقد على أحضانهن. في الطريق، قالت أماني لـ د. آلاء: «لم نخسر، لم نُهزم. لم يستسلم أحد. هذا ليس انتصاراً. قتلوا الكثيرين، دمروا بلداتنا، لكننا لم نستسلم لهم». اختتم الفصل بإصرارها على أن روحهم لم تُكسر، وأنهم ظلوا صامدين يعملون حتى النهاية، وأنهم لم يغادروا إلا حين أصبح الجيش على الأبواب، بعد أن صمدوا أطول فترة ممكنة.
17.الفصل السابع عشر: إدلب161–175▼ ملخص
بدأت الكاتبة، الدكتورة أماني بلور، هذا الفصل وهي تستعد لمصيرها المحتوم: النقل إلى إدلب. كانت إدلب قد استقبلت بالفعل آلاف السوريين من جيوب المعارضة الأخرى بموجب صفقات "إخلاء"، حيث يتم تسليم السلاح مقابل ممر آمن إلى المحافظة. تصف الكاتبة هذه الحافلات الخضراء بأنها رمز للهزيمة والإذلال والنفي، وتكره سماع كلمة "حافلة خضراء" حتى يومنا هذا. هي وأخوها محمد كانا متأكدين من أن زملكا مجرد محطة مؤقتة، وأنهما سيضطران إلى الذهاب إلى إدلب. لم يستطيعا البقاء في غوطة دمشق بعد دخول النظام؛ فقد كانا يخافان من الاعتقال أو ما هو أسوأ، لكنهما كانا يعلمان أن والديهما ماما وبابا لن يغادرا كفر بطنا.
تخاطر الكاتبة بالعودة إلى كفر بطنا لتوديع والديها، وتصف الرحلة الخطرة على دراجة نارية وهي تتجنب حواجز النظام، مروراً بجثث في الشوارع وحيوانات نافقة. تجد والديها في القبو مع شقيقتها زينة وعائلتها. لم يستطع إقناع والدها بالمغادرة؛ إذ قال إنه تجاوز السبعين من عمره ويفضل الموت في بلدته. أما والدتها فسألت: "إلى أين نذهب؟ إلى إدلب؟ لماذا نذهب إلى هناك فقط لنفر منها عندما يبدأ الهجوم على إدلب؟" كان المكوث خطراً والمغادرة أيضاً، ولم يعرف أحد ما سيحدث. كانت تلك المرة الأخيرة التي ترى فيها والديها.
بعد عودتها إلى زملكا، أمضت الكاتبة أيامها في قبو المستشفى، تتحدث مع الإعلام وتروي ما يحدث. شعرت بالعزلة الشديدة، وخافت ألا يعرف العالم مصيرهم إذا قُتلوا جميعاً. كانت تتواصل مع العديد من النشطاء عبر وسائل التواصل، ولكنها لم تثق بأي منهم، وخافت أن يكون بعضهم مخبرين للنظام. أحد النشطاء، الذي عرفته باسم "كريم"، كان يرفع من معنوياتها ويدعمها برسائله. كان أربعة من المصورين الوثائقيين معهم أيضاً، رغم أن الكثير من الأحداث لم تكن تُصوَّر.
عندما تم الاتفاق بين اللجنة المحلية وضابط روسي، سُمح لمن يريد المغادرة بالذهاب إلى إدلب مع سلاح شخصي وعدد محدود من الذخائر. تصر الكاتبة على أن ما حدث لم يكن "إخلاءً"، بل "طرداً قسرياً". توقفت القصف فوراً في زملكا بعد الاتفاق، وبدأت الحافلات تملأ. كان الأطباء من فريق "ذا كيف" (The Cave) من آخر من غادروا. تصف الفوضى والعار الذي حدث في نقطة التجميع، حيث كان الناس ينامون في التراب ويتقاتلون للصعود إلى الحافلات. في 28 مارس/آذار 2018، غادرت أماني مستشفى زملكا مع أخيها محمد وابن أخيها شادي والدكتورة آلا وغيرهم. تصف ذلك اليوم بأنه آخر أيامها في "الغوطة الحرة".
كانت الرحلة إلى إدلب مرعبة. منظر الغوطة المدمرة على اليمين مقابل المناطق الخاضعة للنظام الخضراء على اليسار أيقظ لديها شعوراً بالغربة. تعرضت الحافلات للسب والشتم ورمي الحجارة في دمشق، وشعرت أنها أصبحت أجنبية في بلدها. صُدمت برؤية إشارات المرور وأضواء الشوارع التي لا تزال تعمل. استغرقت الرحلة حوالي 22 ساعة، كانت مشحونة بالخوف والتعب والحزن. عند الوصول، تم إنزالهم في منتصف الطريق تحت المطر، حيث استقبلهم ثوار وعاملون إنسانيون. افترقت أماني عن الدكتورة آلا باكية، وشعرت أنها تخسر كل شيء عزيز عليها.
لم يكن لدى أماني ومحمد وشادي مكان يذهبون إليه، فالتحقوا بالدكتور سليم إلى بلدة أد-دانا بمساعدة منظمة SEMA (رابطة الأطباء السوريين المغتربين). في اليوم الأول هناك، تعرضت البلدة لغارة جوية، مما ذكر أماني أنها لم تهرب من الحرب. كانت جسدياً في إدلب، لكن عقلها كان في كفر بطنا مع والديها. توقفت عن التواصل مع والديهما بعد أن بدأت عمليات الاعتقال في الغوطة، خوفاً على سلامتهما. عاشت شهرين في أد-دانا تتواصل مع الإعلام والزملاء المشردين.
انتقلت أماني ومجموعتها لاحقاً إلى بلدة داركوش، الأقرب إلى الحدود التركية، للعمل في مستشفى يديره الدكتور غندور. كانت داركوش أجمل مكان رأته في حياتها، على نهر العاصي، لكنها كانت تفتقر للمياه والكهرباء وكان الفقر منتشراً. زارت بعض مخيمات النازحين وذهلت من ظروف المعيشة السيئة، وشعرت بالعجز عن مساعدتهم. في أحد الأيام، فاجأها الناشط كريم (الذي عرفت أنه اسمه الحقيقي حمزة) بعرض زواج. كان مهندساً مدنياً، وقد قبلت الاقتراح وأرسلت أخته لتتحرى عنه في الأردن.
في مستشفى داركوش، حاولت أماني العودة للعمل في قسم حديثي الولادة، لكنها أصيبت بنوبة هلع عندما فحصت طفلاً يعاني من صعوبة في التنفس. عادت إليها ذكريات كل الأطفال الذين ماتوا بين يديها في الغوطة. لم تستطع الاستمرار، وغادرت المستشفى باكية. أدركت أنها منهكة نفسياً وجسدياً، وأنها لا تستطيع التعامل مع فكرة معالجة الأطفال مرة أخرى. أخبرت الدكتور سليم أنها لن تعود، وكانت تلك نهاية مسيرتها الطبية في إدلب. اختتمت الفصل وهي تشعر بالاختناق من الذكريات والأطفال الذين لم تستطع إنقاذهم، معترفة بأنها تحتاج إلى العيش في مكان بلا حرب، وأن أقرب مكان هو عبر الحدود في تركيا.
18.الفصل الثامن عشر: الملاذ الآمن177–184▼ ملخص
ملخص الفصل الثامن عشر: الملاذ الآمن
يصف هذا الفصل رحلة أماني بلور اليائسة للهروب من إدلب في سوريا، بعد أن توقفت عن العمل في المستشفى الميداني وتغلبت عليها مشاعر التعب والحزن والإحباط. كان السؤال المحوري يدور حول كيفية استئناف حياتها وتحقيق العدالة للأطفال والضحايا الذين شهدت مأساتهم. لكن العائق الأكبر كان الافتقار إلى جواز سفر ساري المفعول، وعدم إمكانية عبور الحدود التركية التي أصبحت شديدة التحصين بجدار خرساني وأسلاك شائكة.
يحاول أفراد عائلتها، بمن فيهم أخوها محمد وابن أخيها شادي، تهريب أنفسهم إلى تركيا عبر مهرب. يصف الفصل بالتفصيل المحاولة الأولى الفاشلة: انطلاقهم ليلاً دون حقائب كبيرة، مرورهم بنقطة تفتيش تابعة لـ جبهة النصرة التي تقتطع رسوماً من كل شخص، ثم السير لساعات طويلة في الظلام والمطر فوق أرض موحلة. بعد تسلق الجدار وقطع الأسلاك الشائكة، يضطرون للركض لمسافات طويلة حتى الفجر، مختبئين في بستان قرب قرية تركية. لكن سرعان ما يتم اكتشافهم من قبل دركيين أتراك يعيدونهم إلى الجانب السوري عبر معبر باب الهوى.
لم تستسلم أماني، بل حاولت مرتين أخريين التسلل. في المرة الثانية، تطوعت للمرور أولاً، لكن رصاصة أطلقت من حرس الحدود التركي أخطأت رأسها، وقبض عليها الجندي التركي لكنه عاملها بلطف وأعطاها ماء لتفطر رمضان قبل أن يعيدها للحدود عند الواحدة صباحاً. أما المحاولة الثالثة فلم تكتمل بسبب اكتظاظ الحدود. اليأس بدأ يتسلل إليها حين تلقت دعوة لحضور مؤتمر في إسطنبول نظمته منظمة SAMS (الجمعية الطبية السورية الأمريكية)، مما أتاح لها دخول تركيا بسهولة وأمان بجواز سفرها منتهي الصلاحية الذي ختمه الأتراك.
في تركيا، التقت أماني لأول مرة بـ حمزة، الرجل الذي اقترحت أختها تهاني الزواج منه. بعد لقاءين في غازي عنتاب، شعرت بالارتياح وأبلغته رغبتها في الزواج. سافرا معاً إلى إسطنبول لمقابلة عمتها، وهناك تم عقد القران الديني في نفس اليوم الذي طلب يدها. تزوجا في 30 يوليو 2018 في غازي عنتاب دون حفلة، بحضور أختها فقط. ومع ذلك، لم تكن حياتها في تركيا هانئة. سيطرت عليها ذكريات الحرب: صوت الطائرات، ضحايا الهجوم الكيميائي، الأطفال الذين فقدوا أطرافهم. كانت تقفز عند سماع أي طرق على الباب، وتخاف من الرعد.
واجهت أماني أيضاً صعوبات في التكيف مع حياتها الجديدة. شعرت بالفراغ والوحدة بعد أن كانت محاطة بالعائلة والعمل الميداني. لم تجد عملاً في المستشفيات التركية دون معادلة شهادتها وإتقان اللغة، ولم تتلق رداً على طلبات العمل في المنظمات الإنسانية. واجهت شعوراً متضارباً بالندم على مغادرة سوريا، رغم إيمانها بأنها لم تكن تملك خياراً آخر. لكنها لم تستلم؛ التحقت بدورات لتعلم التركية والإنجليزية، محاولةً التأقلم ومؤمنة أنها لا تزال قادرة على المساعدة من خلال رواية القصص. في 2019، عرض فيلم وثائقي عن مستشفى "الكهف" في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، لكنها لم تستطع حضوره لعدم امتلاكها وثائق سفر.
19.الفصل التاسع عشر: لاجئة185–193▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحوّل أماني بلّور من طبيبة تعمل تحت الأرض في الغوطة الشرقية المحاصرة إلى لاجئة وناشطة دولية، والإجابة التي يقدمها هي أن الخروج من الجحيم لا يعني نهاية المعاناة، بل بداية معركة جديدة من نوع آخر: معركة الحصول على صفة اللجوء، والاعتراف الدولي، ونقل صوت الضحايا إلى العالم.
يسير الفصل زمنياً، فيبدأ بإعلان فوز أماني بجائزة مجلس أوروبا لـراؤول فالنبرغ في ديسمبر 2019، وهي أول غير أوروبية تنالها. تُجبر على التعامل مع القنصلية السورية في إسطنبول لتجديد جواز سفرها، رغم اشمئزازها من “الاعتراف بسلطة النظام” ودفع رسوم باهظة (200 دولار للموعد و800 دولار لاستعجال الجواز). تدفع الشركة الدنماركية المنتجة لفيلم “The Cave” الرسوم، وتتولى منظمة “سامز” (SAMS) مساعدتها في الحصول على تأشيرة الشنغن. بعد توتر شديد وزيارات متكررة لدائرة الهجرة في غازي عنتاب، تحصل أماني على إذن المغادرة من وزارة الخارجية التركية قبل أيام من الحفل.
تصل أماني مع زوجها حمزة إلى ستراسبورغ في 17 يناير 2020، وتشعر بأنها “غريبة عن المكان”. تتذكر مرضى المستشفى أثناء وقوفها على السجادة الحمراء، وتلقي خطاباً باللغة الإنجليزية تناشد فيه المجتمع الدولي “القيام بدوره لإيجاد آليات فعالة لحماية المدنيين”. لاحقاً، يُرشَّح الفيلم لجائزة الأوسكار، وتسافر أماني إلى الولايات المتحدة رغم حظر الرئيس ترامب للسفر الذي تصفه بأنه “غير عادل”. تندهش من البذخ في حفل الأوسكار: معطف بقيمة 13,000 دولار، وتتذكر كيف كانت تشغّل المولّد فقط للضرورة القصوى في المستشفى. تقول: “لو كان لدينا جزء بسيط من هذه الكهرباء، لكنا شاكرين جداً”. الفيلم لم يفز، لكن الترشيح كان “انتصاراً” بالنسبة لها لأنه يوصل القضية.
تؤسس أماني منظمة “صندوق الأمل” (Amal Fund) تحت رعاية منظمة بلجيكية، لدعم القيادات النسائية والعاملات في المجال الطبي بمناطق النزاع. تقوم بجولة مناصرة في أوروبا، وتلتقي وزراء خارجية فرنسا وهولندا وسفراء أمم متحدة، لكنها تشعر أن وعودهم بالمساعدات هي “إجراءات مؤقتة” ولا تعالج “القضية الأساسية: إجبار النظام على التوقف عن القتل”. يأتي وباء كوفيد-19 ليوقف كل نشاطاتها. في 14 مايو 2020، تتقدم أماني وحمزة بطلب لجوء في ألمانيا، وينتقلان للعيش في “مخيم للمهاجرين” في برلين.
يبلغ الفصل ذروته في رفض طلب اللجوء الأولي. في ديسمبر 2020، ترد دائرة الهجرة الألمانية بأنه “لا يوجد خوف مبرر من الاضطهاد” لو عادت إلى سوريا، وأن انتقاداتها للنظام هي “رأي مهني عن الوضع الصحي”. تدهش أماني من المنطق الألماني الذي يقول إن شهرتها الدولية تجعل النظام أقل عرضة لملاحقتها. ترفض منحها صفة لاجئ لكنها تمنح “الحماية الثانوية”. وفي 18 ديسمبر 2020، يُقبل استئناف محاميها فتحصل على اللجوء، بينما يحصل حمزة على حماية لمدة عام واحد. تعترف أماني بأن ألمانيا كانت “مفيدة جداً” رغم العقبة الأولية، لكنها تفضل العيش في بلد ناطق بالإنجليزية.
يختتم الفصل بدعوتها من وزارة الخارجية الأمريكية في أوائل 2021 لمخاطبة مجلس الأمن الدولي عبر الفيديو. تتذكر أسماء أطفال ماتوا في الهجوم الكيميائي: راما، عبد الرحمن، محمود، وتقول: “لقد وعدت نفسي بأن أكون صوتهم إن بقيت حية”. تخاطب المجلس بقوة لأنها “تعرف الحقيقة”، لكنها لا تتوقع تغييراً، وتؤكد أنها ستظل تتكلم “لأجل الذين أُسكتوا” و”لأجل التاريخ”.
تقرّ أماني في الفصل بحدود كلامها: خطابها في ستراسبورغ كان بالإنكليزية التي لا تتقنها، وفي الأوسكار لم يكن معها مترجم، وفي مجلس الأمن لم يسمح لها الوقت إلا بعشر دقائق. كما تُبقي سؤالاً مفتوحاً حول جدوى المناصرة الدولية، إذ لم تتغير مواقف الدول الداعمة للنظام رغم شهادتها.
الحجة القابلة للنقاش في الفصل هي المفارقة التي كشفتها دائرة الهجرة الألمانية: أن كونك ناشطاً معروفاً دولياً معادياً للنظام قد يجعلك أكثر أمناً من العودة من كونه خطراً، وهو منطق يتجاهل سجل النظام في قتل المعارضين البارزين.
20.خاتمة194–233▼ ملخص
يُختتم الكتاب بخاتمة شخصية عميقة تروي فيها الدكتورة أماني بلور ما حلّ بها وبزملائها وأسرتها بعد انتهاء الحصار والخروج من الغوطة الشرقية، وتُجيب عن السؤال المحوري: كيف تبدو الحياة بعد الحرب والمنفى، وهل يستطيع المرء أن يجد السلام أو العدالة؟ الإجابة التي تقدمها هي أن الحرب لم تنتهِ في ذاكرتها أو في حياة السوريين، بل تركت جروحاً مفتوحة وذكريات لا تفارقها، وأن المنفى هو ثمن الصوت الذي لم يسكت.
تسرد الكاتبة قصة لجوئها بدقة. في عام 2019، تقدمت بطلب إلى كندا دون رد، وعلمت أن أمريكا لا تقبل الكثير من اللاجئين السوريين. بعد فيلم "ذا كايف"، عرض عليها أمريكي مساعدتها فهاجرت إلى الولايات المتحدة ببطاقة خضراء حصلت عليها بفضل "قدرات استثنائية". وصلت نيويورك في نوفمبر 2021، ثم لحق بها زوجها حمزة بعد أسبوع. استقرا في نيوجيرسي، واختارت العمل مع منظمة SAMS التي ساعدتها سابقاً في المستشفى، كمسؤولة مناصرة، لأنها أرادت أن تستمر في الحديث عن سوريا وألا تدع العالم ينسى.
تروي الضغوط التي مورست على عائلتها في كفر بطنا بعد شهرة الفيلم. أُجبر والدها والدكتور خالد على الظهور في برنامج تلفزيوني تابع للنظام للتنديد بها واتهامها بالكذب حول هجوم الأسلحة الكيماوية. تعلن الكاتبة أنها لن تسكت، وتتحدث عن حملها الصعب الذي كان يطاردها فيه موت الأطفال الذين شاهدتهم في الغوطة الشرقية، وكيف أصبحت أمومتها عدسة جديدة ترى بها معاناة أمهات الحرب. تتابع مصير زملائها: الدكتور خالد بقي في كفر بطنا واحتُجز نحو عامين وأُجبر على الاشتراك في البرنامج المسيّس؛ الممرضة فرح واجهت الاستجواب ثم تزوجت؛ سماهر هربت إلى لبنان في سبتمبر 2019 ثم إلى فرنسا بمساعدة وزير الخارجية الفرنسي؛ الدكتور سليم يعيش الآن في ألمانيا وأسس جمعية لضحايا الكيماوي؛ صديقتها الدكتورة آلاء ما زالت في إدلب تعمل في طب حديثي الولادة وتزوجت وأنجبت ابناً.
يأتي قلب الخاتمة مع رحيل والدها. شخص والده بالسرطان، واتصل بها بنفسه لأنه لم يعد يخاف من الاستجواب. في 18 فبراير 2023، فقد والده معركته مع السرطان. تعبر الكاتبة عن ألمها لعدم تمكنها من توديعه شخصياً، وتلقي باللوم على النظام الذي فصلها عنه. تعتبر أن الكرامة هي كل شيء، وهي التي قاتلوا من أجلها في سوريا. تتمنى لابنها أُويس (المواليد 9 فبراير 2022) ألا يعيش ما عاشه أطفال الغوطة كـكريم وعمران، وأن يعيش في سلام وحرية دون خوف من الاعتقال أو التعذيب. ترفض فكرة أن السلام أمر مسلم به، وتعتبره نعمة ثمينة.
تقر الكاتبة بحدود التجربة الإنسانية: تعترف بأنها تمنيت لو تستطيع النسيان، لكن الأمومة ضاعفت ذكرياتها وجعلتها ترى أطفال الغوطة وأمهاتهم بعيون أكثر ألماً وفهماً. تغيرت كثيراً منذ عام 2011 عندما كانت تبلغ 24 عاماً وتشغلها أمور دنيوية لا قيمة لها الآن. الحرب والدمار جعلاها تشعر بالشيخوخة. تعمق إيمانها بالله وبالعدالة الإلهية، وتؤمن بأن العدالة ستأتي ولو في الآخرة. تعلن أنها ستواصل الحديث عن السوريين الذين يعيشون في مخيمات النزوح واللجوء في تركيا والأردن ولبنان، وتذكر أن جيلاً كاملاً حُرم من التعليم.
تذكر الكاتبة كارثة زلزال 6 فبراير 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، وأودى بعشرات الآلاف. تشير إلى أن فرق الإنقاذ الدولية غمرت جنوب تركيا بينما تُرك السوريون يواجهون مصيرهم بأيديهم العارية، وأن الأمم المتحدة أضاعت أياماً ثمينة في انتظار إذن النظام لدخول مناطق سيطر عليها المعارضة قبل سنوات. تخلص إلى أن هذا دليل آخر على فشل المجتمع الدولي تجاه معاناة السوريين. وتؤكد أنها رغم خوفها على أهلها وأبناء بلدها، ليست يائسة، لأن البشر قادرون على تغيير التاريخ، وأن الأفراد يمكنهم المساعدة، وأن الجهود الفردية يمكن أن تتراكم لتغير العالم، كما فعل زملاؤها في المستشفى تحت الأرض.