
The History of Syria: 1900-2012
يستعرض كتاب "تاريخ سورية: ١٩٠٠-٢٠١٢" لمؤلفه إم. كليمنت هول رحلة سورية المضطربة خلال القرن العشرين وحتى اندلاع الحرب الأهلية عام ٢٠١٢، محاولاً تفكيك الشبكة المعقدة من العوامل الدينية والسياسية والعسكرية والأجنبية التي شكلت الدولة السورية الحديثة. يجادل الكتاب بأن سورية التي نعرفها اليوم لم تكن نتاجاً لتطور طبيعي، بل هي نتاج تدخلات خارجية متضاربة وصراعات داخلية طائفية حادة، بدأت مع انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسم القوى العظمى لتركة الحرب العالمية الأولى، لتخلق واقعاً "ساماً وملتوياً" ما زالت المنطقة تدفع ثمنه. لا يقدم المؤلف موقفاً أيديولوجياً واضحاً بقدر ما يحاول تقديم سردية تاريخية شاملة تشرح كيف وصلت سورية إلى ما هي عليه، لتصبح في طليعة "الربيع العربي" الذي تحول إلى حرب مدمرة.
ينطلق السرد التاريخي من أواخر العهد العثماني، حيث كانت سورية الكبرى (التي تشمل سورية ولبنان وفلسطين والأردن وأجزاءً من تركيا والعراق حالياً) ولاية عثمانية واحدة كانت تشهد تغيرات جذرية بفعل صعود حركة "تركيا الفتاة" وتزايد النزعات القومية العربية. ويؤكد المؤلف على أن اندلاع الحرب العالمية الأولى كان نقطة التحول الحاسمة، حيث انجذب العثمانيون إلى جانب ألمانيا بعد مصادرة بريطانيا لبوارج حربية عثمانية وإهداء الألمان بوارجهم وذهب قيمته ٢٠٠ مليون جنيه، مما أدى إلى إعلان الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر ١٩١٤. خلال الحرب، جرت حملتان عسكريتان أثرتا بشكل مباشر على مستقبل المنطقة: حملة سيناء وفلسطين وسورية التي قادها الجنرال أللنبي وشارك فيها ت. إ. لورنس مع القوات العربية، وانتهت باحتلال دمشق في أكتوبر ١٩١٨، وحملة بلاد الرافدين (العراق) التي انتهت باستسلام بريطانيا المذل في معركة الكوت (أبريل ١٩١٦) قبل أن تنتقم وتحتلال بغداد في مارس ١٩١٧.
ما أن انتهت الحرب حتى بدأت مرحلة "تقسيم الغنائم" التي شكلت مأساة سورية الحديثة. يفصل الكتاب الاتفاقيات والوعود المتضاربة التي قدمتها القوى العظمى، بدءاً من مراسلات مكماهون-حسين (١٩١٥) التي وعدت فيها بريطانيا الشريف حسين بدعم استقلال العرب، مروراً باتفاق سايكس-بيكو (١٩١٦) الذي قسم المنطقة سراً بين فرنسا وبريطانيا، ووصولاً إلى وعد بلفور (١٩١٧) بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين. يقدم الكتاب تفاصيل دقيقة عن خلفية صانعي هذه الاتفاقيات، مشيراً إلى أن مارك سايكس وفرانسوا جورج-بيكو كانا على دراية واسعة بالمنطقة، وأن الوعد لليهود كان يقصد به "وطناً" وليس "دولة" داخل فلسطين، لكن هذه التفاصيل الدقيقة ضاعت في غياهب التاريخ. ويضيف المؤلف واقعة لافتة وهي أن ألمانيا والعثمانيين قدموا عرضاً مضاداً لدعم مطالب اليهود الشرعية في فلسطين، مما يظهر أن القضية كانت جزءاً من لعبة استقطاب القوى في الحرب.
بعد الحرب، رفضت القوى الأوروبية نتائج المؤتمر السوري العام (١٩٢٠) الذي أعلن استقلال سورية وتنصيب فيصل بن الحسين ملكاً عليها. وبدلاً من ذلك، منحت عصبة الأمم فرنسا الانتداب على سورية ولبنان في أبريل ١٩٢٠. يصف الكتاب بإسهاب كيف فرضت فرنسا سيطرتها عسكرياً، حيث هزمت الجيش السوري بقيادة يوسف العظمة في معركة ميسلون (يوليو ١٩٢٠) التي دامت يوماً واحداً فقط، لتصبح مملكة سورية واحدة من أقصر الممالك في التاريخ (مارس-يوليو ١٩٢٠). قسم الفرنسيون سورية إلى ست دويلات طائفية ومناطقية (دولة دمشق، حلب، جبل العلويين، جبل الدروز، لواء إسكندرون، ولبنان الكبير) بهدف إضعاف الوحدة الوطنية وإحكام السيطرة، مما خلق انقسامات طائفية عميقة استمرت لعقود. ويصف الكتاب بدقة الطائفة العلوية التي خرجت من فقر مدقع جعلها تبيع أطفالها كخدم، لتلتحق بأعداد غير متناسبة بالجيش السوري، وهو ما سيكون له أثر كبير لاحقاً. كما يتناول الثورة السورية الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٦) بقيادة سلطان الأطرش التي انطلقت من جبل الدروز واحتاجت لآلاف الجنود من المغرب والسنغال لقمعها، حيث قصفت فرنسا دمشق ودمرت ٢٥٪ من مبانيها.
يشير الكتاب إلى أن سورية نالت استقلالها الاسمي عام ١٩٣٠ كـ"جمهورية سورية"، لكنها بقيت خاضعة للنفوذ الفرنسي. نقطة التحول المهمة كانت ضم لواء إسكندرون إلى تركيا عام ١٩٣٩، حيث قامت فرنسا بتزوير الاستفتاء من خلال السماح لعشرات الآلاف من الأتراك بدخول اللواء للتصويت، وذلك في مسعى لاستمالة تركيا ضد ألمانيا النازية. خلال الحرب العالمية الثانية، كانت سورية تحت سيطرة حكومة فيشي المتعاونة مع النازيين، مما اضطر بريطانيا و"فرنسا الحرة" لاجتياحها في يونيو ١٩٤١. بعد حرب دامية استمرت شهراً، استلم الجنرال كاترو إدارة البلاد. وأخيراً، تحت ضغط بريطاني وقومي سوري، غادرت آخر القوات الفرنسية في ١٧ أبريل ١٩٤٦، لتصبح سورية مستقلة فعلياً.
ينتقل الكتاب بعد الاستقلال إلى فترة عدم الاستقرار السياسي الحاد، حيث كان ملف فلسطين هو القضية المسيطرة. يشرح خطة التقسيم (١٩٤٧) التي منحت اليهود ٥٦٪ من الأرض رغم أن عدد العرب كان أكبر، مما أثار إضراباً عاماً في دمشق وأعمال عنف. شاركت سورية في حرب ١٩٤٨ العربية-الإسرائيلية، وبعد الهزيمة، شهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية، أبرزها انقلاب العقيد أديب الشيشكلي عام ١٩٤٩. يتناول الكتاب صعود حزب البعث (البعث العربي الاشتراكي) وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام ١٩٥٨، والتي انتهت بانقلاب عسكري في سورية عام ١٩٦١. عاد البعث إلى السلطة في انقلاب مارس ١٩٦٣، وبدأ صراعه الدموي مع الإخوان المسلمين، وبلغ ذروته بمجزرة حماة في أوائل الثمانينيات.
ويتعمق الكتاب في تفاصيل الإخوان المسلمين في سورية، ويشرح تاريخهم من بداياتهم كحركة إصلاحية وصولاً إلى مواجهتهم المسلحة لنظام البعث. بعد حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧ وخسارة الجولان، وفي خضم صراعات داخلية، برز حافظ الأسد الذي استولى على السلطة عام ١٩٧٠ في حركة "الحركة التصحيحية". يقدم الكتاب سيرة ذاتية سريعة للأسد، ويصف فترة حكمه الطويلة التي امتدت من عام ١٩٧٠ حتى وفاته عام ٢٠٠٠. يتناول تدخل سورية في لبنان خلال حربه الأهلية، وعلاقاتها المتقلبة مع تركيا، ووقوفها إلى جانب التحالف الدولي في حرب الخليج (١٩٩٠-١٩٩١). بعد وفاة حافظ الأسد، انتقلت السلطة إلى ابنه بشار الأسد الذي واجه ضغوطاً دولية متزايدة، خاصة بعد تدخل الولايات المتحدة في العراق، واتهامات سورية بالتدخل في لبنان واغتيال رئيس وزرائه رفيق الحريري، مما أدى إلى عزلة دولية مؤقتة.
يصل الكتاب إلى ذروته بوصف الأحداث التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة الداخلية عام ٢٠١١، في سياق "الربيع العربي". يذكر أن التوترات بين الأغلبية السنة والأقلية العلوية، إلى جانب المسيحيين، كانت المكون الرئيسي للصراع، لكنه لا يغفل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. يختتم الكتاب بدليل لجماعات المعارضة السورية المختلفة، ويعترف بواقع ٢٠١٢ حيث كانت البلاد غارقة في حرب أهلية، دون أن يقدم توقعات أو حلولاً، تاركاً القارئ مع صورة قاتمة لمستقبل سورية. يقر المؤلف ضمنياً بحدود كتابته من خلال التركيز على السرد التاريخي التقليدي للأحداث الكبرى والاتفاقيات، دون الخوض العميق في التحليل الاجتماعي والاقتصادي أو تجارب الناس العاديين، كما أن بعض الوقائع كعدد القتلى في مجزرة حماة أو نتائج الانتخابات الدقيقة تبقى بحاجة إلى تحقق، وهو ما التزم به الملخص.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هي التركيز الكبير على الدور الخارجي كعامل مفسر رئيسي للفشل السوري، مما قد يقلل من أهمية الفواعل الداخلية والاختيارات الوطنية الخاطئة. كما أن معالجة الطائفية كعامل ثابت وتاريخي قد توحي بأن الصراع محتوم، متجاهلةً فترات التعايش الطويلة. رغم هذه التحفظات، ينجح الكتاب في تقديم سردية شاملة ومترابطة لفهم كيف تحولت سورية من ولاية عثمانية إلى بؤرة توتر عالمية، وتبقى صورته الأقوى هي تلك التي تظهر كيف يمكن لوعود متضاربة وقرارات فوقية أن تخلق واقعاً مأساوياً يستمر لعقود.
الأشخاص
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص