المورد
The Home That Was Our Country

The Home That Was Our Country

Alia Malek١ كانون الثاني ٢٠١٧enNation Books

الكتاب هو سيرة ذاتية لعائلة المؤلفة عالية مالك، لكنه في جوهره تأريخ شخصي لسقوط وطن. الموضوع المحوري هو تفكيك العلاقة المعقدة والمستحيلة بين الفرد والوطن في ظل أنظمة استبدادية وحروب أهلية. تدافع المؤلفة عن فكرة أن سوريا التي عرفتها عائلتها، الوطن الذي كان يمكن العودة إليه، قد مات أو سُرق، تاركةً وراءها ذاكرة مؤلمة وواقعاً من الخراب والهجرات القسرية. الكتاب ليس تأريخاً سياسياً محايداً، بل هو شهادة شخصية تُظهر كيف تتداخل لحظات الفرح العائلي اليومي مع جروح الإمبراطوريات والانقلابات والقمع.

يمتد السرد عبر الزمن، لكنه لا يتبع ترتيباً زمنياً خطياً بل يتحرك بين الأجيال. يبدأ الكتاب بلحظة الرحيل الفعلية في مايو 2013 من دمشق، ليضع القارئ مباشرةً أمام جوهر المأساة: المغادرة ليست خياراً شخصياً بل تتويجاً لشبكة من الضغوط. كانت المؤلفة صحفية مزدوجة الجنسية في بلد يقتل الصحفيين، وقد ورث النظام الحكم من حافظ الأسد بعد 40 عاماً من الحكم الشمولي الذي يعتمد على أجهزة مخابرات ضخمة. تشرح عبر نكتة مشهورة أن هذه الأجهزة، التي توظف 65,000 شخص، هي نسخة أقل دقة من الشتازي لكنها أكثر حماسة، حيث الخوف يصل حتى إلى الكلام العادي في زمن الحرب. أسباب بقائها كانت الرغبة في إنهاء ترميم منزل جدتها سلمى وشهود لحظة التغيير، لكن هذه التبريرات واجهت شكوك العائلة والمجتمع، فكونها امرأة غير متزوجة في الثلاثينيات ومخالفة للقانون السوري بزيارتها السابقة لفلسطين جعل وجودها استفزازياً. يختتم هذا القسم بلحظة وداع حسية على شرفة منزل الجدة في حي عين الكريش، حيث يهرب ببغاء من قفصه ويصرخ صاحبه "حرية!"، وهو مشهد يثير قلق الجيران من المخبرين، ويترك صورة الطفولة مع الجدة كأمل بالعودة.

ينتقل الكتاب جذرياً إلى الماضي، متتبعاً جذور العائلة من جهة الأم، عائلة آل مير. هذا القسم يكشف كيف تشكلت سوريا الحديثة عبر طبقات من الإمبراطوريات والحروب. نلتقي بـ الشيخ عبد الجواد آل مير، الجد الأكبر المسيحي الأنطاكي الأرثوذكسي (مواليد 1889)، وهو رجل ثري ذو شخصية قوية كان جزءاً من نخبة "الأعيان" في ظل الحكم العثماني. يصف الكتاب سفربرلك، مصطلح معاناة الحرب العالمية الأولى الذي شهد تجنيداً إجبارياً ومجاعة أودت بما بين 15 و20 بالمائة من سكان بلاد الشام. هنا أيضاً نلمح جريمة الإبادة الجماعية بحق الأرمن والآشوريين واليونانيين (بين 1.3 مليون أرمني و275 ألف آشوري و350 ألف يوناني) التي فر منها ضحايا، مثل تيتا ماري التي آوتها العائلة. بعد انهيار العثمانيين، يصف الكتاب مقاومة السوريين للانتداب الفرنسي، ويظهِر تعقيد الشخصيات الوطنية مثل صالح العلي وإبراهيم هنانو، حيث كان هنانو يتلقى دعم مصطفى كمال أتاتورك، وكان بعض المقاتلين من كلا الجانبين يهاجمون القرى المسيحية. يختتم هذا القسم باستقلال سوريا عام 1946، وانتقال سلمى (الجدة) إلى دمشق للزواج في 1949، في مدينة كانت تنبض بالآمال الجديدة.

ثم يعود السرد إلى تجربة المؤلفة الشخصية في صيف 1992، حين كانت في السابعة عشرة من عمرها، وهو ما يكشف الواقع اليومي القمعي للنظام. في مطار دمشق تواجه تناقضاً صارخاً بين هويتها الأمريكية وتراثها السوري. تصف تعليمات العائلة المشددة بعدم إظهار أي شيء سياسي، وكيف يتعامل معها موظفو الجوازات بوصفها سورية رغم إصرارها على أنها أمريكية. تصف رشوة مقنعة ومضايقات من رجال المخابرات الذين يسألونها أسئلة غريبة. في سوريا حينها، رغم أن الوضع أفضل من أواخر الثمانينيات التي شهدت نقصاً حاداً في مواد أساسية، كانت البطالة خانقة والكهرباء تنقطع باستمرار. تزور حماة وتسمع همساً عن استيلاء قناصة حافظ الأسد على سطح منزل جدها الأكبر أثناء قمع المدينة في 1982. تذهب إلى حلب وتتسوق مع قريباتها اللواتي يدعوهن الناس "أجانب" لبشرتهن الفاتحة. قبل مغادرتها، تضطر للذهاب إلى مبنى المخابرات لإنهاء إجراءات بطاقة هويتها السورية، حيث تجلس في غرفة مظلمة ويسألها رجلان إن كان لها أصدقاء في "السجن"، وهي مجرد طالبة في السابعة عشرة. تختتم هذا القسم بعودتها في صيف 1998 إلى الضفة الغربية للعمل مع وزارة الزراعة الفلسطينية، حيث تشهد هجمات المستوطنين على المزارعين، لكنها تشعر بأن الفلسطينيين أكثر حرية في أحاديثهم من السوريين، رغم احتلالهم، لأنهم يسبون الجميع بحرية.

يمتد السرد عبر العقد التالي، من 1992 حتى 2011، ويكشف عن طبقات أعمق من التهجير والصراع. يصف لقاء مصادفاً مع يهودي سوري في حافلة في تل أبيب، وهو ما يقلب تصوراتها. تكتشف تاريخ اليهود السوريين الذين عاشوا في سوريا منذ ما قبل الحقبة المسيحية، وكيف بدأت هجرتهم الجماعية بعد أحداث حلب 1947 عشية تأسيس إسرائيل، وإعدام الجاسوس الإسرائيلي إليهو بن شاول كوهين في 1965 (الذي تركت جثته معلقة لست ساعات)، وصولاً إلى قرار 23 أبريل 1992 برفع حظر السفر عن العائلات اليهودية، والذي أدى إلى هجرة جماعية سريعة. تطرح سؤالاً نقدياً حول الصفقة التي أبرمها الأسد مقابل هذا القرار، مشيرة إلى أن مرتفعات الجولان بقيت محتلة. ينتقل السرد إلى موت حافظ الأسد في 10 يونيو 2000، ثم صعود ابنه بشار الأسد بعد تعديل الدستور لتخفيض سن الرئاسة من 40 إلى 34. تصف "ربيع دمشق" الذي سرعان ما قمع، والاقتصاد المتردي الذي يجعل العائلة تعيش في منازل متهالكة وسيارات رومانية من الثمانينيات. تنتقل إلى لبنان صيف 2000 بعد انسحاب إسرائيل، وتشاهد آثار سجن إسرائيلي في الجنوب وتقدم تحليلاً نقدياً لحزب الله والسعودية اللتين تستغلان الدين. تشهد اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، وتعمل في واشنطن في وزارة العدل عهد كلينتون، ثم تأتي أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي تسبب ردود فعل عنصرية وتقرر الاستقالة احتجاجاً على غزو العراق في مارس 2003، وتنتقل لتعيش في بيروت. ينتهي هذا القسم بعودتها إلى سوريا في أبريل 2011، بعد اندلاع الانتفاضة السورية التي بدأت باعتقال مراهقين في درعا لكتابتهم شعارات ثورية. تصف عبورها الحدود ورؤيتها لوحات إعلانية جديدة تقول "أنا مع القانون!" وتفسر الرسالة الخفية على أنها "اخضع".

أما الخاتمة فهي تأمل مؤلم في حياة من "بقوا" أو "غادروا". تنتقل الكاتبة إلى مارس 2016، وهي في طريقها من ألمانيا للقاء شادي، ابن حسن الشاعر الذي استولى على منزل جدتها سلمى في عين الكريش. تبدأ بسرد إحصاءات اللاجئين: 4.8 مليون لاجئ سوري في دول الجوار، غرق 3500 شخص في البحر المتوسط عام 2015 وحده، ونحو نصف مليون سوري لجأوا إلى البحر في تلك السنة. تلتقي بشادي ووالدته هلال وابنته زهرا. تروي هلال قصة حياتها مع حسن: زواج صعب حيث كان يشرب كل ليلة ويأتي بزوار ويوقظها لتحضير الطعام دون أن يسمح لها بالجلوس معهم. تسألها الكاتبة لماذا لم تقل لا، فتجيب: "أظنه دربني على ألا أقول لا". يخبر شادي الكاتبة عن رحلته الخطرة بقارب مع 40 شخصاً لأكثر من 17 ساعة في بحر إيجه، وتكاليف الرحلة التي بلغت 21 ألف يورو. دار حوار حول طبيعة حسن: قال شادي إن والده كان شريفاً لأنه لم يكتب مدائح لحافظ الأسد، لكن الكاتبة تدرك أن ذلك المال كان يأتي من منزل جدتها المسلوب. تختتم بالتفكير في الفارق الكبير بين حياتها وحياتهم: هي سائحة أمريكية في ألمانيا، بينما عائلة حسن بقيت غريبة في شقة لن تشعر لهم بأنها وطن. تترك تساؤلات أخيرة حول من سيتذكر أن البيت كان لسلمى، ومن سيتذكر سوريا التي كانت، ومن سيكون هناك ليستقبل فجرها الجديد.

يعترف الكتاب صراحة بحدوده؛ فهو شهادة شخصية لا تقدم تحليلاً سياسياً شاملاً. يترك أسئلة مفتوحة حول مصير المنزل ومصير أفراد العائلة وسوريا نفسها. الحجج الأكثر قابلية للنقاش هي تصوير اليهود السوريين كضحايا مزدوجين (للنظام السوري وللصهيونية)، مما قد يُقرأ كتخفيف من مسؤولية إسرائيل تجاه الفلسطينيين. كما أن مفهوم "ورقة التوازن الأخلاقي" التي يعيشها السوريون (طالما أنك غير سعيد، لا يمكنك أن تكون متواطئاً في مأساة الآخر) يثير تساؤلات حول المسؤولية الأخلاقية الشاملة. إضافة إلى ذلك، فإن مقارنة "الحرية الفردية" في لبنان بـ"خنق الدولة" في سوريا، رغم اعتراف الكاتبة بفساد لبنان، قد تبدو مفرطة في التبسيط. في النهاية، يقدم الكتاب تأريخاً عاطفياً وعائلياً مؤلماً، يظهر كيف أن الحب للوطن والتعقيدات الأسرية يمكن أن يكونا سبباً للخطر تماماً كما أن الخوف منهما سبب للرحيل.

الأشخاص

الفصول(5)

1.مقدمة: المغادرة14–22▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل التمهيدي، الذي يحمل عنوان "المغادرة"، لحظة الرحيل الفعلية من دمشق في مايو 2013، لكنه في جوهره يستعرض العلاقة المعقدة والمؤلمة بين المؤلفة عالية مالك ووطنها سوريا. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن المغادرة لم تكن مجرد قرار شخصي، بل كانت تتويجاً لشبكة من العوامل: الخطر المتصاعد على صحتها كصحفية وأمريكية في بلد يشهد حرباً أهلية، ضغوط العائلة خوفاً عليها وعلى أنفسهم من التبعات الأمنية، ومرض والدها المفاجئ الذي استدعى عودتها إلى الولايات المتحدة. بهذا، يضع الفصل المغادرة كاستمرار لعلاقة أساسها "الانفصال" منذ أن كانت جنيناً في بطن أمها.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تتبع أسباب رحيلها. أولاً، يشرح وضعها الشاذ كصحفية مزدوجة الجنسية في بلد يقتل الصحفيين. عالية مالك، المولودة في الخارج لأبوين سوريين، تملك بطاقة هوية سورية سمحت لها بالدخول والعيش بسهولة نسبية، لكن هذه الميزة نفسها جعلتها موضع شك واتهام بالتجسس في ظل حكم الرئيس بشار الأسد الذي ورث السلطة عن والده حافظ الأسد بعد 40 عاماً من الحكم. تستخدم الكاتبة نكتة شهيرة سمعتها في التسعينيات لتشرح طبيعة أجهزة المخابرات السورية (المخابرات) التي تقوم بمراقبة المواطنين عبر 65,000 موظف بدوام كامل، وتصفها بأنها نسخة أقل دقة من الشتازي لكنها أكثر حماسة؛ ففي النكتة، تعترف الأرنب بأنها ثعلب بعد تعذيبها. هذا الشرح يبرز كيف أن الخوف من هذه الأجهزة قد تمدد ليشمل كل شيء، حتى الكلام العادي في زمن الحرب أصبح محفوفاً بالمخاطر المجهولة.

ثانياً، تعرض الكاتبة أسباب بقائها الأصلية في سوريا منذ أبريل 2011، والتي بدت غير مقنعة لمن حولها. كان هدفها الظاهر إنهاء ترميم منزل جدتها سلمى، الذي أصبح ملكاً لوالدتها. أما الهدف الأعمق فكان الرغبة في أن تكون شاهدة على لحظة التغيير التي تمر بها المنطقة، وأن تساهم بما تستطيع كمحامية وصحفية في رسم مستقبل أفضل لسوريا. لكن هذه التبريرات واجهت الشكوك: ففكرة كتابة كتاب عن جدتها بدت غير قابلة للتصديق في ثقافة لا تكتب فيها غير قصص الرجال المهمين، كما أن زياراتها السابقة لفلسطين وإسرائيل جعلتها مخالفة للقانون السوري. بالإضافة إلى ذلك، كونها امرأة غير متزوجة تعيش وحدها في الثلاثينيات من عمرها أثار شكوكاً حول أخلاقها، مما جعل وجودها جريئاً واستفزازياً في نظر بعض أفراد عائلتها والمجتمع.

يستعرض الفصل أيضاً تنوع دوافع أفراد عائلتها تجاه رحيلها. بعضهم أراد حمايتها من خطر الخطف من قبل المجرمين الذين يستهدفون الأثرياء، أو من بطش النظام الذي يعاقب بالتبعية. آخرون كانوا يخشون على سلامتهم هم أنفسهم من ارتباطهم بها. في المقابل، كان هناك من نشر شائعات خطيرة بأنها جاسوسة أمريكية، إما لاستغلالها لكسب ود النظام أو لإجبارها على المغادرة. هذه الضغوط المتباينة تظهر كيف أن الحرب والرقابة لم تخلقا خطراً واحداً، بل خليطاً من المخاوف والمصالح الشخصية التي جعلت وجودها عبئاً غير محتمل.

في النهاية، ينتقل الفصل إلى وصف لحظة الوداع الحسية والعاطفية. تقف الكاتبة على شرفة منزل جدتها في حي عين الكريش، وتصف تفاصيل الحارة الضيقة والأشجار والياسمين وأصوات القصف البعيدة. تستخدم عدة روايات شعبية لشرح أصل اسم الحي، وتكشف عن اعتقادها الخاطئ السابق بأن معناه "سرّة البطن"، وهو ما تجده شبيهاً برباطها السري الذي لا ينقطع مع هذا المكان. يستعيد الفصل أيضاً تاريخ المنزل: كيف أن جدتها سلمى سكنته بعد زواجها في 1949، وكيف خسرته العائلة لصالح مستأجر محمي بالقانون لعقود، وكيف استعادته والدتها أخيراً بموجب قانون 2004 الذي سمح بإخلاء المستأجرين مقابل دفع 40% من قيمة العقار. المشهد الأخير في الفصل هو هروب ببغاء ملونة من قفصها، وضحك صاحبها قائلاً "حرية!"، وهو ما يثير قلق الجيران من أن تكون هذه الاستعارة قد أوقعتهم في مشكلة مع المخبرين. تترك الكاتبة صورتها طفلة مع جدتها في المنزل، كإشارة أمل بالعودة، قبل أن تغادر.

يقرّ الفصل ضمنياً بحدوده الخاصة: فهو لا يقدم تحليلاً شاملاً للحرب أو السياسة السورية، بل يركز على التجربة الشخصية والمنظور الفردي للمؤلفة. القصة تترك أسئلة مفتوحة حول مصير المنزل وسورية وأفراد العائلة، وتؤول إلى مشهد الوداع غير المؤكد. الحجة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص هي فكرة أن الحب للوطن والتعقيدات الأسرية يمكن أن يكونا سبباً للخطر تماماً كما أن الخوف منهما سبب للرحيل، مما يخلق مفارقة مؤلمة في علاقة المغترب بوطنه.

1.الجزء الأول: أجيال23–138▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل، وهو الجزء الأول من كتاب "الوطن الذي كان بلدنا" لأليا مالك، تاريخ عائلة المؤلفة من جهة الأم، عائلة آل مير، ليكشف من خلاله عن التكوين المعقّد لسوريا الحديثة. يطرح الفصل فكرة أن فهم سوريا المعاصرة يتطلب تتبع جذور عائلة واحدة عبر الأجيال، وكيف تداخلت قصصها الشخصية مع الأحداث الكبرى التي شكّلت المنطقة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الهوية السورية لم تولد من فراغ، بل تشكلت عبر طبقات من الإمبراطوريات والحروب والصراعات الطائفية، وأن الذاكرة العائلية تحمل في طياتها آثار هذه التحولات العنيفة.

يبدأ الفصل بتقديم شخصية الشيخ عبد الجواد آل مير، الجد الأكبر للمؤلفة، المولود عام 1889 في قرية سقيلبية الواقعة في سهل الغاب ضمن ولاية حماة العثمانية. يصفه الفصل بأنه مسيحي أنطاكي أرثوذكسي، لقب بـ "الشيخ" لمكانته وسخائه، وكان رجلاً ذا "شخصية" قوية، ثرياً يملك الأراضي ويزرع القمح والقطن ويقطر العرق. يتناول الفصل زواجه المثير للجدل من سارة ذات الأربعة عشر عاماً، إذ خطفها أو هرب معها، مما أغضب والدته مرتا التي ظلت تحقد على زواج ابنها. هذه العلاقة المعقدة بين الأم والابن والزوجة ستكون بذرة تعاسة سلمى، جدة المؤلفة، التي ولدت عام 1924 كأول بنت تبقى على قيد الحياة.

ثم ينتقل الفصل إلى السياق التاريخي الأوسع، ويصف حياة عبد الجواد تحت الحكم العثماني وكيف استفاد من قوانين الأراضي العثمانية ليزيد ثروته، مما جعله جزءاً من نخبة "الأعيان" الذين كانوا يمارسون نظام الرعاية والوصاية على الفلاحين الفقراء، بمن فيهم العلويون والمسيحيون. يصف الفصل سفربرلك، وهو المصطلح الذي يشير لدى السوريين إلى معاناة الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، والتي شهدت تجنيداً إجبارياً كان بمثابة حكم بالإعدام، ومجاعة وأوبئة أودت بحياة ما بين 15 إلى 20 بالمائة من سكان بلاد الشام. كان عبد الجواد معفى من التجنيد كونه ابناً وحيداً، بينما أصبحت والدته مرتا أسطورة محلية بعدما أزالت بوابات منزلها وأقامت أفراناً لخبز الخبز للجوعى.

يتعمق الفصل في جريمة الإبادة الجماعية بحق الأرمن والآشوريين واليونانيين التي نفذتها الدولة العثمانية بين 1914 و1918، ويقدر عدد الضحايا بـ 1.3 مليون أرمني و275 ألف آشوري و350 ألف يوناني. هنا يظهر دور عبد الجواد ومرتا في إيواء امرأة أرمنية مع أطفالها فرت من المذابح، لتصبح "تيتا ماري" جزءاً من العائلة. كما أحضر عبد الجواد صبياً يتيماً يُدعى نازاريان وعائلات أرمنية أخرى إلى قريته. يشير الفصل إلى أن هذه الصدمة الجماعية أصبحت جزءاً من النفسية السورية، رغم عدم وجود وقت لمعالجتها.

بعد انهيار الدولة العثمانية، يصف الفصل حالة الترقب وعدم اليقين التي سادت بلاد الشام، ورفض السوريين للانتداب الفرنسي والاستعمار الأوروبي بشكل عام، على عكس الرواية القومية العربية التي تروج لها أفلام مثل "لورنس العرب". يظهر في هذه المرحلة صالح العلي قائد الثوار العلويين وإبراهيم هنانو قائد الثوار في الشمال، واللذان كان عبد الجواد يدعمهما مالياً ويؤويهما. لكن الفصل لا يبسط الأمور، بل يعقدها؛ فيكشف أن هنانو كان يتلقى دعم مصطفى كمال أتاتورك ويقاتل أملاً بالعودة إلى الدولة العثمانية الجديدة، وأن مقاتلين من كلا الجانبين هاجموا قرية سقيلبية المسيحية. يتدخل عبد الجواد وصالح العلي وهنانو لوقف هذه الهجمات، بل وأعدم هنانو قائداً ميدانياً مسؤولاً عن مذبحة في القرية بعد أن تبين أن الأتراك دبروها لتشويه صورة الثوار أمام المسيحيين.

بعد هزيمة السوريين في معركة ميسلون عام 1920 ودخول الفرنسيين، اتبع الفرنسيون سياسة "فرّق تسد" بتقسيم بلاد الشام إلى دويلات طائفية (الدولة العلوية، جبل الدروز، دولة حلب، دولة دمشق) وانتزاع لبنان الكبير ولواء إسكندرون (الذي ضمته تركيا عام 1939). على الرغم من ذلك، استمر عبد الجواد في مقاومة الفرنسيين بذكاء، إذ أخفى أبناء هنانو في منزله وشهد لصالحه في المحاكمة العلنية التي أدت إلى تبرئته. ينتقل الفصل بعدها لوصف حياة العائلة في بيتها التقليدي بحماة، وتفاصيل الحياة اليومية، وعلاقة عبد الجواد المتوترة مع سارة بسبب خياناته المتكررة، وحرصه على تعليم أبنائه وبناته، وقصة نبذه لابنه الأكبر الذي تزوج باختياره.

يختتم الفصل باستقلال سوريا عام 1946، وانتقال سلمى إلى دمشق للزواج من أمين عام 1949، وهو رجل وافق عليه والدها، على عكس حبها الأول الذي منعته. يصف الفصل دمشق الجديدة التي كانت تنبض بالحياة بعد الاستقلال، ويقارن بين أجواءها الحضرية ومدينتها حماة الأكثر محافظة. يترك الفصل القارئ عند هذه النقطة، مع شعور بأن الاستقلال كان يحمل وعوداً وآمالاً جديدة، سواء للبلاد أو لسلمى، لكنها وعود قد تثبت هشاشتها مع الوقت. يعترف الفصل ضمناً بتعقيد الشخصيات التاريخية، فالبطل الوطني قد يكون له دوافع انتهازية، وأن الذاكرة الجمعية تميل إلى تنعيم الحواف الخشنة للتاريخ، وهو ما يسعى الكتاب إلى كشفه.

2.الجزء الثاني: مطرود139–168▼ ملخص

ملخص الفصل: «الجزء الثاني: مطرود»

يغطي هذا الفصل رحلة الكاتبة عالية مالك إلى سوريا في صيف 1992، حين كانت في السابعة عشرة من عمرها، مسافرة وحيدة من الولايات المتحدة بعد تخرجها من المدرسة الثانوية في بالتيمور. الموضوع المحوري هو تجربتها الأولى كبالغة في وطن والديها، حيث تواجه تناقضاً صارخاً بين هويتها الأمريكية وتراثها السوري، ويكتشف القارئ من خلال عينيها طبيعة النظام السوري القمعي والمراقبة المستمرة والفساد الذي يسود المؤسسات الرسمية.

يبدأ الفصل بوصف دقيق لوصولها إلى مطار دمشق في 21 يونيو 1992، وقد تلقت تعليمات مشددة من عائلتها: لا تقولي شيئاً سياسياً، لا تظهري بمظهر أمريكي أكثر من اللازم، اخضعي لأي شخص يبدو مسؤولاً. تحمل الكاتبة كاميرا فيديو ثقيلة على كتفها بناءً على طلب والدها الذي لم يزر سوريا منذ 1986 عندما توفي والده. على خصرها حقيبة سوداء مكتوب عليها "نيو أورليانز"، وكاميرا مثبتة بحزامها، وقبعة من القش تبدو سخيفة. تصف كيف كانت رحلتها من القاهرة مليئة بركاب من المنطقة، وأن مظهرها كان مختلفاً بوضوح عنهم.

في مكتب الجوازات، يسألها الضابط إن كانت سورية، فتجيب بأنها أمريكية باستياء. يوبخها قائلاً إنها سورية، ويسألها لماذا لا تحمل جوازاً سورياً، ثم يسألها إن كانت متزوجة. تجيب بأنها ليست متزوجة وتحاول أن تبدو حزينة لهذا الوضع. بعد أن يسمح لها بالمرور، يوقفها رجل آخر ويقودها إلى غرفة صغيرة مغلقة حيث يوجه إليها أسئلة مماثلة عن هويتها وسبب زيارة سوريا، ثم يطلب تسجيل كاميرا الفيديو، وهو ما تفهم لاحقاً أنه كان تلميحاً لطلب رشوة.

عند وصولها إلى منزل أجدادها، تجد أن الأمور لم تتغير كثيراً منذ 12 عاماً. جدها أمين يبدو أكبر سناً بكثير، بشرته رقيقة وشفافة وشعره أبيض. تصف الكاتبة شعورها بأن أجدادها كانوا مثل أصدقاء خياليين في طفولتها، لا يمكن التواصل معهم إلا عبر الهاتف وبصعوبة. تعيش عمتها سهى الآن في شقة عادل ونيكولا القديمة في عين الكريش، عبر الممر من المنزل الذي نشأت فيه، والذي لا يزال يسكنه حسن الشاعر الذي استولى على ممتلكات العائلة. تروي الكاتبة كيف اختارت سهى أن تكون جارة ودودة مع حسن لتجعل حياتها اليومية محتملة.

يصف الفصل التناقضات الاقتصادية في سوريا عام 1992. فبينما كانت الشوارع لا تزال تعج بسيارات أمريكية من خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وبسيارات من أوروبا الشرقية لا تعرفها الكاتبة، وبينما كان الكهرباء ينقطع باستمرار، إلا أن الوضع كان أفضل مما كان عليه في أواخر الثمانينيات، حيث كانت هناك نقص حاد في مواد أساسية مثل المناديل الورقية، وكان الموز نادراً لدرجة أن الجيران كانوا يدعون بعضهم ليتشاركوه. تشرح الكاتبة كيف أن الانقلاب البعثي 1963 خلّف قطاعاً عاماً متضخماً وسياسياً، يعاني من المحسوبية وعدم الكفاءة، مما اضطر النظام للتخلي عن نموذجه الاشتراكي في 1986 واللجوء إلى رجال الأعمال.

تسافر الكاتبة مع عمها سعد وزوجته نهى إلى حماة لحضور حفل زفاف عائلي. تزور منزل جدها الأكبر لأول مرة، وهو مبنى من خمسة طوابق. يهمس لها أحدهم في أذنها أنه في 1982، استولى قناصة حافظ الأسد على سطح المنزل أثناء قمعهم للمدينة. تصف الكاتبة كيف تم ترميم الكنيسة التي دُمرت في 1982 بسرعة، وكيف فهمت لاحقاً أن هذا الترميم السريع كان ضرورياً للنسيان الجماعي لما حدث. بعد العرس، تبقى يوماً إضافياً في حماة، وتذهب للتسوق مع قريباتها، حيث يلاحظ الجميع بشرتهم الفاتحة وشعرهم الأشقر فيسمونهم "أجانب".

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى حلب لزيارة خالتها هند، الأخت الوحيدة لجدتها سلمى. تصف كيف تخبرها خالتها أنها كانت تعتبر أجمل من جدتها بسبب بشرتها الفاتحة وعينيها الزرقاوين. تزور قلعة حلب ومسجدها الأموي، وتأكل في مطاعمها الرائعة. قبل مغادرتها، تحزم لها خالتها زجاجة من دبس الرمان الذي أعدّه مزارع من الريف، وتفهم الكاتبة أنها اؤتمنت على شيء مقدس.

قبل مغادرتها سوريا، يتعين على الكاتبة إنهاء إجراءات بطاقة هويتها السورية، التي تأخرت عنها 3 سنوات. تذهب إلى مبنى المخابرات القريب من منزل جدها، وتنتقل من غرفة إلى أخرى، وفي كل غرفة صورة لحافظ الأسد تحدق بها. تصف كيف كانت هذه الصور في كل مكان، حتى في سيارات الأجرة، وكيف كانت تجدها جميعاً مخيفة. في غرفة مظلمة، يجلس رجلان يسألانها لماذا تأخرت في تقديم طلب البطاقة، ومن هم أقاربها في دمشق. السؤال الوحيد الذي تتعثر فيه هو: هل لديها أصدقاء في "السجن"؟ لم تكن تعرف هذه الكلمة بالعربية، وعندما فهمتها، تصدق أن يسألاها هذا السؤال، وهي مجرد طالبة في السابعة عشرة من عمرها.

بعد أن تطبع بصماتها وتُؤخذ صورتها، تحصل على بطاقة هويتها السورية. تصف الكاتبة كيف شعرت بارتياح لأنها نشأت في الولايات المتحدة، رغم تعقيدات كونها عربية في أمريكا. في سوريا، كان هناك انقطاع الكهرباء والمياه، وصور الزعيم في كل مكان، وموظفون حكوميون فاسدون. تقول في ثقة مراهقة: "أفضل العيش في أي مكان إلا هنا".

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى صيف 1998، بعد 6 سنوات. الكاتبة في الثالثة والعشرين من عمرها، وقد أنهت سنتها الأولى في كلية الحقوق، وتعمل في الضفة الغربية مع وزارة الزراعة الفلسطينية. تصف كيف تتابع الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون على المزارع الفلسطينية وأشجار الزيتون. تجلس مع مزارعين في الثمانينيات من العمر يبكون وسط بساتينهم بعد أن قطع المستوطنون أشجارهم. تزور عائلات دمرت بسبب الأحماض التي رشها المستوطنون على أشجار اللوز والعنب، أو بسبب مصادرة الجيش لقطعانهم.

تصف الكاتبة كيف شعرت بأن الفلسطينيين كانوا أكثر حرية من السوريين في أحاديثهم، رغم احتلالهم. كانوا يسبون الجميع بحرية، من الإسرائيليين إلى ياسر عرفات إلى حافظ الأسد. في سوريا، كانت قد تعلمت ألا تتحدث عن أي شيء لأن الجدران لها آذان. تود العودة إلى سوريا الآن كبالغة، لكن عائلتها ترفض، خوفاً من أن تعرف السلطات السورية أنها كانت في إسرائيل. في النهاية، تستسلم وتقرر زيارة مصر بدلاً من ذلك.

ينتهي الفصل برحلة عودتها من مصر إلى إسرائيل، حيث تصادف سائق سيارة أجرة عربياً يتحدث معها بالعربية. تتنفس الصعداء، لكنها لا تجرؤ على التحدث أكثر بالعربية خوفاً من جذب الانتباه. في النهاية، تدرك أن السائق فلسطيني مثله مثل الركاب الآخرين الذين تم إنزالهم في القدس الغربية أولاً، ولا تترجم كلماته من الفلسطينية إلى السورية كما اعتادت. يلاحظ الفرق في طريقة تحدثه، مما يؤكد تعقيد الهوية والانتماء في هذه المنطقة.

في نهاية الفصل، تشير الكاتبة إلى أنها كانت ترغب في رؤية نساء يهوديات عرفتهن في طفولتها، مثل نانيت التي ثقبت أذنيها وستيلا التي كانت تتناول الغداء مع جدتها. تكتشف أنهن غادرن سوريا بعد أن رفع حافظ الأسد حظر السفر عن العائلات اليهودية السورية. يختتم الفصل بإحساس الكاتبة بأن ما تركه النظام السوري من آثار سلبية جعلها ترى أن رحيل هؤلاء النساء إلى أماكن أقل فوضى هو نعمة أكثر منه مأساة، معبرة عن شعورها بأنها تفضل العيش في أي مكان آخر غير سوريا.

3.الجزء الثالث: في عين المعدة169–353▼ ملخص

ملخص الفصل: «الجزء الثالث: في عين المعدة»

يقدّم هذا الفصل سرداً شخصياً وسياسياً يمتد من عام 1992 حتى 2011، ويتتبّع رحلة الكاتبة عاليا مالك عبر سوريا ولبنان وفلسطين والولايات المتحدة، مع تركيز على موضوعات الهوية والانتماء والتهجير القسري والصراع العربي-الإسرائيلي. المحور الأساسي هو محاولة الكاتبة فهم مكانها في العالم كسورية-أمريكية، وتفكيك العلاقات المعقدة بين اليهود والعرب، وبين المواطنين والدول، وبين الذاكرة والملكية.

يبدأ الفصل بلقاء مصادفي مع يهودي سوري في حافلة في تل أبيب عام 1998، وهو لقاء يقلب تصورات الكاتبة رأساً على عقب. تندهش لاكتشاف وجود جيوب من الحياة السورية في إسرائيل، رغم أن "العربي" كان مصطلحاً ازدرائياً هناك. تروي الكاتبة تاريخ اليهود السوريين الذين عاشوا في سوريا منذ ما قبل الحقبة المسيحية، وازدهروا في دمشق وحلب والقامشلي، ثم بدأوا بالهجرة تدريجياً لأسباب اقتصادية وتجنباً للتجنيد في الجيش العثماني. لكن الذروة كانت مع تزايد الهجرة في النصف الأول من القرن العشرين بسبب الصراع بين الصهيونية والقومية العربية، والذي بلغ ذروته في أحداث حلب 1947 عشية تأسيس إسرائيل.

تنتقل الكاتبة إلى التفاصيل المؤلمة: إعدام الجاسوس الإسرائيلي إليهو بن شاول كوهين في 1965، وترك جثته معلقة لست ساعات في دمشق، وما تلا ذلك من قيود مشددة على اليهود السوريين. ثم تشير إلى تحسن طفيف مع صعود حافظ الأسد، وصولاً إلى قرار 23 أبريل 1992 برفع حظر السفر عن العائلات اليهودية (في عطلة الفصح اليهودي تحديداً)، والذي أدى إلى هجرة جماعية سريعة. تطرح الكاتبة سؤالاً نقدياً حول الصفقة التي أبرمها الأسد مقابل هذا القرار، مشيرة إلى أن مرتفعات الجولان بقيت محتلة.

ينتقل السرد إلى عام 2000 وموت حافظ الأسد في 10 يونيو، ثم صعود ابنه بشار الأسد بعد تعديل الدستور لتخفيض سن الرئاسة من 40 إلى 34 (عمر بشار آنذاك). تصف الكاتبة كيف تمت تسوية الطريق لخلافة بشار بسرعة، وكيف بدأ "ربيع دمشق" بمجالس نقاش سياسية سرعان ما قمعت. وتصف الحالة الاقتصادية المتردية: بطالة خانقة، خصخصة مشوهة، وفجوة طبقية متسعة. تلتقي الكاتبة بعائلتها في دمشق وتجدهم يعيشون في نفس المنازل المتهالكة، مع سباكة قديمة وأجهزة معطلة، وسيارات رومانية من الثمانينيات.

تنتقل الكاتبة إلى لبنان صيف 2000، وتقارن بحرية بيروت بخنق دمشق. تزور جنوب لبنان بعد انسحاب إسرائيل في مايو 2000، وتشاهد آثار سجن إسرائيلي مع لافتات تشرح أدوات التعذيب (ساحة العذاب، عمود العذاب، غرفة التحقيق بالكهرباء). تقدم تحليلاً نقدياً لحزب الله ورعاته الإيرانيين، وللسعودية ورعاتها اللبنانيين، مشيرة إلى أن كليهما يستغل الدين لتبرير سياساته.

تعود الكاتبة إلى فلسطين وتشهد اندلاع الانتفاضة الثانية بعد جولة أرييل شارون الاستفزازية حول المسجد الأقصى في سبتمبر 2000. تعمل في وحدة المفاوضات القانونية، ثم تعود إلى واشنطن في أكتوبر 2000 للعمل في وزارة العدل في عهد كلينتون، لكن سرعان ما يصل جورج بوش الابن ويُعيّن جون آشكروفت نائباً عاماً. تصف الكاتبة الأجواء السخيفة: مذكرة تمنع استخدام كلمة "فخر" لأنها خطيئة، ودعوات لحضور حلقة صلاة في الوزارة. ثم تأتي أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وتصف ردود الفعل العنصرية ضد العرب والمسلمين، واستغلال الحكام العرب "للإرهاب" ذريعة لقمع المعارضة.

تقرر الكاتبة الاستقالة بعد ثلاث سنوات في وزارة العدل، احتجاجاً على غزو العراق والتزييف الذي رافقه. تنتقل إلى بيروت في مارس 2003، وتصف وصولها الدرامي ليلاً: حادث سيارة، رائحة عجين طازج وديزل، ومشهد مفعم بالحياة. تجد شقة في الطابق الثامن (الذي أضيف بعد بناء المبنى، ولا يصل إليه المصعد)، مع إطلالة على جبال لبنان والبحر المتوسط. تعمل مع منظمة للاجئين حتى تُطرد لانتقادها سوء معاملة المديرة للاجئين، ثم تدرّس حقوق الإنسان في الجامعة اللبنانية الأميركية.

تستمر الكاتبة في زيارة دمشق شهرياً من بيروت، وتصف المحادثات مع أقاربها السوريين حول لبنان. يناقشون الحرب الأهلية اللبنانية، ويتهمون اللبنانيين بأنهم "فعلوها بأنفسهم"، بينما تردّ الكاتبة بسرد تاريخ التدخلات الإسرائيلية والسورية والغربية في لبنان. وتصف كيف أن السوريين يعيشون في حالة إنكار: "الحكومة والشعب ليسا نفس الشيء"، وكيف أن ورقة التوازن الأخلاقي (طالما أنك غير سعيد، لا يمكنك أن تكون متواطئاً في مأساة الآخر) تمنعهم من تحميل أنفسهم المسؤولية.

تتضمن الفترة قصة والدي الكاتبة اللذين يزوران سوريا في ذكرى زواجهما الثلاثين بعد غياب والدهما لمدة 18 عاماً. يقيمون في فندق رغم أن منزل Salma (الجدة) لا يزال باسم الأم، لكنه مشغول بالمستأجرين. يزورون حي الميدان حيث نشأ الأب، ويكتشفون أن الحذاء الذي اشترته جدتهم في الخمسينيات لا يزال يُباع بالسنتيمتر. يزور الأب مستشفاه القديم ويصدم من تدهور أوضاعه مقارنة بالستينيات. يذهبون إلى الأردن ويندهشون من البنية التحتية الحديثة مقارنة بسوريا. يقرر الوالدان في النهاية رفع دعوى قضائية لاستعادة شقة Salma بموجب قانون جديد يسمح للمالكين بدفع 40% من قيمة العقار لإخلاء المستأجرين.

ينتهي الفصل بعودة الكاتبة إلى سوريا في أبريل 2011، بعد اندلاع الانتفاضة السورية. تبدأ القصة من درعا في فبراير 2011، حيث اعتقل المراهقون لكتابتهم شعارات ثورية، وعُذبوا واقتُلعت أظافرهم. يقول المسؤولون لأهاليهم: "انسوا أولادكم، إذا أردتم أولاداً فأنجبوا آخرين". تنتشر الاحتجاجات، ويرد النظام بفتح النار. تصف الكاتبة عبورها الحدود من لبنان ورؤيتها لوحات إعلانية جديدة تقول "أنا مع القانون!" بخط طفولي براق، وتفسر الرسالة الخفية: "اخضع". وتختتم بقول ساخر: "مرحباً بك مجدداً "في" سوريا"، واضعة كلمة "في" بين علامتي اقتباس لتعريتها من معناها.

في الفصل حجج قابلة للنقاش: تصوير اليهود السوريين كضحايا مزدوجين (للنظام السوري وللصهيونية) قد يُقرأ كتخفيف من مسؤولية إسرائيل تجاه الفلسطينيين. كما أن تحليل الكاتبة لـ"ورقة التوازن الأخلاقي" (حيث يكون الألم الشخصي مبرراً لعدم التعاطف مع مأساة الآخر) يثير تساؤلات حول إمكانية وجود مسؤولية أخلاقية شاملة في سياقات القمع. إضافة إلى ذلك، مقارنتها بين "الحرية الفردية" في لبنان و"الخنق الدولة" في سوريا قد تبدو مفرطة في التبسيط، خاصة مع اعترافها بالفساد والطائفية في لبنان.

5.خاتمة: مُقيَّد354–364▼ ملخص

تبدأ الكاتبة الفصل وهي في طريقها بالسيارة من هايدلبرغ الألمانية باتجاه الحدود مع فرنسا، في مارس 2016. تشرح أنها كانت تغادر ألمانيا بعد رحلة كصحافية رافقت فيها لاجئين سوريين فروا من الحرب. تشير إلى أن نحو 4.8 مليون لاجئ سوري وجدوا ملاذاً في دول الجوار مثل لبنان والأردن وتركيا، لكن هذه الدول لم تمنحهم حياة حقيقية، بل علقوا في حالة من الجمود حيث مُنعوا من العمل والدراسة. وتضيف أن نحو نصف مليون سوري لجأوا إلى البحر في 2015 وحده، وأن 3500 شخص على الأقل غرقوا في تلك السنة وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا. تذكر الكاتبة أنها خلال رحلاتها مع اللاجئين، شعرت بأن الفارق بين هجرتهم وهجرة والديها من سوريا قبل عقود هو مجرد تقلبات في الحظ.

تتجه الكاتبة إلى ساربروكن للقاء شادي، ابن حسن الذي كان يعيش في بيت جدتها سلمى بحي عين الكريش في دمشق. لم تره من قبل لكنها عرفته فوراً لأنه يشبه والده. يبدأ الفصل في سرد قصة عائلة حسن منذ 2010، حين هرب شادي وتزوج سراً من امرأة علوية، لأن والده حسن كان يكره العلويين بشدة. عندما اكتشف حسن الزواج، طلق زوجته هلال فوراً وطردها من المنزل، لأنه عرف أنها كانت على علم بالأمر. رفض حسن رؤية حفيدته الوحيدة زهرة. بحلول نهاية 2010، رفض حسن المصالحة رغم أن هلال كانت تعيش في حرستا وكان يعولها. وعندما كان تجمع النساء في عين الكريش يلمن هلال على أخذها "أموال لمياء" (والدة الكاتبة)، كانت ترد بأنه حقها بموجب القانون السوري، وتقول إن بقاءها في البيت كان حماية له لوالدي الكاتبة في غيابهما.

قبل اندلاع الانتفاضة في مارس 2011، تركت زوجة شادي طفلتهما زهرا. في العام التالي، دخل الجيش السوري إلى حرستا وأمر السكان بمغادرة منازلهم خلال ساعات. استأجر شادي شقة في وسط دمشق. بعد ستة أشهر، سمح لهم الجيش بالعودة لساعتين فقط، ليجدوا المباني محطمة والمنازل منهوبة. قال الجيش إن المسؤول هم المتمردون. بعد مرض حسن، حاول شادي المصالحة لكن والده رفض. تدهورت حالته وحال سوريا، فقرر شادي نقل الجميع إلى دبي حيث تعيش أخته. سافر حسن معهم لأنه كان مريضاً جداً، وعاشوا في شقتين في المبنى نفسه (حسن وهلال منفصلان). أخذ شادي ابنته دون إبلاغ طليقته، التي كان يعتقد أنها تتحرك في أوساط موالية للنظام وميليشيات داعمة له. توفي حسن في فبراير 2014، ونشرت مواقع إخبارية عربية نعيه. أخبر جار في دمشق شادي أن بيوتهم في حرستا دُمّرت بالكامل. عجز شادي عن إيجاد عمل في دبي، فقرر الذهاب إلى تركيا ثم إلى أوروبا، وبقيت هلال في دبي مع ابنتها. في أكتوبر 2014، ركب شادي وزهرا قارب صيد خشبي مع نحو 40 شخصاً، أمضوا 17 ساعة في بحر إيجه قبل الوصول إلى رودس في اليونان. بحلول مارس 2016، كان لدى شادي وزهرا تصريح إقامة في ألمانيا منذ عام، وبلغت تكلفة الرحلة 21 ألف يورو.

تعود الكاتبة إلى لحظة اللقاء. تصف كيف توسطت جارتها في المبنى، فاطمة، لترتيب اللقاء. في البداية وافقت هلال ثم تراجعت بناءً على إصرار ابنتها التي قالت إنه ليس لديهم "شيء جيد ليقولوه عن سلمى". ادعت هلال أن سلمى طلبت إيجاراً مدفوعاً مسبقاً في السبعينيات، لكن الكاتبة وفاطمة شككتا في ذلك. ظلت الكاتبة تأمل، وأخيراً شاركها شادي رقم هاتفه وعنوانه. عند وصولها، استقبلها شادي وهلال وزهرا بحفاوة. لاحظت الكاتبة أن هلال نزعت الحجاب، وقالت إنها لم تحبه أبداً وإنها ارتدته تحت ضغط من مجموعة النساء في عين الكريش.

خلال المحادثة، أخبر شادي الكاتبة أنه سافر من أثينا بجوازات سفر مزورة، وأن المهربين نصحوه بعدم السفر مع طفلته الصغيرة، فسلمها لزوجة المهرب التي أخذتها إلى بولندا ثم إلى خالته في برلين. قال إن الأيام التي قضاها بعيداً عن زهرا كانت الأصعب في حياته. أما هلال فقالت إنها كانت تتحدث إلى البحر لكنها لم تستطع ركوبه، وإن ما أقنعها أخيراً هو شوقها لحفيدتها. كلفتها الرحلة من تركيا نحو 3 آلاف يورو. تحدثت هلال عن زواجها الصعب من حسن، الذي كان "يشرب كل ليلة" طوال 25 سنة، وعن أنها بقيت تحبه طويلاً. أثنت على لطف سلمى، التي خفضت الإيجار عندما عجز حسن عن الدفع، وعرفتها على نساء المبنى، ودعتها أسبوعياً للعشاء. روت كيف كان حسن يأتي بزوار في الليل ويوقظها لتحضير الطعام والشراب، لكنه لم يسمح لها بالجلوس معهم. سألتها الكاتبة لماذا لم تقل لا، فأجابت: "أظنه دربني على ألا أقول لا".

سألت الكاتبة شادي عن والده. قال إنه كان "شريفاً" لأنه رفض كتابة قصائد مدح لحافظ الأسد مقابل المال. وعندما سألته إن كان أباً جيداً، قال: "لم يكن حاضراً، لكنه كان يوفر. لم ينقصنا شيء، المال كان موجوداً دائماً". تدرك الكاتبة أن جزءاً من ذلك المال لم يكن من حق حسن، لكنها توضح أنها لم تأت للمطالبة بشيء، بل إنهم خافوا في البداية أن يكون ذلك هدفها. أمضت معهم ساعات تتحدث عن سوريا والنظام والحرب والخسائر الفادحة. أصر شادي على أن تكتب الكاتبة أن فريق المبنى – التّحّان – كان يفوز دائماً في مباريات كرة القدم ضد المبنى المجاور. شعرت الكاتبة بالامتنان لأنهم ملأوا السنوات المفقودة من تاريخ العائلة.

تختتم الكاتبة بالتفكير في الفارق بين حياتها وحياة عائلة حسن. تقول إنها لا تعرف إن كانت ستستطيع الجلوس مقابل حسن بالطريقة نفسها، لأنها تعرف كم الألم الذي سببه لجدتها. لكنها تدرك أن رفضه مغادرة البيت حال دون عودتهم إلى سوريا، لكنه في المقابل أتاح لها أن تكون في ألمانيا كسائحة أميركية، بينما عائلة حسن بقيت غريبة في شقة لن تشعر لهم بأنها وطن. تنتهي الكاتبة بتساؤلات: من سيتذكر أن البيت كان لسلمى؟ من سيتذكر سوريا التي كانت؟ ومن سيكون هناك ليستقبل فجرها الجديد ويحلم لها بمستقبل أفضل؟