المورد
The Jewish Agency and Syria during the Arab Revolt in Palestine

The Jewish Agency and Syria during the Arab Revolt in Palestine

Mahmoud Muhareb١ كانون الثاني ٢٠٢٣enI.B. Tauris

يتمحور كتاب "The Jewish Agency and Syria during the Arab Revolt in Palestine" لمحمود مهرب حول العلاقة الاستخباراتية والسياسية بين الوكالة اليهودية والقوى السياسية السورية خلال الثورة العربية في فلسطين (1936-1939). يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن الوكالة اليهودية لم تكن مجرد متلقٍ سلبي للأحداث، بل كانت فاعلاً نشطاً سعى، عبر شبكة معقدة من التجسس والتفاوض والتضليل الإعلامي والتجنيد، إلى تقويض الدعم السوري للثورة الفلسطينية، وخلق شروخ في الصف العربي، وفرض المشروع الصهيوني كأمر واقع. الكتاب يقدم قراءة نقدية للدور الاستخباراتي الصهيوني المبكر، مستنداً بشكل أساسي إلى وثائق الوكالة اليهودية نفسها، ليكشف عن آليات عمل كانت تهدف إلى إضعاف المقاومة الفلسطينية وشراء ولاءات بعض النخب العربية.

يسير الكتاب وفق تسلسل زمني ومنطقي يبدأ من الجذور الأولى للاستخبارات الصهيونية في الفصل الأول، حيث يوضح كيف تطور الجهاز من "مكتب معلومات" صغير إلى منظومة تجسس معقدة. يشرح المؤلف أن النشاط الاستخباراتي لم يكن ترفاً، بل ضرورة فرضها مشروعان متوازيان: السعي لاغتصاب الأراضي الفلسطينية ومواجهة المقاومة العربية المتصاعدة. يورد الكتاب تفاصيل دقيقة عن تمويل حاييم فايتسمان الشخصي للمكتب بميزانية قدرها 1,528 جنيهاً إسترلينياً في عامه الأول 1919، وعن تعليماته الصريحة في مارس 1920 بإذكاء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، ورشوة وجهاء نابلس، وشراء صحيفة عربية في يافا. هذا الفصل يؤسس لفكرة أن العمل الاستخباراتي الصهيوني كان هجومياً ومنهجياً في صميم المشروع الاستعماري، وليس مجرد رد فعل دفاعي، وهي حجة ستدعم بقية فصول الكتاب.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى المفاوضات المباشرة بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سوريا، وهي الحلقة الأهم في السرد. هنا يظهر أن الوكالة سعت إلى تحقيق أهداف إستراتيجية: وقف الدعم السوري للثورة، وخلق شرخ بين الكتلة والقيادة الفلسطينية، والحصول على اعتراف عربي بالمشروع الصهيوني. يصف الكتاب بالتفصيل اللقاءات التي عقدت في صيف 1936، مثل لقاء بلودان في 1 أغسطس حيث عرض إلياهو إبشتاين الرواية الصهيونية كاملة، ورد شكري القوتلي برفض فكرة "الحق التاريخي" لكنه فتح باباً للتفاوض عندما ميّز بين "إقامة وطن قومي" و"تحويل فلسطين إلى وطن قومي". ويكشف الكتاب عن مفارقة لافتة: القادة السوريون كانوا يبحثون عن وسيط للتأثير على فرنسا لمنح سوريا الاستقلال، ورأوا في الوكالة اليهودية، مع وصول ليون بلوم إلى الحكم، جهةً يمكنها المساعدة، مما يعزوها المؤلف إلى "مفاهيم خاطئة" حول قوة اليهود في العالم.

يتعمق الكتاب في الفصل الثالث في حملة التضليل الإعلامي التي شنتها الوكالة في سوريا ولبنان، مستخدماً شبكة من الصحفيين المأجورين والصحف المشتراة. يقدم المؤلف أدلة على أن إلياهو ساسون كان يكتب المقالات بنفسه ويدفع لأصحاب الصحف لنشرها، بهدف تحويل الرأي العام عن فلسطين إلى قضايا محلية مثل قضية الإسكندرونة. ويكشف عن جدل داخلي بين موشيه شيرتوك الذي أمر بتقليص الحملة لضعف الميزانية، وساسون الذي ردّ بأن الوضع الإعلامي "سام" وأن مقالتين فقط أسبوعياً لن تؤثرا، ونجح في إقناع شيرتوك بتمويل نشر 28 مقالاً شهرياً في سبع صحف. وبلغت الحملة ذروتها في صيف 1938 بشراء الوكالة لخمس صحف عربية، لكن الضائقة المالية أوقفت المشروع. يقر المؤلف بأن تأثير الحملة ظل محدوداً على الأرجح، رغم إنتاجها 280 مقالاً على الأقل، لكنه يؤكد أن الوثائق تكشف فساد جزء من النخبة الصحفية والسياسية العربية.

يحوّل الكتاب تركيزه في الفصل الرابع من التفاوض العلني إلى التغلغل السري والتجنيد الاستخباراتي. القصة الأكثر صدمة هنا هي عملية تجنيد نصيب البكري، القيادي البارز في الكتلة الوطنية، ليعمل جاسوساً للوكالة في فبراير 1938. يصف المؤلف كيف وافق البكري على التعاون بعد ثلاث لقاءات مع ساسون، وقدم معلومات عن طرق تسلل الثوار الفلسطينيين ومصادر أسلحتهم والوضع السياسي الداخلي للكتلة، مقابل 50 جنيهاً فلسطينياً في البداية. كما يتناول الكتاب محاولة تجنيد محمد الأشمر، القائد الثوري السوري، وعلاقات الوكالة مع معارضة عبد الرحمن الشهبندر، التي كانت تسعى لاستغلال علاقات الوكالة في فرنسا للإطاحة بحكومة جميل مردم. هنا يكشف الكتاب عن مشهدية مركبة: التعاون لم يكن مجرد رشوة أحادية، بل كان قائماً على مصالح متبادلة وتكتيكية، حيث رأى بعض السوريين في التعاون مع الوكالة وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية الداخلية.

يختتم الكتاب بفصل يركز على محاولات الوكالة لاستمالة قادة الدروز في سوريا، وفي مقدمتهم سلطان الأطرش. تعتمد الوكالة هنا على عملاء دروز من فلسطين (قُدّر عددهم بحوالي 10,000) لإقناع قادة جبل الدروز بعدم التدخل في الثورة، بدعوى أن العلاقات بين الدروز في فلسطين والصهاينة جيدة. يصف الكتاب زيارة أبا حوشي الأولى إلى جبل الدروز في 25 أكتوبر 1937، حيث التقى بالوسيط يوسف العيسى واتفق معه على التعاون مقابل 12 جنيهاً فلسطينياً شهرياً. ويكشف الكتاب عن جدل داخل الوكالة بين مؤيد لتحالف قوي مع الدروز، بمن فيهم أهارون حائيم كوهين الذي وصفهم بـ"نقطة ضوء في البحر العربي المظلم"، ومعارض مثل إلياهو ساسون الذي حذر من أن ذلك قد يضر بعلاقات الوكالة مع الحكومة السورية. انتهى النقاش بقرار شيرتوك بالاكتفاء بتعزيز العلاقات الاستخباراتية بمستوى منخفض، متجنباً أي تحالف رسمي.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود تحليله في عدة نقاط. فهو يشير إلى عدم اليقين حول جدية محاولات جميل مردم لإقناع الحاج أمين الحسيني بالتفاوض، مما يترك السؤال مفتوحاً حول مصداقية بعض الشخصيات. كما يعترف بأن تأثير حملة التضليل الإعلامي ظل محدوداً على الأرجح، وأن نجاح الوكالة لم يكن يعود إلى قدراتها فحسب، بل أيضاً إلى هشاشة المجتمع العربي وفساد النخبة والصراعات الإقليمية والطائفية. وفي الفصل الأخير، يقر المؤلف أن مواقف قادة جبل الدروز من الدولة السورية لم تكن واضحة، مما هيأ أرضية خصبة لمساعي الوكالة. الاعتماد شبه الكامل على الوثائق الصهيونية يظل تحفظاً منهجياً مهماً، حيث يقدم السرد من منظور الوكالة فقط دون تقديم روايات موازية من الجانب السوري أو الدرزي المستقل.

هناك عدة حجج في الكتاب قابلة للنقاش. أولاً، تصوير الفصل الأول للعمل الاستخباراتي الصهيوني كأداة عدوانية في صميم المشروع الاستعماري يتعارض مع الرواية التقليدية التي تصوره كرد فعل دفاعي، وهو ما يدفع القارئ إلى إعادة النظر. ثانياً، تقديم المفاوضات مع الكتلة الوطنية كدليل على تآمرها هو تحليل قابل للنقاش، إذ يمكن القول إن الكتلة كانت تحاول استكشاف خياراتها في موقف ضعيف دون تقديم تنازلات جوهرية. ثالثاً، الإرث الأخلاقي لحملة التضليل الإعلامي، التي تجاوزت عرض وجهة نظرها إلى تشويه الحقائق واختلاقها، يثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول أساليب الدعاية في الصراع. وأخيراً، النزعة الانفصالية لدى بعض القادة الدروز، والتي غذتها السياسة الفرنسية، تطرح تساؤلاً عن مدى تمثيل الروايات الصهيونية للموقف الحقيقي لسلطان الأطرش، أو ما إذا كانت مجرد انطباعات ووعود قدمها وسطاء دروز لتحقيق مكاسب شخصية.

الأشخاص

الفصول(5)

1.The Zionist Intelligence Service: The Beginnings of Espionage on Arabs14–27▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على البدايات المبكرة لجهاز الاستخبارات الصهيوني، موضحاً كيف تطوّر من مجرد مكتب معلومات صغير إلى منظومة تجسّسية معقدة تستهدف العرب والفلسطينيين تحديداً. يقدم المؤلف، محمود مهرب، حجة أساسية مفادها أن عمليات التجسس الصهيوني لم تكن ترفاً فكرياً، بل كانت ضرورة فرضها مشروعان متوازيان: الأول، السعي المستمر لاغتصاب الأراضي الفلسطينية، خاصة من المالكين الغائبين، لبناء المستوطنات اليهودية؛ والثاني، والأخطر في نظر القادة الصهاينة، مواجهة المقاومة العربية-الفلسطينية المتصاعدة. يوضح الفصل أن النشاط الاستخباراتي الصهيوني تنامى كلما اشتدت المقاومة الفلسطينية، بدءاً من ثورات 1920 و1921، ثم ثورة البراق 1929، وصولاً إلى ذروته خلال الثورة العربية الكبرى (1936-1939).

يسير الفصل خطوة زمنية منهجية، فيستعرض المؤسسات الاستخباراتية الأولى التي أنشأها الصهاينة. يبدأ بتأسيس "مكتب المعلومات" (ميسراد ها-يديعوت) في نهاية عام 1918، بتوجيه من حاييم فايتسمان، الذي أولى أهمية قصوى للاستخبارات لدرجة أنه مول المكتب شخصياً بميزانية قدرها 1,528 جنيهاً إسترلينياً في عامه الأول 1919، وليس من ميزانية اللجنة الصهيونية الرسمية. عمل المكتب تحت إدارة ليفي إسحاق شنيرسون، وجند عملاء معظمهم من شبكة التجسس اليهودية السابقة "نيللي" التي عملت لبريطانيا ضد الدولة العثمانية. كان هدف المكتب الأساسي جمع معلومات عن الفلسطينيين وعقاراتهم وقادتهم، وإعداد سجلات فردية لكبار الشخصيات وبطاقات جماعية للعائلات المهمة. كما قدم خدمات استخباراتية مباشرة للسلطات البريطانية المحتلة، مثل ترجمة المعلومات عن مخابئ الأسلحة وتسليمها إلى دائرة المباحث الجنائية.

يقدم الفصل تفصيلاً مهماً لدور فايتسمان الشخصي في توجيه هذا النشاط التجسسي. خلال زيارته لفلسطين في مارس 1920، والتي كانت تشهد اضطرابات واحتجاجات فلسطينية عنيفة على السياسة البريطانية المؤيدة للصهيونية، أصدر فايتسمان تعليمات لمكتب المعلومات بستة أهداف واضحة، منها: إذكاء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، شراء الصحف العربية المعادية للصهيونية، ورشوة وجهاء نابلس لجمع عرائض تدعم الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية، وإنشاء أندية مشتركة بين اليهود والعرب لنشر الدعاية الصهيونية. ولم يكتفِ فايتسمان بذلك، بل استخدم أموالاً طائلة لتحقيق ذلك، مثل دفع 1,000 جنيه إسترليني لـ"وجه" من نابلس لجمع عرائض داعمة، وصرف 260 جنيهاً لرشوة شيوخ من شرق الأردن والنقب في اجتماعات لم يحضرها هو شخصياً بسبب الاشتباكات. كما أنفق المكتب **125 جنيهاً لشراء صحيفة عربية في يافا وتحويلها إلى لسان حال صهيوني.

وبالتوازي مع ذلك، وسع الفصل نطاق التجسس ليشمل الدول العربية المجاورة. ففي سبتمبر 1919، أرسل فايتسمان الدكتور شلومو بيلمان إلى دمشق تحت غطاء كونه ممثلاً غير رسمي للمنظمة الصهيونية لدى الملك فيصل. المهمة السرية لبيلمان كانت التجسس على الأحداث في سوريا، وجمع معلومات عن العلاقات بين القادة البريطانيين وفيصل، ونشاطات الأحزاب السياسية السورية والفلسطينية، وحتى مراقبة الصحافة السورية. كما اقترح بيلمان في تقاريره رشوة الصحفيين السوريين وتحويلهم إلى موالين للصهيونية. وفي بيروت، جندت اللجنة الصهيوني صحفيين يهود مثل جاك كالمي للتجسس.

بعد إغلاق مكتب المعلومات في 20 أغسطس 1920 بسبب صراعات مؤسسية وضائقة مالية، لم يتوقف النشاط الاستخباراتي بل تطور. فقد أنشأ المجلس الوطني اليهودي "السكرتارية العربية" برئاسة حاييم كالفاريسكي في 1922، لكنها لم تدم طويلاً لأسباب مالية. وفي العام نفسه، تأسس "المكتب العربي" (هالِشكاه هاعارافيت) التابع للإدارة السياسية للوكالة اليهودية في القدس، بقيادة فريدريك كيش، وهو ضابط استخبارات بريطاني سابق، وكلف كالفاريسكي بإدارته. ركز هذا المكتب في فترة الهدوء النسبي (1923-1928) على مراقبة النشاط الوطني الفلسطيني واستخدام الصحفيين اليهود العاملين في صحف أجنبية لجمع المعلومات.

بلغ النشاط الاستخباراتي شكلاً أكثر تنظيماً بعد ثورة البراق 1929، التي فاجأت القيادة الصهيونية وحملتها على توحيد جهودها. فأنشأت الوكالة اليهودية والمجلس الوطني اليهودي "المكتب المشترك للمؤسسات اليهودية في فلسطين" في أواخر 1929، وترأسه كيش وعُين بن تسفي نائباً له. وضع هذا المكتب برنامجاً طموحاً شمل جمع منهجي للمعلومات عن العرب والصحافة والأحزاب، وإنشاء علاقات مع العرب غير المعادين للصهيونية، وحتى التعامل مع مشاكل الفلاحين الاقتصادية. لتنفيذ هذه الأهداف، أُنشئت "خدمة المعلومات" أو "شاي" اختصاراً (شيروت يديوت)، التي بدأت في 1930 بإعداد بطاقات معلومات عن 800 شخصية عربية من فلسطين وشرق الأردن وسوريا والعراق ومصر واليمن، بالإضافة إلى مئتي صورة فوتوغرافية لهم. استخدمت "شاي" مصادر متنوعة للتجسس، أبرزها التنصت على هواتف قادة الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا سيما مقر المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، وذلك منذ أكتوبر 1929.

يختتم الفصل باستعراض فترة 1931 وما بعدها، حين أصبحت الإدارة السياسية للوكالة اليهودية أكثر فعالية تحت قيادة حاييم آرلوزوروف ثم موشيه شاريت (شيرتوك). بدأ آرلوزوروف في بناء جهاز استخباراتي حديث، فجنّد طلاباً جامعيين مثل رؤوفين زاسلانسكي (شيلواه، مدير الموساد المستقبلي)، وأرسله إلى بغداد لمدة عام 1931، ووظف إلياهو إبستاين (إيلات) للتجسس على لبنان وسوريا، كما عيّن شاريت إلياهو ساسون، وهو دمشقي المولد وخبير بالصحافة العربية، لقيادة قسم الشرق الأوسط. ويشير الفصل إلى أن نشاطاً تجسسياً مكثفاً استمر عبر خلايا مثل خلية آموس لاندمان وأفيفا توروفسكي في بيروت، الذين كانا غطاءً لدراستهما في الجامعة الأمريكية.

في ختام هذا الملخص، من الواضح أن الفصل يقدم حجة صريحة لا تخلو من قابلية للنقاش، حيث يرسم صورة للعمل الاستخباراتي الصهيوني كأداة عدوانية ومنهجية في صميم المشروع الاستعماري، وليس كرد فعل دفاعي. يظهر المؤلف بوضوح كيف أن هذه الأجهزة لم تقتصر على التجسس فحسب، بل مارست التضليل والرشوة والتحريض بهدف إضعاف المقاومة الفلسطينية وشراء ولاءات بعض العرب. هذه الرؤية تتعارض مع الرواية التقليدية التي تصور النشاط الصهيوني المبكر كعمل دفاعي بحت لحماية المستوطنين. الفصل مدعم بأدلة وشهادات وأرقام من وثائق المؤسسات الصهيونية نفسها، مما يمنحه مصداقية قوية ويدفع القارئ إلى إعادة النظر في طبيعة هذا النشاط المبكر وأهدافه الحقيقية.

2.Negotiations between the Jewish Agency and the National Bloc in Syria28–43▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول المفاوضات التي جرت بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سوريا خلال منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديداً أثناء الثورة العربية في فلسطين (1936) . يقدم المؤلف محمود مهرب إجابة واضحة مفادها أن الوكالة اليهودية سعت، عبر هذه المفاوضات، إلى تحقيق أهداف إستراتيجية رئيسية: وقف الدعم السوري للثورة الفلسطينية، وخلق شرخ بين الكتلة الوطنية والحركة الوطنية الفلسطينية، والحصول على دعم النخب السورية لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وتهميش الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ووصف حركته الوطنية بالإرهاب والتطرف. ويخلص الفصل إلى أن هذه المفاوضات كانت محاولة لحل القضية الفلسطينية ضمن إطار اتفاق يهودي-عربي شامل خلف ظهر الفلسطينيين وعلى حسابهم.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بتوثيق النشاط الاستخباري المكثف للوكالة اليهودية في سوريا، والذي تزايد بشكل كبير مع اندلاع الثورة. يذكر المؤلف أربعة عوامل رئيسية مكنت الوكالة من متابعة الأحداث السورية بدقة، منها نجاحها في تجنيد مجموعة من العملاء في سوريا في سبتمبر 1935، على رأسهم عبدالله عبود الذي بدأ تعاونه في 13 سبتمبر 1935 واستمر حتى عام 1948 على الأقل. كما جندت الوكالة ثلاثة من قادة الجالية اليهودية في دمشق هم: داود لوزية (رجل أعمال)، ودكتور دافيد بينتو (رئيس لجنة الجالية اليهودية)، ويوسف لينيادو (عضو في البرلمان السوري). كانت دوافعهم أيديولوجية وسياسية في المقام الأول. قدم هؤلاء العملاء معلومات حيوية عن دعم سوريا للثورة، وساعدوا في نشر دعاية مؤيدة للصهيونية في الصحف السورية واللبنانية، ومهدوا الطريق لتجنيد قادة من الكتلة الوطنية أنفسهم كعملاء. ويستشهد الفصل برسالة من موشيه شيرتوك إلى المنظمة الصهيونية يثني فيها على كفاءة قسمه العربي قائلاً: "إن القرارات والأفعال تصلنا فوراً... تمكنت في حالتين من إثبات أن المعلومات التي لدي حصلت عليها أسرع من المفوّض السامي البريطاني".

ينتقل الفصل بعدها لتحليل موقف الكتلة الوطنية السورية، التي كانت تقود النضال ضد الانتداب الفرنسي. يصف "مأزق" الكتلة إزاء الثورة الفلسطينية: فمن ناحية، كان هناك دعم شعبي كبير للثورة وتبرعات وتهريب سلاح ومشاركة مئات السوريين في القتال. ومن ناحية أخرى، خشي قادة الكتلة، وعلى رأسهم جميل مردم ونصيب البكري ولطفي الحفار، من فقدان الدعم البريطاني لنيل استقلال سوريا، ومن ردود فعل فرنسا والعالم. وكان الانقسام واضحاً داخل الكتلة، حيث قاد شكري القوتلي ونبيه العظمة تيار الدعم للثورة، بينما كان التيار الآخر متحفظاً وميالاً للتصالح مع الوكالة اليهودية. يشرح المؤلف أن الكتلة الوطنية في تلك المرحلة الحرجة كانت تبحث عن جهة تستطيع التأثير على فرنسا لمنح سوريا الاستقلال، ورأت في الوكالة اليهودية، مع وصول ليون بلوم (مؤسس الوكالة) إلى الحكم في فرنسا، جهةً يمكنها المساعدة. ويعزو المؤلف ذلك إلى "مفاهيم خاطئة" سادت لدى القادة السوريين حول سيطرة اليهود على سياسات القوى العظمى ورأس المال العالمي.

يدخل الفصل في تفاصيل اللقاءات المباشرة بين الطرفين. يصف الزيارة الأولى التي قام بها القائد البارز في الكتلة فخري البارودي إلى فلسطين في سبتمبر 1935، حيث التقى بمندوب الوكالة إلياهو إبشتاين وزار المستوطنات الصهيونية، وأعجب بمستواها العلمي ولكن في الوقت نفسه أعرب عن خوفه من "خطر" المشروع الصهيوني. في يوليو 1936، وبعد اندلاع الثورة، أرسلت الوكالة إبشتاين إلى دمشق بتعليمات من شيرتوك. عُقد أول لقاء رسمي في 17 يوليو 1936 في دوما بين إبشتاين والبارودي. في هذا اللقاء، نفى إبشتاين أن المشروع الصهيوني يضر الفلسطينيين، وأكد تمسك الوكالة بالهجرة اليهودية ورفضه المطلق لوقفها، مدعياً أن "مفتاح وقف الثورة هو بأيديكم" إذا أوقفت الهجرة. في المقابل، أبدى البارودي استعداداً للوساطة وطالب بهدنة في الهجرة، قائلاً إن "قادة الكتلة مثل القوتلي والحفار سيحثون القيادة الفلسطينية على التفاوض" مقابل وقف الهجرة، لكن إبشتاين رفض. واستخدم البارودي لغة طريفة: "لا تنس أنكم تفكرون في المشروع الصهيوني منذ ألفي عام، فلا عجب أن لديكم برنامجاً ذا رؤية بعيدة المدى"، معبراً عن قناعات خاطئة عن "القوة اليهودية في العالم" مطالباً الوكالة باستخدام نفوذها الإعلامي لصالح القضايا العربية أيضاً.

عُقد أول لقاء رسمي بين الكتلة والوكالة في 1 أغسطس 1936 في بلدة بلودان، وضم شكري القوتلي وفخري البارودي ولطفي الحفار من الجانب السوري، وإبشتاين وآموس لندمان من الجانب اليهودي. عرض إبشتاين الرواية الصهيونية كاملة: اليهود أمة، الحركة الصهيونية هي حركة تحرر وطني، المشروع لا يضر الفلسطينيين بل يرفع مستواهم الاقتصادي، الـ 400,000 يهودي في فلسطين مدعومون من 17 مليون يهودي في العالم، ولا قوة يمكنها منع إقامة الوطن القومي. وطالب الكتلة "بإظهار تفهمها واعترافها بالتطلعات القومية للشعب اليهودي وحقه التاريخي في إقامة وطنه في فلسطين". رد القوتلي برفض فكرة الحق التاريخي، وفرّق بين اليهود كأتباع دين والصهيونية كحركة سياسية، مؤكداً أن الخطر الحقيقي هو تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي عبر هجرة غير محدودة، مما سيؤدي إلى حكم يهودي وضياع الفلسطينيين. ومع ذلك، فتح القوتلي باباً للتفاوض عندما ميّز بين "إقامة وطن قومي في فلسطين" و"تحويل فلسطين إلى وطن قومي"، قائلاً إن الأول يمكن التفاوض بشأنه. وختم بعبارة محورية: "إذا حققت سوريا استقلالها، فسيقرّب ذلك اتفاقاً بين العرب واليهود. لذلك من المهم أن تساعدونا بكل الوسائل لتحقيق الاستقلال، مما سينفعكم أنتم أيضاً".

عُقد اللقاء الرسمي الثاني في 9 سبتمبر 1936 في منزل لطفي الحفار، واستمر لثلاث ساعات ونصف، وضم من الجانب اليهودي شخصيات بارزة مثل دوف هوز ودافيد هاعوكين. يثير المؤلف نقطة جدلية مهمة هنا، مذكّراً بأن هوز وهاعوكين ويوسف نحماني وإبشتاين كانوا جميعاً أعضاءً في "لجان الترحيل" السرية التي شكلتها الوكالة اليهودية (الأولى في 1937، والثانية في 1942، والثالثة في 1948) لوضع خطط لترحيل الفلسطينيين. ويعلق المؤلف بأن القادة السوريين لم يكونوا يعلمون بهذه اللجان السرية. في هذا اللقاء، قدم هوز الرواية نفسها عن الفوائد الاقتصادية للصهيونية، لكن القوتلي رد بحدة قائلاً: "إذا أصبح اليهود أغلبية... فما فائدة التحسن الاقتصادي؟"، مقارناً المشروع الصهيوني بالاستعمار الفرنسي الذي يعد بتحسين الاقتصاد لكنه يرفض منح الحقوق السياسية، ومؤكداً أن مخاوف الفلسطينيين "حقيقية وتنبع من نزع الأراضي والهجرة المستمرة". ومع ذلك، ختم القوتلي بعبارة عن "نية الخير" للعمل معاً كأقارب وأصدقاء.

يعترف الفصل بحدود تحليله. فهو لا يتعامل مع ما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح فعلاً في إنهاء الثورة، بل يُظهر أنها كانت جزءاً من لعبة معقدة. يقر المؤلف ضمنياً بأن الكتلة الوطنية كانت منقسمة، وأن القوتلي نفسه كان يدعم الثورة من جهة ويشارك في هذه المفاوضات من جهة أخرى. السؤال المفتوح الذي يتركه الفصل هو: إلى أي مدى كان قادة الكتلة الوطنية واعين لحقيقة المشروع الصهيوني كحركة استعمارية استيطانية تهدف إلى إزاحة الفلسطينيين، أم أنهم وقعوا في "فخ" المفاهيم الخاطئة التي تحدث عنها المؤلف، والتي جعلتهم يعتقدون أنهم يستطيعون استخدام الوكالة اليهودية كوسيلة مساعدة لتحقيق استقلال سوريا.

في تقييمي المتواضع، ينجح الفصل في تقديم وثائق وأدلة دامغة على أن نخباً سياسية عربية (وإن كانت غير فلسطينية) كانت على استعداد للتفاوض مع الحركة الصهيونية حول مصير فلسطين، متجاهلة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني الأساسية. لكن من المهم الإشارة إلى أن الفصل، في صياغته، يقدم هذه المفاوضات كدليل على تآمر الكتلة الوطنية. وهو تحليل قابل للنقاش، إذ يمكن القول إن الكتلة كانت تحاول فقط استكشاف كل الخيارات المتاحة في موقفها الضعيف تحت الانتداب الفرنسي، وإنها لم تقدم تنازلات جوهرية مثل الاعتراف بـ "الوطن القومي اليهودي" بل طالبت بوقف الهجرة. ومع ذلك، يظل منطق الفصل واضحاً: هذه المفاوضات كانت جزءاً من إستراتيجية الوكالة اليهودية لتفكيك الجبهة العربية، وقد نجحت جزئياً في إحداث تيار داخل الكتلة كان أكثر انفتاحاً على التعامل معها.

3.The Zionist Disinformation Campaign in Syria and Lebanon during the Arab Revolt44–63▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على حملة التضليل الإعلامي التي نفذتها الوكالة اليهودية في سوريا ولبنان خلال الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936-1939)، وتحديداً في العامين الحاسمين 1937 و1938. يقدّم المؤلف الأدلة على أن الوكالة اليهودية، عبر قسمها السياسي، لم تكتفِ بمراقبة الرأي العام العربي، بل سعت بنشاط إلى توجيهه وتشويه صورة الثورة الفلسطينية ودعمها الشعبي. كانت الفكرة المحورية للفصل هي أن الوكالة اليهودية استخدمت شبكة من العملاء والصحفيين المأجورين والصحف المشتراة لزرع مقالات وأخبار موالية للصهيونية، بهدف تقويض التضامن العربي مع الثوار في فلسطين، وإضعاف القيادة الفلسطينية، وتحويل الانتباه نحو قضايا محلية أخرى. يخلص الفصل إلى أن نجاح هذه الحملة لم يكن بسبب براعة الوكالة اليهودية فحسب، بل أيضاً بسبب هشاشة المجتمع العربي وتفكك النخب السياسية والصحفية في سوريا ولبنان وانتشار الفساد المالي والصراعات الداخلية.

يسير الفصل بشكل منهجي، حيث يبدأ بوضع السياق العام لأهمية الصحافة في تشكيل الرأي العام العربي بعد وعد بلفور، ثم ينتقل إلى تفصيل آليات عمل الوكالة اليهودية لتشمل تأسيس وكالة الأنباء الشرقية في القاهرة عام 1934 لتكون غطاءً عربياً لنشر المواد الصهيونية، وإرسال عملاء مثل إلياهو ساسون وإبستين للتواصل المباشر مع أصحاب الصحف والمحررين. يصف الفصل الجهود المبكرة في بداية الثلاثينيات، مثل زيارة حاييم كالفاريسكي لبيروت في يناير 1930 وتشكيله لجنة من الناشطين اليهود اللبنانيين لمحاولة التأثير على الصحف المحلية مقابل دفع أموال، حيث حصل على موافقة خير الدين الأحدب، محرر جريدة "العالم الجديد"، على نشر مقالات متعاطفة مع الصهيونية مقابل 200 جنيه فلسطيني سنوياً.

يتعمق الفصل في تفاصيل الحملة خلال الثورة العربية، مستنداً إلى وثائق من أرشيف الوكالة اليهودية. يصف كيف كان إلياهو ساسون يكتب المقالات بنفسه ويدفع لأصحاب الصحف لنشرها، بقصد تحويل الرأي العام عن فلسطين. على سبيل المثال، في 3 أكتوبر 1937، نُشر مقال في جريدة "الدستور" الحلبية يدعو السوريين لتشكيل "لجنة دفاع عن سوريا" من أجل قضية الإسكندرونة بدلاً من فلسطين. كما قام ساسون في ديسمبر 1937 بكتابة مقالات وصفت الثورة بأنها "حرب عرقية" ودعت لإنهاء "الإرهاب" العربي، وزُرعت أخبار كاذبة مثل مقتل شرطيين عربيين مسيحيين بالقرب من عكا بهدف إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان. يوضح الفصل أن هذه الحملة لم تقتصر على المقالات، بل شملت نشر نشرات إخبارية ومنشورات اقتصادية تظهر فوائد الوجود اليهودي في فلسطين وأضرار المقاطعة العربية، وكلها موقعة بأسماء عربية وهمية.

يقدّم الفصل جدلاً داخلياً واضحاً بين موشيه شيرتوك، مدير القسم السياسي، وساسون حول تكتيكات الحملة. ففي ديسمبر 1937، أمر شيرتوك بتقليص عدد المقالات المنشورة إلى اثنتين فقط في الأسبوع بسبب ضعف الميزانية وخوفاً من كشف المؤامرة. لكن ساسون ردّ بحجة قوية، واصفاً الوضع الإعلامي العربي بأنه "سام" ومعادٍ للصهيونية، وأن مقالتين فقط في الأسبوع لن يكون لهما أي أثر في بحر من الخطاب المعادي. ونجح ساسون في إقناع شيرتوك بالاستمرار، ووضع جدولاً زمنياً طموحاً لنشر 28 مقالاً شهرياً في سبع صحف سورية ولبنانية، بتكلفة تقديرية 60 جنيهاً فلسطينياً شهرياً، لكنه حذّر من أن تأثير الحملة لن يظهر إلا بعد ستة أشهر إلى عام من العمل المتواصل.

يكشف الفصل عن طموحات ساسون في شراء الصحف العربية مباشرة، وهو ما تم بنجاح في صيف 1938 حيث اشترت الوكالة اليهودية خمس صحف: ثلاث في بيروت واثنتان في دمشق. لكن الضائقة المالية أجبرتهم على تعليق هذه العلاقات. ويذكر المؤلف أن ساسون بالغ في تقدير تأثير حملته، مدعياً أنها ساهمت في تشجيع حركة "عصابات السلام" التابعة لعائلة النشاشيبي في فلسطين لمحاربة الثوار، لكن الكتاب يصف هذا الادعاء بالمبالغ فيه. على الرغم من ذلك، يقرّ الفصل بصعوبة قياس الأثر الحقيقي لهذه الحملة، لكنه يؤكد أن الوثائق تكشف صورة قاتمة عن فساد وهشاشة جزء من النخبة الصحفية والسياسية العربية.

أخيراً، يُقرّ المؤلف بأهمية هذه الوثائق في إظهار حدود هذه الحملة ومخاطرها. فنجاح الوكالة اليهودية لم يكن يعود إلى قدراتها الفائقة، بل إلى عوامل داخلية عربية مثل ضعف المجتمع، فساد النخبة، الصراعات الإقليمية والطائفية، والأزمة المالية في ذلك الوقت. ورغم أن الحملة أنتجت 280 مقالاً على الأقل حتى يوليو 1938، فإن تأثيرها على الرأي العام ظل محدوداً على الأرجح. لكن الإرث الأخلاقي لهذه الممارسات، وفقاً للمؤلف، هو محاولة الوكالة اليهودية تجاوز حدود عرض وجهة نظرها إلى تشويه الحقائق واختلاقها بشكل صريح، مما يثير تساؤلات أخلاقية حول أساليب التضليل الإعلامي والدعاية في الصراع.

4.From Negotiation to Penetration Relations between the Jewish Agency, the National Bloc, and the Shahbandari Opposition64–113▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تحوّل علاقة الوكالة اليهودية مع القوى السياسية السورية من التفاوض العلني إلى التغلغل السري والتجنيد الاستخباراتي، وذلك في خضم الثورة العربية في فلسطين (1936-1939). يُقدّم المؤلف الإجابة بأن الوكالة اليهودية، بعد فشل محاولاتها للتوصل إلى تفاهم سياسي مع قادة الكتلة الوطنية في سوريا، انتقلت إلى استراتيجية مزدوجة: مواصلة الاتصالات الدبلوماسية مع الحكومة السورية وقادة الكتلة، وتوسيع شبكة عملائها وزرع الجواسيس في صفوف المعارضة والحكومة على حد سواء، بهدف وقف الدعم السوري للثورة الفلسطينية والتأثير على القرار السياسي في دمشق.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف الاتصالات الرسمية وغير الرسمية المستمرة بين الوكالة والكتلة الوطنية. يذكر المؤلف زيارات قام بها مسؤولون من الوكالة، مثل إلياهو ساسون وإلياهو إبشتاين، إلى دمشق في يناير 1937 للقاء رئيس الوزراء جميل مردم ووزير الدفاع شكري القوتلي، حيث قدّموا تهاني الوكالة بتشكيل الحكومة الجديدة. في فبراير 1937، التقى إبشتاين ودافيد هوز بمردم لمناقشة موقف موحد من لجنة بيل التي أوصت بتقسيم فلسطين، وادّعى مردم أنه يقبل حقيقة أن هناك ثلاثة أطراف للنزاع (العرب، اليهود، بريطانيا)، لكن محاولاته لإقناع الحاج أمين الحسيني بالتفاوض باءت بالفشل، كما أشار الفصل إلى شكوك المؤلف حول مدى جدية هذه المحاولات.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل اجتماعات أخرى مثل لقاء ساسون وروبن زاسلانسكي (شيلواه) مع لطفي الحفار في يناير 1938، حيث ركزت الوكالة على وقف العنف في فلسطين بدلاً من الحل السياسي، واتهمت القيادة الفلسطينية بتلقي دعم من ألمانيا وإيطاليا، وهو ما نفاه الحفار. ويشير النص إلى أن رئيس الدائرة السياسية في الوكالة موشيه شرتوك كان يعتقد أن الحكومة السورية والكتلة الوطنية جادّان في رغبتهما بإنهاء الثورة لأسباب داخلية، منها تأثيرها على تأخير التصديق على المعاهدة السورية-الفرنسية، واستغلال عبد الرحمن الشهبندر للموضوع الفلسطيني في معارضته للحكومة.

الجزء الأهم والأكثر تفصيلاً في الفصل هو عملية تجنيد نصيب البكري، وهو قيادي بارز في الكتلة الوطنية، ليعمل جاسوساً للوكالة في فبراير 1938. يصف الفصل خلفية البكري، وأهميته كونه من عائلة أرستقراطية وأحد قادة الحركة الوطنية منذ أيام الثورة السورية الكبرى. يُبين النص كيف وافق البكري على التعاون بعد ثلاث لقاءات مع ساسون، وقدّم معلومات عن قدراته، مثل علاقته بأخيه مدير شرطة دمشق، ومعرفته بمهربي الأسلحة كمحمد الأشمر. تم الاتفاق على دفعه 50 جنيهاً فلسطينياً في البداية، ودفعات أخرى مقابل معلومات محددة. قاد هذا التجنيد إلى تقديم البكري تقارير شاملة عن الثوار الفلسطينيين في سوريا، وطرق تسللهم، ومصادر أسلحتهم، كما تضمنت تقاريره تفاصيل عن الوضع السياسي الداخلي للكتلة الوطنية وخططها.

إلى جانب تجنيد البكري، يفصّل الفصل محاولة تجنيد محمد الأشمر، القائد الثوري السوري البارز، من خلال وساطة البكري وعميل الوكالة يوسف لينيادو، لكن الأشمر كان أكثر اهتماماً بإقامة علاقة سياسية مع الوكالة بدلاً من أن يصبح عميلاً بأجر، مما أدى إلى إرسال أبا حوشي للقائه. كما يكرس الفصل مساحة واسعة لعلاقة الوكالة مع معارضة الشهبندري، ويشرح خلفية الشهبندر وعلاقاته مع القادة الصهاينة مثل حاييم وايزمان وشرتوك. يصف الفصل اجتماعات عديدة، منها لقاء الشهبندر مع وايزمان في القاهرة في فبراير 1938 حيث صدمه وايزمان بشروطه غير القابلة للتفاوض (عدم البقاء أقلية وحرية الهجرة)، ولقاء نزيه المؤيد مع ساسون، ولقاء ناصوح بابيل (صاحب صحيفة الأيام) مع ساسون. تُظهر هذه اللقاءات أن المعارضة الشهبندرية كانت تسعى للاستفادة من علاقات الوكالة في فرنسا للإطاحة بحكومة مردم، مقابل مساعدتها في وقف الثورة، مما يكشف عن استغلال القضية الفلسطينية كورقة ضغط في صراع داخلي سوري.

يعترف المؤلف ضمنياً بحدود واضحة في تحليله؛ فهو يشير إلى عدم اليقين حول ما إذا كان مردم قد حاول حقاً إقناع الحاج أمين الحسيني بالتفاوض، أم أنه كان مجرد ادعاء سياسي، مما يترك السؤال مفتوحاً حول مصداقية بعض الشخصيات. كما أن الفصل يبني تحليله بشكل أساسي على الوثائق الصهيونية، مما يجعل السرد من منظور الوكالة اليهودية، ولا يقدم سوى القليل من المنظور السوري المستقل، أو يفحص دوافع الشخصيات السورية بمعزل عن التقارير التي كتبها عملاء الوكالة. هذه الوثائق تُظهر أن الوكالة نجحت في اختراق عميق للنخبة السياسية السورية، لكنها أيضاً تكشف أن التعاون كان قائماً على مصالح متبادلة وتكتيكية، وليس مجرد رشوة أحادية الجانب، حيث رأى بعض السوريين في التعاون مع الوكالة وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية الداخلية.

5.Relations between the Jewish Agency and Druze Leaders in Syria114–165▼ ملخص

يتركز هذا الفصل على محاولات الوكالة اليهودية لبناء علاقات مع قادة الدروز في سوريا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وتحديداً في سياق الثورة العربية في فلسطين (1936-1939). الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الوكالة اليهودية سعت بنشاط إلى تحييد الدروز وإبعادهم عن دعم الثورة، ثم ضمهم لاحقاً إلى المشروع الصهيوني، عبر شبكة من العملاء والوسطاء الدروز في فلسطين وسوريا ولبنان، مع التركيز بشكل خاص على الزعيم الدرزي البارز سلطان الأطرش.

يبدأ الفصل بوضع السياق السياسي في سوريا تحت الانتداب الفرنسي، موضحاً سياسة "فرّق تسد" التي أدت إلى تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، بما فيها دولة جبل الدروز التي تشكلت في 4 مارس 1921 بموجب اتفاق مع السلطات الفرنسية منحها حكماً ذاتياً محلياً. يصف الفصل البنية الاجتماعية القبلية والعشائرية في جبل الدروز، والتي قامت على نظام إقطاعي وقيم قبلية، وخلقت قوة عسكرية كبيرة نسبةً لعدد السكان. ثم ينتقل إلى الثورة السورية الكبرى (1925-1927) بقيادة سلطان الأطرش، التي رفعت مكانته كرمز وطني سوري وقائد للدروز في بلاد الشام، وأدت إلى لجوئه إلى شرق الأردن حتى صدر عفو عنه في أبريل 1937 وعاد إلى سوريا في مايو 1937.

يوضح الفصل أن الاهتمام الصهيوني بالدروز بدأ بعد ثورة البراق (1929) في فلسطين، ثم ازداد خلال الثورة العربية في فلسطين. كان الهدف الرئيسي هو منع مشاركة الدروز في الثورة، واستمالتهم إلى المشروع الصهيوني. اعتمدت الوكالة اليهودية على عملاء دروز من فلسطين (قُدّر عددهم بحوالي 10,000 في منتصف الثلاثينيات) للتأثير على قادة الدروز في سوريا ولبنان. يذكر الفصل أن هؤلاء العملاء كانوا يحاولون إقناع القادة الدروز بعدم التدخل في الشأن الفلسطيني، بحجة أن العلاقات بين الدروز في فلسطين والصهاينة جيدة، وأن دعم الثورة سيضر بهذه العلاقات وبمصالح الدروز.

يسرد الفصل بالتفصيل بدايات الاتصالات المباشرة، والتي بدأت في يوليو 1930 بين يتسحاق بن تسفي (رئيس اللجنة القومية للهيئة اليهودية في فلسطين) وشيوخ دروز في فلسطين، كان أبرزها حادثة اعتقال الشيخ محمد الحسين من قرية المغار. ثم تطورت الاتصالات لتشمل وسطاء مثل يوسف العيسى، الذي قدم نفسه في يوليو 1936 كممثل لسلطان الأطرش، وعبّر عن رغبة قادة جبل الدروز في إقامة علاقات ودية مع الحركة الصهيونية. نظّمت الوكالة اليهودية زيارات لعملائها إلى لبنان وشرق الأردن وسوريا، مثل زيارة الشيخ حسن أبو ركن في سبتمبر 1936 إلى سلطان الأطرش في الكرك، والتي تمكن فيها، حسب التقرير، من إقناعه بوقف مشاركة الدروز في الثورة والبقاء على الحياد.

بعد عودة سلطان الأطرش إلى سوريا، استمرت الاتصالات عبر وسطاء آخرين مثل عقلة القطامي والعميل داود لوزية في دمشق. يصف الفصل بالتفصيل زيارة أبا حوشي الأولى إلى جبل الدروز في 25 أكتوبر 1937، حيث التقى بيوسف العيسى واتفق معه على أساس التعاون: تقديم معلومات عن نشاطات الثوار في دمشق، واستخدام نفوذه لمنع مشاركة الدروز في الثورة، والعمل على إقامة تحالف مع سلطان الأطرش. مقابل ذلك، طلب العيسى 12 جنيهًا فلسطينيًا شهريًا، وهو مبلغ خُفّض لاحقًا إلى 8 جنيهات. يذكر الفصل أيضاً أن العيسى ادعى قدرته على إفشال جهود قادة الثورة الفلسطينيين في دمشق، مثل مُعين الماضي وعزت دروزة، لتجنيد مقاتلين دروز.

يتناول الفصل أيضاً الجدل الداخلي داخل الوكالة اليهودية حول طبيعة العلاقة مع جبل الدروز. من جهة، نادى أهارون حائيم كوهين بتطوير علاقات قوية مع الدروز، معتبراً أنهم "نقطة ضوء في البحر العربي المظلم"، واقترح إمكانية نقل الدروز من فلسطين إلى جبل الدروز. ومن جهة أخرى، حذّر إلياهو ساسون من أن تحالفاً كهذا قد يضر بعلاقات الوكالة الجيدة مع الحكومة السورية والكتلة الوطنية، وأن جبل الدروز جزء من الدولة السورية، وأن المقارنة مع شرق الأردن ولبنان ليست صحيحة. انتهى النقاش بقرار من موشيه شيرتوك بالاكتفاء بتعزيز العلاقات الاستخباراتية والأمنية بمستوى منخفض وغير مباشر، وتجنب أي تحالف رسمي في ذلك الوقت.

يقدم الفصل أيضاً تفاصيل عن محاولات إيقاف مشاركة الشيخ أسعد كنج (من مجدل شمس في الجولان) الذي كان يجند مقاتلين دروز للثورة. استخدمت الوكالة اليهودية نفوذها الديني عبر "مشيخة البياضة" في لبنان (أعلى سلطة دينية درزية)، وأرسلت رسالة على لسان "دروز الكرمل" تحذّر من أن مشاركة كنج ستجلب غضب البريطانيين على الدروز في فلسطين. كما أرسلت مشيخة البياضة وفداً إلى سلطان الأطرش للحصول على رسالة تمنع كنج من المشاركة، مما وضعه في موقف صعب بين التزامه المالي لقيادة الثورة وخوفه من غضب الطائفة.

في نهاية الفصل، يُقرّ المؤلف أن العلاقة بين قادة جبل الدروز والدولة السورية طوال الثلاثينيات والأربعينيات لم تكن واضحة، حيث تراوحت مواقفهم بين الاندماج الكامل في الدولة السورية، أو الاندماج المشروط بالحكم الذاتي، أو الانفصال، أو حتى الضم إلى شرق الأردن. هذه النقطة تُظهر أن النزعة الانفصالية لدى بعض القادة الدروز، والتي غذتها السياسة الفرنسية، هيأت أرضية خصبة لمساعي الوكالة اليهودية لاستمالتهم، إذ رأى بعضهم في التحالف مع الصهاينة وسيلة لتعزيز استقلالهم الذاتي أو الحصول على دعم مالي وتقني. الملاحظ أن الفصل يعتمد بشكل شبه كامل على التقارير الصهيونية الداخلية وروايات العملاء الدروز المتعاونين، دون تقديم روايات موازية من الجانب الدرزي أو الوطني السوري حول مدى قبول هذه السياسات أو رفضها داخل جبل الدروز. هذا الخلل في المصادر يجعل السرد منحازاً بشكل واضح إلى وجهة نظر الوكالة اليهودية وأهدافها، ويمكن أن يثير تساؤلاً حول مدى تمثيل هذه الروايات للموقف الحقيقي لسلطان الأطرش والقادة الدروز الآخرين، أو ما إذا كانت مجرد انطباعات ووعود قدمها وسطاء وموظفون دروز لتحقيق مكاسب شخصية.