المورد
The Maronites of Lebanon, the Staunch Catholics of the Near East, With an Historical Sketch of the Early Syrian Churches

The Maronites of Lebanon, the Staunch Catholics of the Near East, With an Historical Sketch of the Early Syrian Churches

Paul Abraham١ كانون الثاني ١٩٣١enGorgias Press LLC

يُشكّل كتاب "الموارنة في لبنان، الكاثوليك الثابتون في الشرق الأدنى، مع لمحة تاريخية عن الكنائس السورية المبكرة" لبول أبراهام دراسةً تاريخيةً شاملةً تركز على هوية الموارنة وأصولهم ودورهم كحرّاس للإيمان الكاثوليكي في الشرق. يدافع المؤلف بقوة عن أطروحة رئيسية مفادها أن الموارنة لم يكونوا طائفةً هرطقيةً كما زعم بعض المؤرخين، بل كانوا تجسيداً للتيار الوطني السوري الأصيل الذي تمسّك بالإيمان الكاثوليكي القويم واتحاده بالكرسي الرسولي في روما، في وجه الغزو الثقافي اليوناني أولاً، ثم الضغوط السياسية والعقائدية للإمبراطورية البيزنطية لاحقاً. يرى أبراهام أن تاريخ الموارنة هو تاريخ صمود وطني وديني في وجه الاضطهادات المتعاقبة، بدءاً من صراعات هرطقة المونوثيلية وصولاً إلى الاضطهادات الإسلامية والعثمانية، وأن علاقتهم بروما لم تكن علاقة تبعية حديثة بل امتداداً طبيعياً لأرثوذكسيتهم الأولى.

يبني بول أبراهام حجته بشكل متسلسل وممنهج عبر فصول الكتاب، مبتدئاً بتأصيل جغرافي وتاريخي يمتد لآلاف السنين. يبدأ الفصل الأول بوضع أساس متين لفكرة أن تاريخ الموارنة لا ينفصل عن تاريخ سوريا الكبرى وحضاراتها العريقة، مثل الآراميين الذين يعتبرهم "نخاع" الشعب السوري، والفينيقيين الذين أسسوا حضارة بحرية عظيمة واخترعوا الأبجدية. يصف أبراهام جبل لبنان بأنه ملجأ طبيعي لهذه الجماعة، حيث تميز بشعرائه المقدسين وأرزه الشهير، ليهيئ القارئ لاستقبال فكرة أن الموارنة هم استمرار طبيعي لهذا التراث السوري العريق، المنتقلين من الوثنية الفينيقية إلى المسيحية الجامعة.

مع الفصل الثاني، ينتقل التركيز إلى الصراع الفكري والديني الذي مهّد لظهور الهوية المارونية المتميزة. يحدد المؤلف محورية الصراع بين التأثير اليوناني والتأثير السوري الأصيل في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، حيث كان القديس مارون نفسه يمثل التيار الوطني السوري. يستعرض أبراهام سيرة القديس مارون نقلاً عن مصدرين معاصرين رئيسيين هما ثيودوريت أسقف قورش والقديس يوحنا الذهبي الفم، ويصوره كناسك ومعلم جذب إليه تلاميذ أصبحوا "نباتات رائعة". يشرح الفصل كيف نشأت الهرطقات الكبرى في الشرق، مثل هرطقة نسطوريوس في 431م وأوطيخا (المونوفيزية) في 451م، كنتيجة لتطرف في مدرستي التفسير الكتابي (الحرفية في أنطاكية والرمزية في الإسكندرية). ويؤكد أن القديس مارون ورُهبانه لعبوا دوراً محورياً في الدفاع عن الإيمان الكاثوليكي الذي أقرته مجامع أفسس وكالسيدونية، ونجحوا في إخراج النساطرة من الإمبراطورية البيزنطية عملياً بعد إغلاق مدرستهم في نصيبين عام 489م.

يقدم الفصل الثالث تفسيراً جذرياً للانشقاق بين الموارنة والملكيين (الروم الأرثوذكس)، رافضاً بشكل قاطع الادعاءات التي تربط نشأة البطريركية المارونية ببدعة المونوثيلية (القول بالمشيئة الواحدة). يرى المؤلف أن السبب الحقيقي كان سياسياً وكنسياً بحتاً، تمثل في الفراغ الهائل الذي أصاب كرسي أنطاكية بعد الغزو الإسلامي، حيث حُرمت الكنيسة من بطريرك مقيم لمدة 77 عاماً تقريباً بسبب وفاة البطريرك أناستاسيوس الثاني عام 609م على يد اليهود أثناء الغزو الفارسي، ثم تبع ذلك فرض إمبراطورية القسطنطينية لبطاركة غرباء لم يطأوا أنطاكية قط. يخلص المؤلف إلى أن انتخاب القديس يوحنا مارون بطريركاً بشكل مستقل في سوريا كان إجراءً شرعياً وطبيعياً لإنقاذ الكنيسة من تدخلات بيزنطة وتحرير الكرسي الأنطاكي، وليس خروجاً عقائدياً. يعترف أبراهام بوجود غموض في المصادر التاريخية حول التفاصيل الدقيقة لهذا الانفصال، إذ لم يذكر المؤرخ ثيوفانيس شيئاً عن النزاع الذي تحدث عنه مؤرخ آخر هو دينيسيوس، مما يترك الباب مفتوحاً للتساؤل.

يواصل الفصل الرابع سرد مسيرة القديس يوحنا مارون، أول بطريرك ماروني، كقائد ديني وزمني أسس الكيان الماروني. يصف الفصل نشأته العلمية في أنطاكية والقسطنطينية، وانتخابه بطريركاً واضطراره للتنقل من أنطاكية إلى سمر جبيل ثم كفر حاي في لبنان هرباً من الخطر. يبرز المؤلف مساهماته الفكرية المهمة، ككتابه "إظهار الإيمان الكاثوليكي"، والذي توجد نسخة منه في مكتبة الفاتيكان تحت الرقم 121، بالإضافة إلى قداس كتبه ونسخته الأخرى في الفاتيكان تحت الرقم 5. الجزء الأكثر إثارة هو ربط المؤلف بين القديس يوحنا مارون وحركة المراديين (Mardaites)، والتي تعني "المتمردين" بالسريانية، مستشهداً بالمؤرخين ثيوفانيس ودينيس التلمحري والبلاذري لإثبات أن هؤلاء هم الموارنة أنفسهم، وأنهم استطاعوا السيطرة على مناطق واسعة من لبنان حتى القدس عام 676م، مما أجبر الخليفة معاوية على عقد صلح مع الرومان. يرد المؤلف على الشكوك التي أثارها بعض الكتاب حول وجود القديس يوحنا مارون التاريخي، مستشهداً بسلطة بابوية متمثلة في البابا بندكت الرابع عشر (1744) والبابا بيوس السابع، اللذين أقرا بدوره المحوري.

يتناول الفصل الخامس العلاقة بين الموارنة والصليبيين، مصوراً إياها كعلاقة تحالف وأخوة قائمة على الوحدة الدينية، وليس صراعاً أو تبعية. يعتمد المؤلف على شهادة وليم، أسقف صور، الذي يصف كيف تدفق الموارنة لتهنئة الصليبيين وتقديم خدماتهم لهم عندما حاصروا طرابلس. يبني أبراهام حجته من خلال سرد متسلسل للبطاركة الموارنة في تلك الفترة، مؤكداً تواصلهم الدائم مع الباباوات، بدءاً من إرسال البطريرك يوسف جاورجيوس مبعوثه الخاص إلى البابا أوربان الثاني، مروراً بالبطريرك إرميا الذي سافر لحضور مجمع لاتران الرابع مع البابا إنوسنت الثالث (الذي أصدر له مرسوماً بابوياً شهيراً)، وصولاً إلى البطريرك سمعان الثاني الذي بعث له البابا ألكسندر الرابع رسالة شكر. يختتم الفصل بتأكيد الدور القتالي للموارنة إلى جانب الصليبيين، حيث قاتلوا مع الملك لويس التاسع ملك فرنسا أمام أسوار عكا في 1250م، ويقدم سرداً درامياً لسقوط الممالك الصليبية واحداً تلو الآخر: أنطاكية عام 1268م، طرابلس عام 1289م، وعكا في 18 مايو 1292م.

مع الفصل السادس، يدخل الكتاب العصور الوسطى المتأخرة والقرنين الخامس عشر والسادس عشر، ويركز على ترسيخ الهوية الكاثوليكية للموارنة من خلال التنظيم الكنسي والتقارب مع روما. يصف الفترة بأنها تحول من مرحلة الاضطهاد إلى مرحلة من التنظيم، خاصة مع تأسيس الكلية المارونية في روما عام 1584. يقدم المؤلف تفاصيل دقيقة عن الحكم المحلي في بداية القرن الخامس عشر، حيث حكم الزعماء الموارنة بألقاب مثل "إيغموني"، منهم يعقوب بن أيوب الذي حكم بشرّي لمدة اثنين وستين عاماً. ثم ينتقل إلى صراع داخلي مع بدعة اليعاقبة بقيادة الحاكم عبد المنعم الثاني عام 1488، وكيف انتصر الكاثوليك وتفرق اليعاقبة. يخصص الفصل مساحة مهمة للأب غريفون البلجيكي الفرنسيسكاني وتلميذه جبرائيل بار-كلايس، الذي أرسل للدراسة في جنوة وروما وأصبح كاهناً وكاتباً بارزاً، مدافعاً عنه ضد انتقادات المؤرخين المحدثين. يختتم الفصل بتفصيل قرارات البطاركة المتعاقبين، مثل اعتماد التقويم الغريغوري عام 1606 على يد البطريرك يوسف الرزي.

يواصل الفصل السابع سرد تاريخ الكنيسة المارونية في القرن الثامن عشر من خلال سلسلة من البطاركة المهمين، متتبعاً أبرز التحديات والتحولات الإدارية والروحية. من بين هؤلاء، البطريرك يعقوب عواد (1705-1733) الذي واجه صعوبات مع بعض الأساقفة حاولوا عزله، والبطريرك سيمون عواد الذي رفض الانتخاب تواضعاً وتطلب انتخابه تدخلاً بابوياً. لكن الحدث الأبرز في هذا الفصل هو حادثة الراهبة آنا حجيمة من حلب، التي جاءت إلى لبنان عام 1751 بهدف إنشاء رهبنة "أخوات القلب الأقدس"، وخُدع البطريرك يوسف إسطفان بتقواها الظاهرية حتى تبين أنها وقعت في أخطاء هرطقية بسبب قراءتها كتب الهدوئيين في فرنسا، مما أدى إلى حل الجماعة عام 1778 وتوبيخ البطريرك وتعليقه عن وظائفه لبضع سنوات. على الرغم من هذا الخطأ، ينهي الفصل بإنجاز مهم للبطريرك يوسف إسطفان، وهو تحويل دير عين ورقة الشهير إلى كلية بطريركية إكليريكية عام 1789، وهو العام نفسه الذي اندلعت فيه الثورة الفرنسية، مما يعتبره المؤلف عناية إلهية بعد أن دمر نابليون الكلية المارونية في روما لاحقاً.

يمثل الفصل الثامن دراسة سياسية مفصلة لحكم الأمير بشير الشهابي (1761-1850)، الحاكم المثير للجدل الذي جمع بين الطموح لتحرير لبنان من السيطرة العثمانية واستخدامه أساليب قاسية. يبدأ الفصل بذكر اعتناق والده الأمير قاسم المسيحية عام 1768 بجهود البطريرك يوسف اسطفان، ويصف صراع الأمير بشير على السلطة مع عمه الأمير يوسف بمساعدة الوالي أحمد باشا الجزار. يصل السرد إلى ذروته المظلمة في 15 مايو 1807 عندما أمر باغتيال مستشاري أبناء عمه، وهي جريمة يصفها المؤلف بـ"وصمة العار". ثم يروي الفصل تحالفاته المتقلبة مع القوى العظمى، من التحالف مع محمد علي باشا في مصر إلى المواجهة مع تحالف الشيخ بشير جنبلاط، وانتهاء بغزو إبراهيم باشا لسوريا عام 1831 ووقوف الأمير بشير إلى جانبه. بعد تدخل القوى الأوروبية وإجبار المصريين على الانسحاب بحلول 1 أكتوبر 1840، يسلم الأمير نفسه وينتهي به المطاف في إسطنبول حيث يموت مسيحياً عام 1850. بعد حياة الأمير بشير، يعود الفصل لسرد أحداث دموية هي الحرب الأهلية بين المسيحيين والدروز في 1841 و1845، والتي مهدت لمجازر 1860-1861، مع الإشارة إلى دور البطريرك بولس مسعد، الذي تولى في 12 نوفمبر 1854، واستمر ستاً وثلاثين عاماً حتى وفاته عام 1890، وترك أعمالاً مهمة منها كتاب "الدر المنظوم" الذي ينفي أن الكنائس الشرقية يجب أن تُدرج تحت اسم "الكنيسة اليونانية".

الفصل التاسع والأخير مخصص بالكامل للنهضة الأدبية العربية في القرن التاسع عشر بين الموارنة، ويظهر كيف تطورت من إنتاج ديني إلى حركة أدبية أوسع، مع بقاء الإلهام الكاثوليكي مهيمناً. يقدم الفصل سلسلة من السير الذاتية لأبرز الشخصيات التي تخرجت من كلية عين ورقة أو تأثرت بها، سواء من بقي مخلصاً للإيمان الكاثوليكي أو من انجرف نحو البروتستانتية. من بين أبرز هؤلاء، بطرس البستاني (1819-1883) الذي انجذب للمبشرين الأميركيين وترك الكاثوليكية، وأصدر جريدة "نفير سوريا" عام 1860 وافتتح "المدرسة الوطنية" عام 1863. يعبر المؤلف عن أسفه الشديد لارتداده، ويذكر أنه كان ينوي العودة إلى الكاثوليكية قبل موته المفاجئ. كذلك، يسلط الضوء على فارس الشدياق (1804-1887) الذي تأثر بالبروتستانتية في مالطة ولندن وكتب كتابه "الفارياق" للدفاع عن عقيدته الجديدة، ثم تنقل بين الأديان، وأسس جريدة "الجوائب" في القسطنطينية (1861-1884). في المقابل، يمتدح المؤلف الكونت رشيد الدحداح والمطران يوسف دبس (1833-1908) الذي كتب "تاريخ سورية" في ثمانية مجلدات وبنى كاتدرائية مار جرجس وكلية "الحكمة" في بيروت. يختتم الفصل بمناقشة الشعر الدرامي والملحمي، مبرزاً مارون نقاش كأول من كتب مسرحيات بالعربية عام 1855، وسليمان البستاني الذي ترجم الإلياذة لهوميروس شعراً. في الفصل الأخير (العلاقات مع الكرسي الرسولي)، يخصص المؤلف فصلاً مستقلاً لتأكيد عمق العلاقة التاريخية بين الموارنة وروما، متتبعاً سلسلة من الوثائق البابوية المتعاقبة بدءاً من طلب رهبان مار مارون من البابا هورميسداس عام 536م، مروراً بأول وثيقة مكتوبة في العصور الوسطى من البابا إينوسنت الثالث إلى البطريرك إرميا الدمشقي عام 1215م، وانتهاء برسالة البابا كليمنت الحادي عشر عام 1702م التي يصف فيها إيمان الموارنة بأنه يزداد إشراقاً في ظلمات البدع. يذكر المؤلف بفخر أن البطريرك اسطفان الدويهي جمع كل هذه الرسائل البابوية في مجلد يضم 770 صفحة، كدليل على العناية الفائقة بهذه العلاقة.

من النقاط الجديرة بالملاحظة في الكتاب هو دفاعه المستميت عن الموارنة ضد اتهامات الهرطقة، حيث يتعامل مع المصادر التاريخية المعارضة (مثل شهادة دينيسيوس التلمحري المونوفيزي ووليم الصوري الذي نقل عن سعيد بن البطريق) بريبة واتهامها بعدم الموثوقية، مما يكشف عن طابع الدفاع القوي في الكتاب. كما أن التباين في التعامل مع الشخصيات واضح جداً، حيث يمتدح المؤلف بحرارة كل من بقي كاثوليكياً ويأسف بعمق لمن ارتد، مثل بطرس البستاني وفارس الشدياق. السرد مليء بالأرقام والتواريخ المهمة التي يدمجها في النص، لكنها تُقرأ كجزء من سرد متصل، مثل مدة حصار نبوخذ نصر لصور (ثلاثة عشر عاماً)، واتساع فينيقيا (مئة وخمسين ميلاً طولاً وخمسة وثلاثين ميلاً عمقاً)، ورحيل البطريرك إرميا لمدة خمس سنوات في روما (حتى 1216)، ومدة حكم الأمير بشير الشهابي الذي امتد حتى وفاته عن عمر تسعين عاماً عام 1850، ومجموع الأساقفة الذين رسمهم البطريرك يعقوب عواد (سبعة عشر أسقفاً). يذكر المؤلف في نهاية الفصل الأخير نيته كتابة جزء ثانٍ عن التاريخ المعاصر إذا منحه الله الحياة. بناءً على المادة المقدمة، يمكن القول إن الكتاب يقدم تاريخاً غنياً ومفصلاً للموارنة، لكنه يظل منحازاً بوضوح لرؤيتهم كشعب مضطهد صامد، مما يجعله وثيقة تاريخية دفاعية أكثر منه دراسة أكاديمية محايدة. قد يجذب هذا الأسلوب القارئ الذي يبحث عن سرد بطولي متماسك، لكنه قد يترك القارئ الناقد يتساءل عن غياب وجهات نظر أخرى وعن أمثلة على التوترات الداخلية بين الموارنة أنفسهم أو مع سلطات الكنيسة، باستثناء حادثة الراهبة آنا حجيمة التي أقر بها المؤلف صراحة.

الأشخاص

الفصول(10)

1.سوريا وجبل لبنان17–29▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي مدخلاً أساسياً لفهم تاريخ الموارنة، إذ يؤكد المؤلف بول أبراهام أن تاريخ هذه الجماعة المسيحية لا يمكن فصله عن تاريخ سوريا عامةً، وجبل لبنان خاصةً. يوضح الكاتب أن مصطلح "ماروني" لم يكن في بدايته اسماً لطائفة دينية-سياسية، بل كان يشير إلى مجموعة مسيحية في سوريا اتخذت من الناسك القديس مارون شفيعاً لها، تقديراً لدوره في الحفاظ على الإيمان المسيحي في تلك البقعة من العالم. ينطلق الفصل من فكرة أن تاريخ الموارنة متشابك بعمق مع تاريخ الجماعات الدينية الأخرى في سوريا، على الأقل حتى الغزو الإسلامي في أواخر القرن السابع الميلادي، حيث أسس أول بطريرك ماروني، القديس يوحنا مارون، كياناً متميزاً للموارنة عندما بدأ البطريركية عام 686 ميلادية، والتي استمرت بعد وفاته عام 707 ميلادية حتى العصر الحديث.

يسير الفصل في مسار تاريخي وجغرافي واضح، فيبدأ بوصف سوريا كرقعة شاسعة من الأرض في الشرق الأدنى كانت موطناً لأمم عديدة تركت بصماتها على تاريخ العالم. يحدد المؤلف الآراميين كأقدم الأعراق السورية المعروفة، واصفاً إياهم بـ"نخاع" الشعب السوري، حيث استقروا في الداخل باتجاه الشرق وأسسوا مملكة نافست لقرون ممالك فلسطين، وكانت دمشق عاصمتهم، وهي إحدى أقدم مدن العالم. ينتقل بعدها إلى الساحل السوري حيث أسس الفينيقيون مدناً عديدة انطلقت منها حملات استكشاف بحرية عبر بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط، وأسسوا مستعمرات في شمال أفريقيا وجنوب إسبانيا. يشير المؤلف إلى أن الحروب البونيقية لو كانت نتيجتها لصالح قرطاجة الفينيقية، لكان العالم مختلفاً تماماً. كما يذكر مملكة الحيثيين في شمال وشمال شرق سوريا، وفلسطين التي يعتبرها بعض الجغرافيين جزءاً من سوريا.

يخصص الفصل مساحة كبيرة للحديث عن فينيقيا، التي كانت تشغل شريطاً ساحلياً ضيقاً يمتد لمسافة مئة وخمسين ميلاً على طول البحر المتوسط من صور (سور) جنوباً إلى أرادوس (أرواد) شمالاً، وبعمق لا يتجاوز خمسة وثلاثين ميلاً داخل البر. يذكر المؤلف أشهر مدن فينيقيا الوثنية: صيدا وصور وجبيل، ويصف جبيل بأنها أقدم المدن الفينيقية وكانت مركزاً دينياً رئيسياً وموطناً لآلهتهم مثل بعل وعشتاروت وتموز (أدونيس عند اليونان). يكشف عن وجود ملوك في جبيل منذ وقت مبكر يعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، بناءً على الحفريات التي قامت بها الحكومة الفرنسية هناك. ثم ينتقل إلى تاريخ صيدا التي دُعيت في الكتاب المقدس "صيدا العظيمة"، وصور التي دُعيت "المعقل"، وكيف أن صيدا تراجعت قوتها بعد هزيمتها على يد الفلسطينيين حوالي عام 1250 قبل الميلاد، مما أفسح المجال لصور لتعزيز مكانتها.

يستمر الفصل في سرد تاريخ صور، فيذكر أن أول ملوكها كان حيرام، المعاصر للملكين داود وسليمان، والذي حكم من 969 قبل الميلاد إلى 922 قبل الميلاد، تلاه ملوك كثيرون. من بينهم إثبعل والد إيزابيل ملكة إسرائيل الشهيرة، الذي حكم حوالي عام 880 قبل الميلاد. كما يروي قصة بيجماليون وابن أخته أليسا (ديدو) التي هربت مع أنصارها إلى سواحل أفريقيا وأسست قرطاجة عام 850 قبل الميلاد. يتناول الفصل الصراع الطويل الذي خاضته صور وصيدا ومدن الاتحاد الفينيقي ضد الإمبراطورية الآشورية العملاقة للحفاظ على استقلالها، ثم يصف حصار نبوخذ نصر البابلي لصور الذي استمر ثلاثة عشر عاماً، وهو أطول حصار مسجل في التاريخ، وانتهى بدفع صور الجزية. بعد ذلك، حكم الفرس ثم الإسكندر الأكبر المقدوني الذي قتل داريوس ملك الفرس عام 331 قبل الميلاد، وفتحت فينيقيا أمام البطالمة والسلوقيين في صراع متبادل حتى الاحتلال الروماني على يد بومبيوس عام 64 قبل الميلاد.

يقدم الفصل لمحة عن إسهامات الفينيقيين الحضارية، مؤكداً أنهم اخترعوا الأبجدية التي لا تزال أساس الأبجديات السامية والأوروبية، وأن كتاباتهم التي عُثر عليها في جبيل والمؤرخة بعام 1800 قبل الميلاد هي الأقدم التي تم اكتشافها. كما يشير إلى أنهم كانوا أمة العصور القديمة الوحيدة التي امتلكت أسطولاً بحرياً، بينما لم تمتلكه الأمم الشرقية الأقوى. ثم يتحدث عن اللغة الفينيقية التي حلت محلها الآرامية في سوريا حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، والتي أصبحت اللغة الرسمية في بلاد ما بين النهرين وسوريا وفينيقيا وفلسطين قبل غزو الإسكندر. ويذكر أن إديسا ونصيبين كانتا مركزين ثقافيين آراميين مهمين. بعد غزو الإسكندر، حلت اليونانية محل الآرامية كلغة رسمية في بلاطي مصر وأنطاكيا، لكن الآرامية بقيت لغة العامة. أخيراً، يذكر الفصل مملكة تدمر (تدمر) التي بناها سليمان وبقيت مغمورة حتى عهد أذينة وزوجته الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف جبل لبنان، مؤكداً أنه جغرافياً جزء من سوريا، لكنه يمثل كياناً متميزاً في التاريخ السياسي والديني، خاصة في العصور الوسطى والحديثة. يشرح أن اسم "لبنان" يعني "الجبل الأبيض" نسبة إلى الثلوج الدائمة على قممه العالية، ويشيد بالشعراء المقدسين في العهد القديم الذين مدحوا جماله وينابيعه وأشجاره، لا سيما أرز لبنان. يصف مناخه بأنه لا يُضاهى. يوضح أن هناك لبنانين: لبنان وسلسلة جبال لبنان الشرقية (Anti-Lebanon)، ويمتد بينهما سهل البقاع الشهير الذي يبلغ عرضه تسعة أميال وطوله سبعين ميلاً. يذكر أن الفينيقيين حكموا لبنان في العصور التاريخية، وأن المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس تحدث عن الإيطوريين الذين احتلوا الجزء الجنوبي منه، ويخلص إلى أن الجبال العالية لم تكن مأهولة بالسكان إلا في أزمنة حديثة نسبياً.

في مجمله، ينجح الفصل في وضع أساس تاريخي وجغرافي شامل ومتحيز لصالح دوره التمهيدي، حيث يعود بأصول الموارنة إلى أقدم الحضارات السورية (الآرامية والفينيقية) ويؤكد على قدم وجودهم المسيحي في المنطقة. على الرغم من أن الفصل لا يثير جدلاً مباشراً داخل نصه، إلا أنه يعتمد على منظور تاريخي تقليدي يركز على الحضارات القديمة والإمبراطوريات المتعاقبة، وقد يكون قابلاً للنقاش حول كيفية تعريف "سوريا" كوحدة جغرافية وسياسية واحدة عبر العصور، وتأثير الروايات التوراتية في تشكيل التفسير التاريخي، خاصة فيما يتعلق بتأريخ مدن مثل تدمر ودمشق. الفصل واضح في غرضه التمهيدي ولا يتعمق في الجدالات التاريخية الدقيقة.

4.التأثير اليوناني مقابل التأثير السوري في زمن مار مارون35–45▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على محورية الصراع بين التأثير اليوناني والتأثير السوري في سوريا خلال فترة حياة القديس مارون، وذلك في سياق أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلاديين. يقدم المؤلف الإجابة بأن القديس مارون ورُهبانَه مثّلوا التيار الوطني السوري المدافع عن الإيمان الكاثوليكي القويم، والمتّحد بالكرسي الرسولي، وذلك في مواجهة تغلغل الثقافة اليونانية وصراعاتها الفكرية التي أنتجت هرطقات كبرى.

يسير الفصل خطوة خطوة في بناء حجته، بدءاً من رسم الإطار العام للتوتر بين العنصرين الآرامي الأصلي واليوناني الدخيل، الذي بدأ مع سيطرة السلوقيين على سوريا. يوضح المؤلف أن النفوذ اليوناني تركز في المدن الكبرى مثل أنطاكية واللاذقية، التي كانت مراكز للبلاغة والثقافة اليونانية، مستشهداً بشخصيات مثل القديس يوحنا الذهبي الفم تلميذ الخطيب ليبانيوس، وبالأسقف ساويريان الذي فضحه لكنته السورية القوية رغم فصاحته باليونانية. مقابل هذا التيار، كان هناك التيار الوطني السوري الذي مثّلته الأرياف والمدن الصغيرة، وعلى رأسها الرها (إديسا) التي كانت مركزاً للنشاط الأدبي السوري، وبرز فيها القديس أفرام السرياني الذي نقل إليها مدرسة نصيبين الشهيرة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سيرة القديس مارون بالاعتماد على مصدرين معاصرين رئيسيين هما ثيودوريت أسقف قورش، الذي خصص له الفصل الخامس عشر من كتابه "التاريخ الديني"، والقديس يوحنا الذهبي الفم الذي كتب له رسالة من منفاه في كوكوسو (أرمينيا) في العام 407م. يصف ثيودوريت كيف اعتزل القديس مارون على قمة جبل كان وثنياً، وأقام خيمة صغيرة للاحتماء، وكان يمضي معظم وقته في العراء، وقد وهبه الله موهبة المعجزات التي جذبت الناس من كل مكان. ويضيف ثيودوريت أن تلاميذه كانوا "نباتات رائعة" منهم القديس يعقوب الكبير، وأن الناس اختلفوا على جسده بعد موته، فاقتاده أقرب قرية وبنوا فوقه كنيسة فخمة. أما رسالة يوحنا الذهبي الفم فهي شهادة على العلاقة الروحية بين القديسين، وتظهر القديس مارون كقسٍ (راهب كاهن)، وليس مجرد ناسك عادي.

يشرح المؤلف كيف أصبح دير القديس مارون في منطقة أفاميا بطريركية للحياة الرهبانية في شمال سوريا، تماماً مثل القديس باخوميوس في مصر وهيلاريون في فلسطين. ثم يحوّل الفصل انتباهه إلى السياق الفكري والأرثوذكسي الأوسع. يذكر أن بذور الانحلال الفكري كانت قد بدأت في الشرق، وظهرت هرطقتا نسطوريوس (في 431م) وأوطيخا (في 451م). يربط المؤلف هذه الهرطقات بمدرستين في التفسير الكتابي: المدرسة الحرفية في أنطاكية والرها ونصيبين، والمدرسة الرمزية في الإسكندرية. ويوضح أن التطرف في المدرسة الحرفية أدى إلى هرطقة آريوس ثم نسطوريوس الذي أنكر أن تكون مريم أم الإله، بينما أدى رد الفعل المتطرف إلى هرطقة المونوفيزية (الطبيعة الواحدة) التي دافع عنها أوطيخا. ويخلص إلى أن هاتين الهرطقتين قسمت الشرق إلى معسكرين كبيرين ضلا عن الإيمان الكاثوليكي.

في هذا السياق المتأزم، يحدد الفصل بوضوح دور القديس مارون ورُهبانه: الدفاع عن الإيمان الكاثوليكي كما حددته مجامع أفسس (431) وكالسيدونية (451) وجمع العنصر الوطني حوله. يرى المؤلف أنهم نجحوا في ذلك، وأخرجوا نسطوريوس وأتباعه من الإمبراطورية البيزنطية عملياً بإغلاق مدرستهم في نصيبين في 489م، بينما ازدهر التيار النسطوري لاحقاً في بغداد تحت حماية الخلفاء العباسيين. يختم الفصل بالقول إن الإمبراطورية البيزنطية كانت تضعف يومياً بينما كانت القبائل العربية القوية تستعد لانتزاع سوريا وبلاد الرافدين، وأن المسيحية الشرقية الممزقة بالطوائف الصغيرة افتقرت إلى الحيوية لاستيعاب العنصر الجديد. ويشير المؤلف إلى تحفظه على الأسقف ثيودوريت لإعطائه حيزاً صغيراً في تاريخه للقديس مارون، رغم التأثير الدائم الذي تركه هو ورُهبانه، والذين ورّثوا خلفاءهم أمانة الحفاظ على الإيمان الكاثوليكي والاتحاد بالكرسي الرسولي والروح الوطنية، وهو ما تطور لاحقاً إلى روح الاستقلال في جبال لبنان.

8.الموارنة والملكيون55–61▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الانشقاق الذي حدث بين الموارنة والملكيين (الروم الأرثوذكس) في كنيسة أنطاكية، ويُقدّم تفسيراً تاريخياً لأسباب هذا الانفصال، بعيداً عن الادعاءات التي تَربط نشأة البطريركية المارونية بالهرطقة المونوثيلية (القول بالمشيئة الواحدة). الإجابة التي يطرحها المؤلف هي أن السبب الجذري للانفصال كان سياسياً وكنسياً، وليس عقائدياً بحتاً، ويتعلق بالصراع على الشرعية والاستقلالية في مواجهة السيطرة البيزنطية على الكرسي الأنطاكي.

يسير الفصل بتسلسل زمني وأحداثي، فيبدأ بفكرة أن الخسارة الكبرى التي مُنيت بها المسيحية مع الغزو الإسلامي لم تكن فقط في الأعداد، بل في حرمان كرسي أنطاكية من بطريركه الشرعي والمقيم. يُفصّل المؤلف أن أناستاسيوس الثاني (آخر بطريرك كاثوليكي مقيم) توفي عام 609 ميلادية على يد اليهود أثناء الغزو الفارسي، وبعده ظل الكرسي شاغراً لمدة 30 عاماً بسبب الحرب بين الروم والفرس. ثم في عام 640 ميلادية، كانت سوريا بكاملها تحت سيطرة العرب، فبدأت إمبراطورية القسطنطينية بفرض بطاركة غرباء لم يطأوا أنطاكية قط، مثل مقدونيوس (الذي توفي عام 665 م) ومكاريوس (الذي عُزل في المجمع المسكوني السادس عام 680 م بتهمة الدفاع عن المونوثيلية)، وثيوفانيس الشماس الذي توفي عام 686 م. يخلص المؤلف إلى أن كنيسة أنطاكية حُرمت من بطريرك مقيم لمدة 77 عاماً تقريباً، مما جعل انتخاب القديس يوحنا مارون بطريركاً في سوريا من قبل رجال الدين في لبنان والمناطق المجاورة (غير الخاضعة لتأثير القسطنطينية) أمراً شرعياً وطبيعياً لإنقاذ الكنيسة.

يستخدم المؤلف هذا السياق كدليل رئيسي لتفنيد مزاعم المؤرخين مثل لابور وفايله، مؤكداً أن البطريركية المارونية لم تنشأ من هرطقة المونوثيلية، بل كانت استجابة ضرورية لتحرير الكرسي الأنطاكي من تدخلات بيزنطة. ثم ينتقل إلى ذكر محاولات القسطنطينية لملء المنصب بعد ثيوفانيس، حيث عيّنت جاورجيوس ثم ألكسندروس الذي توفي عام 702 م. ويشير المؤلف إلى أنه حتى في القسطنطينية توقفوا عن تعيين بطاركة لأنطاكية لأنهم أدركوا أن الخلفاء لن يسمحوا لهم بدخول سوريا، فبقي الكرسي شاغراً لمدة 40 عاماً كما يذكر المؤرخون العرب، إلى أن سمح الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بانتخاب راهب اسمه اسطفان (الذي استمر 742-744 م). بعد ذلك، في عام 744 م (في السنة الرابعة من حكم قسطنطين الخامس)، جرى انتخاب ثيوفيلاكت بار قنبرة من الرها، والذي استمر لمدة 6 سنوات (744-750 م)، ويذكر المؤلف أنه في زمن هذا البطريرك تم الانفصال الكامل بين الموارنة والملكيين.

في تتبع الحجج الإضافية، يُشير المؤلف إلى أنه في القرن التاسع، انخرط العديد من هؤلاء البطاركة (الملكيين) في انشقاق فوتيوس بطريرك القسطنطينية، متّبعين النزعات الانفصالية لبيزنطة. ثم في القرن الثالث عشر، نجح البطريرك بلسمون في جعل بطاركة الكراسي الشرقية الأخرى يغيرون طقوسهم لتعتمد طقس القسطنطينية، وهو ما عزز الفجوة. يُقرّ المؤلف بوجود ادعاءات تاريخية أخرى حول أصل تسمية "ملكيين"، لكنه يتبنى رأي المؤرخ يوسف سمعان السمعاني بأنهم كانوا الطرف الخاضع لأباطرة القسطنطينية (الملك).

يوجد سؤال مفتوح يُقرّ به المؤلف بشكل ضمني: لم يذكر المؤرخ ثيوفانيس شيئاً عن النزاع المزعوم بين رهبان القديس مارون وهذا البطريرك الملكي الذي تحدث عنه مؤرخ آخر هو دينيسيوس، مما يترك بعض الغموض حول التفاصيل الدقيقة لذلك الانفصال، ويُظهر أن المصادر التاريخية غير متطابقة تماماً حول الحادثة ذاتها. كما أن الفصل لا يخفي أن بعض المسيحيين تنصّروا حفاظاً على مكاسبهم السياسية، ويصف الأقلية الباقية والمقاومة بأنها "بطولية"، مما يُظهر انحيازاً واضحاً للموارنة كبقية مضطهدة صامدة. هذا الموقف يمكن مناقشته بناءً على النص نفسه، لأنه يُعلي من دور الموارنة كحراس حقيقيين للإيمان في مواجهة الاضطهاد، ويُقلل من تعقيد دوافع التحولات الدينية والتفاعلات بين الطوائف تحت الحكم الإسلامي، مُصوّراً الموقف على أنه معركة ثنائية بين الصمود العظيم والخيانة أو الاستسلام.

9.القديس يوحنا مارون62–68▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل بشكل أساسي على حياة القديس يوحنا مارون، أول بطريرك للموارنة، ودوره المحوري في تأسيس الكيان الماروني دينياً وزمنياً في لبنان خلال فترة مضطربة من التاريخ. يقدم المؤلف بول أبراهام إجابة واضحة مفادها أن القديس يوحنا مارون لم يكن مجرد قائد ديني بارز، بل كان أيضاً زعيماً مدنياً ومؤسساً للحرية المدنية للموارنة، حيث قاد شعبه في لحظة حاسمة للحفاظ على الإيمان الكاثوليكي والوجود السياسي في مواجهة التحديات الكبيرة.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني وعرضي لتأريخ حياة القديس. يبدأ بوصف نشأته، حيث يذكر أنه وُلد في ساروم، وهي قرية صغيرة بالقرب من أنطاكية، وأُرسل إلى تلك المدينة لدراسة السريانية واليونانية، ثم أُرسل إلى دير القديس مارون على ضفاف نهر العاصي لإتقان النحو والرياضيات والكتاب المقدس. بعد ذلك، يتابع الفصل رحلته إلى القسطنطينية لإتقان اللغة اليونانية، وعند عودته إلى أنطاكية، علم بوفاة والديه واعتزل مع ابن أخته كيرس في دير القديس مارون ليتحول إلى الحياة الرهبانية، ليُسام كاهناً ويكرز بفاعلية، مما أكسبه سمعة واسعة جعلت الكاثوليك، خاصةً في لبنان، يطالبون به أسقفاً لهم، فتتم رسامته أسقفاً على البترون من قبل الأسقف يوحنا الفيلادلفي، المندوب البابوي آنذاك.

بعد وفاة البطريرك ثيوفانيس الذي عينه المجمع المسكوني السادس، يوضح الفصل كيف تم انتخاب القديس بطريركاً على أنطاكية. يصف الفصل اضطراره للانتقال من أنطاكية إلى دير مارون بسبب الخطر، ثم إلى سمر جبيل في لبنان، وأخيراً إلى كفر حاي حيث بنى ديراً وأودع فيه ذخيرة ثمينة. في هذا السياق، يُبرز المؤلف إحدى أهم مساهماته الفكرية: تأليف كتاب "إظهار الإيمان الكاثوليكي"، الذي أرسله إلى شعبه لتحذيرهم من الهراطقة، وتوجد نسخة منه في مكتبة الفاتيكان تحت الرقم 121. بالإضافة إلى ذلك، يُشير الفصل إلى أنه كتب قداساً ونسخة أخرى منه موجودة في الفاتيكان تحت الرقم 5، ويؤكد أن جميع كتاباته بالسريانية وتتميز بمسحة روحية مميزة لآباء الكنيسة، لكن معظمها لا يزال غير منشور.

أما الجزء الأهم والأكثر تفصيلاً في الفصل، فيتناول دور القديس يوحنا مارون كقائد مدني. يربط المؤلف بينه وبين حركة المراديين (Mardaites)، وهي كلمة سريانية تعني "المتمردين". يستشهد المؤلف بالمؤرخ اليوناني القديس ثيوفانيس الذي يذكر أنه في العام 676 ميلادي، وهو العام الثامن من حكم الإمبراطور قسطنطين الملتحي، خرج المراديون إلى لبنان وسيطروا على كل منطقة بين الجبال السوداء والقدس، مما دفع الخليفة الأموي معاوية لعقد معاهدة صلح مع الإمبراطورية الرومانية دفعت بموجبها الجزية. يقدم المؤلف أدلة من مؤرخين سريان وعرب، مثل دينيس التلمحري والبلاذري، لتأكيد أن هؤلاء المراديين هم الموارنة أنفسهم، وأن معظمهم كانوا من السوريين الأصليين بقيادة مسؤولين بيزنطيين، وأن موطن الموارنة الأصلي كان حول أنطاكية وحمص وأفاميا قبل أن يدفعهم الغزو الإسلامي نحو لبنان.

في نهاية الفصل، يعترف المؤلف بوجود شكوك أثارها بعض الكتّاب حول وجود القديس يوحنا مارون التاريخي ودوره، مشيراً بشكل خاص إلى السيد لابورت في الموسوعة الكاثوليكية. للرد على هذه الشكوك والتأكيد على قداسته ودوره، يستشهد المؤلف بسلطة بابوية رفيعة، مقتبساً كلمات البابا بندكت الرابع عشر من خطابه أمام الكرادلة في 13 يوليو 1744، الذي يقر فيه بأن الموارنة انتخبوا بطريركاً لإنقاذ أمتهم من بدعة المشيئة الواحدة في نهاية القرن السابع، وهو وفقاً للمؤلف القديس يوحنا مارون نفسه. ويضيف أن البابا بيوس السابع منح صكوك الغفران الكامل لزوّار كنيسته في 2 مارس (عيده)، مؤكداً أن هذا الدعم البابوي هو أعلى سلطة لتكريم القديسين في الكنيسة الكاثوليكية.

12.الموارنة والصليبيون76–85▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول العلاقة بين الموارنة و الصليبيين خلال فترة وجود الممالك الصليبية في بلاد الشام، ويركز بشكل خاص على إظهار أن هذه العلاقة كانت تقوم على التعاون والتحالف والوحدة الدينية، بدلاً من أن تكون علاقة صراع أو تبعية. يقدم المؤلف أدلة تاريخية لإثبات أن الموارنة رحبوا بالصليبيين كإخوة في الإيمان ووقفوا إلى جانبهم في حروبهم.

يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، فيبدأ مع وصول الصليبيين إلى سوريا وفلسطين. يستشهد المؤلف بشهادة وليم، أسقف صور، أحد المؤرخين اللاتين البارزين في ذلك العصر، الذي يصف كيف أن العديد من المؤمنين السوريين (ويقصد بهم الموارنة) القاطنين في جبل لبنان، توافدوا لتهنئة الصليبيين وتقديم خدماتهم لهم عندما حاصروا طرابلس. كما يؤكد وليم أن الصليبيين استقبلوهم بأخوة واختاروا منهم مرشدين لاجتياز الجبال الوعرة. يستخدم المؤلف هذا المقطع لتوضيح أن العلاقة بدأت بشكل إيجابي ومبشر، على النقيض من معاملة الإمبراطور البيزنطي الغادرة للصليبيين سابقاً.

ينتقل الفصل بعد ذلك من الأحداث العسكرية إلى الجانب الكنسي، حيث يتابع سلسلة بطاركة الموارنة وتواصلهم مع الكرسي الرسولي في روما. يروي المؤلف أنه بعد سقوط القدس، أرسل جودفري بويون مبعوثاً إلى روما ليعلن الخبر للبابا أوربان الثاني. في نفس الوقت، اغتنم البطريرك الماروني يوسف جاورجيوس هذه الفرصة ليرسل مبعوثه الخاص إلى البابا تعبيراً عن طاعته واتحاده بالكرسي الرسولي. يوضح المؤلف أن الرسل وصلا روما بعد وفاة البابا أوربان الثاني بأربعة عشر يوماً، فتسلم المهمة خليفته البابا باسكال الذي استقبل المبعوثين الموارنة بترحاب كبير وأرسل إلى البطريرك الماروني تاجاً وصولجاناً.

ثم يقدم الفصل قائمة متسلسلة من البطاركة الموارنة في تلك الفترة، معتمدا على مخطوطات ومصادر تاريخية. يذكر البطريرك سمعان (حتى 1189م) الذي يُشار إليه كواحد من الحاضرين في مجمع القديس بطرس. ثم البطريرك بطرس (1121م) الذي يُعرف من حاشية في مخطوطة سريانية نقلها يوسف سمعان السمعاني إلى مكتبة الفاتيكان، وتذكر أن راهباً يدعى سمعان نسخ كتاباً له في دير قرب منطقة البترون. بعد ذلك يذكر البطريرك غريغوريوس من بلدة حلات الذي أرسل وفداً إلى البابا إنوسنت الثاني، والبطريرك يعقوب من بلدة رمات (توفي 1151م)، ثم البطريرك يوحنا الثامن (توفي 1173م)، وأخيراً البطريرك إرميا من داملسا (انتخب 1183م) وهو شخصية مهمة.

يخصص المؤلف مساحة للبطريرك إرميا، الذي سافر إلى روما لحضور مجمع لاتران الرابع الذي عقده البابا العظيم إنوسنت الثالث، ومكث هناك خمس سنوات حتى عام 1216م. يذكر أنه عندما عاد وهبط في طرابلس استقبله أسقفه نائبه ثيودور. ويشير المؤلف إلى أن البابا إنوسنت الثالث أصدر لإرميا مرسوماً بابوياً شهيراً (Bul) يعد الأول من نوعه المعروف بصدوره لبطريرك ماروني، ويؤكد أنه لا يزال محفوظاً في أرشيف الكرسي البطريركي. تتابع القائمة بعد ذلك بذكر البطريرك دانيال الأول (من شمات، انتخب 1230م)، والبطريرك سمعان الثاني (انتخب 1245م) الذي بعث له البابا ألكسندر الرابع رسالة يهنئه فيها على استقبال لاجئين أوروبيين من أنطاكية بعد استردادها من الصليبيين. ثم البطريرك دانيال الثاني (من هدشيت، أكده البابا نيكولا الثالث في الفترة بين 1277-1281م، وأصر في مرسومه على أن يستخدم زيت الزيتون فقط والبلسام لصنع الميرون)، وأخيراً كل من البطريرك لوقا من بنهران، وغبريال من حجولا الذي استشهد على يد المسلمين عام 1295م في ضواحي طرابلس.

يختتم الفصل بالحديث عن الأيام الأخيرة للممالك الصليبية، مؤكداً الدور القتالي للموارنة إلى جانب الصليبيين. يذكر سقوط أنطاكية عام 1268م، ثم حصار السلطان المنصور لمدينة طرابلس الذي استمر 35 يوماً، والتي سقطت بعد مقاومة عنيفة ودامية عام 1289م. وأخيراً سقوط عكا، أقوى معاقل الصليبيين، في 18 مايو 1292م. للتأكيد على دور الموارنة، يذكر الفصل أنهم قاتلوا جنباً إلى جنب مع الصليبيين بقيادة الملك لويس التاسع ملك فرنسا أمام أسوار عكا في عام 1250م. بعد سقوط هذه المدن، تم إخلاء صور وصيدا وبيروت من الصليبيين واحتلها نواب السلطان المصري الأشرف.

يتجنب الفصل إلى حد كبير طرح أي أسئلة مفتوحة أو تحفظات كبيرة حول موضوع العلاقة بين الموارنة والصليبيين. المؤلف لا يقر بوجود أي خلافات أو توترات جوهرية، بل يقدم سرداً خطياً إيجابياً للتحالف والتعاون. مع ذلك، في الجزء الذي يسبق الفصل مباشرة (وهو الجزء الذي خصصه المؤلف للرد على اتهامات المونوثيلية)، نجد المؤلف يتعامل مع شهادة المؤرخ المونوفيزي دينيسيوس التلمحري الذي زعم أن الموارنة مالوا إلى المونوثيلية. ورغم أن هذا النص يقع خارج الفصل الرئيسي، إلا أنه يُظهر موقفاً نقدياً من قبل المؤلف حيث يشكك في موثوقية هذا المصدر، معتبراً إياه عدواً لا يمكن الوثوق به، ويستنتج أن الخلاف ربما كان حول سوء فهم حول وجود إرادتين متعارضتين في المسيح، وليس خلافاً عقائدياً حقيقياً. في الفصل نفسه، يشير المؤلف بسرعة إلى أن وليم الصوري تحدث عن عودة الموارنة من المونوثيلية على يد البطريرك أميريكوس، لكنه يعتبر أن وليم الصوري نقل هذه المعلومة عن مصدر غير موثوق هو سعيد بن البطريق.

يمكن اعتبار الفصل بأكمله بمثابة حجة دفاعية وغير قابلة للنقاش من وجهة نظر المؤلف. إذ أن طرحه واضح ومباشر بتأكيده على أرثوذكسية الموارنة وتحالفهم الوثيق مع الصليبيين والكرسي الرسولي، دون تقديم أي رؤية نقدية أخرى أو ذكر أي أمثلة على خلافات أو مناوشات بين الطرفين خلال الحقبة الطويلة التي امتدت لنحو قرنين من الزمان.

15.الموارنة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر90–107▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تاريخ الموارنة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهي فترة محورية تميزت بترسيخ الهوية الكاثوليكية للموارنة، وتوثيق علاقاتهم مع الكرسي الرسولي في روما، ومواجهة تحديات داخلية وخارجية. يجيب المؤلف بأن هذه الفترة شهدت تحولاً من مرحلة الاضطهاد والصراع إلى مرحلة من التنظيم الكنسي والتقارب الوثيق مع روما، خاصة من خلال تأسيس الكلية المارونية فيها.

يبدأ الفصل بتناول الحكم المحلي في بداية القرن الخامس عشر، حيث كان الزعماء الموارنة، الذين يُدعون بالسريانية "إيغموني"، يتولون الحكم في البلدات المهمة. ومن أبرزهم يعقوب بن أيوب الذي حكم بشرّي والمنطقة المجاورة لمدة اثنين وستين عاماً بتعيين من السلطان المملوكي برقوق. ثم ينتقل إلى واقعة حساسة عام 1488 حين انجرف الحاكم المحلي عبد المنعم الثاني، الذي تلقى تعليمه من كاهن يعقوبي، نحو بدعة اليعاقبة وبنى كنيسة لهم. أدى ذلك إلى صراع مع كاثوليك إهدن، انتهى بانتصار الكاثوليك وتفرق اليعاقبة، ثم تولى الحكم من بعده ابنه جمال الدين يوسف الذي كان كاثوليكياً جيداً.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سلسلة البطاركة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مفصلاً علاقاتهم مع الباباوات. يبرز دور البطريرك يوحنا العاشر الذي أرسل في عام 1439 وفداً إلى البابا أوجينيوس الرابع يعلن خضوعه لمقررات مجمع فلورنسا ويطلب الباليوم (وشاح الصلاة). يُظهر الفصل كيف أثارت عودة الوفد بموكب مهيب شكوك والي طرابلس المسلم، مما أدى إلى اعتقال المندوب مؤقتاً، ثم إلى نهب محل إقامة البطريرك وقتل عدد من الوجهاء. نتيجة لهذا، نقل البطريرك مقره إلى دير كنوبين في الوادي المقدس، تحت حماية الحاكم المسيحي في بشرّي. يُوثق الفصل مراسلات البطاركة المتعاقبين مع روما، مثل البطريرك يعقوب الثاني (الذي أكده البابا نيقولا الخامس) والبطريرك بطرس (الذي أرسل الأب غريفون إلى روما).

يُكرّس الفصل مساحة مهمة لحياة الأب غريفون البلجيكي الفرنسيسكاني وتلميذه جبرائيل بار-كلايس. يُظهر غريفون كشخصية محورية في بناء الصداقة العميقة بين الموارنة والفرنسيسكان. عمل غريفون في لبنان منذ 1450، وأرسل الشاب جبرائيل إلى جنوة ثم روما للدراسة في 1493، حيث رُسما كاهنين وعادا للعمل في لبنان. يُشيد المؤلف بجهود جبرائيل في التبشير، وكتابة الكتب التاريخية والروحية، وشعر التروبادور الذي بقي في أذهان الناس لأربعمئة سنة، معترفاً بأن بعض المؤرخين ينتقدون دقة معلوماته التاريخية لكنه يدافع عنه بأن اعتماده على التقاليد المحلية الحية كان كافياً.

يوضح الفصل التعقيدات والعناية الفائقة من الكرسي الرسولي في تأكيد انتخاب البطاركة. فعندما أرسل البطريرك سيمون مندوباً إلى روما عام 1513، لم يتمكن الأخير من الإجابة عن أسئلة الكوريا الرومانية بدقة بسبب حاجز اللغة وقلة المعلومات. أُعيد المندوب مع خطابات يطلب فيها معلومات مفصلة عن طقوس الموارنة وانتخاباتهم. بناءً على ذلك، أرسل البطريرك عام 1515 رسالة مطولة تضمنت إعلان الإيمان، وشرح طريقة الانتخاب، وطريقة تكريس الميرون، ومجموعة ستة من المراسيم البابوية السابقة (أولها من البابا إينوسنت الثالث عام 1215 وآخرها من البابا بولس الثاني عام 1464). قُرئت هذه الرسالة في المجمع اللاتراني الخامس، وهي حادثة تشير إلى بداية تعريف الغرب باللغات الشرقية.

مع وفاة البطريرك سيمون عام 1524 عن عمر يناهز مئة وعشرين عاماً، تولى البطريرك موسى الحكاري الذي حكم لمدة اثنين وأربعين عاماً وتوفي عام 1567. ثم يبدأ الفصل في الحديث عن أسرة الرُّزي، وهي أسرة بطاركة بارزة. يُظهر انتخاب البطريرك ميخائيل الرزي الأول كيف أن تهم الهرطقة اليعقوبية أخرت تأكيده البابوي، لكن التحقيقات الدقيقة التي أجراها الكاردينال كارافا أثبتت براءته. أرسل البابا غريغوريوس الثالث عشر في عام 1579 المندوبين اليسوعيين يوحنا المعمدان وتوما راديوس لفحص الكتب الطقسية للموارنة. بناءً على اقتراحهما، أسس البابا الكُلّية المارونية في روما عام 1584، وهي نقلة نوعية يعتبرها المؤلف بداية فترة مشرقة.

يخلص الفصل إلى أن هذه الكلية أنتجت رجالاً عظاماً جددوا الشرق. تحت إشراف البطريرك سرجيوس الرزي، عُقد مجمع محلي ثانٍ حضرته البعثة اليسوعية (الأب جيروم دانديني والأب أغابيوس براون) الذي ألغى بعض الممارسات لتتماشى مع الطقس الروماني: كإعطاء القربان للأطفال بعد المعمودية مباشرة، وإعطاء الكهنوت سرّ التثبيت، وتوسيع نطاق القرابة إلى الدرجة الخامسة، وإضافة عبارة "الذي صُلبت من أجلنا ارحمنا" إلى التريساجيون. يختم الفصل بذكر قرار البطريرك يوسف الرزي الأخير في الأسرة باعتماد التقويم الغريغوري الجديد عام 1606، وإصداره تسهيلات في الصوم (مثل السماح للأساقفة بأكل اللحم أياماً معينة، وللعلماء بالسمك والخمر في الصوم الكبير)، وهي التسهيلات التي لم يقرها البابا بولس الخامس. يموت البطريرك يوسف عام 1608 بعد ستة عشر عاماً من البطريركية.

من النقاط القابلة للنقاش في الفصل هو دفاع المؤلف القوي عن الأب جبرائيل بار-كلايس، إذ يعترف بوجود "بعض الأخطاء" في كتاباته التاريخية لدى المؤرخين المحدثين، لكنه يبررها بالاعتماد على تقليد شفوي حي في زمنه. كما أن إصرار الفصل على أن الكنيسة الكاثوليكية كانت دائمة الرعاية للتعليم والتنوير هو جزء من وجهة نظر المؤلف الدينية وليس حقيقة محايدة، مع أن المادة التاريخية المعروضة تثبت دور الباباوات في دعم التعليم. أخيراً، يُظهر الفصل توتراً بين الرغبة في التوحيد مع الطقس الروماني وبين الحفاظ على التقاليد المارونية القديمة (مثل قوانين الصوم والطقوس) وهو توتر عُولج في مجمع لبنان عام 1736.

23.بطاركة القرن الثامن عشر134–141▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على سلسلة بطاركة الكنيسة المارونية في القرن الثامن عشر، متتبّعاً أبرز الأحداث والشخصيات التي قادت الكنيسة في تلك الفترة، ومُسلّطاً الضوء على دورهم في تعزيز الانضباط الكنسي ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. يقدّم الفصل إجابة عن سؤال محوري هو: كيف تطوّرت القيادة البطريركية المارونية في القرن الثامن عشر، وما أبرز التحولات الإدارية والروحية التي شهدتها؟

يبدأ الفصل بذكر البطريرك غبريال بلوزاوي الذي خلف إسطفان الدويهي، وكان أسقفاً على أبرشية حلب لمدة واحد وأربعين سنة، مقيماً في دير تمش في كسروان لكنه كان يزور أبرشيته في حلب بانتظام. أسس هذا البطريرك ديراً أصبح المقرّ الأم للرهبانية المارونية. تولى البطريركية وهو مسنّ، فعاش فيها سنة ونصف فقط، وتوفي في 31 أكتوبر 1705 بشهرة القداسة. خلفه البطريرك يعقوب عواد، وانتُخب في 5 نوفمبر 1705، وأكده البابا كليمنت الحادي عشر في 1706. واجه هذا البطريرك صعوبات مع بعض الأساقفة الذين حاولوا عزله، لكن البابا أيد بقاءه في منصبه بعد دراسة القضية. عاش البطريرك يعقوب عواد حتى عام 1733 ورسم سبعة عشر أسقفاً.

ثم يتناول الفصل البطريرك يوسف ضرغام الخازن الذي توفي في 5 مايو 1742، وفي عهده انعقد المجمع اللبناني العام 1736. بعد وفاته، صعد إلى الكرسي البطريركي سيمون عواد الذي رفض في البداية الانتخاب تواضعاً، ثم انقسم الأساقفة إلى فريقين انتخب كل منهما مرشحاً، لكن البابا بندكت الرابع عشر ألغى الانتخابين وأكد انتخاب سيمون عواد الذي خضع له الطرفان. حصل البطريرك الجديد على الباليوم في 3 يوليو 1744 وعاش حتى عام 1756. خلفه الأسقف توبي الخازن الذي ظل بطريركاً حتى وفاته عام 1766، وخلفه الأسقف يوسف إسطفان.

يخصّص الفصل تفصيلاً مهمّاً لحياة البطريرك يوسف إسطفان، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز البطاركة، وُلد في بلدة غوسطا في كسروان، وهاجرت عائلته من بلدة جاج القديمة في القرن الخامس عشر. أُرسل وهو في العاشرة من عمره إلى روما ليدرس في الكلية المارونية هناك لمدة عشر سنوات، وأتقن اللغتين الإيطالية واللاتينية، وكتب العديد من التراتيل باللغة السريانية. رُسم كاهناً في سن مبكرة (الثانية والعشرين)، وكُرّس أسقفاً على بيروت في سن الخامسة والعشرين عام 1750 على يد البطريرك سيمون عواد. واجه نزاعاً مع الأسقف ميخائيل فاضل حول أحقية أبرشية بيروت، وحسمت الكرسي الرسولي القضية لصالح الأسقف يوسف إسطفان.

يصف الفصل الحدث الأبرز في عهد البطريرك يوسف إسطفان، وهو تأسيس جماعة دينية على يد راهبة تُدعى آنا حجيمة، من حلب، جاءت إلى لبنان عام 1751 بهدف إنشاء رهبنة تُعرف بـ"أخوات القلب الأقدس". شجع البطريرك هذه المبادرة بحماس، واشترى ديراً، والتفّت حول الراهبة العديد من الفتيات. لكن مع الوقت، ظهرت شكوك حول إيمانها وإخلاصها، وتطور الأمر إلى اعتقادها بأن المتناول سيتحد بالمسيح بعد المناولة بنفس الطريقة التي تتحد بها البشرية المقدسة بالألوهية، وهو خطأ هرطقي يُعتقد أنها وقعت فيه بقراءة كتب الهدوئيين في فرنسا. خُدع البطريرك بتقواها الظاهرية وحصل على دعم من مندوب رسولي زار لبنان عام 1776 وأشاد بديرها. لكن بعد تدقيق الكرسي الرسولي، حُلّت الجماعة عام 1778. ونتيجة لذلك، تلقّى البطريرك نصيبه من التوبيخ لعدم تدخله في الوقت المناسب، وعُلّق عن ممارسة وظائفه لبضع سنوات، ثم أُعيد إلى كرسيه عام 1784. أبدت الأخت آنا علامات توبة صادقة وتوفيت عام 1802.

يختتم الفصل بعمل بارز للبطريرك يوسف إسطفان، وهو تحويل دير عين ورقة الشهير، الذي كان مملوكاً لعائلته، إلى كلية بطريركية إكليريكية للأمة جمعاء عام 1789، وهو العام نفسه الذي اندلعت فيه الثورة الفرنسية. يصف الكاتب هذا التحول بأنه عناية إلهية خاصة، ذلك أنه بعد سنوات قليلة، غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون روما ودمر الكلية المارونية هناك. ساهمت كلية عين ورقة بشكل كبير في النهضة الكنسية والأدبية المارونية، وأصبحت مركزاً تعليمياً أنتج العديد من الشخصيات البارزة. تُوفي البطريرك يوسف إسطفان عام 1793، تاركاً إرثاً من الكتابات باللغتين السريانية والعربية، ومن ضمنها صلاة التساعية على شرف القربان المقدس قبل عيد الميلاد.

يورد الفصل بعض التحفظات، مثل الصعوبات التي واجهها البطاركة في تطبيق بعض الانضباطات بسبب الاضطهادات، كما في حالة البطريرك يعقوب عواد الذي واجه تمرداً من الأساقفة. كما يشير الفصل إلى التحدي الكبير الذي مثّله حادث الراهبة آنا حجيمة، وكيف أن سلطة البطريرك نفسه لم تكن محصنة من الخطأ، إذ خُدع بظاهر القداسة. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، التركيز القوي على إنجازات البطاركة كأفراد، خاصة البطريرك يوسف إسطفان، حيث يبدو أن المؤلف يمنحه مساحة تمجيدية واسعة. كما أن تفسير تحويل دير عين ورقة إلى كلية بأنه "عناية إلهية" مرتبطة بالثورة الفرنسية هو حكم قيمي يفتقر إلى الدليل الموضوعي المباشر ضمن النص، وقد يبدو وكأنه يهدف إلى تأكيد دور العناية الإلهية في حماية الكنيسة المارونية رغم المحن.

24.النصف الأول من القرن التاسع عشر—الأمير بشير142–159▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة حكم الأمير بشير الشهابي في لبنان خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويقدّم سرداً تاريخياً مفصّلاً لمسيرته السياسية الطويلة والمضطربة، مسلّطاً الضوء على علاقاته المتقلّبة مع الحكام العثمانيين والمصريين، وصولاً إلى سقوطه ونفيه. يهدف المؤلف من وراء ذلك إلى تقديم شخصية الأمير بشير كحاكم طموح ومثير للجدل، جمع بين الرغبة في تحرير لبنان من السيطرة العثمانية وبetween استخدامه لأساليب قاسية أحياناً لتحقيق أهدافه.

يبدأ الفصل بالحديث عن أصول عائلة الشهابي، التي تنحدر من نسل النبي محمد كما يدّعي المؤلف، وقد استُقدمت إلى جنوب لبنان بعد مغادرة الصليبيين. يخبرنا الكاتب أن الأمير قاسم، والد الأمير بشير، اعتنق المسيحية عام 1768 بجهود البطريرك يوسف اسطفان، وذلك بعد سبع سنوات من ولادة ابنه بشير عام 1761. نشأ الأمير بشير على المسيحية وظلّ وفياً لها طوال حياته. يوضح الفصل أن شغف الأمير بشير الأكبر كان الحكم، وأنه لم يكن يتورّع عن استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق هذا الهدف، خاصة في علاقته مع الوالي العثماني القاسي أحمد باشا الجزار.

يصف الفصل بالتفصيل صراع الأمير بشير على السلطة، بدءاً من منافسته لعمه الأمير يوسف عندما كان في السابعة والعشرين من عمره. يذكر المؤلف أن الأمير بشير حصل أولاً على ولاية الحكم بتدبير من الجزار، ثم طارد عمه في أنحاء لبنان، لكن الجزار عزلّه لاحقاً وأعاد عمه بسبب قدرته على جمع ضرائب أكبر. استمرّت هذه التقلّبات سنوات، وكان دافعو الضرائب هم الضحايا. في عام 1798، حاصر نابليون بونابرت مدينة عكا، وكان الأمير بشير والياً على لبنان حينها، لكنه لم يجرؤ على الرد على رسائل نابليون خوفاً من جواسيس الجزار. بعد فشل الحصار، أعاد الجزار تعيين أبناء عمّ الأمير بشير وأبعده، لكنه عاد عام 1800 ليتولى الحكم بعد مفاوضات، مع إعطاء أبناء عمه منطقتي جبيل والبترون.

يصل الفصل إلى نقطة مظلمة في حياة الأمير بشير، حيث يصف كيف أمر باغتيال مستشارَي أبناء عمه، الأخوين جورج باس وعبد الأحد، في 15 مايو 1807، ويصف المؤلف هذه الجريمة بأنها وصمة عار في تاريخ حكمه. بعد ذلك، تخلص الأمير بشير أيضاً من أبناء عمه الثلاثة بإبعادهم وسمل أعينهم. ثم حكم بسلام لسنوات، وكان يتسلم ولايته سنوياً من سليمان باشا خلفاً للجزار، في حفل شكلي. بعد وفاة سليمان باشا عام 1819، طلب خلفه عبد الله باشا من الأمير بشير مليون قرش، وعندما رفض الأمير، عُيِّن حكّام منافسون، لكنهم فشلوا وأُعيد الأمير بشير لاحقاً والياً مدى الحياة.

يشرح الفصل كيف نشبت حرب بين عبد الله باشا ودرويش باشا والي دمشق، وانحاز الأمير بشير إلى عبد الله باشا رغم كونه على خطأ، وهزما والي دمشق. لكن السلطان العثماني تدخل وعيَّن درويش باشا والياً على عكا. هنا، قرر الأمير بشير الذهاب إلى مصر عام 1822 طلباً لحماية محمد علي باشا، الذي كان يخطط لإنشاء إمبراطورية في مصر وسوريا. أمضى الأمير بشير فترة في مصر، وأقنع محمد علي باشا بالكتابة إلى إسطنبول لإعادة تعيين عبد الله باشا، وذلك لتأمين دعمهما في غزو سوريا. عاد الأمير بشير إلى لبنان، وواجه تحالفاً بقيادة الشيخ بشير جنبلاط، زعيم الدروز، وهزمهم في معركة المختارة عام 1825 بدعم من والي دمشق، وتم إعدام القادة المتمردين.

يصف الفصل بعد ذلك غزو محمد علي باشا لسوريا عام 1831 بقيادة ابنه إبراهيم باشا. انضم الأمير بشير إلى إبراهيم باشا ووقف إلى جانبه. يذكر المؤلف أن الجيش المصري انتصر على الجيوش العثمانية، وأسر القائد العثماني رشيد باشا في معركة قونية في 12 ديسمبر 1832، وكاد أن يصل إلى بورصة. لكن التدخل الأوروبي (إنجلترا، روسيا، النمسا-المجر، بروسيا) حال دون دخول المصريين إسطنبول، ووقّعت هذه الدول معاهدة مع تركيا في 15 يونيو 1840 لعرقلة فتوحات محمد علي. شجّعت هذه الدول السوريين واللبنانيين على التمرد، مما أدى إلى حرب عصابات أخرجت إبراهيم باشا بحلول 1 أكتوبر 1840.

يختتم الجزء المتعلق بالأمير بشير بذكر أن الندم أعقب التمرد، حيث عانى اللبنانيون من عودة الحكم العثماني الفاسد، مما مهّد لمجازر 1860-1861. سلم الأمير بشير نفسه للسلطات العثمانية، وسمح له القائد العثماني عزت باشا باختيار مكان إقامته باستثناء فرنسا وسوريا ومصر. اختار جزيرة مالطة، ثم انتقل إلى إسطنبول حيث توفي مسيحياً عام 1850 عن عمر يناهز التسعين عاماً. يصفه المؤلف بأنه كان رجلاً عظيماً في جوانب كثيرة، طموحه تحرير لبنان، محب للثقافة، وحريص على اختيار معترف له يتمتع بالنزاهة.

بعد سرد حياة الأمير بشير، ينتقل الفصل إلى الحديث عن إكليريكية عين ورقة، التي حوّلها البطريرك يوسف اسطفان إلى مدرسة دينية وطنية. يذكر المؤلف أن الفضل في تأسيسها يعود أيضاً إلى النبيل قندور سعد الخوري، قنصل فرنسا في بيروت، والمطران يوسف اسطفان ابن أخ البطريرك، الذي أصبح أول مدير لها ورفع مستوى الدراسات والانضباط. يصف الفصل المنهج الدراسي الذي وضعه البطريرك يوسف، والذي شمل النحو العربي والسرياني، والبلاغة، والفلسفة، واللاهوت، والكتاب المقدس، وأضاف إليه البطريرك يوسف تيان لاحقاً اللغتين الإيطالية واللاتينية. يوضح الفصل أن هذه الإكليريكية أنتجت عدداً كبيراً من الرجال البارزين، منهم خمسة بطاركة وتسعة عشر مطراناً وأسقفاً، بالإضافة إلى محامين وشعراء وأطباء وعلماء رياضيات، وأنها كانت مركزاً للثقافة العربية الأدبية، وسبقت مدارس بيروت الكبرى بثلاثة أرباع القرن.

يقدّم الفصل بعد ذلك سلسلة من البطاركة الذين توالوا على الكرسي الماروني في تلك الفترة. يبدأ بـالمطران ميخائيل فاضل الذي انتُخب في 10 سبتمبر 1793 وتوفي بعد عامين، ثم البطريرك فيلبس جميل الذي انتُخب عام 1795 وتوفي بعد عشرة أشهر، ثم البطريرك يوسف تيان المولود في بيروت والمتعلم في روما، والذي حكم الكنيسة لمدة ثلاثة عشر عاماً ثم استقال وتوفي عام 1822. بعده البطريرك يوحنا هلو الذي انتُخب عام 1809 وتوفي عام 1823، ثم البطريرك يوحنا الحبيش، أول بطريرك من إكليريكية عين ورقة، والذي شهد الحرب الأهلية بين الموارنة والدروز في عامي 1841 و1845، وتوفي حسيراً عام 1845 بسبب فشله في منع النزاع. وخلفه البطريرك يوسف قازن عام 1845 لمدة تسع سنوات، وتوفي 3 أكتوبر 1854.

يعود الفصل بعدها إلى الأحداث السياسية بين عامي 1840 و1854. يذكر أنه بعد نفي الأمير بشير، عيّن عزت باشا حاكماً آخر يُدعى الأمير بشير آخر، لكنه لم يكن كفؤاً، مما أدى إلى حرب أهلية بين المسيحيين والدروز. يصف الفصل تآمر السلطات التركية سراً لتأجيج النزاع بهدف تعيين حاكم أجنبي. عُيّن عمر باشا (نمساوي الأصل) لكنه لم يُرضِ أحداً. ثم عُيّن أسعد باشا والياً على صيدون، فعيّن حاكمين: مسيحياً ودروزياً. لكن ذلك لم يمنع اندلاع حرب أهلية أخرى عام 1841، وكان الدروز هم البادئون فيها. يوضح الفصل دوافع الطرفين: رفض المسيحيين التخلي عن حقهم في حاكم وطني، بينما خشي الأتراك من استقلال حاكم لبناني آخر كالأمير بشير. بعد حرب 1845، عُيّن حاكمان: الأمير أحمد أرسلان درزياً، والأمير حيدر إسماعيل مسيحياً، وتوفي هذا الأخير عام 1854.

يختتم الفصل بالحديث عن البطريرك بولس مسعد، المولود عام 1806 في حشكوت في كسروان. دَرَس في إكليريكية عين ورقة، ثم أُرسل إلى روما لدراسة الفلسفة واللاهوت، ورُسِم كاهناً عام 1830. عيَّنه البطريرك الحبيش سكرتيراً له، ثم كرّسه مطراناً فخرياً عام 1841. بعد وفاة البطريرك الحبيش، نصح المطران مسعد بانتخاب البطريرك يوسف قازن بدلاً منه لاعتبارات عائلية. ثم انتُخب هو نفسه بطريركاً في 12 نوفمبر 1854، وحصل على الباليوم من البابا بيوس التاسع في 23 مارس 1855. يصف الفصل البطريرك مسعد بأنه لاهوتي ومؤرخ بارز، تابع خطى البطريرك اسطفان الدويهي في تدوين تاريخ الأمة، وبقي بطريركاً لمدة ست وثلاثين عاماً حتى وفاته عام 1890. من أهم أعماله، بحسب الفصل، اختيار الرجال الموهوبين ودعمهم، مع احترامه للعائلات القديمة. في سنواته الأولى (1857-1859) ثار أهل كسروان على عائلة القازن الإقطاعية، وسعى البطريرك لتخفيف الضرر عنهم. ثم اندلعت الحرب الأهلية عام 1860 بين المسيحيين والدروز بتدبير تركي، وأدت إلى مجازر في دمشق وحاصبيا وراشيا ودير القمر. أرسل نابليون الثالث ستة آلاف جندي، بينما أرسل السلطان فؤاد باشا وزير خارجيته. واتُّفق على تعيين حاكم مسيحي للبنان ووضع دستور من سبعة عشر مادة، وهو ما يعتبره الفصل الخطوة الأولى نحو التحرر من الحكم التركي. ويذكر أن من كتب البطريرك مسعد المهمة كتاب "الدر المنظوم"، الذي ينفي فيه أن الكنائس الشرقية (القبطية، السريانية، النسطورية، الملكية، الأرمنية، المارونية) يجب أن تُدرج تحت اسم "الكنيسة اليونانية"، ويثبت أن لكل منها تاريخها ولغتها الخاصة.

25.مدرسة عين ورقة160–181▼ ملخص

يتناول هذا الفصل النهضة الأدبية العربية في القرن التاسع عشر بين الموارنة، مظهراً كيف تطورت من هيمنة الإكليروس والإنتاج الديني إلى حركة أوسع شملت إنتاجاً أدبياً بحتاً، مع بقاء الإلهام الكاثوليكي مهيمناً على هذه النهضة. يوضح المؤلف أن هذه النهضة الكاثوليكية تزامنت مع حركة أخرى مغذية وشجعت من قبل البروتستانت، ويقدم الفصل سيراً لأبرز ممثلي الحركتين وأعمالهم.

يبدأ الفصل بتفصيل سيرة بطرس البستاني، المولود في ديبية (قضاء الكورة، جنوب لبنان) عام 1819، والذي درس في مدرسة عين ورقة، حيث أتقن العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية والرياضيات. أراد البطريرك حبيش إرساله إلى روما لكن والدته الأرملة اعترضت. عمل البستاني أستاذاً في المدرسة حتى عام 1840، حيث انجذب إلى المبشرين الأميركيين الذين رافقوا الحملة الإنكليزية إلى سوريا ولبنان. ترك البستاني الإيمان الكاثوليكي متأثراً بخيبة أمل طموحه، وعمل لدى الدكتور فان دايك (قس مشيخي من نيويورك) معلماً للعربية والرياضيات في مدرسة بحبش (قضاء الشوف) لمدة عامين، ثم مترجماً في القنصلية الأميركية حيث تعلم العبرية واليونانية، وساعد الدكتور سميث في ترجمة الكتاب المقدس للعربية، وأكملها مع الدكتور فان دايك بعد وفاة سميث. ألف البستاني معجماً عربياً مشهوراً، وأصدر جريدة "نفير سوريا" عام 1860، وافتتح "المدرسة الوطنية" عام 1863 التي تخرج فيها أدباء كبار مثل سليمان البستاني وعبد الله البستاني والشيخ إبراهيم اليازجي، فيما علم فيها الشيخ ناصيف اليازجي النحو والأدب. بدأ بطرس البستاني أيضاً موسوعته العربية وأكمل ستة مجلدات منها مع ابنه سليم، الذي أكمل السابع والثامن بعده، وتابع إخوته المجلدات من التاسع للثاني عشر. يعرب المؤلف عن أسفه لمرارة البستاني تجاه دينه السابق، ويذكر أنه كان ينوي العودة إليه قبل موته المفاجئ، بينما عاد أبناؤه إلى الكاثوليكية.

ينتقل الفصل إلى فارس الشدياق، المولود عام 1804 والذي تلقى تدريباً غير مكتمل في عين ورقة. سافر إلى مصر لدراسة الأدب العربي ودخل الصحافة، ثم ذهب إلى مالطة حيث أقام مع المبشرين الأميركيين أربعة عشر عاماً كمعلم وكاتب. في عام 1848، أرسلته جمعية الكتاب المقدس في لندن إلى لندن ليساعد في ترجمة الكتاب المقدس للعربية، وأنجز نسخة تعد من الأفضل أدبياً. تأثر فارس بالأفكار البروتستانتية وكتب كتابه الشهير "الفارياق" للدفاع عن عقيدته الجديدة، والذي يشبهه المؤلف بـ**"Pantagruel"** لـرابليه في سخريته غير اللائقة، دون قيمة أدبية تذكر. لاحقاً، نصحه صديقه الكونت رشيد الدحداح بكتابة كتاب آخر لاستعادة سمعته، فكتب "أوروبا، سكانها وعاداتها الاجتماعية"، واصفاً أوروبا بأسلوب مختلف. تنقل فارس في أوروبا، وتعرف على باي تونس، وأهداه قصيدة، ثم اعتنق الإسلام، واستدعاه السلطان إلى القسطنطينية حيث أصدر جريدته المؤثرة "الجوائب" من 1861 إلى 1884. توفي في القسطنطينية عام 1887 وهو يرغب بالعودة إلى لبنان. يصفه المؤلف بأنه كان عاملاً دؤوباً وصحفياً رائداً، لكنه يأسف لعدم استقرار شخصيته وتخليه عن إيمانه الكاثوليكي.

يقدم الفصل بعد ذلك سيرة الكونت رشيد الدحداح، المولود في أرامون (كسروان) عام 1813، والذي تعلم على يد الشماس نهرا مراد (لاحقاً المطران نقولا مراد) ثم في عين ورقة والكلية الأرمنية في بزمار حيث تعلم التركية. عمل سكرتيراً للأمير بشير الشهابي لمدة سنتين، ثم انتقل إلى مرسيليا بدعوة من قريبه الشيخ مرده الدحداح، وتزوج ابنته وأصبح شريكه في التجارة. تفرغ للأدب في فرنسا، ونشر عدة كتب وقصائد، وكان شاعراً أنيقاً في العربية. منحه البابا بيوس العاشر لقب كونت روماني وراثياً. يصفه المؤلف بأنه كان كاثوليكياً تقياً، وتوفي في فرنسا عام 1889.

يواصل الفصل سرد أسماء لامعة في العالم الأدبي والديني، فيذكر المطران يوسف دبس، مطران بيروت، المولود عام 1833 في كفرزينا (شمال لبنان) والمتوفى عام 1908. نشأ فقيراً، فعمل نادلاً في عين ورقة ليدرس، ثم اضطر للانقطاع بسبب مرض في عينيه، وأكمل دراسته عند الخوري يوسف العسمناني كاهن الموارنة في طرابلس. برع في الفلسفة واللاهوت والقانون الكنسي، وكان مولعاً بالتاريخ. لاحظه البطريرك بولس مسعد وأرسله لتدريس الفلسفة واللاهوت في إكليريكية مار يوحنا مارون، حيث ترجم دورس الفلسفة لـلويس دمفسكي اليسوعي واللاهوت لـيوحنا بيرون اليسوعي وطبعها لاحقاً في مطبعته ببيروت. رسمه البطريرك كاهناً وجعله سكرتيراً خاصاً له لمدة اثنتي عشرة سنة، وكتب خلالها العديد من الكتب. في عام 1872، سيم مطراناً على بيروت. تميز بحبه للدراسة والعمل، وألقى سلسلة من العظات الأخلاقية والعقائدية خلال الصوم، نُشرت في أربعة مجلدات. يُعد المطران دبس مؤرخاً بارزاً، كتب "تاريخ سورية" في ثمانية مجلدات، عمل ضخم يتسم بالأسلوب المهيب والتفاصيل الكثيرة، وإن افتقر أحياناً لوحدة السرد بسبب تكديس الأحداث، مع تحفظ المؤلف على رقّة استنتاجاته، خاصة في فترة الحكم الإسلامي، لعله بسبب رقابة عبد الحميد. يصفه المؤلف بأنه عملاق عصري، بنى كاتدرائية مار جرجس في بيروت وكلية "الحكمة" التي تعد من أفضل الكليات والمعاهد. تاركاً حوالي خمسين عملاً.

يذكر الفصل أيضاً المطران جرمانوس شمعلي، المولود في سحيلة (كسروان)، والذي تربى في دير مار عبدا (الذي أصبح إكليريكية بطريركية). رسم كاهناً وانضم لجماعة الكريميين التي أسسها الخوري يوحنا حبيب، واشتهر بمواعظه العذبة والمقنعة، خاصة في صوم كاتدرائية مار جرجس ببيروت، حيث كان الآلاف يتوافدون للاستماع إليه. سافر إلى مصر وحلب، وسيم مطراناً على حلب، وتوفي في صربا عام 1895 إثر جلطة. يأسف المؤلف لعدم تدوينه مواعظه، فلم يبق منها سوى مجلد صغير، ويصفه بأنه شاعر ممتاز. يتطرق الفصل إلى شخصيات أخرى: المطران يوسف نجم، تلميذ مار عبدا ومترجم أعمال المجمع اللبناني؛ والمطران يوحنا حبيب، مؤسس جمعية الكريميين ومترجم اللاهوت الأخلاقي لـغوري؛ والمطران بولس عواد، مترجم "الخلاصة اللاهوتية" للقديس توما الأكويني؛ والمطران يوسف دريان، مطران طرسوس والنائب البطريركي، المولود في حشكوت، والذي درس في البروباغندا وجامعة القديس يوسف، وكان كاتباً بارزاً بالعربية ومرجعاً بالسريانية، ألف "زبدة البراهين" في تاريخ الموارنة من القرن الخامس إلى الثالث عشر، وكان شاعراً نظم أناشيد دينية، توفي في مصر بعد الحرب العالمية الأولى؛ والمطران بيار شلبي، مطران بيروت، المولود في دوفون (الشوف)، المختص بالتاريخ الشرقي القديم في سان سولبيس بفرنسا، وصديق الأب لاغرانج وماسبيرو، توفي منفياً ضحية الاضطهاد التركي، تاركاً أعمالاً بالعربية والفرنسية.

يختتم الفصل بمناقشة الشعر الدرامي والملحمي في الأدب العربي الحديث. يوضح المؤلف أن المسرح كان شبه مجهول في النهضة العربية الأولى تحت حكم هارون الرشيد والمأمون، على عكس سوريا وأنطاكية التي اشتهرت بمسارحها، ويفسر ذلك بصرامة القرآن تجاه التمثيل. كان أول من كتب مسرحيات بالعربية هو الشاعر الماروني مارون نقاش من بيروت، الذي كتب كوميديا قصيرة ("نصور السكير" ) عام 1855، ثم انتقل إلى مصر وواصل الكتابة بأسلوب شعبي. تبعه شعراء مثل أديب إسحاق الذي ترجم مسرحيات راسين (مثل أندروماك وإيفيجيني وآتالي)، ونجيب حداد الذي ترجم شكسبير وكتب مسرحية "صلاح الدين" ، وتوفيا شابين. في الشعر الملحمي، يبرز سليمان البستاني (تلميذ المدرسة الوطنية لابن عمه بطرس)، الذي ترجم الإلياذة لهوميروس شعراً ومهدها بمقدمة ضخمة تقارن بين شعر اليونان القديم والجزيرة العربية والتوراة، ويتقن عشر لغات، وتوفي في نيويورك كاثوليكياً تقياً. أما الشيخ عبد الله البستاني، فكان شاعراً فطرياً لم يتقن غير العربية، وترك معجماً ضخماً ومعيارياً إلى جانب مسرحياته، وتوفي عن ثمانين عاماً، ويذكره المؤلف بامتنان كأستاذ تتلمذ على يده.

في نهاية الفصل، يبدو المؤلف مخلصاً لتوجهه الديني والوطني، معبراً عن أسفه الشديد لارتداد بطرس البستاني وفارس الشدياق عن الكاثوليكية، ومادحاً التزام الشخصيات الأخرى بإيمانهم. هذه النزعة الذاتية الواضحة تجعل السرد التاريخي أقرب إلى تأريخ كنسي متحيز منه إلى تحليل موضوعي، رغم غناه بالمعلومات عن الشخصيات وأعمالها. الإطار الزمني للفصل يظل فضفاضاً، حيث يخلط بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين دون تحديد دقيق للفترات الزمنية لكل شخصية.

32.العلاقات مع الكرسي الرسولي201–211▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوع العلاقة التاريخية بين الموارنة والكرسي الرسولي في روما، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن هذه العلاقة كانت وثيقة ومستمرة قائمة على الولاء والإيمان القويم منذ أقدم العصور، مستشهداً بوثائق بابوية متعاقبة تثبت ذلك. يبدأ الفصل بتذكير بطلب رهبان مار مارون من البابا هورميسداس في عام 536 م، ثم ينتقل إلى أول وثيقة مكتوبة موجهة إلى البطريرك الماروني إرميا الدمشقي، وهي رسالة من البابا إينوسنت الثالث عام 1215 م. في هذه الرسالة، التي تعتبر أول اعتراف رسمي بالكنيسة المارونية في العصور الوسطى، يطلب البابا تصحيح بعض الممارسات كطريقة المعمودية والاعتراف، وهو ما يعتبره المؤلف تصحيحاً لانحرافات محتملة لا دليلاً على هرطقة، مشيراً إلى أن هذه الممارسات كانت سارية في مجمع لاتران الرابع. يختم البابا رسالته بتجديد الامتيازات البطريركية في كنيسة أنطاكية.

بعد هذه المرحلة، يورد الفصل رسالة البابا ألكسندر الرابع إلى البطريرك سيمون الحدثي عام 1256 م، والتي يشيد فيها بإيمان الموارنة ويثني عليهم لاستضافتهم الصليبيين الفارين إلى لبنان. ثم تتبع فترة انقطاع دامت قرابة مئتي عام بسبب حكم المماليك الذين منعوا التواصل مع الغرب، لتعود المراسلات مع البابا أوجينيوس الرابع الذي كتب إلى البطريرك يوحنا الجاجي عام 1439 م، مشيداً بإيمان الموارنة وشجاعتهم رغم اضطهاد أعدائهم. ويستمر الفصل في سرد سلسلة من الرسائل البابوية المتوالية التي تحمل كلها مديحاً وثناءً: البابا نيكولاس الخامس عام 1447 م، والبابا كاليستوس الثالث عام 1455 م، والبابا بولس الثاني عام 1464 م، وجميعها محفوظة في أرشيف البطاركة.

يكثف الفصل بعد ذلك وتيرة الأمثلة ليؤكد على استمرار هذه العلاقة المتميزة وازدهارها. فيذكر رسالة البابا ليو العاشر إلى البطريرك سيمون الحدثي عام 1515 م، والتي يصف فيها الموارنة بأنهم كالورود بين الأشواك، ويتبعها رسالة مماثلة من البابا أوربان السادس. ثم تأتي رسالة البابا بيوس الرابع عام 1562 م إلى البطريرك موسى، والتي يهنئه فيها ويشكر الله على آلاف الموارنة الذين لم يحنوا ركبهم لبعل رغم نير الكفار وضغط الانشقاق. وتستمر سلسلة المديح برسائل البابا كليمنت السابع عام 1596 م، والبابا بولس الخامس عام 1606 م، والبابا أوربان الثامن عام 1625 م، وأخيراً البابا كليمنت الحادي عشر عام 1702 م الذي يصف إيمان الموارنة بأنه يزداد إشراقاً كلما أحاطت به ظلمات البدع.

يذكر المؤلف بفخر أن البطريرك اسطفان الدويهي كان قد جمع كل هذه الرسائل البابوية إلى عصره (1704) في مجلد يضم 770 صفحة، مما يدل على العناية الفائقة بهذه الوثائق. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه المراسلات استمرت بسهولة أكبر في العصور اللاحقة. في نهاية الفصل، يوجه المؤلف صلاة إلى الله ليحفظ في قلوب الجيل الشاب هبة الإيمان التي ضحى من أجلها أجدادهم، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي هو إيمان فعال يعيش بالمحبة، لا مجرد الانتساب إلى عائلة كاثوليكية. ويعبر عن نيته في كتابة جزء ثانٍ يتناول التاريخ المعاصر إذا منحه الله الحياة. لا يورد الفصل أي تحفظات أو أسئلة مفتوحة حول طبيعة هذه العلاقة، بل يقدم صورة متناغمة تماماً من الولاء المتبادل والثناء المستمر.