المورد
_OceanofPDF.com_The_Ottomans_in_Syria_-_Dick_Douwes

_OceanofPDF.com_The_Ottomans_in_Syria_-_Dick_Douwes

en

يطرح كتاب “العثمانيون في سوريا” سؤالاً محورياً عن طبيعة الحكم في ولايات سوريا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن الدولة العثمانية واجهت معضلة أساسية في تفويض السلطة مع محدودية الموارد المتاحة. يدافع المؤلف عن فكرة أن الدولة ما قبل الصناعية اعتمدت على الإكراه كأداة سياسية ضرورية لفرض المطالب المادية على السكان، ليس بالضرورة لأنه ظالم بذاته، بل لأنه كان وسيلة للتعويض عن فشل وسائل الإقناع والإغراء الأخرى. هذا الإكراه، حسب المؤلف، لم يكن متناقضاً مع الشرعية بل كان مكملاً لها، طالما بقي حكراً على الدولة.

تسير حجة الكتاب عبر فصوله بتسلسل منطقي يبدأ بفهم الإطار النظري للحكم العثماني، مبنياً على مفهومي ”دائرة العدل“ و**”الحدود“**. تنص دائرة العدل على أن ازدهار الرعية، خاصة الفلاحين، هو أساس بقاء الدولة لأنهم ينتجون الثروة التي تمكن السلطان من دعم الجيش والبيروقراطية. أما مبدأ الحدود فيؤكد الفصل الأساسي بين طبقة العسكر (التي لا تدفع ضرائب) وطبقة الرعايا، ويعكس النهج المحافظ لحماية مصادر الإنتاج. في هذا السياق، يعني مفهوم العدل حماية الرعايا من تعسف السلطة المفوضة، ليس فقط لضمان استمرارهم في الإنتاج، بل للحفاظ على حق السلطان المطلق في الإيرادات.

ينتقل الكتاب بعد ذلك لوصف الواقع المعقد للمجتمع السوري، مركزاً على منطقة حماة كحالة دراسية نموذجية. يصف الفصل الثاني جغرافياً بلاد الشام الداخلية، ويسلط الضوء على العلاقة الجدلية بين السكان المستقرين والبدو الرحّل، وكيف أن الحدود بينهما لم تكن حادة بل كانت منطقة تبادل وصراع ديناميكي. يشرح تفاصيل التحولات القبلية الكبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث بدأت قبائل من شمال الجزيرة العربية مثل عَنَزة وشَمّر بتوسيع نطاق رحلاتها شمالاً، مما أدى إلى تقويض قوة المَوالي الذين كانوا حلفاء العثمانيين، وتسبب في تنافس عنيف على المراعي والمياه. يصف الكتاب حادثة الجفاف الكبير عام 1136هـ الذي تلاه برد قارس، مما أجبر قبائل عَنَزة على النزوح الجماعي نحو الشمال، فاجئاً السكان المستقرين بظهور آلاف الفرسان فجأة في سنوات الكوارث.

يواصل الكتاب تتبع صعود البيوتات المحلية القوية، وفي مقدمتها عائلة ”آل العظم“ التي أصبحت أداة لتنفيذ سياسات الدولة في إعادة الأمن والاستقرار. يصف الكتاب كيف بدأ إسماعيل آغا آل العظم كضابط محلي صغير في معرة النعمان، ثم أصبح والياً على دمشق عام 1725، وجعل من إدارة قافلة الحج محور سياسته، مما أكسبه ثروة ومكانة. في المقابل، يبرز صعود أحمد باشا الجزار الذي جعل من عكا معقلاً منيعاً بدءاً من 1773 واشتهر بسياساته القاسية. يصف الكتاب الصراع بين فصيل الداخل بقيادة آل عظم وفصيل الساحل بقيادة الجزار، وكيف أن الدولة العثمانية لعبت على التنافس بينهما لاحتواء نفوذهما، مع بقاء السلطة المركزية مترددة في دعم الحكم الوراثي لأي منهما.

يقدم الكتاب تفاصيل لافتة عن إدارة العنف. يصف كيف أن الحكام المحليين وظفوا مجموعة متنوعة من القوات العسكرية، تتراوح بين المرتزقة الأجانب والبدو الرحّل، وكانت هذه القوات غير مجهزة لمواجهة جيوش نظامية، لكنها كانت فعالة في جمع الضرائب والحفاظ على النظام الداخلي. يخصص الكتاب حيزاً مفصلاً لسيرة ملا إسماعيل، القائد الكردي لقوات الدلة الذي بنى ثروته في حماة واتخذ من قلعة المضيق معقلاً له، قبل أن يُعدم في مقابلة مع سليم بك العظم في سراي حماة بعد هجوم قبائل عنزة على قطعان الماشية في حماة عام 1815.

يتناول الكتاب النظام المالي المعقد في منطقة حماة، مصنفاً الإيرادات إلى أربعة أنواع رئيسية: الأموال الميرية والتكالیف العرفية، والخارجة (ضرائب استثنائية للحروب)، والعوائد (رسوم أصحاب المناصب)، والجزية. يقدم الكتاب أرقاماً دقيقة عن توزيع العبء الضريبي لعام 1831-1832م، مبيناً أن حوالي 85% من الضرائب النقدية كانت تدفع من قبل الريف، بينما يتحمل سكان المدينة حوالي 10% فقط. كما يورد تفاصيل عن تكاليف المجهود الحربي، حيث بلغت قيمة المؤن التي طُلبت من حماة عام 1799 حوالي 253,394 قرشاً، لم يغط الخزينة سوى جزء صغير منها.

يخصص الكتاب فصلاً كاملاً لتحليل ”منطق الظلم“ في النظام العثماني. يجادل المؤلف بأن الإجراءات الجائرة لم تكن مجرد فساد فردي، بل نتيجة حتمية لمنطق النظام الإداري والمالي الذي دفع المسؤولين إلى استنزاف الموارد لتعويض نقص التمويل الرسمي. يستشهد بتقديرات رسل بأن إيرادات حاكم حلب المنتظمة كانت تكفي فقط لتغطية ثلثي نفقاته السنوية. هذه الفجوة أجبرت المسؤولين على اللجوء إلى وسائل غير قانونية لتغطية العجز. يذكر الكتاب أن ممتلكات أسعد باشا العظم التي صودرت بعد إعدامه شملت 78 نولاً و2 فندقاً و236 محلاً و42 بستان خضار و3 حمامات و7 مزارع و20 بيتاً و2 طاحونة و4 مقاهٍ.

يتناول الفصل الأخير الحكم المصري لسوريا (1831-1841) كختام للدراسة. يرى المؤلف أن هذا الحكم لم يكن قطيعة جذرية مع التقاليد العثمانية، بل كان استمراراً لها مع اختلاف جوهري في القدرات. امتلكت الدولة المصرية بقيادة محمد علي باشا قدرة أعلى على التعبئة والفرض، مما جعل تطبيقها للسياسات أكثر صرامة ونظامية. النتائج الرئيسية لهذا الغزو كانت: زوال عكا كمركز سياسي واقتصادي لصالح دمشق، وإدراج سوريا على أجندة القوى الأوروبية خاصة بريطانيا، وإعادة توحيد سوريا تحت إدارة مركزية واحدة لأول مرة منذ عقود.

يصف الكتاب سياسات الحكم المصري: إنهاء الاستقلال الذاتي للقوات المحلية، فرض سيطرة مالية مشددة، ونزع السلاح العام والتجنيد الإجباري الذي اعتُبر خرقاً للتقاليد. في منطقة حماه، ارتفع إجمالي الإيرادات من حوالي 1.5 مليون قرش في 1831/1832 إلى أكثر من 4.5 مليون قرش في 1840. نجح المصريون في توسيع الرقعة المزروعة بنسبة 60% في منطقة حماه من خلال تقديم الحوافز والإقراض والإسكان القسري للبدو. لكن الكتاب يقرّ بأن هذا التوسع كان هشاً، إذ هجر معظم المستوطنين الجدد قراهم فور تخفيف الضغط العسكري المصري.

يقرّ المؤلف بعدة حدود وتحفظات. أهمها صعوبة الثقة المطلقة في المصادر الرسمية بشأن حجم الظلم المبلغ عنه، لأن المصطلحات الدينية كـ ”بدعة“ و”خارجي“ كانت تستخدم على نطاق واسع لوصف جرائم قد تتراوح بين الثورة العلنية وأخذ رشوة صغيرة. كما يعترف بصعوبة تحديد الأسباب الدقيقة للتحولات القبلية الكبرى، ويقرّ بأن غياب البيانات السكانية الموثوقة يجعل من الصعب حساب العبء الضريبي الحقيقي بدقة. يطرح الكتاب أيضاً سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان صعود عائلة العظم يمثل ”محلية“ متزايدة أم كانوا مجرد أدوات للسياسة العثمانية المركزية، مؤيداً الرأي الأخير.

الحجة القابلة للنقاش الأبرز في الكتاب هي تفسير ”فشل“ الحكم المصري. المؤلف يقرّ بكفاءته وإنتاجيته، لكنه يعلِّل عدم قبوله بنقص الشرعية الدينية فقط، مما يفتح الباب للتساؤل: هل كان السبب الحقيقي هو القمع العسكري الشامل والتجنيد الإجباري، وهل كان رفض السكان لهذا الحكم نابعاً من الشعور بـ”الظلم“ بمعناه التقليدي فقط أم من صدمة مواجهة الدولة الحديثة المتطلبة؟ يمكن القول إن الكتاب ينجح في تقديم صورة معقدة عن الحكم العثماني، بعيدة عن التبسيط الأخلاقي، مقدماً إياه كنظام هش وعنيف في آن، يدير أزماته عبر سياسات الاحتواء والتفويض، ويفشل في حل المعضلات الجوهرية لنقص الموارد ومركزية السلطة.

الفصول(10)

1.3–15▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل التمهيدي بوضع الإطار النظري لفهم كيفية عمل الدولة العثمانية في سوريا، مركزاً على التناقض الأساسي بين احتياجات الدولة ومحدودية الموارد المتاحة. يطرح المؤلف فكرة أن الدولة ما قبل الصناعية، مثل الدولة العثمانية، اعتمدت بشكل كبير على الإكراه كأداة سياسية أساسية، ليس بالضرورة لأنه ظالم بحد ذاته، ولكن لأنه كان وسيلة ضرورية لفرض المطالب المادية على السكان عندما تفشل وسائل الإقناع الأخرى. يوضح المؤلف أن هذا الإكراه لم يكن متناقضاً مع الشرعية بالضرورة، بل كان مكملاً لها، طالما ظل حكراً على الدولة.

ينتقل الفصل إلى شرح المفهوم العثماني للدولة (دولت)، الذي لم يكن تجريدياً، بل كان يشير إلى حكم كل فرد من آل عثمان، السلطان، والمؤسسات التي تحمي حكمه. كانت الطبقة الحاكمة، المعروفة باسم العسكر، طبقة خادعة تعتبر عبيداً للسلطان، بينما كانت طبقة الرعايا (الرعايا) أحراراً لكنها موكولة لرعاية السلطان. يؤكد المؤلف على أن سلطة السلطان كانت مطلقة من الناحية النظرية، لكنها كانت مقيدة ضمنياً بالشريعة الإسلامية، والتي جعلت السلطة السلطانية والسلطة الدينية متكافلتين.

يناقش الفصل مبدأين أساسيين حكما الفكر السياسي العثماني: دائرة العدل والحدود. تنص دائرة العدل على أن بقاء الدولة يعتمد على ازدهار الرعايا، خاصة الفلاحين، لأنهم ينتجون الثروة التي تمكن السلطان من دعم الجيش والبيروقراطية. أما مبدأ الحدود فيؤكد على الفصل الأساسي بين طبقة العسكر (التي لا تدفع ضرائب) وطبقة الرعايا، ويعكس النهج المحافظ لحماية مصادر الإنتاج. في هذا السياق، يعني مفهوم العدل حماية الرعايا من تعسف السلطة المفوضة، ليس فقط لضمان استمرارهم في الإنتاج، بل للحفاظ على حق السلطان المطلق في الإيرادات.

يخلص الفصل إلى أن الدولة واجهت معضلة كبرى في تفويض السلطة، خاصة في الأقاليم حيث أصبحت الجماعات المحلية جزءاً من طبقة العسكر، مما أدى إلى طمس الحدود بين الطبقتين وزيادة المطالب المادية على الرعايا. للتغلب على محدودية قدرتها على السيطرة، استخدمت الدولة المركزية أدوات مثل تناوب المناصب وفصل السلطات، لكن هذه السياسات أحياناً كانت تزيد من التشرذم السياسي. يعترف المؤلف بأن الدولة لم تعترض بالضرورة على الوسائل غير العادلة في جباية الإيرادات، طالما تم تلبية مطالبها المادية، مما يخلق معضلة أخلاقية، حيث كانت تهدد بمعاقبة الظالمين للحفاظ على قبضتها الأخلاقية على السكان، بينما كانت تستفيد في نفس الوقت من نتائج ظلمهم.

يختتم الفصل بتقديم لمحة عن سوريا الداخلية، مركزاً على ولاية دمشق ومنطقة حماة، ويشير إلى التحولات في القرن الثامن عشر مثل تراجع التجارة البرية وصعود عكا كمركز للقوة. يصف كيف أدى التنافس بين الفصائل المحلية والغزوات في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر إلى ردود قسرية شديدة. يذكر المؤلف أن احتلال محمد علي باشا لسوريا عام 1831 جلب حكماً مباشراً وقاسياً فشل في تحقيق أهدافه، وبعد انسحابه عام 1840، عادت سوريا الداخلية إلى أساليبها القديمة. أخيراً، يقدم الفصل المصادر التي سيعتمد عليها الكتاب، وأهمها حوليات محلية مثل تاريخ حسن آغا، وتاريخ ابن خنصه، وسجلات محكمة حماة الشرعية، والتي تحتوي على وثائق قضائية وإدارية وضريبية.

2.16–45▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل من كتاب "العثمانيون في سوريا" بوصف واقع قرية حدودية صغيرة تدعى مفري الدّر، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر العاصي، في منتصف القرن التاسع عشر. من خلال قضية فلاح يُدعى شهود بن سليمان، الذي رفع دعوى قضائية ضد أبناء عمه للمطالبة بنصيبه من قطيع العائلة، يُظهر المؤلف الهشاشة التي تميز الحياة في هذه المنطقة الانتقالية بين الزراعة المستقرة والرعي البدوي. نتعلم أن الجد توفي منذ 28 عاماً، وأن والده مات قبله، وأن عمه عيسى هو من تولى رعاية القطيع. يدّعي أبناء عيسى أن القطيع الحالي هو من بناء جهودهم الخاصة، وأن قطيع الجد الأصلي نُهب نصفه على يد والي حماة، فرّاي آغا، بينما نهب البدو الباقي. شهادة مختار القرية ومختاري قريتين مجاورتين دعمت رواية أبناء العم، مما أدى إلى رفض دعوى شهود. هذا المثال يوضح أن حدود الملكية والثروة في هذه المنطقة كانت غير مؤكدة، وغالباً ما تحددها القوة والنفوذ.

يشرح الفصل أن مفري الدّر كانت واحدة من القرى التي يسكنها التركمان من عشيرة الجليقليّة، الذين أُجبروا على الاستقرار قبل حوالي 140 عاماً كحراس للحدود مقابل إعفاءات ضريبية. مع تراجع قيمتهم العسكرية، أصبحت القرية تعتمد على حماة والقبائل البدوية للحماية والتجارة. يصف المؤلف كيف أن السلطات لم تكن دائماً benevolent؛ فقد كانت تقدم بذوراً وحيوانات جر للفلاحين في سنوات العجز، ولكنها كانت تضيف قيمتها إلى الضرائب المتأخرة، مما يخلق دائرة من الديون. بالإضافة إلى ذلك، كانت القرى، وخاصة الحدودية منها، تدفع "إتاوات حماية" (خوّة) لقبيلة بدوية أو أكثر مقابل الحماية، وهو عقد تقليدي غير متكافئ يضمن بقاء القرية في أوقات الهدوء لكنه يصبح عبئاً في أوقات الاضطراب.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف جغرافي واسع لـ بلاد الشام الداخلية، السهول المحصورة بين الجبال والبادية. يشرح أن المدن الداخلية مثل حلب، حماة، حمص، ودمشق كانت "موانئ صحراوية" تربط الصحراء بالعالم المتمدن. الصحراء السورية، أو بادية الشام، لم تكن صحراء نموذجية بل كانت تحتوي على مساحات واسعة من السهوب والمراعي، مدعومة بالأمطار في أطرافها الشمالية والشرقية وبالينابيع والآبار. يذكر المؤلف أن الأنهار الدائمة الوحيدة ذات الأهمية هما العاصي وبردى، وأن معظم الأنهار الأخرى تجف في الصيف. يناقش توزيع السكان عبر التاريخ، مشيراً إلى أن العديد من القرى والبلدات القديمة، مثل سلمية (التي أعاد الإسماعيليون إعمارها حوالي عام 1830)، كانت في حالة خراب، مما يعكس تقلبات الاستيطان والزراعة عبر القرون بسبب الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية، دون تغييرات جذرية في التوزيع السكاني العام.

يصف الفصل بعمق العلاقة الجدلية بين سكان المدن والقرى من جهة، والبدو (العرب) من جهة أخرى. على الرغم من العداء الظاهري، كانت هناك تبادلية قوية؛ فالسكان المستقرون كانوا بحاجة لمنتجات البدو (اللحوم، الأصواف، الجلود، وخدمات النقل والحماية)، بينما كان البدو بحاجة للحبوب والملابس والأسلحة من المدن. يشرح المؤلف أن العرب انقسموا إلى مجموعتين رئيسيتين: أهل الغنم (الذين يرتحلون لمسافات قصيرة ويظلون قريبين من القرى) وأهل الإبل (البدو الحقيقيون الذين يخترقون الصحراء لمسافات شاسعة). يوضح الفصل أن الحدود بين هاتين المجموعتين، وحتى بين الفلاحين والبدو الرحّل، لم تكن حادة؛ فالناس كانوا ينتقلون بين أنماط الحياة المختلفة موسمياً أو بشكل دائم. يورد أمثلة على تفاعلات يومية، مثل تعويضات عن أضرار تسبب بها جمل، مما يدل على قرب العلاقة اليومية بين المجموعتين.

ينتقل الفصل لمناقشة إستراتيجيات الدولة العثمانية في "حراسة الحدود". يوضح أن العثمانيين اتبعوا نهجاً مزدوجاً: الأول، تشجيع القبائل على تبني موقف مخلص من خلال منح شيوخها امتيازات (مثل حق جباية الرسوم، وعقود حماية القوافل) ودفع رواتب سنوية لهم. الثاني، استخدام القوة العسكرية من خلال حاميات للجنود (مفارز) في القرى المحصنة والخانات على طول طرق المواصلات الرئيسية، ونشر قوات شبه عسكرية محلية. كان النقل القسري لعشائر تركمانية من الأناضول وتوطينها كقوة شرطة أيضاً إحدى الوسائل الرادعة. الجزء الأكبر من هذا النقاش يركز على دور المَوالي، أكبر تجمع قبلي في السهول الشمالية، الذين سيطروا على الصحراء من حماة وحمص حتى تدمر والفرات. يذكر المؤلف أن العثمانيين لم يتمكنوا من إخضاع المَوالي كلياً واضطروا عام 1574م إلى تبني سياسة "الاستمالة" الرسمية، واعترفوا بزعيمهم كـ "أمير العبادة" (أمير البادية)، ليصبحوا قوة الشرطة في الصحراء لعقود طويلة حتى انهيار دورهم في مطلع القرن الثامن عشر.

يحلل الفصل أسباب انهيار نظام المَوالي، مرجعاً إياها إلى "التحولات القبلية" الكبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر. قبائل من شمال الجزيرة العربية، خاصة عَنَزة وشَمّر، بدأت بتوسيع نطاق رحلاتها شمالاً إلى سهول سوريا، مدفوعة بأسباب غير معروفة بدقة مثل التغيرات المناخية أو الضغط السكاني أو الجفاف. يوضح أن هذه القبائل، التي كانت ترعى الإبل بشكل أساسي وتتمتع بحركة عالية، وجدت في سهول ومراعي سوريا بديلاً أفضل من بادية الجزيرة العربية. هذا التوسع أدى إلى تقويض قوة المَوالي، وتنافس عنيف على المراعي والمياه، واتساع رقعة البادية على حساب الأراضي الزراعية. يصف الفصل حادثة الجفاف الكبير عام 1136هـ الذي تلاه برد قارس، مما أدى إلى هلاك الكثير من الماشية وأجبر قبائل عَنَزة على النزوح الجماعي نحو الشمال، وهو ما فاجأ السكان المستقرين بظهور آلاف الفرسان "فجأة" في سنوات الكوارث.

يخصص الفصل جزءاً لتأثير الحركة الوهابية في نجد، والتي بدأت في منتصف القرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب وبدعم من آل سعود. يوضح أن هذه الحركة تحدت القوى المحلية وفرضت مبادئ دينية صارمة، مما قد يكون قد ساهم في دفع بعض قبائل عَنَزة (مثل ولد علي والرولة) شمالاً للحفاظ على استقلالها أو هرباً من الضرائب الباهظة. ولكن، في الوقت نفسه، كانت بعض القبائل العَنَزية تشكل نواة هذه الحركة. يصف الفصل كيف أن الاحتلال الوهابي لمكة والمدينة (عامي 1218 و1220هـ) أثار صدمة في سوريا وجعل الصراع مع الوهابيين محدداً للسياسة الإقليمية. يورد أنه في 1809 و1810م، قامت قبائل عَنَزة الشمالية (مثل الحسنة) بدعم لوجستي لأكبر غارات الوهابيين على منطقة دمشق.

يختم الفصل بتفصيل دقيق للخريطة القبلية الجديدة التي تشكلت في القرن التاسع عشر. أول قبيلة عَنَزية تصل بأعداد كبيرة كانت الحسنة، التي ظهرت في السبعينيات من القرن الثامن عشر، وتصدّرت المنطقة بعد هزيمة المَوالي عام 1786. سيطرت الحسنة على مناطق شرق حماة وحمص، وفرضت الخوّة على القرى والطرق. لكن هيمنتهم لم تدم طويلاً؛ ففي العقد الثاني من القرن التاسع عشر، واجهوا ضغطاً من قبيلة الفدعان (من بشر عَنَزة) وحلفائها السبعة. في ربيع 1814م، وصل أعداد ضخمة من الفدعان والسبعة إلى شرق نهر العاصي، مما أثار الذعر ورفضهم المغادرة بحجة نقص المراعي. هذه الموجة الجديدة غيرت ميزان القوى، فقسمت قبائل عَنَزة إلى معسكرين متعاديين: مُسلم عنزة (الرولة والحسنة) وبشر عنزة (الفدعان والسبعة). يصف الفصل كيف أن هذه التحالفات كانت براغماتية وغالباً ما تفتقر للثبات، مما أربك السلطات المحلية. في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، أصبح التقسيم القبلي الجديد واضحاً: سيادة كل من الرولة وولد علي في المناطق الوسطى والجنوبية، وسيادة الفدعان والسبعة في الشمال حول حماة وحلب.

في القسم الأخير، يناقش الفصل "القبائل المحلية" في منطقة حماة، والتي كانت حوالي 25 قبيلة تدفع ضرائبها هناك وتعرف بـ"عرب الدَّيرة". يوضح أنها كانت مزيجاً من رعاة الغنم (الشَّرايَة) الذين لا يبتعدون كثيراً، ومن رعاة الإبل الذين يصلون إلى تدمر والحماد. يعدد الفصال قبائل المَوالي الرئيسية (مثل المشارفة، بني عز، العفجان) والتي كان شيخها يُعرف بـ"صيرخان عرب حماة"، ويتقاضى راتباً نظير مهام شرطية لم يعد يقوم بها بكفاءة. يصف أيضاً قبائل أخرى مثل بني خالد (الذين يدّعون النسب إلى خالد بن الوليد ويسكنون حول حمص)، والنعيم (أكبر القبائل المحلية)، وبشاكرة (أكبر قبيلة تابعة للمَوالي). كما يذكر قبائل وافدة حديثة كـ الحديديين والتركي اللتين كانتا من القبائل الأكثر ميلاً للعنف، والفواطرة التي تشكلت حديثاً من انشقاقات المَوالي. يتناول الفصل العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين هذه القبائل المحلية والفلاحين، وكيف أن العشائر المحلية كانت مؤجّرة لمراعي القرى ومستخدمة في الحصاد والنقل، مما خلق تبادلية اقتصادية قوية رغم التوترات الأمنية العرضية.

في النهاية، يقرّ المؤلف بوجود حدود واضحة للمعرفة حول هذه الفترة، لا سيما فيما يتعلق بالأسباب الدقيقة للتحولات القبلية وطبيعة العلاقة بينها وبين الحركة الوهابية. التحدي الأساسي الذي يطرحه الفصل هو صعوبة فهم وتوثيق التحالفات القبلية والهياكل الاجتماعية التي كانت متغيرة وغير ثابتة، مما يفسر ارتباك التقارير الرسمية في ذلك الوقت. الفصل يقدم نظرة ثاقبة على تعقيد المجتمع السوري في هذه الفترة الانتقالية، حيث لم تكن الحدود بين البداوة والحضارة واضحة، بل كانت منطقة تبادل وصراع ديناميكي شكّلت هوية المنطقة واقتصادها.

3.46–64▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف حالة الاضطراب التي سادت في المناطق الداخلية السورية حوالي عام ١٧٠٠، حيث كان اختلال النظام يعني غياب "حكم العدالة". يعاني السكان من وطأة الحكام الظالمين والضرائب الباهظة والعجز عن حمايتهم من القبائل. يتفاقم الوضع بسبب فشل المؤسسة العسكرية التقليدية في أداء دورها، وازدياد الصراعات بين الفصائل العسكرية المتنافسة على المكاسب، وخاصة في دمشق. يصف المؤلف المصدر المعاصر، الشيخ محمد المكي من حمص، معاناة الناس من الغلاء والجور.

مع تصاعد الاضطرابات، يتحول القلق الأكبر للسلطات العثمانية نحو أمرين: الأول هو تنظيم وحماية قافلة الحج، التي تمثل ركيزة المكانة الدينية للسلطان، والثاني هو تراجع الزراعة وهجر القرى مما قلص الإيرادات. كاستجابة، تبدأ السلطات بتشجيع تشكيل تحالفات عسكرية محلية واعدة لاستعادة النظام. في هذا السياق، يبرز تحالف قوي بقيادة عائلة "آل العظم"، التي كان معقلها بلدة معرة النعمان.

يروي الفصل كيف بدأ صعود إسماعيل آغا آل العظم كضابط محلي صغير، حيث تشير المصادر إلى أنه أولاً يذكر في عام ١٧١٧ بإرسال القمح والشعير إلى حمص. بعدها، بفضل دعم من حاكم حلب وتحالفه مع حامية حسيا العسكرية، يعين في مارس ١٧١٩ والياً على مناطق معرة النعمان وحماة وحمص لمدة سبع سنوات، بشرط إعادة إعمار القرى واستعادة الأمن. ينجح بسرعة في تثبيت الأمن، ويرسل القمح لدمشق، ويأمر بتوطين التركمان. ثم يُرقى بعد عامين إلى ولاية طرابلس، وصولاً إلى تعيينه والياً على دمشق عام ١٧٢٥ ليصبح مسؤولاً عن تهدئة كامل المناطق الداخلية السورية.

يوضح الكاتب أن آل العظم لم يكونوا مجرد قوة محلية، بل كانوا أدوات لتنفيذ سياسات الدولة. لقد أنشأوا معقلهم في حماة وجعلوا من إدارة قافلة الحج محور سياستهم، مما أكسبهم ثروة ومكانة. تعاملوا مع القبائل الكبيرة مثل السردية وبني صخر وولد علي التابعة لـعنزة بدفع الأموال (سرة) لضمان مرور الحج بأمان. كما ازدهرت الزراعة في عهدهم، خاصة في منطقة حماة، بسبب توطين قبائل تركمانية.

ينتقل الفصل لمناقشة تحول ميزان القوى الإقليمي بعد وفاة أقوى ولاة العظم، أسعد باشا، الذي أُعدم عام ١٧٥٧. هنا يبدأ تراجع دمشق لصالح عكا الساحلية. يعزو المؤلف هذا التحول لعوامل معقدة، منها هزائم العثمانيين المتكررة أمام روسيا وغياب غنائم الحرب، والتدخلات المصرية بقيادة علي بك في ١٧٧١، والغزو الوهابي الذي احتل مكة والمدينة وأوقف الحج لسنوات، ثم غزو نابليون لمصر وفلسطين عام ١٧٩٨.

يتناول الفصل صعود شخصيتين محوريتين في هذه الفترة: الأول هو ظاهر العمر الذي قوى نفوذه في الجليل مستفيداً من تجارة القطن، والثاني هو أحمد باشا الجزار، الضابط البوسني السابق في خدمة مصر، الذي جعل من عكا معقلاً منيعاً بدءاً من ١٧٧٣ وحتى وفاته ١٨٠٤. اشتهر الجزار بسياساته القاسية واحتكاره للتجارة وطرد التجار الأوروبيين، كما صمد في وجه حصار نابليون عام ١٧٩٩. في المقابل، ظل ولاة العظم في دمشق حذرين ومتفادين للمواجهة معه.

يشرح الفصل أن سياسة العثمانيين تغيرت بعد الجزار وعائلة العظم، حيث بدأوا بتعيين ولاة غير محليين لدمشق من ١٨١٢ فصاعداً للحد من نفوذ البيوتات القوية. هذا التغيير يتزامن مع بداية الإصلاحات العسكرية للسلطان سليم الثالث، ثم محمود الثاني (الذي ألغى الإنكشارية عام ١٨٢٦). كان الهدف زيادة سيطرة الدولة المركزية على الموارد.

المحور الأخير يركز على صعود محمد علي باشا والي مصر، الذي يعده المؤلف مصلحاً أكثر جرأة من الجزار. بعد أن قضى على المماليك عام ١٨١١، قام بتحديث الجيش والإدارة وأسس احتكارات للدولة، أدخل محاصيل جديدة كالقطن. بعد خلافه مع السلطان حول تعويض خدماته (كقمع الوهابيين والإغريق)، قام بغزو سوريا عام ١٨٣١ وتوغل في الأناضول. بموجب معاهدة كوتاهية عام ١٨٣٣، تم التنازل له عن الولايات السورية، لكن الضغط البريطاني أجبره على الجلاء عنها في ١٨٤٠-١٨٤١ مقابل حكم وراثي لمصر.

في الختام، أقر المؤلف صراحةً بعدم وضوح أصول آل العظم ومساراتهم المبكرة، مشيراً إلى غموض بعض التفاصيل. كما ترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان صعود العظم يمثل "محلية" متزايدة أم كانوا مجرد أدوات للسياسة العثمانية المركزية، مؤيداً الرأي الأخير. كذلك، شكك في التفسير الاقتصادي البسيط لصعود عكا، مؤكداً أن التجارة الأوروبية كانت في انحدار في ذلك الوقت، وأن العوامل السياسية والعسكرية كانت أكثر حسماً في تشكيل توازن القوى الإقليمي.

4.65–86▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوع المشاركة المحلية في الإدارة العثمانية في سوريا خلال القرن الثامن عشر، وهي الفترة التي توصف بأنها عصر صعود جماعات القوى المحلية. يقدم المؤلف إجابة رئيسية مفادها أن السكان المحليين لعبوا دوراً مهيمناً في فروع الإدارة المختلفة، لكنه يميز بين ثلاث فئات من المشاركين: المحليين الأصليين، والمحليين غير الأصليين (وهم عسكريون من أصول خارجية لكنهم استقروا محلياً)، وغير المحليين. يوضح المؤلف أن المناصب العسكرية كانت مفتوحة للمنافسة من الفئات الثلاث، بينما كانت المناصب الدينية والقانونية والكتابية محصورة بشكل أساسي في العلماء المحليين الأصليين، مما جعل الطبقة العسكرية أكثر عرضة للتغيرات السياسية.

يتتبع الفصل تطور المشاركة المحلية وصولاً إلى ذروتها في القرن الثامن عشر، متجسدة في طبقة الأعيان. يشرح المؤلف أن المصطلح كان فضفاضاً في تعريفه الواسع ليشمل أبرز رجال المجتمع المحلي، لكنه اكتسب معنى أكثر تحديداً ليشمل أولئك الذين يمارسون النفوذ السياسي ويحظون بوضع رسمي. يوضح الفصل أنه في عواصم الولايات مثل حلب ودمشق، كان مجلس (الديوان) يشكل هيئة استشارية مهمة، بينما غابت هذه الممارسة في مراكز الأقضية مثل حماة قبل ثلاثينيات القرن التاسع عشر. يقدم المؤلف تحفظاً مهماً بعدم وضوح تعريف "كون المرء محلياً"، ويشير إلى أن صفة الأعيان لم تكن تعتمد على الثروة وحدها، بل على طبيعة العلاقة الخاصة مع الدولة والتي تعترف بها السلطات والمجتمع المحلي.

يركز الفصل بعد ذلك على مكونين رئيسيين من طبقة الأعيان: الأغوات (الطبقة العسكرية الإدارية) والعلماء (الطبقة الدينية القضائية). في منطقة حماة، شكلت الأغوات العمود الفقري للإدارة المحلية، وشملت ضباط التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية. يشرح المؤلف كيف كانت ألقاب آغا وبك وراثية أحياناً، مثل عائلة العظم التي أصبح جميع أفرادها الذكور يُلقبون بـ"بك". القدرة على الحفاظ على وحدات مسلحة (غير نظامية غالباً) كانت الأصل الرئيسي للأغوات، الذين شاركوا في الإدارة كضباط شرطة وجباة ضرائب. يصف الفصل أن معظم الأغوات في حماة استقروا في المدينة خلال القرن الثامن عشر بعد أن كانوا في قرى حصون، وأن أصولهم كانت عادة تركية أو كردية، وليسوا من أصل عربي، باستثناء زعماء القبائل العربية (العرب) مثل عائلة الخرفان من قبيلة الموالي.

أما العلماء، فكانت عائلة الجيلاني تحتكر معظم المناصب القضائية والدينية الكبرى في حماة، مثل القاضي والمفتي ونقيب الأشراف. تتبع العائلة أصولها إلى عبد القادر الجيلاني الصوفي الشهير من بغداد. أما عائلة العلويني فكانت عائلة علماء متصوفة مشهورة، لكنها استبعدت من المناصب الكبرى واعتمدت بشكل كبير على إدارة الأوقاف. يشير الفصل إلى أن كُتّاب الإدارة "العلمانيين" كانوا في الغالب من الطائفة الأرثوذكسية اليونانية من حماة أو حمص، مثل عائلة البحري.

يخلص الفصل إلى مقارنة بين عائلتي العظم (العسكرية) والجيلاني (الدينية). كانت أسرة العظم تمتلك ثروة طائلة وطباعاً عالمية، وانتشرت فروعها في دمشق وحلب والقاهرة، بينما كانت عائلة الجيلاني أكثر محلية وإن كانت تمتلك نسباً شريفاً. ورغم التنافس المحتمل بينهما، فقد احترمتا عموماً امتيازات كل منهما ولم تتنافسا على المناصب نفسها قبل منتصف القرن التاسع عشر. يقدم الفصل دليلاً على ثروة أحد أفراد عائلة الجيلاني من خلال وقفية مفصلة تضمنت مخابز ومحلات وأراضٍ ومطاحن مائية في حماة وحمص، مع إشارات إلى ممتلكات مجاورة لعائلة العظم.

ينتقل الفصل لوصف الإدارة المحلية، مركزاً على علاقة المحافظ بالسلطة القضائية. كان المتصرف (حاكم القضاء) يمثل والي دمشق وجمع بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وكان مسؤولاً عن جباية الضرائب والأمن العام، ويملك سلطة تقديرية كبيرة مستندة إلى الأوامر الإمبراطورية. في المقابل، كان القاضي الشرعي (القاضي) يترأس المحكمة الشرعية (المحكمة الشرعية أو مجلس الشرع) ويملك سلطة قضائية واسعة في مسائل الأحوال الشخصية والملكية والتجارة، لكن صلاحياته التنفيذية كانت محدودة ومعتمدة على المحافظ. يوضح الفصل أن المحكمة كانت أكثر من مجرد محكمة قانون؛ فقد كانت مكاناً للتفاوض والتوفيق بين المصالح المحلية، وكانت مفتوحة للعامة، حيث كان العلماء والأعيان والشيوخ القرويون يحضرون جلساتها ويؤدون دور الشهود (شهود الحال).

يطرح الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى تمثيلية حالة حماة للمناطق الأخرى، معترفاً بصعوبة الإجابة بسبب ندرة الدراسات التفصيلية ومحدودية المعلومات عن الأعيان الذين فشلوا في نقل سلطتهم للجيل التالي. يقر المؤلف بأن مفتاحي حماة لم يكونا بالضرورة الزعيمين الأوفر حظوة في عائلتهما، وأن المنافسة بين العائلات كانت حاضرة. من الحجج القابلة للنقاش في النص هي الفكرة القائلة بأن الطبقة العسكرية (الأغوات) كانت أكثر عرضة للتغيرات السياسية في الإمبراطورية، بينما كان العلماء أكثر رسوخاً لاعتمادهم على الموارد المحلية والسلطة الأخلاقية المستمدة من التقاليد الإسلامية، وهي فكرة يتم توثيقها بفارق الثروات والمناصب بين أفراد العائلتين الرئيسيتين في حماة.

5.87–105▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل طبيعة الحكم في سوريا العثمانية أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، مركزاً على مفهوم "الظلم" الذي كان تبريراً للعقوبات ضد المسؤولين الفاسدين. يرى المؤلف أن الدولة العثمانية، التي كانت تعاني من خسائر في أوروبا وفقدان السيطرة على مصر وفلسطين بعد الغزو الفرنسي، وسقوط الحرمين الشريفين بيد الوهابيين، لم تكن قادرة على فرض نموذجها المثالي للعدالة. فاضطرت لاستخدام إجراءات "ظالمة" لمواجهة التحديات، كتمرد القبائل ونزوح الفلاحين وتغير أنماط التجارة.

يسير الفصل بتتبع الصراع بين فصيلين رئيسيين: فصيل الساحل بقيادة جزار باشا في عكا، وفصيل الداخل الذي يمثله آل عظم في دمشق. تخلت الدولة عن سياسة التناوب السريع للولاة في دمشق منذ عشرينيات القرن الثامن عشر لصالح آل عظم الذين نجحوا في إدارة قافلة الحج، لكن السلطة المركزية ظلت مترددة في دعم الحكم الوراثي. أدى رفض منح جزار باشا سيطرة دائمة على دمشق، مقابل منحه ولايتها لمرات متقطعة كجزء من سياسة الاحتواء، إلى إذكاء الصراع بين الفصيلين.

يصف الفصل انتفاضات أواخر ثمانينيات القرن الثامن عشر كدليل على انهيار البنى السياسية التي طورها آل عظم. ففي 1788، ثار إنكشارية دمشق ضد الوالي إبراهيم دلي باشا، مما اضطره للفرار ثم العودة بقوات من حماة وميليشيات درزية لسحق التمرد. وفي الوقت نفسه، ثارت قبيلة موالي بقيادة أمير خرفان، مهاجمةً القرى وأسفر القمع عنها مقتل المئات ونشر الطاعون الذي ضرب شمال سوريا العام التالي.

يتناول الفصل دعم ومعارضة جزار باشا وآل عظم في دمشق. يوضح أن سياسات جزار الأولى كوَلٍ (احتكار الحبوب والقروض الجبرية) جعلته غير شعبي لدى النخبة، لكنه حظي بدعم من حي ميدان الحصني لاحقاً. على النقيض، كان تحالف آل عظم مع العائلات الدينية كآل المرادي، مما جعل مفتي الحنفية هدفاً رئيسياً لقمع جزار الذي أعدم ثلاثة منهم. ويُظهر الفصل تعقيد التحالفات من خلال مسيرة أحمد آغا الزعفراني، قائد الإنكشارية الذي انتقل من التمرد على والٍ إلى العمل لصالحه ثم لجزار قبل أن يُقتل على يد نائب الأخير.

ينتقل الفصل إلى حماة، التي أصبحت ساحة للصراع بين آل عظم المحليين وحلفاء جزار من عشيرة الدندشي. بلغت المواجهة ذروتها في 1803 عندما دارت معركة دامية في شوارع حماة بين قوات الوالي الجديد جزار وقوات سلفه عبد الله باشا العظم، انتهت بمقتل عبد الله آغا المحمود وكثير من جنوده. يُظهر الفصل أن جزار نفسه لم يكن يسيطر تماماً على حلفائه، ويختتم بموته في أبريل 1804 الذي لقي ترحيباً هائلاً واندلاع حملة تصفية لأعوانه في دمشق.

يناقش الفصل أفول فصائل الداخل بعد موت جزار، حيث خلفه سليمان باشا الأقل طموحاً. ورغم استمرار الصراع على طرابلس عبر حليف جزار مصطفى آغا بربر، إلا أن آل عظم فقدوا دورهم البارز. فشل عبد الله باشا العظم في مواجهة الوهابيين، مما أدى إلى تعليق قافلة الحج لأول مرة منذ 1737 عام 1807. ثم تولى كنج يوسف باشا من دمشق، لكن سياسته الدينية المتشددة وفشله أمام الغارات الوهابية دفعاه للفرار إلى مصر عام 1810.

أخيراً، يوضح الفصل أن تعيين سليمان باشا والياً على دمشق عام 1811 لم يدم طويلاً، ثم مع إسناد مهمة محاربة الوهابيين لوالي مصر محمد علي باشا بعد استعادة الحرمين عامي 1812-1813، تمكنت الدولة من تغيير سياستها. منذ أوائل 1812، عُين ولاة من خارج الفصائل المحلية لدمشق، منهية بذلك عهداً من الصراع المحتدم على الموارد. يخلص المؤلف إلى أن فترة العنف التي بدأت بصعود جزار باشا قد انتهت، لكنها خلفت وراءها مقاطعة دمشق منهكة اقتصادياً بعد تدمير مواردعكا.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً مقنعاً لآلية الحكم العثماني القائمة على الموازنة بين المثالية والواقعية، وكيف أن سياسات الاحتواء والتناوب التي انتهجتها السلطة المركزية أوقدت صراعاً إقليمياً مدمراً. ومع ذلك، يعتمد التحليل بشكل كبير على روايات النخب والمؤرخين المحليين، مما يجعل من الصعب تقييم مدى معاناة الفلاحين والعامة بشكل مباشر، أو فهم الدوافع الكاملة لقبائل كالموالي التي لم تكن مجرد أدوات في الصراع بين الفصائل بل كانت فاعلاً مستقلاً له مصالحه الخاصة.

6.106–126▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول دراسة إدارة العنف في ولايات سوريا العثمانية خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، ويؤكد أن هذه الإدارة كانت مجزأة ومتقلبة. يصف المؤلف كيف أن الحكام المحليين وظفوا مجموعة متنوعة من القوات العسكرية، تتراوح بين المرتزقة الأجانب والبدو الرحّل، وكانت هذه القوات غير مجهزة لمواجهة جيوش نظامية مثل جيش نابليون أو قوات الوهابيين، لكنها كانت فعالة في جمع الضرائب والحفاظ على النظام الداخلي، خاصة على طرق الحج.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن "باشاوات الجنود"، وهم مجموعة من القادة العسكريين المهرة الذين أصبحوا الشخصيات الأكثر تأثيراً في السياسة المحلية في المناطق الداخلية من سوريا خلال الفترة 1783-1812. يوضح أن معظم حكام دمشق في هذه الفترة كانوا من أصول عسكرية متواضعة، على عكس الفترة السابقة 1744-1784 التي هيمن عليها أبناء الباشوات. ومن أبرز هؤلاء القادة كنج يوسف، الذي بدأ مسيرته كجندي في خدمة ملا إسماعيل، ثم خدم عبد الله باشا العظم وانتهى به الأمر ليصبح والياً على دمشق عام 1807. كما يذكر الفصل شخصيات عسكرية بارزة أخرى مثل جزّار باشا، وسليمان باشا، وإبراهيم باشا الحلبي.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً للحديث عن الإنكشارية في دمشق، ويميز بين نوعين: الإنكشارية المحليين (اليرلية) والإنكشارية الإمبراطوريين (القول). يوضح أن قادة اليرلية كانوا يتمتعون بمكانة أكثر استقراراً تعتمد على دعم عائلاتهم وأسرهم، بينما كان قادة القول (المكلفين بحراسة القلعة) أكثر عرضة للإعدام عند الاشتباه في عدم ولائهم. يشير الفصل إلى أن نفوذ اليرلية تضاءل في نهاية القرن الثامن عشر بسبب لجوء الحكام إلى قوات أخرى، لكنهم ظلوا مصدراً للعنف المحلي، ويذكر ثورتين رئيسيتين للإنكشارية في دمشق، الأولى عام 1812 بقيادة قائد القلعة علي آغا البغدادي الذي أعدم، والثورة الكبرى عام 1831 التي قُتل خلالها الوالي محمد سليم باشا وسيطر الإنكشارية على المدينة لفترة وجيزة قبل وصول قوات إبراهيم باشا بن محمد علي باشا في يونيو 1832، والتي لاقت مقاومة مسلحة طفيفة.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتوضيح التجزؤ في إدارة العنف من خلال سرد القوات المختلفة العاملة في سوريا، مثل فرسان الدلة (المرتبطين بالأكراد)، وقوات المغاربة (الذين حلوا محل قوات الصقبان)، والقوات الأرناؤودية (من البلقان)، وفرسان الليفند (من الأناضول)، وقبائل البدو من مصر كالهوارة والهندي. ويذكر أن الحكام لم يسعوا لإصلاح عسكري، بل حافظوا على تنوع هذه القوات، كما فعل جزّار باشا الذي جمع في حملة عسكرية عام 1791 قوات من الدلة والهوارة والأرناؤود والصقبان والمغاربة، واشتركت فيها دروز ومجموعات أخرى بقوة ربما بلغت 12,000 رجل.

يخصص الفصل جزءاً مفصلاً لسيرة "زعيم الحرب" ملا إسماعيل، وهو قائد كردي لقوات الدلة (الدلباشي) كان أحد أكثر الضباط نفوذاً في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. يصف تحالفه المتقلب مع حكام دمشق وعكا، وكيف بنى ثروته ونفوذه في منطقة حماة، حيث اتخذ من قلعة المضيق معقلاً له بعد خلافه مع الوالي. يروي الفصل تورطه في نزاعات القبائل العربية، خاصة صراع قبيلة عنزة، وكيف أدت تحالفه مع قبيلة التركي إلى هجوم شنته قبائل عنزة عام 1815 على قطعان الماشية في حماة، مما دفع الوالي صالح باشا إلى إصدار أمر بإعدامه، وأُطلق عليه النار في مقابلة مع سليم بك العظم في سراي حماة.

في القسم الأخير، يتناول الفصل عودة نفوذ عائلة العظم إلى حماة بعد مقتل ملا إسماعيل، لكن على المستوى المحلي فقط وليس الإقليمي. يوضح أن سليمان باشا العظم أصبح آخر فرد من العائلة يصل إلى رتبة باشا عندما تولى ولاية طرابلس عام 1824، لكنه توفي بعد فترة قصيرة. ثم ينتقل إلى الحديث عن مرحلة "حماة ما بعد العظم"، حيث أصبح طراد آغا (وهو شخص خارجي غير معروف النسب) متسلمًا للمنطقة، وواجه معارضة شديدة من التجار والعلماء بقيادة عائلة الكيلاني التي حاولت الحفاظ على منصب القضاء. يشير الفصل في ختامه إلى أن هذه المعارضة والاضطرابات تزامنت مع ظروف صعبة شملت الجفاف والطاعون والجراد وهجمات القبائل العربية.

يقر المؤلف ضمنياً أن السياسة العثمانية لاحتواء الفصائل المحلية في المناطق الداخلية من سوريا حققت نجاحاً، لكنها فشلت في ساحل سوريا، حيث اضطرت الباب العالي لتأكيد مكانة عبد الله باشا والي عكا، وأعادت تعيين مصطفى آغا بربر في طرابلس. يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش مفادها أن تعدد القوات العسكرية لم يكن مجرد فوضى، بل كان نظاماً مداراً بعناية من قبل الحكام للحفاظ على توازن القوى، لكنه في نفس الوقت خلق بيئة من العنف وعدم الاستقرار، حيث كان مصير القادة العسكريين يتوقف على ولائهم وقدرتهم على المناورة في ظل المنافسة الشرسة على الموارد.

7.127–153▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوع النظام المالي (الضريبي) في منطقة حماة خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن هذا النظام كان معقداً ومتشعباً، لكنه كان يخضع لمنطق داخلي يقوم على تصنيف دقيق للإيرادات وتخصيصها لأغراض محددة. يوضح المؤلف أن الوصول إلى الإيرادات هو جوهر الصراع على المناصب في الدولة العثمانية، وأن التنوع الكبير في الضرائب لم يكن مجرد عشوائية، بل نتاج تقاليد إدارية وضرورات مالية وممارسات امتدت من العهود السابقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذا النظام المعقد. يبدأ الفصل بتأكيد أن سجلات المحكمة الشرعية في حماة هي المصدر الرئيسي للمعلومات حول النظام الضريبي المحلي، مع الإشارة إلى أن هذه السجلات لا تغطي كل سنة، وأن المحكمة كانت تُستدعى عادة في أوقات الأزمات أو عند تنفيذ إصلاحات مالية. يستخدم المؤلف بعض الأمثلة من هذه السجلات، مثل التنظيمات التي صدرت في أعقاب أزمة عام 1818 مع قبائل عنزة، والتي صدرت عام 1829 بسبب رفض السكان لإعادة تعيين فارع أغا بتهمة فرض رسوم غير قانونية.

يصنف الفصل الإيرادات في منطقة حماة إلى أربعة أنواع رئيسية: 1) الأموال الميرية والتكالیف العرفية (الضرائب والرسوم العادية)، 2) الخارجة (الضرائب الاستثنائية للحروب والكوارث)، 3) العوائد (الرسوم التي يحصلها أصحاب المناصب)، و 4) الجزية (الضريبة على غير المسلمين). يوضح المؤلف أن التمييز كان واضحاً بين الضرائب التي تحول إلى خزينة الدولة (مثل المير والتكالیف) وتلك التي تجمع لدعم أصحاب المناصب المحلية. وهنا نجد تفصيلاً مهماً: كانت ضريبة العبادية، التي تهدف إلى تعويض متصرف المنطقة عن المدفوعات التي يقدمها لوالي دمشق لضمان تعيينه، تشكل العبء الأكبر من هذا القسم الثاني.

يتناول الفصل آلية "الضرائب المركبة"، وهي أسلوب لتجميع عدد من الضرائب في بند واحد لتسهيل تحصيلها. المثالان الرئيسيان هما: 1) المال المقاطع، وهو فئة ضريبية للمزارع (الالتزامات) الريفية والحضرية التي تُطرح للمزاد. 2) المال فدان، وهو تقييم ضريبي نسبي للمساحة المزروعة (الفدان). يشرح الفصل بالتفصيل كيف تم تقسيم قرى سهل حماة إلى أربع فئات ضريبية بناءً على هذا النظام: قرى الحاصل (الأكبر عدداً وتدفع نسبة من المحصول بالإضافة إلى مبلغ ثابت)، قرى المقطوع، قرى التركمان، وقرى القطن. يقدم الفصل أرقاماً دقيقة عن توزيع العبء الضريبي لعام 1248 هـ (1831-1832م)، مبيناً أن حوالي 85% من الضرائب النقدية كانت تدفع من قبل الريف، بينما يتحمل سكان المدينة حوالي 10% فقط، مما يشير إلى عبء غير متناسب على الفلاحين. ويقدم جدولاً يقارن متوسط الضرائب لكل فدان في كل فئة، موضحاً أن قرى المقطوع كانت تعامل بتساهل نسبي (110 قرش لكل فدان) بينما قرى التركمان تدفع أكثر (225 قرش)، وقرى الحاصل كانت تتحمل العبء الأكبر.

ينتقل الفصل لمناقشة دور الدين في الضرائب. فعلى سبيل المثال، يشير إلى أن سكان جبل غربي، ومعظمهم من النصيرية، كانوا يتحملون أعباء ضريبية ثقيلة، وإن كان من غير الواضح إذا كان السبب دينياً أم لا. في المقابل، كانت الجزية تُفرض على المسيحيين واليهود وفقاً للشريعة الإسلامية، وتشكل حوالي 2% فقط من إجمالي ضرائب القرى المسيحية الكبيرة مثل محرادة وكفر بهوم، مما يدل على معاملة متساهلة نسبياً لهم. كما يذكر الإعفاءات الضريبية للأوقاف وبعض كبار رجال الدين.

أخيراً، يخصص الفصل قسماً كبيراً لتكاليف المجهود الحربي، أو ما يعرف بضرائب الذخائر. يصف كيف أن تكرار الحروب والثورات، مثل الغزو الفرنسي لـ مصر وفلسطين عام 1799 وحملة والي عكا عبد الله باشا عام 1821، فرض أعباء هائلة على المنطقة. يقدم الفصل أرقاماً توضح حجم المؤن التي طُلبت من حماة في عام 1799، والتي بلغت قيمتها حوالي 253,394 قرشاً، ولم يغط الخزينة سوى جزء صغير منها. يشير إلى أن التجار وأهل المال كانوا يُجبرون على المساهمة مادياً، وكانت المواد تُشترى بأسعار تقل بكثير عن السوق. ويذكر أن إصلاحات السلطان محمود الثاني العسكرية في أواخر عشرينيات القرن التاسع عشر أدت إلى فرض ضرائب جديدة مثل بدل عسكر (ضريبة بديلة عن الخدمة العسكرية) والتي فرضت على حماة في عام 1829 بمبلغ 20,000 قرش لقاء 30 مجنداً مفترضاً.

في النهاية، يعترف المؤلف بأن النظام الضريبي لم يكن نتاج حسابات دينية بحتة، بل كان محكوماً باعتبارات الضرورة والتقاليد والامتيازات والقوة القسرية. كما يقر بحدود هذه الدراسة، مشيراً إلى عدم وجود بيانات سكانية موثوقة لتحديد العبء الضريبي الحقيقي بدقة، وإلى أن بعض الضرائب الصغيرة تظل غامضة في طبيعتها في غياب سجلات كاملة. الفصل غني بالتفاصيل ولكنه يحافظ على تركيز واضح على آليات النظام الضريبي وتوزيع أعبائه دون الخوض في تعميمات غير مدعومة.

8.154–189▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل محاولةً لتحليل "منطق الظلم" في الإمبراطورية العثمانية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مركزاً على سياسات المالية والجباية في ولايات سوريا. يجادل المؤلف بأن الإجراءات الجائرة التي مارسها المسؤولون المحليون لم تكن مجرد فساد فردي، بل كانت نتيجة حتمية لمنطق النظام الإداري والمالي العثماني نفسه، الذي دفع المسؤولين إلى استنزاف الموارد لتعويض نقص التمويل الرسمي من الدولة وتأمين ولائهم لها.

يسير الفصل في بنية منطقية. يبدأ بمناقشة المفهوم الأيديولوجي الأساسي، وهو "دائرة العدل"، التي كانت تنص على أن ازدهار الفلاحين (مصدر الإيرادات) هو مسؤولية الدولة. لكنه يوضح كيف أن الأزمة المالية الحادة في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر حوّلت هذه الأيديولوجية إلى أداة لتحليل الأزمة ووضع سياسات للتعافي، مع بقاء النزعة المالية (Fiscalism) مسيطرة على الفكر السياسي العثماني. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى دراسة الفجوة بين الإيرادات الرسمية والنفقات الفعلية للحكام. يستشهد بتقديرات رسل (Russell) في منتصف القرن الثامن عشر بأن إيرادات حاكم حلب المنتظمة كانت تكفي فقط لتغطية ثلثي نفقاته السنوية. هذه الفجوة أجبرت المسؤولين، مثل حكام دمشق الذين يتحملون تكاليف قافلة الحج، على اللجوء إلى وسائل غير رسمية وغير قانونية في كثير من الأحيان لتغطية العجز وحماية مصالحهم.

يستعرض الفصل بالتفصيل الوسائل المتنوعة التي استخدمها المسؤولون لزيادة دخلهم، والتي قسمت إلى فئات رئيسية. تشمل هذه الوسائل الاستثمارات الشخصية في الاقتصاد المحلي (كالمشاركة في الزراعة والتجارة)، مثلما فعل حكام عائلة العظم الذين جمعوا ثروات طائلة من إنتاج الحبوب وتربية الماشية والتجارة البرية. ثم ينتقل إلى أساليب أكثر قسراً، مثل إنشاء الاحتكارات والتلاعب بالسوق؛ حيث يُضرب المثل بـأسعد باشا العظم الذي نجح في التلاعب بأسعار القمح لمصلحته دون أن يثير شغباً على الخبز، وذلك بفضل حرصه على إظهار بعض العدالة والكرم، على عكس جزار باشا في عكا الذي واجه معارضة عنيفة لسياساته الاحتكارية في دمشق. تشمل الوسائل الأخرى فرض القروض الإجبارية والمصادرة وفرض ضرائب إضافية غير قانونية، وغالباً ما يشار إليها مجتمعة بمصطلح "ظلم".

يلقي الفصل الضوء على دور السلطة المركزية المزدوج. فمن ناحية، كانت تتستر على هذه الممارسات وتستفيد منها لأنها تُبقي المسؤولين في حالة تبعية وولاء، وتُخفف عن الدولة عبء التمويل الكافي. ومن ناحية أخرى، كانت تحتفظ بحق التدخل والمحاكمة والمصادرة في أي وقت، مما أحاط مناصب كبار المسؤولين بعدم الأمان الدائم. كان الخطر الأكبر يتهددهم بعد عزلهم أو وفاتهم، حيث كانت مصادرة ممتلكاتهم (مثل ما حدث مع أسعد باشا العظم الذي أُعدم لتأمين مصادرتها) أداة مالية مهمة للدولة. يذكر الفصل أن ممتلكات أسعد باشا التي صودرت شملت 78 نولاً و2 فندقاً و236 محلاً و42 بستان خضار و3 حمامات و7 مزارع و20 بيتاً و2 طاحونة و4 مقاهٍ. يقر الفصل بأن نظام الهدايا والرشاوى للباب العالي كان جزءاً لا يتجزأ من إدارة شؤون الولايات، ويستشهد بتحويل محمد علي باشا (حاكم مصر) ما يقارب 740,000 قرش كهدايا في عام 1827، موزعة وفقاً لميزان القوى في العاصمة وليس حسب التسلسل الهرمي الرسمي.

في مستويات الحكم الأدنى (ناحية حماة كمثال)، يظهر النظام هشاشة مماثلة. كان حكام المقاطعات (المتصرفون) وجباة الضرائب (المُلتزمون) يعانون من ضائقة مالية مماثلة. تعرض الملتزمون (وخاصة العائلات الجديدة مثل الجزاخلي والبرازي) لخسائر في العقود غير المربحة، وأجبروا في بعض الأحيان على استثمار أموالهم في القرى المهجورة لإعادة تعميرها. كانت التجاوزات الأكثر فظاعة تأتي من حَمَلَة السيوف (العسكر والموظفين المسلحين) الذين فرضوا "العوارض" و"المسرّقات" (ضرائب غير قانونية) على الفلاحين، بينما كان حَمَلَة الأقلام (القضاة والملتزمون المدنيون) أقل ميلاً للجوء إلى القوة. يرسم الفصل صورة لنظام تتقاسم فيه كل المستويات الإدارية المسؤولية عن الظلم، لأنها كانت تعمل جميعاً ضمن نفس المنطق المالي الخانق.

أخيراً، يعترف الفصل بحدوده وتحفظاته. فهو يشير إلى صعوبة الثقة المطلقة في المصادر الرسمية (السجلات والعرائض) بشأن حجم الظلم المبلغ عنه، لأن المصطلحات الدينية مثل "بدعة" و"خارجي" كانت تُستخدم على نطاق واسع لوصف جرائم قد تتراوح بين الثورة العلنية وأخذ رشوة صغيرة. كما يقر بأن هناك فجوة بين الجداول الرسمية للضرائب والمبالغ الفعلية المحصلة، وأن هذه الفجوة كانت معروفة للسلطات التي غالباً ما تغاضت عنها طالما أن الإيرادات الرئيسية تتدفق. على الرغم من ذلك، فإن الحجة الأساسية للفصل قوية وقابلة للنقاش: فهي تتحدى الرؤية الأخلاقية البسيطة للظلم كفساد فردي، وتقدمه بدلاً من ذلك كنتيجة هيكلية لـ "منطق الظلم" الذي بنته الإمبراطورية لإدارة مواردها واحتواء نخبها المحلية.

9.190–212▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة حكم محمد علي باشا لسوريا، والتي استمرت عقداً من الزمن (1831-1841)، ويحاول تقديم تقييم متوازن لهذه الحقبة. يرى المؤلف أن الحكم المصري لم يكن قطيعة جذرية مع التقاليد العثمانية كما يُصوَّر غالباً، بل كان استمراراً لها مع اختلاف جوهري في القدرات. فالدولة المصرية الناشئة، بقيادة محمد علي، امتلكت قدرة أعلى على التعبئة والفرض مقارنة بالدولة العثمانية المركزية في ذلك الوقت، مما جعل تطبيقها للسياسات أكثر صرامة ونظامية.

يسير الفصل بتسلسل زمني ومنطقي. يبدأ بشرح دوافع محمد علي لغزو سوريا، والتي كانت نتيجة نزاع طويل الأمد مع الباب العالي حول تعويضات جهوده العسكرية، وليس مجرد خلاف مع والي عكا عبد الله باشا، الذي كان ذريعة للغزو في نوفمبر 1831. يصف الفصل الغزو السريع الذي قاده إبراهيم باشا نجل محمد علي، حيث لم يواجه مقاومة تذكر باستثناء حصار عكا الذي دام ستة أشهر. مع سقوط عكا واستسلام دمشق في يونيو 1832، أصبحت سوريا بأكملها تحت سيطرة المصريين بحلول صيف 1832.

يحدد الفصل ثلاث نتائج رئيسية لهذا الغزو. أولاً، زوال عكا كمركز سياسي واقتصادي لصالح دمشق. ثانياً، إدراج سوريا على أجندة القوى الأوروبية، خاصة بريطانيا التي دعمت العثمانيين وأدت سياستها في النهاية إلى فشل محمد علي في الاحتفاظ بسوريا. ثالثاً، إعادة توحيد سوريا تحت إدارة مركزية واحدة لأول مرة منذ عقود.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل طبيعة الحكم المصري. يوضح أن الهدف الأساسي كان استغلال سوريا لخدمة مصالح مصر، حيث كانت تُعامل كمقاطعة ثانوية. يعدد الفصل الاختلافات الرئيسية عن الحكم العثماني التقليدي، وأهمها:

  • إنهاء الاستقلال الذاتي للقوات المحلية: تم حل العديد من الميليشيات المحلية أو دمجها في الجيش المصري، باستثناء بعض الحلفاء مثل الميليشيات الدرزية والمسيحية في لبنان.
  • فرض سيطرة مالية مشددة: تم إلغاء نظام جمع الرسوم لدعم الموظفين واستبداله برواتب ثابتة، مما زاد العبء المالي على السكان.
  • سياسات جديدة صادمة: مثل نزع السلاح العام والتجنيد الإجباري الذي اعتُبر خرقاً صارخاً للتقاليد.
  • الاستخدام المكثف للسخرة والعمل الجبري.

على الجانب الإيجابي، يشير الفصل إلى أن المصريين حققوا درجة غير مسبوقة من الأمن العام، وقمعوا قطاع الطرق، واستثمروا في الزراعة بشكل كبير لتحفيز الاقتصاد الريفي. كما عاملوا المسيحيين واليهود بشكل متساوٍ مع المسلمين في معظم المجالات الإدارية، وهو ما أثار استياء المسلمين السنة، خاصة مع فرض ضريبة "الفردة" التي اعتُبرت مشابهة للجزية التمييزية.

يُبين الفصل كيف تطور رد فعل المجتمع السوري تجاه الحكم المصري على مرحلتين. في السنتين الأوليين (1832-1834)، ساد الأمن والازدهار النسبي، مما خفف من حدة السياسات الجديدة، لكن هذا تغير بعد توقيع معاهدة كوتاهية (8 أبريل 1833) التي شرّعت حكم محمد علي في سوريا. شرعت السلطات المصرية في فرض سيطرة صارمة على المالية، وعزل العديد من المسؤولين المحليين بتهم الفساد، مثل مصطفى آغا بربر والي طرابلس في أكتوبر 1833، وزيادة الضرائب بشكل كبير. هذا أدى إلى اندلاع ثورات عديدة في عام 1834، خاصة في فلسطين وجبال النصيرية، تم قمعها بوحشية.

يخصص الفصل قسماً للنخب المحلية وكيفية تعاملهم مع الحكم الجديد. كانت دمشق المركز السياسي، وعادت إليها عائلات مثل المرادي (العلماء) ووجدت العائلات الحاكمة القديمة مثل "العظم" مواقع في المجالس الاستشارية الجديدة. بالنسبة لحماه، يقدم الفصل تفاصيل دقيقة عن التغييرات المتكررة في منصب المتسلم، حيث تم عزل رشيد آغا الشملي في 1833 بتهم الابتزاز، وعاد فراج آغا للمنصب في 1834 رغم تحفظ السلطات عليه. ظلت عائلتا "العظم" و"الكيلاني" مسيطرتين على النخبة المحلية، خاصة العلامة محمد علي أفندي الكيلاني الذي احتفظ بنفوذه.

أما المحور الأهم في الفصل فهو الضرائب التي بلغت ذروتها بهدف "تعظيم الإيرادات". يقدم المؤلف أرقاماً دقيقة تُظهر زيادة هائلة في الإيرادات. ففي منطقة حماه، ارتفع إجمالي الإيرادات من حوالي 1.5 مليون قرش في 1831/1832 إلى أكثر من 4.5 مليون قرش في 1840. تضاعفت إيرادات القرى الزراعية التقليدية بأكثر من ثلاثة أضعاف. كما تحولت ضريبة "الفينة" من رسم بسيط لصيانة محطات البريد إلى أكبر ضريبة عقارية في المنطقة، تُقدر قيمتها بـ 900,000 قرش. ويشير المؤلف إلى أن هذه الأرقام أثارت إعجاب العثمانيين بعد عودتهم، حتى أن الإيرادات التي وصلت إلى خزينتهم انخفضت بنسبة 38% في 1842 مقارنة بالعصر المصري.

أخيراً، يتناول الفصل السياسات الزراعية والقبلية. نجح المصريون في توسيع الرقعة المزروعة بنسبة 60% في منطقة حماه، من خلال تقديم الحوافز والإقراض والإسكان القسري للبدو والفلاحين في القرى المهجورة. تم كبح جماح قبائل "عنزة" ومنعها من جمع "الخاوة"، وهو ما تم بمساعدة قوات زعيم قبيلة "الموالي" محمد خرفان بك. ومع ذلك، يعترف الفصل بأن هذا التوسع هش، إذ هجر معظم المستوطنين الجدد قراهم فور تخفيف الضغط العسكري المصري، ولم ينجُ سوى القليل من هذه القرى من الخراب مجدداً في أربعينيات القرن التاسع عشر.

في الختام، يقرّ الفصل بأن الحكم المصري لم يحل المشاكل الهيكلية للدولة التقليدية مثل نقص الموارد وإساءة استخدام السلطة. بل تحولت سياسة الاضطهاد من فعل فردي من قبل الوكلاء المحليين إلى سياسة دولة منهجية ومكلفة مالياً وبشرياً. يخلص الفصل إلى أن العقد المصري لم يكن نقطة تحول جذرية كما يعتقد البعض، وأن القوى القبلية استمرت في التأثير، وأن القمع المنهجي أثبت أنه أكثر كلفة من القمع الفردي التقليدي، مما جعل استدامة هذا النموذج مستحيلة.

10.213–220▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب "العثمانيون في سوريا" محاولةً لتجميع خيوط التحليل التي نُسجت في الفصول السابقة، وتقديم إجابة شاملة عن السؤال المحوري: كيف حكمت الدولة العثمانية ولاياتها السورية، وما العوامل التي أدت إلى ضعف هذا الحكم وعدم استقراره؟ يجيب المؤلف بأن النظام العثماني واجه معضلتين جوهريتين لم يتمكّن من حلهما، وهما الندرة المتكررة في الموارد المالية والنزعة الطاردة المركزية الناتجة عن تفويض السلطة. ويخلص إلى أن الحكم المصري القصير لسوريا (1831-1840) مثّل محاولة جذرية لحل هاتين المعضلتين باستخدام القوة الممنهجة، لكنه فشل في النهاية لأنه افتقر إلى الشرعية الدينية التي كانت أساس الحكم العثماني، مما جعله في نظر السكان المحليين تجسيداً للظلم.

يبدأ الفصل باقتباس من أمر عثماني لولاية حماة بعد جلاء القوات المصرية، يُظهر وعي السلطات العثمانية بالأعباء الجسيمة التي عانى منها السكان: البيع الجبري للحبوب للجيش بأقل من نصف قيمتها، والسخرة، ومصادرة البيوت، وفرض ضرائب غير قانونية. يلغي الأمر هذه الممارسات بشكل قاطع، ويتعهد بالرحمة والعدالة، مستخدماً لغة أبوية وصوراً رعوية عن السلطان الذي "يرعى" رعيته. يشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب يعكس أيديولوجية عثمانية تقليدية لم تعد ملائمة للعصر.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل "دائرة العدل" العثمانية، وهي النظرية السياسية التي تشكل أساس الشرعية. تقوم هذه الدائرة على فكرة أن السلطان والطبقة العسكرية (العسكر) يخلقون الظروف الملائمة لازدهار الرعية، وفي المقابل تنتج الرعية الثروة التي تمكن السلطان والعسكر من حمايتهم. السلطان يملك السلطة المطلقة ويضمن العدل، وأي ظلم يُعرّف بأنه إساءة استخدام السلطة المفوضة. وفق هذه النظرة، فإن مشكلة نقص الموارد ليست مشكلة اقتصادية بل سياسية، وحلها يكمن في استعادة العدل وإقامة علاقات السلطة الصحيحة.

يتناول الفصل بالتفصيل معضلة تفويض السلطة. استخدمت السلطة المركزية العثمانية أدوات مثل التناوب على المناصب العليا والفصل بين السلطات، وأحياناً التدخل التعسفي، للحفاظ على تبعية حكام الأقاليم. لكن تفويض السلطات الواسعة لولاة الولايات (مثل والي دمشق) ونوابهم (المتصرفين) كان ضرورياً لجمع الضرائب وحماية الإنتاج وتنظيم الحج السنوي إلى مكة. هذا التفويض مكّن هؤلاء الحكام أيضاً من الانخراط في التجارة وتضخيم دخلهم، رغم أن الشكاوى من سياساتهم الاقتصادية (كالممارسات الاحتكارية والاحتكار) كانت تكبح جماحهم أحياناً.

يوضح المؤلف أن الحكام كانوا في مأزق مالي دائم، لأن التخصيص الرسمي للإيرادات كان أقل بكثير من نفقاتهم الفعلية. كانت السلطة المركزية تتعمد عدم توفير الأموال الكافية لسببين: أولاً، لتحميل الحكام مسؤولية عجز الميزانية المحلية، وثانياً، لاستخدام أساليبهم غير الشرعية في جلب الدخل كذريعة للتدخل والضغط عليهم. هذا النظام خلق تبعية قوية للحكام على السلطة المفوضة، التي يمكن سحبها في أي لحظة. لكنه أيضاً أتاح لهم بناء قواعد محلية قوية، أبرزها البيوتات العسكرية لعائلة العظم في دمشق وجزار باشا ومماليكه في عكا. هذه البيوتات شكلت خطراً على السلطة المطلقة للسلطان، رغم ندرة التحديات المباشرة والعلنية.

أما القسم الخاص بـ "الإكراه وإساءة استعمال السلطة" فيناقش الدور المحوري للقوة العسكرية في الإدارة. طبقة العسكر (العسكرية) كانت الفئة المهيمنة، لكنها كانت أكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها على السلطة المفوضة. فمسيرة الحاكم العسكري قد تنتهي بالإعدام أو الموت في المعركة. في المقابل، كانت طبقة العلماء (القضاة ورجال الدين) في موقع أكثر أماناً، لأن سلطتهم مستمدة من الشريعة والتقاليد المحلية، مما جعل تعرضهم للعنف نادراً. يُظهر الفصل كيف أن تعسف جزار باشا مع علماء دمشق كان استثناءً ساهم في سمعته السيئة. يخلص الكاتب إلى أن الإكراه في النظام العثماني كان أداة غير متوقعة العواقب، ولكن عندما طُبق بشكل منسق ومنتظم، كما في عهد محمد علي باشا في مصر، أصبح أداة فعالة. التجنيد الإجباري ونزع السلاح وتوزيع القوات جعل السكان أكثر ضعفاً، وخَلق شكلاً حديثاً من الإكراه، لكنه كان بالنسبة للسوريين المظلمة القصوى للظلم.

يتناول القسم الأخير موضوع الموارد. الاستثمار العسكري الضخم لولاة مثل جزار باشا وكنج يوسف باشا استنزف مواردهم وأدى إلى تفتت السلطة. الهجرات القروية، التي بلغت أوجها حوالي عام 1800، كانت ناجمة بشكل رئيسي عن الإفراط في استغلال الفلاحين وليس فقط عن ضغط القبائل البدوية (مثل المَوالي وعَنَزة). مع تراجع العنف الطائفي خلال العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر، تعافى الاقتصاد الريفي (في منطقة حماة مثلاً)، لكنه ظل هشاً. في المقابل، الإنفاق العسكري لمحمد علي باشا فاق بكثير إنفاق أسلافه، لكن حكمه لم يحل المشكلة المالية. احتلال سوريا (1831-1832) لم يحل أزمته المالية، وزاد من استنزاف الموارد عبر التجنيد والعمل الجبري. في النهاية، يقرّ المؤلف بأن الحكم المصري أنتج ثروة وزرع مساحات زراعية أكبر، وأعاد بناء علاقات السلطة، لكنه فشل في الحلقة الأهم في دائرة العدل: الشرعية. كان حكمه غير شرعي لأنه لم يستند إلى السلطة الإلهية للسلطان، فكان عندئذٍ، من وجهة النظر العثمانية، مجرد ظلم.

حجج قابلة للنقاش: يمكن مناقشة تفسير المؤلّف لـ"فشل" الحكم المصري. فهو يقرّ بكفاءته وإنتاجيته، لكنه يعلِّل عدم قبوله بنقص الشرعية الدينية فقط. هذا يفتح الباب للتساؤل: هل كان السبب الحقيقي هو القمع العسكري الشامل والتجنيد الإجباري، وهل كان رفض السكان لهذا الحكم نابعاً من الشعور بـ"الظلم" بمعناه التقليدي فقط أم من صدمة مواجهة الدولة الحديثة المتطلبة؟