المورد
The Religions of Modern Syria and Palestine

The Religions of Modern Syria and Palestine

Frederick Jones Bliss١ كانون الثاني ١٩١٢enGorgias Press

يبدأ كتاب «أديان سورية وفلسطين الحديثة» لفريدريك جونز بليس من مشهد حيوي يعكس التنوع الديني المذهل في المنطقة: خمس قرى لبنانية صغيرة تمتد على منحدر جبلي يطل على البحر المتوسط على ارتفاع ألفين وخمسمئة قدم، تفصل بينها مئات الياردات فقط، لكن كل واحدة منها تمثل طائفة مختلفة. ففي سدّ الغرب تسكن أغلبية أرثوذكسية يونانية مع بعض البروتستانت، وفي مكّين دير كبير للكاثوليك اليونانيين، أما عيطات فخالصة للدروز، وكفين لشيعة المطاولة، وشملان للموارنة. هذا المشهد المصغر يفتح الباب أمام سؤال محوري: كيف تشكلت هذه الفسيفساء الدينية الفريدة، وما القوى التي أبقتها حية رغم قرون من التعايش والصراع؟

يدافع بليس عن أطروحة أساسية مفادها أن الغريزة الدينية في سوريا وفلسطين ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل قوة حية وفاعلة تختلف جوهرياً عن العلمانية الغربية. يرى أن فكرة الإله حاضرة في الوعي العام بحيوية تفتقر إليها المجتمعات البروتستانتية المعاصرة، وأن عبارة «إن شاء الله» ليست مجرد بديل عن «أتمنى»، بل تعبير عن إيمان فاعل. يقدم مثالاً صارخاً على ذلك من خلال حكاية والده مع راعي غنم أمي لم يسأله فقط إن كان يؤمن بالمسيح، بل دخل في جدل لاهوتي حول انبثاق الروح القدس، متبعاً بذلك خلافاً عمره ثمانمئة عام. هذا الوعي الديني العميق يجعل السوري يُصنف دائماً وفقاً لطائفته، حتى في أبسط الأمور، كالسؤال عن دين طبق طعام لذيذ.

لكن بليس لا يكتفي بالدهشة أمام هذه الحيوية الدينية، بل يقدم تحليلاً تاريخياً دقيقاً لكيفية تطور هذه الطوائف. يبدأ من أيام الرسل الأولى، حين كان سكان سوريا يتراوحون بين ستة وسبعة ملايين نسمة منهم نحو مليون يهودي، ثم يتتبع الانشقاقات التي مزقت المسيحية المبكرة. يشرح كيف تطورت المسيحية على خطين متوازيين: هليني في المدن وسوري في الريف، مما أنتج نوعين من الكنائس: يونانية تستخدم اليونانية، وسورية تستخدم السريانية. أول انشقاق واضح حدث على يد الراهب يعقوب البرادعي الذي توفي عام 578 ونظم اليعاقبة المونوفيزيين. أما الموارنة، أكبر الجماعات المسيحية ترابطاً، فقد نشأت من هرطقة المونوثيليتية التي اقترحها الإمبراطور هرقل في القرن السابع، ورفض سكان لبنان التخلي عنها حتى بعد إدانة مجمع القسطنطينية الثالث عام 680، فنظموا أنفسهم كجسد منفصل عام 685 منتخبين يوحنا مارون بطريركاً.

مع ظهور الإسلام، يطرح بليس فكرة جريئة: الغالبية العظمى من المسلمين الحاليين هم من نسل مسيحيين اعتنقوا الإسلام، وكثير منهم كانت مسيحيته مجرد «قشرة رقيقة فوق أساس وثني لم يُستأصل أبداً». ويزرع الفتح الإسلامي بذور انقسام جديد داخل الإسلام نفسه بين سنة وشيعة حول الخلافة، مما أثمر ثلاث طوائف سرية في الجبال اللبنانية والشمالية السورية: الدروز الذين انفصلوا عن الإسماعيلية في العصر الفاطمي وبلغ عددهم آنذاك نحو مئة وخمسين ألفاً، والنصيرية الذين يدعون الإيمان بأئمة الشيعة الاثني عشر، والإسماعيلية التي اشتقت منها طائفة الحشاشين التي لا يزال أحفادها يعيشون بأعداد تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألفاً.

يخصص بليس مساحة كبيرة لتحليل دستور الكنائس الشرقية الخمس الرئيسية: الأرثوذكسية اليونانية، والكاثوليكية اليونانية (الملخيتيين)، والمارونية، والسريانية القديمة (اليعقوبية)، والسريانية الكاثوليكية. يكشف عن مفهوم «الاستقلال الذاتي» (autocephaly) الذي يربط السلطة الزمنية بالروحية في الكنيسة الأرثوذكسية، ويفنّد فكرة سيادة بطريرك القسطنطينية على البطاركة الآخرين، مؤكداً أنهم متساوون ومستقلون، وأن لقب «المسكوني» يجعله فقط «الأول بين المتساوين». لكنه يسلط الضوء على صراع عنيف داخل الكنيسة الأرثوذكسية بين العناصر السريانية المحلية والعناصر اليونانية، خاصة في بطريركية القدس حيث هيمنت أخوية القبر المقدس اليونانية باستثناء السريان المحليين من الرتب الأسقفية، مما أدى إلى توتر بلغ ذروته بإغلاق الكنائس الرعوية في القدس عام 1909 احتجاجاً على إدارة ثروة الأماكن المقدسة التي يُقدر دخلها السنوي بأكثر من مليون دولار تركي.

بعد تحليل الهياكل الكنسية، يغوص بليس في تفاصيل الطقوس، كاشفاً عن عالم غني بالرمزية والتنوع. اللغة الطقسية إما يونانية قديمة أو سريانية، لكن الكتب الرئيسية تُرجمت إلى العربية ليفهمها العامة. في الكنائس الشرقية، يفصل الحاجز الأيقوني المذبح عن صحن الكنيسة، ويعبر عن مفهوم القداس كسرّ يجب أن يحتفل به الكاهن في الخفاء. القداس نفسه مشتق من قداس القديس يعقوب اليوناني القديم، لكن عدد القداسات السريانية يتجاوز أربعين شكلاً. يصف بليس بالتفصيل عملية «تقديس القرابين» التي تستغرق ساعة كاملة، حيث يُكتب على الخبز المخمّر «يسوع المسيح ينتصر». ومن الطقوس المثيرة قبلة السلام في الكنائس السريانية، التي تنتقل من الكاهن إلى الشمامسة ثم إلى أحد المصلين الذي ينشرها للمصلين عن طريق المصافحة ومسح الخدود.

أما في تحليله للإسلام، فيطرح بليس حجة مثيرة للجدل: الإسلام، رغم اشتراكه مع المسيحية في بعض المعتقدات، يتميز بـ «جو أخلاقي منخفض» ينبع من جذور لاهوتية. يرى أن حياة محمد لا تقدم مثالاً أخلاقياً يضاهي حياة المسيح، ويستشهد بتشريع تعدد الزوجات وسهولة الطلاق. لكنه يعترف بوجود قديسين صالحين في الإسلام، ويشهد مبشرون ورجال أعمال على نزاهة المسلمين، مما يخلق تناقضاً في حجته. يكرّس فصلاً كاملاً للطرق الصوفية، أو «الطرائق»، التي يراها تياراً روحياً حيوياً في مقابل شكلية العلماء. يصف تنظيمها الهرمي الذي يبدأ بالشيخ مروراً بالخلفاء والمقدمين وانتهاءً بالمريدين، ويذكر أن تسعاً من أصل ثمانية وثمانين طريقة صوفية معروفة لها وجود في سوريا وفلسطين، وأكثرها انتشاراً القادرية والرفاعية والبدوية والدسوقية والسعدية. ويصف طقوساً مذهلة كالقفز من مآذن عالية أو المشي في النار كاختبار لصدق المريدين.

يكشف الفصل المخصص لسمات الإسلام الأخرى عن تناقضات صارخة: فالإسلام يمتدح لأنه دين ينبذ الخمر تماماً، حيث يعاقب الشرب بالجلد، لكن بليس يلاحظ زيادة في الشرب بين المسلمين في المدن الساحلية، ويعزوها إلى التأثيرات الغربية. وفي أسوأ حالاته، يستمر نظام الرق متجذراً في التشريع الإسلامي، مع وجود تجارة بالرقيق بين السودان وحلب حتى قبل ثلاثين عاماً من كتابة الكتاب، وتقدير عدد العبيد البيض في دمشق وحدها بألفي عبد معظمهم من الشركس. أما وضع المرأة، فيرى بليس أن محمداً حسّنه كثيراً مقارنة بالجاهلية، لكن التطور توقف بوفاته. ويصف العزلة في الحريم، والزواج كعقد مدني يمكن للرجل فيه تطليق زوجته بقوله «أنت طالق» ثلاث مرات، لكنه يستدرك بالإشارة إلى أن نساء الريف يتمتعن بحرية أكبر، ويقدمن مثالاً لامرأة فلاحة قوية الشخصية كانت تدير ممتلكاتها وتتحكم في زوجها.

يقر بليس بحدود تحليله في مواضع متعددة. في الفصل المخصص للإسلام، يعترف بالتناقضات داخل القرآن نفسه بين آيات تؤكد القضاء والقدر وأخرى تظهر مسؤولية الإنسان. وفي الحديث عن الطوائف المسيحية، يترك الحكم النهائي معلقاً حول الشكاوى السريانية ضد الهيمنة اليونانية على الأماكن المقدسة، معترفاً بأن للأخوية اليونانية جانباً آخر من القصة. كما يحذر من عدم دقة الإحصاءات السكانية التي يعتمد عليها (المأخوذة من دليل بيديكر عام 1906).

في الفصل الختامي عن تأثير الغرب، يصل الكتاب إلى ذروته التحليلية. يرى بليس أن العمل التبشيري المباشر مع المسلمين لم يحقق نجاحاً يذكر، لأن الردة عن الإسلام جريمة يعاقب عليها بالإعدام. وحتى مع الدروز، أعاق العمل تبني ظاهري للمسيحية لأغراض سياسية، كما حدث قبل غزو إبراهيم باشا عام 1835 حين تظاهر الدروز بأنهم مسلمون ثم أعلنوا أنفسهم بروتستانت هرباً من التجنيد. أما اليهود، فلم يتجاوز عدد المعمدين بينهم 150 شخصاً بحسب ريختر، بينما يقدر العدد الإجمالي للبروتستانت في سوريا وفلسطين بنحو عشرة آلاف نفس فقط. لكن التأثير الأكبر للغرب كان عبر التعليم: افتتحت البعثة الأمريكية أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية عام 1830 في بيروت، وتوج هذا العمل بتأسيس الكلية السورية البروتستانتية عام 1866 التي بدأت بـ 16 طالباً ومعلمين اثنين، وبلغ عدد طلابها عام 1911 نحو 874 طالباً يمثلون أكثر من اثنتي عشرة جنسية، ويديرها 77 عضو هيئة تدريس.

يختتم بليس بأمل مثير للجدل: أن الغرب يمكن أن يتعلم من الشرق كما يتعلم الشرق من الغرب، وأن إمكانية إصلاح الإسلام من الداخل قائمة، إذا قادها رجال تعلموا من المبشرين دراسة حياة وتعاليم المسيح. يمكن القول إن الكتاب، رغم قيمته الإثنوغرافية الهائلة، يعاني من نزعة استشراقية واضحة في أحكامه القيمية، خاصة عندما يصف «الجو الأخلاقي المنخفض» للإسلام كخاصية جوهرية مشتقة من لاهوته، متناقضاً مع اعترافه بوجود أفراد صالحين ونزهاء بين المسلمين. كما أن تركيزه على الطقوس الغريبة والممارسات «الخرافية» في الصوفية والمسيحية الشرقية يخلق أحياناً صورة مشوهة تغلب الغرابة على الفهم العميق. ومع ذلك، يبقى الكتاب وثيقة نادرة عن حياة دينية نابضة اختفت تماماً مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وما زالت أصداء انقساماتها تتردد في المنطقة حتى اليوم.

الفصول(7)

1.البيئة التاريخية17–48▼ ملخص

يبدأ الفصل بمشهد حيوي لخمس قرى لبنانية صغيرة تمتد على مسافة ميلين تقريباً على المنحدر المطل على البحر الأبيض المتوسط، على ارتفاع ألفين وخمسمئة قدم تقريباً فوق سطح البحر. هذه القرى، التي اختيرت بشكل شبه عشوائي، تقدم صورة مصغرة عن التنوع الديني في سوريا وفلسطين. ففي سدّ الغرب يسكن أغلبية من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، إلى جانب بعض العائلات البروتستانتية. وتمتد منها شمالاً مكّين التي يقع فيها دير كبير للكاثوليك اليونانيين. أما عيطات فيسكنها الدروز بالكامل تقريباً، أتباع ديانة سرية غامضة. وفي الأعلى على السلسلة الجبلية كفين التي لا يسكنها إلا المسلمون من شيعة المطاولة. وأخيراً شملان حيث يسكن الموارنة، الفخورون بعضويتهم في الكنيسة السورية الوطنية اللبنانية. وهكذا، ضمن مسافة بضع مئات من الياردات، نجد أمثلة من جميع الأديان التي سيناقشها الكتاب بالتفصيل، باستثناء المسلمين السنة واليعاقبة والسريان الكاثوليك.

قبل الخوض في تاريخ هذه الطوائف، يتوقف المؤلف ليتأمل سطوة الدين ذاته، بغض النظر عن شكله الخاص، على النفس السورية. يرى أن فكرة الإله حاضرة في الوعي العام في سوريا وفلسطين بحيوية تفتقر إليها في المجتمعات البروتستانتية الغربية المعاصرة. فالمطر لا ينزل فقط على الأبرار والأشرار، بل يؤمن الجميع أن الله هو من يرسله، وهذا الإيمان ليس مجرد تقليد بل أمر فاعل ومؤثر. عبارة "إن شاء الله" ليست مجرد بديل عن "أتمنى"، ولغة الحياة اليومية مليئة بهذه العبارات الدينية. حتى الإشارة تكفي أحياناً، كما في قصة البائع المتجول المصري الذي أشار إلى السماء فقط ليشهد على صحة قوله.

هذه الغريزة الدينية المهيمنة تجعل السوري يُصنف دائماً وفقاً لطائفته. قد تسأل عن تفاصيل جريمة قتل فتُجاب: "مسلم قتل مسيحياً" أو "مسيحي أطلق النار على درزي". ومن الشائع وصف الخدم بقول: "اثنان أرثوذكسيان، واحد ماروني، وآخر كاثوليكي يوناني". ويتجلى ذلك في سؤال قد يُطرح لمعرفة مكونات طبق لذيذ: "شو دينه؟". ثم يسوق المؤلف قصة والده مع راعي غنم صغير أمي لم يسأله فقط إن كان يؤمن بالمسيح، بل سأله إن كان يؤمن بأن الروح القدس ينبثق من الآب والابن أم من الآب وحده، متبعاً بذلك جدلاً لاهوتياً عمره ثمانمئة عام. وهذا يثبت أن حتى الفلاحين غير المتعلمين لديهم معرفة بالشكليات الخارجية لدينهم لا يضاهيها شيء في الغرب.

يقر المؤلف بأن فكرة الله في الشرق أكثر حيوية وانتشاراً مما هي عليه في الغرب، ويقدم تفسيراً جزئياً لذلك. فمنذ كشف الأنبياء العبرانيين أن الله هو إله البر، أصبح الدين والأخلاق متلازمين في المثالية اليهودية والمسيحية والإسلام. لكن في الممارسة الفعلية، هذه الرؤية تشوشت. في الشرق، هذه العلاقة ليست واضحة تماماً. أما في الغرب، فقد أعاد الإصلاح إحياء هذه المثالية، لكن ثمن التحرر من الخرافات كان فقدان الوعي المشترك بالله. فالنظرية البيوريتانية الصارمة تميل إلى تقسيم الناس في هذه الدنيا، فلا تقدم عزاءً دينياً للإنسان غير الأخلاقي. وهذا يفسر قوة وضعف هذه الطوائف الشرقية. ويخلص المؤلف إلى أن الحاجة ماسة إلى توليف بين فكر الشرق والغرب: فكرة الله في الشرق تحتاج إلى نقاء أخلاقي أكبر، بينما المفهوم الغربي يحتاج إلى حيوية وانتشار أوسع.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تطور الطوائف الكبرى. في يوم الخمسين حين بدأ الرسل بالتبشير، كان سكان سوريا يتراوحون بين ستة وسبعة ملايين نسمة، منهم حوالي مليون يهودي، بينما في فلسطين كان عدد اليهود حوالي سبعمئة ألف. كانت الكنيسة المسيحية الأولى في أورشليم يهودية، لكن بفضل بولس الرسول بشر بالإنجيل للأمم أيضاً. اختفت الكنيسة الأم في أورشليم عندما منع الإمبراطور هادريان جميع المختونين من دخول إيليا كابيتولينا التي بناها. في السنة التاسعة عشرة من حكمه، كان أسقف أورشليم رجلاً وثنياً يونانياً، ومنه ينسب البطريرك اليوناني الحالي سلالته الكنسية المتصلة. في القرن الثاني، اندمج جزء كبير من الكنيسة اليهودية مع جسد المسيحية الرئيسي، وبحلول عام 180 ميلادي وصفت الكنيسة الكاثوليكية اليهود المسيحيين بالهراطقة. اليهود الثمانون ألفاً في فلسطين اليوم قد ينحدر أصل معظمهم من إسبانيا وروسيا وبولندا ورومانيا والجزيرة العربية، بينما الستون ألف يهودي في دمشق وحلب هم سوريون أصليون في كل شيء سوى الدين، ومن المحتمل أن أسلاف الكثيرين منهم عاشوا في سوريا منذ زمن الشتات. أما أسلاف المسيحيين فيجب البحث عنهم بين الوثنيين الذين بشرهم بولس.

تطورت المسيحية في سوريا وفلسطين على خطين متوازيين: هليني في المدن وسوري في الريف. نشأ نوعان من الكنائس: اليونانية التي تستخدم اليونانية في خدماتها، والسورية التي تستخدم السريانية أو الآرامية. أصبحت أنطاكية مقر النوع اليوناني، وأصبحت الرها البعيدة مقر النوع السوري. وقد نجا هذان النوعان حتى اليوم، فالنوع اليوناني تمثله الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والكاثوليك اليونانيون الملخيتيون الذين انفصلوا عن الأرثوذكس في عام 1724، والنوع السوري تمثله الكنيسة السورية اليعقوبية والكاثوليك السريان (وهي جماعة حديثة نسبياً) والموارنة. مصطلح "ملخيتي" يعني "الملكيين" أو "رجال الملك"، وقد أطلقه الهراطقة على أولئك الذين خضعوا للإرادة الإمبراطورية في الأمور العقائدية.

حدث أول انشقاق واضح عن الكنيسة الكاثوليكية في سوريا على يد الراهب يعقوب البرادعي الذي توفي عام 578، ونظم رجال الدين السريان المؤمنين بالمونوفيزية (الطبيعة الواحدة للمسيح) في هيكل هرمي خاص بهم، فعُرفوا باليعاقبة. لكن الأكثر أهمية هو أصل الموارنة في لبنان، الذين شكلوا أكبر وأكثر الجماعات المسيحية ترابطاً. هرطقة الموارنة تعود في الأصل إلى الإمبراطور هرقل في القرن السابع، الذي اقترح المونوثيليتية (المشيئة الواحدة) كحل وسط. عندما أدانت مجمع القسطنطينية الثالث عام 680 هذه البدعة، رفض سكان لبنان التخلي عنها، ونظموا أنفسهم كجسد منفصل عام 685 منتخبين يوحنا مارون بطريركاً. خضع الموارنة لسلطة روما عام 1182، لكنهم لم يبدأوا في التكيف مع الممارسة الرومانية إلا في العصر الحديث نسبياً، وهم ينكرون أنهم كانوا هراطقة في السابق. اللغة الطقسية لليعاقبة والموارنة حتى اليوم هي السريانية.

مع الخمول الروحي والانقسامات العقائدية في المسيحية، ظهر الإسلام. هجرة محمد من مكة إلى المدينة في عام 622 تؤرخ لبداية العصر الإسلامي. بعد عشر سنوات، كان الإسلام قد غزا الجزيرة العربية، وفي ست سنوات أخرى خضعت سوريا وفلسطين كلها للحكم الإسلامي. ظلت هذه الأراضي تحت هذا الحكم، باستثناء فترة الحكم الصليبي، لمدة ثلاثة عشر قرناً. عندما بدأ الفتح الإسلامي، كان سكان سوريا وفلسطين مسيحيين اسمياً، لكن اليوم يقل عدد المسيحيين عن نصف عدد المسلمين. ذرية خالد بن الوليد لا تزال بارزة في حياة القدس حتى اليوم. اختار المسيحيون الباقون دفع الجزية للفاتحين، ويعتقد المؤلف أن الغالبية العظمى من المسلمين الحاليين هم من نسل المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام، وكثير منهم كان مسيحيته مجرد قشرة رقيقة فوق أساس وثني لم يُستأصل أبداً.

يزرع الفتح الإسلامي بذور الانقسام داخل الإسلام نفسه، الذي نتج عنه انقسام العالم الإسلامي إلى سنة وشيعة. سبب الانقسام هو الخلافة أو وراثة محمد. التجأ طرف حول أبو بكر، والآخر حول علي وابنه الحسين الذي قتل في كربلاء، التي أصبحت أرضاً مقدسة للشيعة. أثمر هذا الانقسام ثلاث طوائف سرية في لبنان والجبال الشمالية: الدروز والنصيرية والإسماعيلية. الإسماعيلية هم طائفة انشقت عن الشيعة حول هوية الإمام، ومنهم اشتقت طائفة الحشاشين التي ملأت أوروبا رعباً في زمن الحروب الصليبية. أحفادهم لا يزالون يعيشون بأعداد تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألفاً بالقرب من أوكارهم السورية السابقة. الدروز انفصلوا عن الإسماعيلية في نفس الوقت تقريباً، وهم مستمدون من خلافة فاطمية أسسها شيعة مصر عام 969. شجع أحد دعاة الإسماعيلية، ويدعى درازي، الخليفة الحاكم بأمر الله في ادعاءاته بالألوهية، ومن هنا جاء اسم الدروز. يقدس الدروز حمزة باعتباره مؤلف مئة وإحدى عشرة رسالة في ستة مجلدات تحتوي عقائدهم السرية. يبلغ عدد الدروز حالياً حوالي مئة وخمسين ألفاً، معظمهم في جنوب لبنان وحوران. النصيرية يدعون الإيمان بأئمة الشيعة الاثني عشر، وتختلف التقديرات حول عددهم.

المرور السريع على الحروب الصليبية يشير إلى أن تأثيرها الضئيل على الحياة الدينية اللاحقة هو محور الأطروحة. التأثير الدائم للصليبيين كان اجتماعياً وليس دينياً، إذ أدخلوا الأفكار الإقطاعية. أما التأثير الديني فكان محدوداً بملء المناصب الكنسية باللاتينيين، لكن لم يحدث انقطاع حقيقي في التسلسل الهرمي اليوناني. عندما خسر الصليبيون موطئ قدمهم الأخير في سوريا عام 1292، عاد جميع أعضاء التسلسل الهرمي اليوناني إلى أماكنهم. كانت التغييرات الكنسية منذ ذلك الحين تتعلق بالولاء في المقام الأول: انضمام الموارنة إلى روما عام 1182، انشقاق الكاثوليك اليونانيين الملخيتيين عن الأرثوذكس عام 1724، انفصال الكاثوليك السريان عن اليعاقبة قبل ذلك بقليل، وظهور البروتستانت وعددهم عشرة آلاف نتيجة عمل البعثات التبشيرية الأجنبية التي بدأها المجمع الأمريكي عام 1821.

يشرح القسم الأخير من الفصل العلاقات المتبادلة بين هذه الطوائف. عندما اعتلى السلطان محمد الثاني العرش عام 1453، أدرك أن الشريعة الإسلامية لا يمكن تطبيقها على المسيحيين، فاختار السماح لهم باتباع تنظيماتهم الخاصة. وهكذا أصبحت كل مجموعة طائفة أو "مِلة"، وهي دولة داخل دولة. كل بطريرك أو رئيس معترف به للجماعة يحصل على "برات" أو فرمان. الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية حصلت على امتيازات أوسع من أي جماعة أخرى. تم تنظيم البروتستانت كجسم متميز بموجب فرمانين الأول عام 1850 والثاني عام 1853. وحدهم الموارنة ليس لديهم فرمان فعلي، لأن الأسبقية تحل محل التفويض الرسمي. يشير المؤلف إلى سوء فهم غربي لخط الإصلاحات (التنظيمات) الذي بلغ ذروته في الخط الهمايوني عام 1856، الذي يعتبر ميثاقاً للحريات الدينية. لكن سن دي جيهاي يوضح أن الهدف الأساسي كان الحد من الامتيازات الخاصة لليونانيين، وليس توسيعها. والنظام الذي ترتب على ذلك هو الذي لا يزال يسيطر على وضع الكنيسة اليونانية.

يُظهر الفصل كيف أن هذه التقسيمات الرسمية تزيد من حدة الانقسامات بين الطوائف. فالتمييز الديني قوة مسيطرة في الحياة السياسية، كما في لبنان حيث يُحكم كل قضاء بقائمقام ينتمي إلى الطائفة السائدة عددياً. الفصل بين القرى والأحياء يغذي روح الانقسام. يكشف الفصل عن عدد محير من العداوات: المسلمون السنة ضد الشيعة المطاولة، النصيرية ضد الإسماعيلية، المسيحيون يحتقرون اليهود، الدروز ضد المسيحيين (وهو عداء سياسي أكثر منه ديني)، والطوائف المسيحية في نزاع دائم فيما بينها. لكن الفصل يعترف بوجود عناصر مشتركة: كلهم يزورون أضرحة بعضهم البعض، وهناك معتقدات خرافية مشتركة. فالمسلمون يأخذون مجانينهم إلى كهوف القديس أنطونيوس، والمسيحيون يذهبون إلى أضرحة شيوخ مسلمين، والنساء المسلمات العقيمات يمررن تحت قماش عليه صورة المسيح، والنصيرية يحتفلون بعيد الميلاد. هناك حالات لمسلمين يطلبون المعمودية لأطفالهم كتعويذة، ويعتقد بعضهم أنها تطهر من رائحة سيئة تجذب الأشباح.

تختلف العلاقات بين المسلمين والمسيحيين حسب توازن القوى. في بيروت حيث يسيطر المسيحيون عددياً وتجارياً، يميل المسلمون إلى العداء. في دمشق، حيث يشكل المسلمون الأغلبية الثرية، يمكنهم تحمل الشعور بالود. لكن العداء الأساسي يظل قائماً: المسلمون يدركون أن دينهم هو دين العرق الفاتح، والمسيحيون لا ينسون أن إيمانهم هو الإيمان المهزوم. مع ذلك، قد توجد صداقة حقيقية بين أفراد من الطائفتين، وقد أخفى مسلمون جيرانهم المسيحيين أثناء المجازر.

يصف الفصل العداء بين الطوائف المسيحية كحقيقة مؤسفة، سواء من الناحية الدينية أو السياسية. يضرب أمثلة على ذلك من الأماكن المقدسة في فلسطين، خاصة في كنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة القيامة في القدس. في هذه الأماكن، يتطور العداء إلى فضيحة حقيقية، حيث يحرس جنود مسلمون "مسماراً" لمنع خلاف بين الأرمن واليونانيين. صراع حول حق كنس درج يؤدي إلى اعتقال رهبان يونانيين بفؤوس مخبأة في ثيابهم. يوضح الفصل أن الحراس المسلمين هم أمناء آمنون في ظل الظروف الحالية، وأن الحكومة التركية هي المسؤولة في النهاية عن العناية بالكنيسة.

يختتم الفصل باستعراض لحظة استثنائية من الوحدة في يوليو 1908، بعد إعادة إعلان الدستور المعلق عام 1877، حيث نسي أتباع الطوائف المختلفة خلافاتهم في محبة وفرح مشتركين. لكن حتى في خضم هذا المشهد، أخذ المتفائلون والمتشائمون أماكنهم، وكان كل واحد منهم ينتظر ويترقب.

2.دستور الكنائس الشرقية49–136▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب فريدريك جونز بليس "أديان سورية وفلسطين الحديثة" دراسة تفصيلية لتشكيل الكنائس الشرقية في المنطقة، مُركّزاً على خمس منها تحديداً: الكنيسة الأرثوذكسية (اليونانية)، والكنيسة الملكية الكاثوليكية (الروم الكاثوليك)، والكنيسة المارونية، والكنيسة السريانية القديمة (اليعقوبية)، والكنيسة السريانية الكاثوليكية. الموضوع المحوري للفصل هو تفسير الهيكل الدستوري لهذه الكنائس، وعلاقاتها ببعضها البعض وبالفاتيكان، مع الإجابة عن سؤال كيف تحافظ هذه الكنائس على هوياتها وطقوسها رغم انقساماتها التاريخية وتبعيتها الجزئية لروما.

يبدأ المؤلف بتصنيف شامل للكنائس الشرقية وفقاً لأصولها التاريخية، مقسماً إياها إلى أربع فئات. الفئة الأولى تضم الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية التي يدّعي أنها الممثل الأكثر أصالة للكنيسة الأولى. الفئة الثانية تشمل الكنائس الوطنية التي نشأت في القرنين الخامس والسادس كرد فعل لمجمعي أفسس (عام 431م) وخلقيدونية (عام 451م)، مثل الكنيسة النسطورية، والأرمنية الغريغورية، والقبطية، والحبشية، والسريانية القديمة (اليعقوبية). الفئة الثالثة هي الكنائس الموحدة مع روما (اليونانية الملكية الكاثوليكية، والكلدانية، والأرمنية الكاثوليكية، والقبطية الكاثوليكية، والحبشية الكاثوليكية، والسريانية الكاثوليكية)، والتي حافظت على طقوسها وتقاليدها رغم خضوعها للبابا. أما الفئة الرابعة فتضم الكنيسة المارونية التي تعتبر فريدة من نوعها باعتبارها الكنيسة الوطنية الهرطوقية الوحيدة التي خضعت بكاملها لسلطة روما.

يشرح المؤلف بالتفصيل الأسس العقائدية المشتركة بين هذه الكنائس الخمس، مثل الإيمان بالأسرار السبعة، والتجديد بالمعمودية، والاعتراف، وذبيحة القداس، والخلفية الرسولية، والمراتب الكهنوتية الثلاث، وشفاعة العذراء والقديسين. من ناحية أخرى، يحدد نقاط الاختلاف عن الكنيسة الغربية، مثل الطابع الديمقراطي في انتخاب البطاركة والأساقفة في الكنائس غير الموحدة، واستخدام اللغة العامية في الطقوس، والتركيز على القداس كسرّ يُحجب فيه المذبح عن الشعب، وكثرة الصيام، وسيامة الرجال المتزوجين ككهنة رعايا، وإعطاء المناولة للشعب بالنوعين، وتثبيت الأطفال فور معموديتهم.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل معمق للكنيسة الأرثوذكسية، مبرزاً مفهوم "الاستقلال الذاتي" (autocephaly) الذي يربط بين السلطة الزمنية والروحية. يوضح أن الكنيسة الأرثوذكسية تتكون من خمس عشرة كنيسة مستقلة ذاتياً، منها أربع بطريركيات داخل الإمبراطورية العثمانية: بطريركية القسطنطينية، وبطريركية الإسكندرية، وبطريركية أنطاكية، وبطريركية القدس. يسرد قائمة بهذه الكنائس مرتبة حسب الأقدمية، مع تواريخ استقلالها، مثل كنيسة روسيا (1589)، وكنيسة اليونان (1850)، وكنيسة بلغاريا (1870).

يُفنّد المؤلف بشكل خاص فكرة سيادة بطريرك القسطنطينية على البطاركة الآخرين، معتبراً إياها مفهوماً خاطئاً شائعاً في الغرب. يستند إلى إجابات رسمية حصل عليها من مكتب بطريركية الإسكندرية، تؤكد أن البطاركة الأربعة متساوون ومستقلون إدارياً عن بعضهم البعض، وأن لقب "المسكوني" الذي يحمله بطريرك القسطنطينية لا يمنحه أي امتيازات خاصة، بل يجعله فقط "الأول بين المتساوين" (Primus inter pares). دور بطريرك القسطنطينية كوسيط مع الحكومة العثمانية هو دور تطوعي لا إلزامي، ويتم فقط بناءً على طلب البطاركة الآخرين. كما يشرح أن لقب "ميليت باشي" (زعيم الأمة) هو من وجهة نظر الحكومة العثمانية وليس الكنيسة.

يتناول الفصل بالتفصيل إجراءات انتخاب البطاركة، خاصة في بطريركية القدس والإسكندرية، مُظهراً الطابع الديمقراطي النظري لهذه الانتخابات بمشاركة العلمانيين، مع الإشارة إلى خضوع القرار النهائي لمصادقة السلطان العثماني. يروي المؤلف قصة انتخاب البطريرك فوتيوس للإسكندرية، الذي كان مرشحاً سابقاً لكرسي القدس ونُفي إلى دير سانت كاترين في سيناء، ويصف لقاءه به شخصياً. كما يصف نظام "الدورة" (circuit system) الذي ينظم عمل كهنة الرعايا في المدن الكبرى مثل بيروت وحمص، والذي يضمن توزيعاً عادلاً للدخل بينهم.

يُخصص الفصل قسماً هاماً للحركة القومية الحديثة داخل الكنيسة الأرثوذكسية، مركزاً على الصراع بين العناصر السريانية المحلية والعناصر اليونانية (الأيونية) في بطريركية أنطاكية والقدس. يشرح كيف أن بطريركية أنطاكية أصبحت كنيسة وطنية حقيقية مع رجال دين سريان محليين، بينما هيمنت أخوية القبر المقدس اليونانية على بطريركية القدس. يصف هذه الأخوية، التي تأسست رسمياً في عهد البطريرك دوسيثيوس عام 1662، وكيف أنها تستثني السريان المحليين من عضويتها، مما يحول دون وصولهم إلى الرتب الأسقفية والبطريركية، بناءً على عادة تقضي بأن يكون جميع الأساقفة من اليونانيين الأيونيين. يورد المؤلف حجج السريان الذين يرون في هذه السيطرة "اغتصاباً" لحقوقهم التاريخية في حراسة الأماكن المقدسة، والتي يعودون فيها بشرعيتها إلى عهد الخليفة عمر. يصف التوتر الشديد الذي بلغ ذروته بإغلاق الكنائس الرعوية في القدس عام 1909، حيث كان السريان يحتجون على الإدارة اليونانية للموار

يد الثروة الهائلة للأماكن المقدسة، والتي يُقدرون دخلها السنوي بأكثر من مليون دولار تركي. على الرغم من الطبيعة الاتهامية الحادة لتلك الشكاوى، يقرّ المؤلف بأن للأخوية اليونانية جانباً آخر من القصة، تاركاً الحكم النهائي معلقاً.

أخيراً، يشير المؤلف إلى نقاط قابلة للنقاش، مثل دقة الإحصاءات السكانية التي يعتمد عليها (المأخوذة من دليل بيديكر عام 1906 ويحذر من عدم دقتها)، وطبيعة العلاقة بين البطاركة الأربعة التي يراها الكثير من الغربيين علاقة تبعية وليست مساواة، وإمكانية إساءة تفسير تدخل بطريرك القسطنطينية في شؤون البطريركيات الأخرى كطموح للسيطرة. يخلص الفصل إلى أن هذه الكنائس، رغم توحدها في العقيدة الأساسية والطقوس، تعيش توتراً داخلياً بين الهوية القومية المحلية والتبعية الإمبراطورية أو الكنسية الأوسع، وأن مستقبلها يتشكل من خلال هذا الصراع المستمر.

3.طقوس الكنائس الشرقية137–186▼ ملخص

الملخص

يبحث هذا الفصل في الطقوس الدينية للكنائس الشرقية الخمس الرئيسية في سوريا وفلسطين، وهي: الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الكنيسة السريانية (اليعقوبية)، الكنيسة المارونية، الكنيسة الكاثوليكية اليونانية (الملَكية)، والكنيسة السريانية الكاثوليكية. يوضح المؤلف أن هذه الكنائس، على الرغم من تعددها، تنتمي في جوهرها إلى نمطين طقسيين رئيسيين فقط: الطقس البيزنطي والطقس السرياني. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذه الطقوس، رغم اشتراكها في الجذور، تختلف بشكل كبير في التفاصيل، من اللغة المستخدمة إلى هندسة الكنائس وطقوس الأسرار المقدسة، مما يعكس تاريخاً طويلاً من التطور والانقسامات اللاهوتية.

يبدأ الفصل بمناقشة اللغات الطقسية. في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والكاثوليكية اليونانية، اللغة الرسمية هي اليونانية القديمة، لكن الكتب الرئيسية تُرجمت إلى العربية، مما يسمح لعامة الناس بفهم الخدمات، على عكس الحال في بلغاريا حيث استُخدمت السلافية القديمة. في القدس، في كنيسة القيامة، تُستخدم اليونانية فقط، بينما في كاتدرائية دمشق، مقر بطريرك أنطاكية، تُستخدم كلتا اللغتين. أما الكنائس السريانية والمارونية، فتحافظ على السريانية القديمة كلغة مقدسة للقداس، لكن خدمات أخرى كالزواج والمعمودية تُقدم بالعربية، وتُكتب بنصوص سريانية في خليط يُعرف بـ "الكرشوني". يصف الفصل كتب الخدمة اليونانية بأنها أربعة عشر مجلداً ضخماً تغطي كل مناسبة، من وضع حجر الأساس إلى طرد الحشرات من الكروم.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف الهندسة الداخلية للكنائس الشرقية. العنصر المميز هو الحاجز الأيقوني، وهو حاجز يفصل المذبح (الهيكل) عن صحن الكنيسة، وينبع من مفهوم القداس كسر يجب أن يحتفل به الكاهن في الخفاء. على هذا الحاجز تُعلق الأيقونات، وهي صور مسطحة أو نقوش معدنية منخفضة، حيث تمنع الكنيسة الأرثوذكسية التماثيل المجسمة. للأيقونسطاس ثلاثة أبواب على الأقل، أهمها الباب الملكي في الوسط أمام المذبح العالي، وتُسد بستائر في الكنائس الأرثوذكسية واليعقوبية. يصف المؤلف بالتفصيل ترتيب الأيقونات، فإلى يمين الباب الملكي أيقونة المسيح، وإلى الشمال أيقونة العذراء، ثم قديسين آخرين. كما يصف المذبح، المسمى "المايدة" (الطاولة)، الذي يوضع عليه صليب ومصباح وقربان والإنجيل ملفوف بقطعة قماش مقدسة تسمى "الأنتيمين"، والتي تحول أي طاولة إلى مذبح. في الكنائس الأرثوذكسية، يكون الصحن خالياً من المقاعد، ويقف الرجال أثناء الخدمة، مع وجود رواق للنساء في الغرب.

يتعمق الفصل في القداسات الشرقية، مشيراً إلى أن جميعها مشتقة من القداس اليوناني القديم للقديس يعقوب. تستخدم الكنيسة الأرثوذكسية أربعة قداسات، أهمها قداس القديس يوحنا الذهبي الفم للاستخدام اليومي، وقداس القديس باسيليوس في أعياد محددة، وقداس الهدايا قبل التقديس في الصوم الكبير. لا يمكن الاحتفال بالقداس أكثر من مرة في اليوم على نفس المذبح، على عكس الكنيسة الكاثوليكية اليونانية. عدد القداسات السريانية كبير جداً (أكثر من أربعين)، وتشترك الكنائس اليعقوبية والمارونية والسريانية الكاثوليكية في ثلاثة منها، بما في ذلك قداس القديس يعقوب. يستخدم الموارنة بشكل شائع تكييفاً للقداس الروماني.

أحد المحاور المهمة هو سر الاعتراف. في الكنيسة الأرثوذكسية، توجد طقوس طويلة للاعتراف، لكنها نادراً ما تُستخدم بالكامل في الممارسة العملية، ويُستعاض عنها بخدمة قصيرة غير رسمية. يُشدد الفصل على أن العقيدة تنص على أن الاعتراف يكون لله من خلال الكاهن، وليس للكاهن نفسه. عقوبة تأديبية تفرض، لكنها ليست معقدة كما في الغرب. في الكنيسة اليعقوبية، يُوصف الاعتراف بأنه شبه مهجور، ويستشهد المؤلف بحالات تاريخية ومعاصرة للتراخي في تطبيقه، مثل السماح لاثنين من السياح البروتستانت بالتناول دون اعتراف. من القواعد المثيرة للاهتمام أنه في القدس، لا يُسمح للكاهن غير المتزوج بالاعتراف للمؤمنين، ولا يُسمى "خوري" إلا إذا كان أباً لأطفال.

يشرح الفصل بالتفصيل عملية تقديس القرابين في الكنيسة اليونانية، وهي خدمة تستغرق ساعة. يُستخدم خبز مخمر، عليه ختم يكتب عليه "يسوع المسيح ينتصر". يقطع الكاهن الختم من الرغيف ويذبحه رمزياً على الصينية (الطبق)، ثم يرتب قطعاً صغيرة حوله لإحياء ذكرى العذراء ورؤساء الملائكة والقديسين والشهداء والأحياء والأموات، وتوضع جميعها تحت الختم. هذه العملية ترمز إلى ذبيحة المسيح. في الكنائس السريانية، لا يوجد هذا الرمزية المعقدة للقطع. بعد القداس، يُوزع الخبز المبارك المتبقي (الأنتيدورون) على المصلين.

فيما يخص التناول، يشير الفصل إلى أن المؤمنين في الكنائس الشرقية يتناولون نادراً، عادة في عيد الفصح وعيد الميلاد ويوم القديس الشفيع. تختلف طريقة تناول القربان؛ ففي الكنيسة اليونانية، يُعطى المؤمنون بملعقة قطعة صغيرة من الخبز المبلل بالخمر. الكنيسة المارونية تتبع الطقس الروماني في التناول بنوع واحد فقط (الخبز)، بينما في الكنائس السريانية، يُبلل الخبز قليلاً بالخمر. يُسلط الضوء على قبلة السلام في الكنيسة السريانية، وهي طقس يرمز إلى القبلة التي تبادلها المسيحيون الأوائل، وينتقل من الكاهن إلى الشمامسة ثم إلى أحد المصلين الذي ينشرها لباقي الجماعة عن طريق مصافحة الأيدي ومسح الخدود.

يتناول الفصل لاحقاً سر المعمودية، الذي تشترك فيه الكنائس في عناصر رئيسية: طرد الأرواح الشريرة، مباركة الماء، الدهن بالزيت، وارتداء الثياب البيضاء. في الكنائس الشرقية (عدا المارونية)، يتبع المعمودية مباشرة سر التثبيت (الميرون). يصف الفصل بالتفصيل صلوات طرد الأرواح القوية في الكنيسة اليونانية، والتي تنتهي بأمر العراب بالبصق على الشيطان. يتم الاغتماس ثلاث مرات في الكنيسة اليونانية، بينما يستخدم الموارنة صب الماء على الرأس ثلاث مرات. بعد المعمودية، يُمسح الطفل بالميرون المقدس، ويُعتبر هذا التثبيت وظيفة أسقفية يؤديها الكاهن بصفته ممثلاً للأسقف. يستطيع الطفل المتناول بعد ذلك مباشرة.

أما فيما يخص الزواج، فيشرح الفصل نظام القرابة المعقد في الكنيسة الشرقية، حيث يمنع الزواج من أبناء العمومة من الدرجة الأولى في الكنيسة الأرثوذكسية (حتى الدرجة السادسة)، بينما يحتاج الموارنة لترخيص للزواج في الدرجة الرابعة (حساب لاتيني). يتكون الزواج في الكنيسة اليونانية من خدمتين منفصلتين: الخطبة (باستخدام خواتم) والإكليل، حيث يتم وضع أكاليل الزهور على رأسي العروسين. يقرأ الكاهن صلوات تطلب بركات مثل تلك التي أعطيت لإبراهيم وسارة وإسحق ورفقة ويعقوب وراحيل. يتشارك الزوجان كأس خمر مشترك يرمز لوحدتهما الروحية، ثم يُقادان في طواف حول المائدة. في الكنيسة المارونية، تجمع الخدمة بين الخطبة والإكليل، وتتضمن وصايا تحث العريس على ألا يضرب زوجته أو يسب أهلها، والزوجة على طاعة زوجها وعدم إفشاء أسراره.

يختتم الفصل بوصف سر مسحة المرضى والجنازات. في الكنيسة المارونية، تُعطى المسحة عند الموت، بينما في الكنيسة اليونانية، تُستخدم أثناء المرض أملاً في الشفاء، وبالتالي لا تحمل مفهوم "المسحة الأخيرة". خدمة الجنازة في الكنيسة اليونانية طويلة جداً، وتُختصر في أسبوع الفصح أو إذا دعت الحاجة، وتوجد خدمات خاصة لدفن الكهنة والرهبان والأطفال. تبدأ الخدمة في المنزل وتنتقل إلى الكنيسة. في الكنيسة اليونانية، يُحمل الجثمان ووجهه نحو الشرق في القبر، ويُلقى عليه التراب على شكل صليب.

ملاحظة: الفصل غني بالتفاصيل والاستثناءات، مما يعكس تنوع الممارسات داخل كل طقس. بعض الممارسات، مثل ارتباط الكاهن بوجود أطفال للاعتراف بالنساء أو الاختلافات في طريقة التناول، تكشف عن تداخل القوانين الكنسية مع العادات الاجتماعية المحلية وتفسيراتها المختلفة، وهي قضايا تستحق نقاشاً أوسع حول تطور هذه الطقوس وصلتها بالعقيدة.

4.أركان الإسلام الخمسة187–240▼ ملخص

يقدم هذا الفصل تحليلاً مقارناً للإسلام والمسيحية، مركزاً على الأركان العملية للإسلام (الشهادة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج) كما يمارسها السنة في سوريا وفلسطين حوالي عام 1910. لا يقدم المؤلف وصفاً محايداً، بل يبني حجة مركزية مفادها أن الإسلام، رغم اشتراكه مع المسيحية في بعض المعتقدات الأساسية، يتميز بـ "جو أخلاقي منخفض" ينبع من جذور لاهوتية. يرى أن الفرق ليس فقط في النظم، بل في "الجو" العام الذي يخلقه الدين، وأن جو الإسلام متساهل أخلاقياً مقارنة بالمسيحية، حتى في أفضل حالاته. يستند هذا الحكم إلى تحليل لنصوص القرآن وتعاليم الإسلام.

يبدأ الفصل بمقارنة جوهرية بين المسيحية والإسلام، زاعماً أن حياة المسيح تقدم مثالاً أخلاقياً أسمى من حياة محمد، وأن المعايير المسيحية تظل "عالية بشكل رهيب" حتى عندما ينحرف المسيحيون عنها. في المقابل، يرى المؤلف أن "جواً أخلاقياً منخفضاً يخيم على الإسلام"، ويستشهد بأمثلة مثل تشريع تعدد الزوجات والزواج المؤقت عند الشيعة، وسهولة الطلاق عند السنة، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تؤدي إلى فساد أخلاقي يصل إلى معرفة الأطفال برذائل لا يعرفها الكبار في البلاد المسيحية. يعترف المؤلف بوجود قديسين وصالحين في الإسلام، ويشهد مبشرون ورجال أعمال على نزاهة المسلمين، لكنه يصر على أن هذا لا ينفي انخفاض المثل العليا في النظام ككل.

ينتقل الفصل إلى مناقشة المصادر، مقارناً بين القرآن والكتاب المقدس. يرى أن القرآن من تأليف رجل واحد (محمد) خلال ثلاثة وعشرين عاماً، بينما الكتاب المقدس نتاج قرون طويلة وأيدي كثيرة. يشكك المؤلف في اطلاع محمد المباشر على الكتاب المقدس، ويعزو معرفته بالقصص الدينية إلى التقاليد الربانية الشفوية (التلمود) والأناجيل المنحولة، مستشهداً بأخطاء تاريخية في القرآن مثل الخلط بين مريم أخت موسى ومريم أم المسيح، وبين هامان وفرعون. يؤكد المؤلف أن التشابه بين تعاليم القرآن والعهد القديم في تصور الله نابع من حدس محمد الروحي المباشر وليس من دراسة النصوص السابقة.

يتناول الفصل بالتفصيل الركن الأول: الشهادة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). يصف هذه العبارة بأنها أقصر عقيدة في العالم وتلخص جوهر الإيمان: توحيد الله. يحلل الفصل مفهوم الله في القرآن، ويقارنه بمفهوم العهد القديم عن يهوه. يشير إلى أن كلا المفهومين يشملان صفات القدرة المطلقة والعلم والقهر والرحمة، لكنه يحدد اختلافين جوهريين: الأول هو التأكيد المفرط في القرآن على القضاء والقدر، حيث يتكرر كثيراً أن "الله يضل من يشاء"، وهو ما يراه المؤلف تعليماً أساسياً وليس استثنائياً كما في الكتاب المقدس. لكنه يلفت الانتباه إلى وجود آيات مضادة تظهر محاولة للتوفيق بين القضاء الإلهي والمسؤولية البشرية. ثانياً، والأهم، هو إغفال القرآن لأبوة الله، وهو ما يعتبره المؤلف فقداناً لتعليم أساسي يلين قسوة عقيدة الأقدار. يوضح أن محمداً رفض فكرة أن الله أب أو أن المسيح ابن الله، معتبراً إياها علاقة جسدية مادية، وفضل مصطلح "عبيد" أو "خدم". يستشهد المؤلف بتجربة شخصية حيث صحح له شيخ مسلم قوله "أبناء الله" قائلاً: "بل عبيد الله".

يركز الفصل بعد ذلك على مكانة محمد، موضحاً أنه يعتبر "خاتم الأنبياء" الذي لم يأت بدين جديد بل أعلن عهداً جديداً. يشير إلى التأليه العملي لمحمد لدى أتباعه، رغم رفضهم المباشر لألوهيته، فهو معصوم عن الخطأ، وهو الشفيع يوم القيامة، وسنته (أقواله وأفعاله) ملزمة كالقرآن. يذكر أن عدد الروايات التي درسها جامع الحديث أبو داود بلغ 500,000 حديث، اختار منها فقط 4,800.

يختم الفصل بلمحة سريعة عن بقية العقائد: الإيمان بالملائكة (جبريل، ميكائيل، ملك الموت، إسرافيل)، بالجن والشياطين، بالأنبياء والرسل (وعددهم 124,000 نبياً و 315 رسولاً)، وباليوم الآخر. يصف الفصل العقيدة الإسلامية في الأخرويات بأنها "مهيمنة على اللاهوت الإسلامي"، ويقدم تفصيلاً للجنة والنار والصراط والحساب، مشيراً إلى أن التفسير الشعبي والتقليدي للجنة يميل إلى الحسية، حيث يُوعد أقل المؤمنين بـ ثمانين ألف عبد واثنتين وسبعين ألف امرأة. في المقابل، يقر المؤلف بوجود آيات قليلة ترفع من مفهوم الجنة فتشير إلى الطهارة والسلام.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود تحليله عندما يشير إلى التناقضات في القرآن نفسه، مما يسمح بتأويلات مختلفة لصالح القرب الإلهي أو القدرية. ترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول العلاقة بين النص الديني والممارسة الفعلية، مشيراً إلى أن كثيراً مما يُمارس في الإسلام اليوم لا يوجد له أصل في القرآن، بل في التقاليد والاجتهادات الفقهية. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل، بناءً على النص نفسه، هي تلك التي تتعلق بـ "الجو الأخلاقي المنخفض" كخاصية جوهرية للإسلام مشتقة من لاهوته. هذا الحكم التقييمي القوي، المبني على مقارنة مثالية مع المسيحية وكثيراً ما يتجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية للممارسات المذكورة، يتعارض مع اعتراف المؤلف بوجود أفراد صالحين وأخلاق عالية بين المسلمين، مما يجعل تعميمه محل شك.

5.الطرق الصوفية في الإسلام241–291▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الطرق الصوفية في الإسلام، ويقدّمها كتيار روحي ومحاولة للتعبير عن الجانب الباطني في الدين، وذلك في مقابل الشكلية والجمود اللذين يتّسم بهما النظام الإسلامي الرسمي ممثلاً في رجال الدين (العلماء). الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الطرق، التي تسمى "الطرائق" (طرق)، تشكّل قوة دينية واجتماعية حيوية في سوريا وفلسطين، تمارس تأثيراً على عامة المسلمين يفوق تأثير العلماء، على الرغم من التوتر النظري بينهما.

يبدأ الفصل بتأصيل التصوّف (تسوّف) الذي سبق الإسلام، ويشير إلى جذوره في التصوف الهندي والفارسي والإسكندري، وميله الفلسفي نحو وحدة الوجود. يوضح المؤلف أن الهدف الأساسي للصوفي هو بلوغ حالة من النقاء الأخلاقي تمكنه من رؤية الله والاتحاد به. ينتقل بعد ذلك إلى نشأة الطرق الصوفية المنظمة، فيذكر تأسيس جماعتين أخويتين في وقت مبكر جداً بعد الهجرة على يد أبي بكر وعلي بن أبي طالب. لكن إعادة التنظيم إلى طرق متميزة بدأت في القرن الثاني عشر على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني، مؤسس الطريقة القادرية، التي تُعتبر الأم لعدد من الطرق الأخرى المنتشرة في سوريا وفلسطين والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى الفترة بين القرن الثاني عشر والخامس عشر.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لدراسة "قديسي الإسلام" (الأولياء)، واصفاً إياهم بأنهم جزء لا يتجزأ من عالم الطرق الصوفية. يشرح كيف أن عبادة الأولياء ومقاماتهم (الأضرحة) تمثل تعديلاً عملياً للتوحيد الإسلامي المحض، وهي تمارس بقوة بين الفلاحين وسكان المدن على حد سواء، وأحياناً تكون أكثر حيوية من أركان الإسلام الخمسة. يصف أشكال الأضرحة المتنوعة، من قبور بسيطة إلى أبنية مزخرفة بقباب، وصلتها بالأضرحة المخصصة للأنبياء والصحابة ومؤسسي الطرق. يقدم قصة فلكلورية عن خادم ضريح استغل سذاجة الناس ليصنع قديساً وهمياً من حمار ميت، ليكشف عن سهولة صناعة القديسين وانتقاداً لبعض القائمين على الأضرحة.

في جزئه الأكبر، يصف الفصل تنظيم الطرق الصوفية (الدرويشية). يذكر أن تسعاً من أصل ثمانية وثمانين طريقة صوفية معروفة لها وجود في سوريا وفلسطين، وأكثرها انتشاراً هي القادرية، الرفاعية، البدوية، الدسوقية، والسعدية. يشرح الهيكل التنظيمي لكل طريقة الذي يبدأ بالشيخ (المرشد الأعلى)، يليه الخلفاء (المفوّضون)، ثم المقدمون، وأخيراً المريدون (عامة الدراويش). المريدون ينقسمون إلى قسمين: دراويش زاهدون متجولون أو مقيمون في الزوايا (التكايا)، وأتباع يعيشون حياتهم العادية كفلاحين وتجار ويحضرون الاجتماعات والطقوس. من المهم أن التنظيم المحكم الذي وضعه مؤسسو الطرق قد تفكك مع مرور الزمن، وأصبحت كل زاوية تقريباً مستقلة لا تعترف بسلطة مركزية، كما هو حال الطريقة القادرية في سوريا وفلسطين التي لم تعقد مجلساً عاماً منذ حوالي 200 سنة.

ينتقل الفصل إلى تفصيل الطقوس المرتبطة بالذكر، حيث يصف كيف أن كل طريقة لها وردها الخاص (صيغة ذكر) وزيها المميز، مثل القبعة والراية ذات اللون المحدد. يصف طقوس البدء (الإرادة) التي تشمل فترة اختبار للمريد، ثم قسم الولاء، وأخذ العهد على يد الشيخ، وتناول قطعة سكر من فم الشيخ، والحصول على السند (الإجازة) الذي يثبت نسبه الروحي عبر سلسلة متصلة من الشيوخ. يورد الفصل قصة عن طريقتين لاختبار صدق المريدين، الأولى بالقفز من مئذنة عالية، والثانية بالقفز في نار مشتعلة، كما حصل مع درويشين مُدّعَيْن من الأقباط تحوّلا إلى الإسلام بعد نجاتهما بأعجوبة من النار بفضل الشيخ أحمد الرفاعي.

يُنهي الفصل بمقارنة بين الطرق المنتشرة وتلك ذات التأثير الفكري المحدود. فيقدم الطريقة المولوية (الدراويش الراقصون) كمثال على التنظيم المركزي الخاضع لسلطة شيخ في قونية بآسيا الصغرى. ويخصّ الطريقة الشاذلية بذكرها كـ "بروتستانت الإسلام" لأنهم حافظوا على المثال الصوفي الأصيل، ويميلون إلى التأمل العقائدي، ويمتازون بحياة فكرية، وكان الإنجيل من كتبهم المفضلة للدراسة. أخيراً، يقدّم الطريقة السنوسية (مقرها في ليبيا، تأسست عام 1835) كقوة سياسية ودينية حديثة وعظيمة تطمح لإحياء الإسلام الأولي، وهي موجودة بشكل سري في دمشق، ويُنظر إليها كتهديد محتمل للمصالح الأوروبية في شمال أفريقيا.

يبقى الفصل وفياً لمنهجه الوصفي، معترفاً بالحدود التي يفرضها التنوع المحلي والتفكك التنظيمي. الأسئلة المفتوحة تتعلق بمدى تطبيق المبدأ النظري للوراثة الروحية مقابل الوراثة الجسدية لمنصب الشيخ، وبمدى تأثير السنوسية الحقيقي. تظل حجة قابلة للنقاش هي التركيز القوي للفصل على الطبيعة "الخرافية" و"السحرية" لممارسات الدراويش عند العامة (مثل المشي على النار، وأكل الأفاعي، والشفاء بلعاب الشيخ)، مما قد يُفسّر على أنه تقديم صورة متدنية للتصوف الشعبي مقابل الصورة المثالية العليا للتصوف الفلسفي التي تمثلها طرق مثل الشاذلية.

6.سمات أخرى للإسلام292–328▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل، المعنون "سمات أخرى للإسلام"، نظرة شاملة على جوانب متعددة من الحياة الإسلامية في سوريا وفلسطين في مطلع القرن العشرين، متجاوزاً العقائد الأساسية ليتناول الممارسات الاجتماعية والدينية اليومية. الموضوع المحوري هو استكشاف التناقضات داخل الإسلام: فهو يظهر في أفضل حالاته في مبدأ الإمتناع التام عن المسكرات، وفي أسوأ حالاته في استمرار نظام الرق. يسعى المؤلف، فريدريك جونز بليس، إلى تقديم صورة متوازنة، معترفاً بكل من المبادئ النظرية والممارسات الفعلية، مسلطاً الضوء على الفروق بين المُثُل العليا وواقع الحياة، خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة.

يبدأ الفصل بمدخل موجز عن موضوعين رئيسيين: الإمتناع عن الخمر والرق. يُشيد الكاتب بالإسلام كدين ينبذ الخمر تماماً، حيث يُعدّ شرب المسكرات خطيئة لا تحظى بالتساهل، ويعاقب عليها القانون بالجلد. يرى الكاتب أن تعاطي المسكرات في البلاد الإسلامية يعود بالضرورة إلى التأثيرات الغربية، ويلاحظ زيادة في الشرب بين المسلمين في المدن الساحلية، لكنه يؤكد أن رؤية رجل مخمور تبقى نادرة. على النقيض، يُقرّ الكاتب بأن الرق ما يزال متجذراً في النظام التشريعي الإسلامي، رغم محاولات التغطية عليه. يشير إلى وجود تجارة بالرقيق بين السودان وحلب حتى قبل ثلاثين عاماً، وأن العبيد في دمشق وحدها يُقدرون بألفي عبد أبيض، معظمهم من الشركس، حيث تعمل الإناث كسراري. يذكر أيضاً أن أطفال السراري أحرار ويتمتعون بامتيازات الأطفال الشرعيين، مستشهداً بمثال عمدة القدس الذي كان يحمل سمات زنجية بارزة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الموضوع الأوسع والأكثر تفصيلاً وهو وضع المرأة في الإسلام. يرى الكاتب أن محمداً حسّن وضع المرأة كثيراً عما كان عليه في الجاهلية، لكن التطور توقف بوفاته، مما أدى إلى تدهور أوضاعها. يعدد الكاتب إصلاحات النبي كمنع وأد البنات، وتحديد الزواج بأربع نساء، وتنظيم الميراث، لكنه يؤكد أن نظرة الدونية للمرأة أصبحت مقننة في الإسلام. يناقش الفصل ثلاثة محاور رئيسية للمعاناة: العزلة في الحريم، والزواج، والطلاق. يصف الكاتب كيف أن العزلة تمنع الزوج من رؤية عروسه، وتغذي الغيرة في البيوت المتعددة الزوجات، وتفصل النساء عن العالم الخارجي. ثم ينتقل إلى آليات الزواج، موضحاً أنه عقد مدني وليس دينياً، وأن الفتاة القاصر يمكن تزويجها. يُشرّع تعدد الزوجات، لكن الكاتب يرى أن الظروف الاقتصادية تجعله من الكماليات، ويستنتج من خبرته العملية مع مئات العمال أن تعدد الزوجات نادر الحدوث بين الفلاحين. يصف الكاتب بالتفصيل عقد الزواج والشروط والمهور وعادات الزفاف التي يعود أصلها إلى عصور ما قبل الإسلام.

فيما يتعلق بالطلاق، يشرح الفصل كيف يمكن للرجل طلاق زوجته ببساطة بقوله "أنت طالق" ثلاث مرات أو بإشارة، دون حاجة لسبب أو إجراء قانوني، مما يخلق حالة من عدم اليقين الدائم في حياة المرأة. ومع ذلك، يشير الكاتب إلى وجود قيود وعواقب للطلاق تحميه من الإفراط، مثل تدخل أهل الزوجة أو النفقة الواجبة على الزوج. يذكر الفصل أحد عشر شرطاً توجب الطلاق، بعضها لصالح المرأة مثل عجز الزوج أو عدم دفع المهر. ثم يعود الفصل لمناقشة العزلة بشكل أعمق، معترفاً بأنها قاسية من منظور غربي، لكنه يذكر أن النساء اللواتي نشأن في الحريم لا يفتقدن الحرية التي لم يعرفنها أبداً. ويُفرّق الكاتب بشكل حاسم بين نساء المدن المنعزلات ونساء الريف، مشيراً إلى أن نساء القرى يظهرن بوجوه مكشوفة، وهن على الأرجح يحافظن على المثل الأعلى لسلوك المرأة الذي تصوره النبي. يقدم مثالاً لامرأة فلاحة قوية الشخصية كانت تدير ممتلكاتها وتتحكم في زوجها وأبنائها، مؤكداً أن الممارسة الفعلية بين الفلاحين أفضل من نظرية فقهاء الدين.

يتطرق الفصل إلى الجوانب الدينية للمرأة، فيذكر أن قوانين الطهارة تجعل من الصعب على النساء المتزوجات الالتزام بالصلوات الخمس، لكن الصيام أكثر التزاماً. كذلك، تلعب المرأة دوراً نشطاً في عبادة الأضرحة ولديها معتقدات خاصة بها كفكرة "القرينة"، أو الشبح المزدوج. وينهي الكاتب هذا القسم بالإشارة إلى أن النساء المسلمات، رغم نقصهن في الممارسات الدينية الشكلية، يمتلكن حساً دينياً فطرياً عميقاً، ويجدن عزاءً حقيقياً في المقاطع الروحية من القرآن، مستشهداً بحالة وفاة هادئة لامرأة فقيرة كانت تتلقى العزاء بآيات من الكتاب المقدس.

ينتقل بعد ذلك إلى وصف مفصل لطقوس الموت والدفن. يوضح الفصل كيف يُوضع المحتضر ليواجه القبلة، ويُلَقَّن الشهادة استعداداً لأسئلة الملكين منكر ونكير في القبر. بعد الوفاة، تقوم النسوة بالنياحة بينما يُمنع الرجال من إظهار الحزن. تُغسَّل الجثة وتُكفَّن وتُحمل بسرعة إلى المقبرة. يُقام للميت صلاة جنازة بأشكال محددة. في المقبرة، يُوضع الجسد في قبر مقبب لئلا يضغط التراب عليه، ويُوضع على جانبه الأيمن موجهاً وجهه نحو مكة. يُمارس الشيخ صلاة "التلقين"، مخاطباً روح الميت بصوت عالٍ لإعدادها لاستجواب الملائكة. ويعقب الدفن أيام حداد وزيارات للقبر وقراءات للقرآن.

في الجزء الأخير من الفصل، يتناول المؤلف الاختلافات بين المذهبين السني والشيعي، مركزاً على طائفة المتاولة. يشرح أن الشيعة هم أتباع علي بن أبي طالب، ابن عم النبي وزوج ابنته فاطمة، وأنهم يرفضون الخلفاء الثلاثة الأوائل. يتوزع الشيعة في سوريا وفلسطين في مناطق مرتفعة شرق صيدا وصور وعكا وفي البقاع وعكار، ويقدر عددهم بما لا يقل عن خمسين ألفاً. يصف الكاتب العداء التاريخي العميق بين السُّنَّة والشيعة، والذي يتجدد خاصة في ذكرى عاشوراء، الأيام العشر الأولى من شهر محرم، التي يحيي فيها الشيعة ذكرى استشهاد الحسين بن علي في كربلاء. يصف الفصل العزاء الحسيني، الذي يصل في بلاد فارس إلى حد تمثيل "مسرحية الآلام" المؤثرة، بينما يقتصر في سوريا على قراءة التاريخ الحسيني ثلاث مرات يومياً مع مظاهر الحزن والبكاء وضرب الصدور.

يُفصّل الفصل العقائد الشيعية الأساسية: الإيمان بإثني عشر إماماً معصوماً بدءاً من علي، وانتهاءً بـ محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في حوالي 878 ميلادية، وهو المهدي المنتظر الذي سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً. يذكر الكاتب أيضاً الفروق العملية بين المذهبين، مثل طريقة الوضوء، واستخدام حجر السجدة عند الشيعة، وبعض الاختلافات في عدد الركعات وأوقات الصلاة. ويشير إلى أن الشيعة يجيزون زواج المتعة، وهو زواج مؤقت محدد المدة، وهو محرم عند السنة. يُختتم الفصل بالإشارة إلى أنه رغم كل هذه الخلافات، فإن أوجه التشابه بين المذهبين تفوق بكثير نقاط الاختلاف.

يمكن القول إن الفصل يقدم وصفاً إثنوغرافياً دقيقاً للإسلام كما يعيشه الناس في تلك الفترة، متجنباً التعميمات المطلقة، ومظهراً التنوع الكبير بين طبقات المجتمع والمناطق المختلفة. النزعة التحليلية للمؤلف واضحة، لكنه يترك مساحة للاعتراف بالتناقضات، مثل الجمع بين إدانة الرق نظرياً ووجوده فعلياً، أو بين الحرية النسبية لنساء الريف وعزل نساء المدن. يُمكن النظر إلى الفصل على أنه محاولة جادة لفهم "الإسلام الحي" بعيداً عن النصوص المقدسة وحدها.

7.تأثير الغرب329–370▼ ملخص

يتناول هذا الفصل تأثير الغرب على الطوائف الدينية في سوريا وفلسطين، مع التركيز بشكل أساسي على العمل التبشيري. يرى المؤلف أن هذا التأثير ليس مجرد جهود تبشيرية منظمة، بل هو جزء من تيار عريض لا يمكن تعريفه أو وصفه بسهولة، وهو "روح العصر". وقد بدأ هذا التأثير يشعر به منذ حوالي ثمانين عاماً قبل كتابة الفصل، عندما وطأت أقدام المبشرين الأمريكيين لأول مرة يافا. وقد تطور هذا التأثير عبر المدارس والبيوت التجارية الأجنبية (البريطانية، والفرنسية، والإيطالية) وخطوط التلغراف الجديدة والمطابع، كما زادته ضراوة مجازر 1860 التي أعقبها الاحتلال الفرنسي القصير بقيادة نابليون الثالث. وبعد ربع قرن، بدأ الفلاحون اللبنانيون والسوريون الذين هاجروا إلى الخارج في جلب أفكار جديدة. ويقارن الكاتب بين استقبال الشعب لإعلان الدستور في 1877، حيث كان جهلاً ولامبالاة، وبين استقباله بحماس كبير في 1908، مما يدل على قوة هذا التغيير.

أما فيما يخص العمل التبشيري المباشر مع المسلمين، فيخلص المؤلف إلى أنه لم يكن له تأثير مباشر سوى على أفراد قليلين تحولوا إلى المسيحية في أوقات وأماكن متفرقة. فالإمبراطورية العثمانية هي دولة إسلامية، والردة عن الإسلام تُعد جريمة يعاقب عليها بالإعدام بموجب الشريعة. ورغم أن الفرمانات الإمبراطورية مثل خط شريف كلخانه 1839 وخط همايون 1853 وعدت بحرية الدين وعدم ملاحقة المرتدين، إلا أن الكاتب يرى أنها لم تمنح ضمانات حقيقية. ويشير إلى أنه حتى 1860 تم تعميد حوالي أربعين مسلماً، لكن رد الفعل بدأ عام 1864، وتم اعتقال بعض المتحولين ونفيهم. ويخلص الدكتور بارتون في كتابه "فجر في تركيا" إلى أن الحكومة التركية لم تنو أبداً السماح للمسلمين بتغيير دينهم. ويرى المؤلف أن قادة تركيا الفتاة يؤمنون بتركيا إسلامية يحكمها المسلمون، حتى لو كانوا ليبراليين في آرائهم الدينية. نتيجة لذلك، لم يحاول أي مجتمع تبشيري العمل بشكل واسع وعلني بين المسلمين، باستثناء جمعية الإرسالية الكنسية التي ركزت على العمل الطبي.

أما العمل التبشيري بين الدروز فقد أعاقته استعدادهم لاعتناق المسيحية، حيث تسمح مذاهبهم القديمة باعتبار الأديان الأخرى "أردية" يمكن ارتداؤها حسب المصلحة. قبل غزو إبراهيم باشا عام 1835، تظاهر الدروز بأنهم مسلمون ليتجنبوا الاضطهاد، ثم أعلنوا أنفسهم بروتستانت هرباً من التجنيد الإجباري. وقد قامت الحكومة التركية عام 1842 بإرسال جيش لمنع هذه الحركة الجماعية نحو البروتستانتية. ويشير المؤلف إلى أن أي إعلان عن تحول فردي إلى البروتستانتية في سوريا يحتاج إلى تدقيق، فقد يكون وراءه دافع خفي. بالنسبة للنصيرية، بدأ العمل التبشيري عام 1854 على يد المبشر الإنجليزي صموئيل ليد، واستمر مع المشيخيين الأمريكيين، مما أدى إلى إنشاء 40 مدرسة، لكن الحكومة تدخلت وأغلقت المدارس وجندت المتحولين في الجيش وأعلنت أن جميع النصيرية مسلمون، مما أنهى العمل بينهم.

في الحديث عن اليهود، يشير المؤلف إلى أن معظم اليهود في فلسطين لا يشكلون جزءاً عضوياً من السكان الأصليين. منذ عام 1490، كانت صفد موطناً لليهود، وقد فرضوا استخدام اللغة العبرية على جيرانهم المسلمين. ويعود الفضل في الوجود اليهودي الكبير في القدس إلى الهجرة القسرية من روسيا ورومانيا بعد اضطهادات 1882. يبلغ عدد اليهود الناطقين بالعربية والذين أتوا من اليمن حوالي خمسة آلاف. وهناك نحو عشرة آلاف يهودي في حوالي 33 مستعمرة زراعية. بدأ العمل التبشيري بين اليهود عام 1825 من قبل جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود. منذ عام 1839، تم تعميد حوالي 400 بالغ و 300 طفل. ويذكر ريختر أن عدد اليهود المعمدين في الأرض المقدسة لا يتجاوز 150، لأن الكثيرين هاجروا هرباً من الاضطهاد. ويوضح الكاتب أن اليهود في دمشق، ويبلغ عددهم نحو 25,000، يعيشون هناك منذ زمن الخليفة عمر. وقد عانوا من الاضطهاد، لكن تقليداً يروي أن عشرة حاخامات أسلموا لتحسين أوضاع اليهود، وأطلق اسم أحدهم على مسجد الشيخ أرسلان.

يتناول الفصل بعد ذلك العمل بين الكنائس الشرقية. بدأ البابا الحملة التبشيرية الكاثوليكية منذ 1622 لتشكيل الكنائس الموحدة مع روما. لكن المبشرين الأمريكيين الأوائل، مثل القس ليفي بارسونز الذي وصل إلى القدس عام 1821، لم تكن لديهم نية للتبشير. كان هدفهم إصلاح الكنائس القديمة من الداخل بتوزيع الكتاب المقدس وقراءته. ومع ذلك، أدى معارضة البطاركة، وخاصة البطريرك الماروني، إلى اضطهاد من استمعوا للمبشرين. وأشهر مثال على ذلك هو أسعد الشدياق، العالم الماروني الذي انضم للبروتستانت وسُجن وتعرض للتعذيب حتى الموت عام 1826 في دير قنوبين. أدى هذا الاضطهاد إلى تشكيل هيئة بروتستانتية محلية. في عام 1848، تم تنظيم أول كنيسة إنجيلية سورية في بيروت بـ 18 عضواً. بحلول عام 1857، كان هناك أربع كنائس تضم 75 عضواً، واليوم يبلغ عدد المتواصلين أكثر من 2800. ويبلغ مجموع البروتستانت في سوريا وفلسطين، نتيجة عمل العديد من الجمعيات، حوالي عشرة آلاف نفس، وهو عدد ضئيل مقارنة بـ 38 وكالة بروتستانتية مختلفة، ويعزو ريختر ذلك إلى شدة الاضطهاد.

يشير المؤلف إلى أن التعليم كان أقوى وسيلة لنشر الأفكار الإنجيلية بشكل غير مباشر. فقد افتتحت البعثة الأمريكية أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية التركية عام 1830 في بيروت. تطورت هذه المدارس لتصبح نظاماً تعليمياً متكاملاً يضم اليوم حوالي خمسة آلاف تلميذ. وتحفيزاً لهذا النشاط، ذكر الكاتب أنه بحلول عام 1877 كان في بيروت مدارس يديرها بروتستانت، لاتين، أرثوذكس، كاثوليك يونانيون، موارنة، يهود ومسلمون. وبعد عشرين عاماً، كان في المدينة 67 مدرسة للبنين و 36 للبنات، بإجمالي 15,000 تلميذ. وتُوج هذا العمل التعليمي بتأسيس الكلية السورية البروتستانتية في بيروت عام 1866. بدأت الكلية في منزل مستأجر بـ 16 طالباً ومعلمين اثنين، وكانت تدرس باللغة العربية. في عام 1882، تحولت لغة التدريس إلى الإنجليزية. في عام 1911، بلغ عدد الطلاب المسجلين 874 طالباً يمثلون أكثر من اثنتي عشرة جنسية. يدير الكلية 77 عضواً من هيئة التدريس، يجتمع داخل أسوارها ممثلون عن جميع الطوائف الدينية المذكورة في الكتاب باستثناء النصيرية والإسماعيلية. يخلص الكاتب إلى أن وجود الكلية، رغم عدم طائفيتها، يعود بفضل وجود الكنيسة البروتستانتية في سوريا التي وفرت التماسك للنظام المدرسي. ويرى أن مستقبل هذه الكنيسة قد يشهد نقصاً في العضوية ولكن بتأثير أوسع، فكلما ازدادت الكنائس القديمة حيوية مسيحية، قلّت الحاجة ليصبح الناس بروتستانت.

في ختام الفصل، يذكر المؤلف أن التأثير الغربي على الطوائف لا يقتصر على ما يقدمه، بل يمكن للغرب أن يتعلم من الشرق أيضاً. فالدين الذي ازدهر في الغرب قد زرع بذرته الأولى في الشرق، وهذه البذرة لا تزال تنبت في أماكن غير متوقعة. يستشهد بمخطوطة درزية غنية بالرسوم تحتوي على صلاة يقول الكاتب إنها قد تكون بركة لأي مؤمن حقيقي، شرقياً كان أم غربياً. يقر المؤلف بأن من الظلم تجاهل وجود هذا التأثير أو المبالغة فيه، ويترك السؤال عن قوته المستقبلية مفتوحاً، معرباً عن أمله في إمكانية حدوث حركة إصلاح في الإسلام يقودها رجال تعلموا من المبشرين المسيحيين دراسة حياة وتعاليم المسيح.

التحليل والكلمات المفتاحية