
The Shrines of the Alids in Medieval Syria
يُشكّل كتاب "مزارات العلويين في سوريا في العصور الوسطى" لـستيفيني مولدير دراسة عميقة تتحدى الصورة النمطية السائدة عن الصراع الطائفي الحاد بين السنة والشيعة في التاريخ الإسلامي. المحور الرئيسي للكتاب هو أن الأضرحة المخصصة لـالعلويين (أحفاد النبي محمد من نسل علي بن أبي طالب) في سوريا خلال القرنين الحادي عشر والثالث عشر لم تكن فضاءات شيعية خالصة، بل كانت في كثير من الأحيان موضوع رعاية كريمة من قبل النخب السنية والحكام السنة أنفسهم. تدافع المؤلفة عن فكرة أن هذه الأضرحة أنشأت مشهداً دينياً إسلامياً جامعاً وشاملاً، وأن ما ميزها لم يكن طابعها الخلافي، بل طابعها التوفيقي الذي تجاوز الحدود المذهبية. هذا يتحدى المفهوم التاريخي السائد لما يُعرف بـ"الإحياء السني"، والذي يفترض أن هذه الفترة شهدت حملة سنية للقضاء على النفوذ الشيعي.
تسير حجة الكتاب عبر فصوله السبعة وفقاً لمنطق تصاعدي ينتقل من الخاص إلى العام. يبدأ الكتاب بفصل تمهيدي يطرح الإشكالية المركزية من خلال قصة خلاف حاد في دمشق عام 1238 حول مقام لامرأة من نسل النبي، مما يوضح التوترات الطائفية المحتملة، لكن المؤلفة تستخدمه لتأكيد أن الخلافات كانت نادرة وغالباً ما أُطّرت بقضايا غير طائفية مثل إغلاق الطرق العامة. بعد ذلك، تنتقل إلى أربعة فصول تطبيقية: الفصل الأول يدرس ضريحاً أثرياً في مدينة بالس على الفرات، ويكشف عن نمط من الرعاية السنية حتى في مدينة ذات أغلبية شيعية من خلال النقوش التي تمدح آل البيت رغم غياب اسم صاحب القبر. الفصل الثاني ينتقل إلى حلب ويدرس ضريحي المحسن والحسين، وهما موقعان أسسهما شيعة لكنهما حظيا برعاية سنية بارزة من حكام مثل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر غازي، حيث تُظهر البوابة الفخمة لضريح الحسين نقوشاً شيعية وسنية متجاورة تقدم رسالة واضحة عن المصالحة والتعايش. الفصل الثالث يدرس مقبرة باب الصغير في دمشق، المدينة السنية، ويُظهر من خلال دراسة عشرة أضرحة علوية أنها شهدت رعاية متداخلة من سنة وشيعة بدوافع شخصية ودينية واجتماعية متنوعة. الفصل الرابع يتناول أربعة أضرحة دمشقية شهيرة تغيرت بالكامل عبر الزمن وتحولت إلى مجمعات دولية ضخمة، ويكشف عن أن استمرارية الرعاية لها عبر العصور كانت دليلاً على أهميتها الاجتماعية وقدرتها على التكيف مع الرسائل السياسية والدينية المتغيرة. الفصل الخامس والأخير هو فصل تحليلي مفاهيمي يتجاوز دراسة الأضرحة الفردية لدراسة المشهد المقدس الأوسع الذي شكلته، ويجادل بأن المسلمين في العصور الوسطى بنوا "طوبوغرافيا للأفعال" من خلال الزيارة والبناء والطقوس، وأن هذا المشهد كان رداً مباشراً على التحدي الذي شكلته الحملات الصليبية التي بنت أكثر من 400 كنيسة في الأرض المقدسة.
تزخر صفحات الكتاب بالعديد من الأرقام والحقائق اللافتة التي تثري السرد. يذكر الكتاب أن مدينة بالس كانت مأهولة منذ 2500 قبل الميلاد، واستسلمت للفتح الإسلامي عام 636 ميلادية، وهُجرت بالكامل عام 1259 خوفاً من المغول. النقوش الجصية في ضريح بالس، والتي يُعتقد أنها نُقلت إلى متحف دمشق، تعود لأعوام 1071-1072 و1076-1077 ميلادية، وتحتوي على أسماء الأئمة الاثني عشر الشيعة. في حلب، كان ضريحي الحسين والمحسن يستقطبان أكثر من مليون حاج سنوياً قبل عام 2011. أما بوابة ضريح الحسين التي بناها الظاهر غازي عام 1212-1213م، فهي تحمل نقشاً شيعياً واضحاً يمدح الأئمة الاثني عشر على جانبيها، ونقشاً سنياً يرضى عن الخلفاء الراشدين الأربعة على واجهتها الأمامية، مما يشكل خطاباً بصرياً متكاملاً عن المصالحة. وفي دمشق، اكتشف المؤلف من خلال المسوحات الميدانية أن أقدم نقش مؤكد في مقبرة باب الصغير يعود للقرن الثاني عشر، وأن ضريح السيدة زينب توسع ضخماً بأمر من آية الله الخميني في السبعينيات والثمانينيات، ليصبح مجمعاً دولياً ضخماً. يذكر الكتاب أيضاً أن السلطان الظاهر بيبرس قام بترميم مشهد الحسين/زين العابدين داخل الجامع الأموي عام 1269م، وأن ابن عساكر (توفي 1176م) أعاد توجيه الطوبوغرافيا المقدسة من القدس نحو دمشق، مما خلق سوريا إسلامية خالصة.
يقرّ المؤلف بصراحة بالعديد من التحفظات والحدود التي تواجه دراسته. أبرزها صعوبة دراسة الأضرحة كونها "مبانٍ حية" تُعاد بناؤها وتجديدها باستمرار، مما يجعل استخراج طبقاتها التاريخية القديمة أمراً شاقاً. في حالة ضريح بالس، يعترف المؤلف بعدم اليقين التام حول ما إذا كانت ألواح الجص في متحف دمشق قد أتت بالفعل من هذا الضريح بالذات. وفي مقبرة باب الصغير، يقرّ بصعوبة تفسير الأدلة المعمارية في غياب تاريخ طائفي واضح للمدينة، ويعترف بأنه لا يقدم إجابات قاطعة عن هوية الرعاة أو الدوافع الدقيقة لكل ضريح. كما يعترف بصعوبة تأكيد متى وأين نُقل رأس الحسين إلى عسقلان، وأن بعض القصص (مثل حلم عكا) قد تكون غير قابلة للتحقق تاريخياً لكنها تظل ذات قيمة كدليل على العقيدة والسلوك. في الخاتمة، يطرح المؤلف سؤالاً مفتوحاً حول مدى إمكانية تطبيق نتائج دراسة عن التعايش في العصور الوسطى على واقع سوريا الحالي الممزق بالحرب الأهلية، معترفاً بصعوبة الإجابة عنه.
من بين الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، تبرز فكرة أن "مرونة المعنى" هي الخاصية الجامعة لأضرحة العلويين، أي قدرتها على أن تعني أشياء مختلفة لأتباع طوائف مختلفة في نفس الوقت، مما يجعلها فضاءات شاملة بدلاً من أن تكون حصرية. هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، قد تُناقَش من حيث ما إذا كانت تغفل حقيقة أن هذه المرونة نفسها غالباً ما كانت تُستغل كأداة سياسية من قبل النخب الحاكمة لفرض هيمنتها الثقافية، أو ما إذا كانت تعكس فعلاً تسامحاً حقيقياً أم مجرد براغماتية سياسية. كما أن التركيز على التعايش والمرونة الطائفية قد يقلل من شأن التوترات والصراعات الطائفية التي لا يمكن إنكار حدوثها في فترات معينة، والتي يذكرها المؤلف نفسه في قصص مثل خلاف عام 1238. يمكن القول إن الكتاب يقدم سرداً مقنعاً ومحفزاً للتفكير، لكنه يظل بحاجة إلى تكميل بدراسات أخرى تفحص حالات الصراع الطائفي الحاد في الفترة نفسها، ليتشكل فهم أكثر توازناً للعلاقات بين السنة والشيعة في سوريا في العصور الوسطى.
الأشخاص
الفصول(7)
1.مقدمة: 'طريق لجميع المسلمين'15–31▼ ملخص
يبدأ الفصل بحكاية خلاف حاد اندلع في دمشق حوالي عام 1238 بين السنة والشيعة حول مقام لامرأة تدعى مليكة، يُقال إنها من نسل النبي محمد. كان الشيعة قد بدأوا بحماس في بناء مقام لها عند باب جيرون، حتى أنهم قاموا بإغلاق الطريق العام لتوسيع البناء. المؤرخ السني أبو شامة (المتوفى 1268) غضب بشدة، وشبه المقام بـ"مسجد الضرار" الذي بناه أعداء النبي محمد وأمر بهدمه، معتبراً أن بناء الشيعة لهذا المقام هو عمل يستحق العقاب الشديد. رغم هذا الرفض، استمر المقام في الوجود لقرون، وحتى تدخل السلطان المملوكي قايتباي (حكم 1468-1496) لم ينهِ الجدل. المؤرخ السني محمد بن طولون (المتوفى 1546) وصف ادعاء الشيعة بأنه من أعظم الأكاذيب، وأكد أنه "طريق لجميع المسلمين"، ومع ذلك استمرت زيارة المقام.
المؤلفة "ستيفيني مولدير" تستخدم هذه القصة كمدخل لتقديم موضوعها المحوري: أن أضرحة "العلويين" (أحفاد النبي محمد عبر ابن عمه وصهره علي بن أبي طالب) في سوريا في العصور الوسطى، وخاصة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، لم تكن فضاءات شيعية خالصة كما يُعتقد غالباً. بل على العكس، كانت هذه الأضرحة في كثير من الأحيان موضوع رعاية من قبل النخب السنية والشافعية على حد سواء، مما خلق مشهداً دينياً إسلامياً جامعاً وشاملاً. تقدم المؤلفة أن الميزة الأبرز لعبادة الأولياء في العصور الوسطى الإسلامية ليست طابعها الخلافي، بل طابعها التوفيقي (الجامع بين المذاهب) بشكل لافت. ونادراً ما اتخذت الخلافات حول الأضرحة طابعاً طائفياً، وعندما حدث ذلك، كان غالباً مرتبطاً بقضايا أخرى (مثل إغلاق طريق عام) ثم تم تأطيره لاحقاً في إطار طائفي.
يسير الفصل بتقديم السياق التاريخي والديني العام للمنطقة. تشرح المؤلفة أن الفترة من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر شهدت حماساً دينياً كبيراً في بلاد الشام (سوريا الكبرى)، نتيجة لتقارب عدة تيارات: الحروب الصليبية التي حفزت المطالبة بإعادة تقديس الأرض للإسلام، وحركة إحياء السنة التي بدأت في عهد السلاجقة وأثارت الوعي بالقضايا الطائفية، والحاجة السياسية لشرعية الحكام الجدد (السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والمماليك) مما سهّل الالتزام بالبناء الديني. في هذه الفترة، تم اكتشاف وبناء وإعادة تكريس مئات الأضرحة الجديدة في سوريا، ليس فقط من قبل النخب ولكن أيضاً من قبل عامة الناس. رافقت هذه الظاهرة ظهور أدبيات جديدة لوصف الأماكن المقدسة وتصنيفها، مثل كتب "فضائل" المدن والأقاليم وأدلة الحج والزيارات.
تقدم المؤلفة هدفين رئيسيين لدراستها: الأول هو توثيق التاريخ المعماري والعمراني لمجموعة فرعية من هذه الأضرحة، وهي أضرحة العلويين، وكيف تم رعايتها وبناؤها. الثاني، والأكثر أهمية من الناحية الفكرية، هو تحدي "النموذج المهيمن" في التأريخ الإسلامي حول "الإحياء السني". هذا المفهوم يشير إلى فترة القرنين الحادي عشر والثالث عشر التي عمل فيها السلاجقة وخلفاؤهم (الزنكيون والأيوبيون) على القضاء على النفوذ الشيعي، ممثلاً بالدولة الفاطمية والبويهيين. وفقاً لهذا النموذج، كان يُفترض أن بناء الأضرحة وتكريم الأولياء هو ممارسة شيعية بالأساس، وأن السنة كانوا متحفظين أو معادين لها. لكن المؤلفة تشير إلى أن أضرحة العلويين كانت تُبنى وتُصان بشكل كبير من قبل السنة، وفي ذروة فترة "الإحياء السني" نفسها. هذا يتحدى الفكرة القائلة بأن بناء الأضرحة هو فضاء شيعي خالص، ويكشف عن مفاوضات معقدة ومرنة بين الطوائف تحت سطح الخطاب السياسي الرسمي.
تناقش المؤلفة التحديات المنهجية لدراسة الأضرحة، كونها "مبانٍ حية" يتم إعادة بنائها وتجديدها باستمرار عبر القرون، مما يجعل دراستها صعبة. لتجاوز هذه المشكلة، اعتمدت منهجية متعددة تشمل: التحقيق في النصوص العربية في العصور الوسطى، ودراسات معمارية جديدة ومسوحات ميدانية لـ40 ضريحاً، والتنقيب الأثري في موقع "بالس" على الفرات، ودراسة النقوش الكتابية، وتحليل العلاقات المكانية داخل المباني وفيما بينها، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم الخرائط. يُظهر عملها الميداني في سوريا ومصر وجنوب شرق تركيا عامي 2004 و2005 أن نمط الرعاية السنية لهذه الأضرحة كان شائعاً وليس استثنائياً.
يختتم الفصل بعرض تفصيلي لمخطط الكتاب وفصوله السبعة. الفصول الأربعة الأولى (1-4) تجريبية وتركز على تاريخ أضرحة محددة. الفصل الأول يدرس ضريحاً أثرياً في مدينة "بالس" (شمال سوريا)، الذي يُظهر نمطاً متكرراً من الرعاية السنية حتى في مدينة ذات أغلبية شيعية. الفصل الثاني ينتقل إلى حلب (مدينة ذات أغلبية شيعية أيضاً) ويدرس ضريحي المشهدين: "المحسن" و"الحسين"، التي أسسها شيعة ولكن رعاها لاحقاً سنة بارزون مثل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، مما يكشف عن سياسة "التوفيق أو التملك" من قبل هؤلاء الحكام. الفصل الثالث يدرس مقبرة "باب الصغير" في دمشق، المدينة السنية، حيث تتركز أضرحة علوية كثيرة، ويحاول إعادة بناء تاريخها المعماري من خلال المسوحات الميدانية والنقوش والمقارنة بالمصادر العربية، في "علم آثار بدون مجرفة". الفصل الرابع يتناول أربعة أضرحة شهيرة في دمشق (مثل السيدة رقية والسيدة زينب ومشهد الحسين في الجامع الأموي) التي تم تغييرها بالكامل عبر الزمن، ولا يمكن دراستها إلا من خلال النصوص، وهذا ما تسميه "علم آثار النصوص". الفصل الخامس والأخير هو فصل تحليلي مفاهيمي، ينتقل من دراسة الأضرحة الفردية إلى دراسة المشهد المقدس الأوسع الذي شكلته. يجادل بأن زيارة الأضرحة كانت وسيلة لعامة المسلمين (وليس فقط النخب) لاختبار التاريخ المقدس وفهم هويتهم الإسلامية من خلال الأرض والممارسة المادية. كما يربط إنشاء هذا المشهد المقدس الإسلامي بالحملات الصليبية، حيث كانت الحاجة إلى منافسة المشهد المسيحي الجديد في الأرض المقدسة حافزاً قوياً لبناء أضرحة إسلامية. في النهاية، تطرح المؤلفة سؤالاً محورياً: هل هناك عمارة طائفية في الإسلام؟ وتجيب بأن الخاصية الجامعة لأضرحة العلويين هي "مرونة المعنى"، أي قدرتها على أن تعني أشياء مختلفة لأتباع طوائف مختلفة في نفس الوقت، مما يجعلها فضاءات شاملة وجامعة بدلاً من أن تكون فضاءات حصرية أو طائفية.
1.الفصل الأول: مشهد في باليس32–76▼ ملخص
يبدأ الفصل بمشهد حيوي لموقع أثري متواضع على تلة مغبرة تطل على نهر الفرات في شمال سوريا، وهو عبارة عن كومة من الآجر المتداعية التي تعلوها راية خضراء صغيرة. يوضح الكاتبة أن هذه الراية، التي وضعها سكان القرى الزراعية المحلية، تشير إلى أن الموقع لا يزال حياً في الذاكرة والتقديس كمكان لدفن ولي صالح، على الرغم من مظاهر الإهمال التي تحيط به. يحيط بالأنقاض قبور حديثة، دُفن فيها الموتى على أمل نيل البركة من قبر القديس. يصف الكاتبة بعد ذلك تفاصيل المبنى المتبقية، والتي تشمل قاعة صلاة ثلاثية الأقسام تحتوي على محراب مزين بزخارف جصية منحوتة، وسلسلة من الغرف المرتبة حول فناء مركزي به صهريج لجمع المياه. تستنتج الكاتبة أن هذا الضريح، الذي يبدو اليوم مهجوراً، كان في الماضي عقدة حيوية في شبكة الأماكن المقدسة في سوريا، وأنه نشأ في أواخر القرن الحادي عشر خلال فترة تكثيف متعمد لتقديس المشهد الإسلامي المقدس.
ينتقل الفصل إلى مناقشة منهجية دراسة الأضرحة بوصفها "مبانٍ حية"، أي مواقع للعبادة المستمرة التي يصعب فيها إجراء تحقيقات أثرية دقيقة بسبب استمرار استخدامها وتغيرها الدائم. يوضح الكاتبة أن ضريح باليس، باعتباره موقعاً أثرياً مهجوراً، يوفر فرصة فريدة لدراسة تاريخ هذا النوع من المباني دون القيود التي تفرضها المواقع المستخدمة حالياً، مما يسمح بإعادة تخيل تاريخه المفقود. ستكون قصة التنقيب في هذا الضريح نموذجاً لبقية الأضرحة التي ستناقشها الكاتبة في فصول لاحقة.
يقدم الفصل لمحة تاريخية موجزة عن مدينة باليس، التي تقع أطلالها الإسلامية على بعد حوالي 100 كيلومتر شرق حلب. كانت المدينة مأهولة منذ العصر البرونزي المبكر (عرفت باسم إيمار، التي يعود تاريخ احتلالها إلى 2500 قبل الميلاد على الأقل)، وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً يربط ساحل البحر المتوسط بالمناطق الشرقية. استسلمت المدينة سلمياً للفتح الإسلامي عام 636 ميلادية، وأصبحت في العصر الأموي إقطاعية لـ مسلمة بن عبد الملك، ابن الخليفة عبد الملك. تطورت باليس لتصبح مركزاً تجارياً وثقافياً مزدهراً، ووصفها الجغرافيون العرب بأنها "ميناء الشام على الفرات". شهد القرن العاشر سيطرة السلالات الشيعية مثل الحمدانيين والمرداسيين، مما أعطى المنطقة طابعاً شيعياً واضحاً، حيث كانت الخطبة تقال باسم الإمام الفاطمي أو بصيغة شيعية دون انقطاع تقريباً منذ عام 977 ميلادية. استمر ازدهار المدينة خلال العصرين الزنكي والأيوبي (بدءاً من 1128 ميلادية)، وقُدر عدد سكانها بحوالي 5,000 نسمة في العصر الأيوبي. هُجرت المدينة بالكامل عام 1259 ميلادية خوفاً من تقدم المغول، ولم تُستوطن مرة أخرى إلا من قبل علماء الآثار.
يصف الفصل بالتفصيل تاريخ التنقيب الأثري في باليس، بدءاً من البعثة الفرنسية الأولى عام 1929 بقيادة أوستاش دي لوري وجورج سال، والتي لم يُنشر عملها بالكامل، ومروراً بمشروع الإنقاذ الفرنسي في السبعينيات، وصولاً إلى بعثة جامعة برنستون السورية المشتركة التي بدأت عام 1996. تم اكتشاف الضريح خلال مسح للمنطقة المحيطة بباليس في الفترة ما بين 2005 و2009. يحاول الفصل الإجابة عن سؤال مهم: هل هذا الضريح هو نفسه الذي أُزيلت منه الألواح الجصية المعروضة حالياً في متحف دمشق الوطني؟ هذه الألواح، التي تعود للثلاثينيات، عليها نقوش تشير إلى أنها من "مشهد الخضر". تحتوي النقوش على أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، بالإضافة إلى أسماء الأئمة الاثني عشر الشيعة، مما يدل على انتماء شيعي واضح. يشير الفصل إلى أن إحدى الألواح مؤرخة بعام 1071-1072 ميلادية، وأخرى بعام 1076-1077 ميلادية. يرى الفريق أن الأدلة قوية على أن هذه الألواح تنتمي للضريح الذي تم التنقيب عنه، على الرغم من أن البعثة الفرنسية السابقة ذكرت أن ضريحها كان يقع شمال باليس بينما يقع هذا الضريح جنوبها.
يقدم الفصل وصفاً دقيقاً لحفريات الضريح وتفاصيله المعمارية. يتكون المبنى من قاعة صلاة في الجنوب وثماني غرف موزعة في نمط ثلاثة في ثلاثة إلى الشمال منها. تم الكشف عن مراحل بناء متعددة تدل على أن الضريح كان "مبنى حياً" خضع لتعديلات وتوسعات مستمرة. تشمل هذه التعديلات: زيادة سماكة الجدران، وإضافة محاريب جديدة (ليصبح المجموع خمسة محاريب في المبنى الصغير)، وإضافة مرحاضين وغرفة طينية لخبز الخبز، وبناء صهريج كبير في الفناء المركزي، وتوسيع المدخل الرئيسي وتزويده بقبة أو نصف قبة. تشير هذه التعديلات إلى أن الضريح كان مزدحماً بالزوار ويتم توسيعه باستمرار لتلبية احتياجاتهم المتزايدة.
يخلص الفصل إلى أن الضريح في باليس هو مثال بارز على ظاهرة تكثيف تقديس المشهد الإسلامي في العصور الوسطى، وخاصة الأضرحة العلوية. على الرغم من أن الضريح مخصص ظاهرياً للخضر، إلا أن النقوش الجصية تركز بشكل لافت على آل البيت، مما يجعله ضريحاً "علوياً" بامتياز. يقدم الفصل حجة رئيسية: أن التقديس العلوي كان مزدهراً في شمال سوريا خلال فترة "النهضة السنية" في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وهو ما يتعارض مع الافتراضات التاريخية الشائعة. يقر الفصل بحدود البحث، أبرزها عدم اليقين التام بشأن ما إذا كانت ألواح متحف دمشق قد أتت بالفعل من هذا الضريح، مما يترك بعض الأسئلة حول هويته الدقيقة مفتوحة. ومع ذلك، يرى أن الأدلة الأثرية القوية والنقوش المتسقة تقدم حجة مقنعة. الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي التأكيد على الاستمرارية والازدهار الشعبي للممارسات العلوية في بيئة سياسية سنية، الأمر الذي يتحدى الفكرة التقليدية عن صراع طائفي حاد ويعيد صياغة العلاقة بين السنة والشيعة في تلك الفترة كعلاقة أكثر تعقيداً وتسامحاً مما هو مفترض في كثير من الأحيان.
2.الفصل الثاني: حلب: تجربة في التسامح الإسلامي77–127▼ ملخص
يطرح هذا الفصل من كتاب ستيفنني مولدر موضوعاً محورياً هو التسامح الطائفي بين السنة والشيعة في العصور الوسطى، ويقدم مدينة حلب كحالة دراسية فريدة لهذا التعايش. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النخبة الحاكمة في حلب، من السلاجقة والزنكيين والأيوبيين، اتبعت سياسة براغماتية تقوم على احترام المشاعر الشيعية لسكان المدينة، وتجلى ذلك بوضوح في رعايتهم السخية لأضرحة العلويين، رغم كونهم حكاماً سنة. يذهب المؤلف إلى أبعد من مجرد التسامح السلبي، مقترحاً أن بعض الحكام استخدموا هذه الأضرحة عمداً كأدوات للمصالحة الطائفية وتعزيز التعايش.
يبدأ الفصل بوصف جغرافي لموقع ضريحي الحسين والمحسن على تلة جبل جوشن غربي حلب، مشيراً إلى أن هذه الأضرحة كانت مقصداً لأكثر من مليون حاج سنوياً قبل عام 2011. يوضح المؤلف أن حلب كانت مختلفة عن دمشق، حيث كان للشيعة وجود كبير وقوي، مما جعل استرضائهم ضرورة سياسية للحكام السنة. يستشهد برحالة مثل ناصر خسرو وابن جبير لتأكيد كثافة السكان الشيعة في بلاد الشام، ويذكر سيطرة السلالات الشيعية مثل الحمدانيين والمرداسيين على حلب قبل وصول السلاجقة السنة، مما عزز مكانة المذهب.
يتناول الفصل بالتفصيل تاريخ بناء وتطوير ضريح المحسن (الذي كان يُعرف سابقاً بـ مشهد الدكة). يروي قصة تأسيسه على يد الأمير الحمداني الشيعي سيف الدولة (حكم من 944 إلى 967م) بعد رؤيا منامية رأى فيها أنواراً تهبط على الموقع، فعثر هناك على شاهد قبر لطفل لم يسمع به من قبل، وهو المحسن بن الحسين. يلاحظ المؤلف أن قصص الرؤى والأحلام هي سمة شائعة في تأسيس الأضرحة الشيعية. ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الرعاة السنة، بدءاً من الحاكم السلجوقي قاسم الدولة آق سنقر الذي أضاف صهريجاً وأوقف أراضياً لدعم الضريح، ثم مروراً بالزنجي نور الدين الذي بنى مرافق للوضوء، وصولاً إلى الظاهر غازي الأيوبي الذي أعاد بناء الرواق الجنوبي بالكامل بتسع قباب في عام 1212-1213م.
يصل الفصل إلى ذروته عند وصف ضريح الحسين، الذي يعتبره المؤلف "أهم بناء شيعي من العصور الوسطى في سوريا كلها" وأحد روائع العمارة الأيوبية. يروي قصة تأسيسه العجيبة على يد راعٍ رأى في منامه رجلاً يأمر ببناء مشهد للحسين. الميزة الأبرز والأكثر دلالة هي بوابة الضريح الفخمة التي بناها السلطان الأيوبي الظاهر غازي. يصف المؤلف بدقة زخارف البوابة المذهلة، ثم يركز على النقوش الكتابية عليها التي تمثل جوهر أطروحة الفصل. على الجانبين الجانبيين يوجد نقش شيعي واضح يمدح الأئمة الاثني عشر، وعلى الواجهة الأمامية فوق باب الدخول مباشرة يوجد نقش سني يرضى عن الخلفاء الراشدين الأربعة وجميع صحابة النبي.
يقدم المؤلف تفسيراً لهذا التناقض الظاهري، رافضاً فكرة أن النقش السني كان يهدف إلى "تحييد" النقش الشيعي. بدلاً من ذلك، يرى أن ترتيبهما المكاني وتوسط إفريز من محاريب المصابيح بينهما يشكلان خطاباً بصرياً متكاملاً. كان على الزائر أن يقرأ النقشين معاً، وأن يرفع بصره بينهما مروراً بإفريز المحاريب، مما يوحد الرؤيتين الطائفيتين ويقدم رسالة واضحة عن المصالحة والتعايش. يخلص إلى أن النقش الشيعي لم يلغِ النقش السني، بل إن كليهما يشهد على سياسة متعمدة من قبل السلطان الأيوبي لتعزيز الانسجام بين أتباع المذهبين.
يختم الفصل بوضع هذه السياسة في سياقها التاريخي الأوسع، مشيراً إلى أن السلطان الأيوبي الظاهر غازي كان على علاقة وثيقة بالخليفة العباسي الناصر لدين الله في بغداد، الذي اتبع هو الآخر سياسة انفتاح تجاه الشيعة. يقدم المؤلف هذا الدليل لدعم الاستنتاج بأن الأضرحة لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت أدوات سياسية واجتماعية لتحقيق استقرار المدينة من خلال بناء جسور من الاحترام المتبادل بين المذاهب الإسلامية في فترة تاريخية مضطربة.
3.الفصل الثالث: التسامح الانتقائي: مقبرة الباب الصغير في دمشق128–199▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على مقبرة باب الصغير في دمشق، التي تُعدّ من أهم مواقع الدفن والزيارة في العالم الإسلامي، وخاصةً للشيعة، حيث تضم قبور العديد من شخصيات آل البيت والصحابة. يقدّم المؤلف، ستيفيني مولد، حجّة مفادها أن هذه المقبرة شهدت، خلال الفترة من القرن الحادي عشر حتى القرن الخامس عشر الميلادي، عمليّة مكثّفة من التقديس والتجديد، تميّزت بنهج تسامحي انتقائي (Eclectic Ecumenism) في رعاية الأضرحة، حيث تداخلت جهود الرعاة من مختلف المذاهب، سنّة وشيعة. يرى المؤلف أن هذا التسامح في دمشق، على عكس حلب، لم يكن بدافع سياسي أو عسكري لاسترضاء أقلية شيعية، بل كان نتاج دوافع شخصية ودينية واجتماعية متنوعة، مما يكشف عن تفاعل طائفي أكثر تعقيداً مما توحي به المصادر النصية التي تفترض هيمنة سنيّة على المدينة.
يسير الفصل عبر دراسة تفصيلية لعشرة أضرحة علوية في المقبرة، مركزاً على أربعة منها كنماذج رئيسية. يبدأ بضريح بلال الحبشي، مؤذن الرسول، وهو شخصية مُبجّلة لدى السنّة والشيعة على حد سواء. يثبت المؤلف وجود ضريح أو نُصب تذكاري له منذ النصف الأول من القرن الحادي عشر، استناداً إلى مصادر أدبية ونقوش، أقدمها من القرن الثاني عشر. يكشف النّقش الموجود على عتبة الباب المؤرخ بـ 1228م عن ترميم للضريح، ويشير نقش آخر يعود لـ 1598م إلى ترميمه من قبل عثمان آغا، كبير الخصيان السود في البلاط العثماني. ويخلص المؤلف إلى أن هذا الضريح حظي برعاية سنيّة مستمرة، سواء في العصر الأيوبي أو العثماني، مما أفاد المجتمع الشيعي والزوار الشيعة أيضاً، مُظهراً تقاطعاً طائفيّاً حول شخصيات إسلامية جامعة.
ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن ضريح السيدة سكينة بنت الحسين وأم كلثوم بنت علي، وهو أكبر أضرحة المقبرة وأكثرها بروزاً. يوضح المؤلف أن هوية رفيقة سكينة في القبر كانت محلّ خلاف في المصادر التاريخية، وتطورت إلى نسبة الضريح لأم كلثوم في العصر الحديث. يُحلل الفصل النقوش القرآنية على التابوت الخشبي الفاخر الذي يعود للقرن الثاني عشر، ويجد أنها تحمل مضامين شيعية واضحة، مثل آية التطهير، مما يشير بقوة إلى أن الراعي الأول لهذا الضريح (أو التابوت) كان شيعياً. يُعلّق المؤلف على أن هذه الرعاية الجريئة في مدينة سنيّة كدمشق تُظهر أن بعض أبناء الطائفة الشيعية كانوا يمتلكون الإمكانيات المادية والحرية اللازمة لمثل هذه المشاريع، على عكس الصورة النمطية عن اضطهادهم.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحلقة التالية من تاريخ هذا الضريح، مُظهراً استمرار التفاعل الطائفي من خلال رعاية سنيّة جديدة. ففي العصر المملوكي، ارتبط الضريح بالطريقة الصوفية للقلندرية. يروي المؤرخ النعيمي كيف أن السلطان الظاهر بيبرس بنى مسجداً صغيراً ملحقاً بالضريح تكريماً للشيخ محمد البلخي، أحد مشايخ القلندرية. يُشدّد المؤلف على أن رعاية بيبرس كانت بدافع شخصي وديني، نتيجة تعلّقه بالشيخ، وليس بدافع سياسي، لكنها مع ذلك ساهمت في تعزيز مكانة الموقع. ويختم الفصل بذكر رعاية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (حكم 1876-1909) لهذا الضريح وثلاثة أضرحة أخرى في المقبرة، بتكليف من عائلة المرتضى الشيعية الدمشقية، مما يؤكد استمرار التداخل بين الرعاة من مختلف المشارب.
يبحث الفصل بعد ذلك بإيجاز في ثلاثة أضرحة أخرى قامت عائلة المرتضى برعايتها، وهي أضرحة فاطمة الصغرى بنت الحسين، رقية بنت علي، و خديجة بنت الحسين، مشيراً إلى صعوبة إثبات وجود أبنيتها قبل تدخل السلطان عبد الحميد بسبب نقص الأدلة، على عكس ضريح فاطمة الصغرى الذي يحوي أقدم نقش في المقبرة. في النهاية، لا يقدم الفصل إجابات قاطعة عن هوية الرعاة أو الدوافع الدقيقة لكل ضريح، بل يعترف بوجود تحفظات وأسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بصعوبة تفسير الأدلة المعمارية في غياب تاريخ طائفي واضح للمدينة. يُمكن القول إنّ الحجة الأهم التي يُمكن مناقشتها هي أن الأدلة المعمارية والنقوش تروي قصة تعايش وتفاعل طائفي أكثر تعقيداً وثراءً مما تنقله المصادر التاريخية وحدها، والتي غالباً ما تصوّر المذهب السني على أنه المسيطر الوحيد.
4.الفصل الرابع: الرعاية الدائمة: أربعة مقامات علوية دمشقية200–260▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على أربعة أضرحة علوية في دمشق، هي من بين أهم مواقع الحج في بلاد الشام عبر التاريخ، لكن طابعها المعماري الأصلي اختفى تقريباً بسبب التجديدات المستمرة. يرى المؤلف أن هذا التحول الدائم والكلي هو دليل على الأهمية الاجتماعية والطائفية لهذه الأضرحة، وليس سبباً لتجاهلها من قبل المؤرخين. نظراً لندرة الأدلة المادية، يعتمد الفصل بشكل أساسي على النصوص العربية القديمة لإعادة بناء التاريخ المعماري لهذه الأبنية. يطرح الفصل عدة أسئلة: لماذا تجذب بعض الأماكن هذا النوع من إعادة البناء الكلي المستمر؟ وما هي دوافع هذا التجديد؟ وكيف ندرس أبنية متغيرة باستمرار؟
يتناول الفصل أربعة أضرحة: مشهد السيدة رقية/مشهد الحسين في باب الفراديس، ومشهد الحسين/مشهد علي زين العابدين داخل الجامع الأموي، ومشهد علي/مشهد النارنج خارج الأسوار، ومشهد السيدة زينب خارج الأسوار. بالنسبة للمشهد الأول، يبدأ المؤلف بوصف حي للحاضر، حيث يتحول الحيّ من سوق عربي تقليدي إلى منطقة يغلب عليها الطابع الإيراني في العمارة واللغة، وذلك بسبب التجديدات الضخمة التي تمت في العقود الأخيرة. وخلافاً لادعاءات بعض المؤرخين المحدثين، يثبت المؤلف من خلال المصادر أن للموقع تاريخاً أقدم بكثير. يعود أول ذكر لموقع مقدس في باب الفراديس إلى ابن عساكر (ت. 1176م)، الذي أشار إلى مسجدين في المنطقة. أول ذكر لمشهد مخصص للحسين في هذا الموقع يعود إلى دليل الحج لـ الهاروي (ت. 1215م). ثم في القرن الثالث عشر، يذكر ابن شداد (ت. 1284م) مشهداً لـرقية ويصفه بأنه مبنى ذو قبو ومحراب، ويورد قصة دفن رأس الملك الأيوبي الكامل فيه. ثم يربط ابن شاكر الكتبي (ت. 1363م) بشكل قاطع بين هويتي المشهد: قبر رقية ودفن رأس الحسين، ويقدم وصفاً دقيقاً للمبنى مانحاً إياه قبة ومئذنة وقناة وتابوتاً محاطاً بمقصورة.
يصف ابن المِبْرَد (ت. 1503م) وجود حجر أسود يحمل أثر قدم النبي في المشهد. في القرن السادس عشر، يؤكد ابن الحوراني (ت. 1562م) في دليله للحج أن مسجد باب الفراديس هو نفسه مشهد الحسين، ويربطه برقية، مؤكداً مكانته كموقع مبارك ومقصود للزيارة. في العصر الحديث، وصف المؤرخ أسعد طلس المبنى في أربعينيات القرن العشرين بأنه كان يضم قبة قديمة الطراز المملوكي وثلاثة ألواح حجرية منقوشة، أحدها يوثق وقفاً من عام 1713م بواسطة الميرزا بابا المستوفي الكيلاني، وآخر هو شاهد قبر الملك الكامل الذي دفن رأسه في المشهد في عام 1483م. يخلص المؤلف إلى أن فترة ازدهار المشهد كانت العصر المملوكي، وأنه خضع لتحول جذري في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين بأمر من الرئيس السوري حافظ الأسد لتعزيز العلاقات مع إيران، مما أدى إلى هدم المبنى القديم وبناء مجمع إيراني الطراز، وأزال الصلة التقليدية بالحسين وأثر قدم النبي ليجعله مخصصاً لرقية وحدها.
أما المشهد الثاني، مشهد الحسين/علي بن الحسين (زين العابدين) داخل الجامع الأموي، فيصفه المؤلف بدءاً من موقع الحرم الحالي الذي يتكون من عدة غرف متصلة، أكبرها قبة تضم ضريحاً فضياً يُقال إن رأس الحسين وضع أو دفن فيه. أقدم مصدر يذكره هو ابن عساكر، الذي يصفه باسم "مشهد الرأس" ويذكر أنه مزود بإمام ووقف، مما يدل على أهميته. يذكر الهاروي وجود أضرحة لـعلي بن أبي طالب، الحسين، وعلي زين العابدين في الركن الشرقي من الجامع. يقدم الرحالة ابن جبير (ت. 1184م) وصفاً حيوياً رغم تشككه، فيذكر مشهداً للحسين خارج باب جيرون الشرقي، ومشهداً لعلي داخل فناء الجامع وصفه بالجميل، ويذكر أيضاً مسجداً صغيراً للخليفة عمر بن عبد العزيز لا وجود له اليوم. يوضح المؤلف أن العلاقة المكانية بين هذه المشاهد ليست واضحة.
ثم يصل الكاتب إلى معلومة مهمة عن ترميم قام به السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (حكم 1260-1277م) في عام 1269م. يروي ابن شداد أن بيبرس دخل المشهد متنكراً ليلاً فرآه مكتظاً بالمقيمين الذين حولوه إلى خان، فأمر بإخراجهم ومنحهم رواتب، ثم "بنى" (استخدم الفعل "بنى" لا "رمم") مشهد زين العابدين من جديد. يرجح المؤلف أن القبة الحالية لمشهد الحسين هي نفس البناء الذي شيده بيبرس، وذلك بناءً على تشابهه المعماري مع قبة القلندرية التي بناها بيبرس أيضاً. وهذا يدل على أن حاكماً سنياً بارزاً رعى بناءً مخصصاً لشيعي محض، مما يشير إلى طابع فوق طائفي لهذه الأضرحة. يقدم ابن شاكر الكتبي خريطة واضحة للمنطقة في القرن الرابع عشر، محدثاً عن مشاهد يوحنا المعمدان، وعمر، ورأس الحسين، وعلي. هذا التعدد في المشاهد داخل حيز صغير يوضح ازدحام هذا الركن بالأماكن المقدسة. يختتم المؤلف مناقشة هذا المشهد بالإشارة إلى أن العمارة العثمانية أضافت إليه لاحقاً غرفة خاصة لزين العابدين، وأن الصلة بين رقصة الحسين ويوحنا المعمدان (كلاهما قطعت رأسه) كانت معروفة لدى المؤلفين المماليك مثل القلقشندي.
يبدأ الفصل بعد ذلك في معالجة المشهدين خارج السور: مشهد علي/النارنج ومشهد السيدة زينب. بالنسبة للأول، موقعه الحالي هو تلة المصلّى قرب سوق الحميدية. بخلاف المشهدين السابقين بقي الموقع هادئاً نسبياً ولم يشهد بناءً ضخماً حديثاً. أول ذكر له يعود لـ ابن عساكر أيضاً، الذي يسميه "مشهد علي" بالقرب من تلة المصلّى المعروفة بـ"مشهد النارنج ويقول ابن عساكر إنه يقع في تلة المصلّى جهة المصلى العتيق، وهي منطقة مكشوفة. يربط الهاروي نفس الموقع بمشهد الحسين أيضاً، ويذكر أن الحسين كان يمر من هناك (وفي رواية أخرى أن رأسه وضع هناك أو عليه أثر لفرسه). الانتقال من ارتباط الموقع بعلي إلى الحسين يظهر سيولة المعنى المميزة لهذه الأضرحة. وصف ابن جبير رؤيته للشيعة يتبركون (يتفلون على تراب الموقع ويأخذونه بأكفانهم) في مشهد علي عند مشهد النارنج عام 1284م، مما يدل على وجود طقوس حية. يروي ابن شاكر الكتبي قصة دفن رأس الحسين في تربة قرب مشهد النارنج، مما يوثق الارتباطين معاً (علي والحسين). ويقول ابن المِبْرَد إن الموقع كان مكاناً لصلاة الاستسقاء حتى القرن السادس عشر.
أما المشهد الرابع والأخير، مشهد السيدة زينب خارج أسوار دمشق، فيقول المؤلف إنه الموقع الوحيد الذي يحتفظ بقدر من النسيج المعماري الأصلي. يقع في قرية راوية (سُميت لاحقاً باسمها) على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرق المدينة القديمة، على طريق بصرى. ويؤكد المؤرخون مثل ابن عساكر والنعيمي وجود القبر هناك. أقدم ذكر لموقع مقدس لزينب في هذه البقعة يعود لابن عساكر، الذي يقول إنها توفيت في قرية راوية. مشهد زينب هو أكبر وأكثر الأضرحة الجاذبة للزوار حتى اليوم. يُظهر تاريخ الموقع استمرارية دائمة في العناية به من مختلف الحكام والمؤمنين. يذكر المؤلف أن المشهد خضع لتوسعة ضخمة بأمر من آية الله الخميني في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وتم إنشاء فنادق ومكتبة ومدرسة دينية وإدارة مستقلة، مما نقله من مجرد مقام محلي إلى مجمع دولي كبير.
في خاتمة الفصل، يعود المؤلف إلى السؤال الأساسي: كيف يمكن دراسة أبنية متغيرة باستمرار؟ ويقدم تحليلاً لعوامل استمرارية الرعاية لهذه الأضرحة الأربعة. يحدد عدة أنماط: الاستمرارية الرعائية (كل قائد مهم، بغض النظر عن مذهبه، يعيد بناء الضريح مما يضمن بقاءه رمزاً حياً)، المرونة الرمزية (قدرتها على تبني هويات متعددة في أوقات مختلفة، مما يجعلها محايدة بما يكفي لاستقبال رسائل سياسية واجتماعية متعددة)، وقدرتها على تحفيز التحول الحضري (حيث يتحول الضريح من نواة إلى حي كامل بفضل الطاقة الدينية والاقتصادية التي يستقطبها). يخلص المؤلف إلى أن هذه الأضرحة ليست مجرد كائنات من الماضي محفوظة في العصور الوسطى، بل هي "أبنية حية" تعيد تعريف نفسها باستمرار وفقاً للاحتياجات الثقافية والسياسية والدينية المتغيرة. وهي ليست أدوات سلبية للطائفية أو السياسة، بل هي مساحات ديناميكية تنشئ وتخلق المجتمع من حولها، وتستدعي أن تُدرس ككائنات حية متطورة وليس كأحافير معمارية.
5.الفصل الخامس: مشهد من الأفعال: المقامات العلوية وبناء الطوبوغرافيا الإسلامية المقدسة261–280▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "مزارات العلويين في سوريا في العصور الوسطى" لستيفيني مولدير يتناول موضوعاً محورياً وهو كيفية بناء المسلمين لطوبوغرافيا مقدسة إسلامية في سوريا خلال العصور الوسطى. يقدم المؤلف إجابة رئيسية مفادها أن المسلمين في العصور الوسطى لم يختبروا التاريخ المقدس من خلال النصوص فقط، بل من خلال الأرض نفسها عبر الأفعال والطقوس. يرى مولدير أن الفترة من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر شهدت تحولاً حاسماً، حيث تم إنشاء شبكة واسعة من الأضرحة والمزارات الإسلامية التي شكلت "منظراً للأفعال" (landscape of deeds) بدلاً من الاعتماد على تضاريس طبيعية كانت سائدة في التقاليد الوثنية.
يسير الفصل بشكل منهجي ليشرح هذه الفكرة. يبدأ بطرح الإطار النظري، مستعيناً بمفاهيم من دراسات الفضاء المقدس مثل مفهوم جي زد سميث عن "أخذ المكان" (To Take Place) وعمل كاثرين بيل حول الطقوس. يجادل الكاتب بأن المقدس لا يُكتشف في الأرض بشكل طبيعي، بل يُنتج اجتماعياً عبر أفعال طقسية متكررة. هذه الأفعال، التي تشمل الزيارة والصلاة والبناء والتوسعة، تترك آثاراً مادية في المشهد وتخلق مكاناً مقدساً. يرى مولدير أن الهندسة المعمارية نفسها هي "فعل طقسي"، وليست مجرد حاوية له.
ثم ينتقل الفصل إلى شرح كيف تطور هذا المشهد الإسلامي في سوريا. يحدد عاملين رئيسيين دفعا هذا التوسع: أولاً، التحدي الذي شكلته الحملات الصليبية والادعاءات المسيحية بقدسية الأرض، وثانياً، الوعي المتزايد بالطائفية خلال فترة "الإحياء السني". يستشهد المؤلف بعدة باحثين مثل يهوشواع فرينكل وسيريل جلابيرت اللذين أكدا أن فترة ما بعد الحروب الصليبية شهدت تحولاً من التركيز على المواقع التوراتية (مثل مقامات الأنبياء) إلى المواقع الإسلامية (خاصة الصحابة والعلويين). يشير مولدير إلى أن شخصية رئيسية في هذا التحول الأدبي هو المؤرخ الدمشقي ابن عساكر (توفي 1176م ) الذي أعاد توجيه الطوبوغرافيا المقدسة من القدس نحو دمشق، مما خلق سوريا إسلامية خالصة.
يتعمق الفصل في التمييز بين المفاهيم القديمة والحديثة للمقدس. في العصور اليونانية والرومانية، كانت القدسية متأصلة في التضاريس الطبيعية مثل الكهوف والينابيع والتلال. أما في اليهودية والمسيحية، فقد تحول التركيز نحو الأحداث التاريخية وقبور الأنبياء. لكن الإسلام، بحسب مولدير، ذهب أبعد من ذلك. بنى الإسلام "منظراً للأفعال" حيث القدسية "تنتج عن أفعال وأحداث في الزمن التاريخي، وليس عن ملامح الأرض نفسها". الطبيعة (مثل نبع أو جبل) تصبح مجرد "دليل" على معجزة حدثت، أو "شاهد" على فعل مقدس قام به شخصية إسلامية.
كمثال مركزي على هذا المفهوم، يقدم الفصل قصة رأس الحسين بن علي حفيد النبي محمد والمستشهد في كربلاء عام 61هـ (680م) . يصف مولدير كيف أن نقل الرأس من كربلاء عبر مدن مثل تكريت والموصل ونصيبين والرقة وبالبس وحلب وحماة وشيزر وحمص وبعلبك إلى دمشق، ثم لاحقاً إلى عسقلان وأخيراً إلى القاهرة، خلق "طريقاً مقدساً" من الأضرحة والمشاهد التي تحيي ذكرى المأساة. يوضح الكاتب كيف أن هذه القصة تعمدت ربط الحسين بـيحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان) ، فالاثنان استشهدا بقطع الرأس، وتم وضع رأس الحسين في الجامع الأموي بدمشق بجوار رأس يحيى. هذا الربط المتعمد مع التاريخ التوراتي كان وسيلة لإثبات قدم وقدسية الموقع الإسلامي الجديد، بينما يؤكد في الوقت نفسه على أولوية الإسلام.
يمضي الفصل ليناقش كيف تم "إعادة إحياء" هذه المواقع المقدسة. كثيراً ما كانت القبور والمشاهد تكتشف من جديد بعد نسيانها لقرون، غالباً عبر رؤى وأحلام. يسرد المؤلف حكاية من ابن العديم عن اكتشاف قبور رجال صالحين، وقصة أخرى لـعلي بن أبي بكر الهروي (صاحب دليل الزيارة في القرن الثاني عشر) عن اكتشاف قبور سبعين صحابياً في دمشق. القصة الأكثر تفصيلاً عن مزار علي بن أبي طالب في عكا، حيث تحول المزار المسيحي إلى مسجد بعد أن ظهر علي في حلم للحارس المسيقي وهدده بالموت إن لم يُعد المكان. تؤكد هذه القصة على فكرة أن الأرض كانت إسلامية بطبيعتها، وأن الاحتلال الصليبي كان مجرد غصب مؤقت.
أخيراً، يطرح الفصل حجة حول التأثير المتبادل بين البناء الإسلامي والمسيحي زمن الحروب الصليبية. يشير إلى أن الدراسات الحديثة، خاصة أعمال دينيس برينغل، أثبتت أن الصليبيين بنوا أكثر من 400 كنيسة وكاتدرائية في مملكة القدس خلال أقل من مائتي عام. هذا النشاط المعماري المذهل، بحسب مولدير، دفع المسلمين إلى الرد ببناء أضرحة ومشاهد إسلامية خاصة بهم، لتأكيد هويتهم وقدسية أرضهم. يُقر المؤلف أن هناك عوامل أخرى أيضاً مثل صعود التصوف وانتشار التدين الشعبي في "العصر التقي" (كما وصفته دانييلا تالمن هيلر )، لكن التحدي الصليبي كان محفزاً قوياً.
يعترف مولدير بحدود معرفتنا، مثل صعوبة تأكيد متى وأين نُقل رأس الحسين إلى عسقلان، ويشير إلى أن بعض القصص مثل حلم عكا قد تكون غير قابلة للتحقق تاريخياً، لكنها تظل ذات قيمة كدليل على "الرسم الخرائطي المجازي" الذي شكّل العقيدة والسلوك. في النهاية، يخلص الفصل إلى أن بناء هذا المشهد المقدس كان "فعلًا طقسيًا شاملاً" (meta-ritual) يربط بين المواقع الفردية عبر المسارات والنصوص والممارسات، مما خلق هوية إسلامية موحدة للارض، وجعلها شفيعة للمسلمين يوم القيامة كما قال ابن عساكر.
في تقديري الشخصي، يقدم الفصل إطارًا نظرياً مقنعاً يربط بين الآثار المادية والنصوص والممارسات الاجتماعية، وهو ما يثري فهمنا للتدين في العصور الوسطى. ومع ذلك، يمكن مناقشة ما إذا كانت كل قصص الأحلام والاكتشافات مقبولة كدليل تاريخي، أم أنها تعكس ببساطة حاجة أدبية لخلق شرعية للمواقع. لكن يبقى منطق المؤلف الأساسي - أن المقدس يُبنى عبر الأفعال المتكررة على الأرض - قوياً وموثوقاً، خاصة في ظل ما يقدمه من دلائل أثرية عديدة مثل المسح الذي أجراه لـ37 ضريحاً علوياً لا يزال الكثير منها قائماً حتى اليوم في سوريا ومصر.
7.الخاتمة: زمن المعجزات281–312▼ ملخص
الخاتمة، التي تحمل عنوان «زمن المعجزات»، تلخص الأطروحة المحورية للكتاب وتقدم تأملات ختامية حول أهمية أضرحة العلويين في سوريا في العصور الوسطى. يجيب المؤلف على سؤال رئيسي: كيف يمكن للأضرحة، رغم تنوعها المعماري وصعوبة تصنيفها طائفياً أو جمالياً، أن تكشف عن تاريخ من التعايش والمرونة الطائفية يتجاوز الروايات النصية المحدودة. يجادل مولدر بأن الهندسة المعمارية والممارسات الاجتماعية المرتبطة بهذه الأضرحة تقدم مادة تاريخية غنية ومهملة، تسمح لنا بفهم العلاقات المعقدة بين السنة والشيعة في فترة حاسمة من التاريخ الإسلامي، وهي فترة «إحياء السنة».
يبدأ الفصل باقتباس عن رؤية لامرأة مقدسة، ليؤكد أن عالم هذه الأضرحة كان عالماً تُعتبر فيه المعجزات والرؤى أمراً شائعاً، مما يعكس «الانتعاش الديني» و«المناخ التجديدي» الذي ساد بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. يشير المؤلف إلى الأحداث المأساوية التي شهدتها سوريا بين 2011 و2013، مثل الأضرار التي لحقت بضريح السيدة زينب في يوليو 2012 وتدمير مئذنة الجامع الأموي في حلب. يقر مولدر بأن هذا الواقع يجعله يتساءل عما إذا كان الماضي الذي درسه ذا صلة بحاضر سوريا، لكنه يؤكد أن التاريخ يُظهر أدلة على التعايش حتى في أوقات الصراع، وأن الحدود الطائفية كانت دائماً مرنة وقابلة للتفاوض.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة منهجية، مستنداً إلى أعمال المؤرخة آن ماري إدي التي أظهرت أن التشيع في سوريا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لم يكن ميتاً بل كان أكثر متانة وقابلية للتكيف مما يُفترض غالباً. يوضح مولدر أن دراسته تهدف إلى إضافة بُعد مادي لهذه الأدلة النصية المتناقضة أحياناً، وإظهار كيف يمكن للهندسة المعمارية والمشهد الحضري أن يتحدثا ببلاغة عن نوايا الرعاة والزوار. هذا النهج المبني على المادة يثبت قوة المجتمعات الشيعية وأهميتها على مدى فترات طويلة من التاريخ السوري، مما يتطلب سياسات متناوبة من المعارضة والاستيعاب، وأخيراً نوعاً من المصالحة.
يتناول الفصل مسألة الشكل المعماري للأضرحة، ويتساءل عن سبب التباين الجمالي الكبير بينها. لماذا، على سبيل المثال، كان كل من مشهد الحسين ومشهد المحسن في حلب (الذي نوقش في الفصل الثاني) مبنيين جميلين ومعلمين بارزين، بينما كانت أضرحة مقبرة باب الصغير في دمشق (الفصل الثالث) متواضعة رغم أنها كانت تكرّم شخصيات أكثر شهرة؟ يقدم المؤلف تفسيرين: الأول عملي، ويشير إلى أن الأضرحة في المقابر كانت محدودة بسبب القيود الدينية ضد تحريك القبور والبناء فوقها. أما التفسير الثاني فيتعلق بمفهوم «النمطية» في العمارة الإسلامية، حيث أن المباني غالباً ما تشترك في مجموعة أدوات معمارية متشابهة (إيوانات وقباب ومآذن)، مما يجعل من الصعب أحياناً التمييز بين مسجد ومدرسة وضريح.
يواصل مولدر بحثه عن إجابة لسؤال «كيف يمكننا أن نعرف أن المبنى هو ضريح؟». يخلص إلى أن الإجابة لا تكمن في الشكل المعماري بقدر ما تكمن في الممارسة والسلوك الاجتماعي. ضريح بالس تم التعرف عليه كضريح ليس بسبب شكله المعماري البسيط، بل بسبب موقعه داخل مقبرة (وهو أمر محظور عادة للمساجد الجامعة) وموقعه خارج المدينة (وهي سمة شائعة لأضرحة العلويين). هذه الممارسات الاجتماعية، مثل الزيارة وتوجيه الحجاج، هي التي تجعل الأضرحة مصدراً غنياً للتاريخ الاجتماعي، وليس فقط للتاريخ المعماري.
في ختام الفصل، يؤكد المؤلف على أهمية المادة المادية كمصدر تاريخي، خاصة لدراسة الفئات المهمشة مثل الفلاحين والنساء والمعارضين السياسيين، التي تم إهمالها أو تدمير مصادرها النصية. يرى مولدر أن تاريخ سوريا الطائفي غير معروف جيداً، وأن دراسة الأضرحة تُظهر صورة أكثر دقة وتعقيداً للعلاقات بين المجموعات الإسلامية المختلفة. هذا البحث، كما يقول، لا يقدم فهماً للماضي فحسب، بل يقدم أيضاً نموذجاً للتعايش الغني والمتنوع يمكن الاستفادة منه في الحاضر.
يمكن القول إن الفصل يطرح سؤالاً قابلاً للنقاش حول مدى إمكانية تطبيق نتائج دراسة عن التعايش في العصور الوسطى على واقع سوريا الحالي الممزق بالحرب الأهلية والصراع الطائفي، وهو سؤال يطرحه المؤلف نفسه بصراحة ويعترف بصعوبة الإجابة عنه.