
The Syrian Jihad
يطرح تشارلز ليستر في كتابه "الجهاد السوري" سؤالاً محورياً حول كيفية تحول سوريا إلى المركز العالمي للنشاط الجهادي المسلح. الإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل معقد بين عوامل محلية وإقليمية ودولية. يرى ليستر أن فشل المعارضة السورية المسلحة المعتدلة في التوحد وتلقي الدعم الفعال، إلى جانب القمع الشرس من قبل النظام، خلقا بيئة خصبة استغلها الجهاديون ببراعة لتثبيت أنفسهم. ويتوجه ليستر باتهام مباشر للغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بالمسؤولية عن هذا الواقع، معتبراً أن فشل المجتمع الدولي في دعم معارضة معتدلة هو الذي ترك فراغاً استغلته الجماعات الجهادية.
يسير الكتاب زمنياً من جذور الثورة السورية وصولاً إلى ذروة الصراع الجهادي. يبدأ التحليل بوصف الظروف التي جعلت سوريا قابلة للانفجار عام 2011، مع الإشارة إلى أن عدد المقاتلين الأجانب الذين انضموا للجهاد في سوريا بلغ ما لا يقل عن 30,000 مقاتل منذ ذلك العام. يصف الكتاب الموجة الأولى من الاحتجاجات التي انطلقت من مدينة درعا في مارس 2011 بعد اعتقال 15 صبياً لكتابتهم شعارات الثورة، وتعرضهم للتعذيب، ليتحول رفض مسؤولي الأمن السياسي الإفراج عنهم إلى شرارة الثورة التي قتل فيها أربعة أشخاص في 18 مارس. يربط المؤلف بين هذه الانتفاضة الشعبية وبين العوامل الهيكلية العميقة التي جعلت سوريا قابلة للانفجار، ومن أبرزها المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي فاقمها الجفاف المدمر بين 2006 و 2010، وعلاقة الدولة المتوترة بالإسلام السني التي بلغت ذروتها بمذبحة حماة عام 1982، إلى جانب الفساد وهيمنة الحزب الواحد.
يكشف الكتاب عن استراتيجية النظام في التلاعب بالجهادية كعامل خلفي حاسم، حيث سمح النظام بتدفق المقاتلين الأجانب عبر حدوده الشرقية إلى العراق بعد غزو 2003 لتصدير التهديد الجهادي خارج البلاد. ومع اندلاع الثورة، استغل النظام الوضع فأفرج عن مئات السجناء الإسلاميين في مارس ومايو 2011 لعزل الثوار وتصويرهم على أنهم إرهابيون. في هذا السياق، أرسل أبو بكر البغدادي قائده السوري أبو محمد الجولاني في أغسطس 2011 لتأسيس فرع لتنظيم القاعدة في سوريا، لتنبثق جبهة النصرة التي أعلنت تأسيسها رسمياً في يناير 2012 عبر شريط فيديو، وأعلنت مسؤوليتها عن أول هجوم كبير أوقع 40 قتيلاً على الأقل. يصف الكتاب كيف أن ظهور الجبهة كان له أثر سلبي فوري على الثورة، إذ استخدمته إدارة أوباما كذريعة لعدم تسليح المعارضة المعتدلة.
يتتبع الكتاب تطور الجهاد السوري عبر مراحل حاسمة، وصولاً إلى نقطة التحول في شتاء 2012-2013 عندما رسخت الجماعات الجهادية وجودها عبر تقديم الخدمات والحماية للمجتمعات المحلية. لكن التطور الأهم كان في أبريل 2013 عندما أعلن البغدادي توسع تنظيمه إلى سوريا تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، ليرد الجولاني بعد 36 ساعة برفض الاندماج مجدداً البيعة لزعيم القاعدة أيمن الظواهري. هذا الخلاف العلني كشف عن شرخ عميق داخل التيار الجهادي، ووضع التنظيمين في مواجهة دموية. يقدم الكتاب تفاصيل درامية عن هذا الصراع، مستنداً إلى مصادر جهادية وسلفية فضلت عدم الكشف عن هويتها، ويكشف عن دور حجي بكر (نائب البغدادي) الذي قاد مهمة سرية إلى شمال سوريا في أواخر 2012 لإنشاء قاعدة وجمع معلومات عن القرى والبلدات الضعيفة.
يصف الكتاب بتفصيل بالغ حصار بلدة القصير ومعركتها خلال مايو ويونيو 2013، والتي اعتبرها نقطة تحول استراتيجية بفضل الدور الحاسم لحزب الله وإيران. انتهت المعركة في 4 يونيو باتفاق انسحاب للمقاتلين، وكانت هذه الهزيمة بمثابة صدمة للمعارضة وزادت من الرغبة في الانتقام. يذكر الكتاب في هذا السياق المجازر المروعة في قريتي البيضاء وبانياس في ريف طرطوس في أوائل مايو 2013، حيث أعدمت القوات الموالية للنظام ما لا يقل عن 167 شخصاً في البيضاء (بينهم 23 امرأة و14 طفلاً) و188 في بانياس (بينهم 54 طفلاً و43 امرأة)، معتبراً هذه المجازر أداة لتعبئة مقاتلين جدد ومؤشراً على تطهير طائفي. كما يورد أكبر هجوم إرهابي في تاريخ تركيا ببلدة ريحانلي الحدودية في 11 مايو والذي أوقع 51 قتيلاً، مع الإشارة إلى تباين الاتهامات بين داعش والمخابرات السورية.
بلغ صعود داعش ذروته في يونيو 2014 عندما شنت هجوماً ضخماً في العراق واستولت على الموصل في 10 يونيو، مما أدى إلى انهيار الجيش العراقي. نقل التنظيم كميات هائلة من الأسلحة التي غنمها إلى شرق سوريا، مما أدى إلى استسلام أو مبايعة العديد من القبائل والفصائل في محافظة دير الزور، بما في ذلك جبهة النصرة التي انسحبت بشكل كبير، تاركة التنظيم يسيطر على نحو 60% من إنتاج النفط المحتمل في سوريا. في 29 يونيو، أعلن التنظيم إقامة خلافة إسلامية بقيادة البغدادي الذي أصبح يُعرف باسم الخليفة إبراهيم، وألغى اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ليصبح الاسم الرسمي الدولة الإسلامية. كان هذا الإعلان تحدياً مباشراً لشرعية تنظيم القاعدة وزعيمها الظواهري، وأثار استنكاراً واسعاً من فصائل إسلامية وجهادية في سوريا.
يقدم الكتاب إحصاءات لافتة عن تشرذم المعارضة المسلحة، مشيراً إلى أنه بحلول أوائل 2015 كان هناك ما لا يقل عن 150,000 متمرد ينتمون إلى ما يصل إلى 1,500 مجموعة مسلحة مختلفة. يلقي المؤلف باللوم في هذا التشرذم على فشل الدول الخارجية الداعمة مثل السعودية وقطر وتركيا في توحيد جهودها، مما جعل الفصائل تتنافس على التمويل وتكيف أيديولوجياتها لجذب الداعمين. يقر المؤلف بأن سوريا أصبحت شبكة معقدة من الديناميكيات المحلية والإقليمية والدولية، ويترك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية "العهد الثوري" للجبهة الإسلامية في جذب الدعم الدولي، وحول قدرة أي تنظيم آخر على منافسة جاذبية مشروع "الخلافة" الذي تقدم به داعش. ويخلص ليستر إلى أنه ما لم يتغير مستوى الالتزام الدولي بدعم معارضة معتدلة، ستظل سوريا مركزاً للنشاط الجهادي المسلح لسنوات، وستكون العواقب عالمية وليست محصورة على سوريا وحدها.
الأشخاص
الفصول(5)
1.15–24▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب "الجهاد السوري" لتشارلز ليستر موضوعاً محورياً هو تحول سوريا إلى مركز عالمي للنشاط الجهادي المسلح، ويقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن هذا الواقع لم ينشأ بفعل عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عدة عوامل محلية وإقليمية ودولية. يرى ليستر أن فشل المعارضة السورية المسلحة المعتدلة في التوحد وتلقي الدعم الفعال، إلى جانب القمع الشرس من قبل النظام، قد خلقا فراغاً وبيئة خصبة استغلها الجهاديون ببراعة لتثبيت أنفسهم.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل تطور الحركة الجهادية في سوريا. يبدأ الفصل بتأكيد أن جاذبية سوريا للجهاديين تفوق حتى نظيرتها في العراق، مستشهداً بتقديرات تشير إلى انضمام ما لا يقل عن 30,000 مقاتل أجنبي للجهاد في سوريا منذ 2011، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم قد يكون أعلى من ذلك بكثير، فالمملكة المتحدة وحدها رفعت تقدير عدد مواطنيها الذين سافروا إلى سوريا من 600-700 في مارس 2015 إلى 1,600 في الشهر التالي. يشرح المؤلف كيف استفاد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من الصراع السوري، حيث أن عاصمة خلافته تقع فعلياً في مدينة الرقة السورية، بينما يركز على أن قصة الجهاد السوري لا تقتصر على داعش فقط.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل تنظيم جبهة النصرة، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، ويصفه بأنه ربما أسس وجوداً أكثر استدامة من داعش. يوضح ليستر أن النصرة اتبعت نهجاً براغماتياً في إدارة علاقاتها مع فصائل المعارضة الأخرى، مما أكسبها درجة من القبول بين السكان، على عكس داعش التي انعزلت بسبب تطرفها وعدوانيتها. لكن التقدم الدراماتيكي لداعش وإعلان الخلافة شكلا تحدياً وجودياً لشرعية النصرة الجهادية، مما دفعها لتبني سلوك أكثر تشدداً.
يقدم الفصل تفصيلاً لتشرذم المعارضة المسلحة، مشيراً إلى أنه بحلول أوائل 2015 كان هناك ما لا يقل عن 150,000 متمرد ينتمون إلى ما يصل إلى 1,500 مجموعة مسلحة مختلفة. يلقي المؤلف باللوم في هذا التشرذم على فشل الدول الخارجية الداعمة للثورة في توحيد جهودها، مثل السعودية وقطر وتركيا، مما جعل الفصائل تتنافس على التمويل وتكيف أيديولوجياتها لجذب الداعمين. هذا التشظي، مع ضعف قيادة الجيش السوري الحر التي كانت مقيمة خارج سوريا، حال دون تشكيل تهديد حقيقي لنظام الأسد.
يتناول الفصل أيضاً دور عوامل أخرى في تعزيز النفوذ الجهادي، مثل براعة الجهاديين في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار أنفسهم كمقاتلين أكثر احترافية وفعالية من المعتدلين. يشرح المؤلف أن العديد من السوريين انضموا إلى الجماعات المتطرفة ليس عن قناعة مطلقة، بل رغبة في الانضمام إلى الفريق "الرابح" في ظل صعود التيار الإسلامي. ويؤكد الفصل على أن وجود جماعات سلفية سورية مثل حركة أحرار الشام الإسلامية وجيش الإسلام شكل حلقة وصل حاسمة بين الجهاديين والمعارضة الأوسع، مما أكسب الجهاديين شرعية غير مباشرة.
يستعرض الفصل أبرز المراحل الزمنية للصراع: من بداية الثورة السورية في 2011 وحتى منتصف 2012 حيث ترسخ الوجود الجهادي الأولي، مروراً بمرحلة انتصارات المعارضة حتى منتصف 2013، ثم تحول دفة القتال لصالح النظام بفضل تدخل حزب الله وإيران، وصولاً إلى ذروة الصراع بين الجهاديين أنفسهم مع قدوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في أبريل-مايو 2013. يذكر الفصل الهجوم بالغاز السام على الغوطة الشرقية في أغسطس 2013 والذي أودى بحياة 1,400 شخص، كدليل على فظاعة النظام.
مع انطلاق حملة الضربات الجوية الأمريكية في سبتمبر 2014 ضد الأهداف الجهادية، يرى المؤلف أن هذا أدخل عنصراً جديداً من معاداة الغرب في الصراع، مما جعل داعش وجبهة النصرة تركزان على عدو دولي جديد. في ختام الفصل، يقر المؤلف بأن سوريا أصبحت شبكة معقدة من الديناميكيات المحلية والإقليمية والدولية، وأن كلاً من جبهة النصرة وداعش لا يزالان قوتين رئيسيتين.
حجج المؤلف القابلة للنقاش: يختتم الفصل بحجة واضحة يوجه من خلالها اتهاماً مباشراً للغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بالمسؤولية عن صعود النفوذ الجهادي. يرى المؤلف أن فشل المجتمع الدولي في دعم معارضة معتدلة ومتنوعة بشكل كافٍ هو الذي ترك فراغاً استغله الجهاديون لفرض أنفسهم كقوى مهيمنة. يخلص ليستر إلى أنه ما لم يتغير هذا المستوى من الالتزام، ستظل سوريا مركزاً للعالم في النشاط الجهادي المسلح لسنوات قادمة، وستكون العواقب عالمية وليست محصورة على سوريا وحدها.
2.25–62▼ ملخص
يبدأ الفصل بوصف كيف أن الموجة الأولى من الاحتجاجات العربية في تونس و مصر و ليبيا و اليمن خلقت مناخاً إقليمياً مهيأً للانتفاضة. فبعد 28 يوماً فقط من إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه في 17 ديسمبر 2010، سقط الرئيس زين العابدين بن علي، وفي 38 يوماً بعدها سقط حسني مبارك. لكن الكاتب يؤكد أن بداية الثورة السورية لم تكن في 15 مارس 2011 كما هو شائع، بل سبقتها حوادث أصغر، مثل محاولة حسن علي أكلة إضرام النار بنفسه في الحسكة في 26 يناير 2011، واحتجاجات محدودة في 5 فبراير. لكن الحدث الحاسم كان اعتقال 15 صبياً في مدينة درعا في 6 مارس لكتابتهم شعار الثورة على جدار، وتعرضهم للتعذيب.
يصف الفصل بالتفصيل كيف أن رفض مسؤولي الأمن السياسي في درعا، بقيادة الجنرال عاطف نجيب (ابن خال بشار الأسد)، الإفراج عن الصبية وتحريضهم المهين للعائلات - بما في ذلك الرواية الشهيرة التي تقول إنه قال لهم "اذهبوا واجلبوا نساءكم لننجب لكم أولاداً جدداً" - حول الاحتجاج إلى ثورة. في 18 مارس، خرج المئات في درعا، وفتحت قوات الأمن النار لأول مرة، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. هذا الحدث حول درعا إلى "مهد الثورة"، وأدى في الأيام التالية إلى انتشار الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في دمشق و حلب.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل العوامل الهيكلية العميقة الكامنة وراء قابلية سوريا للانفجار. يحدد الكاتب أربعة مجالات رئيسية للضعف المزمن: المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، و علاقة الدولة بالإسلام السني، و الدولة الحزبية الواحدة والفساد، و تدهور الجيش العربي السوري. في المجال الاقتصادي، يشرح كيف أن برنامج التحرير الاقتصادي الذي تبناه بشار الأسد، بقيادة عبد الله الدردري، أفاد النخبة الحاكمة فقط، ووسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأدى إلى تضخم الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أدى الجفاف المدمر بين 2006 و 2010، وخاصة في الشمال الشرقي، إلى نزوح جماعي من الريف إلى ضواحي المدن. يوضح الكاتب أن هؤلاء الفلاحين المهجرين والفقراء هم من شكلوا العمود الفقري للاحتجاجات الأولى.
فيما يتعلق بالعلاقة مع الإسلام السني، يقدم الفصل تاريخاً طويلاً من التوتر بين الدولة البعثية العلمانية والإخوان المسلمين، والذي بلغ ذروته بمذبحة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها ما بين 10,000 و40,000 شخص. لكنه يصف كيف أن حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، أدارا هذه العلاقة بذكاء من خلال ترويج علماء سنّة معتدلين ومخلصين للنظام، مثل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، كبديل عن الإسلام السياسي. أما في المجال العسكري، فيشير الفصل إلى أن الجيش السوري، رغم قوته النظرية البالغة 220,000 جندي، كان يعاني من ضعف التمويل وتركز الولاء لقلة علوية لا تتجاوز 65,000 جندي، مما جعله غير مستعد لخوض حرب داخلية.
يخصص القسم الأخير من الفصل لدراسة "مغازلة" النظام السوري للجهادية كعامل خلفي حاسم. يبدأ هذا المسار بعد غزو العراق عام 2003، حيث سمح النظام بتدفق المقاتلين الأجانب عبر حدوده الشرقية إلى العراق لمحاربة القوات الأمريكية. أصبحت سوريا "محطة عبور" للمقاتلين من كل مكان، بقيادة شخصيات مثل أبو القعقاع في حلب و أبو غادية في الزبداني، اللذين كانا يعملان بموافقة ضمنية من الأجهزة الأمنية السورية بهدف تصدير التهديد الجهادي إلى خارج البلاد. يخلص الفصل إلى أن هذه العلاقة المعقدة - التي تجمع بين سياسات الانفتاح الاقتصادي، والتركة القمعية، والإهمال الاجتماعي، والفساد، والتلاعب بالجهادية - خلقت الظروف المثالية لانفجار ثورة لم تكن طائفية في بدايتها، لكنها كانت تحمل بذور العنف المستقبلي.
3.63–132▼ ملخص
بعد القمع الدامي للاحتجاجات في درعا في مارس/آذار 2011، وُلدت الثورة السورية. يشرح الفصل كيف استغل نظام الأسد هذه الاحتجاجات، فأفرج عن مئات السجناء الإسلاميين في عفو رئاسي في 26 مارس/آذار و 30 مايو/أيار، في محاولة واضحة لخلط الأوراق وتصوير الثوار على أنهم إرهابيون. في المقابل، بدأت أولى بوادر المقاومة المسلحة بالظهور في مايو/أيار، وتشكل الجيش السوري الحر في يوليو/تموز 2011. في هذا السياق، وفي أغسطس/آب 2011، أرسل أبو بكر البغدادي، زعيم دولة العراق الإسلامية، قائده السوري أبو محمد الجولاني مع ستة قادة آخرين لتأسيس فرع للتنظيم في سوريا.
ينتقل المؤرخ إلى تفاصيل تشكيل جبهة النصرة، موضحاً أن اجتماعات التأسيس عُقدت في أكتوبر/تشرين الأول 2011 في حمص وريف دمشق، بمشاركة شخصيات بارزة مثل أبو مريم القحطاني (عراقي) و أبو أنس الصهباء و أبو جليبب (فلسطينيان أردنيان). ركزت الجبهة منذ البداية على هويتها "السورية" لتنأى بنفسها عن تجربة تنظيم القاعدة في العراق الفاشلة، واختارت اسم "النصرة" للتأكيد على دورها الداعم للثورة وليس القائد لها. أعلنت الجبهة تأسيسها رسمياً في 23 يناير/كانون الثاني 2012، عبر شريط فيديو على منتديات جهادية، وأعلنت مسؤوليتها عن أول هجوم كبير لها: تفجير مزدوج بسيارة مفخخة خارج مبنى المخابرات الجوية في كفر سوسة بدمشق في 23 ديسمبر/كانون الأول 2011، والذي أسفر عن مقتل 40 شخصاً على الأقل.
يواصل الفصل تتبع العام 2012، حيث صعّدت جبهة النصرة عملياتها بهجمات استشهادية في دمشق (6 يناير) وحلب (10 فبراير). لكن المؤرخ يوضح أن ظهور الجبهة كان له أثر سلبي فوري على الثورة، إذ استخدمته إدارة أوباما كذريعة لعدم تسليح المعارضة المعتدلة خوفاً من وصول السلاح إلى أيدي المتطرفين. في هذا الوقت، كانت الثورة لا تزال تحمل أهدافاً علمانية ومدنية، وكانت جبهة النصرة غير مرغوب فيها بشدة بين صفوف المعارضة العامة، خاصة وأن 40% من ضحايا هجماتها الأولى كانوا من المدنيين. مع ذلك، بدأ القبول بها يزداد تدريجياً في حلب، حيث اندلع قتال عنيف في يوليو وأغسطس 2012، وفي سياق يائس بعد سقوط حي باب عمرو في حمص تحت الحصار والقصف في مارس/آذار، مما دفع بعض الثوار إلى الترحيب بأي جهة تقاتل النظام.
يذكر الفصل تدفق المقاتلين الأجانب كعامل حاسم، حيث وصل في صيف 2012 قادة شيشان مثل عمر الشيشاني والمقاتلون الليبيون، وبدأوا بتشكيل كتائبهم الخاصة، مثل كتائب المهاجرين. كما يناقش الفصل دور التمويل الخارجي، مشيراً إلى أن مصادر خليجية خاصة، خاصة من الكويت، كانت تغذي الفصائل المعتدلة أولاً ثم المتطرفة لاحقاً. على الجانب الأيديولوجي، يشرح المؤلف كيف استخدمت جبهة النصرة الأحاديث النبوية التي تُمجد "الشام" كأرض الملاحم النهائية، وطبقت نظريات أبو مصعب السوري حول "الجهاد الفردي" وبناء الجسور مع المجتمع المحلي، متجنبة التطبيق المتشدد للشريعة في مراحلها الأولى. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن الفشل الدولي في تطبيق خطة عنان لوقف إطلاق النار في أبريل/نيسان 2012 مثّل "وقوداً للنار" للجماعات الجهادية، وعزز خطابها بأن العالم يتخلى عن المسلمين السنة.
4.133–234▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل من كتاب "الجهاد السوري" لتشارلز ليستر بتأكيد أن شتاء 2012-2013 كان نقطة تحول في الحرب السورية، حيث رسخت الجماعات الجهادية وخصوصاً جبهة النصرة وجودها في المجتمعات المحلية عبر تقديم الخدمات والحماية. لكن بحلول الربيع، استعاد النظام السوري بعض أرضه بفضل الدور الحاسم لحلفائه: حزب الله وإيران وقوات الدفاع الوطني التي بلغ عدد أفرادها حوالي 50 ألف مقاتل بحلول أبريل 2013، بهدف الوصول إلى 100 ألف. كان سقوط بلدة القصير في يونيو 2013 بعد هجوم لحزب الله ضربة قاسية لمعنويات المعارضة، وأدى إلى توسع رقعة الحرب باتجاه لبنان، وأطلق دعوات عالمية لتعبئة السنة ضد الأسد وحزب الله وإيران.
التطور الأهم في هذه الفترة كان في أبريل، عندما أعلن أبو بكر البغدادي زعيم دولة العراق الإسلامية (ISI) عن توسع تنظيمه إلى سوريا واندماج جبهة النصرة فيه تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) . جاء هذا الإعلان بعد 24 ساعة من رسالة تشجيع من زعيم القاعدة أيمن الظواهري حث فيها على الوحدة. رد زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني بعد حوالي 36 ساعة برفض الاندماج، مجدداً البيعة للظواهري بدلاً من البغدادي، ومعلناً أن "راية جبهة النصرة ستبقى" في سوريا. هذا الخلاف العلني كشف عن شرخ عميق داخل التيار الجهادي، ووضع التنظيمين في مواجهة بعضهما.
يقدم الفصل خلفية درامية للصراع، مستنداً إلى مصادر جهادية وسلفية فضلت عدم الكشف عن هويتها. يذكر أن البغدادي أرسل رسالة سرية إلى الجولاني في شتاء 2012 يطلب فيها الإعلان عن العلاقة التنظيمية بينهما، لكن مجلس شورى جبهة النصرة رفض خوفاً من فقدان الدعم الشعبي. يكشف الفصل عن دور حجي بكر (نائب البغدادي وضابط سابق في استخبارات القوات الجوية العراقية) الذي قاد مهمة سرية إلى شمال سوريا في أواخر 2012 لإنشاء قاعدة وجمع معلومات عن القرى والبلدات الضعيفة. كما يشير إلى أن أبو محمد العدناني (المتحدث باسم داعش) كان مكلفاً بالتخطيط لهجوم كبير ضد المعارضة السياسية السورية في جنوب تركيا. وفقاً للمصادر، كشفت جبهة النصرة خططاً لاغتيال قادة في الجيش الحر واستهداف معارضين في تركيا، مما دفع البغدادي لإعطاء الجولاني خيارين: تنفيذ الأوامر أو حل التنظيم. بعد ذلك، عبر البغدادي وحجي بكر من العراق إلى شمال سوريا في فبراير أو مارس 2013 لعقد اجتماعات سرية مع قادة محليين وأجانب لتمهيد الأرضية لإعلان داعش.
في غضون ذلك، كان القتال مستمراً. في أبريل، شنت خمسة فصائل إسلامية هجوماً واسعاً في حلب، فيما كانت جبهة النصرة تعمل بصمت ضمنها وتوسع خدماتها المدنية (مثل حافلات رخيصة بــ 10 ليرات للراكب). في 20 أبريل، أطلق مقاتلون صواريخ على بلدة الهرمل اللبنانية معقل حزب الله، كرد على تدخله في القصير. في 22 أبريل، أصدر الشيخ السلفي اللبناني أحمد الأسير فتوى توجب على كل مسلم الدفاع عن السنة في سوريا، وأسس "كتائب المقاومة الحرة" التي انتشرت في سوريا. في أوائل مايو، حدثت مجازر مروعة في قريتي البيضاء وبانياس في ريف طرطوس، حيث أعدمت القوات الموالية للنظام ما لا يقل عن 167 شخصاً في البيضاء (بينهم 23 امرأة و14 طفلاً) و188 في بانياس (بينهم 54 طفلاً و43 امرأة). يذكر الفصل أن هذه المجازر استخدمت كأداة لتعبئة مقاتلين جدد، واعتبرت مؤشراً على تطهير طائفي.
في 11 مايو، وقع أكبر هجوم إرهابي في تاريخ تركيا في بلدة ريحانلي الحدودية، أوقع 51 قتيلاً. يوضح الفصل أن الاتهامات تباينت: بعض المصادر ألقت باللوم على داعش، بينما اتهمت مصادر معارضة جهاز المخابرات السوري وميليشيا "المقاومة السورية" بقيادة مهاج أورال (علي كايالي)، المولود في منطقة هاتاي التي تطالب سوريا بها، وهو علوي ماركسي-لينيني. يشير الفصل إلى أن غموض الحادث زاد من الاستقطاب الطائفي وشجع على التطرف.
تكشفت أولى علامات داعش ككيان مستقل في سوريا في منتصف مايو، عندما نُشر فيديو من الرقة يظهر إعدام ثلاثة رجال. كان عمر الأبسي (أبو أثير) القيادي السابق في "مجلس شورى المجاهدين" قد عُين "والياً" لداعش في حلب، واستقطب عمر الشيشاني ليصبح قائد العمليات العسكرية. انشق جزء كبير من مقاتلي جبهة النصرة، خاصة الأجانب (الخليجيين والأوروبيين)، للانضمام إلى داعش لجاذبية سمعتها وقوتها. بحلول منتصف مايو، كان لداعش وجود في الرقة وريف حلب وأجزاء من دير الزور، وبدأت تعمل جنباً إلى جنب أو أحياناً بدلاً من جبهة النصرة.
يتناول الفصل بالتفصيل حصار القصير ومعركتها خلال مايو ويونيو 2013، والتي اعتبرت نقطة تحول استراتيجية. حزب الله لعب دوراً محورياً، مستخدماً أسلحة مثل "صواريخ المدفعية المعززة" (IRAMs) الإيرانية الصنع لهدم المباني. في 4 يونيو، انتهت المعركة باتفاق انسحاب للمقاتلين (بينهم جبهة النصرة) وخسارة البلدة. اعتبر الفصل هذه الهزيمة رمزية ومؤلمة للمعارضة، وزادت من الرغبة في الانتقام من حزب الله وإيران. أدى ذلك إلى تكثيف الهجمات الصاروخية على شرق لبنان، ووقوع اشتباكات دامية بين أنصار الأسير والجيش اللبناني في صيدا (23-25 يونيو) أوقعت قتلى من الطرفين. أيضاً، انضم محبطون من الهزيمة في القصير إلى جبهة النصرة، مما عزز وجودها في لبنان.
قبل سقوط القصير، كتب الجولاني إلى الظواهري يطلب التحكيم في الخلاف مع داعش، وجاء الرد برسالة سرية من الظواهري ألغى فيها داعش وأمر بعودة البغدادي إلى العراق وبقاء جبهة النصرة في سوريا تحت القيادة العامة لتنظيم القاعدة. تم تسريب هذه الرسالة ونشرها في الإعلام، وأظهرت أن الظواهري وقف إلى جانب الجولاني وأمر بالحفاظ على العلاقات الإيجابية بين التنظيمين، وعيّن أبو خالد السوري ممثلاً له في سوريا لحل الخلافات. يذكر الفصل أن هذه الرسالة كانت تأكيداً على الخلاف التنظيمي بين داعش والقاعدة الأم (الظواهري)، حيث أن البغدادي كان يرى نفسه "أمير المؤمنين" ويطالب بمبايعة مباشرة له، بينما بقي الجولاني موالياً للقيادة المركزية للقاعدة. في ختام الفصل، يعود الكاتب إلى تاريخ تشكيل دولة العراق الإسلامية عام 2006 بعد مقتل الزرقاوي، ليوضح الجذور التاريخية لهذا التوتر بين التنظيمين الشقيقين.
في ملاحظة ختامية، يمكن القول إن الفصل يبني حجة واضحة مفادها أن تدخل إيران وحزب الله المباشر في سوريا خلال ربيع 2013، وبالأخص معركة القصير، لم يغير فقط ميزان القوى العسكري، بل كان المحرك الرئيسي لتحول الصراع إلى حرب طائفية مفتوحة، وأدى إلى ذروة التنافس بين جبهة النصرة المنضبطة تحت القيادة المركزية للقاعدة، وداعش الطموحة التي أرادت السيطرة الكاملة، مما مهد الطريق لصراع دموي بين الفصائل الجهادية نفسها في المراحل اللاحقة.
5.235–414▼ ملخص
يبدأ الفصل في مايو 2014، مع استمرار الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة في سوريا، وتركيزه على صعود تنظيم داعش وإعلانه الخلافة. يصف الكاتب كيف أصبحت مدينة الرقة عاصمة فعلية للتنظيم، بينما كانت بقية فصائل المعارضة، وخصوصاً المعتدلة منها، تسعى للوحدة في مناطق مثل درعا، حيث ظهرت أسلحة أمريكية مضادة للدبابات. في رد فعل على هذا التهديد، قامت جبهة النصرة باعتقال قائد عسكري بارز في الجيش السوري الحر في درعا، متهمة إياه بالعمل لصالح قوى أجنبية.
في 17 مايو، أعلنت الجبهة الإسلامية وثيقة عهد ثوري، تخلت فيها عن هدف إقامة دولة إسلامية صراحةً، وركزت على أهداف مثل الإطاحة بالنظام السوري ومحاربته إلى جانب تنظيم داعش، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، والانفتاح على العلاقات الدولية. أثار هذا العهد غضب كل من داعش وجبهة النصرة، التي اتهمت الموقعين عليه بخيانة مبادئ الجهاد. على الرغم من هذا الخلاف الأيديولوجي، استمر التعاون العسكري بين الفصائل في الميدان، كما يتجسد في هجومين كبيرين شنهما تحالف يضم جبهة النصرة وأحرار الشام وتجمع فاستقم في محافظة إدلب في أواخر مايو، مما أدى إلى السيطرة على معسكر خان الشيح الاستراتيجي وبلدة خان شيخون ومناطق في محيط أريحا. في أحد هذه الهجمات، فجر انتحاري أمريكي يبلغ من العمر 22 عاماً نفسه، وهو أول انتحاري أمريكي في الحرب السورية.
في أوائل يونيو، شنت داعش هجوماً ضخماً في العراق. في 10 يونيو، استولت على مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، مما أدى إلى انهيار الجيش العراقي وهروب جماعي. تبع ذلك تقدم سريع للتنظيم في محافظات أخرى، بما في ذلك السيطرة على مدن مثل تكريت، وإعدام مئات السجناء، معظمهم من الشيعة. أثار هذا التقدم الذهول في سوريا، حيث قام التنظيم بنقل كميات هائلة من الأسلحة التي غنمها في العراق إلى شرق سوريا، وخاصة إلى محافظة دير الزور. أدى هذا العرض الهائل للقوة، إلى جانب استراتيجية ترهيب وترغيب مالية، إلى استسلام أو مبايعة العديد من القبائل والفصائل في دير الزور لداعش، بما في ذلك جبهة النصرة التي انسحبت بشكل كبير من المحافظة إلى جنوب سوريا بحلول أوائل يوليو، تاركة التنظيم يسيطر على نحو 60% من إنتاج النفط المحتمل في سوريا.
بلغت ذروة صعود داعش في 29 يونيو، عندما أعلن التنظيم، من خلال عدة بيانات إعلامية منسقة، عن إقامة خلافة إسلامية بقيادة أبو بكر البغدادي، الذي أصبح يُعرف باسم الخليفة إبراهيم، وألغى اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ليصبح الاسم الرسمي الدولة الإسلامية. كان هذا الإعلان تحدياً مباشراً لشرعية تنظيم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، الذي سبق وأن انتقد داعش بشدة. في خطاب مسجل في 1 يوليو، حث البغدادي المسلمين على الهجرة إلى دولته والجهاد، بينما أكد أنه لا يعتبر نفسه أفضل من أتباعه. في 5 يوليو، ظهر البغدادي لأول مرة علناً في خطبة الجمعة في الجامع النوري في الموصل، في خطوة رمزية قوية. أثار إعلان الخلافة استنكاراً واسعاً من قادة دينيين وسياسيين سنّة حول العالم، ومن فصائل إسلامية وجهادية في سوريا مثل الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة.
رداً على إعلان الخلافة، وفي خطوة تهدف إلى إظهار جديته في فرض الشريعة، كشفت تسريب مسجل لزعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، عن خطط لإنشاء إمارات إسلامية في مناطق مثل إدلب وحلب ودرعا والغوطة، متبنياً بذلك نهجاً مختلفاً عن الخلافة التي أعلنتها داعش، وركز على الجهاد كوسيلة لتحقيق ظروف دولية مناسبة لإقامة سلطة إسلامية مستقبلية. أثار هذا التسريب قلقاً واسعاً بين فصائل المعارضة الأخرى.
يعترف الكاتب أن سيطرة داعش على دير الزور لم تكن فقط بالقوة العسكرية، بل شملت أيضاً حوافز مالية ضخمة وتطويع القبائل. كما يقر بأن هناك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية "العهد الثوري" للجبهة الإسلامية في جذب الدعم الدولي، وحول قدرة أي تنظيم آخر على منافسة جاذبية مشروع "الخلافة" الذي تقدم به داعش، خاصة على الصعيد العالمي.