
The Syrian Rebellion
يقدّم كتاب "The Syrian Rebellion" للمفكر اللبناني-الأمريكي فؤاد عجمي تحليلاً عميقاً للثورة السورية التي انطلقت في عام 2011، واضعاً إياها في سياقها التاريخي والطائفي والسياسي. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك أسطورة النظام السوري، وكشف كيف أن ما بدا كدولة قوية ومستقرة كان في الحقيقة نظاماً استبدادياً هشاً، قائماً على هيمنة طائفية وقمع ممنهج، مما جعل انفجار الثورة أمراً محتوماً. يدافع عجمي عن أطروحة مفادها أن الثورة السورية لم تكن مجرد امتداد للربيع العربي، بل كانت نتيجة حتمية لتراكم عقود من الظلم الاجتماعي والتهميش الطائفي والاستبداد العائلي، وأن نظام بشار الأسد ليس إصلاحياً بل وريثاً أكثر عنفاً وخطورة من والده.
يسير الكتاب وفق حجة تاريخية وسياسية متصلة، تبدأ من جذور صعود الطائفة العلوية إلى السلطة، وصولاً إلى لحظة الثورة. يفتتح عجمي الكتاب بتحليل انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار، واصفاً إياه بأنه وريث مدلل لنظام قمعي، لم يغير من طبيعته شيئاً. يوضح أن الانطباع الإيجابي الأولي عن "ربيع دمشق" سرعان ما تلاشى، ليكشف عن نظام يعتمد على أجهزة الأمن والطائفة العلوية، ويتعامل بعنف مفرط مع أي احتجاج. ثم ينتقل إلى الفصل التاريخي الذي يتناول الصعود العلوي، فيشرح كيف تحولت هذه الطائفة المهمشة في جبال الساحل إلى طبقة حاكمة بفضل السياسات الاستعمارية الفرنسية التي وظفتهم في الجيش، والانقلابات العسكرية البعثية التي قادها ضباط من أصول ريفية وطائفية. يصف هذا التحول بـ"انتهاك لنظام الأشياء"، حيث تحول الأتباع إلى سادة، مما زرع شعوراً عميقاً بالخيانة لدى الأغلبية السنية.
يواصل عجمي تتبع مسار النظام عبر فصول متتالية، مخصصاً مساحة لعهد حافظ الأسد، الذي يصفه بأنه "زمن المؤسس"، حيث بنى دولة بوليسية على غرار ديكتاتوريات أوروبا الشرقية، وروض المؤسسة الدينية السنية، واستخدم القمع الوحشي لقمع انتفاضة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها ما بين 20 ألف و30 ألف شخص. ثم ينتقل إلى عهد بشار الأسد، مركّزاً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، الذي يعتبره لحظة تعريف حاسمة بالحاكم الجديد، وكيف أن النظام استغل نفوذه في لبنان كورقة ابتزاز، قبل أن يعود إلى الحضن الدولي بعد فشل الضغوط. هذا الفصل يكشف عن "فجر كاذب" من الإصلاحيات الوهمية، بينما كانت الأوضاع الداخلية تتفاقم مع بطالة تتجاوز 20% و32% من الشعب يعيش تحت خط الفقر.
يصل الكتاب إلى نقطة الذروة مع اندلاع الثورة في درعا، حيث يروي عجمي قصة فتيان درعا، أولئك الصبية الذين كتبوا شعارات على الجدران، مما أدى إلى اعتقالهم وتعذيبهم، ليكون هذا الشرارة التي تشعل البلاد. يصف القمع الوحشي الذي استخدمته القوات الأمنية، مع استخدام القناصة واستهداف المدنيين، موثقاً بالأرقام سقوط ما لا يقل عن 200 قتيل في الأيام العشرة الأولى في درعا وحدها. ثم ينتقل إلى مدينة حماة، التي يعتبرها "شبحاً" يطارد النظام بسبب مجزرة 1982، ويشرح كيف اضطر النظام لاقتحامها مرة أخرى في 31 يوليو 2011 في أعنف يوم تشهده الثورة حتى ذلك التاريخ، مع ما لا يقل عن 120 قتيلاً. ينتقل بعدها إلى مدينة حمص، التي يصفها بـ"سراييفو على العاصي"، حيث تحولت من نموذج للتعايش الطائفي الهش إلى ساحة لحرب شوارع طائفية دامية، مع وصول عدد القتلى إلى 3,000 بحلول الشهر السادس.
من أبرز الوقائع والشهادات في الكتاب، قصة الطفل حمزة الخطيب ذي الـ13 عاماً من درعا، الذي أعيد جثمانه مشوهاً بعد شهر من التعذيب، مع كسر في ركبتيه ورقبته وخصيته مقطوعة. وكذلك عامل الإسمنت إبراهيم قاشوش الذي جُرت جثته من نهر العاصي في حماة، وقد قُطع حلقه وانتُزعت أحباله الصوتية لأنه غنى lyrics احتجاجية. يذكر عجمي أيضاً قصة السجين السياسي مازن أبو الحِلم الذي سُجن لأنه حلم حلماً غامضاً بجنازة مسؤول كبير، ورواية المنشق أحمد فراس بَرْقَدَر الذي أمضى 15 عاماً في السجن دون تهمة، ووصف السجن بـ"مملكة الموت والجنون". من الشهادات اللافتة أيضاً مقابلة مع الشيخ أنس العيروط من بانياس، الذي شرح أسباب الغضب الشعبي: التمييز الطائفي في الوظائف، تفاوت أسعار الكهرباء، وفرض التعليم المختلط.
يقرّ عجمي بعدة حدود وتحفظات في كتابه. فهو يعترف بأن روايته تنتهي بينما لا يزال النظام قائماً، وأن الصراع وصل إلى طريق مسدود بعد فشل النظام في سحق الاحتجاجات وفشل المعارضة في إسقاطه. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير الأقليات، وخاصة العلويين والمسيحيين، في سوريا ما بعد الأسد، دون تقديم إجابات حاسمة. يشير أيضاً إلى تناقض بعض الشخصيات الدينية، مثل المفتي أحمد حسُّون الذي ناشد بإيقاف إراقة الدماء ثم عاد ليهدد بـ"انتحاريين" ضد أوروبا. يقر عجمي بأن الماضي السوري لم يكن طوباوياً، بل كان مليئاً بالانقلابات والظلم الطبقي، لكنه يؤكد أن الذاكرة الشعبية تقارنه بحاضر أسوأ.
يوفر الكتاب مادة غنية للنقاش حول عدة حجج قابلة للجدل. الأولى هي التركيز على البعد الطائفي كعنصر تفسيري رئيسي للصراع، وهو ما قد يعتبره البعض تبسيطاً مفرطاً للسياقات الاقتصادية والاجتماعية. الثانية هي رؤية عجمي للعلويين كجماعة واحدة، متجاهلاً التنوع داخل الطائفة نفسها. الثالثة هي تقييمه للمعارضة السورية، حيث يميل إلى التعاطف معها دون نقد كافٍ لانقساماتها الداخلية وضعفها التنظيمي. في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن قيمة الكتاب الأساسية تكمن في كونه شهادة على لحظة تاريخية فارقة، وليس تحليلاً موضوعياً متوازناً. عجمي لا يخفي تعاطفه مع الشعب السوري، ويرى أنهم عاشوا الجحيم ويستحقون نظاماً أكثر إنسانية، مما يجعل الكتاب أقرب إلى دفاع عاطفي وسياسي منه إلى دراسة أكاديمية محايدة.
الأشخاص
الفصول(11)
1.مقدمة: الوارث29–38▼ ملخص
يتمحور الفصل الأول من كتاب "The Syrian Rebellion" حول انتقال السلطة في سوريا من حافظ الأسد إلى ابنه بشار، وكيف أن هذا الانتقال الوراثي، رغم آمال الإصلاح التي صاحبت بدايته، لم يغير طبيعة النظام الاستبدادي، بل أنتج حاكماً أكثر خطورة وعنفاً من والده. يقدّم المؤلّف إجابة واضحة: لم يكن بشار الأسد إصلاحياً كما ظن البعض، بل كان وريثاً مدللاً لنظام أبيه القمعي، وغدا جداراً صلباً يصطدم به طموح الشعب السوري إلى الحرية، مما أدى إلى انفجار الثورة عام 2011.
يبدأ الفصل باقتباس من مؤرخ شمال أفريقيا ابن خلدون (1332-1406) حول تدهور هيبة السلالات عبر الأجيال. يطبّق المؤلّف هذه المقاربة على سلالة الأسد، مشيراً إلى أن ما حدث في سوريا عام 2011 كشف طبيعة العلاقة بين الأب حافظ الأسد وابنه بشار. يصف الكاتب كيف ورث بشار الحكم بعد وفاة أخيه الأكبر باسل بحادث سيارة عام 1994، وكيف أُبعد كبار مساعدي والده مثل نائب الرئيس عبد الحليم خدام (من بانياس، سني) ووزير الدفاع مصطفى طلاس (من الرستان، سني) لصالح "الجنرال الجديد" بشار الأسد الذي كان يبلغ من العمر 34 عاماً. يوضح المؤلّف أن حافظ الأسد لم يتح له وقت كافٍ لتعليم ابنه حيل السياسة، وأن الشعارات التي رفعها المحتجون لاحقاً عكست هذا الإحباط، مثل "يلا إرحل يا بشار" وفي حماة "مثل الأب مثل الابن".
يستعرض الفصل الانطباع الأولي الإيجابي الذي تركه بشار عند توليه الحكم، مقارنة بوالده الصارم المخيف. كان بشار الشاب المدلل الذي تعلم في أفضل مدارس دمشق وقضى فترة في لندن، وقد تزوج أسماء الأخرس، ابنة طبيب قلب سني من لندن وكانت تعمل في بنك ج. ب. مورغان. تحدث الناس عن "ربيع دمشق" في بداية حكمه، حيث كان بشار يتنقل بين المطاعم بحرية وأطلق سراح مئات السجناء السياسيين. لكن سرعان ما اتضح أن الحكم قد انتقل بسلاسة من حزب البعث إلى الطائفة العلوية ثم إلى عائلة الأسد. يكتب المؤلّف مقتبساً عن الناشط المعروف ميشيل كيلو أن بشار سيطر على السياسة الخارجية بينما سيطرت أجهزة الأمن على الشؤون الداخلية.
يصف الفصل كيف أجهض النظام "ربيع دمشق" بسرعة، وأغلق المنتديات المدنية الجديدة، وسجن المعارضين لمدد تتراوح بين سنتين وعشر سنوات. يقتبس المؤلّف قول الناشط الحقوقي البارز هيثم المالح إنه أطلق على هذا الربيع اسم "يوم دافئ في الشتاء" ولم يكن متفاجئاً، لأن "بشار هو ابن أبيه". ويضيف المؤلّف نقلاً عن المفكر برهان غليون أن تربية بشار أنتجت مستبداً متصلباً ربما أكثر عنفاً من والده، لأنه ولد داخل "قوقعة" (صدفة) بلا تجربة سياسية، وكان يعتمد على الحاشية والحراس الشخصيين.
مع انطلاق الاحتجاجات في منتصف مارس 2011، يصف الفصل كيف اصطدمت قوة لا تُقاوم بنظام لا يتزحزح. رفع النظام حالة الطوارئ التي كانت سائدة منذ عام 1963، لكنه أطلق في الوقت نفسه الدبابات والطائرات المروحية على الشعب. يبرز الفصل شخصية طفل من درعا يدعى حمزة الخطيب (13 عاماً) كرمز للوحشية، حيث أعيد جثمانه بعد شهر وهو مشوه تعذيباً، بكسر في ركبتيه ورقبته وخصيته مقطوعة. جريمة أخرى بارزة وقعت في حماة عندما جُرت جثة عامل إسمنت اسمه إبراهيم قاشوش من نهر العاصي في يوليو، وكان حلقه مقطعاً وأحباله الصوتية منتزعة، لأنه غنى lyrics احتجاجية.
يضع الفصل الثورة السورية في سياقها الزمني، متأخرة عن ثورات تونس ومصر وليبيا، لأن السوريين كانوا يعلمون أنهم مقبلون على معركة دامية بشكل خاص. يصف كيف أصبح يوم الجمعة يوماً كبيراً للاحتجاجات، مع تسمية كل جمعة باسم وموضوع مثل "جمعة الصمت يقتلنا" و"جمعة الجيش السوري الحر". بحلول نهاية عام 2011، مرت 42 جمعة، وكان الطرفان متمسكين بموقفيهما.
في الجزء الأخير، يعود المؤلّف إلى ابن خلدون، رافضاً فكرة أن السلالة قد تستمر لأربعة أجيال، مؤكداً أن هذا الإرث الحكمي في سوريا لم يكن مكتوباً له البقاء أكثر من جيلين. يشرح المؤلّف المفهوم الخلدوني المركزي لـ "العصبية" (التضامن والشعور الجماعي) كأساس لقيام الدول، ويتحدث عن "العصبية العلوية" التي قام عليها نظام الأسد. لكنه يشير إلى وجود مبدأ خلدوني آخر يقول إن "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب"، وهو ما يعني أنه لا يمكن للشعب السوري المسلم أن يتبع طائفة منشقة، مما جعل الحكم العلوي غير قابل للاستمرار.
في ختام الفصل، يقارن المؤلّف بين العلويين والموارنة في لبنان المجاور. يصف كيف تمتع الموارنة بعصبية جبلية خاصة بهم لكنها لم تكن منعزلة، بفضل علاقتهم بروما وانتشارهم في المهجر (الشتات) في الأمريكتين، مما جعل سيادتهم تقوم على الإنجازات التعليمية والثروة وليس القوة العسكرية. في المقابل، لم يكن للعلويين شتات يربطهم بالعالم، بل كان اعتمادهم فقط على الجيش وحزب البعث. يرى المؤلّف أن هذه المقارنة تؤكد أن كينونة العلويين تحمل بذور فنائها الذاتي، لأنها لا تستند إلى أسس متينة خارج القمع العسكري.
2.جاء أهل الجبل39–50▼ ملخص
جاء أهل الجبل
يدور هذا الفصل حول الصعود التاريخي للعلويين في سوريا، من طائفة مهمشة ومنعزلة في الجبال إلى طبقة حاكمة، ويقدم المؤلف الإجابة بأن هذا التحول الجذري لم يكن نتيجة تفوق ديني أو عدد بل نتاج ظروف تاريخية وسياسية معقدة، أبرزها السياسات الاستعمارية الفرنسية والانقلاب العسكري الذي أعاد تشكيل السلطة في سوريا.
يبدأ الفصل بوصف الأصول التاريخية والدينية للعلويين، الذين عُرفوا سابقاً بـ النصيريين، وهم طائفة انشقت عن الشيعة منذ أكثر من ألف عام، في فترة اضطراب بين القرنين التاسع والعاشر. يشرح المؤلف كيف أن عقيدتهم التوفيقية التي تمزج عناصر أفلاطونية وغنوصية ومسيحية وإسلامية وزرادشتية، وتأليهها لـ الإمام علي بن أبي طالب، جعلتهم عرضة لاتهامات الغلو من قبل السنة والشيعة على حد سواء. يشير إلى فتوى ابن تيمية في القرون الوسطى التي كفرتهم وأباحت دماءهم وأموالهم، مما عزز عزلتهم وحاجتهم إلى التقية والإقامة في ملاذات جبلية آمنة مثل جبال النصيرية في شمال سوريا.
ينتقل الفصل بعدها إلى وصف واقعهم الاجتماعي القاسي عبر شهادة المبشر الأمريكي دبليو. إم. تومسون في منتصف القرن التاسع عشر، الذي وجدهم "غامضين" و"فلاحين" بلا دين تقريباً في نظره. يروي تومسون حواراً مع أحد شيوخ الطائفة الذي قال: "نحن نحب علياً... ونلعن محمداً"، مما يظهر عمق القطيعة بينهم وبين الإسلام السائد. كان الفقر مدقعاً لدرجة أن الكثيرين اضطروا للنزول من الجبال ليعملوا كـمزارعين مستأجرين لدى ملاك أراضٍ سنة في اللاذقية وحماه، مما زرع فيهم ضغينة ملموسة ضد الطبقة السنية الحضرية.
يشكل الانتداب الفرنسي نقطة تحول حاسمة. بعد سقوط الدولة العثمانية، اتبعت فرنسا سياسة "فرق تسد" لحماية الأقليات، فأنشأت دولة العلويين (لاحقاً حكومة اللاذقية) كوحدة سياسية منفصلة. وفقاً للمؤرخ ألبرت حوراني، بلغ عدد سكان هذه الدولة نحو 370,000 نسمة، 60% منهم علويون. يتناول الفصل الجدل حول هذا الموضوع: بينما يرى القوميون السوريون في ذلك مؤامرة استعمارية، يرى المؤلف أن فرنسا لم تخلق الوعي الطائفي بل أخرجته إلى العلن فقط. ويؤكد أن غالبية العلويين فضلوا الحكم الذاتي تحت الحماية الفرنسية خوفاً من هيمنة السنة، مستشهداً بعريضة موقعة من ستة أعيان علويين في 1936 إلى رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم، تتوسل للبقاء تحت الحماية الفرنسية وتصف الوحدة مع المسلمين السنة بأنها تهديد بـ"الإبادة"، مستشهدين بمذبحة الآشوريين والإيزيديين في العراق ومحاربة المسلمين لليهود في فلسطين.
من الشخصيات البارزة في تلك العريضة، يبرز شيخان: الأول سليمان المرشد، راعي أغنام يدعي الألوهية ويجمع بين التصوف والسرقة، والذي أُعدم لاحقاً بتهمة الخيانة. والثاني سليمان الأسد، فلاح صارم من قرية القرداحة، لم يتخيل أن ابنه حافظ الأسد سيصبح في ما بعد مهندس الدولة السورية الحديثة. لكن العريضة رُفضت، وضمّت الدولة السورية المستقلة أراضي العلويين رغماً عنهم، وأرسل الحكام السنة في دمشق حكاماً عسكريين لإدارة المناطق الدرزية والعلوية، معتبرينهم "متخلفين" يمكن استيعابهم بالتعليم. وفي صيف 1936، أصدر المفتي الحاج أمين الحسيني فتوى تعترف بعلوية العلويين كمسلمين، في خطوة سياسية محضة لتهدئة الوضع.
أخيراً، يخلص الفصل إلى أن أعظم هدية فرنسية للعلويين كانت التجنيد في القوات الخاصة للمشرق، حيث وفّر لهم الخروج من الفقر والجيش مصدراً للرزق والكرامة، بينما ازدرى السنة الخدمة العسكرية. بعد عقدين فقط من الاستقلال، استولى هؤلاء الضباط العلويون على الدولة بانقلاب عسكري. يقتبس المؤلف من المؤرخ مارتن كريمر قوله إن العلويين "ضربوا سككهم الحديدية سيوفاً"، فاستولوا على سوريا بأكملها بعد أن حُرموا من دولتهم الخاصة. يصف المؤلف هذا التغيير بأنه "انتهاك لنظام الأشياء"، حيث تحول الأتباع إلى سادة، مما زرع شعوراً بالخيانة لدى السنة الذين شعروا أن "أبناء الزوجة" قد استولوا على ميراثهم، وهو ما يفسر الصراع الطائفي العميق الذي انفجر لاحقاً في الثورة السورية عام 2011.
3.زمن المؤسس51–68▼ ملخص
بدأ الفصل الثالث، «زمن المؤسس»، بتأكيد أن السلطة السياسية في سوريا الجديدة خرجت من فوهة البندقية، لكن الأيديولوجيا، وخاصة البعث، لعبت دوراً بإعطاء الرجال الجدد لغة لتغطية طموحاتهم الشخصية والطائفية. يصف المؤلف ثلاث انقلابات عسكرية بعثية غيرت المشهد السوري: الأول في 1963، والثاني في 1966، والثالث في 1970. ازداد تركيز السلطة تدريجياً مع هذه الفترة المضطربة، وكذلك الطائفية. الانقلاب الأول كان خليطاً من الدوافع الأيديولوجية والطموح، وجمع ضباطاً بعثيين ومفكرين من أصول ريفية (إسماعيليين، دروز، علويين، وسنة من الطبقات الدنيا). صدرت في تلك الفترة التكوينية مراسيم الطوارئ التي ستبقى سارية لعقود. المؤسسون «التاريخيون» للبعث، ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، حصلوا على ما أرادوا: اختراق سلك الضباط، وهزيمة «الإقطاعيين» والعائلات الكبرى، ومجابهة جمال عبد الناصر، وإزاحة الأحزاب المنافسة.
الانقلاب الثاني بعد ثلاث سنوات كان مؤامرة داخل الحزب، وتمت إزاحة المؤسسين؛ طُرد عفلق من الحزب الذي ابتكره وغادر سوريا نهائياً. ظهرت سلالة أضيق أفقاً، هيمن عليها ضابطان علويان هما صلاح جديد وحافظ الأسد. كان هذا النظام متشدداً أيديولوجياً، معادياً للتجار والقطاع الخاص، ومندفعاً إقليمياً، وأدى إلى اندلاع حرب 1967. أصبحت طائفية النظام مكشوفة: أقصي الضباط الدروز والإسماعيليون مع إبقاء مساحة للسنة المقبلين على واقع السلطة العلوية. لكن هذا النظام كان محكوماً عليه بالفشل داخلياً، وانتهى الصراع بين الأسد وجديد لصالح الأول. الأسد، الذي ظل في المؤسسة العسكرية، قدم انقلابه في 1970 كـ«حركة تصحيحية» ضد الجديد والمتشددين. وضع هذا الانقلاب حداً لدورات الانقلابات العسكرية منذ 1949، وأعطى سوريا استقراراً لكن بثمن باهظ.
يقدم المؤلف تشريحاً لهذا النظام الجديد من خلال كتابات سامي الجندي، وهو مفكر بعثي من أسرة إسماعيلية من سلمية، شغل منصباً وزارياً في أول حكومة بعثية عام 1963-1964، ثم أصبح سفيراً في فرنسا. كتابه «البعث» الصادر في بيروت عام 1969 يعتبر من كلاسيكيات المذكرات السياسية العربية. يصف الجندي خيبة عشاق الحزب: كيف تحول البعث من ظاهرة جادة ومثالية إلى أداة للقتل والتقرير، وكيف أن وصولهم إلى السلطة كان سريعاً وخطيراً دون خبرة أو أيديولوجية. يروي الجندي أن كوادر البعث الشباب عاشوا «حماقة المؤمنين الحقيقيين»، واندفعوا نحو الأفكار القومية الجرمانية، وانتهى بهم الأمر بعد 1967 مسؤولين عن «أكثر الهزائم إذلالاً في التاريخ العربي».
يتناول الفصل صعود حزب البعث من خضم أربعينيات القرن العشرين، كتعبير وحيد عن القومية العربية في دمشق، متغلباً على الشيوعيين والإخوان المسلمين والأحزاب القديمة. يصف المؤلف شخصية عفلق كمعلم وكاتب قاد الحزب بـ«رومانسيته الضرورية»، حيث تأثر بنيتشه وأندريه جيد وبروست ومان. كان الحزب صغيراً في البداية (500 عضو بحلول 1952)، واستهلك أعضاءه بالعمل والتضحية. نجح البعث في الريف عبر الأطباء الذين عالجوا الفلاحين مجاناً، لكن دمشق لم تخضع لهم بسهولة؛ الجندي يصفها كمدينة التاريخ العربي التي لا تخضع إلا لعاشق جدير بإغرائها. لجأ الحزب إلى الإرهاب لسد الفجوة مع المدينة، فسجون سياسية مثل سجن المزة أصبحت سمة الحياة السورية. يندب الجندي كيف تحول أمس الأبطال إلى أشرار اليوم، وكيف أن أيديولوجيين الحزب تحولوا إلى طوائف متحاربة، واتسخت أيدي البعثيين بالدم والعار.
برز حافظ الأسد كمثال ومستفيد من هذا التمزق. كان متآمراً أفضل من غيره، ووعد بسلام جندي قاسٍ كعلاج للفوضى. في صراعه مع صلاح جديد ونور الدين الأتاسي (رئيس الدولة السني)، كان الفائز يأخذ كل شيء؛ أُرسل الأتاسي وجديد إلى سجن المزة حيث مات الأول بالسرطان عام 1992 والثاني عام 1993. يعيد المؤلف صياغة مقولة الأسد لـحمود الشوفي عام 1971: الناس لهم مطالب اقتصادية يمكن تلبيتها، لكن هناك مئة أو مئتين من الرجال السياسيين الذين سيعارضونه حتماً، «ولهؤلاء خُصص سجن المزة في الأصل». يعلق المؤلف أن الواقع خان هذا التصور، إذ أُرسل الآلاف إلى السجون، ولم يكن يحتاج المرء لأكثر من كلمة خاطئة أو حلم لكي يُسجن.
يسرد الفصل قصة مازن أبو الحِلم كما رواها الكاتب المنشق أحمد فراس بَرْقَدَر الذي أمضى 15 عاماً في السجن. مازن سُجن لأنه حلم حلماً غامضاً بجنازة مسؤول كبير؛ صديقه المعذب لم يتحمل التعذيب وأخبر عن الحلم، فاعتُبر الحلم دليلاً على معاداة النظام. بَرْقَدَر، المولود في حمص عام 1951 والحائز جوائز أدبية، مر بجميع سجون سوريا الرهيبة (المزة، تدمر، صيدنايا) دون تهمة، وأُطلق سراحه بعفو رئاسي في نوفمبر 2000 في أول عام من حكم بشار الأسد، وغادر البلاد نهائياً. مذكراته «خيانات اللغة والصمت» (بيروت، 2006) تروي معاناته: ست سنوات من العزلة التامة، وابنته التي كانت في الثالثة عندما سُجن وأُطلق سراحها وهي على وشك الجامعة. من أكثر المشاهد إيلاماً طلب ابنته منه كتابة قصيدة لها لحظة لقائهما، وحفظها ثم خوفها من تلاوتها. كان السجن «مملكة الموت والجنون»، حيث يصنع السجناء الأقلام من شظايا الخشب والحبر من الشاي وقشر البصل، وحتى أنهم تعلقوا بزنزاناتهم.
يوضح المؤلف أن الرواية الرسمية عن افتتاح الأسد للسجون عند وصوله هي جزء من «الهاجيوغرافيا»، وأنه ليس سادياً في عنفه بل كان هادئاً ومتأنياً، وعهد بالقسوة لأخيه رفعت الأسد في العقد الأول من حكمه. بنى الأسد دولته البوليسية على غرار ديكتاتوريات أوروبا الشرقية، حيث يُبلغ الابن عن أهله وتخون الزوجة زوجها، وأُرسل عشرات الآلاف إلى السجون. يقتبس المؤلف دفاع بَرْقَدَر أمام المحكمة العسكرية العليا عام 1993: «هل نكذب حين نقول إن حياة عبيد روما تعاد في سوريا؟». يقول بَرْقَدَر إن نظاماً وصل إلى السلطة بالانقلاب لا يمكنه محاكمة أي مواطن على رأيه، وإن الفرق بين سوريا والواقعية السريالية لا يُرى. ويختتم المؤلف هذا القسم بالإشارة إلى أن القتل لم يُحصَ بدقة، وأن قسوة النظام الداخلية غُطيت بـ«نجاحاته» في لعبة الدول.
يتعمق الفصل في الخلفية الطائفية. حافظ الأسد هو ابن الفلاحين، علوي في بلد السنّة بامتياز، حيث تعتبر دمشق مقر الخلافة الأموية (661-750) ومستودع الإسلام الحضري الأرثوذكسي. لم يخطر ببال السنّة أن فلاحاً علوياً سيحكم المدائن الفخورة. تحرك الأسد بحذر شديد، واختبأ وراء وجوه سنية، وطمأن التجار بأن مصالحهم محمية. حصل على فتوى من الإمام موسى الصدر بإعلان أن العلويين شيعة اثنا عشرية، مما كان أفضل من وصفهم بالهرطقة. حاول الأسدمزج طائفته بالتيار السني: صلى علناً، وأفطر مع العلماء، وبنى خمسة مساجد في قريته الأم. أخضع المؤسسة الدينية السنية لإرادته، وكان أحمد كفتارو، المفتي المعين سياسياً عام 1964 والذي بقي أربعة عقود، الغطاء الشرعي للنظام، وأعلن عام 1991 أن إعادة انتخاب الأسد «واجب وطني وديني».
كان حظ الأسد عظيماً في أعدائه؛ الإخوان المسلمون تطرفوا فصاروا خطراً على النظام العام، فعقد الأسد صفقة مع تجار دمشق السنة: يكبح الأيديولوجيين ويترك السوق، فيدعمونه. استمرت هذه الصفقة طوال حكمه. احتفظ الأسد بلقب «الفلاح»، وخاطب اتحاد الفلاحين عام 1980 بحنين لأيام الدراس والزراعة، مؤكداً أن لا يد تعلو فوق يدهم. كان الإصلاح الزراعي أداة البعث الاشتراكية المثلى لصعود العلويين وضرب طبقة الملاك القدامى، وجعل الريف درعاً للنظام وموازناً لمدن الساحل.
يصف الفصل الاختبار الأعظم للنظام: انتفاضة 1979-1982 في حلب وحماة. الحادثة المفجرة هي هجوم في 16 يونيو 1979 على طلبة المدفعية العلويين (83 قتيلاً من أصل 282 طالباً علوياً) نفذه نقيب سني بعثي. بعد هجمات على مكاتب البعث، تحولت حلب لمسرح حرب والأسواق والمساجد لساحة قتال. قوات النظام كانت قوات احتلال في مدينة لا يزيد فيها كادر البعث عن 600 عضو في مليون نسمة. رفض آباء الضحايا العلويون تعازي المسؤولين. محاولة اغتيال الأسد في يونيو 1980 أطلقت إرهاباً شاملاً. أعلن رفعت الأسد الحرب الشاملة على الإخوان وقال إن النظام مستعد لقتل مليون سوري دفاعاً عن الثورة. في اليوم التالي لمحاولة الاغتيال، أطلقت مروحيات النار على 800 سجين في سجن تدمر، في مجزرة أراد النظام أن تكون معروفة كرسالة: الأسد باقٍ، ومظاهرات الماضي وحروب حمى القرى قد ولت. بعد هذا الرعب، تقدمت عبادة شخصية الأسد لتخنق الحياة العامة، وتراجع الحزب البعثي لصالح الزعيم.
يتناول الفصل طابع هذه العبادة الريفي الثقيل. أصبحت والدة الأسد، نايِسة الأسد، الفلاحة العجوز، أمة الأمة، وموتها عام 1992 تحول ليوم حداد وطني، وأُجبر أهل المدن الذين يحتقرون الفلاحين على استقبال صورها. ثم عبادة الابن الأكبر باسل الأسد بعد وفاته بحادث سيارة عام 1994 كـ«مهندس» و«فارس» و«قائد الأمة». يخلص الفصل إلى أن النظام «ريّف» دمشق، ويسرد تحليل الصحافي اللبناني جهاد الزين لصراع النخب الحضرية والريفية: من 1920 حتى 1958 سادت النخب الحضرية السنية، ثم بين 1958 و1963 كانت فترة انتقالية، ومنذ 1963 انتصر أولاد الريف والعسكر. النخب الحضرية أهملت الريف، ثم جاء البعثيون «الاشتراكيون» ببرنامج انتقام طبقي وطائفي. في النهاية، تحول الجلادون الجدد إلى أثرياء ونبلاء جدد، وتزوجوا من العائلات الدمشقية والحمصية، وسيطروا على كل شيء. كانت هناك ثلاثة آلاف تمثال لـ«الزعيم» عند موته، ونظام عبادة شخصية بدائي نزع عن البلاد أي حياة سياسية متبقية.
4.فجر كاذب69–92▼ ملخص
بدأ فؤاد عجمي فصله «فجر كاذب» بمشهدٍ افتتاحي درامي: اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، بانفجار ضخم على شاطئ بيروت. يرى عجمي أن هذا الاغتيال كان لحظةَ تعريفٍ حاسمة بالحاكم الجديد في دمشق، بشار الأسد، الذي خرج بهذه الجريمة من عباءة والده. لم تكن سوريا غريبة عن الاغتيالات في لبنان، لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ فالضحية لم يكن سياسياً هامشياً، بل زعيماً سنياً بارزاً كان يمثل تحدياً صريحاً للهيمنة السورية. ويشبه عجمي تأثير الاغتيال باغتيال الملك دنكان في مسرحية ماكبث، حيث لم يتوقع الجناة كمية الدماء التي ستُراق سياسياً وشعبياً بعد هذه الجريمة.
يلخص عجمي شخصية رفيق الحريري بوصفه شخصاً غير متوقع ليصبح شهيداً للاستقلال. فقد نشأ فقيراً في صيدا، وبنى ثروته الهائلة من خلال رعاية آل سعود، وكان رجلاً براغماتياً يؤمن بالتجارة والمال، وليس بالخطاب السياسي الحاد. طوال عقدين من الزمن، تعايش الحريري مع النفوذ السوري في لبنان، ودفع الأموال لضباط المخابرات السورية، وأشركهم في صفقاته. لكنه كان يعرف المخاطر: فقبله، اغتالت دمشق كمال جنبلاط في 1977، وبشير الجميل في 1982، وغيرهما. يصف عجمي سيطرة سوريا على لبنان بأنها «خدعة كبرى»، حيث تحولت البلاد من مركز ثقافي منفتح إلى ساحة تحت سيطرة نظام «وحشي ومتخلف»، بمساعدة صمت دولي أذعن لاستخدام سوريا كورقة في صفقات كبرى، مثل ثمن مشاركتها في حرب تحرير الكويت عام 1990-1991.
يتتبع عجمي العد التنازلي لاغتيال الحريري، ويرى أن القنبلة التي أودت بحياته كانت «قصة موت معلن». قبل خمسة أشهر من الحادثة، في 24 أغسطس/آب 2004، استُدعي الحريري إلى دمشق للقاء بشار الأسد. كان اللقاء قصيراً، لا يتجاوز أربع عشرة دقيقة، حيث أبلغه الأسد بقراره تمديد ولاية رئيس لبنان الموالي له، إميل لحود، بطريقة فظة، وهدده قائلاً إنه سيكسر لبنان فوق رؤوس الحريري ووليد جنبلاط. وقال الأسد للحريري صراحة: «سأجدك وعائلتك في أي مكان في العالم». حاول الحريري بعدها المناورة، فاستقال وامتثل لتمديد ولاية لحود، لكنه بدأ يستكشف خياراته السياسية، وأصبح مصدر قلق كبير للنظام في دمشق.
كانت خلفية هذا الصدام هي أن المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الأمن، كان قد تبنى القرار 1559 في 2 سبتمبر/أيلول 2004، بضغط من فرنسا والولايات المتحدة، داعياً إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان وانتخابات رئاسية حرة. ألقى النظام السوري باللوم على الحريري في تحريك هذا القرار، على الرغم من نفي الحريري ذلك. في لقاء مع نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم، حاول الحريري تبرئة نفسه وتأكيد ولائه لسوريا على مدى 25 عاماً، لكن المعلم كان حاسماً وقاسياً: «لقد حاصرناك». يخلص عجمي إلى أن اغتيال الحريري «أتى بنتيجة عكسية»، إذ تحول الضحية إلى شهيد أيقوني، وأيقظ السنة في لبنان الذين كانوا خاملين، وأعطى زخماً لثورة الأرز التي أخرجت الجيش السوري من لبنان.
لكن الفصل لا يقتصر على جريمة الاغتيال وحدها. يصف عجمي كيف استغل النظام السوري نفوذه في لبنان كـ«ابتزاز مربح»، وكيف شعر بالتهديد من الخطاب الأمريكي الجديد. في خطاب حالة الاتحاد في فبراير/شباط 2005، أعلن الرئيس جورج دبليو بوش تطبيق «قانون محاسبة سوريا» وطالبها بإنهاء دعمها للإرهاب. يرجح عجمي أن هذا هو السياق الذي دفعت فيه دمشق وحليفها حزب الله إلى اتخاذ القرار بقتل الحريري. وبعد الاغتيال، لم يكتفِ النظام بذلك، بل استمرت موجة القتل باغتيال سمير قصير (كاتب معادٍ لسوريا) في 2 يونيو/حزيران 2005، وجبران تويني (رئيس تحرير صحيفة النهار) في 12 ديسمبر/كانون الأول 2005، وهي جرائم يراها عجمي رسالة واضحة بأن النظام لا يزال قادراً على الوصول إلى خصومه.
ينتقل عجمي بعد ذلك إلى تحليل كيفية تعامل النظام مع الضغوط الدولية بعد الاغتيال. بدلاً من أن يؤدي الانسحاب من لبنان إلى انهيار النظام في الداخل، ازداد قسوة، وتمكن من النجاة. كانت «ثورة الأرز» لحظة تألق، لكنها لم تصمد. بحلول نهاية 2006، تغيرت موازين القوى في واشنطن بعد انتخابات الكونغرس النصفية، وفشل الإدارة الأمريكية في العراق، وأصبحت إدارة بوش مشغولة بـ«حالة الانتفاض» في العراق. منح حزب الله انتصاره العسكري على إسرائيل في صيف 2006 مزيداً من القوة، وتحول محور إيران وسوريا وحزب الله إلى قوة لا يستهان بها. يصف عجمي كيف أن سعد الحريري، نجل رفيق، الذي اتهم سوريا صراحة بقتل والده، اضطر في ديسمبر 2009 إلى زيارة دمشق والجلوس مع بشار الأسد، في خضوع للواقع الجديد، لأن داعميه (أمريكا وفرنسا والسعودية) لم يستطيعوا موازنة قوة المحور المعادي.
يوثق الفصل بالتفصيل عودة سوريا إلى الحضن الدولي. مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، تحولت السياسة الأمريكية من المواجهة إلى «الانخراط». كان النظام السوري قد بدأ يشعر بأنه «الأمة التي لا يمكن تجنبها» في المنطقة، كما قال مسؤول أمريكي. زيارات الوفود الأوروبية والأمريكية تتابعت، وأبرزها زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في سبتمبر 2008. يخصص عجمي مساحة لتحليل لقاء مسؤولين أمريكيين مع ضباط المخابرات السورية، واصفاً إياه بـ«فن البازار» حيث عرض السوريين تعاوناً محدوداً مقابل رفع العقوبات وإزالتهم من قائمة الدول الراعية للإرهاب. يسلط الضوء على غرور النظام وثقته، حيث قال مسؤول سوري للأمريكيين: «هذه منطقتنا، ونحن نعرفها. لذلك يجب أن نقود نحن». ويرصد فترات التفاؤل في برقيات السفارة الأمريكية في دمشق بين 2009 و2010، وكيف راهنت الإدارة الجديدة على «تغيير السلوك» بدلاً من «تغيير النظام».
أخيراً، وفي تناقض صارخ مع هذا الزخم الدبلوماسي، يركز عجمي على الأزمة الداخلية الخانقة للنظام. يصف فترة حكم بشار الأسد الأولى بأنها «عقد ضائع» وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش. يقدم أرقاماً صارخة: بطالة تتجاوز 20%، و32% من الشعب يعيش تحت خط الفقر، وتصنيف سوريا في المرتبة 165 من أصل 175 في حرية الصحافة، و152 من أصل 152 في مؤشر الديمقراطية. المؤسسات الأكاديمية كانت في حالة يرثى لها، وبعد أن بدأ بشار حكمه بالإفراج عن سجناء سياسيين، سرعان ما عاد ليملأ السجون من جديد. في هذا السيادق، برز إعلان دمشق في 2005، الصادر عن نخبة من المثقفين والمعارضين، والذي وصف حالة البلاد بأنها «استبداد» ودعا إلى عقد اجتماعي جديد وإلغاء قانون الطوارئ، لكنه لم يدعُ إلى إسقاط النظام، بل إلى إصلاحات. ومع ذلك، يختم عجمي فصله بالإشارة إلى أن النظام كان مصمماً على البقاء، وأن هذه الدعوات الإصلاحية قوبلت بالقمع، مما جعل الانفجار الكبير الذي سيأتي بعد سنوات من كتابة هذا الفصل أمراً محتوماً تقريباً.
5.فتيان درعا93–106▼ ملخص
ملخص فصل «فتيان درعا» من كتاب "The Syrian Rebellion" لفؤاد عجمي
يُركّز هذا الفصل على اللحظة التي انهارت فيها أسطورة الاستثناء السوري، ويُقدّم الإجابة عن سؤال محوري: كيف اندلعت الثورة السورية في ريف درعا المهمل، وما الذي كشفته عن طبيعة النظام ومرونته الوهمية؟ يرى المؤلف أن النظام السوري، وعلى لسان بشار الأسد في مقابلة مع وول ستريت جورنال في أواخر يناير 2011، راهن على تحصين البلاد بـ"صمودها" في وجه إسرائيل و"رفضها" للهيمنة الأمريكية، معتقداً أن هذا يمنحه مناعة ضد موجة الربيع العربي. لكن الفصل يفضح زيف هذه المقولة، ويُظهر أن القمع والتهميش والبطالة كانوا وقوداً لثورة لم تكن متوقعة.
يسير الفصل خطوة بخطوة كاشفاً عن هذا الانهيار. يبدأ بتقديم خلفية ديموغرافية عن سوريا: من مجتمع ريفي تعداد سكانه 6 ملايين عندما وصل آل الأسد إلى السلطة، إلى دولة يقطنها 22 مليوناً، نصفهم تحت سن 19 عاماً، ونسبة كبيرة منهم عاطلون عن العمل. ثم ينتقل إلى المشهد الريفي المهمل، مستشهداً برواية "دفاتر القرباط" لخالد خليفة التي تصف ازدراء مسؤولي الحزب لقريتهم الفقيرة. يصل بنا الفصل بعد ذلك إلى الحدث المفصلي: في أوائل مارس، يكتب نحو عشرة صبية من بلدة درعا، تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً، شعارات مناهضة للنظام على الجدران. يُعتقل الصبية، وعندما يتوسط وجهاء البلدة للإفراج عنهم، يُقابلون بعبارات قاسية مثل: "انسوا أولادكم... اذهبوا وائتوا بجدد". يُعاد الصبية بعد تعذيبهم، ليكون هذا الشرارة التي تشعل درعا، وتجعل المسجد العمري منطلقاً للمظاهرات.
يستخدم المؤلف أدلة قوية لتوثيق القمع الوحشي. يذكر أن قوات الأمن بدأت بمدافع المياه، لكنها سرعان ما تحولت إلى القتل المباشر، باستخدام القناصة الذين استهدفوا الرؤوس والصدور. تعرضت درعا للحصار، ومنع عنها الغذاء والماء والدواء، ثم مُنع الأذان، ودُنست المساجد بكتابات مثل "لا إله إلا بشار". في الأيام العشرة الأولى، سقط ما لا يقل عن 200 قتيل. بحسب هيومن رايتس ووتش في أواخر مايو، بلغ إجمالي القتلى 887، منهم 418 في درعا وحدها. يوضّح الفصل أن هذه الوحشية كشفت عن تخلف أجهزة الأمن نفسها، التي ما زالت تعتقد أن أساليب 1982 (مجزرة حماة) مجدية، في حين أن التكنولوجيا جعلت كل سوري "محطة تلفزيونية فضائية حية".
يُخصص الفصل مساحة لتحليل ثلاث خطابات ألقاها الأسد مع تصاعد الأزمة. في الأول (30 مارس)، تحدث عن "فتنة" و"مؤامرات خارجية"، مستشهداً بالقرآن: "الفتنة أشد من القتل". في الثاني (16 أبريل)، ظهر بخطاب "الإصلاح" و"الكرامة"، وتعهد برفع قانون الطوارئ. أما الثالث (20 يونيو)، فجاء غاضباً متحدثاً عن "جراثيم" تهدد البلاد، وذكر أن عدد المطلوبين للعدالة يبلغ 64 ألفاً. يُظهر المؤلف أن هذه الخطابات فشلت جميعاً في إقناع السوريين، الذين سخروا من تشبيه "الجراثيم"، وحوّلوه إلى هتافات ساخرة. مع هذه الخطب، بدأ يترسخ لقب "سفّاح" للأسد، وبدأت تتلاشى التمييزات التي كان يُحتمى بها بين الابن والأب.
يحوي الفصل أيضاً تقييماً واضحاً لحدود قدرة النظام على الإصلاح. يعترف المؤلف، نقلاً عن مسؤولين ومحللين، أن النظام "تصلّبت شرايينه" ونسي جذوره الريفية، وتحوّل إلى أداة قمع تخدم نخبة علوية وتجاراً سنة. لم تعد الوعود برفع الدعم أو تحسين الرواتب تنفع أمام الدبابات والقناصة. ويُقرّ الفصل ضمنياً أن التغيير من داخل النظام كان مستحيلاً، لأن أجهزته الأمنية "لا يمكن إصلاحها في خضم المعركة".
يمكن القول إن الفصل يُقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن النخبة الحاكمة وهمت نفسها بأنها تملك شرعية "الممانعة" و"الصمود"، بينما كانت تجلس على فوهة بركان من التهميش والبطالة والقمع. يخلص الفصل إلى أن الفتية في درعا هم من كسروا الجدار، وأظهروا أن سوريا ليست محصنة ضد الربيع العربي، بل كانت أرضه الخصبة بسبب القمع والحرمان.
6.أشباح حماة107–134▼ ملخص
هذا الفصل، "أشباح حماة"، يتناول الصراع بين نظام بشار الأسد والمدينة السورية حماة، التي تحمل ذاكرة دموية مع النظام. الموضوع المحوري هو أن حماة لم تكن مجرد مدينة أخرى في وجه الثورة السورية، بل كانت "شبحاً" يطارد النظام نفسه، لأنها تمثل الجريمة التأسيسية لنظام الأسد: مجزرة 1982 التي راح ضحيتها ما بين 20 ألف و30 ألف شخص على يد حافظ الأسد للقضاء على الإخوان المسلمين. المؤلف يجادل بأن النظام، رغم رعب هذه الذكرى، اضطر لاقتحامها مرة أخرى في 31 يوليو 2011 في أعنف يوم تشهده الثآنفة منذ انطلاقها قبل خمسة أشهر، حيث قُتل ما لا يقل عن 120 شخصاً بحسب تقديرات المنظمة السورية لحقوق الإنسان.
يسير الفصل بتسلسل زمني ومكاني ليتتبع كيف وصلت الثورة إلى حماة. يشرح المؤلف أن حماة كانت مدينة "الغيتو" التي تظاهرت لأول مرة في 22 أبريل، ثم شهدت اشتباكاً دامياً في 3 يونيو أوقع 70 قتيلاً، مما أربك النظام فسحب قواته فجأة. هذا الانسحاب خلق فراغاً في السلطة ملأته مجالس الأحياء الساعية للاستقلال. في 8 يوليو، استضافت حماة أكبر تظاهرات الثورة حتى ذلك التاريخ، ورحبت بالسفير الأمريكي روبرت فورد الذي زارها مع نظيره الفرنسي كإشارة دبلوماسية. لكن هذا الهدوء لم يدم، فمع اقتراب شهر رمضان، عاد الجيش والأمن في فجر 31 يوليو لاقتحام المدينة، متخلين عن "حصانتها" الرمزية، ومستبقين ما توقعه النظام من تصعيد ديني خلال الشهر المقدس.
يقدم الفصل بعد ذلك تحليلاً لجغرافية الثورة الطائفية مستنداً إلى عمل الباحث الفرنسي فابريس بالانش. يؤكد التحليل أن الاحتجاجات اندلعت "بأغلبية ساحقة" في مناطق السنة العرب، بينما بقيت الأقليات (العلويون، المسيحيون، الدروز، الإسماعيليون) على الحياد أو دعمت النظام. يشير الفصل إلى أن المدن المختلطة مثل حمص وبانياس كانت أكثر عنفاً من المدن المحاصرة مثل دمشق وحلب، حيث لم يتمكن النظام من تغيير ديموغرافيا الأخيرتين. كدليل على الفجوة بين المركز والأطراف، يذكر الفصل أنه بحلول الشهر السادس، بلغ عدد القتلى 3,000 (تقديرات الأمم المتحدة: 2,600)، مع تركيز الخسائر في حمص (761 قتيلاً)، درعا (594)، إدلب (319)، وحماة (350)، بينما كانت حصيلة دمشق (90) وحلب (44) منخفضة بشكل لافت.
ينتقل الفصل لتحليل موقف القوى الإقليمية والدولية. يصف كيف أن النظام استخدم ورقة "دولة المواجهة" مع إسرائيل لكسب الوقت، وأرسل رامي مخلوف، ابن خال بشار، لمقابلة صحفي من النيويورك تايمز لتوجيه رسالة تهديد إلى إسرائيل بأن عدم الاستقرار في سوريا سيهدد استقرار إسرائيل. يعلق الفصل على أن تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، انقلبت على بشار بعد أن وجدت نفسها غير قادرة على دعم حليف يمارس قمعاً دينياً، وقطعت علاقاتها به بحلول سبتمبر. أما العراق بقيادة نوري المالكي، فكان الغريب بين الجيران، حيث وقف إلى جانب النظام. يشرح الفصل ذلك بالخلفية الطائفية للمالكي الذي عاش في سوريا خلال مجزرة 1982، ورأى في الثورة تهديداً لمشروع شيعي إقليمي، معتبراً أنها اختطفت من قبل سلفيين مدعومين من السعودية وقطر، وهو ما جسده دعم قناة الجزيرة للثورة.
في الختام، يعود الفصل إلى حماة ليصف ذاكرتها الجريحة. يروي كيف أن النظام تركها بعد 1982 تعيش في صمت وحقد مكبوت، وكيف لاحظ المسافر تشارلز غلاس في أواخر الثمانينيات غياباً تاماً لصور حافظ الأسد في المدينة، باستثناء صورة واحدة في مكتبة حكومية وضع فيها الرسام "مسبحة" في يد الرئيس محاولاً تليين صورته. الفصل يختتم بالقول إن الثورة في 2011 لم تكن إلا إعادة وصل لخيط قديم من الثأر لم يتم تسويته، حيث لم ينس أهل حماة ما فعله النظام، كما لم ينس العلويون قسوة الإقطاعيين السنة في حماة قبل صعود النظام.
7.حقيقة الطوائف135–158▼ ملخص
يُشكّل الطائفية الموضوع المحوري لهذا الفصل، ويُقدّم المؤلف إجابة واضحة ومباشرة: لقد فشلت الخطابات القومية والعلمانية في تجاوز الانقسامات الطائفية العميقة في سوريا ولبنان، وانكشفت حقيقة هذه الانقسامات بوضوح مع اندلاع الثورة السورية. يرى المؤلف أن الصراع ليس مجرد انتفاضة ضد ديكتاتورية، بل هو أيضاً حرب وجودية بين الطوائف، حيث تخشى الأقليات من هيمنة سنية، بينما يشعر السنة بأن هيمنتهم التاريخية تتعرض للتهديد من قبل أقليات مسلحة. هذا الواقع، حسب المؤلف، يُفسر المواقف المتباينة من الثورة داخل سوريا وخارجها.
يسير الفصل عبر سلسلة من المشاهد والشخصيات والأحداث التي تُظهر تمدد الطائفية في كل اتجاه. يبدأ الفصل برجل من الطبقة السياسية العراقية يشرح سبب عدم احتفاله بالثورة السورية. هذا الرجل، الذي ناضل ضد صدام حسين، يعترف بأنه رأى في سوريا انتفاضة نبيلة، لكنه يخشى من سيطرة المتشددين والسلفيين عليها. يذكر الهتاف الذي سمعته: «العلوي في التابوت، والمسيحي إلى بيروت» كدليل على الطابع الطائفي للثورة. يؤكد الرجل أن الأقليات – العلويين والمسيحيين – لديهم كل الأسباب للخوف، ويتمنى لو أن بشار الأسد نفسه يرتفع فوق حزب البعث، في إشارة إلى شعار «إزالة البعثنة» المستعار من العراق.
ثم ينتقل الفصل إلى دور رجال الدين في تعزيز أو تخفيف حدة الطائفية. يُسلط الضوء على البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي أعلن في باريس في أوائل سبتمبر أن النظام السوري يحتاج إلى مساحة للمناورة، وأن بشار الأسد رجل يحتاج إلى وقت. حذر البطريرك من أن سقوط النظام سيؤدي إلى اتحاد سنة سوريا مع سنة لبنان، مما يُفقد لبنان توازنه، مستشهداً بمصير مسيحيي العراق. هذا الموقف أثار عاصفة، إذ انتقده ميشال كيلو، المعارض السوري المسيحي، بشدة، معتبراً أن الراعي تكلم باسم المسيحيين دون أن يكون وكيلاً عنهم، وأن ما يحدث في سوريا هو صراع بين «أنظمة شمولية» وشعوبها، وليس حرباً طائفية. يذكر الفصل أن إغناطيوس الرابع، بطريرك الروم الأرثوذكس، أعلن أيضاً تفضيله للنظام على ما قد ينتج عن الاضطرابات، مشيراً إلى أن «الربيع العربي» يتم أسلمته، وأن المسيحيين يعيشون فوق بركان ولا يملكون خياراً رائعاً.
يتعمق الفصل في حالة طرابلس في لبنان بوصفها مرآة للصراع الطائفي. المدينة السنية التي يقطنها نحو 120,000 علوي، هي حصن سني مع أقلية علوية عززها النظام السوري. يصف الفصل العنف الطائفي هناك، حيث يقف حي جبل محسن العلوي بشراسة مع النظام، بينما تتململ الأغلبية السنية. يُظهر كيف أن النظام منح العلويين مقعدين في البرلمان اللبناني ومنح الجنسية اللبنانية لعلويين سوريين. في جو مشحون، يرفض سكان طرابلس دعوات الإفطار التي يقدمها رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، ابن المدينة الذي يُنظر إليه على أنه خائن لتحالفه مع حزب الله والنظام. يلتقي الصحفي بواعظ سلفي مؤثر، زكريا المصري، الذي يصف حزب الله بأنه أداة للدولة الفارسية، وحسن نصر الله بأنه ليس أفضل من هتلر، ويعلن أن الشيعة «كفار» وأن العلويين أسوأ منهم.
يستعرض الفصل محاولات المعارضة لطمأنة العلويين، مثل تسمية يوم جمعة باسم الشيخ صالح العلي، القائد العلوي الذي حارب الفرنسيين. لكنه يشير إلى غموض هذه الشخصية، إذ يتذكره العلويون كمدافع عن حكمهم الذاتي وليس كقومي سوري. ثم يصف مشهداً مروعاً من فيديو نشرته الجزيرة في 23 سبتمبر، يُظهر تعذيب رجل سني، لؤي عامر، على أيدي قوات خاصة علوية. يُضرب الرجل ويُهان ويُجبر على التمجيد بـ بشار الأسد قبل أن يُقتل، في مشهد يصفه المؤلف بأنه ثأر طائفي لا يمكن لأي تصريحات سياسية أن تمحوه.
ينتقل الفصل إلى تحليل معمق للمعضلة العلوية، مستعيناً بمقال لكاتب يستخدم الاسم المستعار «خضر» على موقع Syria Comment في يونيو 2011. يكتب خضر أن «لا يوجد شيء اسمه علوي غير ممارس»، وأن هُوية العلويين تمركزت حول إحساسهم بالاضطهاد التاريخي، مما جعلهم يلتفون حول الدولة الأمنية. يضيف أنهم «ليس لديهم تاريخ كثير»، وأنهم عرّفوا أنفسهم على مدى 40 عاماً كحكام لسوريا ولا شيء غير ذلك. يخلص إلى أن العلويين «سيقاتلون حتى النهاية» مع آل الأسد، لأنهم لا يملكون ثقة الأغلبية السنية التي يتمتع بها سنة العراق، ومستقبلهم ليس جميلاً. في المقابل، يشير الفصل إلى مؤتمر المعارضة في القاهرة في 12 سبتمبر الذي ناشد العلويين، معلناً أن الطائفية جريمة وأن لا أحد سيعاقب بسبب انتمائه الطائفي. لكن توماس بييريت، الباحث في الإسلام السوري، يعلق بأن هذا لم يبدُ مقنعاً للعلويين، لأنه أفضل من سيناريوهات الثمانينيات لكنه لا يحل المشكلة اللاهوتية لمكانة العلويين في الإسلام.
يختتم الفصل بقصة مقتل سارية حَسُّون، ابن مفتي الجمهورية أحمد حَسُّون، في 2 أكتوبر على طريق حلب-إدلب. المفتي، وهو رجل سني متحالف مع النظام، يلقي خطبة تأبينية مؤثرة ومتلفزة، يربط فيها بين حزنه الشخصي ومعاناة أطفال درعا، ويناشد الجميع وقف إراقة الدماء. لكن الفصل يُظهر تناقض المفتي، إذ يعود بعد أيام ليهدد أوروبا وأمريكا بأن شباب سوريا ولبنان سيتحولون إلى «انتحاريين» إذا تم استهداف سوريا. في المقابل، يُذكر الشيخ إبراهيم الصَّلْقِيني، مفتي حلب المحترم والمستقل، الذي توفي فجأة في سبتمبر، وتشيع جنازته كمظاهرة سياسية ضد النظام، ليكون نموذجاً مغايراً لدور رجل الدين في مواجهة الظلم.
يُنهي المؤلف الفصل بطرح إشكالية: هل النظام العلماني هو الدرع الحقيقي للأقليات، أم أن المخاطر والمكافآت في إطار الديمقراطية هي الخيار الأفضل؟ يُقر المؤلف بأن الفصل لم يقدم إجابة حاسمة، تاركاً السؤال مفتوحاً حول مصير العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى في سوريا.
8.سراييفو على العاصي159–180▼ ملخص
يتركز الفصل المعنون "سراييفو على العاصي" على مدينة حمص بوصفها "عاصمة الانتفاضة" السورية ضد نظام بشار الأسد، ويحلل كيف تحولت المدينة من نموذج للتعايش الطائفي الهش إلى ساحة لحرب شوارع طائفية دامية، وكيف عكس مصيرها مسار الثورة السورية بأكملها نحو التسلح والمواجهة المسلحة. يقدم المؤلف فؤاد عجمي إجابة مفادها أن حمص، بتركيبتها السكانية وتاريخها وموقعها، أصبحت البوتقة التي انصهرت فيها كل إخفاقات الدولة ومظالمها، مما جعلها نقطة التحول نحو العنف المسلح الذي لم يعد بالإمكان احتواؤه.
يبدأ الفصل بوصف حمص قبل الثورة، فهي مدينة سنية في الغالب مع أقلية مسيحية مزدهرة تشكل نحو 10% من السكان، ويقدر تعداد سكانها بـ 1.5 مليون نسمة (مقارنة بـ 51,000 في تعداد عثماني عام 1903). كانت المدينة بقيادة وجهاء من عائلات تجارية ودينية، لكن التغييرات الكبيرة التي أعادت تشكيل سوريا منذ عهد حافظ الأسد - كاستقطاب الأقليات في الجيش وصعود البعث - قوضت مكانة هؤلاء الوجهاء وغيرت ديموغرافيا المدينة. تدفق سكان الريف، واستقر المسيحيون في أجزاء من المدينة القديمة بينما استقر السنة غرباً وشمالاً وشرقاً، بينما تركز العلويون - الذين يشكلون الآن ربع السكان - في الحي الجنوبي الشرقي. ورغم هذا الفصل، كان هناك تعايش متسامح؛ فبرقية دبلوماسية أمريكية من عام 2010 نقلت عن المطران الكاثوليكي إسكندر بطرس والأب أفرام قولهما إن الطوائف تعيش "بقرب أكبر" من بعضها، وإنه كان يُطلب من المطران التحدث في المساجد مرتين أو ثلاث مرات سنوياً، وكانت أبرشيته تضم 45,000 كاثوليكي بينما استقرت الروم الأرثوذكس عند 150,000.
لكن الثورة فتقت هذا السلام، وانقسمت أحياء حمص على أسس طائفية. يوضح المؤلف أن السنة لم يكونوا مدفوعين بالتطرف السلفي بقدر ما كانوا مدفوعين بالاستياء من عدم المساواة في الوصول إلى الفرص الاقتصادية ورعاية الدولة. يصف الفصل بلدة الرستن في محيط حمص، التي كادت تسقط بالكامل بيد الثوار بحلول أواخر أغسطس، حيث تمركز فيها منشقون عن الجيش سموا أنفسهم "كتيبة خالد بن الوليد"، وهو اسم يستحضر الفاتح التاريخي ويلعب على فكرة أن النظام العلوي هو نظام هراطقة وغرباء. استعاد النظام السيطرة على الرستن أواخر سبتمبر بعد معركة استمرت أربعة أيام، باستخدام الدبابات والمروحيات، وحولت قوات الأمن والشبيحة المستشفيات إلى مراكز احتجاز ومراكز شرطة. يخلص الفصل إلى أن نقطة التحول قد بلغت، وأن الصراع أصبح "مسلحاً" مع تهريب الأسلحة عبر الحدود.
ينتقل السرد بعد ذلك إلى صورة النظام. يصف المؤلف بشار الأسد بأنه اختار الصمت بعد ثلاث خطابات فقط، وبدلاً من ذلك أوصل رسائله عبر وسطاء. يذكر أن رئيسي وزراء لبنانيين سابقين، سليم الحص وعمر كرامي، نقلا عن الأسد أنه هدد بأن سوريا "ليست ليبيا" وأنه يستطيع تحطيم السلام الإقليمي في "لا يزيد عن ست ساعات" عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل وتفعيل حزب الله. يحلل الفصل دور مجلس الأمن الدولي؛ في أوائل أكتوبر، قوبل قرار ضعيف بفرض عقوبات محتملة بفيتو مزدوج من روسيا والصين، اللتين بررتا موقفهما بتجربة الناتو في ليبيا. يستنكر المؤلف بشدة امتناع الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا عن التصويت، معتبراً ذلك إخفاقاً أخلاقياً لديمقراطيات صاعدة تطمح لدور أكبر.
يتناول الفصل بشاعة النظام عبر اغتيالات واعتداءات محددة. ففي 7 أكتوبر، اغتيل القائد الكردي المعارض مشعل تمو في مدينته القامشلي، مما دفع قرابة 50,000 شخص إلى الشوارع في جنازته. كما تعرض رسام الكاريكاتير علي فرزات لضرب مبرح كسرت يداه، وتم الاعتداء على والدي عازف البيانو مالك جندلي، وضرب الناشط رياض سيف علناً. في مقابل هذه الوحشية، يقر الفصل بأن النظام كان يعاني من أزمة ثقة؛ ففي 22 سبتمبر، قرر تعليق الواردات التي تزيد رسومها الجمركية على 5%، مما شل الاقتصاد وأدى إلى تراجع التجار عن دعمهم، ما اضطر الحكومة للتراجع بعد اثني عشر يوماً.
أما الجيش، فكان محوراً لمحاولة فك الارتباط. خصصت جمعة 14 أكتوبر لـ "الجيش الحر"، لكن التمرد المنشود لم يتحقق. يصف الفصل نظاماً عسكرياً فعالاً في القمع يعتمد على خلط وحدات من ألوية مختلفة لضمان الولاء، مع أوامر صارمة بـ "اقتل أو اقتل". ينقل الفصل شهادات منشقين عن الجيش، من بينهم ملازم عمره 25 عاماً من حمص، يصف كيف اضطر لمشاهدة زملائه يطلقون النار على مزارع مسن على دراجة هوائية، وكيف كان الجندي مهدداً بالإعدام إن توقف عن إطلاق النار.
يتناول الفصل خيبة الأمل من التدخل الخارجي. يصف كيف تحولت ليبيا إلى مثال للحسد والألم؛ ففي حين تخلص الليبيون من القذافي، ظل السوريون يقاتلون. ويشرح أن النظام راهن على أن الجامعة العربية لن تكرر معه سيناريو ليبيا، وقد أثبتت الأحداث صحة هذا الرهان، حيث منحت النظام مهلة 15 يوماً لوقف العنف، مما دفع متظاهراً في حمص إلى رفع لافتة تقول إن السوريين يُذبحون "بإذن من الجامعة العربية". كما يصف كيف أن النظام استخدم نفوذه في لبنان لملاحقة المعارضين، مختطفاً إياهم عبر حدود سوريا، كما في قضية السياسي المخضرم شبلي العيسمي البالغ من العمر 89 عاماً، والتي كشفت تحقيقات الأمن اللبناني تورط السفارة السورية فيها. وتنقل الكاتبة اللبنانية نائلة تويني تحذيراً من تحول لبنان إلى "سجن سوري".
يختتم الفصل بوصف سباق الزمن بين النظام والمتظاهرين. فالنظام كان يستنفد احتياطياته المالية تحت وطأة العقوبات، بينما كان المتظاهرون يعانون من الحرمان ونفاد الصبر. يصف الفصل قسوة يوم 28 أكتوبر الذي سُمي "جمعة لمنطقة حظر الطيران"، حيث سقط 40 قتيلاً في حمص وحلب، وتم قصف حي سني في حمص بقذائف الهاون. في مقابل هذه الوحشية، يبرز تردد الإدارة الأمريكية؛ فبينما دعا الرئيس أوباما الأسد للتنحي في 18 أغسطس، كان واضحاً أنه لا يريد توريطاً عسكرياً في سوريا، خاصة مع سعيه لولاية ثانية والادعاء بإنهاء حرب العراق. يختتم الفصل بمقابلة أجراها الأسد مع صحيفة صنداي تلغراف في 30 أكتوبر، حيث ظهر "د.بشار" المحدث والمنفتح، متحدثاً عن "نظام تشغيل ثقافي" مختلف، بينما كانت حمص تنزف. وفي الساحة، كان العلم السوري القديم يُرفع في ضواحي دمشق لأول مرة، كرمز لسعي البلاد نحو استقلالها الثاني من "الاستبداد الداخلي".
9.طريق مسدود181–218▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، "طريق مسدود"، على المرحلة الحرجة من الثورة السورية في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012، حيث وصل الصراع إلى طريق مسدود: فشل النظام في سحق الاحتجاجات، وفشلت المعارضة في إسقاطه. يقدّم المؤلف فؤاد عجمي تحليلاً لهذا الجمود، مستعرضاً الأدلة على أن كلاً من النظام بقيادة بشار الأسد والمعارضة قد رسّخا مواقعهما لخوض معركة طويلة، في ظل غياب تدخل خارجي حاسم.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مسارات. أولاً، يبرز محاولة المعارضة بناء بديل سياسي، من خلال خطاب برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري، في 6 نوفمبر على قناة الجزيرة، حيث وعد بسوريا جديدة تحترم الحقوق. ثم ينتقل إلى تصعيد العنف، مستشهداً بمقتل 111 شخصاً في حمص خلال خمسة أيام، وهجمات على حافلات تقل علويين، وقصف حي بابا عمرو السني. يروي الفصل حادثة مؤلمة لنقل متظاهرين سنة من تلكلخ إلى قرية علوية ليتعرضوا للضرب على أيدي القرويين الذين حرضهم النظام. في المقابل، تُذكر حالة الممثلة العلوية فدوى سليمان التي انحازت للثوار وتبرأت منها عائلتها عبر التلفزيون الرسمي.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يوثق الفصل عزلة النظام المتزايدة. في 16 نوفمبر، علّقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا، بموافقة جميع الأعضاء باستثناء اليمن ولبنان وامتناع العراق. في 27 نوفمبر، فرضت الجامعة عقوبات اقتصادية شملت حظر سفر بحق 19 شخصية من النظام، ووقف التعامل مع المصرف المركزي، وإنهاء المشاريع العربية. قوبلت هذه الخطوات بقلق من الدول المجاورة: لبنان، الأردن الذي يعتمد على موانئ سوريا بنسبة 40% من وارداته، والعراق. رفض النظام العقوبات ووصفها بحرب اقتصادية، رغم أن الليرة السورية فقدت 25% من قيمتها. تفيد تقارير أن قطر تعهدت بتمويل أي عملية عسكرية تركية ضد النظام، بينما أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريراً يتهم النظام بـ"جرائم ضد humanity"، يوثق تعذيب الأطفال حتى الموت، والاغتصاب، وقتل طفلة عمرها سنتان.
يوضح الفصل أن الصراع أصبح ساحة لصراع إقليمي واسع: ففي جانب تقف تركيا، السعودية، ودول الخليج، مع دعم خلفي من الولايات المتحدة وفرنسا، وفي الجانب الآخر النظام، حزب الله، العراق، وإيران التي أصبحت علاقتها مع النظام علاقة تبعية. توترت علاقة النظام بحركة حماس التي قامت بـ"خروج ناعم" من دمشق.
يكشف الفصل عن ازدواجية خطاب بشار الأسد. في مقابلة مع باربرا والترز في 7 ديسمبر، نفى مسؤوليته عن القمع قائلاً: "لا توجد حكومة تقتل شعبها إلا إذا كان يقودها مجنون". واجهه المعارض ميشيل كيلو بردّ لاذع، موضحاً أن الأسد هو الرجل الأول في كل شيء ويدّعي الجهل. مع ارتفاع عدد القتلى إلى 5,000 وفقاً للأمم المتحدة، وتقديرات أفاز بـ6,200 بينهم 400 طفل، انكمش الاقتصاد بنسبة 30% وانهارت الليرة. تفجيرا 23 ديسمبر في دمشق، اللذان ألقى النظام مسؤوليتهما على القاعدة، أثارا شكوك المعارضة باعتبارهما عملاً مدبراً. انقسمت المؤسسة الدينية بين مؤيد للنظام كالشيخ محمد سعيد البوطي ومعارض كالشيخ كريم الراجح الذي وصف البلاد بأنها "مستشفى مجانين".
مع وصول مراقبي الجامعة العربية بقيادة الجنرال السوداني محمد الدابي، وهو مقرب من الرئيس عمر البشير المطلوب للعدالة، استمر القصف على حمص. وصف المراقب الدمار بأنه ليس "مخيفاً"، مما دفع إلى تسميتهم بـ"المتفرجين العرب". يخلص الفصل إلى أن كلاً من النظام والمعارضة قد استعدا لحرب طويلة، وأن الجمود لم يُكسر في 2011، مع انقضاء 42 جمعة احتجاجية دون سقوط النظام أو استسلام المعارضة.
في القسم الأخير، يتناول الفصل بعمق المسألة الطائفية. يشير إلى أن الثورة أثارت سؤالاً محورياً حول مصير العلويين ووحدة الدولة، ويقارن حافظ الأسد بـتيتو الذي حكم يوغوسلافيا بإحكام لكن وحدته لم تصمد بعده. يستعرض تحليلاً للكاتب العلوي علي أسعد وطفة الذي حاول تبرئة العلويين كمجتمع، مدعياً أن النظام هو مشروع متعدد الطوائف يستفيد منه سنة ومسيحيون على حساب الفقراء، وأن العلويين "عسكروا" وتحولوا إلى حرس بريتوري دون أن يثر الكثير منهم. لكن المؤلف يرفض هذا الدفاع، معتبراً أن العلويين حصلوا على مزايا واضحة في الوظائف والقطاع العام. يختتم الفصل بمناقشة فرضية انفصال العلويين في دولتهم، ويرفضها بشدة، مستشهداً بأمثلة لبنان والعراق والأردن كدول "مفتعلة" لكنها استمرت. يرى أن العلويين لا يمكنهم البقاء وحدهم على الساحل، وأن مستقبلهم سيكون في صياغة "ميثاق" جديد ضمن سوريا موحدة.
10.حلم الوطن: ملاحظة حول المنفيين219–232▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "The Syrian Rebellion" للمؤلف فؤاد عجمي، يحمل عنوان "حلم الوطن: ملاحظة حول المنفيين"، وهو مخصص لرسم صورة قريبة لعدد من الشخصيات السورية المناهضة للنظام التي فرّت من البلاد ولجأت إلى تركيا مع اندلاع الثورة السورية. الموضوع المحوري للفصل هو استكشاف الحالة النفسية والفكرية والسياسية لهؤلاء المنفيين، وكيف أن حلمهم بالوطن يتشابك مع معاناتهم من المنفى، وإحباطاتهم من تقاعس القوى الدولية، ورهاناتهم على مستقبل سوريا بعد سقوط النظام. لا يقدم الفصل إجابة واحدة محددة لسؤال ما ستفعله المعارضة، بل يقدم شهادات حية تكشف عن تنوع هذه المعارضة وعمق انقسامها الداخلي بين الإسلاميين والعلمانيين، وبين من يحلم باستعادة الماضي ومن يريد بناء دولة حديثة.
يبدأ الفصل بـ الشيخ أنس العيروط، إمام مسجد من بانياس، الذي أصبح قائداً لشباب المدينة ضد النظام. يصفه الكاتب بأنه رجل في الأربعين من عمره، ذو لحية قصيرة وسترة جلدية، بعيد عن الشكليات الدينية الرسمية. يبرز الكاتب كيفية جرّ الشيخ رغماً عنه إلى الاحتجاجات، بعد أن أصر عليه شاب يبلغ من العمر 22 عاماً حاصل على تعليم ابتدائي. يشرح الشيخ أنس أسباب غضب أهل بانياس السنية: التمييز الطائفي في مصفاة النفط التي توظف 4000 عامل غالبيتهم من العلويين، بينما يتم تهميش السنة؛ تفاوت أسعار الكهرباء لصالح العلويين؛ وفرض التعليم المختلط الذي يعتبره أهل المدينة انتهاكاً لتقاليدهم، وصولاً إلى حادثة اغتصاب طالبة من زميلها. يوضح الشيخ أنس أن دعوته الأولى كانت للإصلاح وليس لإسقاط النظام، مطالباً بإنهاء حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين. لكنه سرعان ما أصبح مستهدفاً، واضطر إلى الفرار إلى تركيا بعد أن رفض تسليم نفسه للأمن. يعيش الآن في إسطنبول في حي فقير بعيد عن مركز المدينة، يقلق على أطفاله الذين يذهبون إلى مدرسة سودانية، ويحتفظ بالأمل بعودة العلويين إلى وطنهم بعد سقوط النظام، معتقداً أن المصالحة ممكنة لأنه يعرف الساحل جيداً.
ثم ينتقل الفصل إلى خالد خوجة، شخصية محورية في المجلس الوطني السوري في تركيا. ولد عام 1965، وهو طبيب ورجل أعمال يحمل جنسية مزدوجة ويتقن التركية. يقدم الكاتب خلفيته كمعارض منذ الصغر؛ فقد سُجن مع والدته وهو في الخامسة عشرة من عمره بسبب نشاط والده السياسي في الإخوان المسلمين، وقضى والده 13 عاماً في السجن. يصف خوجة تجربة السجن والصعوبات التي واجهها، وكيف أن الإسلام منحه عزاءً في العزلة والقسوة. يروي قصة غريبة عن أحد بارونات الأمن، محمد نصيف، وهو علوي كان يزور السجناء السياسيين ويسخر من إيمانهم بالجنة والنار، مدعياً أن جنةه هي السلطة والنساء والطعام في هذه الدنيا. يقارن خوجة بين تلك التجربة وبين لقاء مؤثر مع الرئيس التركي توركوت أوزال الذي زار مدرسته واستمع لطلبات الطلاب بحفاوة. يعيش خوجة حالة من الإرهاق الدائم؛ فهو منشغل كلياً بالعمل السياسي على حساب أسرته، ومندهش من سلبية القوة الأمريكية، لكنه محتفظ بتفاؤل حذر بأن النظام سيسقط، رغم عدم يقينه من التوقيت والتكلفة. هو أكثر شخصية عالمية في المعارضة، لكنه لا يحلم بالعودة إلى دمشق القديمة، بل يشعر بأن واجبه تجاه سوريا يجري في دمه.
بعد ذلك، يقدم الفصل رياض شقفة، الأمين العام لـ الإخوان المسلمين، الذي التقاه الكاتب بحضور ابنه. وُلد شقفة عام 1944 في حماة، وهو مهندس مدني هرب من سوريا عام 1980 خلال حرب الإخوان مع النظام. يوضح شقفة تواضعه وعدم توقعه ملكوتاً سياسياً بعد سقوط النظام، معترفاً بأن عائلة الأسد التي حكمت لأربعة عقود ستحتاج لأكثر من أربعة عقود لإصلاح الضرر. يروي تفاصيل محاولة اغتياله في بغداد حيث أطلق عليه أحد قتلة النظام النار في ساقه، ويقول إنه سامح قاتله المأجور. يتحدث شقفة عن تنوع سوريا الديني مستشهداً بفترة ما بين الحربين العالميتين وبشخصية فارس الخوري، المحامي والسياسي البروتستانتي الذي تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات، كدليل على أن سوريا لم تكن تنتقد دين أحد. يرفض فكرة الذنب الجماعي للعلويين، ويحمل النظام مسؤولية تسميم العلاقة مع الأقليات. يرى صعود الإسلاميين في تونس ومصر وتركيا بشرة خير لسوريا. يطمح شقفة إلى "دولة مدنية" ويحرص على نفي أي نية لحكم الإخوان لسوريا، مشيراً إلى أن الحركة أصبحت عجوزاً بعد سنوات القمع الطويلة التي بدأت عام 1980 وجعلت العضوية فيها جريمة يعاقب عليها بالإعدام.
يتناول الفصل بعد ذلك شخصيتين علمانيتين من المعارضة. الأولى هي بسام عمادي، دبلوماسي دمشقي مخضرم كان سفيراً في السويد قبل أن ينشق. ولد عام 1950، وهو مثقف يتقن الإنجليزية، متذمر من العيش في فندق في إسطنبول. يقدم عمادي تحليلاً دقيقاً لضعف النظام؛ فقد رأى بنفسه إخفاقات بشار الأسد، وملاحظة جبن القيادة العسكرية والأمنية التي يظن أنها ستهرب عند أول ضربة خارجية جادة. يروي قصة لطيفة عن مسؤول علوي كبير أعاد توظيف سائقه الدمشقي القديم بعد أن كاد سائق قريبه أن يحطم سيارته الجديدة، كدليل على شعور العلويين بالنقص تجاه الدمشقيين وحاجتهم إليهم. يثني عمادي على انضباط حافظ الأسد ودقته، لكنه يؤكد أن هذا الانضباط قد ضاع، وأصبحت الجمهورية إقطاعيات متحاربة. الثانية هي سمير النشار، رجل أعمال من حلب، يبلغ من العمر 67 عاماً، وهو متحدث باسم المجلس الوطني السوري. يجسّد النشار البراغماتية والعقلانية الحلبية، فهو علماني إلى النخاع، وقد خانته القومية العربية فرأى صعود نظام النهب والقسوة. يتأمل وضع سوريا مقارنة بازدهار تركيا، متذكراً أياماً مضت حين كان السوريون يقدمون المساعدات لجيرانهم الأتراك. لا يقلقه صعود الإسلاميين، فالنموذج التركي يعزز إيمانه بأن السوريين قادرون على استعادة بلدهم. لا يهتم بأيديولوجيا رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون الأكاديمي، معتقداً أن هناك متسعاً في سوريا للجميع.
يقرّ الفصل ضمنياً بحدوده؛ فهو لا يقدم تقييماً شاملاً لقدرات المعارضة العسكرية أو السياسية، بل يكتفي بعرض نماذج فردية مثقلة بالمنفى والذاكرة الأليمة. يترك أسئلة مفتوحة حول مدى قدرة هذا الخليط من الإسلاميين والعلمانيين على الحكم معاً، وحول إمكانية تحقيق المصالحة مع الطائفة العلوية بعد العنف الهائل. الحجة الأكثر قابلية للنقاش والتي تبرز من النص هي فكرة أن "الآخر" – أي القوى الدولية – ظل متفرجاً وخائناً لمبادئه، مما يترك السوريين لرحمة نظامهم. هذا التوجه قد يُقرأ على أنه تبرير مسبق لفشل المعارضة، أو على الأقل تفسير لخيبة أملها، لكن الكاتب يقدمه كحقيقة يشعر بها هؤلاء المنفيون ويعيشونها يومياً.
11.شذرات من ماض محزون ومخيف233–239▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل تأملاً في ذاكرة سورية ما قبل النظام الحالي، ويقدّمها كمرجعيةٍ يتوق إليها السوريون ويحتجّون باسمها. يطرح المؤلف فكرة أن سورية لم تكن أبداً محكومة بالقدر للاستبداد، بل عرفت فترة سياسية مختلفة، رغم عيوبها. الإجابة التي يقدمها هي أن الاحتجاج الحالي يغذّيه، جزئياً، إدراك أن الماضي لم يكن كابوساً، بل كان يحمل ملامح دولة مدنية وانتقال سلمي للسلطة، وهو ما يضفي على الحاضر مرارة إضافية.
يسير الفصل عبر تقديم "شذرات" أو مشاهد حية من ذلك الماضي. الشظية الأولى هي صورة فوتوغرافية من عام 1955 تُظهر الرئيس السوري المنتهية ولايته هاشم الأتاسي وهو يسلم الرئاسة لخلفه شكري القوتلي في مشهدٍ سلمي ونبيل. يصف المؤلف هذا المشهد كدليل على عهد لم تكن فيه الرئاسة مدى الحياة، ولم تكن فيه تماثيل للقادة في كل ساحة، ولم يخطر ببال القوتلي أن يورث الرئاسة لابنه. يقرّ المؤلف بأن هذا النظام السياسي لم يكن مثالياً، فقد عانى من انقلابات عسكرية أولها في عام 1949، ثم سقط نهائياً في عام 1963، لكنه مع ذلك يظل في الذاكرة الشعبية كنقيض للاستبداد "الباهت" الذي تلاه.
يقدّم الفصل شظية ثانية من خلال لقاء صحفية من موقع جدلية مع هناء القوتلي، ابنة الرئيس السابق التي تعيش منفاها في باريس. تحمل هناء ذاكرة منزل عائلتها الممتد لـ"ثمانمئة سنة" في دمشق، وتصف والدها كرجل نزيه. تروي تفاصيل وفاته في بيروت عام 1967 إثر حرب الأيام الستة، وكيف منع النظام البعثي بقيادة نور الدين الأتاسي دفنه في دمشق في البداية، ولم يُسمح بذلك إلا بتدخل من الملك السعودي فيصل. يصف الفصل مشهد الجنازة المهيب الذي نظمه الشعب رغم إرادة السلطة، وكيف "انزلق التابوت على بحر من الأيادي". ثم تأتي شظية صغيرة من إحدى الصحف الرسمية تعود لـعام 1949، تظهر أن مجلس النواب رفض طلب الرئيس شراء سيارة رسمية جديدة، واكتفى بمنحه 75 ليرة سورية لإصلاح القديمة. هذا التفصيل يؤكد فكرة غياب الامتيازات الخاصة عن عائلة الحاكم، واحترامه للمال العام.
الشظية الثالثة تأتي من رواية السيرة الذاتية للكاتب الكبير حنا مينه، "بقايا ذاكرة" (المنشورة عام 1975). يصف الفصل طفولة مينه القاسية في اللاذقية وفقرها المدقع، وعمله في الميناء وصالون الحلاقة، وسجنه تسع مرات تحت الاحتلال الفرنسي وفي عهد الوحدة مع مصر. يبرز الفصل مشهداً مؤلماً من ذاكرته: رؤية فلاح علوي يسلم ابنته الصغيرة كخادمة في إحدى البيوت الغنية في بيروت، بينما تتعلق الفتاة بوالدها باكية. تربط والدة مينه هذا المشهد بذكرياتها هي، حين اضطرت لترك ابنتها الكبرى لتعمل في بيت مختار القرية. يستخدم المؤلف هذا المثال ليكشف عن طبقة أخرى من الماضي: ليس فقط الماضي السياسي الجميل، بل الماضي الاجتماعي القاسي، حيث ساد التمايز الطبقي والفقر المدقع في ريف اللاذقية العلوي. يخلص المؤلف إلى أن هذه الظلم الاجتماعي هو الذي دفع العلويين، حاملين السلاح والزي العسكري، للانتقام من طبقة النخبة التي كانت في القمة، وإلى رفض العودة إلى تلك التبعية، وهو ما جعل "البندول" لا يقف في الوسط.
يقرّ المؤلف بحدود روايته من خلال اعترافه بأن الماضي لم يكن طوباوياً، بل كان مليئاً بالانقلابات والظلم الطبقي. ومع ذلك، فإن قوة الذاكرة الشعبية تكمن في مقارنته بحاضر "ملعون" وممزق الدستور، كما تصف هناء القوتلي. هناك سؤال مفتوح تتركه هناء حول مصير الثورة: لديها أمل بها لكنها تخشى أن تُسرق من الذين هزموا الخوف.
في الفقرة الأخيرة من الفصل، ينتقل المؤلف إلى خاتمة الكتاب، معترفاً بأن روايته تنتهي بينما لا يزال النظام قائماً. يوضح تحفظاته: لم يخفِ تعاطفه مع الشعب السوري في هذا الكتاب، ولم يشارك المخاوف من "غموض المعارضة" أو تحول سورية إلى "دستوبيا إسلامية". بالنسبة له، الشعب السوري عاش الجحيم ويستحق نظاماً أكثر إنسانية، وهذه ثقة لا يتزعزع فيها. تُظهر هذه النهاية أن الفصل بأكمله ليس مجرد استرجاع تاريخي، بل هو حجة سياسية وعاطفية تشرح جذور الغضب السوري وتشرعنه.
التحليل والكلمات المفتاحية
كلمات مفتاحية
أحداث