المورد
اتجاهات السينما السورية

اتجاهات السينما السورية

إبراهيم الدسوقي١ كانون الثاني ٢٠١٠arمنشورات وزارة الثقافة - المؤسسة العامة للسينما في الجمهورية العربية السورية - دمشق

الموضوع المحوري لكتاب "اتجاهات السينما السورية" لإبراهيم الدسوقي هو تشريح الأزمة المزمنة التي تعاني منها السينما السورية، وتتبع مساراتها التاريخية والهيكلية، مع تقديم رؤية نقدية لتجارب سينمائية محددة تُعتبر محاولات جادة لتجاوز هذه الأزمة. لا يقتصر الكتاب على سرد تاريخي جاف، بل يدافع عن موقف واضح مفاده أن السينما السورية وُلدت ونشأت في ظل تناقضات عميقة بين طموح ثقافي قومي وبين سياسات إنتاجية وتوزيعية فاشلة، مما جعلها عاجزة عن بناء جمهور حقيقي أو تشكيل تيار فني مؤثر. المؤلف لا يكتفي بتشخيص المرض، بل يحاول، عبر فصوله، استعادة بعض اللحظات المضيئة التي تثبت أن السينما السورية كانت قادرة على إنتاج خطاب جاد، لكنها فشلت في استدامته.

تسير حجة الكتاب عبر منطق متقن يربط بين المستويين الكلي والجزئي. يبدأ الفصل الأول، وهو الأكثر تفصيلاً، بتحليل تجربة المخرج محمد ملص كحالة نموذجية للسينما الجادة التي حاولت بعث "روح الأمة" العربية. هذا الفصل ليس مجرد دراسة نقدية لفيلمين، بل هو تأسيس لمعيار الجودة الذي سيقاس عليه الفشل اللاحق. ينتقل الكتاب بعدها مباشرة إلى الفصل الثاني الموسوم بـ"أزمة السينما العربية 15 سوريا"، وهو الفصل الأطول والأكثر كثافة، والذي يعود بالزمن إلى الجذور الأولى للسينما في سوريا ليكشف كيف تحول هذا الحلم إلى كابوس هيكلي. المنطق هنا واضح: بعد أن يُري المؤلف القارئ ما يمكن أن تكون عليه السينما السورية (من خلال نموذج ملص)، يشرح له لماذا لم يصبح هذا النموذج هو القاعدة، بل بقي استثناءً فردياً. الترتيب ليس تاريخياً (إذ أن أفلام ملص متأخرة نسبياً عن نشأة الأزمة)، بل هو ترتيب جدلي: المثال المُشرق أولاً، ثم تفكيك الأسباب التي جعلت منه شاهداً على القاعدة الفاشلة، لا جزءاً منها.

يحتوي الفصل الثاني على وقائع وأرقام لافتة يصعب نسيانها، وتُشكّل العمود الفقري لتشخيص الأزمة. على سبيل المثال، يذكر الكتاب أن أول عرض سينمائي في سوريا كان في حلب عام 1908 عبر مجموعة من الأتراك، قبل أن يتبعه عرض في دمشق عام 1917 قدمه حبيب شماس. الأهم من ذلك هو تأريخه لصدور المرسوم التشريعي رقم 108 بتاريخ 15/11/1963 الذي أسس المؤسسة العامة للسينما، والذي يرى المؤلف أنه لم يحل الأزمة بل عمقها بإشعال سباق بين القطاع العام والخاص. يقدم الكتاب أرقاماً صارخة عن سرعة الإنتاج في القطاع الخاص آنذاك، حيث كانت الأفلام تُنجز في فترة تتراوح بين 15 و21 يوماً فقط، واستعان المنتجون بنجوم مصريين مثل فريد شوقي وشادية ونور الشريف، ومارسوا ظاهرة "إعادة تدوير" أفلام مصرية قديمة مع تغيير الأسماء. ويذكر أنه بعد المرسوم رقم 1911 عام 1977 الذي حصر استيراد وتوزيع الأفلام في المؤسسة العامة، توقف الإنتاج الخاص فجأة وبشكل كامل، مختفياً كما ظهر: بحثاً عن الربح السريع. الأرقام المتعلقة بدور العرض هي الأخرى مذهلة: من 70 داراً في بداية الخمسينيات إلى 151 في عام 1961، ثم ارتفاع مفاجئ إلى 195 في عام 1976، ليعود ويهبط إلى 107 فقط في عام 1980، وهو انهيار غير مسبوق يعكس تخبط السياسات وتراجع الجمهور.

أما شهادات النقاد والأفلام نفسها فتشكل عنصراً آخر لافتاً. في الفصل الأول، يستشهد المؤلف بالحوار المنسوب لشخصية "أبو النور" في فيلم «أحلام المدينة» لـمحمد ملص قائلاً عن جمال عبد الناصر: "لقد بعث صلاح الدين"، وهو اقتباس يلخص المد الثوري والقومي الذي يستعيده الفيلم. كما يذكر الناقد سعيد مراد الذي وصف هذه الموجة بأنها "لم تشكل الواقعية العربية مدرسة بل شكّلت تياراً". في الفصل الثاني، تبرز شهادة المؤلف نفسه عن أفلام القطاع العام التي أنتجها مخرجون عرب مثل اليوغسلافي بوشكو فولشينتش (فيلم "سائق الشاحنة")، ومخرجون عرب مثل فيس الزبيدي وتوفيق صالح وبرهان علوية، والتي بقيت حبيسة رفوف المؤسسة، ولم تعرض جماهيرياً رغم حصولها على تقدير نقدي لاحق.

يقر المؤلف بعدة حدود وتحفظات واضحة، مما يعطي الكتاب مصداقية نقدية. في الفصل الأول، يعترف بصعوبة التمويل التي واجهها جيل محمد ملص، والتي جعلت إنتاجهم محدوداً ومعزولاً. كما يذكر أن النسخة التي شاهدها لأول مرة من «أحلام المدينة» كانت منقولة من شاشة عرض في عمّان على شريط فيديو، مما يعني أن جودة المشاهدة لم تكن مثالية، وهو اعتراف متواضع يسلط الضوء على مشكلة التوزيع. في الفصل الثاني، يقر بأن الحلول التي يقترحها لإنعاش السينما السورية - مثل تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات العربية وإنشاء اتحاد إقليمي - تواجه تحديات عقائدية وسياسية كبيرة، وهو لا يدّعي أن لديه وصفة سحرية، بل يترك الأسئلة مفتوحة حول إمكانية تنفيذها في ظل الظروف الراهنة. هناك أيضاً تحفظ ضمني في اعترافه بأن أفلام القطاع العام الوثائقية القصيرة كانت ذات طابع دعائي ولم تحقق انتشاراً، مما يعني أن الدولة نفسها لم تكن قادرة على بناء جمهور حقيقي.

بناءً على المادة المقدمة، يمكن ملاحظة حجتين رئيسيتين قابلتين للنقاش بوضوح. الأولى هي قراءة المؤلف لتجربة محمد ملص التي تميل إلى التمجيد، حيث يصف فيلميه «أحلام المدينة» و«الليل» كاستعادة مثالية لروح الأمة، متجاهلاً إلى حد كبير الجوانب النقدية أو المتناقضة داخل الأفلام نفسها. ففيلم «الليل» - الذي يصفه بأنه "مرثية شاعرية للأرض والأهل والوطن" - قد يكون قابلاً لقراءات أكثر تشاؤماً تركز على الهزيمة والفقدان لا على البعث. الحجة الثانية القابلة للنقاش هي ربط النهضة السينمائية السورية حصراً بالفترة القومية العربية (الستينيات)، مما قد يستبعد تأثيرات وتيارات فنية أخرى متعددة ظهرت لاحقاً، أو حتى يحجب التناقضات الداخلية لتلك الفترة نفسها. هل يمكن القول إن سينما القطاع العام في سوريا كانت حقاً إبداعية أم أنها كانت مجرد ذراع دعائي أيديولوجي؟ الكتاب يقدم قراءة متعاطفة مع المخرجين الجادين، لكنه لا يخوض في نقاش كافٍ حول الخلفية الأيديولوجية لمنتجي هذه الأفلام أنفسهم.

رأيي الشخصي، في النهاية، أن الكتاب يؤسس لسردية واضحة ومؤثرة عن سينما كانت يمكن أن تكون شيئاً عظيماً، لكنها سحقتها السياسات الخاطئة وسوء الإدارة. التركيز على نموذج محمد ملص كبطل منفرد يثير إعجاباً وحزناً معاً: إعجاباً بقدرته على صنع أفلام عميقة في ظل ظروف قاسية، وحزناً لأن هذه القدرة لم تتحول إلى تيار جارف. أقوى ما في الكتاب هو ربطه الوثيق بين الأزمة الفنية والأزمة السياسية والهيكلية، مما يخرجه من دائرة النقد السينمائي التقليدي إلى التحليل الثقافي والاجتماعي الأوسع. أضعف ما فيه، وفقاً للمادة المقدمة، هو قلة الاهتمام بالسينما السورية بعد جيل ملص، فالفصلان يبدوان وكأنهما يختزنان الزمن بين الستينيات والتسعينيات، دون أن يقدما فكرة واضحة عما حدث بعد ذلك. ورغم هذا، يبقى الكتاب مرجعاً ضرورياً لكل من يريد فهم لماذا لم تنجح السينما السورية في احتلال مكانها المستحق في الخريطة العربية، على الرغم من امتلاكها لأدوات النجاح.

الفصول(2)

1.محمد ملص.. من السيرة الذاتية إلى بعث روح الأمة33–49▼ ملخص

محمد ملص.. من السيرة الذاتية إلى بعث روح الأمة

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل تجربة المخرج السوري محمد ملص السينمائية، وتحديداً فيلميه الروائيين الطويلين «أحلام المدينة» (1987) و«الليل» (1992). يرى المؤلف أن ملص لا يقدم مجرد سيرة ذاتية، بل يسعى عبر أفلامه إلى بعث "روح الأمة" العربية، مستعيداً ذاكرة وطنية مفقودة ومستحضراً لحظات المد الثوري والقومي التي بلغت ذروتها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

يسير الفصل عبر خطوات متشابكة، يبدأها المؤلف بسرد تجربته الشخصية مع فيلم «أحلام المدينة» الذي شاهده لأول مرة على شريط فيديو في نادي الفيلم بجماعة الفن السابع في الإسكندرية حوالي عامي 1991-1992. يصف المؤلف الصمت الذي أعقب العرض والنقاش الثري الذي تلاه، معتبراً أن الفيلم وضع "بذور الأمل في جيل جيد وجديد خارج مصر". يروي كيف قام النادي بعرض الفيلم عدة مرات لاحقة، منها بانوراما على هامش مهرجان الإسكندرية السينمائي الرابع عشر في سبتمبر 1994، وعبر شاشة المستقبل الفضائية اللبنانية في أبريل 1993. ويذكر لقاءه الشخصي بملص في الإسكندرية لمناقشة مشروع لم يُنفذ بعد.

ينتقل المؤلف بعدها إلى وضع سينما ملص في سياقها الأوسع، فيشير إلى "الواقعية العربية" كتيار سينمائي ارتبط بالمد السياسي القومي، بدءاً من سينما القطاع العام في الفترة الناصرية. يرى أن السينما السورية شهدت هذا التيار، وأن أعمال ملص وآخرين تمثل مرتكزه الأساسي. يوضح أن سينما القطاع العام في سوريا ولدت في أجواء الوحدة السورية المصرية، مما دفع شباباً سورياً للدراسة في معاهد خارج البلاد، وعادوا ليقدموا "سينما مؤلف" ذات خطاب تأملي وجدلي، ويذكر هنا التعاون الثلاثي بين محمد ملص وسمير ذكرى وأسامة محمد، مؤكداً على قيمة الصداقة العميقة التي جمعتهم.

في تحليله لفيلم «أحلام المدينة»، يصفه المؤلف بأنه محاولة لتقديم "حلم مدينة سقط منذ زمن بعيد". يبدأ الفيلم من مدينة القنيطرة وينتقل إلى دمشق في الخمسينيات، عبر ذكريات طفولة المخرج ورؤية شاعرية لشخصيات الحي. يبرز الفصل كيف يلتقط الفيلم زخم الشعارات الثورية والإيمان بالوحدة العربية، من خلال إشارات واضحة إلى جمال عبد الناصر (على لسان شخصية "أبو النور": "لقد بعث صلاح الدين")، وخطاب التأميم، وأغاني أم كلثوم وصباح ومحمد قنديل. يرى المؤلف أن الفيلم يجمع بين الحميمية الخاصة وصورة زمنية عامة، ويصفه الناقد سعيد مراد بأنه "لم يشكل الواقعية العربية مدرسة بل شككت تياراً".

أما الفيلم الثاني، «الليل»، فيعتبره المؤلف تجربة أكثر نضجاً ورصانة. يصف مشاهدته الأولى له في مهرجان القاهرة السينمائي، حيث بكى تأثراً بالمشاهد العاطفية. الفيلم مقتبس من قصة "إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب" التي نشرها ملص قبل الفيلم بخمسة عشر عاماً، ويشاركه فيها أسامة محمد بشكل فعال. تدور أحداث الفيلم في القنيطرة، مسقط رأس ملص، والتي تظل هاجسه الأول. يصف الفصل القنيطرة بأنها "المعبر إلى فلسطين" التي احتضنت المجاهدين الأوائل عام 1948، وعادوا إليها منكسرين. الفيلم هو "مرثية شاعرية للأرض والأهل والوطن"، يحكي قصة محارب (علي العلّي) وزوجته (وصال)، منذ فترة ما قبل الحرب والصراع مع الفرنسيين، مروراً بالاستقلال وتعاقب الانقلابات العسكرية، وصولاً إلى نزوح الفلسطينيين إلى القنيطرة والانتظار المؤلم للعودة. يعتبر المؤلف أن «الليل» هو فيلم عن "ذاكرة الوطن المفقودة"، يستخدم الذاكرة كمفهوم ومحتوى ونقطة ارتكاز، مازجاً بين الحاضر والماضي.

أما بخصوص التحفظات، فيقر الفصل بصعوبة التمويل التي واجهها جيل ملص في سوريا، كما يشير إلى أن نسخة الفيديو التي عُرضت لأول مرة كانت منقولة من شاشة عرض في عمّان، مما قد يؤثر على جودة المشاهدة. كما أن النقاش حول "الواقعية العربية" يظل مفتوحاً، حيث لم تشكل مدرسة محددة بقدر ما كانت تياراً مرتبطاً بالظروف السياسية.

من حيث الحجج القابلة للنقاش، يمكن القول إن قراءة المؤلف لتجربة ملص تميل إلى التمجيد، حيث يصور الفيلمين كاستعادة مثالية لروح الأمة، وقد يرى البعض أن هذه الرؤية تغفل الجوانب النقدية أو المتناقضة داخل أفلام ملص نفسها. كما أن ربط النهضة السينمائية السورية حصراً بالفترة القومية العربية قد يستبعد تأثيرات وتيارات فنية أخرى متعددة.

4.أزمة السينما العربية ١٥ سوريا112–130▼ ملخص

يُركّز فصل «أزمة السينما العربية 15 سوريا» من كتاب "اتجاهات السينما السورية" للمؤلف إبراهيم الدسوقي على تحليل الجذور التاريخية والهيكلية للأزمة المستمرة التي تعاني منها السينما السورية، منذ بداياتها وحتى وقت كتابة النص. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الأزمة ليست مجرد أزمة إنتاج أو تمويل عابرة، بل هي نتاج تراكمي لسوء الإدارة، وصراعات بين القطاعين العام والخاص، وغياب رؤية ثقافية واضحة، بالإضافة إلى عوامل سياسية واقتصادية أدت إلى انكماش الصناعة السينمائية وضعف تأثيرها.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتأريخ النشأة الأولى للسينما في سوريا، حيث يشير إلى أن أول عرض سينمائي تم في مدينة حلب عام 1908 عبر مجموعة من الأتراك، تبعه عرض في دمشق عام 1917 قدمه حبيب شماس. ثم ينتقل إلى المرحلة التالية التي شهدت إنتاج أول فيلم سوري روائي طويل وهو "المتهم البريء" عام 1928، والذي أنتجه القطاع الخاص. يصف المؤلف هذه الفترة بأنها كانت إنتاجاً بسيطاً يهدف إلى محاكاة السينما المصرية التجارية، وكان المنتجون يدخلون الميدان أملاً في تحقيق أرباح سريعة، مما جعلهم يفتقرون إلى المعرفة الإنتاجية والتسويقية اللازمة، وإلى المعدات التقنية المناسبة.

يأخذ الفصل منعطفاً حاسماً مع صدور المرسوم التشريعي رقم 108 بتاريخ 15/11/1963، والذي قضى بتأسيس المؤسسة العامة للسينما، وهو كيان حكومي يتمتع باستقلال مالي وإداري. يوضح المؤلف أن هذا المرسوم لم يحل المشكلة بل عمقها، إذ أشعل سباقاً محموماً بين القطاعين العام والخاص. فمن جهة، حاول القطاع العام إنتاج أفلام جادة لكنه كان بطيئاً في تكوين كوادره. ومن جهة أخرى، اندفع القطاع الخاص في "مقامرة" غير محسوبة، أنتج خلالها أفلاماً تجارية رديئة استعانت بممثلين وفنيين مصريين مثل فريد شوقي وشادية ونور الشريف، وتميزت بالسرعة والركاكة الفنية، حيث كانت تُنجز في فترة تتراوح بين 15 و21 يوماً، مما أفقدها أي أمانة في نقل الواقع الاجتماعي.

يوضح النص أن هذه المرحلة شهدت ظاهرة "إعادة تدوير" لأفلام مصرية قديمة مع تغيير الأسماء لتناسب الأجواء السورية، أو اقتباس أعمال أجنبية دون دراية ثقافية. وبعد أن حصر المرسوم التالي (رقم 1911 عام 1977) عملية استيراد وتوزيع الأفلام في المؤسسة العامة، توقف الإنتاج الخاص فجأة وبشكل كامل، واختفى المنتجون بعد أن كان هدفهم الربح المادي فقط، تاركين الفراغ للقطاع العام. أما إنتاجات القطاع العام فتركزت على أفلام وثائقية قصيرة ذات طابع دعائي، تطلبها السفارات للتعريف بسوريا، إلى جانب عدد قليل جداً من الأفلام الروائية الطويلة مثل "سائق الشاحنة" للمخرج اليوغسلافي بوشكو فولشينتش، وأعمال لمخرجين عرب مثل فيس الزبيدي وتوفيق صالح وبرهان علوية، والتي لم تعرض جماهيرياً في حينها رغم حصولها على تقدير لاحق.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن أزمة دور العرض، مستشهداً بإحصائيات تبين زيادة عددها من 70 داراً في بداية الخمسينيات إلى 151 داراً في عام 1961، ثم انخفاضها ليصل العدد إلى 195 داراً في عام 1976، وصولاً إلى تراجع حاد إلى 107 دور عرض في عام 1980. يعزو المؤلف هذا التدهور إلى عدة أسباب: الخوف السياسي لدى القطاع الخاص بعد تأميم السينما، التوسع في البث التلفزيوني، إهمال البنية التحتية للدور، ضعف التقنيات، وانحسار أعداد المترددين. ويقارن هذه الحال بما حدث في مصر أيضاً بعد التأميم، حيث سيطرت الدولة على دور العرض وأهملتها.

يختتم الفصل بمحاولة تقديم تصور للخروج من الأزمة، معترفاً بوجود تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة. يقترح المؤلف عدة حلول، منها: خلق نظام توزيع جديد من قبل الدولة، تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات العربية عبر قوانين تنظيمية وامتيازات وتسهيلات لبناء دور عرض جديدة، حماية الصناعة السينمائية الوطنية مع السماح باستيراد الأفلام الجادة. يوصي أيضاً بإدراج السينما ضمن خطط التنمية الثقافية لوزارة الثقافة، وإعادة النظر في إيفاد البعثات لتعليم السينما للشباب، وتعزيز عرى الترابط بين المهرجانات العربية (في القاهرة ودمشق وتونس) وطرح ورقة عمل لإنشاء اتحاد إقليمي للسينما خلال العشرية القادمة. يقر المؤلف بأن فكرة تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات العربية هي من أهم ضروريات الخروج من الأزمة، لكنه يترك أسئلة مفتوحة حول قدرة هذه الإجراءات على التغلب على التحديات العقائدية والاقتصادية التي ذكرها سابقاً.