
UNESCO Cultural Heritage and Conflict in Yemen, Syria and Iraq
يطرح كتاب جوان دينغوول ماكافرتي قضية مركزية معاصرة: تحول التراث الثقافي من ضحية جانبية في النزاعات المسلحة إلى هدف استراتيجي، ودور منظمة اليونسكو في مواجهة هذا التحدي في ثلاثة بلدان عربية هي اليمن وسوريا والعراق. تدافع الكاتبة عن موقف واضح مفاده أن اليونسكو، رغم امتلاكها ولاية قانونية وأخلاقية واسعة لحماية التراث، تعاني من شلل تشغيلي وهيكلي عميق يجعلها غير قادرة على الوفاء بتعهداتها بفعالية. هذا الشلل ليس ناتجاً عن نقص الإرادة فحسب، بل هو نتاج مزيج معقد من البيروقراطية الداخلية المثقلة، والهيمنة السياسية للدول الأعضاء التي تصعّد التوترات الجيوسياسية بدلاً من حلها، والنقص المزمن في التمويل. تفتح الكاتبة الكتاب بمشهد الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022 لتؤكد أن مشكلة تدمير التراث ليست جديدة أو مقتصرة على الشرق الأوسط، مشيرة إلى أنه في غضون أسبوعين من الغزو سُجلت 1424 إصابة مدنية، ولم تتخذ إجراءات وقائية لحماية التراث الأوكراني رغم الحشد العسكري الروسي، مما يمثل انتهاكاً لروح اتفاقية لاهاي لعام 1954.
تسير حجة الكتاب وفق منطق متصاعد يبدأ من تعريف المشكلة ثم ينتقل لتحليل قدرات الجهة المفترض أن تحلها. يبدأ الفصل الأول بتأصيل نظري يربط تدمير التراث بحقوق الإنسان ومفهوم الإبادة الجماعية، مستعرضاً كيف اعتبر رفائيل ليمكين، الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية"، التدمير الثقافي أحد "تقنيات الإبادة" الثمانية. تشير الكاتبة إلى أن إيرينا بوكوفا، المديرة العامة السابقة لليونسكو، استخدمت مصطلح "التطهير الثقافي" لوصف تدمير داعش للتراث في العراق وسوريا، مؤكدة أن الهجمات على التراث هي استراتيجية متعمدة لطمس الهوية وإذلال المجتمعات. يستعرض الفصل طريقتين رئيسيتين لتدمير التراث: الاستهداف المتعمد والأضرار الجانبية، ويناقش الإشكالية القانونية الحساسة لشرط "الضرورة العسكرية" في اتفاقية لاهاي، مقدمًا مثالاً صارخاً هو بناء قاعدة عسكرية في موقع بابل الأثري بالعراق، والذي وصفته باتي جرستنبلث بأنه "أكثر انتهاك صارخ لمبادئ اتفاقية لاهاي".
يتعمق الفصل الثاني في تحليل المركز القانوني لليونسكو وقدرتها الفعلية على الحماية، ويكشف أن دستور المنظمة لعام 1945، رغم منحه مهمة شاملة، لا يذكر صراحة حماية التراث أثناء النزاعات المسلحة، بينما اتفاقية لاهاي لعام 1954 تذكر اسم اليونسكو 37 مرة في الاتفاقية الأصلية و15 مرة في البروتوكول الثاني. لكن المسؤولية المطلقة عن حماية التراث تقع على عاتق الدولة الطرف نفسها، وليس على اليونسكو، التي لا تستطيع إجبار أي دولة على حماية تراثها. يكشف الفصل عن إشكالية كبرى: الدول الثلاث موضوع الدراسة لم تصدق على البروتوكول الثاني، مما يحد بشدة من قدرة اليونسكو على العمل فيها. الأكثر إثارة للصدمة هو تحليل قدرات اليونسكو المالية والبشرية؛ فميزانيتها الأساسية السنوية تبلغ حوالي 250 مليون دولار فقط، وقد تضررت بشدة بعد انسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2011 احتجاجاً على قبول فلسطين كدولة عضو، مما تسبب في خسارة حوالي 22% من الميزانية وما يقدر بـ 240 مليون دولار. في قطاع الثقافة نفسه، يعمل فقط 192 موظفاً (حوالي 8.7% من إجمالي موظفي اليونسكو)، وكانت الميزانية السنوية لبرنامج اتفاقية لاهاي 150,000 دولار فقط.
ينتقل الكتاب بعد ذلك لتحليل الضحية المباشرة: مؤسسات التراث الحكومية في الدول الثلاث. يكشف الفصل الثالث معاناة مشتركة لهذه المؤسسات من نقص حاد ومزمن في التمويل والدعم السياسي والموارد البشرية. في اليمن، تجمدت رواتب الموظفين منذ يناير 2018 بسبب الانقسام السياسي الحاد بين حكومتين، وأصبح نبيل منصور، نائب رئيس الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية السابق، يعمل مستشاراً لليونسكو منذ 2018 بعد وضعه في إجازة بدون راتب. في سوريا، يروي الدكتور مأمون عبد الكريم، المدير العام السابق للمديرية العامة للآثار والمتاحف، كيف أوقفت المخابرات السورية خطط الطوارئ التي أعدها مع عمرو العظم في 2003 بحجة أنها "تقوّض ثقة الجمهور". في العراق، أدى نظام المحاصصة الطائفية منذ 2003 إلى تخصيص أقل الميزانيات للهيئة العامة للآثار والتراث، مما جعل موظفيها يبحثون عن وظائف إضافية. تقدم الكاتبة أرقاماً مذهلة: في الموصل، يوضح عبد الرحمن عماد من دائرة آثار نينوى أن حوالي 75% من مباني المدينة القديمة دُمّرت، وأن تدخلات اليونسكو التي تركز على ترميم ثلاثة أو أربعة مبانٍ في المرة الواحدة غير كافية تماماً لمواجهة أكثر من 10,000 مبنى يحتاج إلى ترميم.
يكشف الفصلان الرابع والخامس عن فجوة صارخة بين الخطاب والتنفيذ. ففي اليمن، رغم أن اليونسكو أصدرت 10 بيانات صحفية أثناء النزاع مقارنة بـ 1 في فترة السلم، إلا أن 60% من هذه البيانات كانت سلبية (إدانة وإعراب عن القلق دون تسمية المعتدي). في سوريا، قفزت البيانات من 1 إلى 51، لكن الذروة كانت في 2015 ثم تراجعت بشكل حاد حتى وصلت إلى الصفر في 2019. تصف الكاتبة هذا النمط بأنه "إدارة الجمود"، حيث تكتفي المنظمة بإصدار الإدانات دون معالجة الأسباب الجذرية للدمار. في اليمن، أطلقت اليونسكو خطة عمل طارئة في 13 مايو 2015 ركزت على التقييم والتدريب عن بُعد في جيبوتي وعمان، لكن الخطة لم تُنفذ فعلياً بسبب نقص التمويل. في سوريا، أطلقت المنظمة مشروع "الإنقاذ الطارئ للتراث الثقافي السوري" بتمويل من الاتحاد الأوروبي قدره 2.46 مليون يورو، ودربت حوالي 100 من مسؤولي الجمارك والشرطة، لكن الإجراء الملموس الوحيد كان توفير حوالي 7 أطنان من مواد التخزين الآمن للمجموعات المتحفية في مارس 2016، أي بعد خمس سنوات من بدء النزاع.
يقدم الفصل السادس حالة استثنائية في اليمن، حيث بدأت اليونسكو في إعادة الإعمار المادي أثناء استمرار النزاع، من خلال مبادرة "النقد مقابل العمل" الممولة من الاتحاد الأوروبي بمبلغ 12 مليون دولار أمريكي. تستهدف المبادرة أربع مدن هي صنعاء وزبيد وشبام وعدن، بهدف توفير 500 ألف يوم عمل، وتوظيف 4000 شاب وشابة (بينهم 500 امرأة)، وتقييم 8000 مبنى وموقع تراثي. بحلول يناير 2021، نجح المشروع في توظيف 1000 شاب وعاملة (10% إناث) لأكثر من 18 ألف يوم عمل، وثبّت 100 مبنى تاريخياً. لكن الكاتبة لا تخفي التحديات: التأخير البيروقراطي، صعوبة تحويل الأموال، وانتقادات لعدم إشراك المجتمع المحلي والخبراء بشكل كافٍ في المراحل الأولى من التخطيط. في المقابل، لم تنخرط اليونسكو في أي مبادرة إعادة إعمار شاملة في سوريا بسبب استمرار النزاع وتوتر العلاقات السياسية.
الكتاب لا يدّعي تقديم إجابات نهائية، بل يقرّ بحدوده وتحفظاته بوضوح. يعترف الفصل الثالث بصعوبة التحقق من تقارير الضرر على الأرض بسبب انعدام الأمن، خاصة في اليمن، حيث تقر اليونسكو نفسها بأنها لا تملك "معلومات مؤكدة بشكل مستقل" عن خسائر التراث. كما يلفت إلى "تنافر" واضح بين الشهادات، مثل شهادة كريستينا إياماندي التي تنفي الاستهداف المباشر للتراث في اليمن، والأدلة التي يجمعها آخرون. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت الضربات الجوية السعودية تشكل "تدميراً ممنهجاً" للتراث، كما تقول لمياء خالدي، أم مجرد أضرار جانبية مبررة بموجب "الضرورة العسكرية". في سوريا، يقر الفصل بأنه لم يتمكن من مقابلة المدير الحالي للمديرية العامة للآثار والمتاحف، مما يترك فجوة في فهم الوضع الراهن.
يحمل الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح تدفع القارئ للتساؤل. أولها التناقض بين تدمير التراث في اليمن من قبل التحالف بقيادة السعودية، والذي توثق تقارير مؤسسة مواطنة لحقوق الإنسان أن 27 هجمة من أصل 128 في عام 2018 كانت "غير قانونية على ما يبدو"، وغياب أي إدانة رسمية من اليونسكو، مما يثير تساؤلات حول حياد المنظمة وخضوعها للضغوط السياسية للدول الكبرى المانحة. ثانيها أن الفصل يسلط الضوء على مفارقة مأساوية: بينما تفرض اتفاقية لاهاي على الدول التزاماً بالتخطيط لسلامة التراث في زمن السلم (المادة 3)، فإن النظام في سوريا منع ذلك التخطيط واعتبره خيانة، مما جعل التراث أعزل تماماً عند اندلاع النزاع، وهذا يدفع القارئ إلى التساؤل عن جدوى الاتفاقية نفسها في مواجهة الأنظمة السياسية التي ترفض تطبيقها عمداً. ثالثها أن الدعوة في الختام لاعتبار التراث قضية إنسانية، رغم منطقيتها، تفتح باباً للنقاش حول ما إذا كان ذلك سيجعل اليونسكو أكثر عرضة للتسييس أم سيوفر لها غطاءً أخلاقياً لحماية التراث بغض النظر عن المتسببين في تدميره، وهو سؤال يظل مفتوحاً في ختام هذا الكتاب المهم والمؤلم.
الفصول(7)
1.1 حيث يلتقي الصراع والثقافة19–34▼ ملخص
يطرح هذا الفصل إشكالية رئيسية تتمثل في العلاقة المعقدة بين النزاعات المسلحة والتراث الثقافي في العقد الأخير، وكيف تحول التراث الثقافي من ضحية جانبية للحروب إلى هدف استراتيجي ومركزي في كثير من الصراعات المعاصرة. يسعى الفصل إلى تأسيس فهم لسياق هذه القضية، قبل أن يتعمق الكتاب في دراسة دور اليونسكو في حماية التراث في كل من اليمن وسوريا والعراق. يرى المؤلف أن الصراع أصبح قضية التراث المحددة لعصرنا الحالي، وأن هناك فجوة واضحة في الأدبيات الحالية حول كيفية تأثير الصراع والحوكمة العالمية على قدرة اليونسكو على التعامل مع دولة معينة، وكيف يختلف هذا التأثير باختلاف أشكال النزاع والمواقف الجيوسياسية.
يبدأ الفصل بمشهد معاصر ومأساوي هو الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، ليؤكد أن مشكلة تدمير التراث ليست جديدة أو مقتصرة على الشرق الأوسط. ففي غضون أسبوعين من الغزو، سُجلت 1424 إصابة مدنية، وأصدرت اليونسكو بيانها المعتاد داعية لاحترام اتفاقية لاهاي لعام 1954. لكن الكاتبة تشير إلى مفارقة مؤلمة: لم تُتخذ إجراءات وقائية لحماية التراث الأوكراني قبل الغزو رغم الحشد العسكري الروسي المستمر منذ ديسمبر 2021، مما يمثل انتهاكاً لروح الاتفاقية. هذا السرد، كما تقول الكاتبة، ليس جديداً، فهو يعيد نفسه في اليمن وسوريا والعراق حيث دُمر الكثير من التراث عن قصد أو كأضرار جانبية أو بسبب الإهمال القسري في ظل عدم الاستقرار السياسي.
لتضييق نطاق بحثها، تقدم الكاتبة تعريفاً دقيقاً للتراث الثقافي كما ستستخدمه في الكتاب. تستند إلى تعريفين رئيسيين: اتفاقية 1972 لحماية التراث العالمي واتفاقية لاهاي لعام 1954. تستبعد الكاتبة عمداً التراث غير المادي والطبيعي وتحت المائي من نطاق دراستها، لتركز فقط على التراث المادي المنقول وغير المنقول، مع تركيز خاص على المواقع الأثرية الكبيرة والمدرجة على قائمة التراث العالمي أو القائمة التمهيدية. هذا التحديد ضروري لفهم為何 تركيز اليونسكو في حالات اليمن وسوريا والعراق انصب على التراث الثابت بشكل أساسي.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتبرير أهمية حماية التراث، رابطاً إياها بحقوق الإنسان ومفهوم الإبادة الجماعية. يستعرض كيف أن رفائيل ليمكين، الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية"، اعتبر التدمير الثقافي أحد "تقنيات الإبادة" الثمانية. على الرغم من أن "الإبادة الثقافية" لم تُعترف بها بعد كجريمة دولية مستقلة في القانون، إلا أن المصطلح مشابه لمصطلح "التطهير الثقافي" الذي استخدمته إيرينا بوكوفا، المديرة العامة السابقة لليونسكو، لوصف تدمير داعش للتراث في العراق وسوريا. تؤكد الكاتبة أن الهجمات على التراث ليست مجرد أضرار جانبية، بل هي استراتيجية متعمدة لطمس الهوية وإذلال المجتمعات، مما يجعله جريمة لها ضحايا.
يحلل الفصل بعد ذلك طريقتين رئيسيتين لتدمير التراث في النزاعات: الاستهداف المتعمد والأضرار الجانبية. في حالة الاستهداف المتعمد، يستعرض الكاتبة الأسباب التي جعلت تنظيم داعش يستهدف التراث، نقلاً عن دراسة لكونليف وكوريني، والتي تشمل: إذلال المجتمعات المستهدفة، وتحدي قيم التراث العالمي، والتجنيد عبر نشر الأيديولوجيا، وبناء سردية أصولية، وتمويل العمليات عبر الاتجار غير المشروع بالآثار. هنا يصبح التراث أداة تكتيكية في صراعات الهوية. أما الأضرار الجانبية، فترتبط بمبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني، حيث يجب ألا يتجاوز الضرر الواقع على المدنيين والأعيان المدنية (بما فيها التراث) الميزة العسكرية المتوقعة.
تثير الكاتبة إشكالية قانونية حساسة تتعلق بشرط "الضرورة العسكرية" في اتفاقية لاهاي لعام 1954. فبينما تهدف الاتفاقية إلى حظر استهداف التراث، إلا أن شرط التنازل في حالات "الضرورة العسكرية القصوى" يخلق ثغرة. يشير الفصل إلى أن هذا الشرط تطور ليصبح "تبريراً" أكثر منه "تحديداً"، على الرغم من المحاولات لتضييق نطاقه في البروتوكول الثاني لعام 1999. وتقدم مثالاً صارخاً هو بناء قاعدة عسكرية في موقع بابل الأثري بالعراق، والذي وصفته باتي جرستنبلث بأنه "أكثر انتهاك صارخ لمبادئ اتفاقية لاهاي". يوضح هذا كيف أن احتلال الجماعات المسلحة أو حتى الدول للمواقع التراثية يحولها إلى أهداف عسكرية مشروعة، مما يلقي بظلاله على التمييز بين المدنيين والعسكريين في الصراعات غير الدولية.
2.2 التزام اليونسكو القانوني وقدرتها على حماية التراث الثقافي أثناء النزاع المسلح35–85▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل المركز القانوني لمنظمة اليونسكو وقدرتها الفعلية على حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة، مع التركيز على الحروب في اليمن، سوريا، والعراق. يسعى الفصل إلى الإجابة عن سؤال أساسي: ما هو النطاق الفعلي لولاية اليونسكو في هذا المجال، وكيف تؤثر القيود القانونية والموارد المحدودة على قدرتها على التدخل؟ يخلص الفصل إلى أن اليونسكو، رغم امتلاكها إطاراً قانونياً يمنحها دوراً محورياً، تظل مقيدة بسيادة الدول وأولوياتها، وتعاني من نقص حاد في التمويل والموارد البشرية، مما يجعل دورها أقرب إلى التنسيق وتقديم المساعدة الفنية بدلاً من التنفيذ المباشر أو الإلزام.
يبدأ الفصل بتحليل دستور اليونسكو لعام 1945، الذي أُنشئت المنظمة بموجبه بعد الحرب العالمية الثانية. يوضح الكاتب أن الدستور يمنح اليونسكو مهمة شاملة وواسعة تتمثل في تعزيز السلام والتعاون الدولي من خلال التعليم والثقافة والعلوم. على الرغم من أن الدستور لا يذكر صراحةً حماية التراث أثناء النزاعات المسلحة، إلا أنه يُلزم المنظمة بـ"ضمان حفظ وحماية تراث العالم من الكتب والأعمال الفنية والآثار التاريخية والعلمية، والتوصية للدول المعنية بالاتفاقيات الدولية اللازمة". ويشير الفصل إلى أن هذه الصياغة، خاصة استخدام كلمة "ضمان"، تضع عبئاً ثقيلاً على اليونسكو، وهو عبء أثبتت النزاعات الأخيرة استحالة الوفاء به بالكامل. كما يُظهر تحليل وثيقة السياسة المبكرة "اليونسكو: الغرض والفلسفة" (1946) التي كتبها أول مدير عام للمنظمة جوليان هكسلي، أن الحفاظ على "الفن" كان يُنظر إليه كأولوية، حيث اعتبر أن الفن وسيلة أساسية لتعبئة المجتمع. ويخلص الفصل إلى أن الدستور خلق الأساس الذي جعل اليونسكو لاعباً رئيسياً في مجال حماية التراث، لكنه جعل نجاحها مرهوناً بتعاون الدول الأعضاء.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى صميم الموضوع وهو اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح وبروتوكوليها (1954 و1999). يُظهر الفصل أن هذه الاتفاقية هي أول صك قانوني يُشرك اليونسكو بشكل مباشر في حماية التراث أثناء الحرب، حيث يُذكر اسمها 37 مرة في الاتفاقية الأصلية و15 مرة في البروتوكول الثاني. دور اليونسكو هنا متنوع، يشمل كونه الوديع الرسمي للاتفاقية، وجمع التقارير من الدول الأطراف، وتقديم المساعدة الفنية "في حدود ما يسمح به برنامجها ومواردها"، واستضافة اجتماعات الدول الأطراف. ومع ذلك، يُبرز الفصل قيداً جوهرياً: المسؤولية المطلقة عن حماية التراث تقع على عاتق الدولة الطرف نفسها، وليس على اليونسكو. لا تستطيع اليونسكو إجبار أي دولة على حماية تراثها، بل يمكنها فقط تقديم المساعدة إذا طُلب منها ذلك. هذا المبدأ يجعل فعالية الاتفاقية مرهونة بالإرادة السياسية للدول وقدراتها.
يُقدم الفصل تفصيلاً لأدوات مهمة في البروتوكول الثاني لعام 1999، مثل "الحماية المعززة" التي تمنح حصانة إضافية لممتلكات ثقافية معينة، وصندوق حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، ولجنة حماية الممتلكات الثقافية. لكنه يكشف عن إشكالية كبرى: الدول الثلاث موضوع الدراسة (اليمن، سوريا، العراق) لم تصدق على البروتوكول الثاني. هذا يعني أنها لا تستحق بشكل صارم الحصول على المساعدة المتقدمة (مثل الحماية المعززة أو التمويل من الصندوق) مما يحد بشدة من قدرة اليونسكو على العمل فيها. ويستخدم الفصل مقابلات مع خبراء لتوضيح هذه المعضلة؛ فبينما يرى البعض أن اليونسكو ليست منظمة مصممة للتعامل مع النزاعات المسلحة، يرى آخرون مثل جيوفاني بوكاردي (الرئيس السابق لوحدة التأهب والاستجابة للطوارئ) أن دور اليونسكو يصبح أكثر أهمية عندما يكون السلام مهدداً. هذا الانقسام في الرأي بين الخبراء يؤكد غموض دور المنظمة.
بعد ذلك، يناقش الفصل اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 لفهم الالتزامات الإضافية التي تتحملها اليونسكو ولجنة التراث العالمي. تُلقي هذه الاتفاقية العبء الأكبر في إدارة وصون مواقع التراث العالمي على عاتق الدولة الطرف، وهو أمر بالغ الصعوبة أثناء النزاع بسبب فقدان السيطرة على الأراضي أو نقص الموارد. كما تشير إلى إشكالية تسييس اللجنة، حيث أصبحت الاعتبارات السياسية والمصالح الوطنية تؤثر على قرارات إدراج المواقع وتقديم المساعدة المالية من صندوق التراث العالمي، بدلاً من المعايير الفنية فقط. ويوضح الفصل أنه على الرغم من أن المادة 6(3) من الاتفاقية تمنع الدول الأطراف من اتخاذ إجراءات متعمدة قد تضر بتراث دول أخرى، إلا أن منع الضرر الناتج عن النزاع يظل صعباً للغاية.
يُخصص الفصل قسماً مهماً لـ استراتيجية اليونسكو لعام 2015 التي تحمل عنوان "تعزيز عمل اليونسكو من أجل حماية الثقافة وتعزيز التعددية الثقافية في حالة النزاع المسلح". يصفها الكاتب بأنها نقطة تحول، حيث تم تطويرها استجابةً للدمار الواسع في سوريا والعراق واليمن. تحدد الاستراتيجية هدفين رئيسيين: تعزيز قدرة الدول الأعضاء على منع وتخفيف فقدان التراث، وإدماج حماية الثقافة في العمل الإنساني وعمليات بناء السلام. وتتضمن مجالات عمل استباقية (مثل بناء القدرات) وأخرى للاستجابة الفورية (مثل جمع البيانات الموثقة) ومرحلة التعافي. ومع ذلك، يكشف الفصل عن فجوة صارخة بين الطموحات والواقع؛ فالاستراتيجية نفسها اعترفت بأن الموارد البشرية والمالية المخصصة لحماية التراث المتأثر بالنزاع لا تزال "غير كافية". ويُظهر الفشل في تمويل خطة العمل التنفيذية للاستراتيجية هذا الضعف بوضوح.
أخيراً، يقدم الفصل تحليلاً نقدياً لـ قدرات اليونسكو المالية والبشرية في مجال حماية التراث أثناء النزاع. يشير إلى أن ميزانية اليونسكو الأساسية السنوية تبلغ حوالي 250 مليون دولار فقط، وقد تضررت بشدة بعد انسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2011 احتجاجاً على قبول فلسطين كدولة عضو، مما تسبب في خسارة حوالي 22% من الميزانية وما يقدر بـ 240 مليون دولار. هذا النقص أدى إلى خفض مئات الوظائف وتقليص البرامج. في قطاع الثقافة نفسه، يعمل فقط 192 موظفاً (حوالي 8.7% من إجمالي موظفي اليونسكو)، ويتم توزيع جزء ضئيل منهم على وحدات حماية التراث أثناء النزاع. على سبيل المثال، كانت الميزانية السنوية لبرنامج اتفاقية لاهاي لعام 1954 150,000 دولار فقط، مما يدفع المنظمة للاعتماد بشكل شبه كامل على التمويل الطوعي خارج الميزانية (مثل صندوق التراث في حالات الطوارئ).
في ختام الفصل، تظهر حجتان رئيسيتان قابلتان للنقاش بوضوح. الأولى هي أن الإطار القانوني لليونسكو (خاصة اتفاقية لاهاي) يخلق التزاماً قوياً نظرياً، لكنه يظل أسيراً لمبدأ السيادة الوطنية وغياب آليات الإنفاذ الفعالة. الثانية هي أن فجوة الموارد (المالية والبشرية) الهائلة تجعل من المستحيل على اليونسكو الوفاء بتوقعات المجتمع الدولي منها، مما يجعل دورها رمزياً أو تنسيقياً في أحسن الأحوال. يُضاف إلى ذلك أن انسحاب الدول الكبرى المانحة مثل الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب مالي بل أيضاً بتهم "التسييس" و"سوء الإدارة"، مما يطرح تساؤلاً حول مستقبل المنظمة كفاعل مستقل ومؤثر في هذا المجال الحيوي.
3.3 مؤسسات التراث الحكومية في اليمن وسوريا والعراق86–162▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تقييم قدرات مؤسسات التراث الحكومية في كل من اليمن وسوريا والعراق، وهي الجهات المدنية المختصة المنوطة بها مسؤولية حماية الممتلكات الثقافية وفقًا لاتفاقية لاهاي لعام 1954. الإجابة المحورية التي يقدّمها المؤلف هي أن هذه المؤسسات، وهي الهيئة العامة للآثار والمخطوطات (GOAM) والهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية (GOPHCY) في اليمن، والمديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) في سوريا، والهيئة العامة للآثار والتراث (SBAH) في العراق، تعاني جميعها من نقص حاد ومزمن في التمويل والدعم السياسي والموارد البشرية، مما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية، سواء في زمن السلم أو أثناء النزاع.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر دراسة حالة كل دولة على حدة، مستخدمًا مقابلات مع مسؤولين حاليين وسابقين، وتقارير رسمية مرفوعة لليونسكو. بالنسبة لليمن، يُظهر الفصل أن المؤسسات تعاني من انقسام سياسي حاد، حيث أصبحت هناك حكومتان، مما أدى إلى تجميد رواتب الموظفين منذ يناير 2018 واعتمادها على مشاريع دولية محدودة مثل مشروع اليونسكو الممول من الاتحاد الأوروبي. يذكر الفصل أن نabil مونسّر، نائب رئيس GOPHCY السابق، يعمل مستشارًا لليونسكو منذ 2018 بعد أن تم وضعه في إجازة بدون راتب، مما يعكس عدم قدرة الحكومة على دعم مؤسساتها. في سوريا، يُظهر الفصل أن المشكلة الأساسية كانت سياسية؛ إذ يروي الدكتور مأمون عبد الكريم، المدير العام السابق لـ DGAM، كيف أن المؤسسة عُزلت دوليًا في بداية النزاع بسبب ارتباطها بالنظام، وكيف أن خطط الطوارئ التي وضعها مع عمرو العظم في 2003 أُوقفت من قبل المخابرات السورية بحجة أنها "تقوّض ثقة الجمهور". أما في العراق، فيشير الفصل إلى أن SBAH تعاني منذ 2003 من نظام المحاصصة الطائفية الذي أدى إلى تخصيص أقل الميزانيات لها، مما جعل موظفيها يبحثون عن وظائف إضافية لزيادة دخلهم. يستشهد المؤلف ببحث كاتم الذي يؤكد أن المؤسسة أصبحت "زائدة عن الحاجة" بسبب إهمال المواقع الأثرية الكبرى مثل بابل ونينوى.
يستخدم الفصل أدلة إحصائية وأمثلة لتعزيز حجته حول عدم الكفاءة. على سبيل المثال، في اليمن، تؤكد إيما كونليف أن البلاد تفتقر إلى قاعدة بيانات رقمية كاملة للمواقع الأثرية، وأن النظام الحالي "غير مكتمل وورقي". في سوريا، يكشف تقرير حالة حفظ المواقع المقدم لليونسكو في فبراير 2019 عن أن العمل في مدينة حلب القديمة يتم "بشكل متقطع كلما توفر الدعم المالي"، مما يجعل التخطيط طويل الأمد مستحيلاً. في العراق، يوضح عبد الرحمن عماد من دائرة آثار نينوى أن حوالي 75% من مباني الموصل القديمة دُمّرت، وأن تدخلات اليونسكو التي تركز على ترميم ثلاثة أو أربعة مبانٍ في المرة الواحدة غير كافية تمامًا لمواجهة أكثر من 10,000 مبنى يحتاج إلى ترميم. هذه الأمثلة تبرز الوظيفة الرئيسية للحجج في الفصل: إثبات أن الدعم الدولي ليس بديلاً مستدامًا عن التمويل الحكومي المنتظم، بل هو مجرد إسعافات أولية.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل طبيعة الأضرار التي لحقت بالتراث في كل نزاع، مع التمييز بين الاستهداف المباشر والأضرار الجانبية. في اليمن، يوثق الفصل جدولاً من 14 هجومًا متعمدًا على مواقع ثقافية خلال عامي 2015 و2016، نفذتها جماعات مثل أنصار الشريعة وداعش، باستخدام الجرافات والمتفجرات. ومع ذلك، يقرّ المؤلف بصعوبة التحقق من هذه التقارير، مشيرًا إلى حادثة جامع بني مطر في أغسطس 2016 التي أصدرت اليونسكو بيانًا بإدانتها، لكن تحليل صور الأقمار الصناعية لمشروع EAMENA كشف عن تناقضات في توقيت وطبيعة التدمير. في المقابل، يلاحظ الفصل أن جزءًا كبيرًا من الدمار في اليمن هو أضرار جانبية نتيجة الغارات الجوية للتحالف بقيادة السعودية، وأن المدير العام السابق لـ GOPHCY، نabil مونسّر، يقدر أن أكثر من 2000 مبنى تاريخي في صنعاء القديمة تضرر بدرجات متفاوتة بسبب القصف المباشر والانفجارات الكبيرة في المناطق المحيطة.
في حالة سوريا، يركّز الفصل على الدور المركزي للتراث في النزاع، معتبرًا أن تدمير داعش لمعبدي بعل شمين وبل وقوس النصر في تدمر في 2015 أظهر للمجتمع الدولي أن الثقافة عنصر أساسي في الحرب. يوضح الفصل أن التراث أصبح جزءًا من ساحة المعركة، وأن المتحف الوطني في دمشق أُغلق كأول إجراء من قبل المدير العام لـ DGAM. كما يشير إلى أن المواقع الدينية مثل مقام السيدة زينب التي لا تديرها DGAM بل وزارة الأوقاف، كانت عرضة للاستهداف المباشر من قبل داعش والجماعات الشيعية المسلحة، مما أدى إلى توسع النزاع.
في خضم هذا التقييم، يعترف المؤلف بحدود واضحة. أولاً، يعترف بصعوبة التحقق من تقارير الضرر على الأرض بسبب انعدام الأمن، خاصة في اليمن، حيث تقر اليونسكو نفسها بأنها لا تملك "معلومات مؤكدة بشكل مستقل" عن خسائر التراث. ثانيًا، يلفت الانتباه إلى أن هناك "تنافرًا" واضحًا بين الشهادات، مثل شهادة كريستينا إياماندي التي تنفي الاستهداف المباشر للتراث في اليمن، والأدلة التي يجمعها الآخرون مثل كونليف والسياني. ثالثًا، يُقرّ الفصل بأنه لم يتمكن من مقابلة المدير الحالي لـ DGAM في سوريا، مما يترك فجوة في فهم الوضع الراهن للمؤسسة. أخيرًا، يطرح سؤالاً مفتوحًا حول ما إذا كانت الضربات الجوية السعودية تشكل "تدميرًا ممنهجًا" للتراث، كما تقول لمياء خالدي، أم أنها مجرد أضرار جانبية مبررة بموجب "الضرورة العسكرية" الواردة في المادة 4(2) من اتفاقية لاهاي.
يحتوي الفصل على حجتين قابلتين للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه. الأولى هي التناقض بين ما يبدو أنه تدمير ممنهج للتراث من قبل التحالف بقيادة السعودية في اليمن، كما توثق تقارير مؤسسة مواطنة لحقوق الإنسان التي وجدت أن 27 هجمة من أصل 128 في عام 2018 كانت "غير قانونية على ما يبدو"، وغياب أي إدانة رسمية من اليونسكو لهذه الهجمات، مما يثير تساؤلات حول حياد المنظمة. الثانية هي أن الفصل يسلط الضوء على مفارقة: بينما تفرض اتفاقية لاهاي على الدول التزامًا بالتخطيط لسلامة التراث في زمن السلم (المادة 3)، فإن النظام في سوريا منع ذلك التخطيط واعتبره خيانة، مما جعل التراث أعزل تمامًا عند اندلاع النزاع. هذا يدفع القارئ إلى التساؤل عن جدوى الاتفاقية نفسها في مواجهة الأنظمة السياسية التي ترفض تطبيقها عمدًا.
4.4 تأثير النزاع على مشاركة اليونسكو مع اليمن وسوريا والعراق163–230▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحليل كيفية تأثير النزاعات المسلحة في اليمن وسوريا والعراق على طبيعة مشاركة اليونسكو مع هذه الدول، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: هل استطاعت المنظمة تجاوز الجمود المؤسساتي الذي تعاني منه لتقديم استجابة فعالة، أم بقيت أسيرة التبعية للدول الأعضاء والقيود السياسية والأمنية؟ يطرح الفصل إجابة واضحة مفادها أن اليونسكو، رغم زيادة وتيرة تفاعلها الرسمي خلال فترات النزاع، قد ظلت في معظم الأحيان منظمةً سلبيةً ومتفاعلةً مع الأحداث بدلاً من أن تكون فاعلاً مستقلاً وقادراً على التأثير، وهو ما يفسر نظرية "الجمود" التي طبقها الباحثون على حالة اليمن.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاث مراحل رئيسية. أولاً، يقوم بتحليل ملفات كل دولة على حدة في موقع مركز التراث العالمي، لقياس مستوى المشاركة من خلال ثلاث مؤشرات: الأنشطة المُسجّلة، البيانات الصحفية، والفعاليات المنظمة. في حالة اليمن، يُظهر التحليل ارتفاعاً حاداً في عدد البيانات الصحفية من 1 في فترة السلم إلى 10 أثناء النزاع الذي بدأ عام 2015، إلا أن 60% من هذه البيانات كانت سلبية (إدانة وإعراب عن القلق دون تسمية المعتدي، خصوصاً مع تورط التحالف الذي تقوده السعودية). الأنشطة الفعلية كانت محدودة واعتمدت بشكل كبير على الشركاء مثل صندوق التنمية الاجتماعي، مع غياب للمتابعة بعد إطلاق خطط الطوارئ. في سوريا، قفزت البيانات من 1 إلى 51، لكن الذروة كانت في 2015 (15 بياناً) ثم تراجعت بشكل حاد حتى وصلت إلى الصفر في 2019. 57% من البيانات كانت سلبية، ومعظم الأنشطة الميدانية كانت مستحيلة بسبب غياب السيطرة الأمنية، مما اضطر اليونسكو للعمل عن بُعد عبر الأقمار الصناعية. في العراق، ارتفعت البيانات من صفر إلى 30 أثناء النزاع، وتوزعت بالتساوي بين السلبية والإيجابية، لكن التركيز كان على اللجان الاستشارية والتوصيات التي لم تُنفّذ بشكل كامل، مثل خطة إدارة موقع بابل.
ثانياً، يقارن الفصل بين الدول الثلاث ويخلص إلى أن اليونسكو كانت أكثر تفاعلاً مع سوريا وبدرجة أقل مع اليمن، وهو ما يعكس ثقل القوى السياسية في المنظمة. يُظهر تحليل عام 2015 (عام الذروة) أن الغالبية العظمى من البيانات كانت ردود فعل سلبية: 50% في اليمن، 87% في سوريا، و63% في العراق. هذا يؤكد أن المنظمة مارست ما يصفه الباحثون بـ "إدارة الجمود"، أي تجنب المواجهة واكتفاء بإصدار الإدانات دون معالجة الأسباب الجذرية للدمار. يعترف الفصل بوجود قيود رئيسية: غياب التصنيف الإنساني لعمل اليونسكو (مما يمنعها من دخول المناطق عالية الخطورة)، والحاجة الماسة لموافقة الدول الأعضاء (خاصة المانحين الكبار كالسعودية وقطر والإمارات)، وصعوبة الوصول إلى المواقع الخاضعة لسيطرة جهات غير حكومية.
ثالثاً، ينتقل الفصل إلى تحليل العلاقة بين اليونسكو ونظيراتها الوطنية، وهي النقطة الأكثر تعقيداً. في اليمن، تعاني المؤسستان GOAM وGOPHCY من الضعف المالي والانقسام السياسي، مما دفع اليونسكو للتعامل مع طرف ثالث هو صندوق التنمية الاجتماعي، مما أثار حفيظة المؤسسات الحكومية التي شعرت بالتهميش. غياب مكتب وطني لليونسكو في اليمن كان قضية شائكة؛ الفصل يوضح أن المكتب الإقليمي في الدوحة واجه صعوبات لوجستية هائلة، ولم يتم إنشاء مكتب مشروع في صنعاء إلا في أكتوبر 2019، أي بعد عام من بدء المشروع الرئيسي. في سوريا، العلاقة مع المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) كانت أفضل نسبياً لكنها بقيت محدودة بسبب عدم الاستقرار. أما في العراق، فكان الاعتماد على هيئة الآثار والتراث (SBAH)، وهي هيئة تعاني من ضعف التمويل منذ غزو 2003، مما أبطأ تنفيذ خطط الإدارة والحفظ.
أخيراً، يفتح الفصل باباً للنقاش حول مدى مسؤولية اليونسكو عن هذا الجمود. فمن ناحية، تعمل المنظمة ضمن إطارها القانوني ولا يمكنها انتهاك سيادة الدول أو تجاوز القيود الأمنية. ومن ناحية أخرى، يرى بعض الباحثين والمقابلات أن تردد اليونسكو واعتمادها على القوى الكبرى جعلها جزءاً من المشكلة بدلاً من الحل، خاصة في اليمن حيث تجاهلت تورط دول خليجية قوية في تدمير التراث. يقر الفصل بأن المنظمة كان يمكنها أن تكون أكثر جرأة في تسمية المعتدين، وأن التحول إلى العمل الرقمي وعقد ورش العمل لا يغني عن التدخل الفعال المطلوب. ويخلص إلى أن نجاح اليونسكو في المستقبل يعتمد على قدرتها على كسر حلقة الجمود هذه، من خلال تعزيز الثقة مع النظيرات الوطنية وتوفير التمويل المستقل بعيداً عن الضغوط السياسية للدول الأعضاء.
5.5 استجابة اليونسكو الطارئة "إسعاف أولي" لمواقع التراث الثقافي231–291▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على كيفية تعامل اليونسكو مع حماية التراث الثقافي في كل من اليمن وسوريا والعراق خلال النزاعات المسلحة، وذلك من خلال ما تسميه الكاتبة "الإسعاف الأولي" للاستجابة الطارئة. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن اليونسكو، رغم محاولاتها الظهور كفاعل رئيسي في الحماية المباشرة للتراث، غالباً ما تكون استجاباتها تفاعلية وليست استباقية، وتواجه قيوداً سياسية ومالية هائلة تحد من فعاليتها. تدمج الكاتبة بين مفهومي "التأهب" و"الاستجابة الطارئة"، لأن الإجراءات التي كان ينبغي أن تُتخذ في وقت السلم (كتدريب الكوادر أو وضع قوائم بالأماكن المحمية) يتم تنفيذها بشكل متأخر وردي فعل بعد بدء الدمار، مما يجعلها استجابة طارئة وليست تأهباً حقيقياً.
يبدأ الفصل بمناقشة إطار المسؤوليات: فالدول الأطراف في اتفاقية لاهاي لعام 1954 هي المسؤولة عن حماية تراثها، بينما اليونسكو هي جهة معيارية تقدم الخبرة عند الطلب. لكن في حالات اليمن وسوريا والعراق، كانت المؤسسات المعنية بالتراث تعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد قبل النزاع، مما جعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. لذلك، فإن أي إجراء اتخذته اليونسكو خلال النزاع، حتى لو كان يندرج نظرياً تحت التأهب (مثل وضع قوائم بعدم القصف)، يُصنف كاستجابة طارئة لأنه تم بشكل تفاعلي بعد وقوع الدمار. تعتمد الكاتبة على تحليل البيانات الصحفية الصادرة عن لجنة التراث العالمي، ووثائق اليونسكو الداخلية، ومقابلات شبه منظمة مع موظفين وخبراء ومسؤولين حكوميين من الدول الثلاث.
بالنسبة لحالة اليمن، يوضح الفصل أن اليونسكو بدأت التقارير العلنية عن التراث اليمني فقط في عام 2015، أي بعد اندلاع النزاع، مما يدل على رد فعل وليس استباقاً. تمثل أول إجراءاتها في إرسال رسائل إلى أطراف النزاع لتذكيرهم بالتزاماتهم وفقاً لاتفاقية لاهاي، ثم قامت بإعداد قائمة بـ 50 موقعاً (بما في ذلك مواقع خارج مواقع التراث العالمي الثلاثة) وتوزيع إحداثياتها على قوات التحالف. لكن الكاتبة تشير إلى تحفظات مهمة: هذه القائمة لم تشمل الأطراف غير الحكومية الفاعلة في النزاع، ورغم توزيعها استمرت الأضرار. كما أطلقت اليونسكو خطة عمل طارئة في 13 مايو 2015، ركزت على التقييم والمراقبة والتدريب عن بُعد في جيبوتي وعمان، لكن الخطة لم تُنفذ فعلياً بسبب نقص التمويل. وتخلص الكاتبة إلى أن الاتهامات الموجهة لـ اليونسكو بعدم وجود استجابة ذات معنى في اليمن لها ما يبررها، لأن الخطة الطارئة ظلت حبراً على ورق، وأغلب تدخلاتها الفعلية تحولت لاحقاً إلى مشاريع إنعاش وتعافي (مثل مشروع "المال مقابل العمل") وليس استجابة طارئة فورية.
أما في سوريا، فكانت استجابة اليونسكو أكثر تعقيداً. بدأت بإدراج المواقع الستة للتراث العالمي على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر في يونيو 2013، رغم محاولة روسيا الاعتراض على ذلك. ثم أطلقت في مارس 2014 مشروع "الإنقاذ الطارئ للتراث الثقافي السوري" بتمويل من الاتحاد الأوروبي (2.46 مليون يورو) وبدعم من الحكومة الفلمنكية والنمسا. ركز هذا المشروع على ثلاثة مجالات: التوثيق والمعرفة، والتوعية، والتدريب وبناء القدرات. نظمت اليونسكو العديد من ورش العمل والاجتماعات الدولية، ودربت حوالي 100 من مسؤولي الجمارك والشرطة وخبراء التراث في بيروت على مواضيع منها مكافحة الاتجار غير المشروع والإسعاف الأولي للتراث المبني.
لكن الكاتبة تسلط الضوء على فجوة كبيرة بين الخطط والتنفيذ. فمشروع "المرصد" الذي أُنشئ لرصد الأضرار وتبادل المعلومات أصبح بحسب بعض المصادر أداة للتوعية أكثر من كونه أداة للتخطيط للاستجابة الميدانية. كما أن التوصيات الصادرة عن اجتماعات الخبراء المتكررة، مثل توصية عام 2016 بتثبيت رواق معبد بل في تدمر بميزانية 150,000 دولار، لم تُنفذ بسبب نقص التمويل المستمر، مما دفع لجنة التراث العالمي للتعبير عن قلقها من خطر انهيار الرواق بسبب نقص التمويل. وتنتقد الكاتبة هذا النمط "التقنوقراطي" حيث تعقد اليونسكو الاجتماعات وتصدر التوصيات دون متابعة جادة. وتضيف أن المشروع الطارئ انتهى في ديسمبر 2019 دون نشر نتائجه، وأن تفاعل اليونسكو مع سوريا تراجع بشكل ملحوظ بعد عام 2017 مع تغيير الإدارة في المديرية العامة للآثار والمتاحف واليونسكو نفسها. وتظهر التحفظات أن اليونسكو فضّلت التعامل مع المواقع الواقعة تحت سيطرة النظام السوري (مثل تدمر وحلب) وتجاهلت المواقع خارج سيطرته. وفي النهاية، كان الإجراء الملموس الوحيد هو توفير حوالي 7 أطنان من مواد التخزين الآمن للمجموعات المتحفية في مارس 2016، أي بعد خمس سنوات من بدء النزاع.
يقرّ الفصل صراحةً بحدود اليونسكو وقيودها: فالدول الأعضاء تمارس سلطتها لتقييد صلاحيات المنظمة، ونقص التمويل هو العقبة الأكبر التي تحول دون تحويل الخطط إلى أفعال، كما أن المنظمة تخضع للعبة السياسية والضغوط الدولية (مثل العقوبات على سوريا). وتترك الكاتبة أسئلة مفتوحة حول كيفية تقييم فعالية هذه المشاريع في غياب الشفافية ونشر النتائج، وعن جدوى عقد الاجتماعات الدولية التي تنتهي بتوصيات متكررة غير قابلة للتنفيذ. في الختام، يمكن القول إن الحجة القابلة للنقاش التي يقدمها الفصل هي أن اليونسكو، رغم خطابها الطموح، غالباً ما تكون عاجزة عن تجاوز دورها التقليدي كمنصة للمناقشات والتوعية، وفشلت في التحول إلى جهة تدخل ميداني فاعل في حالات الطوارئ. ويركز الفصل على أن المشكلة ليست فقط في نقص التمويل، بل في ديناميكيات القوة بين الدول التي تشلّ قدرة المنظمة على التحرك، وفي تصميم إجراءاتها "التقنوقراطية" التي تستهلك الوقت والموارد دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
6.6 إعادة إعمار اليونسكو لمواقع التراث الثقافي292–420▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على إعادة إعمار اليونسكو لمواقع التراث الثقافي في كل من اليمن وسوريا والعراق، ويحاول أن يجيب عن سؤال محوري: كيف تتعامل المنظمة مع عملية إعادة البناء في سياقات النزاع، وما مدى نجاحها في تطبيق نهجها الخاص الذي يجمع بين التركيز على المكان والتركيز على الناس؟ يبدأ الفصل بتحديد مفهومي "إعادة الإعمار" و"الانتعاش" وفقاً لتعريفات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2016، حيث يشير الأول إلى إعادة البناء المستدامة طويلة الأمد للبنى التحتية والخدمات، بينما يشمل الثاني تحسين سبل العيش والأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. يؤكد الفصل أن اليونسكو نادراً ما تقوم بمشاريع إعادة إعمار، ولا تقبل بها إلا في ظروف استثنائية تستند إلى توثيق كامل ودقيق، دون أي تكهنات، وذلك وفقاً للمادة 86 من المبادئ التوجيهية التشغيلية لاتفاقية 1972. ويعتبر الفصل أن الاستهداف المتعمد والدمار الجانبي في النزاعات الحالية يشكلان مثل هذه الظروف الاستثنائية.
ينتقل الفصل لمناقشة المفاهيم الفلسفية للأصالة والتكامل، مستشهداً بآراء باحثين مثل مونيوز-فيناس الذي يرى أن الحالة الأصيلة الوحيدة للشيء هي حالته الراهنة. ويشير إلى أن ميثاق فينيسيا لعام 1964، الذي تبنته اليونسكو، ينص على أن الترميم يجب أن يتوقف عند نقطة التكهن، وأي عمل إضافي لا غنى عنه يجب أن يحمل طابعاً معاصراً. هنا، يطرح الفصل جدلاً مهماً: هل يمكن لتطبيق صارم لهذه المبادئ أن يعيق الفائدة العملية للمجتمعات المحلية؟ يقدم مثالاً بمشروع إعادة بناء تماثيل بوذا في باميان الذي توقف في 2013 بسبب اعتبار المزيج بين القديم والجديد انتهاكاً للميثاق، مقارنة بمشاريع في الموصل مثل مجمع النوري وكنيستي الساعة والطاهرة، حيث تكون إعادة البناء للاستخدام العملي للمجتمع المحلي أكثر أهمية من التقيد الصارم بمنظور قانوني يعود لعام 1964. يضرب مثلاً آخر بإعادة بناء كنيسة السيدة في دريسدن بألمانيا، حيث تم دمج شظايا المبنى الأصلي المميزة بلونها الداكن مع الجديد، كرمز للمصالحة. ويخلص الفصل إلى أن القرار النهائي في إعادة الإعمار يجب أن يعود للدولة الطرف، وبشكل أكثر تحديداً، للمجتمع المحلي المرتبط بالموقع.
ينتقل الفصل لعرض الإطار المؤسسي الذي تستند إليه اليونسكو، ويذكر أمثلة سابقة اعتبرتها لجنة التراث العالمي ظروفاً استثنائية، مثل إعادة بناء مركز وارسو التاريخي وجسر موستار، اللذين أُدرجا في قائمة التراث العالمي بعد إعادة بنائهما. ويشير إلى أن كالمان يرى أن إعادة بناء جسر موستار كانت مدفوعة أيديولوجياً بقدر ما كان تدميره، وأن إدراج المواقع المعاد بناؤها أو غير المعاد بنائها، مثل تماثيل باميان، على قائمة التراث هو بحد ذاته وسيلة للمصالحة. يستعرض الفصل بعد ذلك الأدوات التي طورتها المنظمة بالتعاون مع جهات أخرى، مثل تقييم الاحتياجات بعد الكوارث (PDNA) وإطار إعادة إعمار المدن وتعافيها (CURE Framework)، الذي تم تطويره بالتعاون مع البنك الدولي في عام 2018. يؤكد هذا الإطار على دمج الثقافة في عمليات إعادة الإعمار من خلال نهج يركز على الناس (إشراك المجتمع في جميع المراحل) ونهج يركز على المكان (البناء على الخصائص المحلية والسياق التاريخي). هذا الإطار المزدوج هو الذي يستخدمه الفصل كمقياس لاختبار مدى نجاح اليونسكو في مشاريعها.
في حالة اليمن، يصف الفصل حالة فريدة حيث بدأت اليونسكو في إعادة الإعمار المادي أثناء استمرار النزاع، من خلال مبادرة "النقد مقابل العمل" الممولة من الاتحاد الأوروبي بمبلغ 12 مليون دولار أمريكي، إلى جانب مساهمة من اليونسكو قيمتها 250 ألف يورو. يوضح الفصل أن هذا القرار يتعارض مع استراتيجية اليونسكو لعام 2015 التي كانت تحصر إعادة الإعمار بمرحلة ما بعد النزاع. تستهدف المبادرة أربع مدن هي صنعاء وزبيد وشبام وعدن، وتركز على ثلاثة مجالات استراتيجية: إعادة التأهيل الحضري وإشراك الشباب والصناعات الإبداعية. الهدف هو توفير 500 ألف يوم عمل، وتوظيف 4000 شاب وشابة (بينهم 500 امرأة) تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وتقييم 8000 مبنى وموقع تراثي. ينتقل الفصل لتفصيل منهجية تحديد الأولويات، موضحاً أن التقييمات الأولى شملت المنازل الخاصة والمساحات العامة والمرافق، وأُجريت بالتعاون مع صندوق التنمية الاجتماعي (SFD) والهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية (GOPHCY) ومكاتب المحافظين.
يكشف الفصل أن التركيز الأكبر في التدخلات كان على الإسكان الخاص وليس المباني الأثرية، وذلك لتحقيق أقصى فائدة مباشرة للمجتمعات المحلية. على سبيل المثال، تم تحديد 129 مبنى في صنعاء للتدخل، ثم تقليصها إلى 40 مبنى في المرحلة الأولى بناءً على معايير صارمة. يصف الفصل آلية التنفيذ، حيث تعمل اليونسكو من مكتبها في الدوحة ومكتب مشروع في صنعاء يديره ثلاثة يمنيين، بينهم نبيل منصور، نائب رئيس GOPHCY السابق. يعتمد النجاح بشكل كبير على الشراكة مع SFD، الذي يتمتع بوصول أكبر وقدرة على العمل مع جميع الأطراف في اليمن بفضل حياديته. يذكر الفصل أن تمويل الاتحاد الأوروبي يُعتبر "محايداً" وغير مشروط، على عكس التمويل المحتمل من دول مثل السعودية والإمارات الذي قد يثير إشكاليات أخلاقية وسياسية، وفقاً لأحد المسؤولين في مكتب الدوحة. بحلول يناير 2021، نجح المشروع في توظيف 1000 شاب وعاملة (10% إناث) لأكثر من 18 ألف يوم عمل، وثبّت 100 مبنى تاريخياً، بما في ذلك المتحف الوطني في صنعاء ومتحف قصر السلطان في عدن. ومع ذلك، يعترف الفصل بوجود تحديات، منها التأخير البيروقراطي، وصعوبة تحويل الأموال، وانتقادات لعدم إشراك المجتمع المحلي والخبراء بشكل كافٍ في المراحل الأولى من التخطيط، بالإضافة إلى خطر هجرة العمالة الماهرة بعد التدريب.
في المقابل، يصف الفصل وضع سوريا بأنه مختلف تماماً، حيث لم تنخرط اليونسكو في أي مبادرة إعادة إعمار شاملة. يقتصر دور المنظمة على تقييم الأضرار عبر الأقمار الصناعية في 2015، وبعثات تقييم سريعة إلى تدمر في أبريل 2016 وإلى حلب في يناير 2017، وعقد اجتماعات تنسيقية دولية دون أي تنفيذ فعلي حتى تاريخ كتابة الفصل. يعزو الفصل ذلك إلى استمرار النزاع وتوتر العلاقات السياسية. وأخيراً، يقدم الفصل تحليلاً نقدياً، معترفاً بأن مشاريع إعادة الإعمار، حتى تلك التي تركز على الإسكان، تواجه تحديات في قياس نجاحها على المدى الطويل، وأن توفير سبل العيش يظل هشاً بمجرد توقف التمويل. كما يقر بوجود فجوة بين استراتيجيات المنظمة وتطبيقها على أرض الواقع، وبأن هناك حججاً قابلة للنقاش حول توقيت إعادة الإعمار (أثناء النزاع أم بعده)، وأهمية توازن القوى بين الجهات المانحة والمنظمة والمجتمع المحلي.
7.7 استنتاجات421–437▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل الختامي تقييماً نقدياً شاملاً لدور منظمة اليونسكو في حماية التراث الثقافي وإعادة إعماره في اليمن وسوريا والعراق أثناء النزاعات المسلحة وبعدها. يقدّم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن اليونسكو، رغم امتلاكها ولاية قانونية وأخلاقية للتدخل، تعاني من شلل تشغيلي وهيكلي عميق يجعلها غير قادرة على الوفاء بتعهداتها بشكل فعال. المصدر الجوهري لهذا الشلل ليس نقص الإرادة فحسب، بل هو مزيج من البيروقراطية الداخلية المُثقلة، والهيمنة السياسية للدول الأعضاء التي تُصعّد التوترات الجيوسياسية بدلاً من حلها، والنقص المزمن في التمويل.
يبدأ الفصل باستعراض أربعة أسباب رئيسية حددها باحثون سابقون (مثل إيساخان وميسكيل) لضعف أداء اليونسكو، ثم يُعمّق تحليلها في سياق الدول الثلاث. أول هذه الأسباب هو الإجراءات البيروقراطية المتعثرة، التي تتجسد في عقد اجتماعات خبراء متكررة وإنتاج توصيات مكررة دون تنفيذ يُذكر. ثانياً، تردد المنظمة في فضح الدول الأعضاء القوية المتسببة في تدمير التراث، مثل عدم إدانة السعودية لدورها في اليمن. ثالثاً، فشل الدول النامية في التصديق على البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 والالتزام به، وهو ما ينطبق على اليمن وسوريا والعراق التي تفتقر إلى التمويل المخصص لأجهزتها الوطنية لإدارة التراث. رابعاً، الصعوبات التي تواجهها اليونسكو في مساءلة الجهات الفاعلة غير الحكومية، وهو ما أكدته الدراسة من خلال عرقلة الإرادة السياسية للدول الأعضاء لإيصال المساعدات الفنية والمالية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات.
يُركّز التحليل على نظريتين رئيسيتين: الأولى هي نظرية ميسكيل حول "النهج الجاذب للمركز" الذي تتبناه اليونسكو، والذي يلزم الدول الأعضاء بتنفيذ إجراءات الحفظ وفق نظام صارم يركز بشكل غير متناسب على المواقع الأثرية الضخمة، مما يفتقر إلى المرونة اللازمة في سياقات النزاع. النظرية الثانية هي نظرية هيل وهيليد حول "الجمود السياسي"، حيث تُظهر الدراسة كيف أن الاعتماد المتبادل الشديد داخل اليونسكو يجعل الدول الأعضاء هي العائق الرئيسي. فالمقاطعة الدولية لنظام الأسد والعقوبات المالية على سوريا أدت إلى جمود تام في علاقة اليونسكو بهذا البلد، بينما في اليمن، أدى الانقسام الحاد بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين، واستمرار الحرب، إلى خلق جمود مشابه حال دون التدخل الفعال.
أما الإطار القانوني، فيشرح الفصل أن دستور اليونسكو ووثيقة جوليان هكسلي عام 1946 لا يحددان التزاماً مباشراً بالحماية أثناء النزاع، لكن اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها تُرسّخ دور اليونسكو كجهة معيارية ومستودعة للاتفاقية، تقدم حلولاً تقنية. غير أن السيادة الوطنية تمنع اليونسكو من إملاء كيفية تطبيق الاتفاقية، كما تنص المادة 1(3) من الدستور على منع تدخل المنظمة في الشؤون الداخلية للدول. هذا العجز العملي دفع العديد من المحاورين في الدراسة للتعبير عن قلقهم بشأن مدى استعداد اليونسكو لهذا الدور، خاصة في ظل أزمتها المالية الحادة منذ توقف الولايات المتحدة عن مساهماتها عام 2011 (التي كانت تشكل 22% من الميزانية)، مما أجبر المنظمة على تقليص البرامج والموظفين بشكل كبير.
يتناول الفصل بالتفصيل حالة كل بلد على حدة. في اليمن، أظهرت البيانات أن متوسط البيانات الإعلامية الصادرة عن اليونسكو كان أقل بكثير مقارنة بسوريا والعراق، مما يؤكد تقصير المجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن اليونسكو كثفت جهودها في مشاريع إعادة الإعمار في صنعاء وزبيد وشبام وعدن، لكنها واجهت عقبات هائلة مثل غياب جهة وطنية موحدة قوية (بين هيئتي الآثار المتنازعتين GOAM وGOPCHY). وفي سوريا، شهدت الفترة بين 2012 و2017 تعاوناً ملحوظاً مع المدير العام للآثار والمتاحف الدكتور مأمون عبد الكريم، لكن بعد استبداله عام 2017، انتهى هذا التعاون تماماً، وأصبحت المنظمة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية بموجب اتفاقية لاهاي، خاصة بعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ في 17 يونيو 2020. أما العراق، فقدم حالة مختلفة؛ حيث سهّل وجود تحالف دولي متعاون مع الحكومة التدخل، وأصبحت مبادرة الموصل هي المشروع الأبرز لليونسكو. لكن حتى هنا، أظهرت الدراسة عدم ثقة بين المجتمع المحلي والمنظمة، وتأخيرات في التنفيذ، وتركيزاً مفرطاً على مشروع واحد على حساب تعزيز قدرات هيئة الآثار والتراث SBAH التي تعاني من نقص تمويل مزمن.
يكشف الفصل عن فجوة كبيرة بين ما تقوله اليونسكو وما تفعله. ففي حين تصف المنظمة برامجها بأنها وقائية أو طارئة، فهي في الواقع استراتيجية تفاعلية وتقنية بحتة، تعتمد بشكل كبير على التوعية عن بعد والمراقبة عبر الأقمار الصناعية (مع UNITAR-UNOSAT) وعقد الاجتماعات، بدلاً من التدخل الميداني الفوري. فعلى سبيل المثال، في سوريا، كان معظم الرد يقتصر على التوثيق عبر الأقمار الصناعية ورفع الوعي، وهو ما تركز عليه ميشيل وال قنطار ودانيالز. هذا النموذج، الذي وصفته اليونسكو نفسها في استراتيجية 2015 بأنه "ممارسة جيدة"، توقف في النهاية بسبب انتهاء تمويل الاتحاد الأوروبي، ولم يتم تطبيقه في اليمن. والأكثر إشكالية هو أن اليونسكو، بدلاً من العمل على أساس دوري وقائي، تنطلق من رؤية خطية: تدمير يليه إعادة إعمار، متجاوزة مرحلة التأهب والاستجابة الطارئة الأساسية.
يختتم الفصل بالإقرار بأن اليونسكو، رغم امتلاكها ولاية قانونية، فإنها تبالغ في قدراتها الحقيقية. فبينما تلتزم بتقديم المشورة الفنية بموجب القانون، فإنها تسعى لتقديم نفسها كفاعل ميداني عملي من خلال مشاريع كبرى مثل إعمار اليمن والموصل، لكنها تفشل بسبب القيود المالية (حيث أن 97% من أنشطة وحدة الطوارئ تعتمد على تمويل خارجي) والجمود السياسي. الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق، بحسب المؤلف، هو إعادة تعريف حماية التراث كقضية إنسانية، كما تفعل مبادرة "الثقافة من أجل الرزق" في اليمن التي تربط الحماية بالحياة اليومية للسكان. لكن هذا سيتطلب تحولاً جذرياً من التركيز على المواقع الأثرية الكبرى إلى التركيز على التراث الذي يقدم فائدة اقتصادية واجتماعية ملموسة للمجتمعات المحلية، وهو أمر يتجاوز قدرات المنظمة الحالية التي تظل أسيرة للبيروقراطية ولأهواء الدول الأعضاء.
حجج قابلة للنقاش: يطرح الفصل عدة نقاط جدلية، أبرزها أن الجمود السياسي هو المسؤول الأول عن فشل اليونسكو، مما قد يُقلّل من مسؤولية المنظمة نفسها في تطوير آليات أكثر مرونة وابتكاراً. كما أن اعتبار مشاريع إعادة الإعمار الكبرى (مثل الموصل) دليلاً على "تجاوز التقنية" أمر قابل للنقاش، إذ يرى المؤلف نفسه أن هذه المشاريع لا تزال تعاني من البيروقراطية والبطء، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت مجرد واجهة إعلامية. أخيراً، الدعوة لاعتبار التراث قضية إنسانية، رغم منطقيتها، تفتح باباً للنقاش حول ما إذا كان ذلك سيجعل اليونسكو أكثر عرضة للتسييس أم سيوفر لها غطاءً أخلاقياً لحماية التراث بغض النظر عن المتسببين في تدميره.