
World War in Syria: A Global Conflict Waged on Middle Eastern Battlefields
يقدّم كتاب "الحرب العالمية في سوريا" للمؤلف أب أبرامز أطروحة مركزية واضحة ومثيرة للجدل: الحرب التي اندلعت في سوريا عام 2011 لم تكن حرباً أهلية أو ثورة شعبية عفوية، بل كانت حلقة ضمن صراع عالمي أوسع، حيث استُخدمت سوريا كساحة معركة بالوكالة بين القوى الغربية (بقيادة الولايات المتحدة) وحلفائها الإقليميين من جهة، ومحور المقاومة بقيادة سوريا وإيران وروسيا من جهة أخرى. يدافع المؤلف عن موقف مفاده أن استهداف سوريا كان ممنهجاً ومقصوداً من قبل الغرب ودول خليجية، ليس لأنها كانت دولة فاشلة أو ديكتاتورية، بل لأنها كانت آخر معقل للقومية العربية العلمانية الرافضة للهيمنة الغربية، والتيار المستقل غير المنحاز في الشرق الأوسط.
يسير الكتاب بمنطق تاريخي متسلسل، يبدأ من جذور الصراع قبل عقود. يتناول الفصل الأول الأسباب التي جعلت دمشق هدفاً دائماً، مستعرضاً تاريخ سوريا الحديث منذ الاستقلال العنيف عن الانتداب الفرنسي في عام 1946، والذي أودى بحياة أكثر من 800 شخص في دمشق وحدها خلال ثلاثة أيام. يوثق المؤلف التدخلات الأمريكية المبكرة، وأبرزها انقلاب عام 1949 الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية (CIA) ضد الرئيس شكري القوتلي بسبب رفضه مشروع خط أنابيب التابلاين، ومؤامرة الانقلاب الفاشلة عام 1957 التي دبرتها CIA وMI6 بالتعاون مع عناصر من الإخوان المسلمين. يخلص الكاتب إلى أن سوريا أصبحت هدفاً لأنها رفضت الحياد في عالم لا يتسامح معه، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس عام 1956، ولأنها أصبحت الحاجز الوحيد بعد انسحاب مصر من المعادلة بعد وفاة جمال عبد الناصر، حيث وثّق مجلس الأمن القومي الأمريكي في الثمانينيات خططاً لـ"زعزعة استقرار سوريا".
ينتقل الفصل الثاني إلى تأكيد أطروحة أوسع، مفادها أن الغرب استخدم الجماعات الإسلامية الراديكالية كأداة لزعزعة استقرار الدول المستقلة، ويضرب ثلاثة أمثلة تاريخية رئيسية. أولها إندونيسيا عام 1965، حيث شاركت الجماعات الإسلامية في عمليات تطهير واسعة قُدر عدد ضحاياها بين 500 ألف و3 ملايين شخص. ثانيها أفغانستان في الثمانينيات، حيث بدأ الدعم الغربي للمجاهدين قبل الغزو السوفييتي بيوليو 1979، تحت عملية "سايكلون" التي قدمت مليارات الدولارات وأكثر من 1500 صاروخ ستينغر. ثالثها الشيشان ويوغوسلافيا، حيث نُقل المجاهدون لدعم الانفصاليين. ينتقل الفصل إلى الحرب المعلوماتية كجبهة جديدة في العصر الحديث، ويكشف عن شراكة وثيقة بين الحكومة الأمريكية وشركات التكنولوجيا مثل غوغل وتويتر، ويقتبس قول فريد بيرتون من ستراتفور عن غوغل: "بشكل جوهري، هم يفعلون ما لا تستطيع CIA فعله". يحدد المؤلف خمسة أسباب جعلت عام 2011 هو الوقت الأمثل لاستهداف سوريا، منها صراع خطوط أنابيب الغاز (حيث رفضت سوريا المشروع القطري لصالح المشروع الإيراني)، والجفاف المدمر بين 2007-2010، والحاجة لعزل حزب الله وإيران بعد انتصار الحزب على إسرائيل في 2006.
يصف الفصل الثالث بدايات الحرب بالتفصيل، مؤكداً أنها لم تكن انتفاضة شعبية عفوية. يشير إلى أن خطط الإطاحة بالحكومة السورية تعود إلى عام 2009 على الأقل، مع بداية إدارة أوباما. يسلط الضوء على دور قناتي الجزيرة القطرية والسفير الأمريكي روبرت فورد في تحريض الاحتجاجات، ويكشف عن وثيقة لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية من عام 2012 تعترف بأن العناصر الجهادية شكلت الغالبية العظمى من المقاتلين منذ اليوم الأول. يفضح المؤلف أن ما سُمي بـالجيش السوري الحر لم يكن كياناً معتدلاً، بل ضم جماعات مثل جبهة النصرة، ويثبت ذلك بحوادث مثل مجزرة داريا ومذبحة عقرب التي ثبتت تحقيقات ميدانية مسؤولية الجيش السوري الحر عنها. يذكر أيضاً أن السعودية وصلت إلى إطلاق سراح سجناء بشرط الانضمام إلى "الجهاد في سوريا".
مع منتصف عام 2013، يشرح الفصل الرابع كيف تحول الصراع إلى مواجهة دولية مفتوحة. كانت معركة القصير نقطة التحول الكبرى، حيث أدى انتصار الجيش السوري وحلفائه إلى عكس مسار الحرب، مما دفع القوى الغربية للتخطيط لشن هجوم مباشر. يصف المؤلف التصعيد الروسي بتوسيع الوجود في قاعدة طرطوس وتوريد نظام الدفاع الجوي إس-300، ثم استبداله بصواريخ باستيون المضادة للسفن. يصل الفصل إلى ذروته مع الهجوم الكيميائي المزعوم في الغوطة الشرقية في 21 أغسطس 2013، ويقدم أدلة مكثفة للتشكيك في الرواية الغربية، منها تقرير كارلا ديل بونتي التي اتهمت "معارضي النظام" باستخدام السارين، وتحليل علمي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أثبت أن الصواريخ لم تكن في متناول الجيش السوري، وتحقيقات الصحفي سيمور هيرش التي اتهمت الإدارة الأمريكية "بانتقاء المعلومات الاستخباراتية". يوضح الكاتب أن الدبلوماسية الروسية حالت دون حرب مباشرة باقتراح وضع الأسلحة الكيميائية تحت الرقابة الدولية، لكنه يعتبر أن هذا الإجراء كلف سوريا "رادعها الاستراتيجي الوحيد".
في الفصل الخامس، يصف المؤلف صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" كقوة عسكرية لا تقهر في النصف الثاني من 2014، مستغلاً سيطرته على الفلوجة في العراق. يوثق استيلاء التنظيم على الرقة ومطار الجراح العسكري ومدينتي منبج وجرابلس، وحصار حامية الجيش في دير الزور، وسقوط مدينة تدمر الأثرية في 21 مايو 2015. في هذا السياق الحرج، وبعد أن اعترف الرئيس بشار الأسد في 26 يوليو بنقص القوى البشرية، يتدخل روسيا عسكرياً في سبتمبر 2015. يصف الفصل التجهيزات السرية في مطار حميميم وتنسيق العملية بين روسيا وإيران وسوريا والعراق، وكيف أن الضربات الجوية الروسية التي بدأت في 30 سبتمبر أحدثت فرقاً فورياً ليس فقط عسكرياً بل معنوياً، وأجهضت خطط الغرب لفرض مناطق حظر جوي.
يركز الفصل السادس على معركة حلب كمثال على المرحلة الجديدة من الحرب. يصور التقدم الملموس للجيش السوري منذ نهاية 2015 بفضل الإسناد الجوي الروسي، مستشهداً بفك الحصار عن قاعدة كويرس الجوية وبلدي نبل والزهراء بفضل دبابات تي-90 الروسية. يصف تطويق حلب بالكامل في 27 يوليو، وبدء التقدم داخل الأحياء الشرقية في نوفمبر، وإجلاء المسلحين في ديسمبر 2016، حيث اختار 110 آلاف مدني البقاء تحت حكم الحكومة مقابل 34 ألف غادروا مع المسلحين. يكشف الفصل عن العمليات التركية الأولى، مثل عملية درع الفرات في أغسطس 2016، ويبين كيف بدأت الولايات المتحدة ببناء علاقاتها مع الميليشيات الكردية (YPG) وتأسيس قوات سوريا الديمقراطية.
يخصص الفصل السابع مساحة كبيرة لتحليل الهجوم الكيميائي المزعوم في خان شيخون (أبريل 2017)، ويقدم تناقضاً صارخاً حين يستشهد بإفادة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بعد عام بأنه "لا توجد أدلة" على استخدام سوريا للسلاح الكيميائي. يصف الضربة الصاروخية الأمريكية بقاعدة الشعيرات بـ 59 صاروخ توماهوك، واصفاً إياها بـ"مسرحية سياسية" لأن التحذير المسبق للروس سمح بإخلاء القاعدة. ينتقل الفصل إلى معركة دير الزور التي بدأت في سبتمبر 2017، ويفصل كيف أن القوات الأمريكية سعت للسيطرة على حقول النفط والغاز مثل حقل العمر الذي أنتج 75,000 برميل يومياً، مما قطع موارد إعادة الإعمار عن الدولة السورية. يروي حادثة كشام في فبراير 2018 حيث قصفت طائرات أمريكية بينها بي-52 قوات سورية، ويختتم بهجوم كيميائي مزعوب في دوما (أبريل 2018) أعقبه هجوم ثلاثي بأكثر من 100 صاروخ كروز، ويكشف أن مهندساً بريطانياً (إيان هندرسون) خلص إلى أن الهجوم لم يحدث.
في الفصل الثامن، يعلن الكاتب أن الحرب كانت تقترب من نهايتها العسكرية بحلول نهاية 2018، مستشهداً بإعلان الجيش العربي السوري تسريح جزء من المجندين وإعلان حزب الله سحب جزء من قواته. ينتقل إلى الحرب الاقتصادية التي استبدلت الحرب العسكرية، حيث يستشهد بتصريح المسؤول الأمريكي جيمس جيفري بأن مهمته كانت جعل سوريا "مستنقعاً للروس". يكشف عن الاستيلاء الأمريكي على النفط السوري الذي يمثل 90% من طاقة الإنتاج، وينقل قول الرئيس ترامب: "في الأيام الخوالي، عندما تكون لديك حرب، للفائز الغنائم... نحن نحرس النفط". يذكر أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ 250 مليار دولار، وأن أكثر من 50% من البنية التحتية قد دُمّر. يخصص قسماً لـ حرب تركيا في إدلب التي كانت تضم بين 60,000 و90,000 مسلح، ويصف الاشتباكات المباشرة بين الجيشين السوري والتركي في بداية 2020، والتي انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار في مارس 2020 يحافظ على وجود تركي في إدلب.
أما الفصل الختامي، فيقدم إجابة معقدة على سؤال "من انتصر؟". يقر المؤلف بأن حكومة الأسد انتصرت عسكرياً وتجنبت مصير دول مثل ليبيا والعراق، لكنه يرى أن الغرب حقق أهدافه إلى حد كبير: سوريا تم تحييدها كقوة مستقلة، وتم تدميرها بتكلفة ضئيلة اعتمدت على تمويل السعودية (حوالي 700 مليون دولار سنوياً) والقوى البشرية من المسلمين عالمياً. يخلص إلى أن الحرب تمثل صراعاً بين رؤيتين للعلاقات الدولية: رؤية سوريا القائمة على السيادة وعدم التدخل، والرؤية الغربية التي تسعى لهيمنة عالمية. يحذر الكاتب من خطرين: الأول، محاولة الغرب تغيير القانون الدولي ليجعل التدخل العسكري تحت ذرائع إنسانية أمراً قانونياً؛ والثاني، أن النتيجة النهائية تمثل تعزيزاً للموقف الغربي على حساب دمشق، حيث نجحت استراتيجية الغرب في "إعادة تشكيل الشرق الأوسط لعزل إيران".
يعترف المؤلف ببعض الحدود والتحفظات. فهو لا يتعمق في الانتقادات الموجهة للنظام السوري من شعبه، بل يركز فقط على التهديدات الخارجية. كما يقر بعدم إمكانية الجزم بمسؤولية أي طرف عن الهجمات الكيميائية بشكل قاطع، رغم تقديمه أدلة قوية تشير إلى تورط المسلحين. هناك أسئلة مفتوحة حول فعالية الدعم السوفييتي على المدى الطويل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحول دوافع بعض الأطراف كالإدارة الأمريكية في ترددها.
الحجج الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هي عديدة. أولاً، إعادة تعريف الصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع بين الدول الموالية للغرب والدول المعادية له، وليس صراعاً قومياً. ثانياً، الادعاء بأن الدعم الغربي لأفغانستان هو الذي أجبر السوفييت على الغزو، مما يقلب الرواية الغربية الرسمية. ثالثاً، تصوير التدخلات الغربية كحركة مدفوعة بالرغبة في "إخضاع" الدول وتدمير استقلاليتها، متجاهلة أي دوافع أخرى مثل الأمن. رابعاً، الادعاء بأن الحرب المعلوماتية والهجمات الكيميائية كانت مفبركة لتوفير ذريعة للتدخل. خامساً، وصف الاستيلاء على النفط السوري بأنه "نهب ولصوصية دولية". هذه الحجج تجعل الكتاب واضحاً في تحيزه ضد الرواية الغربية السائدة، لكنها تقدم فهماً متماسكاً ودقيقاً لوجهة نظر مختلفة عن الصراع، يجب على كل من يريد فهماً شاملاً للحرب السورية أن يضعها في الاعتبار.
الفصول(9)
1.لماذا سوريا؟ كيف جعلت عقود الصراع مع الغرب وإسرائيل دمشق هدفاً13–65▼ ملخص
لماذا سوريا؟ يبدأ هذا الفصل من كتاب "الحرب العالمية في سوريا" بالإجابة على سؤال محوري: لماذا أصبحت دمشق هدفاً لتغيير النظام من قبل الغرب وإسرائيل؟ يقدم المؤلف أطروحة واضحة مفادها أن سوريا لم تكن ضحية مصادفة، بل كانت هدفاً مركزياً ومقصوداً بسبب رفضها المستمر للخضوع للنفوذ الغربي، وتبنيها لسياسة عدم الانحياز، ودعمها للقومية العربية، وتحالفها مع الاتحاد السوفييتي. الفصل بأكمله هو حجة تاريخية طويلة تثبت أن استهداف سوريا هو حلقة في سلسلة أوسع من الحروب الباردة وأعمال تغيير الأنظمة التي شنتها القوى الغربية ضد أي دولة تخرج عن إرادتها.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تاريخ سوريا الحديث، ليُظهر كيف جعلها ماضيها مع الاستعمار والصراع مع إسرائيل هدفاً دائماً. يبدأ المؤلف بوصف الاستقلال العنيف لسوريا عن الانتداب الفرنسي عام 1946، حيث قمعت فرنسا المظاهرات الوطنية بوحشية باستخدام الرشاشات وقذائف الهاون والقصف الجوي، مما أسفر عن مقتل أكثر من 800 شخص في دمشق وحدها خلال ثلاثة أيام. هذا العنف التأسيسي، الذي وصفه مراقب سوفييتي بأنه أشد مما شهده في معركة ستالينغراد، خلق ذاكرة جماعية من العداء للتدخل الغربي.
بعد الاستقلال، ينتقل الفصل إلى التدخل الأمريكي المبكر. يوثق المؤلف كيف قامت وكالة المخابرات المركزية (CIA) بتدبير أول انقلاب في سوريا عام 1949 ضد الرئيس شكري القوتلي، ليس بسبب أي خطر شيوعي، بل بسبب رفضه الحماسي لمشروع خط أنابيب التابلاين الذي كان ينقل النفط السعودي عبر سوريا إلى أوروبا. يُظهر المؤلف هذا النمط المتكرر: أي حكومة سورية لا تخدم المصالح الغربية تُعتبر هدفاً شرعياً للتدخل. يوضح الفصل أن سوريا كانت جزءاً من نمط عالمي أوسع، حيث قاد وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس حملة ضد الحياد، معلناً عام 1956 أن "الحياد أصبح مفهوماً غير أخلاقي وقصير النظر"، مما دفع الدول غير المنحازة مثل إندونيسيا ومصر والهند للتحالف مع الاتحاد السوفييتي لحماية نفسها.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لمحاولات تغيير النظام الفاشلة في الخمسينيات. فبعد رفض سوريا المساعدات العسكرية الأمريكية المشروطة، وبدء علاقاتها العسكرية مع الاتحاد السوفييتي، كثفت CIA جهودها. يصف المؤلف بالتفصيل مؤامرة انقلاب قادها عميل CIA الكبير أرشيبالد ب. روزفلت الابن، بالتعاون مع المخابرات البريطانية MI6، والخطط التي تضمنت تسليح الإخوان المسلمين كقوة معارضة لتنفيذ الانقلاب. لكن المحاولة فشلت عندما كشف ضباط سوريون المخطط لرئيس المخابرات عبد الحميد السراج، مما أدى إلى طرد عملاء المخابرات الأمريكية من البلاد عام 1957. هذا المشهد يوضح حجة المؤلف بأن العقبات التي وضعها السوريون حالت دون تحقيق النفوذ بسهولة.
بعيداً عن المؤامرات الخفية، يتناول الفصل التهديدات العسكرية المباشرة. يذكر المؤلف أن تركيا، العضو في الناتو، كانت تستعد لغزو سوريا في 1957 بناءً على طلب أمريكي، وزُجِم هذا الغزو فقط بعد تدخل الاتحاد السوفييتي الذي هدد بصواريخه الباليستية الجديدة. هذا الحدث يُظهر الحماية السوفييتية كعامل وحيد منع احتلالاً وشيكاً. ثم يتحول الفصل إلى الحروب العربية الإسرائيلية، فبعد هزيمة 1967 واحتلال إسرائيل للهضبة الجولان السورية، يقدم المؤلف تحليلاً دقيقاً: لم تكن هذه حرباً عربية إسرائيلية بقدر ما كانت صراعاً بين الدول التي قبلت الهيمنة الغربية (إسرائيل، الأنظمة الملكية العربية مثل السعودية والمغرب) والدول القومية التي رفضتها (سوريا، مصر). يكشف الفصل كيف قامت هذه الأنظمة الملكية، مثل المغرب، بتسليم تسجيلات لخطط الحرب العربية لإسرائيل، وكيف فتحت السعودية جبهة ضد مصر في اليمن، مما أدى إلى هزيمة العرب.
الحجة الأهم في الفصل هي حول تحول النظام الإقليمي بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. بعد 1970، اتجه خليفته أنور السادات بسرعة نحو الغرب، وطرد المستشارين السوفييت، وألغى مشروع الوحدة مع سوريا. هذا أفقد سوريا حليفها الاستراتيجي الوحيد، وتركها معزولة تواجه إسرائيل والغرب بمفردها. يقدم المؤلف نقداً لاذعاً لسياسات السادات، موضحاً كيف سلم أحدث الأسلحة السوفييتية (مثل طائرات ميغ-23 ومنظومات سام-2K12Kub) لأمريكا، مما حرم سوريا من عامل المفاجأة وجعل دفاعاتها الجوية عرضة للاختراق، وهو ما يتجلى بوضوح في معركة وادي البقاع عام 1982.
يصف الفصل مرحلة العزلة السورية ومواجهتها بمساعدة سوفييتية جديدة. بعد هزيمة سوريا في لبنان ودمار دفاعاتها الجوية على يد سلاح الجو الإسرائيلي في 1982، توقع الغرب انهيارها. لكن رد فعل القيادة السوفييتية الجديدة، برئاسة يوري أندروبوف، كان حاسماً، حيث قال: "خذوا من مخزون الجيش الأحمر. لن أسمح لأي قوة في العالم بتهديد سوريا." ونتيجة لذلك، أعاد السوفييت تجهيز الجيش السوري بالكامل، وزودوه بمئات من دبابات تي-72، وصواريخ توشكا التكتيكية، وطائرات ميغ-25 الاعتراضية، الأمر الذي سمح لسوريا بمواجهة القوات الأمريكية والإسرائيلية في لبنان بنجاح نسبي، وهو ما يصفه المؤلف بأنه أنجح العمليات العسكرية السورية ضد أعدائها.
يختم الفصل بإظهار كيف أصبحت سوريا "الصخرة التي تصد مد التيار الإسرائيلي في الشرق الأوسط" كما وصفها رئيس أركان الجيش المصري الأسبق سعد الدين الشاذلي. بعد انسحاب مصر من المعادلة، أصبحت سوريا الحاجز الوحيد أمام المشروعين الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. يقدم الفصل أدلة على أن الإدارات الأمريكية والإسرائيلية المتعاقبة رأت في سوريا العدو الرئيسي الذي يجب تحييده، وليس مجرد طرف ثانوي. يذكر الفصل وثيقة من مجلس الأمن القومي الأمريكي في أوائل الثمانينيات بعنوان "زعزعة استقرار سوريا"، والتي استكشفت خيارات للضغط على دمشق وإسقاط حكومتها.
فيما يتعلق بالقيود التي يعترف بها المؤلف، لا يوضح الفصل بالتفصيل الجدل الداخلي داخل صُنّاع القرار الغربي حول هذه السياسات، بل يقدمها كإجماع شبه كامل. كما أن الفصل لا يفحص بعمق الانتقادات الموجهة للنظام السوري نفسه من شعبه، بل يركز فقط على التهديدات الخارجية. هناك أيضاً سؤال مفتوح حول مدى فعالية الدعم السوفييتي على المدى الطويل، حيث أن انهيار الاتحاد السوفييتي بعد سنوات قليلة سيغير المعادلة بشكل جذري.
أخيراً، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح. النقطة الأكثر إثارة للجدل هي فكرة أن "الصراع العربي الإسرائيلي هو أقرب إلى صراع بين الدول الموالية للغرب والدول المعادية له، وليس صراعاً قومياً أو دينياً بحتاً". هذا الإطار التحليلي يعيد تعريف الحرب بأكملها، ويحول إسرائيل من كونها عدواً وجودياً للعرب إلى مجرد رأس حربة لمشروع غربي أوسع. إذا كان القارئ يبحث عن تحليل متوازن لأخطاء النظام السوري الداخلية، فلن يجده هنا، بل سيجد حجة مركزة ومدعومة بالأدلة بأن سوريا كانت هدفاً لأنها اختارت الاستقلال عن الغرب في عالم لا يتسامح مع الحياد.
2.السياق التاريخي والجيوسياسي للحرب السورية66–107▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل باقتراح جوهري: لا يمكن فهم الحرب السورية بمعزل عن غيرها، بل هي جزء من نمط طويل الأمد في السياسة الخارجية للغرب، وتحديداً الولايات المتحدة وأوروبا، تجاه الدول التي تقاوم الهيمنة الغربية. ويطرح المؤلف أطروحة رئيسية مفادها أن الغرب استخدم لعقود جماعات إسلامية راديكالية (جهادية) كأداة لزعزعة استقرار دول مستقلة أو محايدة أو موالية للاتحاد السوفيتي، وأن الحرب في سوريا ما هي إلا تكرار لهذا النمط. يقدم الفصل عدة أمثلة تاريخية لإثبات هذه الأطروحة، ويشرح بالتفصيل كيف أن الحرب في سوريا هي نتيجة لتقاطع جيوسياسي معقد.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاث حالات تاريخية رئيسية قبل الانتقال إلى سوريا. أولاً، يصف الفصل حالة إندونيسيا في الستينيات كسابقة مهمة. يشرح كيف أن الرئيس سوكارنو، بصفته قائداً لحركة عدم الانحياز، كان مستهدفاً من قبل الولايات المتحدة التي رأت في تحالفه مع الشيوعيين تهديداً. يذكر الفصل أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) قدمت مليون دولار لحزب مصومي الإسلامي في انتخابات عام 1955، ونفذت عمليات عسكرية ضخمة للإطاحة بسوكارنو، لكنها فشلت في البداية. النجاح الحقيقي جاء في عام 1965، عندما قاد الجيش انقلاباً مدعوماً من الغرب، وشاركت فيه الجماعات الإسلامية في عمليات تطهير واسعة للشيوعيين والمعارضين. يصف الفصل المذابح التي تلت ذلك، مستشهداً بتقارير من مجلة تايم ونيويورك تايمز عن قطع رؤوس وقتل عائلات بأكملها، وتقديرات تتراوح أعداد القتلى بين 500 ألف و3 ملايين. وظيفة هذا المثال هي إظهار أن تحالف الغرب مع الإسلاميين لإسقاط حكومة وطنية ليس جديداً، وأنه كان فعالاً جداً في دفع إندونيسيا نحو المعسكر الغربي.
ثانياً، ينتقل الفصل إلى حرب أفغانستان في الثمانينيات، معتبراً إياها النموذج الأقرب للحرب السورية. يوضح أن الدعم الغربي للمقاتلين الإسلاميين بدأ في يوليو 1979، أي قبل الغزو السوفيتي، مما ينفي الرواية الغربية التقليدية بأن الدعم كان رداً على الغزو. تحت عملية "سايكلون" (الإعصار)، قدمت CIA وMI6 مليارات الدولارات من المساعدات للجماعات الراديكالية المتشددة. يذكر الفصل تفاصيل دقيقة: بناء حصن تورا بورا الصخري للمجاهدين، توفير أكثر من 1500 صاروخ ستينغر مضاد للطائرات منذ عام 1986، وتدريب المقاتلين على صنع القنابل والاغتيالات بالتعاون مع مخابرات باكستان (ISI). كما يسلط الضوء على دور الإعلام الغربي، مثل فيلم رامبو 3، في تمجيد المجاهدين وتصويرهم كـ"محاربين من أجل الله" مقابل جيش سوفيتي شرير. الاستنتاج هنا أن الحرب الأفغانية لم تكن مجرد دعم لمتمردين، بل كانت حرباً بالوكالة خطط لها الغرب لإغراق الاتحاد السوفيتي في مستنقع، وأن نفس الأساليب (الدعم العسكري المباشر، التغطية الإعلامية، التعاون مع دول حليفة مثل باكستان) ستستخدم في سوريا.
ثالثاً، يتطرق الفصل لفترة وجيزة إلى أمثلة أخرى مثل يوغوسلافيا والشيشان. في يوغوسلافيا، تم نقل بعض المجاهدين الأفغان لدعم الانفصاليين المسلمين، بالإضافة إلى القصف الجوي المكثف الذي استهدف البنية التحتية. وفي الشيشان، يكشف الفصل عن تصريحات لمسؤولين في CIA مثل غراهام فولر بأن استراتيجية زعزعة استقرار روسيا باستخدام الجهاديين عملت بشكل رائع في أفغانستان. الوظيفة هنا هي توسيع نطاق الحجة، وإظهار أن هذه الأداة استخدمت ليس فقط ضد أعداء بعيدين، بل ضد روسيا نفسها في محاولة لتفكيكها، وأن الرئيس فلاديمير بوتين نفسه أقر بأن روسيا كانت قريبة من السيناريو اليوغوسلافي.
بعد هذه الخلفية، ينتقل الفصل بشكل محوري إلى موضوع الحرب المعلوماتية، معتبراً إياها الجبهة الجديدة والحاسمة في الحروب الغربية الحديثة، خاصة تحت إدارة باراك أوباما. يعرف الفصل الحرب المعلوماتية بأنها التلاعب بالمعلومات لجعل الهدف يتخذ قرارات ضد مصلحته. يوضح أن الغرب استخدم هذه الأداة للإطاحة بحكومات في أوكرانيا وليبيا. يتم تسليط الضوء على الشراكة الوثيقة بين الحكومة الأمريكية وشركات التكنولوجيا العملاقة مثل غوغل وفيسبوك وتويتر. يُذكر أن جاريد كوهين، مدير غوغل آيديز ومستشار سابق لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، لعب دوراً محورياً في هذا التنسيق. على سبيل المثال، أخرت تويتر صيانتها لإبقاء الخدمة نشطة خلال احتجاجات إيران عام 2009، وتعاونت غوغل مع وزارة الخارجية لإطلاق "متعقب الانشقاقات" لتشجيع جنود الجيش السوري على الفرار. ويقتبس الفصل قول فريد بيرتون، نائب رئيس ستراتفور، عن غوغل: "بشكل جوهري، هم يفعلون ما لا تستطيع CIA فعله."
أخيراً، يحدد الفصل خمسة أسباب (casus belli) متقاربة جعلت عام 2011 هو الوقت الأمثل لاستهداف سوريا:
- القضاء على آخر remnants القومية العربية والعلمانية (البعث)، لإزالة أي نموذج بديل للهيمنة الغربية.
- عزل إيران وشل حزب الله، بعد انتصار الحزب على إسرائيل في 2006، حيث أن سوريا هي قناة الإمداد الرئيسية للحزب. ويقتبس الفصل من السيناتور ميت رومني قوله إن إزاحة الأسد هي أولوية قصوى لقطع طريق إمداد حزب الله.
- صراع خطوط أنابيب الغاز: يشرح الفصل أن سوريا رفضت مشروع خط أنابيب قطري عبر أراضيها لصالح خط أنابيب إيراني في 2009، مما أغضب الغرب وحلفاءه في الخليج، وجعل تغيير النظام هدفاً اقتصادياً لفتح الطريق أمام المشروع القطري.
- تطوير ساحة جديدة للحرب المعلوماتية لاختبار تقنيات جديدة يمكن استخدامها ضد خصوم أكبر مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
- استغلال نقاط الضعف الداخلية: الأزمة المالية لعام 2008، والجفاف المدمر بين عامي 2007-2010 الذي تسبب في هجرة جماعية من الريف إلى المدن وتوترات اجتماعية، كلها خلقت بيئة خصبة للتمرد والاستقطاب.
في النهاية، لا يقر المؤلف بتحفظات كبيرة على فكرته الرئيسية، بل يثبتها بالأدلة. لكن الفصل يثير حججاً قابلة للنقاش بوضوح. النقطة الأكثر إثارة للجدل هي الادعاء بأن الدعم الغربي لأفغانستان هو الذي أجبر السوفيت على الغزو، وهو ما يقلب الرواية الغربية الرسمية. كما أن تصوير كل التدخلات الغربية على أنها مدفوعة بالرغبة في "إخضاع" الدول وتدمير الاستقلالية، متجاهلاً أي دوافع أخرى محتملة (مثل الأمن أو الدفاع عن حلفاء)، هو بحد ذاته موقف أيديولوجي واضح. الفصل لا يناقش، مثلاً، دور النظام السوري في العنف أو في قمع انتفاضة مدنية سلمية في بداياتها، بل يركز فقط على العوامل الخارجية والهيكلية كسبب وحيد للحرب.
3.الحرب في سوريا: المراحل الأولية108–166▼ ملخص
يؤكد هذا الفصل أن الحرب في سوريا لم تكن انتفاضة شعبية عفوية، بل كانت نتيجة لتخطيط غربي وإقليمي مُمنهج بدأ قبل سنوات من اندلاعها. يقدم المؤلف أدلة على أن خطط الإطاحة بالحكومة السورية من خلال دعم تمرد مسلح تعود إلى عام 2009 على الأقل، أي مع بداية إدارة الرئيس باراك أوباما. ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية كانت بديلاً أقل تكلفة من التدخل البري المباشر الذي اتبعته إدارة بوش، حيث اعتمدت على دعم قوى داخلية لإحداث "ان collapse من الداخل".
يستعرض الفصل كيف مهّد التحول الاستراتيجي في السياسة الأمريكية خلال عامي 2007 و2008 الطريق لهذه الحرب. فبعد حرب إسرائيل على لبنان في 2006، رأت إدارة بوش في تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات السنية المتطرفة "الشر الأقل"، وركزت جهودها على مواجهة "محور المقاومة" بقيادة إيران وسوريا وحزب الله. ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول تضمن تعاوناً وثيقاً مع السعودية ودول خليجية أخرى لتعبئة ودعم العناصر الجهادية، مستشهداً بتصريحات خبراء مثل فالي نصر الذي أكد قدرة السعوديين على "تعبئة أسوأ أنواع الإسلاميين المتطرفين".
ينتقل الفصل لتفصيل بدايات التمرد في آذار/مارس 2011، ويرسم صورة مختلفة عن الرواية الغربية السائدة. فبينما صورت وسائل الإعلام الاحتجاجات في مدينة درعا القريبة من الحدود الأردنية على أنها ثورة سلمية، يؤكد النص أن هجمات مسلحة منظمة استهدفت قوات الأمن والجيش في نفس التوقيت، وأن مقاتلين مدربين كانوا يتدفقون عبر الحدود التركية والأردنية. يلعب الفصل دوراً محورياً في فضح دور قطر، عبر قناتها الجزيرة، في تأجيج الاحتجاجات ودعم التمرد الإسلامي، وكذلك نشاط السفير الأمريكي روبرت فورد في تحريض المعارضة وتنظيمها.
يوضح الفصل أن الاحتجاجات السلمية كانت محدودة جغرافياً في المناطق الريفية والحدودية، بينما خرجت مظاهرات ضخمة مؤيدة للحكومة في دمشق. ويخلص إلى أن الغرض الحقيقي للاحتجاجات كان خلق غطاء من الفوضى يسمح للمقاتلين المدعومين من الخارج بتحقيق مكاسب ميدانية. ويستشهد بقول قائد جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، الذي اعترف بأن الثورة مهدت الطريق لدخولهم إلى سوريا. ويؤكد الكاتب أن العناصر الجهادية شكلت الغالبية العظمى من المقاتلين المسلحين منذ اليوم الأول، وأن ما يسمى بـ"المعارضة المعتدلة" كان دورها دعائياً بحتاً، مستشهداً بوثيقة لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية من عام 2012 تعترف بذلك.
يناقش الفصل بالتفصيل هيئة الجيش السوري الحر، ويكشف أنها لم تكن كياناً معتدلاً كما صورتها وسائل الإعلام الغربية. يوضح أن الجيش السوري الحر كان تحالفاً فضفاضاً ضم في صفوفه جماعات إرهابية مثل جبهة النصرة، وأن الأخيرة كانت تعتبر ذراعه الأكثر فعالية. ويذكر حوادث محددة مثل مجزرة داريا في آب/أغسطس 2012 ومذبحة عقرب في كانون الأول/ديسمبر 2012، التي أثبتت التحقيقات الميدانية مسؤولية الجيش السوري الحر عنها، بينما ألقت وسائل الإعلام الغربية اللوم على الحكومة السورية. ويشير إلى أن الهدف الأساسي لهيئة الأركان العليا كان دعائياً لتوفير غطاء سياسي للداعمين الدوليين.
يتناول الفصل الدور الحاسم الذي لعبته تركيا والأردن والسعودية وقطر في دعم التمرد. فقد وفرت هذه الدول قواعد خلفية آمنة للمقاتلين للتدرب والتزود بالسلاح والانسحاب إليها، وفتحت حدودها لتدفق المقاتلين والإمدادات. ويكشف النص عن دور الاستخبارات التركية في تنسيق العمليات مع الجماعات المسلحة، وعن تدفق الأسلحة عبر معبر جسر الشغور الحدودي في حزيران/يونيو 2011، وكيفية قيام طائرات شحن قطرية وسعودية بنقل آلاف الأطنان من المعدات العسكرية إلى قواعد في تركيا والأردن. ويذكر أن السعودية وصلت إلى حد إطلاق سراح سجناء محكوم عليهم بالإشتراط بالانضمام إلى "الجهاد في سوريا".
يختتم الفصل بالحديث عن بروز تهديد التدخل العسكري الغربي المباشر، مستلهماً من نموذج ليبيا حيث تم استغلال قرار أممي لحماية المدنيين لشن حملة جوية للإطاحة بالحكومة. يشير الكاتب إلى أن هذه التجربة دفعت روسيا والصين إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار في مجلس الأمن يستهدف سوريا. ويناقش مسألة الأسلحة الكيميائية، ويذكر أن الحكومة السورية أعلنت بوضوح أنها لن تستخدمها إلا في حالة تعرض البلاد لعدوان خارجي، بينما ظهرت مزاعم غير مؤكدة من الجماعات المسلحة حول استخدامها. ويختم بذكر تصاعد التدخل الإسرائيلي المباشر في عام 2013، مما أضاف بُعداً جديداً للصراع وحوّله من حرب بالوكالة إلى مواجهة إقليمية أكثر تعقيداً وخطورة.
4.تدويل الجهد الحربي: تصعيد التدخل الأجنبي المباشر في الحرب السورية167–200▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل مرحلةً حاسمةً من الحرب السورية، وهي الفترة الممتدة من منتصف عام 2013، والتي شهدت تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع من حرب داخلية إلى مواجهة دولية مفتوحة، مع تدخل القوى الكبرى بشكل مباشر ومتزايد. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن معركة القصير في يونيو 2013 كانت نقطة تحول كبرى، حيث أدى انتصار الجيش السوري وحلفائه إلى عكس مسار الحرب لصالحه، مما دفع القوى الغربية، التي رأت أن هزيمة المسلحين أصبحت وشيكة، إلى التخطيط لشن هجوم مباشر على الدولة السورية. في المقابل، كثفت روسيا من دعمها لدمشق لمنع هذا السيناريو، مما أدى إلى مواجهة دبلوماسية وعسكرية غير مباشرة بين القوى العظمى.
يسير الفصل خطوة بخطوة، شارحاً العوامل التي دفعت روسيا إلى التصعيد. يذكر الكاتب ثلاثة عوامل رئيسية: الأول، تدويل الصراع بفعل الغارات الإسرائيلية والتهديدات الغربية بالتدخل المباشر، مما جعل التهديد خارجياً وليس داخلياً. الثاني، الخطر الذي تشكله الجماعات الجهادية المدعومة غربياً وتركياً وخليجياً على المصالح الروسية، خاصة في منطقة آسيا الوسطى والجمهوريات المسلمة في روسيا نفسها، مشيراً إلى تحذيرات الرئيس بوتين من أن المسلحين في سوريا "لم يأتوا من العدم ولن يختفوا في الهواء" بعد انتهاء الحرب. الثالث، عودة بوتين إلى الرئاسة في مايو 2012 بعد فترة رئاسة دميتري ميدفيديف التي اتسمت بسياسة أكثر ليونة تجاه الغرب، مما أدى إلى تغيير جذري في السياسة الخارجية الروسية.
يقدم الفصل أمثلة ملموسة على هذا التصعيد الروسي، مثل توسيع الوجود البحري في قاعدة طرطوس في مايو 2013، حيث بقي ما بين 10-15 سفينة حربية قرب القاعدة بشكل دائم، مسلحة بصواريخ مضادة للسفن وأنظمة دفاع جوي متطورة. كما يعرض تفاصيل طلب سوريا من روسيا معدات عسكرية قياسية (20,000 بندقية كلاشينكوف و20 مليون طلقة ذخيرة)، وهو ما يراه الكاتب محاولة من دمشق لزيادة الالتزام الروسي. لكن القرار الأبرز كان موافقة روسيا على توريد نظام الدفاع الجوي إس-300، وهو ما أثار ضغوطاً إسرائيلية كبيرة أدت إلى تجميد الصفقة لاحقاً، مقابل تزويد سوريا بصواريخ باستيون المضادة للسفن، والتي وُصفت بأنها "قاتلة حقيقية للسفن".
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة الخطط الغربية لفرض "منطقة حظر طيران" على سوريا. يوضح الكاتب أن هذا المخطط، رغم تقديمه كإجراء إنساني، كان في الحقيقة غطاءً لشن هجمات جوية أوسع تهدف إلى إضعاف الجيش السوري وقلب موازين القوى لصالح المسلحين، مستشهداً بتقارير من مؤسسة راند وغيرها. يبرز الفصل الانقسام داخل الإدارة الأمريكية، حيث أبدى الرئيس أوباما تحفظاته، مشيراً إلى أن المنطقة المحظورة "ستتطلب عملية عسكرية أكبر بكثير مما يعتقد أنصارها"، بينما كانت فرنسا وبريطانيا وتركيا بقيادة أردوغان أكثر حماسة للتدخل. كما يذكر أن الأسباب الرئيسية لتردد أوباما لم تكن قانونية، بل استراتيجية، تتعلق بـ"إعادة التوازن إلى آسيا" لمواجهة صعود الصين وتهديد كوريا الشمالية النووي.
يشكل الهجوم الكيميائي المزعوم في الغوطة الشرقية في 21 أغسطس 2013 ذروة الفصل. يقدم المؤلف أدلة مكثفة للتشكيك في الرواية الغربية التي ألقت باللوم على الحكومة السورية. يذكر أن الجيش السوري كان يربح الحرب، ولم يكن لديه دافع لاستخدام السلاح الكيميائي وتوفير ذريعة للتدخل الغربي. على النقيض، كان للجماعات الجهادية، مثل جبهة النصرة، كل المكاسب من وراء ذلك. يدعم المؤلف هذا الادعاء بأدلة متعددة: تقرير كارلا ديل بونتي التي اتهمت "معارضي النظام" باستخدام غاز السارين، وضبط عناصر من جبهة النصرة بحوزتهم 2 كيلوغرام من السارين في تركيا، وتحليل علمي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أثبت أن الصواريخ المستخدمة لم تكن في متناول الجيش السوري، وتحقيقات الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش الذي اتهم الإدارة الأمريكية بـ"انتقاء المعلومات الاستخباراتية" لتبرير الهجوم وتجاهل الأدلة التي تثبت أن "جبهة النصرة" كانت تملك قدرات تصنيع السارين. كما يشير إلى تقارير تفيد بأن الاستخبارات التركية ربما سهلت الهجوم لدفع أوباما لتنفيذ تهديده بـ"الخط الأحمر".
يختم الفصل بمناقشة كيفية تجنب حرب مباشرة بين الناتو وسوريا. مع اقتراب الأساطيل الحربية الأمريكية والبريطانية، تدخلت الدبلوماسية الروسية باقتراح وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية وتدميرها. يعرض الكاتب هذا الاقتراح كحل لإنقاذ ماء وجه الإدارة الأمريكية، مع التهديد الروسي الضمني بالرد على أي هجوم غربي. يذكر أن الرئيس بوتين نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز، حذر فيه من أن الهجوم على سوريا سيدفع "النظام الدولي والقانون الدولي برمته إلى الخلل". وبقبول الخطة، تم تجنب الحرب المباشرة، لكن الفصل يخلص إلى أن هذه الخطوة كلفت سوريا "رادعها الاستراتيجي الوحيد". ينتهي الفصل بعرض الآثار المترتبة على ذلك، حيث استأنف الجيش السوري هجومه لتحرير مناطق مثل معلولة وشن عملية العاصفة الشمالية لفك الحصار عن حلب، في الوقت الذي بدأت فيه تنظيمات مثل الدولة الإسلامية بالظهور كقوة جديدة ومستقلة تشكل خطراً على جميع الأطراف.
يقر المؤلف بحدود واضحة، خاصة فيما يتعلق بعدم إمكانية الجزم بمسؤولية أي طرف عن الهجوم الكيميائي بشكل قاطع، بالرغم من تقديم أدلة قوية تشير إلى تورط المسلحين. كما يترك أسئلة مفتوحة حول دوافع بعض الأطراف، وتساؤلات حول فعالية الردع الروسي في المستقبل بعد نزع السلاح الكيميائي السوري. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي الإدانة الصريحة للتدخل الغربي بوصفه عدواناً غير قانوني وأخلاقي، وطرح رواية بديلة عن الهجوم الكيميائي تدعمها أدلة استخباراتية وتحقيقات صحفية، مما يجعل الفصل متحيزاً بوضوح ضد الرواية الغربية السائدة.
5.نقاط التحول201–254▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، المعنون "نقاط التحول"، على تحولين حاسمين في مسار الحرب السورية: الأول هو صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" كقوة عسكرية لا تُقهر وأكثر وحشية من "جبهة النصرة"، مما أدى إلى خسائر فادحة للجيش العربي السوري في النصف الثاني من عام 2014؛ أما التحول الثاني والأكثر حسماً فهو التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر 2015، والذي قلب موازين القوى رأساً على عقب وأجهض خطط الغرب لفرض مناطق عازلة وتقسيم البلاد.
يبدأ الفصل بعرض المكاسب التي حققها الجيش السوري في النصف الأول من 2014، وأبرزها السيطرة على مدينة حمص في أيار/مايو، واصفاً إياها بأهم انتصار منذ معركة القصير. لكنه ينتقل سريعاً إلى تفاصيل الصعود المدوي لتنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي استغل سيطرته على الفلوجة في العراق في كانون الثاني/يناير ليشن هجوماً واسعاً في سوريا. يوضح الكاتب كيف اجتاح التنظيم خصومه من الفصائل الإسلامية الأخرى مستخدماً تكتيكات مفاجئة كالسيارات المفخخة، واستولى على مطار الجراح العسكري ومدينتي منبج وجرابلس في ريف حلب، وسيطر على معظم محافظة الرقة. يشير الفصل إلى أن هذا الصعود أدى إلى قطيعة دموية بين التنظيم و**"القاعدة"**، تجسدت في اغتيال المبعوث أبو خالد السوري في شباط/فبراير وإعلان "جبهة النصرة" الحرب على "داعش".
يصف المؤلف كيف حوّل التنظيم قوته العسكرية إلى دولة حقيقية ذات مؤسسات، معتمداً على كوادر من ضباط الجيش العراقي السابقين ومقاتلين جهاديين عالميين. يذكر أن قوات "الدولة الإسلامية" بدأت في تموز/يوليه 2014 محاصرة حامية الجيش في دير الزور، ثم وسعت هجماتها لتشمل حقول الغاز في الشاعر ومطار كويرس الجوي وقاعدة الفرقة 17 في الرقة، متسببة بأكبر خسائر بشرية في صفوف الجيش السوري منذ بدء الحرب. يخلص الكاتب إلى أن هذه الهجمات المتزامنة في سوريا والعراق جعلت المحللين يتحدثون عن "حرب السيراق" الموحدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التدخل الغربي، الذي بدأ بقصف جوي على مواقع "الدولة الإسلامية" في سوريا في 23 أيلول/سبتمبر 2014 بقيادة الولايات المتحدة وتحالف يضم بريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية والإمارات. يوضح الكاتب أن هذا القصف تم دون موافقة الحكومة السورية، مما شكل انتهاكاً لسيادتها، ويشير إلى جدل حول فعاليته، مرجحاً أنه كان غطاءً لاختراق الأجواء السورية أكثر من كونه حملة حقيقية لضرب التنظيم. كما ينتقد برنامجاً أميركياً بقيمة 500 مليون دولار لتدريب "معتدلين" أنتج 60 مقاتلاً فقط من أصل 5400 مستهدف، واصفاً إياه بالفشل الذريع.
بعد فقدان الرقة، يسرد الفصل تراجعاً مستمراً للجيش السوري في أواخر 2014 وأوائل 2015 تحت ضغط ثلاثي: من "الدولة الإسلامية" شرقاً، ومن "جبهة النصرة" والفصائل الإسلامية جنوباً (خاصة في القنيطرة ونوى)، ومن تشكيل جبهة موحدة للميليشيات الجهادية في كانون الأول/ديسمبر. يصف خسائر فادحة في حلب ودرعا، وسقوط مدينة تدمر الأثرية في 21 أيار/مايو 2015 بعد هجوم كبير لـ**"داعش"، الذي تبعته عمليات إعدام جماعية وتدمير للمواقع التراثية. يذكر الفصل أن الرئيس بشار الأسد اعترف في 26 تموز/يوليه بنقص في القوى البشرية للجيش. على الجبهة اللبنانية، يصف هجوماً كبيراً لـ"جبهة النصرة"** على مواقع "حزب الله" في القلمون في مطلع 2015، والذي تمكن الحزب من صده بحلول أيار/مايو بدعم من الجيش السوري.
يصل الفصل إلى نقطة تحول كبرى: مع تزايد الحديث عن فرض "مناطق آمنة" و**"حظر جوي"** من قبل تركيا والأردن والولايات المتحدة، وهو ما يعتبره الكاتب تمهيداً لتقسيم سوريا وفق رؤى قديمة، مستشهداً بمخططات إسرائيلية تعود لعام 1982 من قبل المسؤول أوديد ينون. في هذا السياق الحرج، يتدخل روسيا الاتحادية عسكرياً. يصف الفصل التجهيزات السرية في مطار حميميم في اللاذقية منذ أواخر أغسطس 2015، وتوقيع اتفاقية مع سوريا في 26 أغسطس، وتنسيق العملية مع إيران وسوريا والعراق عبر غرفة عمليات مشتركة، وذلك بناءً على طلب رسمي من دمشق وزيارة قام بها قائد فيلق القدس قاسم سليماني إلى موسكو.
يوضح الكاتب أن الضربات الجوية الروسية التي بدأت في 30 أيلول/سبتمبر 2015 أحدثت فرقاً فورياً، ليس فقط بسبب قوتها النارية (مقاتلات سو-34 و سو-30 المتطورة) ودقتها، بل أيضاً لتأثيرها المعنوي في رفع روح الجيش السوري. ويؤكد أن الهدف الأهم للتدخل الروسي كان إفشال خطط الغرب لفرض مناطق حظر جوي، إذ أن وجود الطيران الروسي جعل أي محاولة لضرب مواقع سورية بمثابة إعلان حرب على موسكو. ينقل الفصل تصريحات لقادة عسكريين أميركيين يؤكدون فيها استحالة فرض حظر جوي دون الدخول في حرب مع روسيا، مما جعل الدعوات السياسية لذلك مجرد خطاب انتخابي غير قابل للتنفيذ.
أخيراً، يصف الفصل كيف تحول التدخل الروسي إلى هجوم بري بري مشترك. في 7 تشرين الأول/أكتوبر، أطلق الجيش السوري و**"حزب الله"** والقوات الإيرانية هجوماً معاكساً كبيراً بغطاء جوي روسي، مسجلين تقدماً في حلب واللاذقية وإدلب وحماه. يبرز الفصل التعاون الوثيق بين روسيا و**"حزب الله"**، حيث زود الحزب الروس بالمعلومات الاستخباراتية من الأرض، بينما قدم الروس الدعم الجوي، واصفاً إياه بتحالف استراتيجي سمح بقلب دفة الحرب. ينتهي الفصل بملاحظة مثيرة للاهتمام حول التأثير الكوري الشمالي العميق في تشكيل "حزب الله"، حيث يشير إلى أن معظم قياداته تدربوا في كوريا، وأن الحزب يستخدم أنفاقاً محصنة وشبكات صواريخ باليستية مستوحاة من النموذج الكوري.
في الختام، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش مفادها أن الغزو الجوي الغربي لسوريا لم يكن بمعظمه موجهاً ضد "الدولة الإسلامية" بقدر ما كان محاولة لاختراق السيادة السورية وتمهيد الطريق لتقسيم البلاد، وهو ما أحبطه التدخل الروسي الحاسم. يمكن للقارئ أن يسأل: لو لم تتدخل روسيا، هل كانت سوريا ستتحول إلى مجموعة من الكيانات الطائفية المتناحرة كما خططت لها بعض الأطراف الإقليمية والدولية؟
6.حلب ومرحلة جديدة من الحرب255–290▼ ملخص
بدأت القوى الموالية للحكومة السورية، بقيادة الجيش العربي السوري، بتحقيق تقدّم ملموس على حساب قوات المعارضة المسلحة منذ نهاية عام 2015، مع إسناد جوي روسي كثيف. وفي محافظتي حماة واللاذقية، لعبت مروحيات هجومية روسية من طراز مي-24بي دوراً حاسماً، حيث حلقت على ارتفاع منخفض جداً لقصف مواقع المسلحين بدقة، مما زاد فعالية القوات الحكومية براً. وفي حمص، واجه الجيش السوري هجوماً من تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان قد سيطر على تدمر في مايو، وتقدّم باتجاه بلدة مهين وصدد المسيحية الاستراتيجية. وقدّمت روسيا دعماً حاسماً في صد هذا الهجوم، من خلال شحنات أسلحة نوعية مثل دبابات تي-72 المطوّرة وناقلات الجنود بي إم بي-2، إضافة إلى مستشارين روس ومروحيات هجومية. ساهمت الضربات الجوية والهجمات الصاروخية المنخفضة المستوى في إلحاق خسائر فادحة بتنظيم الدولة، مما مكّن الجيش السوري من استعادة مهين في 29 ديسمبر، ثم شن هجوم نحو تدمر، والذي انتهى باستعادتها بالكامل في أواخر مارس، بعد نشر أنظمة صواريخ حرارية روسية متطورة من نوع توس-1إيه وقوات خاصة روسية عملت كمراقبين جويين أماميين.
في موازاة ذلك، شهدت جبهة درعا الجنوبية هجوماً بقيادة حزب الله والقوات الخاصة الروسية والنخبة السورية لاستعادة بلدة الشيخ مسكين في يناير 2016، والتي نجحت في تقسيم مناطق المسلحين. وفي محاولة للضغط على واشنطن، تعهّدت السعودية والإمارات بإرسال قوات برية إلى سوريا، لكن هذا التهديد لم يتحقق على أرض الواقع. أما المعركة الأهم، فكانت استعادة حلب، كبرى المدن السورية، والتي بدأت في منتصف أكتوبر 2015. شنّ الجيش العربي السوري وحلفاؤه، بقيادة فيلق القدس الإيراني وحزب الله ولواء القدس الفلسطيني، هجوماً مشتركاً مكّنه الدعم الروسي الواسع. أُنشئت غرفة عمليات مشتركة في قاعدة الصفيرة الجوية، وأشرف قائد فيلق القدس قاسم سليماني شخصياً على الحملة. واجه الهجوم بطءً في التقدّم في البداية بسبب صواريخ تاو الأميركية المضادة للدروع، والتي تمّ تزويد المسلحين بها بكميات كبيرة عبر وكالة المخابرات المركزية، مع اشتراط استخدامها وإثبات ذلك بفيديو لاستبدالها.
تطلّبت المراحل الأولى من الهجوم السيطرة على ريف حلب قبل التوجّه نحو المدينة. تركزت الجهود على ثلاثة محاور: شرقاً ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وغرباً للسيطرة على الطريق السريع إم5، وشمالاً لقطع طرق الإمداد من تركيا. في المحور الشرقي، تمكنت قوات النمر السورية من فك الحصار عن قاعدة كويرس الجوية في 15 يناير، ثم السيطرة على محطة حلب الحرارية في فبراير، لينتهي وجود تنظيم الدولة في شرق حلب بحلول 22 فبراير. في المحور الشمالي، قاد حزب الله هجوماً حاسماً في 1 فبراير، كسر فيه حصاراً استمر ثلاث سنوات على بلدتي نبل والزهراء، مما أدى لقطع شريان الإمداد الرئيسي للمسلحين. لعبت دبابات تي-90 الروسية الحديثة دوراً محورياً في اختراق الدفاعات، بعد أن عانى الجيش السوري من خسائر كبيرة بسبب اعتماده على دبابات تي-72 وتي-55 القديمة.
بعد تحقيق هذه المكاسب، تم تطويق مدينة حلب بالكامل في 27 يوليو، وأعلنت روسيا فتح ممرات إنسانية لإجلاء المدنيين. رغم محاولة المسلحين كسر الحصار عبر هجوم على حي الراموسة، صمدت القوات الحكومية بمساعدة القوات الخاصة الروسية. في نوفمبر، بدأ الجيش وحزب الله التقدّم داخل الأحياء الشرقية، مستفيدين من دعم استخباراتي روسي عبر طائرات استطلاع بدون طيار من طراز فوربوست وطائرة مراقبة متطورة من طراز توبوليف تو-214آر. بحلول ديسمبر، تقلّصت مساحة سيطرة المسلحين إلى أقل من 10% من الأحياء الشرقية، مما دفعهم للموافقة على إخلاء المدينة في 13 ديسمبر مقابل تأمين نقلهم إلى إدلب، وأشرف الصليب الأحمر والقوات الروسية على عملية الإخلاء التي اكتملت في 23 ديسمبر.
يشير الكاتب إلى أن الفصل يبرز تناقضاً بين الرواية الغربية التي صورت الحملة على أنها قمع، وواقع استقبال السكان للجيش السوري. ويستشهد بتقارير إعلامية غربية تؤكد أن حوالي 110 آلاف مدني اختاروا البقاء تحت حكم الحكومة، مقابل 34 ألف غادروا مع المسلحين، مما يعكس شعبية الحكومة. كما ينقل عن مراسل بريطاني تأكيده أن عدد الضحايا المدنيين كان أقل بكثير مما زعمته وسائل الإعلام الغربية، وأقل من سقوط ضحايا في معركة الموصل التي قادها التحالف الدولي. ويضيف أن المسلحين، بقيادة جبهة النصرة، اتُهموا باستخدام المدنيين كدروع بشرية، وهو ما أكدته تحقيقات أممية.
في خضم معركة حلب، وسّعت روسيا وجودها العسكري، ناشرة أنواعاً جديدة من المروحيات الهجومية وصواريخ إسكندر الباليستية. كما حلّقت قاذفات روسية من قواعد في إيران لأول مرة منذ 1979، لكنها سرعان ما غادرت بسبب اعتراضات داخلية. وفي نوفمبر 2016، أُرسلت حاملة الطائرات الروسية الوحيدة الأميرال كوزنتسوف مع مجموعة مرافقة لها إلى البحر المتوسط، ورغم مشاكلها الفنية، نفذ طيرانها 420 طلعة جوية وضرب 1252 هدفاً. كما نفذت قاذفات تو-95 هجوماً بصواريخ كروز من المحيط المتجمد الشمالي، وهو الأول من نوعه.
بعد حلب، ظهرت تهديدات جديدة، أبرزها العملية التركية درع الفرات في 24 أغسطس 2016، والتي سيطرت على 2055 كيلومتراً مربعاً. كما تعرضت القوات السورية لهجوم جوي غربي في دير الزور في 17 سبتمبر، أوقع أكثر من 150 قتيلاً، في حادثة زعم أنها خاطئة. في ديسمبر، شن تنظيم الدولة هجوماً استعاد فيه تدمر، لكن الجيش السوري بدعم روسي شنّ هجوماً معاكساً في يناير 2017، استخدم فيه أحدث الأسلحة، واستعاد تدمر مرة أخرى في 2 مارس. وشهدت المعركة مقتل لواء روسي وإصابة آخر، وهي أثقل خسائر روسية.
في موازاة ذلك، بنت الولايات المتحدة علاقاتها مع الميليشيات الكردية، وخاصة وحدات حماية الشعب (YPG). بعد معركة كوباني في 2014، زادت واشنطن دعمها الجوي للأكراد، ثم أسست قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر 2015 كغطاء لتوسيع نفوذها. وشملت القوات الجديدة ميليشيات إسلامية وعربية، وكانت معادية للحكومة السورية. في فبراير 2017، التقى قائد القيادة المركزية الأميركية بقادة التحالف، وبدأت واشنطن بتسليح القوات ونشر عناصرها في شمال سوريا، مما شكل تهديداً متزايداً للسيادة السورية.
7.الاستيلاء على الأراضي: الغرب يتدخل291–331▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على مرحلة حاسمة من الحرب في سوريا، حيث يتحول الصراع من قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى سباق محموم للسيطرة على الأراضي بين ثلاثة أطراف رئيسية: الجيش العربي السوري المدعوم من روسيا وإيران، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، والقوات التركية ووكلاؤها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن التدخل الغربي، بقيادة أمريكا، تحول من محاربة الإرهاب إلى احتلال أراضٍ سورية بشكل غير قانوني، بهدف إضعاف الدولة السورية ومنعها من استعادة سيطرتها الكاملة على أراضيها، مما أدى إلى إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى صراع بالوكالة بين القوى الكبرى.
يسير الفصل بتسلسل زمني ومكاني، متتبعاً تحركات الجيش السوري في محافظتي الرقة ودير الزور، والجهود الأمريكية لدعم "قوات سوريا الديمقراطية" لقطع الطريق عليه. يشرح المؤلف أن روسيا استثمرت بكثافة في نجاح الجيش السوري، فنشرت مقاتلات سو-34، وطائرات هجومية من طراز سو-25SM، ووحدات مدفعية ثقيلة، وقوات خاصة، وعززت شبكات الاتصالات والاستطلاع الجوي، بهدف الوصول إلى الرقة قبل القوات الأمريكية. في المقابل، ظهرت تركيا كطرف ثالث، مدفوعة بعدائها لوحدات حماية الشعب الكردية، فدفعت بوكلائها للسيطرة على أراضٍ في الشمال السوري على حساب قوات سوريا الديمقراطية، مستخدمة دبابات ليوبارد 1 الألمانية التي تكبدت خسائر فادحة أمام تنظيم الدولة، مما أثار جدلاً واسعاً في الإعلام الغربي حول فعاليتها.
يصف الفصل بمزيد من التفصيل السباق نحو نهر الفرات، حيث تمكنت قوات النمر من الوصول إلى النهر في يوليو، مما منع قوات سوريا الديمقراطية من التقدم جنوباً. ثم ينتقل إلى مواجهة مباشرة في جنوب سوريا، حيث دعمت القوات الغربية (أمريكا، بريطانيا، النرويج) ميليشيات "الجيش السوري الجديد" في منطقة التنف. أعلنت الولايات المتحدة منطقة عازلة بقطر 50 كيلومتراً حول التنف، ومنعت الجيش السوري من الاقتراب، وقصفت الميليشيات الموالية للحكومة مرتين في مايو. ردت إيران بطائراتها المسيّرة "شاهد 129" التي هاجمت قوات أمريكية لأول مرة منذ الحرب الكورية، بينما حلقت مقاتلات روسية من طراز سو-30 وسو-35 في الجو كتحذير. تمكن الجيش السوري في النهاية من الوصول إلى الحدود العراقية في 10 يونيو، وعزل القوات الغربية في التنف.
يتوسع الفصل في تفاصيل الهجوم الكيميائي المزعوم في خان شيخون (أبريل)، ويخصص مساحة كبيرة لفحص دور منظمة "الخوذ البيضاء". يعرض المؤلف وجهة النظر التي تتبناها روسيا وسوريا، بأن الهجوم كان مفبركاً لتوفير ذريعة للتدخل الغربي. يستشهد بإفادة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بعد عام من الحادثة بأنه "لا توجد أدلة" على استخدام سوريا للسلاح الكيميائي، وهو ما يتناقض مع الادعاءات الفرنسية السابقة. كما يشير إلى تقارير صحفيين مثل إيفا بارتليت وجون بيلجر وفانيسا بيلي الذين اتهموا الخوذ البيضاء بتلفيق مقاطع فيديو، وارتباطهم بجماعات إرهابية. ويذكر أن مفتي الأمم المتحدة السابق سكوت ريتر انتقد تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لاعتماده على عينات قدمتها الخوذ البيضاء. في المقابل، يذكر أن الدول الغربية تعتبر الخوذ البيضاء منظمة إنسانية.
ينتقل الفصل إلى الضربة الصاروخية الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية في 6 أبريل، والتي أطلقت خلالها 59 صاروخ توماهوك. يعلق المؤلف بأن الضربة كانت "مسرحية سياسية" أكثر منها عسكرية، لأن التحذير المسبق للروس سمح بإخلاء القاعدة وإخفاء الطائرات، مما جعل الأضرار طفيفة وسارعت الطائرات السورية إلى تنفيذ طلعات جوية بعد ساعات. يرى أن أهداف الضربة كانت مزدوجة: إرضاء الرأي العام الغربي، وإرسال رسالة تحدٍ إلى الصين وكوريا الشمالية، خاصة أن الضربة تمت أثناء عشاء الرئيس ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينغ. في المقابل، قامت روسيا والصين بمناورات بحرية مشتركة في المتوسط في يوليو كتعبير عن موقف موحد.
أما القسم الأكبر من الفصل فيخص معركة دير الزور التي بدأت في سبتمبر لكسر الحصار عن اللواء 137 بقيادة العميد عصام زهر الدين. يشيد الفصل بصمود اللواء لأكثر من ثلاث سنوات تحت حصار تنظيم الدولة، ويصف الضربات الجوية الروسية المكثفة التي استخدمت صواريخ كروز من البحرية الروسية، وقاذفات تو-22M، والمروحيات الهجومية كا-52، بالإضافة إلى دور المهندسين الروس في إنشاء جسر عائم فوق الفرات. يفصل الفصل الجهود الأمريكية الموازية للسيطرة على حقول النفط والغاز، وأهمها حقل العمر الذي أنتج 75,000 برميل يومياً، وحقل كونوكو للغاز، واصفاً ذلك بأنه حرمان متعمد لسوريا من موارد إعادة الإعمار. يذكر أيضاً حادثة كشام في فبراير 2018، حيث قصفت طائرات أمريكية (بينها بي-52 وإيه سي-130) قوات سورية ومليشيات، مما أوقع خسائر فادحة، في مشهد أظهر الاستعداد الأمريكي لاستخدام القوة المفرطة لحماية احتلالها.
يناقش الفصل الانسحاب الأمريكي المعلن في مارس 2018، والذي قوبل بانتقادات غربية واسعة، مقابل تململ فرنسي بقيادة الرئيس ماكرون الذي أعلن إرسال قوات لدعم الاحتلال. ثم يعود إلى هجوم كيميائي مزعوم آخر في دوما (أبريل 2018)، ويصف الهجوم الثلاثي (أمريكا، بريطانيا، فرنسا) الذي أعقبه، والذي استخدم أكثر من 100 صاروخ كروز وطائرات مقاتلة متطورة. يكرر المؤلف أن الهجوم كان "مسرحاً سياسياً غير فعال" كما أكد مسؤولون إسرائيليون، وأن أضراره كانت محدودة، وأنه أدى إلى نتائج عكسية بتعزيز التعاون العسكري الروسي مع سوريا وإيران وكوريا الشمالية. ويختتم الفصل بإشارة إلى جدل واسع داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حيث كشف مهندس بريطاني (إيان هندرسون) أن الفريق الميداني في دوما خلص إلى أن هجوماً كيماوياً لم يحدث، لكن فريقاً آخر خارج سوريا فرض استنتاجاته.
يقرّ المؤلف في ثنايا الفصل بوجود حدود واضحة للمعلومات، خاصة في حادثة كشام حيث يقول إن "المسار الدقيق للأحداث من غير المرجح أن يتم التحقق منه بالكامل في المستقبل القريب"، وفيما يخص عدد الصواريخ التي تم اعتراضها خلال الضربة على دوما. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى فاعلية الضربات الغربية الحقيقية، وهل كانت تهدف أصلاً إلى إحداث أثر عسكري أم أنها مجرد ردود فعل سياسية. أخيراً، يخلص الفصل إلى نتيجة حاسمة هي أن الحرب التقليدية ضد الإرهاب انتهت فعلياً، وأن الصراع تحول إلى حرب احتلال واقتصادية، مما جعل مهمة استعادة سوريا لسيادتها الكاملة مستحيلة دون مواجهة مباشرة مع الناتو، وهو ما لم تكن موسكو أو دمشق مستعدتين له.
8.إنهاء الحرب السورية332–380▼ ملخص
هذا ملخص أمين للفصل الثامن، "إنهاء الحرب السورية"، من كتاب "World War in Syria" للمؤلف Abrams، بأسلوب بسيط ومباشر.
بحلول نهاية عام 2018، أصبح من الواضح أن الحرب السورية كانت تقترب من نهايتها العسكرية. يؤكد المؤلف أن التمرد المسلح قد هُزم فعلياً، مستشهداً بتقارير من مسؤولين أمريكيين مثل مدير الاستخبارات الوطنية دان كوتس والمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، اللذين أشارا إلى انتهاء الصراع الإقليمي الكبير. يتجلى هذا الانتصار في أمر الجيش العربي السوري بتسريح جزء من المجندين في ديسمبر 2018، وإعلان حزب الله سحب جزء من قواته في يوليو 2019، مما يعكس انخفاض الحاجة للقوات بعد استقرار السيطرة على معظم الأراضي.
يتناول الفصل التطورات التي أعقبت هذا الانتصار، بدءاً من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر 2018 عن هزيمة داعش وسحب القوات الأمريكية (التي تجاوزت 2000 جندي) خلال 60-100 يوم. يصف المؤلف هذا القرار بأنه "صدمة" للحلفاء الغربيين ولقوات قسد الكردية، التي كانت تعتمد على الحماية الأمريكية. في المقابل، أدى هذا الإعلان إلى تحولات دبلوماسية، حيث أعادت الإمارات والبحرين فتح سفارتيهما في دمشق في أواخر ديسمبر 2018، وهو ما يعتبر اعترافاً ضمنياً بانتصار الحكومة السورية، ويُفسر أيضاً كمحاولة لموازنة نفوذ قطر وتركيا.
نتيجة لاحتمال الانسحاب الأمريكي، سعت القوات الكردية إلى طلب عودة الجيش العربي السوري إلى ريف منبج الشمالي لمواجهة القوات التركية. يُشير المؤلف إلى أن الحكومة السورية أبدت انفتاحاً على منح الأكراد حكماً ذاتياً أوسع، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع سياسات تركيا والفصائل الجهادية التابعة لها. على الرغم من الضغوط الداخلية في أمريكا التي منعت تنفيذ الانسحاب الكامل (حيث كشف المسؤول جيمس جيفري لاحقاً أن المسؤولين خدعوا ترامب بشأن عدد القوات)، فإن الانسحاب الجزئي في أكتوبر 2019 سمح للجيش السوري و القوات الروسية بالانتشار في مواقع استراتيجية، وهو ما اعتبرته وسائل الإعلام الغربية "هدية لـ الأسد و بوتن".
بعد انتهاء القتال في معظم الأراضي، ينتقل الفصل إلى معركة جديدة: الحرب الاقتصادية. يشرح المؤلف أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، شرع في سياسة ممنهجة لعرقلة إعادة الإعمار من خلال عقوبات اقتصادية أولية وثانوية، والاستيلاء غير القانوني على الموارد الطبيعية السورية (النفط والغاز) لحرمان الدولة من الإيرادات. يستشهد بتصريح جيمس جيفري بأن مهمته كانت جعل سوريا "مستنقعاً للروس"، بهدف تحويلها من أصل إلى عبء على حلفائها. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ حوالي 250 مليار دولار، أي أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، وقد دُمّر أكثر من 50% من البنية التحتية الاجتماعية.
في مواجهة هذه العقوبات، يوضح الفصل اعتماد سوريا على دعم كل من إيران و روسيا و الصين و كوريا الشمالية. فبينما قدمت إيران قروضاً ونفطاً (مثل 3.6 مليار دولار للنفط وقرض مليار دولار للغذاء)، كانت قدرتها على المساعدة في إعادة الإعمار محدودة بسبب العقوبات الأمريكية عليها. في المقابل، يُبرز المؤلف الدور المحوري للصين التي وعدت باستثمار 2 مليار دولار في الصناعة السورية، وساهمت في بناء شبكات الاتصالات وتقديم مساعدات عينية (مثل 800 مولد كهربائي و100 حافلة). ويشير إلى أن قدرة الصين، بصفتها أكبر اقتصاد في العالم، على توفير أي سلعة تقوض فعالية العقوبات الغربية. كما يلعب التقارب مع دول الخليج (باستثناء قطر) دوراً محتملاً في التمويل، لكن الغرب سعى لإفشال هذا التقارب عبر قانون قيصر الذي يهدد بعقوبات ثانوية على أي شركة تشارك في إعادة الإعمار.
يؤكد المؤلف أن الهدف الغربي من هذه الحرب الاقتصادية هو إجبار سوريا على "انتقال سياسي" يعني عملياً إسقاط النظام، وهو ما فشلت الحرب العسكرية في تحقيقه. ويستشهد بتسريبات عن توجيهات للأمم المتحدة بعدم تقديم مساعدات إنسانية إلا بعد "انتقال سياسي"، مما يجعل المنظمة متواطئة في هذا الجهد. ويرى أن الوضع في سوريا أقل حدة مما كان عليه في العراق في التسعينيات، لكنه مدمر، حيث أدى انهيار الليرة وارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة 111% (حسب برنامج الغذاء العالمي في أبريل 2020) إلى معاناة هائلة، تتفاقم بسبب جائحة كوفيد-19 والأزمات الاقتصادية في لبنان و إيران.
يخصص الفصل قسماً هاماً للاستيلاء الأمريكي على النفط السوري، واصفاً إياه بـ "النهب" و "اللصوصية الدولية" على حد تعبير وزارة الدفاع الروسية. ينقل عن الرئيس ترامب قوله: "في الأيام الخوالي، عندما تكون لديك حرب، للفائز الغنائم... نحن نحرس النفط"، وعن السيناتور ليندسي غراهام أن الهدف هو حرمان الحكومة السورية من عائدات النفط. ويوضح أن القوات الأمريكية عززت وجودها حول حقول النفط بالدبابات والمدرعات، وأبرمت عقوداً مع شركة دلتا كريسينت إنيرجي لتوسيع عمليات الاستخراج، وأن ما تحت سيطرة أمريكا وتركيا يمثل 90% من طاقة إنتاج سوريا. في تناقض لافت، يشير الفصل إلى اتهامات روسية وأمريكية (من قبل النائبة تولسي غابارد) بأن الولايات المتحدة تؤوي وتدعم بقايا جهاديي داعش و القاعدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستخدماً إياهم كورقة ضغط ضد الحكومة السورية وروسيا.
القسم الأخير من الفصل يركز على حرب تركيا. يصف المؤلف تركيا بأنها أصبحت بحلول عام 2019 الداعم الرئيسي للجماعات الجهادية في سوريا، وخاصة في إدلب. يحلل الفصل التحول في العلاقات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، حيث اتهمت أنقرة كل من الإمارات و الولايات المتحدة بالضلوع فيها، مما أدى إلى شرخ غير مسبوق مع الغرب وتقارب سريع وملفت مع روسيا. هذا التقارب تجسد في شراء تركيا لنظام الدفاع الجوي الروسي إس-400، وهو ما أخرجها من برنامج مقاتلات إف-35.
يستعرض الفصل بالتفصيل المواجهة العسكرية المباشرة بين تركيا والجيش السوري في إدلب بداية عام 2020، حيث تدخلت القوات التركية لحماية الجماعات الجهادية من هجوم الجيش السوري. يذكر أن إدلب كانت تُعتبر "أكبر ملاذ آمن للقاعدة منذ 11 سبتمبر"، وتضم ما بين 60,000 و 90,000 مسلح، معظمهم من المتشددين. أسقطت الطائرات التركية مقاتلات سورية، واستخدمت المدفعية لدعم الجهاديين، مما أدى إلى اشتباكات مباشرة وخسائر في صفوف الجيشين. في المقابل، ردت روسيا بنشر فرقاطات مسلحة بصواريخ كاليبر وطائرات سو-34 لدعم الجيش السوري، مما أدى إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مارس 2020، حافظ على مكاسب محدودة للجيش السوري مع بقاء إدلب تحت الحماية التركية.
في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش بأن الحرب لم تنتهِ فعلياً، بل تحولت من صراع عسكري مباشر إلى حرب استنزاف اقتصادي واحتلال أجنبي، وأن النصر العسكري للحكومة السورية لم يترجم إلى استقرار وسيادة كاملة. الطريقة التي يصور بها المؤلف التدخل الغربي والتركي، خاصة فيما يتعلق بتهم دعم الإرهاب ونهب الموارد، هي بحد ذاتها حجة قوية وقابلة للنقاش، حيث تقدم منظوراً معارضاً بشدة للروايات السائدة في الإعلام الغربي. وصفه للعقوبات والاحتلال بأنهما استمرار للحرب بهدف إسقاط النظام، وليس تحقيق السلام، هو جوهر هذا الفصل.
9.من انتصر في سوريا؟381–439▼ ملخص
يُقدّم هذا الفصل الختامي من كتاب "الحرب العالمية في سوريا" إجابةً معقدة ومتعددة الأوجه على السؤال "من انتصر في سوريا؟"، ويؤكد أن الإجابة لا تقتصر على تحديد الفائز والخاسر في ساحة المعركة، بل تمتد لتشمل صراعاً أعمق حول النظام العالمي نفسه. يتمحور الفصل حول فكرة أن الحرب لم تكن مجرد صراع داخلي أو إقليمي، بل كانت ساحة لمواجهة شاملة بين رؤيتين متناقضتين للعلاقات الدولية: رؤية دمشق التي تؤمن بسيادة الدول المتساوية في الحقوق وعدم التدخل الخارجي، ورؤية الغرب التي تسعى إلى هيمنة عالمية تسمح له بالتأثير في شؤون الدول الأخرى وتبرير التدخل العسكري بل وتغيير القانون الدولي ليتناسب مع مصالحه.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه الفكرة المحورية. يبدأ بشرح التباين الأساسي بين النموذج السوري، المستند إلى ميثاق الأمم المتحدة وتجربة سوريا التاريخية مع الاحتلال، والنموذج الغربي الذي يعتبر أن الدول غير الغربية تفتقر إلى الشرعية الكافية، كما يتضح من تصريحات المسؤولين الغربيين مثل قائد البحرية الأمريكية السابق جون جوردان الذي اعتبر أن حكومة سوريا "غير منتخبة" وبالتالي لا يحق لها رفض الوجود العسكري الأمريكي. يستخدم المؤلف هذا المثال لتوضيح كيف أن الغرب يستبدل "رسالة التمدين" الاستعمارية القديمة بـ"رسالة الدمقرطة" الجديدة كذريعة للعدوان، مما يهدد أسس النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة التداعيات الجيوسياسية للحرب. يشرح المؤلف كيف أن دعم روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية لدمشق نبع من اشتراكها في رؤيتها لسيادة الدول. ويؤكد أن الحفاظ على استقلال سوريا كان حيوياً بشكل خاص نظراً لأن الدول الواقعة خارج النفوذ الغربي أصبحت أقلية في عالم ما بعد الحرب الباردة، حيث يحتفظ الغرب بأكثر من 800 قاعدة عسكرية في الخارج تمثل 95% من المنشآت العسكرية الأجنبية عالمياً. يوضح المؤلف أن سقوط سوريا كان سيعني ضربة قوية لمقاومة الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط، مستشهداً بتصريح رجل الدين الإيراني الكبير مهدي طائب الذي قال: "إذا فقدنا سوريا، لا يمكننا الاحتفاظ بطهران".
يتناول الفصل أيضاً دور الحرب الإعلامية والنفسية، وكيف روّج الإعلام الغربي والخليجي لخطاب طائفي سني-شيعي لعزل "محور المقاومة" عن الجماهير السنية في العالم الإسلامي. ويبطل المؤلف هذه الرواية بالإشارة إلى تنوع القيادة السورية التي كانت غالبيتها من السنة، وبأن تعدد الطوائف لم يؤدِ إلى تمييز مؤسسي. ثم ينتقل إلى عوامل إطالة أمد الحرب، والتي تشمل التدخلات المباشرة المتعاقبة من قبل تنظيم القاعدة (2011)، حزب الله (2013)، تنظيم الدولة الإسلامية (2014)، روسيا (2015)، والولايات المتحدة وتركيا.
في تحليله لنتائج الحرب، يقرّ المؤلف بأن الإجابة على سؤال "من انتصر" ليست واضحة. فمن ناحية، انتصرت حكومة الأسد عسكرياً وتجنبت مصير دول مثل أفغانستان وليبيا. لكن من ناحية أخرى، تكبدت سوريا وحلفاؤها خسائر فادحة في الأرواح والموارد، وخسرت أراضٍ لصالح قوات الناتو وتركيا. والأهم أن المؤلف يرى أن الغرب حقق أهدافه إلى حد كبير: فسوريا تم تحييدها كقوة مستقلة في المنطقة، وتم تدميرها بتكلفة ضئيلة نسبياً على الغرب، الذي اعتمد بشكل كبير على تمويل السعودية (حوالي 700 مليون دولار سنوياً) والقوى البشرية من المسلمين في جميع أنحاء العالم. ويخلص المؤلف إلى أن الغرب نجح في تطبيق خطته المذكورة في مذكرة وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2001 لـ "تدمير حكومات سبع دول في خمس سنوات"، حيث تم إسقاط العراق البعثي، وتم تقويض لبنان وليبيا والسودان، وأصبحت إيران الآن تحت ضغط متزايد.
يختتم الفصل بمناقشة خطرين جديين نتجا عن الحرب. الأول هو محاولة الغرب تغيير القانون الدولي باستخدام ضرباته غير القانونية على سوريا كذريعة لإنشاء "لحظة غروتيوسية" جديدة، تجعل التدخل العسكري تحت ذرائع إنسانية أمراً قانونياً، مما يعيد العالم إلى فوضى شبيهة بالحقبة الاستعمارية. والثاني هو تداعيات ذلك على مستقبل النظام العالمي، حيث أن إضفاء الشرعية على العدوان يعني أنه لم يعد هناك سوى القانون الذي تفرضه القوة. يرى المؤلف أن النتيجة النهائية للحرب، رغم صمود سوريا، تمثل تعزيزاً للموقف الغربي على حساب دمشق، وأن استراتيجية الغرب المدعومة من حلفائه الخليجيين "نجحت إلى حد كبير" في إعادة تشكيل الشرق الأوسط لعزل إيران.