المورد
Zakariyya Tamir and the Politics of the Syrian Short Story

Zakariyya Tamir and the Politics of the Syrian Short Story

Alessandro Columbu١ كانون الثاني ٢٠٢٣enI.B. Tauris (Bloomsbury Publishing)

يُحاول كتاب "زكريا تامر وسياسة القصة القصيرة السورية" لمؤلفه أليساندرو كولومبو أن يُقدّم إجابة شاملة عن سؤال محوري: كيف يمكن فهم العلاقة الجدلية بين التحولات الأسلوبية والموضوعية في أعمال الأديب السوري زكريا تامر (مواليد 1931) والسياقات التاريخية والسياسية الكبرى التي شهدتها سوريا والشرق العربي؟ يدافع المؤلف عن فكرة أن هذه التحولات لا يمكن تفسيرها بمعزل عن تفكك الأيديولوجيات الكبرى، وخصوصاً منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، مُركّزاً على تمثيلات الذكورة و الأنوثة في النصوص كمؤشرات حاسمة لهذه التحولات.

يسير الكتاب، الذي يسد فجوة بحثية يراها المؤلف في الإهمال النسبي للأدب السوري مقارنة بالأدبين المصري والفلسطيني، بخمسة فصول مترابطة منطقياً. الفصول الثلاثة الأولى تُغطي أعمال تامر المبكرة (من أواخر الخمسينيات حتى أوائل الثمانينيات) وتُحلّل علاقتها بالتيارات الأدبية والسياسية في سوريا، وتأثير أحداث مثل حرب 1967 (النكسة)، وتناقش كيف عكست هذه الأعمال خطاباً حداثياً مناهضاً للسلطة الأبوية لكنه ظل أسيراً لمنظور ذكوري. أمّا الفصلان الرابع والخامس، فيركّزان على الأعمال المتأخرة (بين 1994 و 2002)، ويُحلّلان الظهور البارز لشخصيات نسائية قوية تعبّر عن رغبتها الجنسية، وكيف يُؤثّر ذلك على صورة الذكورة التي تتهاوى تحت وطأة السلطوية.

المقدمة تضع الإطار النظري للدراسة، معلنةً اعتماد نهج ماركسي لا يرى الأدب كانعكاس بسيط للواقع، بل كجزء من "البنى الشعورية". يركّز الكتاب على تحليل تمثيلات الذكورة والأنوثة في قصص تامر وعلاقتها بمفاهيم القومية، السلطوية، الأبوية، والجنسانية، وهي زاوية يرى المؤلف أنها أُهملت في الدراسات السابقة. يربط الفصل بين أعمال تامر ونظريات الناقد السوري كمال أبو ديب حول تحولات الأدب العربي من خطاب حداثي (مرتبط بأيديولوجيات التحرر القومي) إلى خطاب يعبّر عن أزمة الأيديولوجيا والسلطة منذ السبعينيات. يُشير الفصل أيضاً إلى فجوة زمنية مهمة: فترة "صمت أدبي" استمرت 13 عاماً بعد انتقال تامر إلى المملكة المتحدة في 1981.

يُقرّ المؤلف بتحفظ أساسي ومنهجي مهم: مجرد ربط تواريخ نشر المجموعات القصصية بالأحداث التاريخية الكبرى يؤدي إلى تعميمات خاطئة. فهو يوضح ذلك بمثال محدد: مجموعة "دمشق الحرائق" التي نُشرت في 1973 تحتوي على قصص ظهرت في مجلات أدبية منذ 1960، أي قبل هزيمة 1967، مما يجعل أي تفسير سببي مباشر مضللاً. ويلفت النظر إلى أن السياق التاريخي الحقيقي لكتابة القصص لا يُستنتج من تاريخ نشر المجموعة، بل من تاريخ النشر الأصلي في المجلات الأدبية مثل "الآداب" و "شعر" و "المعرفة" . هذا الاعتراف بصعوبة التحديد الدقيق لتأثير الأحداث على الإبداع الفردي هو تحفظ أساسي في الدراسة.

يتناول الفصل الأول من الكتاب سيرة تامر، مُتتبّعاً بداياته المتواضعة كحداد اضطر لترك المدرسة في الثالثة عشرة من عمره، ليصبح بفضل دعم شخصيات مثل سامي الجندي وسلمى الخضراء الجيوسي رائداً للقصة القصيرة السورية الحديثة. يُسلّط الضوء على الجدل المبكر حول مفهوم الالتزام الأدبي (al-adab al-multazim) بين تامر والنقاد الواقعيين الاشتراكيين. يُقدّم الفصل نقداً مفصلاً من نقاد مثل محمد كامل الخطيب ونبيل سليمان الذين اتهموا كتاباته بـ"الانهزامية" و"النزعة العدمية"، في مقابل دفاع تامر عن استقلالية الشكل الفني رافضاً تحويل الأدب إلى أداة دعائية. وينتهي الفصل بالإشارة إلى موقف تامر "المثير للجدل" من الثورة السورية عام 2011، حيث دعمها عبر صفحة فيسبوك بعنوان "المهماز"، مع بقاء علاقته السابقة مع النظام غامضة، كما يُظهر قبوله "وسام الاستحقاق السوري" عام 2002، وهو ما يجعل أي تصنيف ثنائي لموقفه أمراً صعباً.

في الفصل الثاني، ينتقل التحليل إلى تطوّر تصوّرات الذكورة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. يُظهر الفصل هيمنة بطل ذكوري وحيد في القصص المبكرة، يجسّد رؤية حداثية تسعى لتدمير النظام القديم، بينما تظل الشخصية الأنثوية هامشية كأداة للمتعة أو رمز للخلاص. يصل التحليل ذروته في قصة "في ليلة من الليالي" من مجموعة "النمور في اليوم العاشر" (أواخر السبعينيات)، حيث يصف بطلها أبو حسن، الرجل الشعبي المعتزّ برجولته (التي يرمز إليها شاربه الكثيف)، الذي يتعرّض لاعتداء تعسفي في مركز شرطة ويُجبر على الحلاقة والنادي بأنه "ليس رجلاً"، بل "امرأة". يرى كولومبو أن هذا المشهد هو تمثيل دقيق لعملية "تأنيث" الرجل، أي تجريده من رجولته كشكل من أشكال الإذلال على يد الدولة السلطوية، التي تعامل الرجال كما لو كانوا في موقع أنثوي خاضع.

يُخصّص الفصل الثالث لتحليل تمثيلات الجنسانية الأنثوية في الأعمال المبكرة والمتوسطة. يُظهر الفصل بذوراً مبكرة للاهتمام بالرغبة الأنثوية في قصة "قرنفلة للإسفلت المتعب" (من مجموعة "صهيل الجواد الأبيض" عام 1960)، حيث تصف فتاة مراهقة تستمني في غرفتها وتتمنى موت أمها التي تمثل القوة القمعية. ثم يُحلّل قصتين محوريتين: "وجه القمر" و "امرأة واحدة" (نُشرتا في 1960 و 1962). في الأولى، تتذكر البطلة سميحة تجارب الاعتداء الجنسي وتظل منجذبة للرجل الذي اغتصبها في طفولتها، في انقلاب لعلاقة الذات/الموضوع. وفي الثانية، تكتشف البطلة عزيزة المتعة الجنسية مع الشيخ سعيد الذي استغلّ دينها، في تناقض صارخ مع طقوس ليلة الزفاف المؤلمة. لكن الفصل يُقرّ بتناقض أساسي: فبينما تقدّم هذه القصص منظوراً نسوياً متزايداً، تعود قصص لاحقة مثل "الاغتيال" ( 1978 ) لتستخدم جسد الأنثى كرمز لعجز الذكر وهوانه أمام الدولة، بدلاً من منحها تجربتها المستقلة.

يتحوّل الفصل الرابع إلى منفى تامر في لندن، مركزاً على انهيار نموذج الرجل القوي في المجموعات المتأخرة. يُحلّل الفصل سخرية تامر اللاذعة من نموذج "القبضاي" في مجموعة "الحصرم". مثال ذلك خضر علان بطل قصة "المحارشة" الذي يتعلق بخنجره كرمز لرجولته حتى تصادره الشرطة، فيفضح إحباطه وفشله وهمية هذه الرجولة. ويذهب الفصل أبعد من ذلك في تحليل ظهور المثلية الجنسية كأداة سردية لكشف الخضوع والانحلال الأخلاقي والسياسي. ففي القصة ٤٢ من "تكسير ركب" ( 2002 )، يُصوّر البطل طه الذي "يستمتع بالخضوع" ويتعرض للاغتصاب على يد رجل غريب، ثم يجد نفسه يأكل قطعة الشوكولاتة التي أعطاها إياه المغتصب بشعور من الفخر، في مشهد صادم لا يهدف إلى انتقاد المثلية بحد ذاتها، بل إلى استنكار الخضوع الداخلي الذي يجعل الرجل متواطئاً مع إذلاله.

يختم الفصل الأخير (الخامس) بحجة قوية: أن تمثيلات الأنوثة والذكورة في أعمال تامر ليست مجرد انعكاس للأيديولوجيا، بل هي مجال للصراع بين الخضوع لها والتمرد عليها. تُظهر الأعمال المتأخرة ظهوراً لشخصيات نسائية قوية تعبّر عن رغبتها الجنسية بجرأة، لكنها في الوقت نفسه تُسقط صورة الرجل المهيمن الذي كان حاضراً في النصوص المبكرة. يرفض الكتاب الثنائية البسيطة بين رقيب الدولة والكاتب المنشق، ويرى في الأدب قدرة على تحويل الخطاب السلطوي الأحادي إلى رؤية متعددة الأوجه، مع التركيز على التحولات الجندرية كدليل على تقلص هامش الفعل السياسي للذكور في ظل انهيار المشاريع التحررية.

من المسائل القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب ما يتعلق بفعالية سخرية تامر من النماذج الذكورية الضعيفة (مثل خضر وطه) في تفكيك النظام الأبوي بشكل كامل. فقد يُقال إن هذه السخرية تعزز، بطريقة غير مباشرة، حنيناً إلى نموذج القبضاي القوي المفقود، رغم أن المؤلف يرى أنها أداة لكشف الوهم. كما أن تحليل التمثيلات الأنثوية يُظهر تناقضاً واضحاً بين السعي لتحرير المرأة من السلطة الأبوية واستمرار استخدام جسدها كأداة أو رمز يخدم الصراع الذكوري، سواء ضد الأسرة أو ضد الدولة، وهو تناقض يعترف به الفصل الثالث نفسه. يظل السؤال حول مدى نجاح تامر في منح المرأة صوتاً حقيقياً ومستقلاً عن احتياجات الرجل من الأسئلة المفتوحة التي يُوحي بها التحليل، خاصة في ضوء المقارنة بين قصائده المبكرة التي ظلت فيها المرأة هامشية وأعماله المتأخرة التي أعطتها بُعداً أكثر مركزية.

الفصول(5)

1.مقدمة8–21▼ ملخص

يُعنى هذا الفصل التمهيدي بتقديم دراسة أكاديمية حول أعمال الأديب السوري زكريا تامر (مواليد 1931)، الذي يُوصف بأنه أب القصة القصيرة السورية الحديثة ومُجدد في الشكل والمضمون في الأدب العربي المعاصر. يطرح الكتاب الذي بين أيدينا، والمؤلف من قبل أليساندرو كولومبو، فكرة محورية مفادها أن التحولات الأسلوبية والموضوعية في أعمال تامر لا يمكن فهمها بمعزل عن السياقات التاريخية والسياسية الكبرى التي شهدتها سوريا والشرق العربي، وخصوصاً منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، والتي تميزت بالتفكك الأيديولوجي والسياسي. ويسعى المؤلف إلى سدّ فجوة بحثية، مشيراً إلى أن الأدب السوري لم ينل الاهتمام الأكاديمي الكافي مقارنة بالأدبين المصري والفلسطيني، وذلك على الرغم من العلاقة الوثيقة والحميمية بين الأدب العربي الحديث والتطورات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

يسير الفصل عبر تقديم إطار تحليلي متكامل يجمع بين عدة مناهج. يعلن المؤلف عن اعتماده نهجاً نظرياً يمكن وصفه بأنه ماركسي، لكنه لا يقتصر على رؤية الأدب كانعكاس بسيط للبنية الفوقية، بل ينظر إليه كجزء من "البنى الشعورية" المرتبطة بالتجربة المعاشة للرجال والنساء. يركّز الكتاب على تحليل تمثيلات الذكورة و الأنوثة في قصص تامر، وعلاقة ذلك بمفاهيم القومية، السلطوية، الأبوية، والجنسانية. يوضح الفصل أن أعمال تامر لم تُدرس سابقاً من منظور دراسات النوع الاجتماعي (الجندر)، على الرغم من طابعها السياسي الملتهب. لذلك، يسعى الكتاب إلى كشف كيف تعكس قصصه التزاماً بالقضايا الوطنية، لكنها في الوقت نفسه تُظهر -أو تتجاوز- تصوراً أبويّاً ثابتاً للأدوار الجندرية، خاصة من خلال تحليل الشخصيات الذكورية والأنثوية في علاقتها بالسلطة والرغبة الجنسية.

ينتقل الفصل إلى ربط أعمال تامر بنظريات الناقد السوري كمال أبو ديب حول تحولات الأدب العربي. يشرح الفصل كيف ميّز أبو ديب بين اتجاهين أدبيين: الأول حداثي (من الحداثة) مرتبط بأيديولوجيات التحرر القومي والاشتراكي، والثاني ظهر منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين ويعبر عن أزمة الأيديولوجيا والسلطة. يرى المؤلف أن أعمال تامر تجسّد هذا التحول، فمجموعاته المبكرة (أواخر الخمسينيات) تزامنت مع ذروة تأثير القومية، بينما تعكس أعماله اللاحقة (من السبعينيات وما بعدها) عملية التفكك ذاتها، مما أدى إلى ظهور أصوات وموضوعات جديدة في كتاباته، بما في ذلك تمثيلات مُحَرِّضة للأنوثة والذكورة تتحدى النظرة الأبوية. يُشير الفصل أيضاً إلى أن تقسيم أعمال تامر إلى فترتين (مبكرة ومتأخرة) ليس اعتباطياً، بل يستند إلى فجوة زمنية واضحة بين المجموعات، وأيضاً إلى فترة "صمت أدبي" استمرت 13 عاماً بعد انتقاله إلى المملكة المتحدة في 1981، حيث لم ينشر أي مجموعات قصصية خلالها.

يعرض الفصل بالتفصيل منهجية الكتاب وخارطة الطريق لفصوله الخمسة. الفصول الثلاثة الأولى تغطي أعمال تامر المبكرة (من أواخر الخمسينيات إلى أوائل الثمانينيات)، وتتناول علاقتها بالتيارات الأدبية والسياسية في سوريا، وتأثير أحداث مثل حرب 1967 (النكسة)، وتناقش كيف عكست هذه الأعمال خطاباً حداثياً مناهضاً للسلطة الأبوية والدينية مع تركيز على دور الشخصيات الذكورية. في المقابل، يركز الفصلان الرابع والخامس على الأعمال المتأخرة (بين 1994 و 2002)، ويحللان الظهور البارز لشخصيات نسائية قوية تعبر عن رغبتها الجنسية، وكيف يؤثر ذلك على تصوير الذكورة. يقدم الفصل أيضاً تفصيلاً لأسماء المجموعات القصصية التي ستحلل: "صهيل الجواد الأبيض" (1960)، "ربيع في الرماد" (1963)، "الرعد" (1970)، "دمشق الحرائق" (1973)، "النمور في اليوم العاشر" (1978)، "نداء نوح" (1994)، "سنضحك" (1998)، "الحصرم" (2000)، و"كسر ركب" (2002).

يخصّص الفصل حيزاً مهماً للاعتراف بالقيود المنهجية والتحفظات. يشير المؤلف إلى أن مجرد ربط تواريخ نشر المجموعات القصصية بالأحداث التاريخية الكبرى يؤدي إلى تعميمات خاطئة. يوضح ذلك بذكر مثال محدد: مجموعة "دمشق الحرائق" التي نُشرت في 1973 تحتوي على قصص ظهرت في مجلات أدبية منذ 1960، أي قبل هزيمة 1967، مما يجعل أي تفسير سببي مباشر مضللاً. يلفت الانتباه إلى أن السياق التاريخي الذي نُسجت فيه القصص لا يمكن استنتاجه فقط من تاريخ نشر المجموعة، بل يجب العودة إلى تاريخ النشر الأصلي للقصص في المجلات الأدبية مثل "الآداب" و "شعر" و "المعرفة" . هذه الملاحظة هي اعتراف صريح بصعوبة التحديد الدقيق لتأثير الأحداث على الإبداع الفردي، وهو تحفظ أساسي في الدراسة.

يتعمق الفصل في الإطار النظري مستعيناً بمفهوم "الذكورة المهيمنة" (hegemonic masculinity) لعالم الاجتماع آر. دبليو. كونيل. يشرح الفصل هذا المفهوم كنموذج معياري لأداء الذكورة يعزز هيمنة الرجال وإخضاع النساء، ويميزه عن الذكورة التواطئية والتابعة. يطبق المؤلف هذا المفهوم على المستويين المحلي (العائلة) و الإقليمي (الدولة القومية) لتحليل السلطة الأبوية في سوريا. يربط الفصل ذلك بتحليلات مفكرين مثل هشام شرابي و حليم بركات اللذين رأيا في السلطوية العربية الحديثة تكثيفاً للسلطة الأبوية، حيث تستمد الشرعية من تنظيم الأسرة الأبوي ذي القيادة الذكورية. يعطي الفصل مثالاً على ذلك بالخطاب الرسمي للنظام السوري بقيادة عائلة الأسد، الذي يستخدم استعارات عائلية لتمجيد شخصية القائد الأب الحنون والمسيطر، مما يعيد إنتاج هيمنة الذكورة على المستويين الوطني والعائلي. هذا التحليل يربط بين الخيال الأدبي والبنية السياسية الفعلية.

أخيراً، يناقش الفصل أهمية التمثيلات الجنسية المتجاوزة في الأدب العربي، مستنداً إلى أعمال رائدات الفكر النسوي العربي مثل نوال السعداوي و فاطمة المرنيسي، اللتين حللتا قمع الرغبة الجنسية الأنثوية في المجتمعات العربية والإسلامية باعتباره ضرورياً للحفاظ على النظام الأبوي. يشرح الفصل مفهوم "الفتنة" كما طرحته المرنيسي، حيث يُنظر إلى المرأة التي تعبر عن رغبتها الجنسية علناً كمصدر تهديد للنظام الاجتماعي. يوظف الكتاب هذه الأفكار لتحليل قصص تامر المتأخرة، ويخلص إلى أن تمثيلات الأنوثة والذكورة في أعماله ليست مجرد انعكاس للأيديولوجيا، بل هي مجال للصراع بين الخضوع لها والتمرد عليها. يختتم الفصل بتأكيد أن هذه الدراسة لا تقبل بالثنائية البسيطة بين رقيب الدولة والكاتب المنشق، بل ترى في الأدب قدرة على تحويل الخطاب السلطوي الأحادي إلى رؤية متعددة الأوجه للحالة الإنسانية، مع التركيز على التحولات الجندرية كدليل على تقلص هامش الفعل السياسي للذكور في ظل انهيار المشاريع التحررية.

1.من الالتزام إلى المنفى: زكريا تامر، رائد القصة السورية الحديثة22–45▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي من كتاب ألساندرو كولومبو عن زكريا تامر مدخلاً شاملاً لحياة الكاتب السوري ومسيرته الأدبية، مركزاً على الأسلوب الفريد والموضوعات الثورية التي ميزت أعماله وجعلته رائداً للقصة القصيرة السورية الحديثة. يسعى المؤلف إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف يمكن التوفيق بين مفهوم الالتزام الأدبي والاستقلالية الجمالية في سياق سياسي مضطرب، وكيف تجسد ذلك في مسيرة تامر التي انتقلت من الانخراط في المشهد الثقافي السوري إلى المنفى الاختياري.

يتتبع الفصل بدايات تامر في أواخر الخمسينيات، مسلطاً الضوء على الدور الحاسم الذي لعبته المجلات الأدبية مثل الأدب وشعر في نشر قصصه القصيرة وترويج أدب ملتزم وحداثي وقومي. يشرح المؤلف كيف أن تامر، الذي وُلد في دمشق عام 1931 واضطر لترك المدرسة في الثالثة عشرة من عمره ليعمل حداداً، استطاع بفضل دعم شخصيات مثل سامي الجندي وسلمى الخضراء الجيوسي ويوسف الخال أن ينشر مجموعته الأولى "صهيل الجواد الأبيض" عام 1960. ويُظهر الفصل كيف تعرض تامر للأدب الأوروبي والعربي المترجم منذ سن مبكرة، وهو ما انعكس في قصصه المبكرة التي أظهرت تأثره بكتّاب مثل دوستويفسكي وسارتر وكافكا.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل السياق الأوسع للنقاش الأدبي في سوريا والشرق العربي بين عامي 1948 و1978، حيث يوضح كيف شكلت نكبة فلسطين وتأسيس إسرائيل نقطة تحول أدت إلى انتشار مفهوم الأدب الملتزم (al-adab al-multazim). يركز المؤلف على دور مجلة الأدب التي أسسها سهيل إدريس في الترويج لهذا المفهوم، وكذلك دور اتحاد الكتاب السوريين الذي تبنى أجندة واقعية اشتراكية صريحة. في هذا السياق، يقدم الفصل موقف تامر من الانتماء السياسي، مشيراً إلى الجدل حول ما إذا كان قد انضم إلى الحزب الشيوعي السوري، واصفاً إياه بأنه كان جزءاً من "رابطة الأدباء العرب" التي عارضت توجهات الحزب الشيوعي قبل أن تُغلق مع قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958.

يُخصص الفصل قسماً مهماً لتحليل خصوصية أسلوب تامر وجدله مع النقد الاشتراكي الواقعي. يوضح المؤلف أن ابتكار تامر تمثل في أسلوب كتابي "فوتوغرافي" موجز، وشخصيات مهمشة ومنعزلة، واستخدام واسع للخيال والحلم يطمس الحدود بين الواقع والخيال. هذا التوجه الفردي يتناقض مع مبادئ الواقعية الاشتراكية التي كانت سائدة في سوريا، والتي رفضت التأثيرات الأوروبية كالوجودية والرمزية. يقدم الفصل نقداً مفصلاً من نقاد مثل محمد كامل الخطيب ونبيل سليمان وبو علي ياسين الذين هاجموا كتابات تامر واتهموها بـ"الانهزامية" و"النزعة العدمية" و"الانعزال عن المعركة الاجتماعية"، معتبرين شخصياته "سلبية" لحلمها بالموت والخلود بدلاً من الانخراط في الصراع السياسي. في المقابل، يقدم الفصل رد تامر على هذه الانتقادات من خلال حوارات صحفية، حيث دافع عن مفهومه للالتزام القريب من سارتر، مؤكداً على استقلالية الشكل الفني ورفضه تحويل الأدب إلى مجرد أداة تعليمية أو دعائية، كما انتقد "النقد الماركسي المبتذل" الذي يركز على الرسالة السياسية متجاهلاً الجوانب الجمالية.

في القسم التالي، يتناول الفصل تحولات ما بعد هزيمة 1967، حيث بدأت الأيديولوجيات الكبرى في التآكل وظهرت بوادر التشرذم. يوضح المؤلف أن قصص تامر في مجموعته "الرعد" ( 1970 ) و"النمر في اليوم العاشر" ( 1978 ) عكست هذا التشرذم من خلال نصوص مجزأة، وتعددية الأصوات، واستخدام الرمزية الحيوانية (مثل قصة النمر) لتمثيل القمع الشمولي. هذه القصة الرمزية، التي تروي ترويض نمر بري وتحوله إلى مواطن في قفص، تُعتبر تحفة تامر الفنية، وتُقرأ على أنها نقد لاذع للديكتاتورية وانتزاع الحرية تدريجياً.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة المنفى، بدءاً بحادثة رئيسية: فصل تامر من منصبه كرئيس تحرير مجلة المعرفة عام 1980 بعد أن نشر مقالاً افتتاحياً لـعبد الرحمن الكواكبي عن الاستبداد، مما أغضب السلطات السورية. يصف الفصل كيف أن أوائل الثمانينيات شهدت نهاية مرحلة الالتزام السياسي للمثقفين العرب مع صعود الاستبداد العسكري، مما أدى إلى خيارات محدودة: المهادنة أو السجن أو المنفى. غادر تامر إلى إنجلترا عام 1981 في منفى اختياري، وتلا ذلك صمت أدبي طويل تحول خلاله إلى كاتب عمود في صحف مثل القدس العربي، مع تركيز على هجاء الاستبداد. يناقش الفصل مجموعته اللاحقة مثل "ياكسر رقاب" ( 2002 ) التي تصف استمرارية النظام الاستبدادي من حافظ الأسد إلى ابنه بشار، مستخدماً لغة جريئة وسخرية لاذعة.

أخيراً، يتناول الفصل موقف تامر من الثورة السورية عام 2011، حيث يصف كاتبها هذا الموقف بـ"المثير للجدل". على عكس العديد من مثقفي جيله الذين التزموا الصمت أو دعموا النظام، أعلن تامر دعمه الصريح للثورة من خلال إنشاء صفحة فيسبوك بعنوان "المهماز". يصف المؤلف هذا النشاط الرقمي بأنه مرحلة غير متوقعة في مسيرته، حيث رأى تامر أن دعمه للانتفاضة هو امتداد طبيعي لخمسين عاماً من الكتابة المناهضة للاستبداد. في المقابل، يشير الفصل إلى الغموض الذي يكتنف علاقة تامر السابقة بالنظام، لا سيما قبوله "وسام الاستحقاق السوري" عام 2002، مما يجعل أي تصنيف ثنائي لموقفه أمراً صعباً. يختتم الفصل بإشارة إلى أن الدراسات السابقة أغفلت موضوع الجنس والجندر في أعمال تامر، وهو ما ستعالجه الفصول التالية من الكتاب.

2.تغير الذكورة: الحداثة والقومية والسلطوية في الستينيات والسبعينيات46–65▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل تطوّر تصوّرات الذكورة والسلطة الأبوية في أعمال الكاتب السوري زكريا تامر خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ويَربط هذه التصوّرات بخطابات الحداثة (الحداثة) والقومية العربية والسلطوية. يرى المؤلّف أليساندرو كولومبو أن أعمال تامر لم تكن منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي الأوسع، بل عكست تحوّلاته، خاصةً العلاقة بين النزعة القومية ذات النبرة الذكورية، وصعود الأنظمة السلطوية، وتفكّك الأحلام التحرّرية بعد هزيمتَي 1967 و1973.

يسير الفصل عبر مرحلتين زمنيتين رئيسيتين. في المرحلة الأولى، التي تغطي أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، يحلّل الكاتب قصصاً مثل "ربيع في الرماد" و**"رحيل إلى البحر"** و**"القبو"** و**"البدوي"**. في هذه القصص، يهيمن بطل ذكوري وحيد، يجسّد رؤية حداثية تسعى إلى تدمير النظام القديم (المرتبط بالمدينة والتقاليد الدينية والأبوية) لبناء مستقبل جديد. تظهر الشخصية الأنثوية هنا هامشية، إما أداة للمتعة الجنسية أو رمزاً للخلاص، لكنها تفتقر إلى أي فاعلية حقيقية، مما يعكس، بحسب المؤلّف، الطابع الأبوي المتأصل في الخطاب القومي التحرّري آنذاك.

في المرحلة الثانية، التي تركّز على السبعينيات، يلاحظ الفصل تحوّلاً جوهرياً في تمثيل الذكورة. بعد هزيمتَي 1967 و1973، وتآكل المشروع القومي، وبداية حكم حافظ الأسد، تبدأ صورة البطل الذكوري القوي والمقدام في التصدّع. تحلّ محلها شخصيات ذكورية مهزوزة وضعيفة، تعاني من العجز الجنسي والاجتماعي. يُظهر كولومبو هذا التحوّل عبر تحليل قصص مثل "أرض صلبة صغيرة"، التي تتلمّس رغبة مثلية كناية عن الاضطراب، وقصة "العائلة" و**"لا..؟"**، حيث تنعكس الأدوار بين الآباء والأبناء، ويصبح الأب (رمز السلطة الأبوية) ضحية لأبنائه الذين يقرّرون دفنه حياً. هذا الانقلاب، وفقاً للمؤلّف، هو استراتيجية أدبية لتقويض منطق السلطة الأبوية وتعرية تواطئها مع السلطوية السياسية.

يصل ذروة الفصل في تحليل قصة "في ليلة من الليالي" من مجموعة "النمور في اليوم العاشر" (أواخر السبعينيات). يصف الفصل بطل القصة، أبو حسن، كرجل من طبقة شعبية يعتزّ برجولته التي يرمز إليها شاربه الكثيف. يدخل القصة كتجسيد مثالي للشهامة والقوة، لكنه سرعان ما يتعرّض لاعتداء تعسفي وتعنيف مهين في مركز شرطة بالمدينة، ويُجبر في النهاية على الحلاقة والنادي بأنه "ليس رجلاً"، بل "امرأة". يرى كولومبو أن هذا المشهد هو تمثيل بيّن لعملية "تأنيث" الرجل، أي تجريده من رجولته كشكل من أشكال الإذلال على يد الدولة السلطوية، التي تعامل الرجال كما لو كانوا في موقع أنثوي خاضع.

يعترف الفصل بحدوده، مشيراً إلى أن التركيز يبقى مركزاً على الذكورة والتجربة الذكورية، وأن دور المرأة في هذه القصص لا يزال هامشياً (كرمز أو ملحق). كما يفتح سؤالاً حول سبب تغييب تامر لموضوع المثلية الجنسية ذكراً، عازياً ذلك إلى تطبيع العلاقات بين الجنسين في العصر الحديث. يمكن مناقشة فكرة أن تامر، رغم نقده للسلطة الأبوية، يظل أسيراً لمنظور ذكوري في بناء شخصياته النسائية، لكن تحليلاته للسلطة والتخنيث تبقى أدوات حادة في نقد الدولة الشمولية.

3.الأنثى الحديثة: الجنسانية الأنثوية في قصص الفترة الحداثية حتى السبعينيات66–102▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل تمثيلات الجنسانية الأنثوية في قصص زكريا تامر خلال الفترة الحداثية (حتى السبعينيات)، مركزاً على تطور النظرة إلى الجسد الأنثوي والرغبة الجنسية من منظور نسوي متزايد. يجادل المؤلف بأن هذه التمثيلات تحمل قيمة اجتماعية-سياسية في سياق السلطة الأبوية، وأنها تعكس صراع الأفراد مع الدولة الاستبدادية الناشئة والمؤسسات التقليدية مثل الأسرة والدين.

يبدأ الفصل بوضع السياق النظري لمفهوم "النيوبطريركية" في العالم العربي، مشيراً إلى أن المشاريع القومية والحداثية، رغم سعيها لتحرير المرأة، أعادت إنتاج التسلسلات الهرمية الجندرية التقليدية. يناقش المؤلف خصوصية الحالة السورية، حيث أن منظمات مثل الحركة النسوية ظلت خاضعة للدولة وممارستها للنسوية الرسمية. ويذكر أن خطاب حزب البعث، منذ أيام زكي الأرسوزي، رسّخ صورة المرأة كأم وحاملة للوطن، مستخدماً جذر الكلمة المشترك بين أم وأمة.

يتناول الفصل بعد ذلك أعمال تامر المبكرة في الستينيات، ويصف هيمنة الشخصيات الذكورية في قصصه. في هذه الفترة، تظهر النساء كملحقات لاحتياجات الرجال، أو كضحايا للضحايا. كمثال، يحلل قصة "ثلج آخر الليل"، حيث يأمر الأب ابنه يوسف بقتل أخته الهاربة. القصة تخلو من أي بُعد جنسي صريح، لكنها تستخدم رموزاً مثل الأفعى التي تعيش في فناء المنزل لترمز إلى السلطة الأبوية الخانقة، والتي يتخيل البطل موتها كدليل على الانتصار على هذه السلطة. لكن هذا الانتصار يبقى في الخيال فقط.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لتحليل قصص من "صهيل الجواد الأبيض" (المجموعة الأولى لتامر). في قصة "الأغنية الزرقاء الخشنة"، يُظهر الفصل كيف تختزل المرأة إلى مجرد موضوع للرغبة الذكورية في خيال بطل يعاني من الحرمان الجنسي والمادي، ويصف امرأة أحلامه بأوصاف نمطية (وجه كالقمر، عيون خضراء، ثديين متماسكين). لكن الفصل يلفت الانتباه إلى بذور مبكرة للاهتمام بالجنسانية الأنثوية، حتى في هذه المجموعة الأولى. ويضرب مثالاً بقصة "قرنفلة للإسفلت المتعب" حيث تصف فتاة مراهقة تستمني في غرفتها بينما تسمع موسيقى، وتتخيل سبعة رجال يختطفون امرأة. تظهر الأم كقوة قمعية تذكرها بخداع الرجال، لتنتهي القصة بتمني الفتاة موت أمها.

ثم يحلل الفصل قصتين محوريتين تمثلان نقطة تحول نحو منظور أنثوي أكثر أصالة: "وجه القمر" و "امرأة واحدة" (نُشرتا في 1960 و 1962 على التوالي، ثم ضُمّنتا في مجموعة "دمشق الحرائق" عام 1973). في "وجه القمر"، تدور القصة حول البطلة سميحة وتذكرها لتجاربها من الاعتداء الجنسي، موازية بينها وبين لحظة وعيها برغبتها الجنسية. تقدم القصة انقلاباً في علاقة الذات/الموضوع، حيث تظل البطلة منجذبة للرجل الذي اغتصبها في طفولتها، مما يعكس بحثها عن الإشباع الجنسي بعيداً عن النظرة الأبوية. يستخدم الفصل صورة الأب وهو يقطع شجرة الليمون بفأس، وصيحات رجل مجنون تسمعها البطلة من النافذة، كرموز للقمع المتعدد والمترابط. في "امرأة واحدة"، البطلة عزيزة، الفقيرة والجاهلة، تذهب إلى الشيخ سعيد لمساعدتها في إعادة زوجها الهارب. يستغل الشيخ جهلها ودينها، ويتحسس جسدها ويطلب منها خلع ملابسها بحجة إبطال السحر. لكن القصة تنقلب عندما تستسلم عزيزة للعلاقة وتكتشف المتعة الجنسية، مما يتناقض مع تجربتها المؤلمة في ليلة الزفاف (عرض الأم للمنديل الملطخ بالدم كدليل على الشرف). يخلص الفصل إلى أن هاتين القصتين تقدمان مفهوماً للجنس كنشاط ممتع للمرأة، رغم أن البطلتين لا تبدوان مدركتين تماماً لذاتيهما.

في الجزء التالي، يحلل الفصل قصة "العرس الشرقي" من مجموعة "الرعد" ( 1970 )، التي تسخر من الزواج المدبر. البطل صلاح، طفل غير ناضج، يقرر الزواج ويتزوج هيفاء، الجارة النمطية الوديعة. لكن المفاجأة في النهاية هي أن هيفاء أكثر وعياً جنسياً من صلاح؛ فعندما يقترب منها ويمص حلمتها، يبكي لأنه لم يجد لبناً. يستخدم الفصل هذه النهاية لبيان كيف تقوّض البطلة النمط التقليدي للفتاة الخاضعة وتكشف عن عدم نضج البطل الذكري.

ينتقل الفصل بعدها لتحليل قصة "الاغتيال" ( 1978 )، التي تظهر صعود الدولة الاستبدادية واستخدام الجسد الأنثوي كرمز لعجز الذكر. في القصة، يهاجم رجال مجهولون (يمكن ربطهم بجهاز المخابرات) المنزل ويغتصبون صديقة البطل بينما يختبئ هو داخل جسدها. يرى المؤلف أن هذه القصة، رغم شجاعتها في فضح القمع، تعيد إنتاج نظرة ذكورية تستخدم جسد المرأة كحامل لهوان الرجل، بدلاً من منحها تجربتها المستقلة.

أخيراً، يستعرض الفصل الاستنتاجات. يخلص إلى أن الفحص الزمني لشخصيات تامر الأنثوية يكشف عن ظهور أسلوب أكثر تمركزاً حول الأنثى، يتضمن تمثيلات صريحة للرغبة الجنسية من منظور نسائي. لكنه يقر بأن معظم القصص لا تعبر عن تجربة المرأة كقاعدة، بل تسعى لتدمير النظام الأبوي التقليدي. يشير الفصل إلى أن تطور هذا الموضوع لم يتبع خطاً متصلاً؛ ففي فترة السبعينيات، ومع الحاجة لمعالجة القمع السياسي، عادت بعض القصص إلى تجسيد الأنثى كموضوع ثانوي (كما في "الاغتيال").

يمكن القول إن الفصل يقدّم تحليلاً دقيقاً لتناقض أساسي في أدب تامر: بين السعي لتحرير المرأة من السلطة الأبوية من جهة، واستمرار استخدام جسدها كأداة أو رمز يخدم الصراع الذكوري (سواء ضد الأسرة أو ضد الدولة) من جهة أخرى. هذا التناقض يعكس، كما يشير الفصل نفسه، الإخفاقات الأوسع للمشروع الحداثي في المنطقة. تبقى مسألة مدى نجاح تامر في منح المرأة صوتاً حقيقياً مستقلاً عن احتياجات الرجل، سؤالاً مفتوحاً يوحي به التحليل، خاصة في ضوء المقارنة بين قصائده المبكرة والمتأخرة.

5.سقوط الرجل القوي: الفحولة، المثلية الجنسية، والقبضاي106–123▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تحول تمثيلات الرجولة في قصص الكاتب السوري زكريا تامر خلال فترة منفاه الاختياري. يقدم المؤلف أليساندرو كولومبو إجابة مفادها أن انهيار نموذج الرجل القوي، المهيمن والمثالي، يعكس تحولاً سياسياً واجتماعياً أوسع في سوريا، حيث حلّ محله رجل ضعيف، خاضع، وأحياناً متواطئ مع سلطة الدولة البطريركية. يستخدم تامر هذا الرجل المأزوم كأداة لمهاجمة رموز السلطة في سوريا والتعبير عن خيبة الأمل إزاء تردي أوضاع الرجولة التقليدية في ظل الاستبداد والنزعة الوطنية المنهارة.

يسير الفصل بخطى مدروسة عبر ثلاث مراحل رئيسية. أولاً، يفحص تراجع الرجولة القوية من خلال شخصيات ذكورية تعاني من الخضوع الداخلي، ثم ينتقل إلى تحليل نموذج "القبضاي" كسخرية من رجولة وهمية وأسطورية، وأخيراً يتناول المثلية الجنسية كعلامة على الانحلال الأخلاقي والسياسي. في بداية مسيرة تامر، كانت قصصه تظهر رجلاً واعياً بكرامته ورجولته (مثل أبو حسن في قصة "في ليلة من الليالي") يسحقه ممثلو الدولة. أما في الفترة اللاحقة، فيتحول هذا الرجل إلى شخصية متواطئة مع القمع، كما يوضح مثال فريد المربع بطل القصة ٥٨ من مجموعة "تكسير ركب" الذي يفتخر بقابليته للرشوة أمام المحققين. هذا التحول يعكس وعي تامر العميق بديناميكيات السلطة، مستنداً إلى نظرية ليزا ودين التي ترى أن التواطؤ والطاعة العلنية يعززان قوة الدولة الاستبدادية، مما يحمّل المواطن جزءاً من مسؤولية هذا القمع.

تتجلى سخرية تامر اللاذعة في معالجته لنموذج "القبضاي" في مجموعة "الحصرم". هذا الرجل القوي الشجاع، الذي كان تقليدياً أداة في يد النبلاء (البايات) في حارات دمشق الشعبية، يتحول تحت قلم تامر إلى شخصية هزلية ومأساوية. مثال ذلك خضر علان بطل قصتي "المحارشة" و"مصرع خنجر" الذي يتعلق بخنجره كرمز لرجولته حتى تصادره الشرطة. إحباطه وفشله في استعادته (حتى بوساطة نجيب بك البقار الغني) يفضحان أن الرجولة مجرد واجهة تخفي وراءها علاقات السلطة والطبقة. قصة "المطربش" تذهب أبعد من ذلك بجعل خلاف زوجي حول ارتداء الطربوش سبباً لغزو فرنسي بقيادة الجنرال هنري غورو، محولةً بذلك رجولة منصور الحط العنيدة إلى رمز مأساوي ومثير للسخرية في آن، حيث يرفض خلع الطربوش ويختار الموت، مبرزاً تناقض نموذج الرجولة الأسطوري مع واقعه المؤلم.

في القسم الأخير، يحلل الفصل ظهور المثلية الجنسية كأداة سردية لكشف الخضوع والانحلال. غائبة تماماً عن قصص تامر المبكرة، تظهر المثلية في أعماله اللاحقة كدليل على ضعف الذكور وتبعيتهم للنساء والسلطة. في قصة "حملة نابليون"، يُصوّر الإمبراطور الفرنسي نفسه على أنه مثلي الجنس في دمشق كنوع من "الانتقام" من المستعمر الذكر. أما القصة ٤٢ من "تكسير ركب" فتصوّر بطلها طه الذي "يستمتع بالخضوع"، حيث يتعرض للاغتصاب على يد رجل غريب ثم يجد نفسه يأكل قطعة الشوكولاتة التي أعطاها إياه المغتصب بشعور من الفخر. هذا المشهد الصادم لا يهدف إلى انتقاد المثلية بحد ذاتها، بل إلى استنكار الخضوع الداخلي الذي يجعل الرجل متواطئاً مع إذلاله، ومشابهاً للنمر في قصة "النمور في اليوم العاشر" الذي يألف طعم العشب الذي يقدمه له مدربه.

يقر المؤلف بتحفظات مهمة، أبرزها أن تصوير تامر للنساء يظل محصوراً في بعدهن الجسدي والجنسي، حيث يظهر دور المرأة الفاعل والقوي فقط من خلال جسدها ورغبتها. بالمقابل، يتمتع الرجال (حتى المهزومون منهم) ببعد فكري وسياسي أوسع، مما يجعلهم أكثر أهمية سياسياً في النص. هذا التفاوت لا يعكس بالضرورة موقفاً ذكورياً متطرفاً، بل هو أداة أسلوبية يستخدمها تامر للسخرية من فكرة تفوق الرجال وكشف طبيعتها الوهمية. كما يشير الفصل إلى وجود تردد في معالجة المثلية الجنسية صراحة، مما قد يعكس رقابة ذاتية أو تحيزاً أخلاقياً يعزز فكرة العلاقة الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة.

يمكن القول إن التحليل الذي يقدمه هذا الفصل مقنع في ربطه بين التمثيلات الأدبية للرجولة والتحولات السياسية في سوريا. مع ذلك، تبقى نقطة قابلة للنقاش وهي ما إذا كانت سخرية تامر من النماذج الذكورية الضعيفة (مثل خضر وطه) تنجح تماماً في تفكيك النظام الأبوي، أم أنها تعزز بطريقة غير مباشرة حنيناً إلى نموذج القبضاي القوي المفقود. على أن القيمة الكبرى للفصل تكمن في كشفه عن تعقيد علاقة الفرد بالسلطة في ظل الاستبداد، حيث يصبح الخضوع المذل، والمقاومة الوهمية، والتواطؤ الصامت، أوجهًا مختلفة لروح العصر التي يصوغها تامر بأسلوب لاذع ومثير للقلق.