المورد
الأزمة السورية الجذور والآثار

الأزمة السورية الجذور والآثار

ربيع نصرar

الكتاب الذي وضعه ربيع نصر، والصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات، لا يقدّم مجرد سرد تاريخي للأحداث، بل يحلّل الأزمة السورية باعتبارها نتاجاً لتراكمات تنموية ومؤسساتية عميقة، وليس مجرد رد فعل على احتجاجات شعبية أو مؤامرة خارجية. الأطروحة المحورية التي يدافع عنها المؤلف هي أن الأزمة هي في جوهرها "أزمة حقوق" ناشئة عن "اختناق مؤسساتي". بمعنى أن المؤسسات السياسية والاقتصادية في سورية فقدت قدرتها على التطور والتكيف مع تطلعات المجتمع ومصالحه الجديدة، مما أدى إلى فجوة هائلة بين واقع جامد ومجتمع متغير، وعندما اندلعت الاحتجاجات في سياق الثورات العربية، تحولت الأزمة إلى نزاع مسلح لأن الإطار المؤسساتي لم يعد قادراً على احتواء المطالب أو معالجتها.

يسير الكتاب في حجته بشكل متسلسل ومنطقي، فيبدأ بتشخيص الجذور قبل أن ينتقل إلى الآثار. يشرح أولاً كيف أن الأداء الاقتصادي الكلي قبل عام 2011 كان خادعاً، إذ حققت سورية مؤشرات إيجابية كالنمو واستقرار الأسعار، لكنها أخفت اختلالات هيكلية خطيرة مثل الاعتماد على عوامل كمية في النمو، وتضخم قطاعات المضاربة، وتوسع القطاع غير المنظم، وتدني الإنتاجية والأجور، وانتشار الفساد والاحتكار. لقد تم تطبيق الإصلاحات الاقتصادية بشكل انتقائي، حيث تم تأجيل الإصلاحات المؤسساتية الجوهرية بينما نُفذت سياسات تحريرية كتحرير أسعار الطاقة، مما أضر بالقطاعات الإنتاجية والأسر. نتيجة لذلك، لم يكن النمو الاقتصادي تضمينياً، بل ارتفع الفقر العام بين عامي 2004 و2009، وفشل الاقتصاد في خلق فرص عمل كافية، مما أدى إلى تهميش شرائح كبيرة من المواطنين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. بعد تشخيص هذه الجذور، ينتقل الكتاب إلى تقدير حجم الكارثة بعد أن تدهورت الأوضاع إلى نزاع مسلح.

الأرقام والوقائع الواردة في الكتاب مروعة ويصعب نسيانها. يقدر التقرير إجمالي الخسائر الاقتصادية حتى نهاية عام 2012 بـ 48.4 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل 81.7% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010. تتوزع هذه الخسارة بين خسارة في الناتج المحلي الإجمالي (50%)، وأضرار في مخزون رأس المال (43%)، وزيادة في الإنفاق العسكري (7%). وقد كانت القطاعات الأكثر تضرراً هي التجارة الداخلية والنقل والاتصالات والصناعات التحويلية. وفي سوق العمل، يقدر التقرير خسارة 1,468 ألف فرصة عمل حتى نهاية 2012، مع ارتفاع معدل البطالة بمقدار 24.3 نقطة مئوية من 10.6% إلى 34.9%، مما أثر على معيشة نحو 6,060 ألف شخص. أما على صعيد التنمية البشرية، فقد أدى تدهور المؤشرات إلى تراجع دليل التنمية البشرية بحلول نهاية 2012 إلى مستواه في عام 1993، أي خسارة إنجازات عقدين كاملين. وفي تفاصيل أكثر، يذكر الكتاب أن عدد الضحايا حتى نهاية 2012 بلغ حوالي 60 ألف شخص، معظمهم من المدنيين الذكور، ونحو 239 ألف جريح. كما أدخلت الأزمة 4.1 مليون شخص في دائرة الفقر العام، منهم 2 مليون في دائرة الفقر الشديد، مع تغير جذري في خارطة الفقر لصالح المناطق الأكثر سخونة مثل حلب وحمص وإدلب وريف دمشق ودرعا.

لم يقتصر التحليل على الآثار المادية، بل امتد ليشمل تفكك النسيج الاجتماعي. يصف الكتاب كيف أدى النزاع إلى عودة المجتمع إلى المؤسسات التقليدية كالعائلة والقبيلة على حساب مؤسسات الدولة الحديثة التي فشلت في تحقيق الشفافية والمساءلة. هذا التحول عمّق الفجوة بين المجموعات المختلفة، وأدى إلى استخدام الدين والعصبيات لتبرير العنف والكراهية، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويخلص الكتاب إلى أن هناك مجموعتين متنافستين: واحدة تسعى لتحول جذري نحو مؤسسات حديثة وشفافة، وأخرى تسعى لبناء مؤسسات تقليدية قائمة على معتقدات ضيقة. أما قطاع التعليم، فقد تضرر بشكل مباشر، حيث تضرر ما يقارب 2362 مدرسة بشكل جزئي أو كلي، واستخدمت 1956 مدرسة كملاجئ للأسر النازحة، مما أدى إلى حرمان ما نسبته 22.8% من الطلاب من الالتحاق بمدارسهم في العام 2012.

يقر المؤلف بعدة تحفظات وحدود واضحة، أبرزها صعوبة الحصول على بيانات دقيقة في خضم النزاع، مما جعل الكثير من التقديرات تعتمد على نماذج إسقاطية ومقارنات مع سيناريوهات استمرارية. كما يعترف بأن تقدير الإنفاق العسكري معقد بسبب محدودية البيانات، ولا يشمل إنفاق الجماعات المسلحة. ويشير بوضوح إلى أن الاستجابة الأمنية للحكومة تقع خارج نطاق التقرير، رغم أنها "في صميم الأزمة". ويبقى سؤال مفتوح حول كيفية تمويل الحكومة للعجز الضخم في الموازنة، مما يشير إلى كارثة وشيكة على استدامة الدين العام. أما في تحليله للعقوبات الدولية، فيعترف بصعوبة عزل أثرها عن عوامل أخرى مثل العنف المستمر وسياسات الحكومة.

الحجج الأكثر قابلية للنقاش تتركز حول تقييم فاعلية العقوبات الاقتصادية. يقدم الكتاب حجة قوية مفادها أن العقوبات، رغم تنوعها وشدتها، أثبتت فعالية محدودة في تحقيق أهدافها السياسية المعلنة (إنهاء العنف وتغيير سلوك النظام)، بينما تسببت بأضرار اقتصادية واجتماعية جسيمة طالت المواطنين العاديين والفئات الهشة بشكل خاص. يدعم المؤلف هذه الحجة بمقارنة مع الحالة العراقية، حيث فشلت عقوبات أممية شاملة في تحقيق أهدافها بينما تسببت بكارثة إنسانية. ويقدم أدلة كمية، مشيراً إلى أن 28.3% من إجمالي خسائر الناتج المحلي (ما يعادل 6.8 مليار دولار أمريكي) تعزى مباشرة للعقوبات، وأنها ساهمت في زيادة عدد الفقراء بواقع 877 ألف شخص. الأثر الطبقي للعقوبات كان واضحاً، حيث خسر العشر الأفقر من السكان 14.8% من إنفاقه الحقيقي جراء ارتفاع الأسعار، بينما خسر العشر الأغنى 3.7% فقط. في المقابل، يمكن القول إن تحليل الكتاب يركز بشكل حصري تقريباً على الاختلالات الداخلية كسبب رئيسي للأزمة، ولا يناقش بعمق العوامل الخارجية أو الإقليمية. كما أن تقييمه لسياسات الحكومة يعتمد على افتراض أن الإصلاحات المؤسساتية الجوهرية كانت ممكنة ومطلوبة، وهو افتراض قد يكون موضع جدل في سياق نظام سلطوي. ورغم غنى المادة الكمية، يترك الكتاب القارئ مع سؤال وجودي حول قدرة أي استراتيجية حكومية على مواجهة نزاع مسلح واسع النطاق في ظل عقوبات دولية مشددة، وهو ما يجعل من تقييمه لإدارة الأزمة الاقتصادية، رغم دقته، مجرد جزء من صورة مأساوية أكبر.

الأشخاص