المورد
جيل كيبل - الشغف العربي (يوميات 2011-2013)

جيل كيبل - الشغف العربي (يوميات 2011-2013)

جيل كيبلarجداول للنشر والترجمة والتوزيع

بدأ جيل كيبل في كتابه "الشغف العربي (يوميات 2011-2013)" رحلة ميدانية استثنائية عبر البلدان العربية في خضم انتفاضات "الربيع العربي"، ليكتب يوميات تحليلية تجمع بين المشاهدة المباشرة والتاريخ العميق. الموضوع المحوري للكتاب هو دراسة كيفية تفاعل القوى المختلفة – الإسلامية والعلمانية والعسكرية والقبلية – مع لحظة الثورة، وكيف تحولت المطالب الشعبية بالحرية والكرامة إلى صراعات معقدة على السلطة والهوية. يدافع كيبل عن أطروحة مفادها أن "الربيع العربي" لم يكن ثورة واحدة متجانسة، بل مجموعة من الانتفاضات المختلفة التي اختلفت نتائجها باختلاف التوازنات الاجتماعية والسياسية والمذهبية في كل بلد، وأن النتيجة الأبرز لم تكن ديمقراطية مستقرة، بل فوضى خلاقة في بعض الأماكن وإخفاق دموي في أخرى.

يسير الكتاب وفق منطق جغرافي-زمني، حيث ينتقل كيبل من بلد إلى آخر شاهدا على اللحظات الحاسمة. يبدأ من فلسطين في 2011، حيث يجد أن "الربيع العربي" لم يصل بالشكل الثوري نفسه. ثم ينتقل إلى مصر في نيسان/إبريل 2011، حيث يرصد الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين والجيش بعد سقوط مبارك. يليه الفصل الخاص بـ تونس بعد انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011، حيث يسجل بروز حركة النهضة وصعود السلفيين. ثم يخوض في الفوضى الليبية بعد سقوط القذافي في خريف 2011، ثم اليمن وعمان في مطلع 2012. يعود إلى مصر في حزيران/يونيو 2012 ليشهد انتخاب محمد مرسي، ثم إلى ليبيا لانتخابات 7 تموز/يوليو 2012. يزور تونس مرة أخرى في أيلول/سبتمبر 2012، ثم يتوقف في قطر ليكشف عن دورها في تمويل الثورات، ثم في السعودية والبحرين حيث قمعت الثورة بحديد ساخن. أخيرا، يصل إلى لبنان وتركيا وسوريا في خريف 2012، حيث تتحول الثورة السورية إلى حرب طائفية مدمرة.

يستخدم كيبل سلسلة من الشخصيات الحية واللقاءات المباشرة ليقدم أدلة ملموسة على تحليلاته. في فلسطين، يقارن معبر إيريز بجدار برلين، كاشفا عن القمع الإسرائيلي الذي يسجن مليون ونصف المليون فلسطيني في غيتو، وهو تشبيه قوي وإن كان قابلا للنقاش. يلتقي بمغني الراب خالد وأيمن في غزة اللذين تعرضا للضرب من ميليشيات حماس، ويصفان الفلسطينيين بأنهم بين "سندان الإسلاموي ومطرقة الصهيوني". في مصر، يشهد الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي صوت بـ"نعم" أكثر من 77%، ويلتقي بأطراف متعددة: من عصام العريان المتحدث الإخواني الذي يصرح أن "الدولة ينبغي أن تكون مدنية ذات مرجعية إسلامية"، إلى عبد المنعم أبو الفتوح الذي يرفض علمانية "مطلقة" ويدعو إلى "العلمانية الجزئية". يلتقي بشاب سلفي في الإسكندرية يصوته لـحمادي الجبالي لأنه الأكثر تدينا، بينما يرفضه آخرون خوفا من "ثلاث نساء خريات".

في تونس، يقدم المشهد الأكثر تعقيدا. يلتقي بمتسول صوت للنهضة لأنه يريد "تغيير لباس المرأة أولا"، وعندما يذكره كيبل بتصريحات الغنوشي بعدم التدخل، يرد المتسول بثقة: "هذا لأنه لا يريد أن يخيف الأجانب... لكننا سنتقدم تدريجيا". تظهر هذه المقابلة استراتيجية "الحركة التدرجية" التي يراها كيبل في خطاب الإسلاميين. في مقابل ذلك، يلتقي بـ عياض بن عاشور رئيس الهيئة العليا لحماية مكاسب الثورة، الذي ينحدر من عائلة دينية لكنه تبنى قراءة حداثية للإسلام، ويصف الهيئة بأنها كانت حاجزا بين ثورتين منعت حربا أهلية بفضل الطبقة المتوسطة المتعلمة. في ليبيا، يصف سطوة الميليشيات وتحكم عبد الحكيم بلحاج في السلطة بعد أن كان ألد أعداء القذافي، وظهور العلم البربري وحرف "ز" بالتيفيناغ على جدران زوارة، مما يظهر انفجار الهويات المكبوتة.

في اليمن، يقدم مشهدا لافتا في ساحة التغيير حيث يلتقي بشباب يقرؤون إدغار موران وميشيل فوكو عبر الإنترنت، لكن سرعان ما يتعرض لمواجهة حادة من طالبة سلفية ترتدي النقاب تهاجم "العنصرية الفرنسية ضد المسلمين". يصف الفقر المدقع في صنعاء حيث 25 مليون فقير، وتفشي الأسلحة التي يفوق عددها عدد السكان، وانتشار القات. في قطر، يوثق التناقض الصارخ بين دبلوماسية الانفتاح والرقابة المشددة، ويلتقي بـ يوسف القرضاوي الذي يعلن بكل ثقة أنه "أنهى" مبارك والقذافي عبر فتاواه على شاشة الجزيرة. في السعودية والبحرين، يكشف عن قمع ثورة 14 شباط/فبراير 2011، حيث قمعت الاحتجاجات الشيعية وسط لا مبالاة عالمية، ويذكر أن عبد الهادي الخواجة خاض إضرابا عن الطعام استمر 110 أيام قبل أن يغذى قسرا.

في لبنان، يغوص في الانقسام الطائفي عبر زيارته لمدينة طرابلس حيث يلتقي بـ سالم الرافعي الشيخ السلفي الذي يصور الثورة السورية على أنها معركة بدر جديدة ضد "الفرس والبيزنطيين". في تركيا، يحضر ندوة لـ أحمد داود أوغلو الذي يروج لـ"الإسلام الديمقراطي المحافظ"، ويلتقي بضابط منشق من الجيش السوري الحر يؤكد "لن يحكمنا الإسلاميون؛ بل سيكون هناك دولة علمانية"، لكن كيبل يشير إلى أن العقيد نفسه نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال من قبل جهاديين بعد أيام. أخيرا، في الفصل الأخير الممتد عبر أنطاكيا وخربة الجوز، يعود كيبل إلى سوريا التي عاش فيها شابا، ليشهد تحولها من جنة الذكريات إلى جحيم الحرب، حيث تظهر فيديوهات الغامضة جثثا مغطاة بالدماء ومقاتلين سلفيين يقرؤون القرآن قبل القتال.

يعترف كيبل بحدود معرفته في أكثر من موضع. فهو يقر بأن تحليله للوضع في فلسطين يعتمد على أسبوع واحد فقط، وأن الصورة الكاملة أكثر تعقيدا. كما يشير إلى أن رحلته إلى قطر كانت "فخا" حيث تم تصميمها لمنعه من مقابلة الشخصيات المهمة، وأن "اللائحة الرسمية للمقابلات" كانت "عرقلد، عدم كفاءة أو إهانة". يعترف بعدم معرفته المسبقة بليبيا قبل الثورة، ويترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل الميليشيات واللاجئين الأفارقة، وعن قدرة الجيل الجديد من النشطاء على ترجمة حماسهم الإلكتروني إلى استراتيجيات سياسية واقعية. يترك أيضا سؤالا معلقا حول مصير الأقباط في مصر تحت الحكم الإسلامي، وهل سينجح حزب النهضة في التوفيق بين التعددية الديمقراطية وتطبيق الشريعة.

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح. أبرزها مقارنة كيبل لمعبر إيريز بجدار برلين، والتي قد يعتبرها البعض مغالطة تاريخية رغم قوتها السردية. كما أن ربطه المباشر بين الفقر والتصويت للسلفيين قد يغفل العوامل الأيديولوجية العميقة. تفسيره لضعف المد الإسلامي الانتخابي في ليبيا بالاعتماد على شرعية الدم والانقسام الإسلامي فقط قد يتجاهل البنية القبلية الليبية القوية. كما أن إعجابه المحدود بالحرب الجراحية لحلف الناتو في ليبيا يثير تساؤلات عن عدم نقده الكافي لتبعات التدخل الغربي. يظل الكتاب مع ذلك وثيقة حية لا غنى عنها لفهم لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، يرسمها كاتب جمع بين العين الثاقبة والقلب الشغوف بالعالم العربي.

الفصول(13)

1.الفصل الأول: إسرائيل. فلسطين12–24▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول الواقع الفلسطيني في بداية عام 2011، في ظل تداعيات "الربيع العربي"، وتأثيرها على الانقسام الداخلي بين حركتي فتح وحماس، والاحتلال الإسرائيلي. يقدم المؤلف، من خلال يوميات رحلته، إجابة واضحة: "الربيع العربي" لم يصل بعد إلى فلسطين بالشكل الثوري نفسه الذي شهده في مصر وتونس، بل ظهر بصيغة مختلفة تمثلت في شعار "الشعب يريد إنهاء التقسيم"، وهو شعار موجه ضد الاحتلال والانقسام السياسي معاً.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر رحلة المؤلف من القدس إلى غزة ثم رام الله، مستخدماً لقاءاته وانطباعاته كأدلة سردية. يبدأ بمشهد رمزي عند كنيسة القيامة في القدس، حيث يلتقي حجاجاً مسيحيين من واشنطن، ويسمع الأذان من مسجد مجاور، ليرسم صورة التداخل الديني والسياسي في المدينة. ثم ينتقل إلى لقاء مهم مع الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنيغ في مقهى "ريستوبار" الذي كان موقع تفجير انتحاري في 9 آذار/مارس 2002 أسفر عن 11 قتيلاً و54 جريحاً، وهو تفجير شكل "تحولاً كبيراً" في الانتفاضة الثانية. هنا، يناقش الكاتب خيارات إسرائيل الاستراتيجية في ظل التحولات العربية.

بعد حصوله على "تنسيق" صعب من جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) لعبور معبر إيريز، يصف المؤلف تفاصيل دقيقة ومؤلمة لرحلة العبور، مشبهاً إياه بجدار برلين القديم الذي كان يجتازه طفلاً في براغ، لكن مع فارق جوهري: الشيوعيون كانوا يسجنون مواطنيهم لمنع هروبهم إلى الغرب، بينما إسرائيل تسجن "مليون ونصف المليون فلسطيني" في غيتو. هذه المقارنة هي دليل رئيسي في حجة المؤلف حول تفرد القمع في الحالة الفلسطينية. داخل غزة، يصف الدمار والفساد وتهريب الوقود عبر الأنفاق من مصر، ويلتقي بمثقفين ونشطاء في "بيت الحكمة" التابع لحماس، حيث يلاحظ تحولاً في خطاب الحركة نحو تبني مصطلحات ديمقراطية، مستذكراً أن الديمقراطية كانت سابقاً "مرادفة للكفر" في أدبيات جماعة الإخوان.

يركز الفصل على الانقسام الفلسطيني كأحد أبرز حدود التحليل. يصف كيف أن الشباب في الضفة الغربية وغزة يهتفون بإنهاء التقسيم، معتبرين أن حركتي فتح وحماس "مُتَّهمين باستمرار التقسيم لخدمة مصالحهما السياسية". يقدم المؤلف مثالاً حياً على هذا التوتر من خلال لقائه بمُغنيي راب يُدعيان خالد وأيمن، اللذين تعرضا للضرب على أيدي "ميليشيات حماس" لتظاهرهم ضد النظام، وهما يصفان الفلسطينيين بأنهم بين "سندان الإسلاموي ومطرقة الصهيوني". هذه الشخصيات بمثابة دليل على تعدد الأصوات داخل غزة ومعارضتها لسياسات الحركة الحاكمة. كما يلتقي في رام الله برئيس الوزراء آنذاك سلام فياض، الذي يصفه بـ"الأنموذجي" لكنه معزول سياسياً بين "التماسيح المسنة" في فتح ونتنياهو، ويعتمد فقط على "جيل الإنترنت" الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية.

في مشهد ختامي في مقهاة "ستاربكس" في رام الله، يلتقي المؤلف بمدونة من جيل العودة اسمها كاميليا، التي تخبره أن معظم النشاط الثوري يحدث على فيسبوك، لكن "النزول إلى الشارع مسألة أخرى". هي ترفض مشروع الدولة الواحدة الذي يطرحه فياض، وتدعو إلى دولة ديمقراطية واحدة لليهود والعرب معاً، لكنها تدرك صعوبة ذلك ديموغرافياً بسبب الأغلبية العربية المحتملة. في المقابل، يختتم الفصل بمشهد مزدوج: في القدس، يُقام عزاء "شيفا" لعائلة فوغل الإسرائيلية التي ذُبِحت في مستوطنة إيتمار، حيث يستخدم نتنياهو صور المجزرة لكسب التعاطف الدولي، مقارناً إياها بصورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في أيلول/سبتمبر 2000. وفي المؤتمر ذاته، يعرب المسؤول الإسرائيلي دان مريدور عن خشيته من أن تكون مجزرة إيتمار وهشاشة الأمن الإسرائيلي بعد حربي 2006 و2009 دليلاً على ضعف "القوة الناعمة" الإسرائيلية أمام "القوة الصلبة" للجدران والصواريخ.

في نهاية الفصل، يقر المؤلف بحدود تحليله عبر الإشارة إلى أن "الربيع العربي" لم يحقق النجاح المطلوب في فلسطين، وأن الحشود في رام الله لم تحقق نجاحاً يذكر مقارنة بتظاهرات غزة. يترك سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الجيل الجديد من النشطاء على ترجمة حماسهم الإلكتروني إلى استراتيجيات سياسية واقعية. كما يُظهر الفصل حججاً قابلة للنقاش، أبرزها مقارنة المعبر الإسرائيلي بجدار برلين، والتي قد يعتبرها البعض مغالطة تاريخية رغم قوتها السردية، ووصفه لـ"الربيع" في فلسطين بأنه مجرد أصداء لثورات حقيقية في أماكن أخرى.

2.الفصل الثاني: مصر28–75▼ ملخص

ملخص الفصل الثاني: مصر

يقدّم هذا الفصل صورة بانورامية لمصر في الأشهر الثلاثة الأولى بعد ثورة 25 يناير 2011، مركزاً على حالة الترقّب والاضطراب السياسي والاجتماعي التي سادت البلاد بعد سقوط نظام حسني مبارك. يسعى المؤلف إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف تتعامل القوى المختلفة في مصر — الإخوان المسلمون، السلفيون، العلمانيون، الجيش، والمؤسسات التقليدية مثل الأزهر — مع المرحلة الانتقالية، وما هي التحديات التي تواجه بناء نظام ديمقراطي جديد؟

يسير الفصل على شكل يوميات تمتد من الثلاثاء 5 نيسان/إبريل إلى الثلاثاء 12 نيسان/إبريل 2011، أي أسبوعاً واحداً مكثفاً. يبدأ المؤلف برحلته الجوية إلى القاهرة، حيث يقرأ صحيفة «المصري اليوم» التي يعتبرها نقلة نوعية في الصحافة المصرية مقارنة بصحيفة «الأهرام» شبه الرسمية التي كانت تزيّن صفحتها الأولى بصورة الرئيس. يلفت انتباهه أن الصحيفة تنشر صوراً لثلاثة شخصيات إسلامية بارزة: محمد بديع مرشد الإخوان، يوسف القرضاوي الواعظ التلفزيوني الشهير، وعبد المنعم أبو الفتوح الطبيب الذي كان رائد أسلمة الجامعات في عهد السادات ثم استقال منتقداً سلطة المرشد المطلقة. بإزائهم، تنشر الصحيفة صوراً لليبراليين علاء الأسواني ونجيب ساويرس.

في لقاء مع صديق محامٍ في شقته بالزمالك، يطرح المؤلف فكرة أن الشعب المصري لا يعرف كيف يتعامل مع «جسد الفرعون المخلوع المنهك»، في إشارة إلى مبارك الذي صار أضحوكة. ينتقل بعدها إلى مقر الحزب الوطني الديمقراطي المحترق قرب ميدان التحرير، رمز الدمار الذي خلّفه النظام السابق. يشارك في مؤتمر لـ الأمم المتحدة عن حوار الحضارات في جامعة الدول العربية، حيث يلاحظ الجدران المغطاة بكتابات مؤيدة لثورة ليبيا.

يحضر المؤلف برنامجاً حوارياً على قناة الجزيرة في استوديوهاتها المؤقتة بحي العجوزة، ويلتقي بـ كامل الهلباوي، المتحدث السابق لمنظمة الإخوان العالمية. ثم ينتقل إلى لقاء مع شابين من المنصورة: عبد الرحمن عضو الإخوان الذي لا يزال متمسكاً بالجماعة، وعبد الله الأستاذ في جامعة الأزهر الذي انفصل عنها. يوضح اللقاء الانقسام الداخلي في الإخوان بين الشباب المطالب بالإصلاح الديمقراطي والقيادة المحافظة. يصف المؤلف جماعة الإخوان كمجتمع مغلق يفرض نفسه عبر تشعباته في التعليم والأعمال والعائلة، مشيراً إلى أن الشباب بدأ يكوّن صداقات بديلة في ميدان التحرير.

يستعرض الفصل الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي جرى في 26 آذار/مارس 2011، حيث صوّت عبد الرحمن بـ«نعم» متبعاً توجيهات الإخوان، بينما صوّت عبد الله بـ«لا». حصل التصويت بـ«نعم» على أكثر من 77%، في تأييد ضم الجيش والإخوان والسلفيين وأنصار النظام السابق الراغبين في استقرار سريع.

يلتقي المؤلف بصديق قبطي يُدعى منصور يعبّر عن قلقه من تدهور الأوضاع: انهيار السياحة، اختفاء الشرطة، انتشار «البلطجية»، واستغلال السلفيين لغياب سلطة الدولة لفرض تصورهم الإسلامي بالقوة — مثل هدم قبور الصوفيين، حرق نزل امرأة، قطع أذن قبطي في قنا، ومراقبة الشواطئ في البحر الأحمر.

يزور المؤلف صالوناً ثقافياً للروائي جمال الغيطاني، حيث يلاحظ كيف اختفى فجأة كل ما كان محظوراً الحديث عنه في عهد مبارك، وكيف أصبحت الأحاديث تنطلق بكل حرية، وإن كان ذلك يثير القلق خلف جدران الثكنات والمساجد والسفارات.

يصف المؤلف ميدان التحرير من شرفة شقة بيار سيوفي، الفنان والمخرج الذي حوّل الميدان إلى مسرح ثوري يُبث عبر يوتيوب وفيسبوك. يقدّم وصفاً تفصيلياً للميدان: المنابر التي يخطب عليها الإخوان بتناغم، الأعلام المصرية والتونسية والفلسطينية وراية الملك إدريس الليبية، البائعين، أكشاك الكتب، والمرأة المحجبة التي تحمل لوحة تطالب بحق مضيفات الطيران في ارتداء الحجاب. يلاحظ المؤلف التلاقي الغريب بين الإسلاميين الملتحين والفتيات اللواتي يرتدين بناطيل الجينز الضيقة، دون صراع يذكر، إلا عند احتكاك المتظاهرين المصريين بناشطات شيعيات بحرينيات اتهموهن بالتحريض على الفتنة الطائفية.

يحاول المؤلف مع زميليه ستيفان لاكروا ونبيل عبد الفتاح تحليل الأحداث، فيطرحون أسئلة جوهرية: لماذا الثورة بطيئة؟ ماذا يريد العسكريون؟ ما خطط الإخوان؟ أين السلفيون؟ كيف ينظّم العلمانيون أنفسهم؟ يخلصون إلى أن ميدان التحرير هو التعبير المجازي للثورة، لكن الفجوة بين خطاب الثورة وتجسده الشعبي تتسع بعد سقوط مبارك.

في السبت 9 نيسان/إبريل، يلتقي المؤلف بـ الشيخ أحمد الطيب، إمام الأزهر الأكبر، الذي يعاني من ضعف مكانته بعد تعيينه الحكومي، ومن معارضة الإخوان والسلفيين له. يحاوره المؤلف عن دور الأزهر في المرحلة الثورية، فيجيب الطيب أن الإسلام يحرم هدم قبور الصالحين والمسيحيين لأنهم «أهل الكتاب»، ويرفض فصل الدين عن الدولة تماماً كما في العلمانية، قائلاً إن المصريين متعمقون في إيمانهم.

يلتقي المؤلف بعدها بـ عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، الذي صوّت بـ«لا» في الاستفتاء ويرى أن الرئيس الجديد بحاجة إلى دستور رئاسي وبرلماني معاً على غرار الجمهورية الفرنسية الخامسة، وبإشراف دولي لضمان الشفافية.

يعود المؤلف إلى ميدان التحرير ليجده مليئاً بالنفايات وطلقات الرصاص، حيث حصلت اشتباكات ليلية خلّفت قتيلاً أو أكثر وعشرات الجرحى ومئات المعتقلين. يلتقط ملصقاً دعائياً للإخوان يقرأ: «ارفع رأسك أنت مصري»، ويصف كيف حوّل بيار سيوفي صور الاشتباكات إلى فيديوهات على يوتيوب.

يلتقي المؤلف بـ ممدوح إسماعيل، أول سلفي يقابله في مصر، وهو محامٍ يرتدي بذلة وربطة عنق على غير المتوقع. يوضح إسماعيل أنه تقدم بطلب تأسيس حزب سلفي منذ 1999 دون أمل، ويؤمن بنفوذ السلفيين السياسي الضعيف (أقل من 5%). يؤكد أن التحالف المطلوب هو بين الإخوان والسلفيين لمواجهة «الليبرالية» التي يعتبرها العدو الذي سيفتح طرق الفساد.

في الأحد 10 نيسان/إبريل، يتوجه المؤلف إلى الإسكندرية للقاء عبد المنعم شحاتة، المتحدث الرسمي لأكبر حركة سلفية في المدينة. يصف المؤلف تدهور شاطئ جليم الذي كان منتجعاً عالمياً في بداية القرن العشرين، ليصبح اليوم ملوثاً ومحجوباً بالمباني الخرسانية. يوضح شحاتة أن السلفية ولدت من الحركة الإسلامية المصرية المستوحاة من رشيد رضا، وأن هدفهم هو الضغط على المرشحين لتطبيق الشريعة، ولا يفرقون بين عمرو موسى العلماني وأبو الفتوح الإخواني. ينفي معظم الاتهامات الموجهة للسلفيين معتبراً إياها افتراءات إعلامية من «الليبراليين والعلمانيين».

بعد اللقاء، يستقل المؤلف سيارة أجرة يقودها سائق سلفي يبلغ 27 عاماً وأب لطفلين، لم يغادر الإسكندرية قط ولا يعرف الفرق بين «يوناني» و«ياباني». يصل إلى النادي اليوناني حيث يلتقي صديقه القديم جورج الذي يعبّر عن حزنه لانحطاط الإسكندرية تحت تأثير السلفية، وغياب الشرطة، وانتشار السرقات والاعتداءات.

في الاثنين 11 نيسان/إبريل، يلتقي المؤلف عصام العريان، المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، في شقة متواضعة على كورنيش جزيرة الروضة حيث نفاهم نظام مبارك. يبدأ العريان حديثه مفاجئاً: «نحن نحترم هوية أوروبا المسيحية وليس لدينا نية بأسلمتها»، في إشارة إلى رسالة طمأنة للغرب. يعلن أن الحزب السياسي الجديد سيُسمى «الحرية والعدالة»، مستقل عن تنظيم الإخوان، ويدعو الجميع للانتماء إليه حتى المسيحيين. يرى أن الرئيس المقبل يجب أن يكون مسلماً يؤدي واجباته الدينية، لكن الدولة ينبغي أن تكون مدنية ذات مرجعية إسلامية.

يلتقي المؤلف بعدها بـ عبد المنعم أبو الفتوح في دار الحكمة، وهو مختلف تماماً عن العريان: يرتدي قميصاً مخططاً وربطة عنق، لا توجد «زبيبة» على جبهته، ويعارض فكرة أن الرئيس يجب أن يكون مسلماً فقط — بل يرى أن مصر الديمقراطية يمكن أن يحكمها امرأة أو قبطي. يرفض العلمانية «المطلقة» (بالفتح) ويدعو إلى «العلمانية الجزئية» التي استعارها من المفكر عبد الوهاب المسيري، حيث تستبعد النظام القائم على التفويض الإلهي مع الاحتفاظ بالمرجع الإسلامي للدولة المدنية.

في الثلاثاء 12 نيسان/إبريل، يزور المؤلف الأقصر ومسجد أبو الحجاج الأقصري المقام على أنقاض معبد فرعوني. يصف كيف تداخلت الطبقات الدينية: معبد وثني تحوّل كنيسة قبطية ثم مسجداً، مع آثار القدماء المنحوتة على الجدران. يبدي المؤلف قلقه من استفزاز هذا المزيج للسلفيين الذين يرفضون الشرك والتماثيل، ويختتم بوصف النساء القرويات اللواتي يمررن أيديهن على قبر القديس رغبة في الإنجاب أو دفع العين الشريرة.

يقرّ المؤلف في الفصل بعدة حدود وتحفظات: فهو يعترف بأن الصورة التي يرسمها مأخوذة من أسبوع واحد فقط في لحظة انتقالية مضطربة، وأن الإشاعات تتراكم يومياً لتبني صوراً وأمثلة تتحول إلى حقائق اجتماعية. يترك أسئلة مفتوحة حول مصير العلاقة بين الجيش والإخوان، وحول قدرة العلمانيين على التنظيم، وحول ما إذا كانت الديمقراطية الوليدة ستتحمل توترات التيارات المختلفة. كما يشير إلى أن السلفيين أنفسهم يشكلون قوة ضغط لا أكثر وأن شعبيتهم السياسية محدودة (أقل من 5%)، في مقابل قوة الإخوان التي تبدو الطرف الأكثر تنظيماً واستعداداً لتسلم السلطة.

3.الفصل الثالث: تونس76–96▼ ملخص

في الفصل الثالث من كتاب "الشغف العربي (يوميات 2011-2013)"، يرسم جيل كيبل صورة بانورامية لتونس في خضم التحول التاريخي الذي أعقب ثورة 2011، مركزًا على لحظة الانتخابات الأولى وصراع الهويات والطبقات الاجتماعية. الموضوع المحوري للفصل هو سؤال المصير السياسي والاجتماعي لتونس بعد سقوط ديكتاتورية زين العابدين بن علي، وتحديدًا كيف تتعايش النخبة العلمانية الليبرالية مع صعود حركة النهضة الإسلامية إلى السلطة، وما إذا كان هذا الصعود سيمثل قطيعة جذرية أم تكيفًا براغماتيًا.

يسير الفصل وفق يوميات متقطعة تمتد من أوائل أكتوبر 2011 وحتى أوائل نوفمبر 2011، متنقلاً بين أمكنة وأشخاص مختلفين ليرسم خريطة اجتماعية – سياسية دقيقة. يبدأ كيبل بوصف وجبة غداء في ضاحية شعبية من تونس العاصمة مع عائلة بسيطة، حيث تتباين المواقف الانتخابية: الأم تخشى من تصويت حزب النهضة لأنه قد "يسمح لزوجي بأن يتزوج ثلاث نساء خريات"، بينما يصوت الشباب من الجنسين للحزب قائلين "نريد أن تتغير الأوضاع... لا أحد يملك هنا مستقبلاً". هذا المثال الأولي يوضح الانقسام بين الخوف من العودة إلى الماضي الإسلاموي والأمل بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي.

ينتقل كيبل إلى فضاء اجتماعي مضاد: فيلا في بلفيدير، الحي الاستعماري القديم، حيث يلتقي بأكاديمي يساري وشغل منصب وزير سابقًا. هذا الرجل، الذي سجن في عهد بن علي مع الإسلاميين، يعبر عن الصدمة بخسارة الانتخابات، ويعلن أن العلمانيين سيشكلون "معارضة ثابتة" لمواجهة "قبلة الموت" المتمثلة في "إدارة الملتحين للحكم". هنا، يُظهر كيبل كيف أن النظام السابق قضى على النخبة المثقفة وجعل المقاومة بلا أمل، بينما استفاد الديكتاتور، بن علي، من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 ليقدم نفسه كحصن ضد الإرهاب الإسلامي، متحالفًا مع البورجوازية التي رأت فيه أفضل من ابن لادن، ومستفيدًا من الدعم الأوروبي والأمريكي. يصف كيبل نظام بن علي بأنه "الشرطي" الذي سلب الأموال "عبر مصففة الشعر" (إشارة إلى زوجته ليلى الطرابلسي).

في لقاء ثالث، داخل فندق "المشتل" الكئيب، يلتقي كيبل بلاهوتي من حزب النهضة عاد من فرنسا، وهو مدرس في المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية التابع لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF). يستخدم كيبل هذا اللقاء لرصد عودة الإسلاميين من المنفى الفرنسي، وخطابهم السياسي الرتيب الذي يخفي، برأيه، نية فرض "لباس المرأة" وتغيير الحياة العامة تدريجيًا. وفي مشهد ساخر، يلاحظ كيبل فتاة شابة ترتدي حجابًا وتخلعه وتضعه في حقيبتها، متسائلاً عن التناقض بين المظهر العصري والإكراه الاجتماعي في الأحياء الشعبية.

المشهد المحوري التالي هو في ضاحية المرسى، حيث يصف كيبل العالمين المنفصلين: البورجوازية العلمانية التي تتحدث الفرنسية ("جمهورية المرسى")، والتي تحتقر الإسلاميين، لكن براغماتيتها تجعلها تبحث عن "تصالح منطقي" مع السلطة الجديدة. في المقابل، يلتقي كيبل بزوجين شابين يمارسان الحب في حديقة، حيث ترتدي الفتاة حجابًا أحمر، وهو مشهد يثير تأمله حول الانفصام بين الرغبة والتدين الظاهر.

يتعمق الفصل في تحليل أيديولوجية حزب النهضة من خلال لقاءين رئيسيين: الأول مع أبو يعرب (اسم مستعار)، وهو أكاديمي منتخب في دائرة تونس الأولى، ينحدر من تيار القومية العربية ويتمتع بثقافة فرنسية (درس ديكارت وميشيل فوكو). يشرح أبو يعرب أن أتباعه تخلوا عن الثقافة الفرنسية وأعادوا اكتشاف الإسلام كحلول للمشاكل، ما يشير إلى قطيعة ثقافية مع الماضي الاستعماري. يصف كيبل مؤتمرًا صحفيًا لـ راشد الغنوشي وحمادي الجبالي في قاعة زفاف، حيث يحاولان طمأنة الليبراليين بشأن الحريات المدنية ووضع المرأة، مؤكدين أن مهمتهم ليست تعليم الناس كيف يلبسون، ومشيرين إلى نموذج حزب العدالة والتنمية التركي.

أما اللقاء الأكثر كشفًا فهو مع متسول في الشارع قرب مسجد الفتح، حيث يكتشف كيبل أن الفقراء هم الناخب الحقيقي للنهضة. المتسول، الذي عاد من ليبيا بعد الحرب وأصيب، صوت للنهضة لأنه يريد "تغيير لباس المرأة" أولاً. وعندما يذكره كيبل بتصريحات الغنوشي بعدم التدخل في اللباس، يرد المتسول بثقة: "هذا لأنه لا يريد أن يخيف الأجانب في البداية... لكننا سنتقدم تدريجيًا". هذه العبارة تكشف، بحسب كيبل، استراتيجية "الحركة التدرجية" التي تتبعها الأيديولوجيا الإسلامية لإعادة أسلمة المجتمع.

في مقابل هذه الصورة، يقدم الفصل نموذج العلمانية التقدمية من خلال شخصية عياض بن عاشور، رئيس الهيئة العليا لحماية مكاسب الثورة. ينحدر بن عاشور من عائلة دينية مرموقة (جده كان مفتي الجمهورية)، لكنه تبنى قراءة حداثية للإسلام تدعم تحرير المرأة وتعارض "الأسلمة الحرفية". يصف كيبل الهيئة العليا بأنها كانت بمثابة "حاجز" بين ثورتين: الأولى حكومة مؤقتة من بقايا النظام السابق، والثانية ثورة شعبية عنيفة. تمكنت الهيئة من تجنب الحرب الأهلية بفضل "الطبقة المتوسطة المدنية المتعلمة" والمنتسبين لجمعيات حقوق الإنسان والنقابات، وهو إنجاز استثنائي في مسار الثورات العربية.

مع سعاد عبد الرحيم، المنتخبة على رأس لائحة النهضة في دائرة تونس الثانية، يستكشف كيبل التناقض داخل الحزب نفسه: فهي محجبة سابقًا، وتتمتع بمظهر عصري، وتستخدم خطابًا محافظًا ("العائلة هي العمود الأساس") يذكر بصورة سارة بالين الأمريكية. وبعد أيام، تصرح في إذاعة بأن الأمهات العازبيات "عار على المجتمع"، ما يكشف التوجه المحافظ للحزب رغم الخطاب البراغماتي.

يختتم الفصل بحوار موسع مع حمادي الجبالي، رئيس الوزراء المستقبلي، الذي يقدم نفسه كإسلامي معتدل. يشرح الجبالي أن فشل الإسلاميين الجزائريين والمصريين، ونجاح الأتراك قاد الحزب إلى نبذ العنف و"النقد الذاتي"، واختيار الديمقراطية والحريات. ويميز بين "الدعوة" (الحركة الدينية) و"الحزب السياسي المدني"، مكررًا مصطلح "مدني" الذي يراه كيبل "موضة" الثورات العربية: كلمة فضفاضة يستخدمها الإسلاميون لطمأنة العلمانيين دون التخلي عن مشروع الدولة الإسلامية.

يقر كيبل بحدود تحليله، تاركًا أسئلة مفتوحة: هل سينجح حزب النهضة في التوفيق بين التعددية الديمقراطية وتطبيق الشريعة؟ هل ستستمر "الحركة التدرجية" الخفية نحو الأسلمة؟ وما مصير الطبقة المتوسطة الليبرالية التي فازت بالمرحلة الانتقالية (الهيئة العليا) لكنها خسرت الانتخابات؟

من النقاش القابلة للنقاش، بروز فكرة أن "الديمقراطية" نفسها قد تكون وسيلة للإسلاميين للوصول إلى السلطة بدلاً من أن تكون غاية، وهو ما يعكسه رد المتسول بأن "التقدم سيكون تدريجيًا". كذلك، يظل نموذج حزب العدالة والتنمية التركي المرجعي غامضًا في الفصل: هل هو حقًا حليف للعلمانية أم نموذجًا للأسلمة الخفية؟

4.الفصل الرابع: ليبيا96–127▼ ملخص

ملخص الفصل الرابع: ليبيا

يدور هذا الفصل حول رحلة الكاتب إلى ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي في خريف 2011، حيث يسجل انطباعاته عن بلد ينهض من تحت أنقاض ديكتاتورية استمرت أربعة عقود. المحور الأساسي هو تفكك الدولة الليبية إلى كيانات متناحرة قبلياً وميليشياوية، وصعوبة بناء كيان جديد في ظل غياب الدولة ومؤسساتها، وسط بروز هويات متنافسة (عربية، أمازيغية، إسلامية). الإجابة التي يقدمها الكاتب هي أن الثورة لم تؤدِ بعد إلى استقرار أو ديمقراطية، بل أطلقت العنان لقوى متصارعة لا تزال تحدد ملامح المستقبل.

يسير الفصل خطوة بخطوة مع رحلة الكاتب انطلاقاً من جربة التونسية، مروراً بالحدود البرية في بنقردان، وصولاً إلى طرابلس ثم مصراتة. يبدأ الكاتب بمشهد عبور الحدود والاقتصاد الموازي الذي ازدهر بعد الثورة، موظفاً مثال تهريب البنزين والعملات المزورة ليُظهر انهيار سلطة الدولة وحلول قوانين السوق السوداء محلها. ينتقل بعدها إلى مشهد مخيمات اللاجئين الأفارقة جنوب الصحراء، الذين جلبهم القذافي كعمالة رخيصة، والذين أصبحوا هدفاً للانتقام بعد الثورة بتهمة كونهم "مرتزقة"، وهذا المثال يبرز عنصريّة الثوار وتصفيّة الحسابات العرقية.

يصف الكاتب المشهد السياسي من خلال لوحة الميليشيات المتنافسة التي تسيطر على العاصمة؛ ففي احتفال رسمي في استاد طرابلس يلتقي بـ عبد الحكيم بلحاج وأتباعه من الإسلاميين القدامى في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، الذين عادوا من السجون والمعتقلات ليصبحوا لاعبيْن مركزييْن في السلطة. مثال عبد الحكيم بلحاج الذي تم تسليمه سابقاً من البريطانيين إلى القذافي، يستخدمه الكاتب لإظهار كيفية تحول ألد أعداء النظام إلى حلفاء جدد في السلطة بعد الثورة، متحالفين مع شخصيات مثل مصطفى عبد الجليل الذي انتقل من وزير عدل في النظام القديم إلى رئيس المجلس الانتقالي.

يتوقف الكاتب عند إشكالية الهوية، عبر مشهد ظهور العلم البربري وحرف "ز" بالتيفيناغ على جدران زوارة، مقارناً إياه بالعروبية القسرية التي فرضها القذافي. هذا المثال يوضح كيف أن سقوط الديكتاتور أفسح المجال لهويات مكبوتة للظهور، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي وتفتت الدولة. ينتقل بعدها إلى وصف باب العزيزية كفضاء للانتقام الشعبي من القذافي، حيث أصبح قصره متحفاً مفتوحاً للنهب والتشويه، محوّلاً صورة الديكتاتور من جبار إلى دمية مهانة يلهو بها الأطفال.

يصف الكاتب مدينة مصراتة كحالة خاصة، حيث برزت كدولة داخل دولة بفضل نخبتها التجارية ومينائها الحيوي، متحدية سيطرة العاصمة ومتحكمة في جزء كبير من الاقتصاد. مثال متحف الشهداء في مصراتة يقدمه الكاتب كدليل على بناء شرعية جديدة قائمة على "الدم"، حيث تستخدم كل مدينة أو قبيلة تضحياتها ورقة ضغط سياسية للمطالبة بحصة في السلطة والغنائم.

في القسم الأخير والأكثر إثارة، يتناول الكاتب أسطورة أصول القذافي من خلال روايتين متناقضتين: الأولى كورسيكية تزعم أنه ابن ضابط طيار فرنسي من سرب نورماندي-نيمان، والثانية يهودية تزعم أن أمه أو خالته يهودية. يستخدم الكاتب هذه الشائعات ليس كحقائق تاريخية، بل كدليل على الحاجة الماسة في ليبيا ما بعد القذافي إلى تجريده من أي شرعية، حتى بعد موته، عبر نسبه إلى أصول غير إسلامية أو وطنية. هذه الحجج تُظهر كيف أن العنف الرمزي ضد صورة الديكتاتور لا يقل شراسة عن العنف الجسدي الذي تعرض له.

اعترف الكاتب صراحة بحدود معرفته المسبقة بليبيا، حيث يقر بأنه لم تطأ قدماه البلاد قبل الثورة، وأن فكرته عن وجود الأمازيغ كانت غامضة. يترك أسئلة مفتوحة حول مصير اللاجئين الأفارقة والجهات التي ستمول الدولة الجديدة، وحول مستقبل الميليشيات التي تحكم فعلياً دون خضوع لسلطة مركزية. حجته الأكثر قابلية للنقاش هي تلك المتعلقة بفعالية "الحرب الجراحية" لحلف الأطلسي، والتي يصفها متحدثون ليبيون بالإعجاب، مقابل الدمار العشوائي الذي أحدثته حروب سابقة، مما يثير تساؤلات عن إحياء الكاتب لخطاب التدخل الغربي الإنساني دون نقد كافٍ لتبعاته.

5.الفصل الخامس: اليمن، سلطنة عمان124–137▼ ملخص

ملخص الفصل الخامس: اليمن، سلطنة عمان

يتناول هذا الفصل من كتاب جيل كيبل رحلته إلى كل من سلطنة عمان واليمن في مطلع عام 2012، في خضم أحداث ما عُرف بـ "الربيع العربي". يقدم المؤلف مقارنة بين هذين البلدين الجارين، حيث يرسم صورة لـ سلطنة عمان كدولة نفطية ثرية تحت حكم السلطان قابوس المطلق، بينما ينغمس في تعقيدات المشهد اليمني المتفجر، الذي تمزقه الصراعات القبلية والسياسية والمذهبية، مع خلفية من الفقر المدقع وتأثير تنظيم القاعدة.

يبدأ الفصل بمشهد استعادي لشباب السلطان قابوس، حيث يصف نفيه من قبل والده السلطان سعيد بسبب ميوله الموسيقية و"تغربه"، ليعود لاحقاً ليحكم بيد من حديد ويحول عمان إلى دولة عصرية بفضل عائدات النفط. يصور المؤلف تناقضات هذا الحكم: فمن ناحية، بنى قابوس دار أوبرا فخمة في مسقط افتتحت في ربيع 2011، مما أثار حفيظة الأئمة المحافظين الذين اتهموه بالكفر. ومن ناحية أخرى، اندلعت احتجاجات في صحار في شباط/فبراير وآذار/مارس من نفس العام، أسفرت عن سقوط قتلى. يشير المؤلف إلى أن الثورات العربية استخدمت مرجعية دينية للحد من السيادة المطلقة، مما أدى إلى أعمال شغب.

ينتقل الكاتب بعدها إلى اليمن، حيث يصف الوضع المتدهور بعد محاولة اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، الذي أصيب في قصره بشظايا قنبلة وسافر للعلاج في السعودية. هنا، يقدم المؤلف تحليلاً للدور السعودي، الذي يتابع بقلق الأحداث في اليمن خشية امتدادها، فيقوم بتمويل المتصارعين. يرسم كيبل صورة قاتمة لمجتمع يمني يعاني من الفقر (حيث يوجد 25 مليون فقير في صنعاء) وتفشي الأسلحة التي يفوق عددها عدد السكان، بالإضافة إلى انتشار القات الذي يصفه بـ "النبتة السامة". يصف الكاتب مشهد "خطف الأجانب" الذي أصبح تقليداً، لكنه يتحول إلى أداة أكثر دموية في أيدي القاعدة التي بدأت تقايض المحتجزين بأسعار باهظة وحتى قتلهم.

محور أساسي في الفصل هو زيارات المؤلف لشخصيات قبلية وسياسية، أبرزها لقاؤه مع الشيخ صادق الأحمر، رئيس اتحاد القبائل اليمنية. يشرح كيبل كيف أن قبيلة الرئيس صالح كانت جزءاً من هذا الاتحاد، ولكن عندما حاول صالح نقل حكمه وراثياً وتقليص نفوذ القبائل، تحالف الإخوان وأبناء الأحمر ضده، مما أدى إلى حرب قبلية في صنعاء وصلت إلى حد قصف قصر صالح الذي أصيب على إثره. في هذا السياق، يصف الكاتب لقاءه مع الشيخ الأحمر في قصره المدمر، حيث كان يمضغ القات ويطلب من فرنسا المساعدة لإبعاد صالح عن السلطة. يصور كيبل الواقع بأن البلاد تعيش تحت وصاية دولية من الخمسة دائمي العضوية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، حيث لكل دولة دور: الولايات المتحدة ترسل طائرات بدون طيار لقتل الجهاديين، السعوديون والكويتيون يوفرون المال، القطريون متساهلون تجاه الحوثيين، بينما يساعد الفرنسيون في صياغة دستور ديمقراطي.

يخصص المؤلف حيزاً كبيراً للقائه مع شباب الثورة اليمنية في ساحة التغيير، التي استوحت اسمها من ميدان التحرير في القاهرة. يصفهم بأنهم شبان متحمسون للديمقراطية، يقرؤون لـ إدغار موران وريجيس دوبري ويورغن هابرماس وميشيل فوكو عبر الإنترنت، ويرفضون ديكتاتورية الحزب الواحد وتخلف النظام القبلي. لكن المشهد لم يخلُ من التوتر، ويتجسد ذلك في مواجهة فكرية حادة مع طالبة محجبة بالنقاب الأسود، هاجمت فرنسا واتهمتها بـ "العنصرية ضد المسلمين" بسبب منع الحجاب، معتبرة أن السلفية هي الإسلام في منابعه وأن الاندماج يهدف إلى إخراج المسلمين من دينهم. ينتقل المشهد بعد ذلك إلى خيام المعتصمين، حيث يصف مزاجاً احتفالياً يشبه "ودستوك"، مع مزيج من النشطاء والقبليين والنساء المنقبات، في جو من الحرية النسبية والمناقشات المفتوحة.

يتجه الكاتب بعدها إلى عدن، عاصمة الجنوب اليمني، التي يصفها بأنها تتحدث لغة الانفصال. يشرح كيبل تاريخ عدن تحت الاستعمار البريطاني الذي تمتع بالرخاء، ثم الحكم الشيوعي، ثم الوحدة مع الشمال التي تبعها تهميش الجنوب بعد اكتشافات النفط، مما أدى إلى حركة مسلحة عام 1994 سحقتها قوات صالح بمساعدة الجهاديين العائدين من أفغانستان. يصف المؤلف كيف أن النخبة الاشتراكية القديمة هربت، وعادت النساء من لباس البحر إلى الحجاب الأسود. في عدن، يلتقي الكاتب بمجموعات مختلفة: ممثل عن الإخوان المسلمين يرفض التقسيم، وآخر من المجلس الوطني في عدن يطالب بالاستقلال الكامل، ورجال أعمال أعلنوا عن "أول مؤتمر للجنوب" في القاهرة. يختتم الفصل بمشهد إذاعي، حيث يبث الكاتب أول حلقة لبرنامجه الأسبوعي من فندقه في عدن، ويذكر هجوماً استهدف نادي "ليالي دبي" في حي كريتر، والذي يصفه الجنوبيون بأنه مجرد تصفية حسابات بين قطاع الطرق وليس عملاً لـ القاعدة التي يعتبرونها مجرد لعبة في يد الرئيس صالح لتخويف الغرب.

في النهاية، يقر المؤلف بحدود تحليله من خلال الاعتماد على ملاحظاته الشخصية ولقاءاته المحدودة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل اليمن بين القوى القبلية والجهادية والحركات الانفصالية، ودور القوى الدولية والإقليمية في تأجيج الصراع. كما يثير تساؤلاً حول قدرة الثوار الشباب على تحقيق الديمقراطية في ظل هذا التعقيد القبلي والعسكري والدولي، وهو ما يظل سؤالاً مفتوحاً في نهاية الفصل.

6.الفصل السادس: مصر 2138–153▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب جيل كيبل هو يوميات ميدانية تسجل وقائع الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012، وتحديداً في 16 حزيران/يونيو 2012، من خلال جولة للمؤلف في محافظة الفيوم. الموضوع المحوري هو رصد التناقضات الاجتماعية والسياسية والدينية في المجتمع المصري أثناء لحظة التحول الديمقراطي، وكيف انعكست هذه التناقضات على صناديق الاقتراع.

يسير الفصل خطوة بخطوة مع رحلة المؤلف التي تبدأ من مركز اقتراع النساء في مدينة الفيوم، حيث يلتقي ناخبات أقباط يصوتن لصالح المرشح أحمد شفيق، ممثل المؤسسة العسكرية والنظام القديم، مرددات شعارات عن "النظام" و"الحداثة". بينما تصوت النساء المسلمات لصالح مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي، معلنات أن "مصر دولة مسلمة". يستخدم المؤلف هذه المقابلات المباشرة كدليل على الاستقطاب الطائفي الواضح، ويشير إلى أن الأقباط ما زالوا يعيشون تحت صدمة أحداث ماسبيرو في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2011، حيث دهست دبابات الجيش متظاهرين أقباط، مما أسفر عن 25 قتيلاً وأكثر من 300 جريح. هذه الحادثة، بحسب المؤلف، تمثل نقطة تحول في علاقة الأقباط بالثورة ورمزاً لعنف الدولة والسلفيين ضدهم.

ينتقل المؤلف بعدها إلى قرية ريفية صغيرة مسلمة بالكامل، حيث يشهد مشهداً أكثر تعقيداً. يلتقي بشاب حصل على دكتوراه في علم الأحياء من أطلنطا بالولايات المتحدة، وعاد خصيصاً للتصويت لصالح مرسي، متحدثاً بالإنكليزية. هذا المشهد يرمز لتحول اجتماعي عميق، حيث حلّ تيار الإخوان المسلمين محل التيارات اليسارية والناصرية في تمثيل الطموح السياسي للفلاح المتعلم. لكن سرعان ما يتعرض الفريق التلفزيوني لهجوم من رجلين (يسميهما الثوار "الفلول")، يرمونهما بالتجسس محاولين تأليب الجنود عليهما، مما يضطر الفريق للهروب. هذا الحادث يظهر التوترات الأمنية والاجتماعية الخفية في الريف.

يواصل المؤلف تحليله لطبيعة التحالفات الانتخابية، فيشرح كيف استفاد الإخوان من نجاحهم السابق في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير 2012، حيث حصدوا مع حلفائهم السلفيين نحو 75% من الأصوات. لكنه يوضح أن هذا الانتصار كان مضللاً، فالإخوان منقسمون وغير مستعدين للديمقراطية، بينما استفاد السلفيون من الفقر في الأحياء الشعبية بتوزيع المساعدات المادية وشعارات العودة إلى الله. يعقد المؤلف مقارنة حادة: العسكر يسيطرون على السياسة العليا (الحرب والسلم وإسرائيل)، بينما يترك السلفيون للحضور الاجتماعي (المساجد والتعاونيات) وهم "حصان طروادة" الذي أدخلته السعودية لتمرير أجندتها. هذه الفوضى والانهيار، بحسب المؤلف، هي "الفوضى" التي لا يجد المصريون مخرجاً منها إلا بالتدين الظاهر.

أما الجزء الأبرز في الفصل فهو اللقاء مع سيناتور سلفي في مقهى بالفيوم. يجري الحوار بالإنكليزية، ويدلي السيناتور بأولوياته البرلمانية: حظر المواد الإباحية على الإنترنت، والاهتمام بقضية سوريا، رفع رواتب الأساتذة، والإفراج عن "حبيبنا الشيخ" عمر عبد الرحمن (المسجون في أميركا). ينفي السيناتور حاجة مصر للمساعدات الأمريكية، ويعلن دعمه لمرسي بعد أن كان متحفظاً عليه، مؤكداً أن "الإخوان أمامنا وليسوا ضدنا، نحن جميعاً إخوة". في المقابل، يلتقي المؤلف بنائب إخواني يبدو أكثر سياسية وأقل تديناً في مظهره، ويحاول جاهداً إقناعه بأن العلاقة مع الأقباط جيدة وبأنهم ملتزمون بالديمقراطية. يختتم المؤلف جولته باللقاء مع زميله في مركز الأبحاث، ويؤكدان معاً أن انتصار مرسي أصبح "أمراً لا مفر منه".

يعترف المؤلف ضمنياً بحدود ملاحظاته، فهي مجرد لمحة سريعة من يوم انتخابي واحد، وأن الصورة الكاملة أكثر تعقيداً. كما يترك أسئلة مفتوحة حول قدرة الإخوان على الحكم، وهشاشة التحالف مع السلفيين، ومستقبل الأقباط تحت الحكم الإسلامي. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي ربط المؤلف بين الفقر والتصويت للسلفيين، واعتبار أن الإغراءات المادية (المواد الغذائية وتذاكر الحج) هي وحدها ما يفسر نجاحهم، وهو تبسيط قد يغفل العوامل الأيديولوجية العميقة.

7.الفصل السابع: ليبيا 2156–176▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول انطباعات الكاتب جيل كيبل عن ليبيا خلال فترة الانتقال السياسي بعد سقوط نظام معمر القذافي، وتحديداً في الأيام التي سبقت انتخابات 7 تموز/يوليو 2012 وبعدها مباشرة. يجيب الفصل على سؤال محوري: كيف تبدو ملامح الدولة والمجتمع الليبيين في خضم الصراع على السلطة بين قبلية الثوار والفيدرالية الجديدة والإسلاميين، بعد أربعة عقود من الديكتاتورية؟ لا يقدم الكاتب إجابة واحدة، بل يصور واقعاً فوضوياً مليئاً بالتناقضات.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من المشاهد واللقاءات. يبدأ الكاتب بوصف وصوله إلى مطار بنغازي، حيث يستقبله مسلحون من "الجيش الحر في برقة" تابعون للشيخ زهير، ويتعرض لموقف يوضح سطوة السلاح وتحدي الثوار للسلطة المدنية المتمثلة في المجلس الوطني الانتقالي. ينتقل الكاتب بعدها إلى وصف المشهد الانتخابي في طرابلس، حيث تملأ الملصقات الشوارع بألوانها وشعاراتها المتشابهة ("الإسلام، الديمقراطية، العدالة، الحرية")، ويلاحظ أن إقبال الليبيين على التصويت يحمل حماسة المرة الأولى، وأن نظام الانتخاب المعقد يجمع بين الأحزاب والمستقلين.

يجري الكاتب مقابلة مطولة مع الشيخ زهير، أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية في برقة. يروي الشيخ تجربته مع السجن والتعذيب تحت حكم القذافي منذ عام 1970، ويتحدث عن معاناة العائلة الملكية. يستخدم الكاتب هذا اللقاء لعرض نموذج من المعارضة التقليدية التي تحمل إرثاً تاريخياً ومظالم قديمة. ينتقل بعدها إلى مشهد استعادي لموقع مصرع القذافي في سرت، واصفاً الجوائز المهملة والأنابيب الخرسانية التي اختبأ فيها، معتبراً أن نهايته هي صورة بشعة لسقوط الديكتاتور الذي اتهم الثوار بأنهم "جرذان".

ينتقل الكاتب إلى اليوم الانتخابي نفسه، 7 تموز/يوليو 2012، في طرابلس، حيث يصف قصور القذافي التي تحولت إلى فندق وأماكن عامة. يذكر قصة سيف الإسلام القذافي، نجل الديكتاتور، الذي اعتُقل في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بعد محاولته الفرار متنكراً. ويصف جو الانتخاب بمساعدة منظمات دولية، مع غياب شبه تام للجيش والشرطة، وسيطرة ميليشيات الثوار من مدن مثل زنتان التي تسيطر على أمن العاصمة وتفرض هيمنتها على السكان المحليين.

في 8 تموز/يوليو 2012، اليوم التالي للانتخابات، يزور الكاتب سجن أبو سليم في ضاحية طرابلس، الذي يرمز لقمع النظام السابق و"مجزرة أبو سليم" المزعومة في 29 حزيران/يونيو 1996. يقارنه الكاتب بـ**"الباستيل"** الفرنسي، لكنه يلاحظ أنه لم يُهدم بل حُوفظ عليه "شاهداً". يلتقي بالفنان محمد بلامين من مصراتة، الذي حُبس في السجن ويصف بالتفصيل قصة اعتقاله وتعذيبه، وكيف كان ينحت رسوماته على جدران الزنزانة باستخدام أطباق الألمنيوم، معتبراً أن الرسم كان وسيلة لتغذية الأمل في وجه اليأس.

يختم الفصل بتحليل لنتائج الانتخابات، التي لم تمنح الإسلاميين فوزاً ساحقاً كما حدث في مصر وتونس المجاورتين. يقدم الكاتب تفسيراً لذلك: في ليبيا، قدمت الثورة تضحيات هائلة (عشرات الآلاف من القتلى) مما أعطى شرعية واسعة وحديثة لا يمكن للأجهزة الحزبية التقليدية تجاوزها، بالإضافة إلى انقسام الإسلاميين إلى عدة أحزاب متصارعة (مثل "حزب العدالة والبناء" للإخوان و"حزب الوطن" لعبد الحكيم بلحاج). يذكر الكاتب لقاءً مع الأمين العام لـ"حزب الوطن" في مقره، فيلاحظ العلاقة المالية والتنظيمية الوثيقة مع قطر.

أقر الكاتب بحدود ما يراه، إذ يذكر أنه لم يتمكن من زيارة درنة بسبب منع مرافقيه رغم ادعائهم بأنها "منطقة مفتوحة على أوروبا"، معترفاً أن وجهة نظره محدودة بالتجربة المباشرة. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل العملية الديمقراطية في وجه الميليشيات المسلحة، متسائلاً في خاطره عما إذا كانت هذه الانتخابات، وهي "اختراع حديث وغربي"، كافية لوقف "دورة التاريخ" التي تحدث عنها ابن خلدون حول صراع البدو والحضر على السلطة.

من الحجج القابلة للنقاش داخل النص، تلك المتعلقة بتفسير ضعف المد الإسلامي الانتخابي في ليبيا مقارنة بجيرانها. بينما يقدم الكاتب تفسيراً يعتمد على شرعية الدم والانقسام الإسلامي، يمكن للقارئ أن يتساءل عما إذا كان هناك عامل آخر يتمثل في البنية القبلية الليبية القوية التي حالت دون تشكل كتلة تصويتية إسلامية متماسكة، وهو ما لم يتناوله النص بشكل مباشر.

8.الفصل الثامن: تونس 2177–205▼ ملخص

ملخص الفصل الثامن: تونس 2

يركز هذا الفصل على تحولات تونس بعد عام من ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 التي أطاحت بـزين العابدين بن علي. لا يقدم المؤلف إجابة واحدة، بل يرسم لوحة معقدة للصراع على هوية الثورة ومستقبل البلاد بين ثلاثة أطراف رئيسية: السلفيون الجهاديون (خاصة حركة أنصار الشريعة بقيادة أبو عياض)، وحركة النهضة الإسلامية الحاكمة، والنخب العلمانية واليسارية والمهمشة. الإجابة التي يتلمسها الفصل هي أن الثورة لم تحقق بعد وعودها، وأن الفراغ الذي خلفته يستغله السلفيون بقوة، مستخدمين مزيجاً من العمل الاجتماعي، والخطاب الديني المتطرف، والعنف، في وقت تعاني فيه الحكومة من التردد والانقسامات.

يبدأ الفصل في سيدي بوزيد، مهد الثورة، حيث يبحث المؤلف في أسطورة محمد البوعزيزي. يتتبع الروايات المتضاربة حول حادثة إحراقه نفسه: هل كانت صفعة الشرطية فائدة حمدي هي الدافع أم خلاف على ميزان؟ هل كان بائعاً أمياً أم عاطلاً عن العمل يحمل شهادة؟ هل كان متديناً أم تحت تأثير البيرة؟ يكشف المؤلف عن أن النشطاء اليساريين هم من صاغوا الرواية البطولية التي أشعلت الانتفاضة، بينما تمكنت فائدة حمدي، بعد محاكمة صاخبة، من قلب الطاولة بتقديم نفسها كضحية لاعتداء جنسي، ما يعكس صراعاً على السردية والذاكرة. في هذا السياق، يلتقي المؤلف بطارق، وهو سلفي ثلاثيني كان رساماً ويحب الخمر قبل أن يقوده اعتقاله في سجون بن علي إلى التطرف. يعيش طارق في "استراحة التوحيد" التي يتحول فيها السلفيون إلى مرشدين اجتماعيين للشباب، ويسمح له المؤلف بتصوير صلاة الجمعة، بينما يصفه بأنه "هجين" بين الجهادي والمستمتع بعطلة.

ينتقل الفصل إلى خطبة الجمعة في مسجد سيدي بوزيد، حيث يهاجم الإمام خليفة، أحد أتباع أنصار الشريعة، النظام السوري والكفار والديمقراطية التي يعتبرها "كفراً" لأنها تنافي "السيادة الإلهية". في حوار معه، يرفض الإمام وصف البوعزيزي بـ"الشهيد" لأن فعله لم يكن في سبيل الله، ويكشف عن ازدرائه لحزب النهضة الذي "يدعم الديمقراطية". في السوق، يلتقي المؤلف بشاب سلفي آخر ذي ملامح آسيوية، لكنه يكتشف بالصدفة أن هذا الشاب ينتمي إلى عائلة تبيع الخمور والمخدرات في السوق السوداء! يشرح له مرافقوه أن هذا الشاب انضم للسلفيين لحماية تجارة أسرته غير المشروعة، وأن هجومهم على حانة فندق كان للتخلص من منافس رئيسي. هنا، يكشف المؤلف عن تناقض صارخ: النفاق العملي للسلفيين يخفي وراءه مصالح اقتصادية وليس تديناً خالصاً.

في قرية الرقاب، يلتقي المؤلف بخمسة من الخريجين العاطلين عن العمل، وهم يساريون يشرحون كيف أن البرجوازيين "خنقوا" الثورة، وأن انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 قادت لـ"تيرميدور إسلامي" يخدم مصالح الطبقة الحاكمة الجديدة. يشير هؤلاء إلى أن السلفيين هم "نسخة دينية عن الأحزاب الفاشية" تحرك البروليتاريا الرثة ضد التقدميين لصالح "ملوك البترول في الخليج". يختتم هذا القسم بلقاء مع شيخ شيوعي تروتسكي قضى حياته في سجون بورقيبة وبن علي، يقول للمؤلف بمرارة: "لا يوجد إسلاموية هنا ولا سلفيون...".

يصل الفصل إلى ذروته مع وصول زعيم أنصار الشريعة، أبو عياض (سيف الله بن حسين)، إلى سيدي بوزيد. يصفه المؤلف بأنه الجهادي السلفي الأبرز، المرتبط بتنظيم القاعدة، والذي أسس حركته بعد الثورة. يلتقي به لفترة وجيزة لكن أبو عياض يرفض المقابلة المصورة بعد أن يدرك هوية المؤلف، ويحيطه حراسه، أحدهم يتحدث بلهجة ضواحي باريس. بعد رحيله، يهمس مرشد المؤلف بأن أتباع أبي عياض بدأوا تطبيق العقوبات على من يشرب الخمر في الأحياء المجاورة.

يتناول الفصل أيضاً "الثورة الثقافية السلفية" من خلال لقاءين. الأول مع حبيب كازداغلي، عميد كلية الآداب في جامعة منوبة، وعضو في حزب النهضة، الذي يواجه طالبة رفعت دعوى ضده. أما الثاني فهو مع الفنانة التشكيلية نادية الجلاصي، التي دمرت مجموعة من الملتحين منحوتاتها بتهمة التجديف، ثم استُدعيت للتحقيق بتهمة "نشر منتجات ثقافية تقوّض النظام العام". يخلص المؤلف إلى أن الحكومة الإسلامية الجديدة في مأزق بين إرضاء قاعدتها المحافظة وحماية الحريات.

في القسم الأخير، ينتقل المؤلف إلى القصبة وقصر قرطاج، حيث يلتقي بالرئيس المؤقت منصف المرزوقي ورئيس الوزراء حمادي الجبالي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. يقدم هؤلاء رؤيتهم للتحديات. يشكو المرزوقي من النخبة العلمانية "الفرنسية" التي ترفض نتائج الانتخابات، ويحذر من أن الظاهرتين السلفية واليسارية المتطرفة هما مجرد تعبير عن المطالب الاجتماعية للفقراء. يتحدث الجبالي بقلق عن قدرة السلفيين على "القفز نحو وسائل شديدة الوحشية"، ويتهم أجهزة مخابرات أجنبية باختراقهم، ويؤكد أن البطالة وعدم المساواة هما "وقود" التطرف. أما الغنوشي فيدافع عن تياره "المعتدل" ويرى أن السلفيين هم نتاج "العلمنة المتطرفة" لبورقيبة وقمع بن علي، معتبراً أن الحوار والتنمية هما الحل.

ينتهي الفصل بيوم 14 أيلول/سبتمبر 2012، حيث يتأخر إقلاع طائرة المؤلف بينما يرتفع عمود من الدخان الأسود من منطقة السفارة الأميركية في تونس العاصمة، التي اقتحمها وأحرقها سلفيو أنصار الشريعة بتحريض من أبو عياض احتجاجاً على فيلم "براءة المسلمين".

في الفصل حجج قابلة للنقاش، مثل تحليل المؤلف للعلاقة المزدوجة بين السلفيين والمصالح الاقتصادية، واتهامه للخريجين اليساريين بأنهم غيروا سردية البوعزيزي لتخدم أهدافهم الطبقية، وربطه بين قمع بورقيبة وبروز التطرف كما يفعل الغنوشي.

9.الفصل التاسع: قطر206–227▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب جيل كيبل، والذي يحمل عنوان «قطر»، هو يوميات تُؤرخ لزيارة الكاتب إلى الدوحة في تشرين الأول/أكتوبر 2012. الموضوع المحوري هو الكشف عن التناقضات الجوهرية في دولة قطر؛ فهي من ناحية، إمارة غاز غنية تمارس دبلوماسية مزدوجة وتتظاهر بالوساطة والانفتاح، ومن ناحية أخرى، هي نظام رقابة مشدد يمول الثورات العربية ولكن بشروط أيديولوجية صارمة، ويستخدم ثروته لشراء النفوذ والإعلام بينما يخضع المجتمع المحلي لرقابة خانقة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن قطر، بقيادة أميرها حمد بن خليفة آل ثاني ووزير رأسه حمد بن جاسم، تحولت من وسيط خفي إلى بطل علني للثورات العربية، مدفوعة بالخوف من زعزعة الاستقرار الإقليمي، وباستراتيجية تقوم على دعم جماعة الإخوان المسلمين كبديل عن النظام السلفي السعودي.

يسير الفصل على شكل سرد يومي لتجربة الكاتب، يمزج بين وصف اللقاءات الفاشلة والملاحظات الميدانية والتحليل السياسي. يبدأ الكاتب بوصف محاولاته الفاشلة للحصول على مقابلات مع مسؤولين كبار أو مع مسؤولي قناة الجزيرة، حيث يواجه بالمماطلة والترحيل، ثم يختتم الموقف بلقاء متوتر مع مسؤول مصري في وكالة الأنباء القطرية يوبخه لأنه لم يذكر الاستثمارات القطرية في الإعلام الفرنسي. يُجبر الكاتب على التوقيع على تعهد بعدم «إثارة الفتنة الطائفية»، وهو القانون الخفي الذي يمنع انتقاد السياسة القطرية. هذه التجربة الشخصية تُستخدم كدليل على أن قطر لا تسمح بأي فضاء نقدي.

ثم ينتقل الكاتب إلى تحليل بنية الدولة القطرية، التي يصفها بأنها «إمبراطورية» تتكون من الجزيرة، والخطوط الجوية، ومؤسسة قطر الجامعية، والقاعدة العسكرية الأميركية، وكأس العالم 2022. هذه الإمبراطورية، التي يعمل فيها موظفون بدون نقابات، تستخدم ثروتها لشراء النفوذ في فرنسا من خلال فريق باريس سان جيرمان وجائزة «قوس النصر» التي أعيدت تسميتها، والاستثمارات في الضواحي الفرنسية. يوضح الكاتب أن هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة أن قطر تستطيع، بفضل ثروتها، جعل «خطين متوازيين يتقاطعان»، أي التوفيق بين التناقضات: فهي تدعم حماس في فلسطين وتتاجر مع إسرائيل، وتستضيف القاعدة الأميركية التي قصفت العراق بينما تستضيف استوديوهات القناة التي دعمت صدام حسين.

يتعمق الفصل في تحليل الثورات العربية كمتغير رئيسي. يشرح الكاتب أن قطر، التي كان عدد سكانها 200 ألف مواطن قطري فقط مقابل 10 أضعاف هذا الرقم من المقيمين الأجانب، شعرت بالذعر من ثورات مصر والبحرين عام 2011. فاختارت دبلوماسية الدوحة وضع ثقلها المالي خلف جماعة الإخوان المسلمين، التي رأت فيها حليفاً موثوقاً وغير ثوري، على عكس المملكة العربية السعودية التي دعمت التيار السلفي لمواجهة الإخوان والشيعة. هنا يبرز التناقض الأهم: استخدام قطر للثورات كأداة لترويضها وتحويلها إلى عملية سياسية تحت سيطرتها، بدلاً من تركها للجماهير.

معظم الحجج والأمثلة تتركز في ثلاثة لقاءات رئيسية. أولها مع وضاح خنفر، المدير العام السابق لقناة الجزيرة، الذي يقدم رؤيته الفكرية للثورات باعتبارها «صحوة» تهدف إلى تصحيح «الخطأ التاريخي» الذي بدأ باتفاقية سايكس بيكو عام 1916. يبرر خنفر تغطية القناة المتحيزة لصالح الإخوان، معترفاً بإخفاء تغطية الاحتجاجات الشيعية في البحرين بسبب «الخوف من إيران». الثاني هو لقاء مع الشيخ يوسف القرضاوي، الداعية الأبرز، والذي يصف نفسه بأنه «أبو الوسطية»، بينما يكشف الفصل عن تناقضاته: فهو يدعم التفجيرات الانتحارية ضد الإسرائيليين ولكنه يستنكر هجمات 11 سبتمبر. في المقابلة، يعلن القرضاوي بكل ثقة أنه «أنهى» مبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح عبر فتاواه على شاشة الجزيرة، ويُظهر انحيازه الطائفي الصارم عندما يصف أحداث البحرين بأنها «عصيان مذهبي» شيعي ضد السنة، مبرراً التدخل السعودي.

يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة في الفصل. فهو يعترف بأن رحلته كلها كانت عبارة عن فخ، حيث تم تصميمها لمنعه من مقابلة الشخصيات المهمة، وأن «اللائحة الرسمية للمقابلات» كانت «عرقلد، عدم كفاءة أو إهانة». كما يترك أسئلة مفتوحة مثل: هل الرفض الذي قوبل به كان بسبب خوف القطريين من كتاب لا يخضع لرقابتهم، أم بسبب استثماراتهم المثيرة للجدل في فرنسا؟ الفصل لا يقدم إجابات قاطعة، بل يضرب مثالاً على استراتيجية قطر في استبدال اللقاءات المباشرة بـ «وكلاء اتصال» يروجون للعلامة التجارية.

في الختام، يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش بوضوح، وهي أن قطر نجحت في تحويل «الربيع العربي» من ثورة شعبية إلى مشروع سياسي-ديني بقيادة الإخوان المسلمين، وأن هذه الاستراتيجية كانت محاولة لإنقاذ الأنظمة الملكية من خطر التغيير الحقيقي. كما أن الانتقادات الموجهة للقرضاوي وخنفر، رغم قسوتها، تُظهر كيف أن خطاب «الوسطية» والتسامح الإخواني يُستخدَم كغطاء لأيديولوجيا طائفية وقومية تتجنب مواجهة إيران بشكل كامل بينما تذبح خصومها بالفتاوى. الفصل هو نقد لاذع لدولة تبيع نفسها كجسر للانفتاح بينما تبقى ممارساتها الداخلية وخياراتها الخارجية متحجرة في إطار القبيلة والمال والطائفة.

11.الفصل الحادي عشر: المملكة العربية السعودية231–262▼ ملخص

ملخص الفصل الحادي عشر: المملكة العربية السعودية

يخصص هذا الفصل من كتاب جيل كيبل لدراسة الوضع في البحرين بعد ثورة 14 شباط/ فبراير 2011، ثم ينتقل إلى المملكة العربية السعودية. الموضوع المحوري هو تحليل الانقسام الطائفي بين الشيعة والسنة في البحرين، وكيف استُخدم هذا الانقسام لتبرير القمع والقضاء على الحراك الشعبي، مع التركيز على دور المملكة العربية السعودية وإيران في تأجيج الصراع.

يبدأ الفصل بوصف الوضع في البحرين، التي كانت ثالث دولة عربية تشتعل فيها الثورة بعد تونس ومصر، والوحيدة التي قُمِعَت وسط لا مبالاة عالمية. يصف كيبل الجزيرة بأنها أصغر دولة عربية بمساحة 700 كيلومتر مربع تقريباً وعدد سكان يبلغ مليوناً وثلاثمئة ألف نسمة، نصفهم تقريباً مواطنون. من بين المواطنين، حوالي ثلاثة أرباعهم من الطائفة الشيعية، بينما العائلة المالكة الحاكمة من الطائفة السنية.

يشرح كيبل الخلفية التاريخية للوجود الشيعي في البحرين من خلال لقائه مع منصور الجمري، رئيس تحرير صحيفة «الوسط» المعارضة. يروي الجمري كيف أدى اكتشاف النفط في عام 1932 إلى الإخلال بالتوازن التقليدي، وتحول المزارعون والصيادون الشيعة إلى طبقة عاملة في صناعة النفط الوليدة، مما ساهم في نمو الماركسية بينهم. ويصف كيف أن بعض الشيعة التحقوا بمدارس الحزب الشيوعي في موسكو بدلاً من المعاهد الدينية.

ينتقل كيبل إلى وصف التناقض البحريني قبل 2011، حيث كانت الجزيرة تُظهر للزائرين صورة الدولة الأكثر ليبرالية في الخليج، مع مشهد فني مزدهر وبيع حر للكحول ودعارة مرتبطة بزواج المتعة الشيعي. لكنه يصف أيضاً التبعية المتزايدة للمملكة العربية السعودية عبر جسر الملك فهد الذي بُني عام 1986، والذي يربط البلدين ويستخدمه السعوديون لعطلات نهاية الأسبوع، مما جعله رمزاً لتبعية الجزيرة لجارتها الكبرى.

يصف كيبل لقاءه الرسمي الأول مع وزيرة الدولة لشؤون العالم، سميرة رجب، وهي شخصية مثيرة للجدل تنحدر من النخبة الشيعية العلمانية لكنها معادية للشيعة السياسية وإيران. كانت غير محجبة ودرست في بغداد، ودعمت صدام حسين أثناء غزو العراق عام 2003، وهاجمت آية الله علي السيستاني في عام 2004 ووصفته بـ«الجنرال الأميركي». تعرض كيبل وجهة نظر الوزيرة التي تبرر التدخل العسكري السعودي في البحرين في 14 آذار/ مارس 2011، معتبرة أن الاحتجاجات كانت ذات صبغة طائفية شيعية بتحريك من إيران، وأن الحوار مع المعارضة كان مستحيلاً.

في مقابل هذه الرواية الرسمية، يلتقي كيبل مع ممثلي جمعية «الوفاق» الشيعية المعارضة بقيادة المتحدث باسمها خليل المرزوق، الذي يشرح التمييز الانتخابي ضدهم: فالوفاق حصل على 18 نائباً فقط من أصل 40 في البرلمان رغم فوزه بـ 45% من الأصوات. يصف المرزوق المشكلة بأنها ليست صراعاً طائفياً بل صراع مع العائلة المالكة التي تسيطر على كل شيء، متهماً الحكومة بتضخيم دور إيران لتجنب الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا يبقى رئيس الوزراء في منصبه لـ 42 عاماً؟

ينتقل كيبل لوصف زيارة ميدانية إلى قرية باربار الشيعية، حيث يشاهد رسومات الجدران التي تمجد الثورة وتصور الناشط عبد الهادي الخواجة، الذي اعتُقل في نيسان/ أبريل 2011 وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة في حزيران/ يونيو بعد تعرضه للتعذيب، وخاض إضراباً عن الطعام استمر 110 أيام وانتهى بتغذيته قسراً. يصف كيبل فقر القرى الشيعية التي عُزلت عن البحر بأراضٍ مستصلحة من الرمال المستوردة من السعودية، حيث أُنشئت أحياء سكنية عصرية تذكر بدبي.

يصف كيبل مواجهة مع الشرطة الباكستانية والبلوشية واليمنية التي جُنِّدت لقمع المتظاهرين، ولقاء مع زينب الخواجة، ابنة الناشط المسجون، في مقهى «كوستا كوفي» في مركز تجاري. تروي زينب، التي درست في الدنمارك والولايات المتحدة، قصة اعتقال والدها وإضرابه عن الطعام، وتشرح فلسفته في الدفاع عن حقوق الإنسان عالمياً حتى عن الوهابيين في غوانتانامو، قائلة: «هذا ما يسمى بحقوق الإنسان، وليس بحقوق الشيعة ولا البحرينيين». تؤكد زينب أن الثورة لم تُجهض رغم تدمير دوار اللؤلؤة في 18 آذار/ مارس 2011، وأن التظاهرات مستمرة كل مساء، وأن السلاح الأميركي هو الذي يقتلهم.

ينتقل كيبل في الجزء الثاني من الفصل إلى المملكة العربية السعودية، عبر توقف في مطار الدمام، عاصمة النفط السعودي. يصف الفصل العلاقة التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة منذ اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت على متن السفينة الحربية «يو إس إس كوينسي» في 14 شباط/ فبراير 1945، والذي أرسى مبدأ «النفط مقابل الحماية». يشرح كيف أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، حيث كان 15 من منفذي الهجمات الـ 19 سعوديين، أحدثت شرخاً في هذه العلاقة، وأثارت سيناريوهات من المحافظين الجدد لتقسيم المملكة.

يصف كيبل كيف أن مركز دراسات الملك فيصل سمح له بزيارات منتظمة للسعودية بعد 2001، لكن الأبواب أغلقت مجدداً منذ عام 2010، ورفضت تأشيرته في كانون الأول/ ديسمبر 2011، مما جعله شخصاً غير مرغوب فيه. يختتم الفصل بتأملات حول مصير المستشرق المعاصر الذي يواجه أكثر القادة انغلاقاً في المنطقة.

في تحفظاته، يقر كيبل بأن روايته تعتمد على شهادات أطراف متعارضة، ويعترف بصعوبة التحقق من بعض الأرقام والادعاءات المقدمة من كل طرف. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل البحرين وإمكانية دمجها في السعودية كما حدث مع هونغ كونغ والصين. يظهر الفصل بوضوح أن الحجج قابلة للنقاش: فبينما ترى الحكومة البحرينية والمعارضة «البناءة» السنية أن الاحتجاجات مدفوعة من إيران، ترى المعارضة الشيعية أنها حركة شعبية تطالب بالمواطنة المتساوية وتقاسم الثروات في بلد تسيطر عليه عائلة واحدة منذ قرون.

12.الفصل الثاني عشر: لبنان263–290▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب جيل كيبل "الشغف العربي" هو صورة معقدة وحية للبنان في خضم الأزمة السورية عام 2012، حيث يقوم الكاتب بجولة ميدانية في المناطق المختلفة ليكشف عن التشابك الطائفي والسياسي العميق الذي يمزق البلاد. الموضوع المحوري هو استعراض كيف أن الانقسامات الداخلية في لبنان، بين تحالفي 8 آذار المؤيد للنظام السوري و14 آذار المعارض له، تعكس وتتغذى مباشرة من الحرب الأهلية السورية، مما يجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراع إقليمي بالوكالة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي صورة قاتمة عن بلد يعيش على حافة الهاوية، حيث كل طائفة وفصيل يحسب حساباته بناءً على ما يحدث عبر الحدود.

يبدأ كيبل برسم الإطار العام من خلال مقابلة مع رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي يشرح سياسة "فصل لبنان" عن الأزمة السورية، معللاً ذلك بالتبعية الاقتصادية والجغرافية لسوريا، وأهمية تحويلات اللبنانيين في الخليج، والانقسام المجتمعي الحاد. القلق الأكبر بالنسبة لميقاتي هو احتمال تقسيم سوريا أو وصول متطرفين إلى السلطة، لأن ذلك سيجر لبنان مباشرة إلى الفوضى. ثم ينتقل كيبل إلى لقائه مع المفكر الماروني سمير فرنجية، وهو رمز لتحالف 14 آذار. يقدم من خلاله تحليلاً تاريخياً وسياسياً عميقاً، مستعرضاً تاريخ عائلته الإقطاعية وعلاقاتها بسوريا، ورؤيته لـ "ثورة الأرز" عام 2005 كمهد للربيع العربي. يعتبر فرنجية أن الربيع العربي أنهى الأيديولوجيات القديمة وأعاد تأهيل الفرد، ورأى في الثورة السورية فرصة للعرب للرد على الطموحات الإيرانية، معتبراً أن حزب الله دفع ثمن ارتباط مصيره بنظام بشار الأسد. يتطرق الحوار إلى احتمالات "التطهير العرقي" في سوريا ودور العلويين، لكن فرنجية يستبعد إمكانية قيام دولة علوية منفصلة.

بعد ذلك، يتحول السرد إلى رحلة جغرافية في الشمال. يصف كيبل تحوله من منطقة كسروان المسيحية الثرية، التي لاحظ فيها اختفاء اللغتين العربية والفرنسية لصالح الإنجليزية، إلى مدينة طرابلس. هنا يصل إلى "خط الصدع" الحقيقي. يصف بعمق الانقسام العنيف بين حي باب التبانة السني وحي جبل محسن العلوي، المواجهين لبعضهما عبر شارع سوريا، حيث يتبادلان القصف كرد فعل مباشر لما يحدث في سوريا. يقوم بزيارة استطلاعية للمدينة برفقة مرشد محلي، ويتجول في سوق الخضار ويشاهد الآثار العثمانية المهشمة. يلتقي برفعت عيد، القائد العلوي في جبل محسن، الذي يصور نفسه على أنه خط دفاع عن العلمانية والحضارة ضد "المتعصبين" السلفيين، ويدافع عن حلفه مع حزب الله ضمن تحالف 8 آذار.

المقابلتان اللتان تشكلان قلب الفصل هما مع المفتي السني مالك عبد الكريم الشعار والشيخ السلفي سالم الرافعي، واللتان تعكسان قطبي الطيف السني في لبنان. المقابلة الأولى مع المفتي الشعار، وهو رجل دين تقليدي هادئ، تتم في منزله العصري. يشرح المفتي مسيرته العلمية بين السعودية والأزهر والإمارات، ويتبنى موقفاً حذراً. يؤكد أن لبنان يتأثر بكل ما يجري في سوريا، وأن النظام السوري يسعى لإشعال الصراع الطائفي في طرابلس ليثبت أن السنة لا يمكنهم العيش مع العلويين، الأمر الذي ينفيه بشدة مؤكداً على المواطنة المشتركة. يعرب عن أسفه لتراجع أعداد المسيحيين في طرابلس والقدس.

أما المقابلة الثانية والأكثر دراماتيكية فهي مع الشيخ سالم الرافعي في مسجده بحي باب التبانة، حيث حضر الكاتب خطبة الجمعة في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2012. يصف كيبل بدقة كيفية استخدام الشيخ الرافعي لقصة معركة بدر التاريخية كاستعارة للصراع الحالي. يقدم الرافعي خطاباً تحريضياً قوياً، يصور فيه إيران وحلفاءها (العراق، سوريا، حزب الله) على أنهم "الفرس" و"البيزنطيين" الجدد الذين يسعون لتقسيم العالم الإسلامي وهيمنة على السنة. يمجد الثورة السورية واصفاً إياها بأنها جهاد، ويهاجم صمت النظام الإقليمي والدولي تجاهها، ويختتم خطبته بدعوات صريحة للنصر على "بشار الأسد وجنده". هذا الخطاب لا يمثل فقط وعظاً دينياً، بل هو بيان سياسي واضح يعلن الحرب بالوكالة على المحور الإيراني ويؤطر الصراع كجزء من ملحمة دينية كونية.

في نهاية الفصل، يكافح الكاتب للعثور على أمل بين هذه الشظايا. يختتم بقوله إنه بعد أسابيع من هذه الجولة، تظل طرابلس تتخبط جراء اغتيال جنرال سني، ويعود القصف المتبادل بين الحيين. الصورة النهائية هي صورة بلد مستنزف، معلق بين ماضٍ إقطاعي مسلح، وحاضر ممزق بطائفية مستعارة من صراعات إقليمية، ومستقبل لا يحمل أي ضمانات. الحجج التي يقدمها كيبل عبر شخصياته كلها قابلة للنقاش بشكل حاد، لكنها تخدم غرضه في إظهار أنه لا يوجد في لبنان رأي واحد ولا حل واحد، بل مجرد تفاعلات قوى معقدة على وشك الانفجار.

13.الفصل الثالث عشر: إسطنبول291–299▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب جيل كيبل يحمل عنوان "إسطنبول" وهو يركز على الدور المحوري الذي لعبته تركيا، وتحديداً حزب العدالة والتنمية بزعامة أحمد داود أوغلو، كمركز ثقل سياسي وأيديولوجي للثورات العربية في عامي 2011 و2012. الموضوع المحوري هو تيار "الإسلام الديمقراطي المحافظ" الذي يروج له الحزب التركي، والذي يجمع بين القيم الإسلامية، والليبرالية الاقتصادية، والتوجه القومي العثماني الجديد. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن تركيا أصبحت الملاذ والمنصة المثالية للمعارضات العربية، وخاصة السورية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات كبرى تتعلق بالطائفية والصراع مع إيران وتداعيات الحرب في سوريا.

يسير الفصل عبر عدة محطات. يبدأ المؤلف بوصف ندوة في إسطنبول يشارك فيها أحمد داود أوغلو، وهي بمثابة مرآة لندوة سابقة في الدوحة، حيث يلتقي إسلاميون عرب قوميون بطموحات كبيرة. يشير الكاتب إلى أن هذه الندوة تضم شخصيات متنوعة، من مثقفين أتراك إلى أمريكيين وأوروبيين ورجال دين، لكن اللافت هو حضور ممثل عن حركة النهضة التونسية، وهو الشيخ عبد الفتاح مورو، نيابة عن راشد الغنوشي. يُظهر مورو، الذي تعرض لاعتداء من سلفيين، توتراً تجاه التحديات الداخلية في تونس.

أبرز شخصية في الندوة هو الفلسطيني وضاح خنفر، المدير السابق لقناة الجزيرة، الذي يلقي خطاباً أمام جمهور كبير من الشباب المؤيد للحزب التركي. يصف الكاتب الجمهور بدقة؛ فتيات يرتدين أوشحة ملونة مع مكياج رياضي، يعكسن "موضة الورع والتقوى الوطنية" الحديثة التي تناولتها الكاتبة نيلوفر غول في كتابها. خنفر، البالغ من العمر 44 عاماً، يلقي خطاباً عاطفياً يعلن فيه أن إسطنبول هي عاصمته كفلسطيني، مستذكراً أسلافه الذين "سقطوا شهداء مع الجيش التركي". ينتقد خنفر اتفاقية سايكس-بيكو والحدود المصطنعة، ويروج لفكرة أن "الربيع العربي" هو نهضة لإعادة اكتشاف الهوية الشرقية. يشير الكاتب إلى أن مصطلح "الشرق" في الخطاب العربي يختلف عن المفهوم التركي العلماني الحديث "دوغو".

ينتقل الفصل إلى تحليل الموقف التركي من الصراع السوري. يذكر الكاتب أن تركيا بدأت بتحريك جيشها عبر الحدود؛ فقد قصفت مواقع سورية رداً على قصف قرية تركية، وأجبرت طائرة سورية قادمة من موسكو على الهبوط في أنقرة وهي محملة بالأسلحة. هذا التصعيد أجبر الوزير على مغادرة الندوة للاجتماع مع حلف الناتو. هنا يطرح المؤلف سؤالاً حاسماً حول ما إذا كان هذا التحرك سينتج "كتلة سنية" في مواجهة "المخطط الشيعي"، وهو ما استنكره الشيخ القرضاوي في الدوحة والشيخ السلفي الرافعي في طرابلس.

عندما يسأل الكاتب داود أوغلو مباشرة عن احتمال تحول الربيع العربي إلى "مواجهة بين الشيعة والسنة"، يحتج الوزير بشدة، مؤكداً أن السياسة التركية تقوم على مبادئ العدالة وإنهاء النزاعات، لا على الطائفية. يستشهد الوزير بمواقف سابقة: "كنا ضد القذافي الذي كان سنياً، وضد مبارك أيضاً، وضد صدام". ويضيف أن دعم تركيا للشعب السوري ليس لأنهم سنة، بل بناءً على مبادئ. لكن الكاتب يلاحظ أن خطاب الوزير لا يخلو من إشارات تاريخية مثل معركة تشالديران (عام 1514) بين السلطان العثماني سليم الأول والشاه الصفوي إسماعيل الأول، مما يظهر عمق المرجعية التاريخية في السياسة.

في القسم الأكبر من الفصل، يتحول الكاتب إلى التركيز على المعارضة السورية في إسطنبول. يلتقي بالعقيد قاسم سعد الدين، قائد المنطقة العسكرية في حمص، الذي يعيش في فندق ويتفاوض مع دول خليجية للحصول على الأسلحة. يصف الكاتب العقيد بأنه أحد الضباط الفارين الذين يحلقون شواربهم ويوزعون أشرطة فيديو على يوتيوب تعلن انشقاقهم. في المقابلة، يشرح العقيد تاريخ الثورة بدءاً من 15 آذار/مارس 2011، وتأسيس المجالس العسكرية في 12 شباط/فبراير 2012، وكيف تمكن الجيش السوري الحر من تحرير 90% من المناطق المحيطة بـ حمص، بالإضافة إلى حلب، إدلب، اللاذقية، دمشق، ودرعا.

عند مواجهته بمخاوف الغرب من سيطرة الإسلاميين والقاعدة، ينفي العقيد ذلك بشدة، مؤكداً أن الثوار لا يطبقون الشريعة ولا يقبلون بوجود القاعدة. ويقول: "لن يحكمنا الإسلاميون؛ بل سيكون هناك دولة علمانية ومتعددة". يستخدم العقيد كلمة "علمانية" بشكل إيجابي، وهو أمر يثير دهشة الكاتب الذي يعتبره الأول في الشرق الأوسط. ويتهم الغرب بأنه "مسؤول عما يحدث" بسبب عدم تقديم الدعم، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سينشر التطرف. ويؤكد أن مشكلتهم ليست مع الطائفة العلوية بل مع النظام، متمنياً حكومة مدنية ديمقراطية تحترم الأقليات.

ينهي الكاتب المقابلة مع العقيد بتساؤل عن مصداقية هذا الموقف العلماني، مشيراً إلى أن العقيد نفسه نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال من قبل جهاديين بعد أيام قليلة. ثم يحاول المؤلف مقابلة مرشد في جماعة الإخوان المسلمين السورية في إسطنبول (السيد "ي") لكنه يتجنب اللقاء، فيلتقي بالمرشد السابق علي البيانوني بدلاً منه. أخيراً، يلتقي بناشطة شابة من حمص في أحد مطاعم شارع الاستقلال، حيث يتناقض المشهد: طاولات البيرة والموسيقى الأمريكية تحت أنظار حكومة إسلامية، مقابل فتاة ثائرة تخطط لعبور الحدود سراً إلى سوريا. يتفقون على السفر صباحاً إلى أنطاكية لبدء مغامرة عبور جديدة إلى قرية محررة.

يقر الكاتب بتحفظات واضحة في الفصل. فهو يشير إلى أن وعود العقيد بالعلمانية والحرية قد لا تكون صادقة، بل قد تكون نتيجة أربعة عقود من التعليم البعثي العلماني، أو محاولة لكسب الدعم الغربي. كما أن الفصل نفسه يترك سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل سوريا: هل ستتحول الثورة إلى حرب طائفية سنية-شيعية رغم نفي القادة السياسيين؟ وهل ستتمكن القوى المعتدلة من السيطرة على الفصائل الجهادية المتطرفة التي ترفع الأعلام السوداء؟ الفصل يوثق لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتصارع فيها الطموحات الإقليمية لتركيا مع واقع الحرب الأهلية السورية، ويظهر بوضوح الفجوة بين التصريحات السياسية والواقع الميداني.

14.الفصل الرابع عشر: أنطاكيا. سورية300–338▼ ملخص

ملخص الفصل الرابع عشر: أنطاكيا. سورية

يُشكّل هذا الفصل محطة تأملية يعود فيها الكاتب إلى مدينة أنطاكيا بعد غياب دام خمسة وثلاثين عاماً، ليجدها وقد تحولت من موقع تاريخي شهد التزاوج بين الثقافات الوثنية والمسيحية إلى نقطة عبور ساخنة على الحدود التركية-السورية، حيث تتداخل ذكريات الماضي الشخصي مع واقع الحرب الأهلية السورية. الإجابة التي يقدمها المؤلف عن سؤال الفصل الضمني هي أن أنطاكيا لم تعد المدينة التي كانت يوماً مركزاً للحضارة والتلاقح الثقافي، بل أصبحت مرآة لانهيار سورية وتحوّلها إلى مسرح للصراع الطائفي والدمار.

يسير الفصل وفق بنية متشابكة تتنقل بين ثلاث مستويات زمنية: الحاضر في تشرين الأول/أكتوبر 2012، وماضي الكاتب البعيد في آب/أغسطس 1974 وربيع 1978، والتاريخ القديم للمدينة. يبدأ الكاتب من على متن طائرة متجهة إلى أنطاكيا، حيث يلاحظ مجموعة من الحجاج المسيحيين الكاثوليك القادمين من البرازيل لزيارة كنيسة مار بطرس، المكان الذي دُعي فيه تلاميذ المسيح "مسيحيين" للمرة الأولى. يُظهر الكاتب من خلالهم شغف المؤمنين بالبحث عن أدلة مادية لإيمانهم، فيسجّل بعض المقتبسات المسيحية من حاسوب أحدهم المحمول، وهي رسائل تحمل نبوءات عن عودة وشيكة للمسيح.

ثم ينتقل الكاتب إلى استعراض تاريخ أنطاكيا بوصفها ثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية، ومسرح محاولة الإمبراطور جوليان إحياء الوثنية في العام 361، والتي انتهت بمقتله. ويشبّه الكاتب مصير جوليان بمصير العلمانيين في العالم الإسلامي المعاصر الذين يعاملهم السلفيون كمرتدين. ويوضح أن أنطاكيا اليوم لم تعد سوى بلدة ريفية على الحدود التركية-السورية، يتنازع خمسة بطاركة يحملون لقب "بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق" على مقرها، رغم أن لا أحد منهم يعيش فيها فعلياً، وانقسم مقرهم بين دمشق ولبنان.

يعود الكاتب بذاكرته إلى زيارته الأولى للمدينة في ربيع 1978 قادماً من دمشق، حيث كان في منحة دراسية في المعهد الفرنسي للدراسات العربية. يصف رحلته عبر البحر الأبيض المتوسط في عمر التاسعة عشرة مع زميله كريستيان فونسيكا، وزيارته لمتحف الفسيفساء في أنطاكيا الذي يضم قطعاً من دافني، ضاحية المياه والرفاهية التي ارتبطت بأسطورة أبولو ودافني الميثولوجية. يستخدم الكاتب هذه الأسطورة كاستعارة لوصف الرغبة المستحيلة والجمال العابر، فيربطها بفسيفساء "ملذات الحياة" التي لا تزال قائمة.

ينتقل الكاتب إلى عبوره الأول إلى سورية عبر حدود "باب الهواء"، حيث التقى بسائق سيارة أجرة من البدو، وهو أول عربي يلقاه، ونقله هو ورفيقه إلى حلب. يصف الكاتب صدمته الأولى من الواقع العربي، قائلاً إنه لم يكن متأكداً أنه سيكرس حياته لدراسة العالم العربي إن لم يلقَ إلا هذا السائق وهذا الجمركي. ثم يصف أيامه العشرة الأولى في سورية، كيف تعلّم تناول الطعام باليد اليمنى من طبق واحد، وارتدى الجلابية، واغتسل في حوض خشبي بماء سخّنته نساء القرية على الحطب، معتبراً أن هذه التجربة كانت بمثابة عمادة وُلد من خلالها عربياً جديداً.

يقدّم الكاتب تفصيلاً لحياته في قلعة المضيق وأفامياء، المدينة الإغريقية التي بناها السلاجقة في العام 300 قبل الميلاد، حيث عاش مع عائلة من الملاك الإقطاعيين الذين لم يتأثروا بسيطرة حزب البعث ولا بأسرة الأسد. يصف علاقته بالنساء القرويات اللواتي كن يغمرن له ويتبادلن معه النظرات، مقارناً إياهن بالنساء المحجبات في الأوساط السنية اليوم.

على المستوى العاطفي، يروي الكاتب قصة حبه مع صديقة سورية مسلمة في الربيع نفسه، كانت تدرّسه العربية مقابل أن يعلّمها الإنكليزية، وتطورت العلاقة إلى تبادل القبلات. يصف كيف كانت هذه الفتاة تتمرد عندما يأخذها إلى متحف الفسيفساء وتفضّل التحديق في واجهات المحلات الفخمة في أنطاكيا، التي كانت بالنسبة لها كجادة الشانزليزيه مقارنة بدمشق الاشتراكية. ويعترف الكاتب ببراءته وسذاجته في تلك الفترة، وكيف أن صديقه الفرنسي "تولى" شؤون الفتاة بعد أن غادرته.

يعود الكاتب إلى الحاضر في 2012، حيث يرافقه مرشدة سورية أطلق عليها اسم "شامية" للحفاظ على هويتها. شامية هي فتاة من عائلة سنية غنية، والدها يملك ثروة في المملكة العربية السعودية، وقد انضمت إلى الثورة بعد أن قُتل صديقها بنيران "الشبيحة"، وهي ميليشيات العلويين الموالين للنظام. يصف الكاتب التباين بين شامية الحالية المحجبة وصديقته السابقة التي كانت تتباهى بشعرها البني المموج، فيرمز إلى التحول الذي طرأ على المجتمع السوري بين حقبتي 1978 و2012.

يقودنا الكاتب مع شامية إلى مخيم ألتينوزو للاجئين، المقام فوق مستودع قديم للتبغ على بعد بضعة كيلومترات من الحدود التركية. يصف كيف منعت الشرطة التركية الأجانب من الدخول لتفادي المصادمات، وأغلبية اللاجئين من السنة، بينما يمثل العلويون نحو ربع سكان المنطقة. يستعرض الكاتب التاريخ السياسي لهذه المنطقة، التي كانت تُعرف بـ سنجق إسكندرونة، وتنازعت عليها فرنسا وتركيا، شبيهة بوضع السوديت في ألمانيا من حيث الأهمية الرمزية. ويشير إلى أن اتفاق ميونيخ في أيلول/سبتمبر 1938 أدى إلى تخلي فرنسا عن المنطقة، مما دفع الأرمن والمسيحيين إلى الفرار نحو سورية ولبنان.

يحلّل الكاتب التركيبة الطائفية المعقدة في المنطقة، موضحاً أن خرائط سورية لا تزال ترسم حدود سنجق إسكندرونة بخطوط منقطة وتصنفها "حدوداً سياسية"، وأن النظام السوري يفضّل العلويين الذين يتكلمون العربية ويتخذ منهم حلفاء على الجانب الآخر من الحدود، بينما ينظر بارتياب إلى اللاجئين السنة. ويصف الشبيحة، الميليشيات الموالية للنظام، التي تحوّل اسمها من إشارة إلى سيارات المرسيدس السوداء إلى مرادف للعنف والقتل، ويوضح أن الثوار اليوم يصفونهم في فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي على أنهم ميليشيات تابعة للنظام.

يتعمق الكاتب في معتقدات الطائفة العلوية، فيشرح تقديسهم لـ علي بن أبي طالب واعتباره الإله الأعلى، ووضعهم له مع النبي محمد وسلمان الفارسي في ثالوث يعتبره السنة تدنيساً للمقدسات. ويشير إلى أن الانتداب الفرنسي أنقذ العلويين في 1945 بتجنيدهم في كتائب بلاد الشرق، مما مكنهم لاحقاً من الهيمنة على النظام بعد انقلاب 1970 الذي قاده حافظ الأسد، رغم أنهم لا يمثلون إلا عشر السكان مقابل ثلاثة أرباع للسنة. ويذكر أن النظام يتجه نحو القومية العربية البعثية علمانياً ظاهرياً، لكن الروحانية الشعبية للعلويين بقيت متعلقة بالصنمية.

يقدّم الكاتب مشهداً من لقائه بالرئيس بشار الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر 2010 في فندق بريستول في باريس، قبل عام من اندلاع الثورة. يصف الأسد بأنه أوتوقراطي لبق ومستمع جيد، مهتم بالأفكار، ويشبهه أحد الكتّاب الفرنسيين بـ"نبتة الهليون" لغرابة تحوله لاحقاً إلى "وحش مغطى بالدماء". ويسجّل الكاتب حواراً مع الأسد حول العلاقات مع تركيا، التي وصفها بأنها بداية "سوق مشتركة في الشرق الأوسط" قد تصبح واحدة من أكثر المناطق ازدهاراً، في سخرية ضمنية من فجوة ما بين الطموح والواقع.

على الحدود، يحاول الكاتب وشامية العبور سراً إلى سورية، برفقة المهرب خالد وشابين قرويين. يصف الكاتب مطاردتهم من قبل حرس الحدود الأتراك، الذين منعوا الأجانب من العبور، وكيف تظاهر بعدم فهم الإنكليزية ليكسب الوقت، ليعبروا أخيراً عبر فجوة في الأسلاك الشائكة تحت أنظار ضابط علوي تركي يوالي النظام السوري. يجد الكاتب نفسه عالقاً في سورية، فيقرر مواصلة الطريق.

يصل الكاتب إلى خربة الجوز، أول قرية سورية محرّرة، وهي قرية سنية ازدهرت بزراعة الزيتون وكانت هدفاً للنظام بسبب عمليات التهريب. يصف كيف احتلتها القوات الخاصة في 23 حزيران/يونيو 2011، ثم حرّرها الثوار في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2012، قبل عشرة أيام من وصوله. يلتقي بـ صالح عبد الحق، قائد فرقة الجيش الحر الذي احترق منزله، وعبده عبد الحق نائبه، اللذين يرويان تفاصيل عملية التحرير بمشاركة ثلاث مجموعات هاجمت من الشمال والجنوب والشرق. يستمع الكاتب إلى شهادات المنشقين، مثل الرقيب محمد ثروت فايده الذي رفض إطلاق النار على المتظاهرين في درعا، والمقاتل الشاب الذي ترك الكلية معلناً استعداده للقتال حتى الموت.

يزور الكاتب المقر السابق للقوات الخاصة في القرية، حيث يجد آثار التعذيب: سياط جلدية برؤوس معدنية تسمى "الكرباج"، وغرفة نوم الضباط بجدرانها المليئة برسوم الهوس والعبارات مثل "كتيبة الموت" و"بشار الأسد هو ملك غابة سورية". يكتشف رسماً لفتاة جميلة كتب تحته "أحبك" بالإنكليزية والعربية، فيستعيد ذكريات حبه القديم.

على جبل "اديموس" المجاور، يشهد الكاتب مشاهد القتل والجثث الملقاة تحت الشمس، فيتأمل تحوّل البشر إلى لا إنسانية، متذكراً مقابلة قديمة في سارتروفيل مع جهادي عائد من أفغانستان كان يروي أن جثث المجاهدين تفوح منها رائحة المسك على عكس جثث الروس التي تنتفخ. يعود الكاتب إلى قلعة المضيق، فيجد سحر المكان قد اختفى، والنساء يرتدين النقاب ويهربن من الغريب، وأصدقاؤه القدامى قد اختفوا، فيما يعرض عليه شيخ ملتحٍ جولة بدراجته مقابل المال.

يختتم الكاتب الفصل بتأمل في تحوّل سورية من جنة الذكريات إلى جحيم الحرب، حيث تظهر فيديوهات الغامضة جثثاً مغطاة بالدماء، مقاتلين سلفيين يقرؤون القرآن قبل القتال، وطائرات تقصف البراميل المتفجرة. يلتقط من الأرض قبعة عسكرية تفوح منها رائحة عرق شديد، مختتماً رحلته الاسترجاعية التي ترمز إلى انهيار حلم عربي قديم تحت نيران الحرب الأهلية.

يقرّ الكاتب في الفصل بحدود معرفته، فيعترف أنه لم يعد يعرف ما حدث لصديقه المصور أو لأسرته التي استضافته في 1974، ويترك أسئلة مفتوحة حول مصير الضابط الشاب الذي رسم صورة الفتاة على جدار غرفته، ومصير المدن اليونانية المنهوبة. من الحجج القابلة للنقاش التي يطرحها الفصل، إشارته إلى أن العلمانية في سورية كانت واجهة، بينما بقيت الروحانية الشعبية للعلويين متعلقة بالصنمية، مما يفسّر جزئياً الصراع الطائفي المستعر.