
دراسة في تاريخ سوريا السياسي المعاصر
كتاب "دراسة في تاريخ سوريا السياسي المعاصر" عمل تحليلي يتتبع مسار الدولة السورية منذ استقلالها عام 1945 حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، متمركزاً على فكرة محورية واحدة: أن سوريا واجهت منذ نشأتها ضغوطاً متشابكة ومتداخلة من قوى دولية وإقليمية لم تترك لها مساحة كافية لبناء مجتمع متماسك ودولة مستقرة، بل جعلتها ساحة للصراعات التي أعاقت تطورها السياسي والاجتماعي. يقدم المؤلف رؤية قاتمة إلى حد كبير لفشل التجربة الديمقراطية البرلمانية الأولى في سوريا المستقلة، ويؤكد أن هذا الفشل لم يكن محض صدفة، بل نتيجة تفاعل معقد بين تحديات داخلية هيكلية وضغوط خارجية متلاحقة، مما جعل الدولة السورية الفتية "ثمرة ناضجة" أمام المغامرات العسكرية والتدخلات الخارجية المتكررة.
يسير الكتاب في تسلسل زمني صارم، مقسماً الفترة المدروسة إلى أربع مراحل رئيسية، كل منها تمثل محطة حاسمة في مسار إخفاق بناء الدولة الوطنية. يبدأ الفصل الأول برسم خريطة التحديات الخارجية التي واجهتها سوريا في العقد الأول بعد الاستقلال (1945-1955)، مركزاً على ثلاثة محاور ضاغطة: أولها صراع القوى العظمى في الحرب الباردة، حيث كان الاتحاد السوفياتي يتحرك نحو المنطقة، بينما كانت الولايات المتحدة تحل محل بريطانيا كقوة مهيمنة، وبدأت تدعم الضباط في الجيوش العربية لمواجهة النفوذ الشيوعي. ثانيها الصراعات العربية العربية التي جعلت من سوريا "قلب العروبة النابض" والجائزة الكبرى في التنافس بين الأسرة الهاشمية في العراق والأردن من جهة، والكتلة السعودية المصرية من جهة أخرى، حيث برزت مشاريع وحدة هاشمية بدءاً من مذكرة نوري السعيد عام 1943 حول دمج سورية ولبنان وفلسطين والأردن، ومروراً بمذكرة الملك عبد الله في آذار/مارس 1943 لإنشاء دولة اتحادية بنمط سويسري، وقد قوبلت هذه المشاريع بمعارضة مصرية حادة أفشلتها عبر جامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945. ثالثها القضية الفلسطينية التي شكلت عبئاً إضافياً على النظام السياسي السوري، خاصة بعد قرار تقسيم فلسطين في تشرين الثاني/نوفمبر 1947 وتدفق اللاجئين بعد هزيمة 1948.
في مقابل هذه الضغوط الخارجية، يقدم الكتاب تحليلاً للبنية الداخلية الهشة لسوريا، موضحاً أن سوريا كانت كياناً سياسياً مستقلاً لم يصبح بعد دولة أمة ذات مجتمع سياسي متماسك. يعزو المؤلف هذا التصدع إلى عوامل تاريخية متراكمة: نظام الملل العثماني الذي ثبت الارتباط المذهبي، وسياسة حماية الأقليات الأوروبية التي عمقت الفجوات المجتمعية، وسياسة الانتداب الفرنسي التي دعمت الخصائص المميزة للأقليات وقطعت أوصال سورية إلى دويلات. ويشير إلى أن النخبة الوطنية ممثلة بالكتلة الوطنية وقائدها شكري القوتلي فشلت في معالجة هذه الشروخ، لأنها كانت تنتمي للعائلات الكبرى المالكة للأراضي وسعت للحفاظ على الوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم، وتجنبت الإصلاحات الجذرية. كما أن توجهها القومي العربي جعلها تتطلع إلى ما وراء حدود الدولة السورية بدلاً من التركيز على بناء مجتمع سياسي داخلي متماسك. ويقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً للتركيبة السكانية التي تشكل الأغلبية الساحقة من العرب السنة، مع استعراض مفصل للأقليات: الأكراد كأكبر أقلية عرقية، ثم الشركس والتركمان والأرمن واليهود والسريان، مبيناً توزعهم الجغرافي وعلاقاتهم المتوترة مع السلطة المركزية.
ينتقل الكتاب بعدها إلى تفصيل أول وأهم محطات الانهيار: الانقلاب العسكري الأول في سوريا بقيادة حسني الزعيم في 30 آذار 1949. يبين المؤلف كيف أن التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس شكري القوتلي في آذار 1948 لتمديد حكمه أثارت انتقادات واسعة، لكن كارثة حرب فلسطين كانت "أرضية سقوط النظام"، حيث ولدت الهزيمة موجة من الإحباط والغضب الشعبي، وكان تدفق 100,000 لاجئ فلسطيني إلى سوريا بمثابة تذكير دائم بالفشل، مما أشعل انتفاضة شعبية مسلحة في تشرين الثاني 1948 طالبت بإسقاط الحكومة. يصف الكتاب الصراع المتصاعد بين الحكومة المدنية برئاسة خالد العظم والجيش بقيادة حسني الزعيم، الذي تقدم بمذكرة مطالب إلى رئيس الجمهورية إيذاناً بالصراع الحاسم على السلطة. يقدم المؤلف تفصيلاً لحكم الزعيم القصير (30 آذار – 14 آب 1949) بوصفه نموذجاً للديكتاتورية العسكرية المبكرة: فرض هيبة القانون، إلغاء اللباس القديم، رفع الحجاب عن المرأة، منح النساء المتعلمات حق الاقتراع (أول دولة عربية تفعل ذلك)، وإصدار قوانين مدنية وتجارية وجزائية حديثة سارية المفعول حتى زمن كتابة النص. طموحه العسكري تجلى برفع عدد القوات المسلحة إلى 44,000 جندي، لكن انقلابه السريع نحو الديكتاتورية وتقربه من إسرائيل والغرب ووعوده بتقديم تنازلات سياسية أثارت غضب القوى الإقليمية والداخلية، وفي 14 آب 1949 انقلب عليه ضباطه السابقون وعلى رأسهم سامي الحناوي وأديب الشيشكلي.
يخصص الكتاب قسماً موسعاً لتحليل سقوط نظام أديب الشيشكلي الديكتاتوري والعودة إلى الحكم المدني بين عامي 1954 و 1957. يشرح المؤلف كيف أن إصرار الشيشكلي على رفض خطط المبعوث الأمريكي جونسون لتوزيع مياه نهر الأردن وتوطين اللاجئين متمسكاً بقرارات الأمم المتحدة، حال دون انخراط سوريا في حلف دفاع عن الشرق الأوسط. ثم تشرح التحليل كيف أن ميلاد النظام من رحم العسكر وعجزه عن بناء قاعدة شعبية أدى إلى سقوطه، حيث اندلعت شرارة الانتفاضة من الوسط الطلابي في حلب في 8 كانون الأول، وتطورت إلى تظاهرات عمت المدن السورية الكبرى. يصف الكتاب الأحداث الدامية في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، واستخدام الجيش السوري للقوة المفرطة لقمعها، مما أثار استياءً عميقاً داخل الجيش نفسه، وبلغت ذروتها في 24 شباط عندما تمردت وحدات من اللواء الثاني في حلب بقيادة العقيد فيصل الأتاسي، مما اضطر الشيشكلي إلى الاستقالة في 25 شباط حقناً للدماء.
يتناول الكتاب مرحلة العودة إلى الحكم المدني والبرلماني بعد سقوط الشيشكلي، مركزاً على الانتخابات التي جرت في أيلول وتشرين الأول 1954 والتي اعتبرت خطوة ديمقراطية فريدة في العالم العربي آنذاك. يحلل المؤلف نتائجها التي أظهرت تحولاً في ميزان القوى السياسية، حيث خسر حزب الشعب والحزب الوطني التقليديان لصالح قوى جديدة مثل حزب البعث الذي حصل على 22 مقعداً، والحزب الشيوعي الذي أوصل زعيمه خالد بكداش إلى البرلمان. يوضح الكتاب أن هذا البرلمان الجديد كان مشرذماً بين كتل متعددة، مما أفقده القدرة على اتخاذ قرارات بالإجماع وأضعف دوره كركيزة للنظام الديمقراطي، خاصة مع بروز قضية "حلف بغداد" الذي دعمته بريطانيا وأرادت العراق الانضمام إليه في مقابل معارضة مصرية شديدة.
الجزء الأخير من الكتاب مخصص لتحليل قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، ويقدم الإجابة المحورية أن الوحدة لم تكن ثمرة اندفاع شعبي حقيقي، بل كانت هروباً سياسياً وعسكرياً للنخبة السورية من أزمة داخلية حادة. يبدأ الفصل بعرض الأزمة السورية بعد خريف 1957، حيث انهار تحالف قوى اليسار المكوّن من حزب البعث وخالد العظم والحزب الشيوعي السوري بعد الخلاف العلني حول خوض انتخابات المجالس البلدية في 5 تشرين الثاني 1957. يشرح المؤلف كيف أن الضعف والانقسام داخل المؤسسة العسكرية السورية، والتناحر بين الضباط، والتهديدات الخارجية من حلف بغداد والضغط الأمريكي، والخوف الداخلي من انقلاب شيوعي، دفع النخبة العسكرية إلى البحث عن مخرج عبر الوحدة الفورية مع مصر. يصف الكتاب الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة العسكري في 11 كانون الثاني 1958، وتوجه وفد من عشرين ضابطاً بقيادة عفيف البزري إلى القاهرة في اليوم التالي، حاملين مذكرة تشبه الإنذار تُعلن أن الجيش يفرض الوحدة على السلطة المدنية.
يخلص الكتاب إلى أن المفاوضات في القاهرة لم تكن مناقشة بين ندين، بل كان السوريون تحت ضغط هائل لإنجاز الهدف، مما أتاح للرئيس المصري جمال عبد الناصر فرض شروطه الكاملة: إجراء استفتاء شعبي، حل جميع الأحزاب السورية، وانسحاب الجيش من السياسة. بعد قيام الوحدة رسمياً في 1 شباط 1958، يصف الكتاب كيف جسّد الدستور المؤقت الصادر في 5 آذار نظاماً رئاسياً فردياً، حيث جمع الرئيس ناصر السلطات التنفيذية والتشريعية بيديه. تحولت دمشق من عاصمة ناشطة إلى مجرد "إقليم شمالي"، بينما تمركزت السلطة الحقيقية في القاهرة، وبدأت أفواج المستشارين المصريين بالتدفق إلى سورية، وتمت تصفية مجلس القيادة العسكرية السوري وتسريح 535 ضابطاً في عملية "تمصير" للجيش السوري. يختتم الكتاب بمناقشة انعكاسات ثورة العراق في 14 تموز 1958، حيث سقوط النظام الملكي في العراق بقيادة عبد الكريم قاسم بدأ كداعم للوحدة لكنه تحول سريعاً إلى منافس رافض للاندماج في الجمهورية العربية المتحدة.
يقرّ الكتاب صراحةً في أكثر من موضع بوجود حدود لتحليله وأسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بالدور الجماهيري الحقيقي في دفع الوحدة، مشيراً إلى أن ما وصفه البعض بـ"التيار الشعبي الجارف" كان على الأرجح من صنع القادة السوريين لإضفاء الشرعية على قرارهم. كما يترك للقارئ الحكم على دور شخصيات مثل عفيف البزري الذي يبدو أنه غير موقفه من الاتحاد الفيدرالي إلى الوحدة الاندماجية لأسباب لا تزال محل اجتهاد. ويعترف المؤلف بأن ذكرى الفترة الأولى تترك "خيبة أمل عميقة" لأن المحاولات الأولى لبناء دولة ديمقراطية برلمانية قد فشلت، مما فتح الباب أمام المؤسسة العسكرية لتتحكم في البلاد.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التقييم المزدوج لحكم حسني الزعيم الذي يقدمه المؤلف، إذ يصفه تارة بأنه رجل قادر على التحديث ويصف إنجازاته القانونية والاجتماعية كأعمال جادة، وتارة أخرى يصفه بأنه ديكتاتور متعطش للسلطة و"قليل الأكاء". هذا التناقض يترك القارئ في حيرة حول التقييم النهائي لهذه الشخصية. كما أن تركيز الكتاب المكثف على العوامل الخارجية والهيكلية لتفسير الفشل السياسي، قد يُقرأ أحياناً وكأنه يقلل من مسؤولية الشخصيات السياسية السورية نفسها، وهو ما قد يشكل اختزالاً مبالغاً فيه للأسباب. وفي المقابل، فإن النقد الأكثر وضوحاً الذي يوجهه المؤلف للنخبة السورية هو تركيزها على القومية العربية الوحدوية على حساب بناء الدولة الوطنية الداخلية، وهي حجة قوية ومهمة في فهم التاريخ السوري.