
سوريا: مأساة دولة محورية
يُشكّل كتاب "سوريا" لمؤلفه راجندرا إم أبهيانكار تحليلاً جيوسياسياً شاملاً للأزمة السورية، محاولاً الإجابة عن سؤال محوري: كيف تحولت سوريا، بفضل تاريخها وموقعها الفريد، إلى بؤرة صراع دولي وإقليمي وعقائدي، وما هي التداعيات الكارثية لذلك على شعبها والمنطقة والعالم؟ يدافع المؤلف عن موقف واضح مفاده أن سوريا لم تعد تملك زمام مصيرها بنفسها، بل أصبحت ساحة لحرب بالوكالة بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث أخضعت هذه القوى مبادئ الأمم المتحدة لمصالحها الذاتية، مما جعل مستقبل البلاد يتوقف على توازناتها أكثر مما يعتمد على إرادة السوريين. يرى أبهيانكار أن الحرب السورية قد تكون نموذجاً لحروب مستقبلية تجمع بين الصراعات الداخلية والدولية في آن واحد، حيث أصبحت "منطقة إطلاق نار حر" للقوى العالمية.
يسير الكتاب خطوة بخطوة عبر فصوله المترابطة لفك تعقيدات الأزمة، مبتدئاً بتأكيد الأهمية الجيوسياسية الفريدة لسوريا كملتقى للحضارات والديانات الثلاث، وهو ما جعلها عبر التاريخ ساحة لتصادم الأفكار والمصالح. ينتقل بعدها إلى تفكيك جذور الحرب الأهلية، موضحاً كيف تحولت الاحتجاجات السلمية في بلدة درعا في مارس 2011 إلى حرب شاملة بسبب القمع الشديد من قبل أجهزة الأمن المتعددة التي بناها حافظ الأسد. يخصص الكتاب مساحة كبيرة لتحليل قدرة بشار الأسد على البقاء، والتي يعزوها إلى هيكل الدولة الذي ورثه عن والده، واستغلال الانقسامات الطائفية والعرقية في المنطقة، والدعم الحاسم من روسيا وإيران وحزب الله، إضافة إلى انقسام الجماعات المعارضة وفشلها في تشكيل تحالفات فعالة. يصف المؤلف كيف استعاد الأسد حوالي 90% من أراضي البلاد، لكنه يحذر من أن مجرد الانتصار العسكري لن يحل المشاكل الجذرية، وسيحتاج للتخلي عن فكرة "عدالة المنتصر" والتركيز على قيم العلمانية والشمولية لإعادة بناء البلاد.
يتعمق الكتاب في تحليل الدور المحوري للقوى الإقليمية والدولية، فيقدم فحصاً دقيقاً لأهداف كل لاعب رئيسي. يصف روسيا التي دخلت الحرب في 2015 لدعم حليفها وترسيخ وجودها العسكري في طرطوس وحميميم، والتي غيرت بذلك موازين القوى لصالح الأسد. أما إيران فتُعتبر سوريا محور نفوذها في العالم العربي، وتسعى للحفاظ على طريق إمداد حزب الله وربما إنشاء قاعدة دائمة على حدود إسرائيل في هضبة الجولان. بالنسبة لـتركيا بقيادة أردوغان، فهي تسعى لإنشاء "منطقة عازلة" على طول الحدود لإبعاد خطر الأكراد، وتريد إعادة توطين مليوني لاجئ سوري. ويشير المؤلف إلى أن السعودية وقطر دعما جماعات المعارضة الراديكالية لأهداف إقليمية، بينما لم تعتبر الولايات المتحدة الحرب تحت إدارتي أوباما وترمب تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وركزت على هزيمة داعش ومنع استخدام الأسلحة الكيميائية.
يقدم الكتاب أرقاماً صارخة عن الكارثة الإنسانية، حيث يذكر أن الحرب شرّدت حوالي 11 مليون سوري، أي نصف عدد السكان قبل الحرب، منهم نحو 6 ملايين نازح داخلياً و5 ملايين لاجئ في تركيا ولبنان والأردن. ويشير إلى أن أكثر من 465 ألف شخص قُتلوا منذ مارس 2011، بينهم 55 ألف طفل. كما يوثق أبعاداً أخرى للدمار، فـ95% من السوريين يفتقرون للرعاية الصحية، و70% لا يحصلون على مياه نظيفة، ونصف الأطفال خارج المدارس، و80% يعيشون في فقر. وتُعَد الكارثة الإنسانية فريدة من نوعها، إذ تضاعفت بفعل جائحة كورونا التي وصلت إلى سوريا في 22 مارس 2020، مع بنية صحية مدمرة ونقص هائل في المستلزمات الطبية. يصف المؤلف أيضاً التطهير الثقافي الذي مارسه تنظيم داعش، والذي تجسد في إعدام عالم الآثار البارز خالد الأسعد (82 عاماً) في 18 أغسطس 2015 بتهمة "الوثنية" لرفضه الكشف عن أماكن الآثار المخفية، معتبراً أن هذا التدمير يهدف إلى محو الذاكرة والهوية السورية.
يتناول الكتاب موضوعاً شائكاً هو استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية، حيث يرى أن ذلك لم يكن عشوائياً، بل كان جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحرب التقليدية لتليين الأهداف وطرد المقاتلين وإثارة الرعب بين السكان المدنيين. ويشير إلى أنه حتى بعد انضمام سوريا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية في أكتوبر 2013 وتدمير مخزونها المعلن، استمرت الهجمات الكيميائية (خاصة بقنابل الكلورين) لتشكل 89% على الأقل من جميع الهجمات الكيميائية أثناء الحرب، واصفاً هذه الاستراتيجية بأنها "عقاب جماعي" للسكان في مناطق المعارضة. يستعرض الكتاب أيضاً كيف استخدم النظام خطاب السيادة الوطنية للسيطرة على المساعدات الإنسانية الدولية، مستنداً إلى قرار الأمم المتحدة 46/182 لعام 1991 لفرض سيطرته الكاملة على توزيعها، مما سمح له بتحويلها لصالحه وحرمان مناطق المعارضة منها.
في فصوله الأخيرة، يناقش الكتاب الجهود الدولية المتعددة لتحقيق السلام، ويحلل أسباب تعقيدها ونتائجها المحدودة. يشير المؤلف إلى أن مجلس الأمن أصدر بين أبريل 2012 وفبراير 2018 أربعة عشر قراراً بالإجماع، بينما استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد اثني عشر قراراً آخر. يُشكّل قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في 18 ديسمبر 2015 النص الأساسي لجميع محاولات السلام اللاحقة، حيث يربط بشكل وثيق بين وقف إطلاق النار وعملية سياسية موازية. يستعرض الكتاب مسارات السلام المتعددة، مثل مسيرة جنيف التي مرت بأكثر من تسع جولات، ومسيرة أستانا التي بدأت في يناير 2017 برعاية روسيا وإيران وتركيا، والتي تمخض عنها اتفاق على إنشاء مناطق خفض التوتر، وتشكيل اللجنة الدستورية. لكنه يخلص إلى أن هذه المسارات فشلت مراراً بسبب تصاعد العنف وتعنت الأطراف، وتضارب مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين.
يقر المؤلف بحدود واضحة وتحفظات، معترفاً بأن مستقبل سوريا يعتمد على القوى المتدخلة أكثر مما يعتمد على الأسد، وأن هذه القوى سعت لتحقيق أجنداتها الخاصة متجاهلة مأساة الشعب السوري. ويترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه القوى ستعاود الحرب أم ستعمل على تخفيف معاناة السوريين وإعادة الإعمار، وعن مصير المقاتلين بعد انتهاء العمليات الرئيسية وإمكانية تحولهم إلى خلايا نائمة. كما يشير إلى أن عملية السلام وفقاً للقرار 2254 صعبة ومعقدة، وتتطلب حلاً يعالج المعضلة المزدوجة: الحاجة لتغيير النظام السياسي والاقتصادي لمنع تجدد الحرب، مقابل أن هذه التغييرات ستقلص عمر نظام الأسد. يؤكد المؤلف أن أي اتفاق سلام لن يحل تلقائياً مشاكل سوريا، وأن عودة اللاجئين مسألة معقدة تاريخياً.
يطرح الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها أن الحل قد يكمن في صياغة دستور جديد يعترف بأولوية الأغلبية السنية مع ضمانات للأقليات، وبأن منظمة التعاون الإسلامي هي الوحيدة القادرة على معالجة جذور الصراع الطائفي داخل الإسلام. كما يقترح نموذج "معاهدة الضمان لقبرص" 1960 كسابقة ممكنة، مع جعل جميع الأعضاء الخمسة الدائمين ضامنين لأي اتفاق سلام. ويرى أن بقاء الأسد في السلطة مع قيود على صلاحياته الرئاسية قد يكون مساراً تدريجياً نحو بناء دولة أكثر انفتاحاً وديمقراطية، وهي فكرة تتعارض مع الموقف الغربي الثابت الذي يطالب برحيله، لكن المؤلف يعتبر هذا الموقف غير واقعي في ضوء فشل تجربة ليبيا في 2011. يخلص الكتاب إلى أن مأساة سوريا تكمن في أنها لم تعد تملك زمام مصيرها بنفسها، وأن النظام الحالي لا يملك حافزاً حقيقياً للتغيير، لكن الاستمرار في السياسات نفسها يهدد بإشعال الحرب الأهلية مجدداً.
الأشخاص
الفصول(8)
1.فصل 114–31▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل التمهيدي لكتاب "سوريا" لـراجندرا إم أبهيانكار مدخلاً شاملاً للأزمة السورية، مُركزاً على الأهمية الجيوسياسية الفريدة لسوريا وكيف تحولت إلى مسرح للصراعات الدولية والإقليمية والعقائدية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن سوريا، بحكم موقعها وتاريخها، أصبحت بؤرة صراع عالمي تعيد تشكيل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وأن مستقبلها لم يعد بيد السوريين وحدهم بل يتوقف على القوى الكبرى المتدخلة.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك تعقيدات الأزمة. يبدأ بتأكيد أن سوريا هي "دولة محورية" بفضل موقعها كملتقى للقارات والديانات والحضارات، مما جعلها عبر التاريخ ساحة لتصادم الأفكار والمصالح. ينتقل بعدها إلى عدّ الحرب الأهلية السورية "حرباً دولية وأيديولوجية" بمشاركة أربعة من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، حيث أخضعت هذه الدول مبادئ الأمم المتحدة لمصالحها الذاتية. ويصف الحرب أيضاً بأنها "حرب دينية هجينة" بين إيران والسعودية، وبأنها صراع بين إسرائيل وحزب الله، وبين الولايات المتحدة وروسيا.
يقدم الفصل أرقاماً صارخة عن الكارثة الإنسانية، مشيراً إلى أن الحرب شرّدَت حوالي 11 مليون سوري، أي نصف عدد السكان قبل الحرب، منهم نحو 6 ملايين نازح داخلياً و5 ملايين لاجئ في تركيا ولبنان والأردن. ويذكر أن أكثر من 465 ألف شخص قُتلوا منذ مارس 2011، بينهم 55 ألف طفل. ويشير إلى أن الكارثة تضاعفت بفعل جائحة كورونا التي وصلت إلى سوريا في 22 مارس 2020، مع بنية صحية مدمرة ونقص هائل في المستلزمات الطبية.
يناقش المؤلف مستقبل الحروب، مستنتجاً أن الحرب السورية قد تكون نموذجاً لحروب مستقبلية تجمع بين الصراعات الداخلية والدولية في آن واحد. ويحدد أربعة محاور صراع رئيسية: تركيا ضد القوات الكردية، ونظام الأسد المدعوم من روسيا وإيران ضد تركيا وفصائل المعارضة، وإسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة ضد إيران في الجولان، وتركيا ضد سوريا على طول الحدود. ويتطرق إلى هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ككيان إقليمي، لكنه يحذر من عودته كفكرة متطرفة مع وجود نحو 3000 مقاتل في البادية السورية.
يشرح الفصل كيف استطاع بشار الأسد البقاء في السلطة، معيداً الفضل في ذلك إلى هيكل الدولة الذي ورثه عن والده حافظ الأسد، وقدرته على استغلال الانقسامات الطائفية والعرقية في لبنان والعراق وفلسطين وتركيا، ودعم روسيا وإيران. ويؤكد أن الأسد استعاد حوالي 90% من أراضي البلاد، لكنه يواجه تحديات في إدلب وعفرين، وسيحتاج للتخلي عن فكرة "عدالة المنتصر" والتركيز على قيم العلمانية والشمولية لإعادة بناء البلاد.
أما بخصوص التدخلات الخارجية، فيلخص الفصل أهداف كل لاعب رئيسي. روسيا دخلت الحرب في 2015 لدعم حليفها، وترسيخ وجودها العسكري في طرطوس وحميميم، وتحويل الأنظار عن تدخلها في أوكرانيا، ولقد غيرت موازين القوى لصالح الأسد. إيران تعتبر سوريا محور نفوذها في العالم العربي، وتسعى للحفاظ على طريق إمداد حزب الله وربما إنشاء قاعدة دائمة على حدود إسرائيل في الجولان. تركيا بقيادة أردوغان تسعى لإنشاء "منطقة عازلة" على طول الحدود لإبعاد خطر الأكراد، وتريد إعادة توطين مليوني لاجئ سوري. السعودية وقطر دعما جماعات المعارضة الراديكالية لأهداف إقليمية. الولايات المتحدة، تحت إدارتي أوباما وترمب، لم تعتبر الحرب تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وركزت على هزيمة داعش ومنع استخدام الأسلحة الكيميائية، مع ميل واضح من ترمب للانسحاب.
يقرّ المؤلف بحدود واضحة، فيرى أن مستقبل سوريا يعتمد على القوى المتدخلة أكثر مما يعتمد على الأسد، وأن هذه القوى سعت لتحقيق أجنداتها الخاصة متجاهلة مأساة الشعب السوري. ويترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه القوى ستعاود الحرب أم ستعمل على تخفيف معاناة السوريين وإعادة الإعمار. كما يعترف بأن عملية السلام وفقاً للقرار 2254 (2015) صعبة ومعقدة، وتتطلب حلاً يعالج المعضلة المزدوجة: الحاجة لتغيير النظام السياسي والاقتصادي لمنع تجدد الحرب، مقابل أن هذه التغييرات ستقلص عمر نظام الأسد.
في الختام، يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش، أبرزها أن الحل قد يكمن في صياغة دستور جديد يعترف بأولوية الأغلبية السنية مع ضمانات للأقليات، وبأن منظمة التعاون الإسلامي هي الوحيدة القادرة على معالجة جذور الصراع الطائفي داخل الإسلام. كما يقترح نموذج "معاهدة الضمان لقبرص" 1960 كسابقة ممكنة، مع جعل جميع الأعضاء الخمسة الدائمين ضامنين لأي اتفاق سلام. ويرى أن بقاء الأسد في السلطة مع قيود على صلاحياته الرئاسية قد يكون مساراً تدريجياً نحو بناء دولة أكثر انفتاحاً وديمقراطية، مما يمثل خياراً مثيراً للجدل في ضوء مسار الحرب وتكاليفها البشرية.
2.فصل 232–63▼ ملخص
يطرح هذا الفصل الافتتاحي من كتاب "سوريا" لراجندرا إم أبهيانكار سؤالاً محورياً: كيف تحولت سوريا، بفضل تاريخها وموقعها، إلى بؤرة صراع دولي لا يلوح في الأفق نهايته، وما هي التداعيات الكارثية لذلك على شعبها والمنطقة والعالم؟ يجيب المؤلف بأن سوريا هي "دولة محورية" بالمعنى الجيوسياسي، حيث أدى تفاعل عوامل داخلية (كالانقسامات الطائفية والحكم الاستبدادي) وأخرى خارجية (كالتدخلات الإقليمية والدولية) إلى تحويلها إلى ساحة لحرب بالوكالة، مما جعلها "منطقة إطلاق نار حر" للقوى العالمية، وأودى بحياة مئات الآلاف، وشرد ملايين السوريين، وأفقد المجتمع الدولي القدرة على التصرف.
يبدأ الفصل بمشهد مؤثر يعكس المأساة الإنسانية: مقابلة مع لاجئين سوريين في مخيم الزعتري في الأردن في يونيو 2017. يصف المؤلف مخاوفهم من العنف والاغتصاب، وتوقهم للعودة إلى وطنهم بشرط أن تستعيد الحكومة السورية السيطرة، ورفضهم للهجرة إلى بلد ثالث، مع إصرارهم على أن "الغرباء يجب أن يتوقفوا عن التدخل". يقدم المخيم نفسه، الذي يضم حوالي 80,000 لاجئ، كدليل على الأزمة الإنسانية الهائلة. يذكر المؤلف أن الأردن وحده يستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري، وأن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقوم بدور كبير في إدارة المخيم.
ينتقل الفصل بعدها إلى جذور الصراع، مستعرضاً تاريخ سوريا العريق كحاضنة للحضارات والديانات الثلاث، ومؤكداً على موقعها كـ"ملتقى حضاري" بين الثقافات العربية والفارسية والتركية والعبرية. يجادل المؤلف بأن هذا الموقع الجيوسياسي الفريد جعلها عبر التاريخ "ساحة حرب" للأفكار والقوى المتنافسة، من الحروب الصليبية إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). يشرح مفهوم "الدولة المحورية" (Pivotal State)، مستعيناً بنظريات هالفورد ماكيندر، ويطبقها على سوريا، ليس فقط بسبب حجمها وسكانها، بل لتركيبتها السكانية والعرقية والدينية الفريدة، واقتصادها، وموقعها كـ"ملتقى طرق" يربط أوروبا بالعراق وإيران والخليج وشمال أفريقيا. ويرى أن السيطرة على سوريا تمنح نفوذاً على الصراعين الكردي والفلسطيني، وتؤثر في لبنان.
يحدد المؤلف المحركين الرئيسيين للصراع: داخلياً، "الخلاف المستمر داخل الإسلام" الذي أظهر الانقسامات الطائفية الكامنة، خاصة بين الأغلبية السنية والنظام الذي يهيمن عليه العلويون. وخارجياً، التدخلات التي حولت سوريا إلى ساحة لحرب بالوكالة بين السنة والشيعة. يصف الفصل انطلاق الاحتجاجات السلمية في درعا في مارس 2011 ضمن ما سمي بـ"الربيع العربي"، وكيف قوبلت برد عنيف من الحكومة، مما حولها إلى حرب أهلية. ويشير إلى أن الموجة الثورية العربية فشلت في تحقيق أهدافها بسبب غياب القيادة والرؤية، والهجمات المضادة من "الدولة العميقة" في مصر، والتدخل العسكري في البحرين واليمن، والتدخل الغربي في ليبيا.
يخصص الفصل فقرات لتحليل جذور الحرب الأهلية السورية، واصفاً إياها بأنها "مشكلة من الجحيم" على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وارن كريستوفر. يصف حجم الدمار: 95% من السوريين يفتقرون للرعاية الصحية، 70% لا يحصلون على مياه نظيفة، نصف الأطفال خارج المدارس، و80% يعيشون في فقر. قبل الحرب، كان عدد السكان 22 مليوناً، وبحلول 2016 حددت المفوضية 12.8 مليون سوري يحتاجون مساعدة إنسانية، منهم 6.1 مليون نازح داخلياً و6.7 مليون لاجئ. يسلط الضوء على الدور العسكري النشط لأربعة أعضاء دائمين في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، روسيا، فرنسا) وقوى إقليمية (إسرائيل، إيران، الأردن، قطر، السعودية، تركيا، الإمارات، حزب الله)، مما جعل القرارات الدولية غير فعالة.
يتناول الفصل بالتفصيل تداعيات الحرب، بما في ذلك تدفق اللاجئين إلى أوروبا (حيث استقبلت أوروبا حوالي 650,000 سوري في 2015-2016)، والتدخل الإيراني القوي إلى جانب الأسد، والذي أصبح محوراً للتوتر مع الولايات المتحدة بعد انسحابها من الاتفاق النووي (JCPOA) في مايو 2018. ويناقش الوضع الميداني المعقد بعد استعادة الأسد السيطرة على معظم الأراضي، مع بقاء جيوب للمعارضة في إدلب تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، وتدخل تركيا في عفرين، واستمرار الغارات الإسرائيلية على أهداف إيرانية. يختتم هذا القسم بالإشارة إلى استمرار الحرب دون أفق للحل، والوضع المأساوي للاجئين، وتدمير الاقتصاد.
في القسم الأخير، يناقش الفصل الآثار القانونية الدولية للحرب، مذكراً بالانتهاكات المنهجية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مثل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واستخدام القوة دون تفويض من مجلس الأمن. يوضح أن الحرب الأهلية السورية تظل قانونياً "نزاعاً داخلياً"، وأن تدخل تركيا في عفرين لا يندرج تحت أي استثناء قانوني واضح. كما يشير إلى فشل عملية السلام، من مؤتمرات جنيف التي بدأت في 2012 إلى محادثات أستانا، بسبب انقسامات المجتمع الدولي وتعقيدات الوضع الميداني. يختتم الفصل بالتأكيد على أن الحل يتطلب مسارين: وقف التدخلات الخارجية من قبل مجلس الأمن، وحوار موازٍ بين الدول الإسلامية الكبرى لمعالجة الصراع الطائفي الكامن.
يكشف الفصل بوضوح عن تحفظاته، معترفاً بأن أي اتفاق سلام لن يحل تلقائياً مشاكل سوريا، وأن عودة اللاجئين مسألة معقدة تاريخياً. يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا كدولة، وإمكانية بقاء حدودها الحالية، ودور الأسد في أي تسوية مستقبلية. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي تأكيده المستمر على فشل المجتمع الدولي، وانحياز القوى العظمى لمصالحها، مما حول سوريا إلى "محور" للفوضى لا للتوازن، وتآكل هيبة القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة.
3.فصل 364–98▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تفسير الأهمية الفريدة والمتعددة الأبعاد لسورية على المستويات التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية، ولماذا تظل دولة محورية في الشرق الأوسط رغم صغر مساحتها نسبياً. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن موقع سورية كملتقى للحضارات والثقافات والأديان منذ آلاف السنين هو الذي جعلها مسرحاً للصراع الدائر حالياً، وهو نفس العامل الذي يمنحها القدرة على الصمود والبقاء لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور رئيسية، مبتدئاً بوصف سورية كدولة علمانية فريدة في المنطقة، حيث يستعرض التركيبة السكانية المتعددة الأعراق والأديان. يذكر المؤلف أن السنة المسلمين يشكلون 74% من السكان، لكن هذا الرقم ينخفض عند احتساب طوائف أخرى مثل اليزيدية، فيما يشكل العلويون 11%، والمسيحيون 10%، بالإضافة إلى وجود الدروز والإسماعيليين. يوضح الفصل أن الدستور السوري لعام 2012 يضمن حرية الأديان في المادتين 3 و33، مع الإبقاء على شرط أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، مما يعكس توازناً تاريخياً بين العلمانية والهوية الإسلامية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الأهمية الأثرية والتاريخية، مفصلاً تاريخ مدن مثل دمشق التي يُعتقد أنها أقدم مدينة مأهولة باستمرار في العالم (يعود تاريخها إلى 8000-10000 ق.م)، وحلب التي كانت مركزاً تجارياً حيوياً يربط آسيا بالبحر المتوسط، وتدمر (بالميرا) التي كانت مركزاً ثقافياً واقتصادياً في القرون الأولى للميلاد تحت حكم الملكة زنوبيا. يخصص المؤلف جزءاً كبيراً لتدمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لهذه الآثار، ويصف كيف تم إعدام عالم الآثار البارز خالد الأسعد (82 عاماً) في 18 أغسطس 2015 بتهمة "الوثنية" لرفضه الكشف عن أماكن الآثار المخفية. يعتبر المؤلف هذا التدمير "تطهيراً ثقافياً" يهدف إلى محو الذاكرة والهوية السورية، مشيراً إلى أن القوانين الدولية الحالية مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 لا تعالج بشكل كافٍ هذا النوع من الجرائم.
يتناول الفصل الجغرافيا البشرية والحدود، موضحاً كيف تحولت المناطق الحدودية مع تركيا والعراق والأردن ولبنان من مناطق هامشة إلى فضاءات عابرة للحدود يغذيها اقتصاد الحرب والتهريب. يذكر المؤلف على سبيل المثال إغلاق معبر سيمالكا بين مارس ويوليو 2016 بسبب خلافات بين حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي وحكومة إقليم كردستان (KRG)، مما أدى إلى اضطرابات اقتصادية خطيرة. كما يشير إلى أن مدينة إسطنبول التركية أصبحت هي نفسها جزءاً ممتداً من المنطقة الحدودية السورية، حيث كان يعيش فيها حوالي 400,000 سوري في عام 2016.
في القسم المتعلق بـ"الطائفية البيئية والحرب الأهلية"، يقدم المؤلف حجة قابلة للنقاش تربط بين الجفاف الطويل من 2006 إلى 2010 وسوء إدارة الحكومة للموارد المائية، وبين اندلاع الاحتجاجات الشعبية. يوضح أن 90% من المياه في سورية كانت تذهب للزراعة بكفاءة منخفضة جداً، وأن إجمالي الموارد المائية المتاحة في 2007 كان 15.6 مليار متر مكعب بينما بلغ الاستهلاك 19.2 مليار متر مكعب، مما خلق عجزاً قدره 3.59 مليار متر مكعب. هذا العجز، إلى جانب نمو السكان من 3.3 مليون في 1950 إلى حوالي 21.4 مليون قبل اللجوء، أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى 882 متراً مكعباً سنوياً، مصنفاً سورية كدولة تعاني من "ندرة مائية". يخلص المؤلف إلى أن فشل الحكومة في معالجة الأزمة الإنسانية الناجمة عن الجفاف، لا الجفاف بحد ذاته، هو ما "غذى السخط في الريف" وساهم في الهجرة الجماعية للمزارعين السنة إلى المدن، مما أضاف وقوداً للاحتجاجات.
أما القسم الأخير فيحلل "قدرة بشار الأسد على البقاء" من خلال عوامل متعددة: استغلال الصدوع العرقية في لبنان والعراق وتركيا، والدعم العسكري والسياسي من روسيا وإيران، وولاء الجيش السوري الذي يصفه المؤلف بأنه "من أكثر الجيوش تنوعاً في العالم العربي" حيث يمكن للمسيحيين والدروز والسنة الوصول إلى المناصب العليا. يذكر الفصل أن سورية شهدت 16 انقلاباً عسكرياً منذ مارس 1949، وأن الجيش ظل مرتبطاً بالسياسة حتى وصول حافظ الأسد. يختتم الفصل بوصف سورية بأنها "أهم صراع في القرن الحادي والعشرين" الذي أعاد رسم خريطة المنطقة، وأشرك 4 من أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين، و67 دولة في التحالف الدولي ضد داعش، إضافة إلى روسيا وإيران، مما جعل القرار السوري "مُؤْتَمَراً من الخارج" وفقاً لأحد الخبراء. يقر المؤلف بوجود أسئلة مفتوحة حول مستقبل سورية، مشيراً إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2254 (2015) يظل الإطار الوحيد المقبول لتحقيق الاستقرار.
في نهاية الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة متينة حول خصوصية سورية ودورها المحوري، لكنها تتسم بنوع من التبرير الضمني لبقاء النظام. فبينما يوثق المؤلف بدقة جرائم داعش وفشل الحكومة في إدارة الأزمة المائية، فإنه يميل إلى تفسير قدرة الأسد على البقاء كنتيجة طبيعية للتاريخ السوري والجغرافيا السياسية، دون مناقشة نقدية معمقة لطبيعة الحكم الاستبدادي ودور القمع في إطالة أمد الصراع. التركيز على "التعددية" و"العلمانية" قد يُقرأ أحياناً كشرعية للنظام، في وقت يهمش فيه دور المعارضة المدنية والديمقراطية الحقيقية في بناء مستقبل البلاد.
4.فصل 499–118▼ ملخص
بدأت الانتفاضة السورية في بلدة درعا في مارس 2011، بعد اعتقال 15 صبياً بتهمة كتابة عبارات على جدار مدرسة تتحدى الرئيس بشار الأسد، وتعرضوا للتعذيب. كان رد فعل النظام وحشياً، مما حول الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية. يوضح المؤلف أن هذه الانتفاضة كانت جزءاً من موجة أوسع من الثورات العربية التي بدأت في تونس أواخر 2010، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها في إقامة ديمقراطيات حقيقية، وتحول معظمها إلى حروب أهلية أو ديكتاتوريات أكثر قسوة، كما حدث في مصر والبحرين والمغرب.
يعد المؤلف القمع الشديد من قبل أجهزة الأمن المتعددة والمتنافسة التي بناها حافظ الأسد السبب المباشر لتحول الاحتجاجات إلى حرب. كانت مؤسسات الحكم في سوريا خاضعة دائماً للأجهزة الأمنية. يرى المؤلف أن رد فعل النظام في درعا كان حتمياً في ظل هذا الهيكل. ويقارن المؤلف الحرب الأهلية السورية بالحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً، محذراً من أنها قد تستمر لفترة مماثلة.
يسير الفصل بخطى منهجية، فيشرح كيف تمكن النظام السوري من الصمود والانتصار في النهاية. يعزو المؤلف هذا النصر إلى عدة عوامل: أولاً، انقسام الجماعات المعارضة وفشلها في تشكيل تحالفات فعالة بسبب اعتمادها على داعمين أجانب متعارضين (مثل تركيا والسعودية وقطر). ثانياً، الدعم العسكري والمالي والسياسي الحاسم من حلفاء النظام، خاصة روسيا (التي بدأت عملياتها الجوية رسمياً في أغسطس 2015)، وإيران (التي قدمت قروضاً سيادية تجاوزت 5 مليارات دولار وأرسلت الحرس الثوري)، وحزب الله اللبناني. ثالثاً، استراتيجية النظام العسكرية المتمثلة في استعادة المحافظات واحدة تلو الأخرى عبر تكتيك "السلامي"، حيث يُسمح للجماعات المهزومة بالانسحاب إلى محافظة إدلب.
يخصص المؤلف مساحة كبيرة لموضوع استخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة غاز السارين في الغوطة. يرى أن استخدام هذه الأسلحة لم يكن عشوائياً، بل كان جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحرب التقليدية للنظام لتليين الأهداف وطرد المقاتلين، ولإثارة الرعب بين السكان المدنيين. ويشير إلى أنه حتى بعد انضمام سوريا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية في أكتوبر 2013 وتدمير مخزونها المعلن، استمرت الهجمات الكيميائية (خاصة بقنابل الكلورين) لتشكل 89% على الأقل من جميع الهجمات الكيميائية أثناء الحرب. يصف المؤلف هذه الاستراتيجية بأنها "عقاب جماعي" للسكان في مناطق المعارضة، بهدف إرغامهم على الانسحاب من دعم المتمردين أو الفرار.
يشرح الفصل جانباً فريداً من الحرب وهو كيف استخدم النظام خطاب السيادة الوطنية للسيطرة على المساعدات الإنسانية الدولية. استند النظام إلى قرار الأمم المتحدة 46/182 لعام 1991 لفرض سيطرته الكاملة على توزيع المساعدات، مما سمح له بتحويلها لصالحه، وسحب الأموال النقدية، وحرمان مناطق المعارضة منها. وقد ساعد هذا النهج في درء أي تدخل خارجي شبيه بالتدخل في ليبيا تحت مبدأ "مسؤولية الحماية".
من السمات الأخرى التي يحللها الفصل هي الطبيعة التجارية للحرب، حيث يتعاون الجانبان أحياناً لتحقيق مكاسب اقتصادية، مثل فرض الإتاوات على البضائع والأشخاص عند نقاط التفتيش. كما يوضح أن النظام اتبع استراتيجية متباينة مع الجماعات المعارضة، يعرض بعضها صفقات مصالحة بينما يقصف البعض الآخر.
يتناول الفصل بالتفصيل استراتيجية النظام في تدمير مؤسسات الحكم التي حاولت المعارضة بناءها، خاصة قطاعي المخابز والمستشفيات، حيث كان 90% من الهجمات على المنشآت الطبية في أكتوبر 2016 منسوباً للنظام وحلفائه. هدف ذلك إلى حرمان الجماعات المتمردة من القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، وبالتالي تقويض شرعيتها.
بعد تأكيد انتصار الأسد العسكري، ينتقل الفصل إلى مناقشة التحدي الأكبر: إعادة الإعمار. تتراوح تقديرات التكلفة بين 200 و350 مليار دولار، ولا توجد إرادة دولية واضحة لتمويلها، خاصة مع رفض الولايات المتحدة تقديم المساعدة ما لم يرحل الأسد. يبين المؤلف أن عملية إعادة الإعمار التي يقودها الأسد هي عملية سياسية تهدف إلى تعزيز سلطته. تم سن قوانين مثل المرسوم 66 لعام 2012 الذي يسمح للحكومة بإعادة تصميم المناطق السكنية غير الرسمية وبيعها للمطورين، مما قد يجرد اللاجئين والنازحين إلى الأبد من ممتلكاتهم.
يختتم الفصل برؤية قاتمة للمستقبل. فبعد تسع سنوات، أعاد النظام السيطرة على ثلثي البلاد، لكنه أصبح أضعف بسبب اعتماده المكثف على حلفائه. لا يزال القتال مستمراً في إدلب، آخر معقل كبير للمعارضة، حيث يعيش ما يقرب من 3 ملايين مدني في خطر، وتسبب القتال بين القوات التركية والروسية في نزوح حوالي 300 ألف شخص باتجاه الحدود التركية منذ مايو 2019. يقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن 6.7 مليون سوري فروا من البلاد، ومن غير الواضح متى أو إذا كانوا سيعودون. يخلص المؤلف إلى أن الصراع في سوريا يقدم نموذجاً للحروب المستقبلية: صراعات شديدة التعقيد ومتعددة الأوجه، تشارك فيها قوى دولية متنافسة مباشرة، وتكون الأمم المتحدة فيها غير فعالة بسبب استخدام حق النقض (الفيتو).
في النهاية، يقدم الفصل تحليلاً شاملاً ومقنعاً لسبب انتصار النظام السوري، معتمداً على أدلة ملموسة مثل استراتيجيات الحرب، ودور القوى الخارجية، والسيطرة على المساعدات. مع ذلك، يبدو التحليل أحادي الجانب في تفسير انتصار النظام، إذ يركز بشكل شبه كامل على نقاط ضعف المعارضة ودعم الحلفاء، دون أن يعطي وزناً كافياً لقدرة النظام نفسه على التكيف، أو لأخطاء استراتيجية ارتكبتها أطراف دولية أخرى، مثل فشل التحالف الدولي في تقديم دعم جدي للمعارضة المعتدلة في وقت مبكر. كما أن الفصل رغم شموليته، يترك تساؤلاً مفتوحاً حول كيفية إمكانية تحقيق مصالحة حقيقية في مجتمع ممزق بهذا الشكل، تحت حكم نظام استخدم أسلحة كيميائية ضد شعبه.
5.فصل 5119–137▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: هل طول مدة حكم عائلة الأسد يجعله مقبولاً، رغم الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم؟ يجيب المؤلف بأن بقاء حافظ وبشار الأسد في السلطة لعقود لم يكن نتيجة شرعية ديمقراطية، بل نتيجة مزيج من بناء دولة بوليسية، واستغلال الطائفية، والبراغماتية في العلاقات الخارجية، والقدرة على الصمود في وجه الضغوط الداخلية والخارجية. يقدم الفصل مقارنة بين الأب والابن، ويحلل العوامل التي سمحت لهما بالبقاء في السلطة.
يبدأ الفصل بوصف فترة ما بعد استقلال سوريا عن فرنسا في 17 أبريل 1947 وحتى وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. كانت هذه الفترة مضطربة، اتسمت بمحاولات ديمقراطية فاشلة وانقلابات عسكرية، أبرزها انقلاب حسني الزعيم وأديب الشيشكلي. ويذكر المؤلف أن الأعوام 1954-1958 تُذكر في سوريا على أنها "سنوات ديمقراطية"، لكن التقييم العام لهذه الفترة كان سلبياً بسبب الفساد وعدم الكفاءة، مما مهّد لظهور حكم استبدادي. يشرح الفصل كيف أن القومية في سوريا لم تكن مشروعاً لبناء أمة، بل أداة للحفاظ على توازن النفوذ بين النخب الحاكمة المحلية والفرنسية. وكان حزب الكتلة الوطنية الحزب الرئيسي حتى الاستقلال، لكنه كان مجرد وسيلة للدفاع عن المصالح الطبقية، وليس لديه قوة تعبئة شعبية.
يتناول الفصل بالتفصيل صعود حافظ الأسد، وهو من عائلة علوية فقيرة من القرداحة قرب اللاذقية. غيّر اسمه من "الوحش" إلى "الأسد"، وتدرج في سلاح الجو السوري. يوضح المؤلف أنه نجا من تجربة الجمهورية العربية المتحدة مع جمال عبد الناصر (1958-1962)، وأصبح شخصية رئيسية في انقلاب 1966 الذي أوصل العلويين إلى السلطة. بعد ذلك، قضى حافظ الأسد على منافسيه، ولم يمنعه فقدان هضبة الجولان لصالح إسرائيل في حرب 1967 أو فشل التدخل السوري في الأردن عام 1970 من الوصول إلى قمة السلطة في نوفمبر 1970، في حدث أطلق عليه "الحركة التصحيحية". يصف الفصل حافظ الأسد بأنه مهندس سوريا الحديثة، الذي بنى نظاماً بوليسياً مركزياً قائماً على "فرّق تسد"، وجعل من نفسه الرابط الوحيد الذي يمسك بالدولة.
يشرح المؤلف كيف استغل حافظ الأسد أيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي لتبرير العلمانية، مما أتاح للعلويين السيطرة على الأغلبية السنية. ويذكر أن الحزب استخدم لنحت هوية سورية تمزج بين العروبة والقومية السورية والإسلام. استخدم النظام ماضي سوريا المجيد لتعزيز هذه الهوية، مثل الاكتشافات الأثرية في إيبلا (جنوب حلب) التي يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد، وألواح مملكة ماري على الفرات. قدمت هذه الاكتشافات، حسب المؤلف، دليلاً على أسبقية الحضارة السورية وساهمت في بناء فخر قومي، وعوضت الإحباط الذي عاشته سوريا في عقودها الأولى. تم تعزيز هذه الهوية باستمرار عبر الإعلام والتعليم وجهاز الحزب.
أما على الصعيد الخارجي، فيصف الفصل حافظ الأسد بأنه مفاوض عنيد لم يصبح تابعاً لموسكو رغم تحالفه معها. يوضح المؤلف أن الأسد كان بطيئاً في اتخاذ القرارات، وكان يأمل دائماً بالعودة إلى أهدافه الأصلية، مما جعله يخسر فرصاً تاريخية: في 1974 سبقه أنور السادات إلى واشنطن، وفي 1978 ذهب السادات إلى القدس أولاً، وفي 1993 سبقه ياسر عرفات إلى أوسلو، وأخيراً في 2000 سبقه الموت. يخلص الفصل إلى أنه ورغم فترة حكمه الطويلة التي استمرت حتى وفاته عام 2000، والتي تجاوزت الفترة من الاستقلال إلى توليه السلطة، إلا أن إرثه الرئيسي هو نظام شمولي وعائلة مسيطرة. يخلفه ابنه بشار الأسد، بعد أن توفي ابنه الأكبر باسل في حادث سيارة عام 1993، في انتقال سلس للسلطة دبرته الدائرة المقربة من حافظ الأسد، وكلهم من السنة.
ينتقل الفصل إلى بشار الأسد واصفاً إياه بأنه لم يكن معداً للحكم، حيث كان طبيب عيون في بريطانيا. لكن المؤلف يشير إلى أنه ثبت خطأ افتراض أن "السلطة التي تُتولى على مضض ستُمارس بتردد"، وأن "الجينات والتوقعات الوطنية والدولية وضرورة البقاء" أثبتت أهميتها. يذكر أن بشار ورث نظاماً جاهزاً: "برلمان وتجمعات حزبية ودستور وانتخابات بنسبة 99%"، وهي مجرد واجهة للجنرالات العلويين. على الفور، يطرح الفصل ثلاث صور متناقضة لبشار: مصلح خجول، أو ابن مخلص لنظام والده، أو شخص لا يدرك حجم المسؤولية. وسرعان ما اتضح أنه لن يغير النظام، بل عزز سيطرة العائلة ودائرتها.
يوضح الفصل التحديات الهائلة التي واجهها بشار عند توليه الحكم: انهيار المسار السوري في عملية السلام بعد قمة كلينتون-الأسد في جنيف في مارس 2000، وفقدان ورقة الضغط اللبنانية بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، واندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، ووصول الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى السلطة في يناير 2001. هذه العوامل أدت إلى تدهور حاد في العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة. يذكر الفصل أن بشار أبقى على شعارات والده حول استعادة الجولان، لكنه فشل في منع عزل سوريا الدولي. ويرى المؤلف أن فشل بشار الأكبر كان في علاقاته مع واشنطن.
يتناول الفصل بشكل خاص الأزمة اللبنانية واغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، والذي اضطر بشار للتعامل معه بقسوة كما تعامل والده مع انتفاضة الإخوان المسلمين في حماة عام 1982. ثم ينتقل إلى الربيع العربي في 2011، ويشرح كيف تحولت الاحتجاجات السلمية في درعا إلى حرب أهلية. يدحض المؤلف فكرة أن الاحتجاجات كانت حركة ديمقراطية موحدة، مشيراً إلى أن الجماعات المعارضة المتعددة (نحو 1000 جماعة في ذروة الحرب) كانت سنية وممولة من قوى إقليمية وعالمية مختلفة، مما خلق بيئة مشتتة سهلت بقاء الأسد. ويؤكد أن تفوق النظام العسكري، بدعم من روسيا وإيران وحزب الله، هو الذي حسم المعركة لصالحه.
يشرح الفصل الأسباب التي جعلت بشار الأسد "آخر الرجال الواقفين" بين حكام العرب الذين أطيح بهم. يعددها المؤلف كالتالي:
- النظام السياسي والعسكري الذي صممه حافظ الأسد، والذي تعامل بفعالية مع انقسام البلاد وأكد وجود سلطة سيادية.
- دعم الأقلية العلوية والأقليات الأخرى والطبقتين الوسطى والعليا السنيتين، الذين رأوا في حكم الأسد حصناً ضد التطرف الإسلامي.
- الدعم الخارجي الحاسم من روسيا وإيران وحزب الله، حيث وفرت روسيا غطاءً دولياً وميدانياً، وأمنت إسرائيل ضمنياً.
- غياب الإرادة الدولية لإزاحته، خاصة بعد تركيز الحديث على تدمير الأسلحة الكيميائية وتجنب التدخل العسكري على غرار ليبيا.
- قوة الجيش السوري الذي لم يشهد انشقاقات كبيرة، وذلك بفضل علمانيته وبعده عن الطائفية، وهي سياسة بدأها حافظ الأسد وقائده العسكري مصطفى طلاس.
في ختام الفصل، يعرض المؤلف الوضع الراهن (حتى كتابة الفصل). يصف إدلب كآخر معقل للمعارضة المسلحة، ويشير إلى تحركات تركيا فيها. يتناول رغبة الدول العربية في إعادة فتح العلاقات مع سوريا لأسباب اقتصادية وسياسية، رغم أنها كانت معارضة للأسد. يستعرض دور روسيا كوسيط ومغير لموقف إسرائيل من الأسد، حيث يبدو أن إسرائيل تقبل ببقائه مقابل الاستقرار على الحدود. وينتهي الفصل بتأكيد أن بقاء بشار الأسد أصبح أمراً واقعاً، وأن مستقبل سوريا يتوقف على عوامل مثل إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، والعلاقة مع إيران، وتعافي الاقتصاد المنهار.
على الرغم من أن الفصل يقدم تحليلاً متوازناً وواقعياً للأسباب التي أدت إلى بقاء الأسد، إلا أنه يثير عدة نقاط قابلة للنقاش. أولاً، يمكن القول إن التركيز على "البراغماتية" و"قوة النظام" قد يقلل من شأن وحشية النظام ودور العنف الممنهج في بقائه. ثانياً، إن اعتبار "استقرار" سوريا تحت حكم الأسد مجرد غطاء للقمع يختزل سنوات من المعاناة. ثالثاً، يبدو أن الفصل يُسلم بأن "الشرعية" لم تعد مطلباً دولياً، وأن القوة هي التي تصنع الحق، وهو موقف يمكن نقاشه أخلاقياً وسياسياً. رغم ذلك، يظل الفصل ملخصاً دقيقاً لواقع سياسي معقد، يفسر لماذا، بعد تسع سنوات من الحرب، لا يزال بشار الأسد في الحكم.
6.فصل 6138–192▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل الدور المحوري للقوى الإقليمية والدولية في الحرب الأهلية السورية، ويقدم الأطروحة الأساسية وهي أن انهيار تنظيم داعش والمكاسب الإقليمية الكبيرة التي حققها نظام بشار الأسد لم تنهِ الحرب الأهلية، بل أدت إلى فوضى إقليمية جديدة في الشرق الأوسط، حيث أصبحت سوريا ساحة لصراعات بالوكالة وحروب نفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية. يجادل المؤلف بأن أي تصور لإيجاد توازن قوى قابل للتطبيق في المنطقة هو وهم، وأن النظام الجديد هو في الأساس نظام "فوضى". ويؤكد أن تدخل القوى العظمى بالمال والسلاح والرجال عرقل مهمة بناء نظام إقليمي يحقق السلام.
يسير الفصل خطوة بخطوة بفحص أهداف وسياسات كل لاعب رئيسي. يبدأ بالحديث عن قوى إقليمية مثل السعودية التي رأت في الحرب فرصة لمواجهة النفوذ الإيراني، فدعمت في البداية فصائل المعارضة "العلمانية" قبل أن تتحول إلى دعم الجماعات الإسلامية اعتباراً من سبتمبر 2013 لمواجهة "جبهة النصرة" و"داعش". يوضح أن السعودية شعرت بالتهديد من سقوط نظام مبارك في مصر، وخشيت من أن يؤدي سقوط الأسد إلى تعزيز قوة إيران. بعد أن أيقنت أن نظام الأسد المدعوم إيرانياً قد انتصر، ركزت الرياض على مطالبة موسكو بالحد من النفوذ الإيراني في سوريا.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تركيا، موضحاً أن تدخلها المستمر في سوريا يُعزى إلى ثلاثة دوافع رئيسية: إحياء النفوذ العثماني الجديد، وسياسة خطوط الأنابيب للطاقة (مشروعا خط أنابيب "ترانس-أناضول" وخط قطر-السعودية-الأردن-سوريا-تركيا)، والاستخدام البراغماتي للطائفية السنية والسياسة العرقية الكردية. يصف الفصل التحول الدراماتيكي في العلاقات بين تركيا وسوريا، من العداء المطلق حتى يوليو 1998 (عندما طرد الأسد زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بتهديد عسكري تركي)، إلى التحسن الكبير بفضل سياسة "أصفى مشاكل مع الجيران"، وصولاً إلى توقيع اتفاقية "الرباعية الشامية" في ديسمبر 2010، ثم التدهور الحاد بعد بدء الثورة السورية، حيث وصف أردوغان الأسد بـ"الجزار" و"الديكتاتور الوحشي". يسلط الضوء على أن أنقرة تدعم الجيش السوري الحر وفصائل إسلامية متنوعة، وتسعى لمنع قيام منطقة كردية ذات حكم ذاتي، مما جعلها تتخذ منعطفاً استراتيجياً نحو التعاون مع روسيا وإيران في "عملية أستانا"، لكنها في الوقت نفسه تشن عمليات عسكرية (مثل "غصن الزيتون" في عفرين) لتطهير المناطق من وحدات حماية الشعب الكردي (YPG) التي تعتبرها إرهابية وذراعاً لحزب العمال الكردستاني (PKK). يكشف الفصل عن التوازن المستحيل الذي تحاول أنقرة تحقيقه بين الحليفين الأمريكي والروسي، ويخلص إلى أن تهديدات أردوغان باجتياح شمال شرق سوريا كانت خدعة لانتزاع تنازلات من واشنطن.
يخصص الفصل قسماً مطولاً لقطر ، موضحاً أن دعمها للجماعات الإسلامية السنية في سوريا جاء من رغبة أميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني في ترك إرث من "الفعل العربي المتعدد الأطراف". لعبت قطر دور الوسيط في المنطقة (بعلاقاتها مع إيران وإسرائيل وحركة حماس وحزب الله)، لكنها أصبحت الممول والمزود الرئيسي للأسلحة للفصائل الجهادية الراديكالية في شمال سوريا، ساعية لبناء شبكات ولاء ونفوذ في مرحلة ما بعد الأسد. بلغ إجمالي المساعدات التي قدمتها للمعارضة مليار دولار أمريكي. على عكس السعودية، انتهجت قطر سياسة براغماتية تجاه الإسلام السياسي، معتبرة إياه "المعارضة الوظيفية الوحيدة" للاستبداد. تشرح الفقرة كيف أن هذه السياسة أدت إلى توترات دبلوماسية مع السعودية والإمارات، بلغت ذروتها في حصار يونيو 2017، لكن قطر خرجت من الحصار أقوى بفضل علاقاتها الواسعة مع إيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة. ويختتم بالقول إن قطر قد تستخدم ثروتها الضخمة (صندوقها السيادي يقدر بـ 335 مليار دولار) للعب دور مؤثر في إعادة إعمار سوريا، وإنها بدأت بالفعل خطوات نحو التطبيع مع النظام السوري.
يحتل إيران قسماً مركزياً في التحليل، إذ يعتبره الفصل المحور الجيوسياسي للنفوذ الإيراني في بلاد الشام. يوثق التحالف الاستراتيجي الوثيق بين طهران ودمشق منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، حيث كانت سوريا إحدى الدول العربية القليلة التي دعمت إيران في حربها مع العراق في الثمانينيات. بعد عام 2013، وسعت إيران تدخلها العسكري والاقتصادي بشكل كبير لإنقاذ نظام الأسد من الانهيار، وأنفقت ما يتراوح بين 15 و20 مليار دولار سنوياً لدعمه. أنشأت إيران قوات الدفاع الوطني وميليشيا "حزب الله في سوريا"، واستخدمت فيالق أجنبية شيعية من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان (خاصة حزب الله). يهدف الوجود الإيراني إلى إنشاء "جسر بري" يمتد من طهران عبر غرب العراق وشرق سوريا إلى البحر المتوسط، وإقامة وجود عسكري دائم على الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان، معتبراً ذلك جزءاً من استراتيجية "محور المقاومة". يقر الفصل بأن طهران وموسكو تتنسقان ميدانياً، لكن هناك قلة ثقة كبيرة بينهما بشأن الأهداف طويلة المدى في سوريا. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أي منهما من أي تسوية سياسية نهائية.
في القسم الخاص بـالقوى الدولية، يركز الفصل على روسيا بوصفها اللاعب الأكثر تأثيراً. بررت موسكو تدخلها في سبتمبر 2015 بمحاربة "الإرهاب الدولي" و"دعم مؤسسات الدولة" لمنع انهيار النظام مثل ما حدث في ليبيا، التي يعتبرها بوتين "غطاءً متقناً لتغيير النظام". سعت روسيا من خلال تدخلها إلى تحقيق عدة أهداف: ضمان بقاء نظام الأسد، استعادة مكانتها كقوة عظمى في الشرق الأوسط (بعد أن شعرت بالإهانة من الغرب في ليبيا)، اختبار أسلحتها الجديدة (مثل صواريخ "كاليبر" و"إسكندر-إم") وبناء وجود عسكري دائم (قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري بموجب عقد إيجار ممتد لـ49 عاماً). يشرح الفصل كيف أن الوجود الروسي خلق "فقاعة حماية" جوية فوق سوريا لمواجهة قوات الناتو. فيما يتعلق بإعادة الإعمار، تدفع روسيا لفصلها عن العملية السياسية، وتسعى للحصول على عقود إعادة الإعمار (التي تقدر بـ400 مليار دولار)، رغم محدودية مواردها المالية وتنافسها مع الصين وإيران.
أما الولايات المتحدة، فيصفها الفصل بأنها كانت مترددة وغير قائدة تحت إدارتي أوباما وترامب، بسبب إرهاق الجمهور العام من حروب العراق وأفغانستان. اتبعت واشنطن ثلاثة مسارات رئيسية: هزيمة داعش، ردع استخدام الأسلحة الكيميائية، ومواجهة النفوذ الإيراني. ينتقد الفصل سياسة أوباما "القيادة من الخلف"، التي فسح المجال أمام التدخل الروسي. كما يشير إلى استمرار دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد، مما وضعها في مواجهة مباشرة مع حليفها التركي في الناتو. يخلص الفصل إلى أن حالة عدم اليقين بشأن تركيز ترامب على مواجهة إيران تجعل الدعم الأمريكي للجماعات الكردية غير متوقع، وأن واشنطن لم تحقق سوى القليل بسياستها المتقلبة.
في نهاية الفصل، يخلص المؤلف إلى أن التداخل المعقد للمصالح بين القوى الإقليمية والدولية يجعل من التسوية السياسية في سوريا أمراً بعيد المنال. يقر الفصل بحدود التحليل، مشيراً إلى أن مسار الحرب سيعتمد على عدة عوامل غير مؤكدة: كيفية تطور المثلث (إسرائيل-إيران-أمريكا)، استمرار الحرب بالوكالة بين السعودية وإيران، واستراتيجية كل من روسيا والولايات المتحدة. يظل السؤال الأكبر مفتوحاً: كيف يمكن التوفيق بين رغبة إيران في وجود عسكري دائم، وطموحات تركيا في منع حكم ذاتي كردي، وإصرار روسيا على كونها الضامن الوحيد، وتردد أمريكا في القيادة، مع مصلحة الشعب السوري في السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.
7.فصل 7193–218▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الجهود الدولية المتعدّدة لتحقيق السلام في سوريا خلال الحرب الأهلية، ويحلّل أسباب تعقيدها ونتائجها المحدودة. الإجابة التي يقدّمها المؤلّف هي أن المجتمع الدولي، ممثّلاً في الأمم المتحدة والقوى الكبرى، لم يفشل بسبب نقص الإرادة السياسية، بل بسبب تعقيدات المشهد الميداني وتضارب مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين، مما جعل الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار أمراً بالغ الصعوبة.
يسير الفصل بمنهج زمني تحليلي، مستعرضاً مسارات السلام المتعدّدة التي انطلقت من العام 2011 وحتى أواخر 2019. يبدأ الفصل بالإشارة إلى أن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرا بين أبريل 2012 وفبراير 2018 أربعة عشر قراراً بالإجماع، بينما استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد اثني عشر قراراً آخر. يُشير المؤلّف إلى أن قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في 18 ديسمبر 2015 يُشكّل النص الأساسي لجميع محاولات السلام اللاحقة، حيث يربط بشكل وثيق بين وقف إطلاق النار وعملية سياسية موازية يقودها السوريون، مع التأكيد على وضع دستور جديد وانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة. يلفت النظر إلى أن القرار لم يتضمّن أي إشارة لانسحاب القوات الأجنبية من سوريا، تجنباً للخلاف.
يُفصّل الفصل بعد ذلك الجهود المبذولة، بدءاً من عملية فيينا في أكتوبر ونوفمبر 2015 برعاية روسيا والسعودية وتركيا والولايات المتحدة، والتي أنتجت خارطة طريق لم تتفق على مستقبل الرئيس بشار الأسد. ثم ينتقل إلى مبادئ موسكو الصادرة عن محادثات السلام في يناير 2015، والتي تضمنت مبدأ إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان. بعدها، يُحلّل الفصل بالتفصيل مسيرة جنيف التي مرت بأكثر من تسع جولات (من جنيف الثالثة في مارس 2016 إلى جنيف التاسعة في يناير 2018)، ويصفها بأنها كانت تهدف لتشكيل هيئة حكم انتقالي، لكنها فشلت مراراً بسبب تصاعد العنف وتعنت الأطراف، ولا سيما الحكومة السورية التي قصَرت النقاش على محاربة الإرهاب فقط.
يتناول الفصل أيضاً مسيرة أستانا التي بدأت في يناير 2017 برعاية روسيا وإيران وتركيا، والتي تمخض عنها اتفاق على إنشاء مناطق خفض التوتر في إدلب وحمص والغوطة الشرقية وجنوب سوريا، بالإضافة إلى إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة وقف إطلاق النار. يوضح المؤلّف أن هذه المسارات تزامنت وأحياناً تعارضت، لكنها تقاربت حول القرار 2254 كمرجعية أساسية. يشير إلى تشكيل اللجنة الدستورية التي اجتمعت لأول مرة في جنيف في أكتوبر 2019، لكنها سرعان ما توقفت بسبب اعتراض الوفد السوري على بعض البنود.
يُخصّص الفصل أقساماً لموضوعات عالقة مثل المساعدات الإنسانية، حيث يشير إلى أن القرارات الأممية المتعاقبة (مثل القرار 2139 و2165) ركزت على ضرورة وصول المساعدات دون عوائق، وأن الوضع ظل كارثياً مع احتياج أكثر من 11.7 مليون سوري للمساعدات في عام 2019. في موضوع المحتجزين والمفقودين، يُشير الفصل إلى أن أكثر من 100 ألف شخص إما احتُجزوا أو اختفوا، وأن لجنة عمل شكلتها أستانا سهّلت عملية تبادل أسرى في نوفمبر 2018، محمّلاً الحكومة السورية المسؤولية الأساسية. أما مناطق خفض التوتر، فيُفصّل الفصل أربع مناطق رئيسية، ويشرح كيف أن اتفاقاً في سوتشي في سبتمبر 2018 أنشأ منطقة عازلة حول إدلب استمر وقف إطلاق النار فيها لاحقاً.
في قسم الأسلحة الكيميائية، يوضح المؤلّف أن سوريا انضمت إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في 2013، ودُمّرت مخزوناتها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لكن الاستخدام المتكرر لهذه الأسلحة استمر، وآخرها هجوم دومّا في أبريل 2018 الذي أدى لقصف أمريكي-بريطاني-فرنسي على سوريا. يُثير الفصل تناقضاً: الهجمات الغربية تبرر باحترام القانون الدولي، بينما هي في حد ذاتها تُعد انتهاكاً له لعدم حصولها على تفويض من مجلس الأمن. وينتقل بعدها إلى موضوع الإرهاب، موضحاً كيف أن مصطلح "إرهاب" أصبح فضفاضاً، حيث تصنف الحكومة السورية جميع المعارضين المسلحين كإرهابيين، بينما تُصنفها الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب منذ 1979. يُشير إلى سيطرة هيئة تحرير الشام على أكثر من نصف إدلب مع 70 ألف مقاتل، ويخلص إلى أن استمرار البيئة المضطربة سيبقي التطرف قائماً.
نحو النهاية، يناقش الفصل مستقبل بشار الأسد من وجهات نظر اللاعبين الدوليين. يصف سياسة الولايات المتحدة بأنها كانت مربكة ومتقلبة، بينما تؤكد روسيا أنها لم تكن تدافع عن الأسد بقدر ما كانت تسعى لترسيخ وجودها العسكري في المتوسط. أوضح المؤلّف أن إيران تسعى للحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع سوريا كمحور لمقاومة إسرائيل، ولكسب فوائد اقتصادية في إعادة الإعمار. أما الاتحاد الأوروبي، فهو منقسم: دول شمالية (فرنسا وألمانيا) تريد موقفاً متشدّداً من الأسد، بينما دول جنوبية (إيطاليا والنمسا) ترى أن التعامل معه ضروري لعودة اللاجئين.
في الختام، يُقرّ المؤلّف بأن سيطرة الأسد على معظم البلاد مكّنته من فرض "عدالة المنتصر"، وأن تعقيد عملية التفاوض، رغم بطئها، قد استوعب أوسع تنوع للآراء. يشير إلى أن نجاح العملية السياسية مرهون بانسحاب القوى الأجنبية عسكرياً، وهو أمر صعب التصوّر حالياً. ويُجري مقارنة مع تجربتي العراق وأفغانستان، مؤكداً على تفرد حالة سوريا بوجود قرار أممي مرجعي (2254) واستمرار نظام الأسد في الحكم.
أما التحفظات والأسئلة المفتوحة التي يطرحها النص فهي واضحة: عدم اليقين حول مدى جدية وقف إطلاق النار في إدلب واعتباره "هشاً"، غياب أي قرار أممي يلزم القوات الأجنبية بمغادرة سوريا، والتناقض الأخلاقي في استخدام القوة الأحادية لإنفاذ القانون الدولي. كما أن مستقبلة الأسد ظل "هدفاً متحركاً" دون إجماع دولي. يُمكن القول إن الحجج القابلة للنقاش تتمثل في اتهام الأطراف الغربية باستخدام القانون الدولي بشكل انتقائي (الهجمات أحادية الجانب)، وفي تحميل الحكومة السورية المسؤولية الأساسية عن الأزمة الإنسانية والاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية، وهو ما تعارضه روسيا وسوريا صراحة.
8.فصل 8219–250▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو استشراف مستقبل سوريا بعد الحرب الأهلية، ويقدم المؤلف إجابة مفادها أن مستقبل البلاد لن يتقرر على يد السوريين وحدهم، بل سيعتمد بشكل حاسم على التوازنات والاتفاقات بين القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في النزاع. يرى المؤلف أن اللعبة النهائية قد بدأت بالفعل بعد أن سيطر نظام بشار الأسد على حوالي 90% من الأراضي السورية، لكنه يحذر من أن مجرد الانتصار العسكري لن يحل المشاكل الجذرية، بل قد يفتح الباب أمام تحديات هائلة تتعلق بإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وصياغة هيكل سياسي جديد، مع بقاء خطر تجدد الصراع قائماً.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل التحديات المترابطة التي ستواجه سوريا ما بعد الحرب، مقدماً سيناريوهات وحلولاً محتملة لكل منها. يبدأ الفصل بمناقشة ضرورة تحقيق وقف إطلاق نار دائم، ويشير إلى أن هذا ممكن فقط عندما تقتنع الأطراف الإقليمية والدولية، مثل تركيا والسعودية والإمارات، بأن إطالة أمد النزاع لن يعود عليها بفائدة. ويرى أن روسيا هي أفضل من يمكنه دفع هذا الاتفاق داخل مجلس الأمن، نظراً لوجودها العسكري على الأرض. كما يسلط الضوء على قضية شائكة أخرى وهي وضع الأكراد السوريين وعلاقتهم بـتركيا التي تعتبرهم امتداداً لـحزب العمال الكردستاني (PKK) بزعامة أحمد أوجلان، وهو ما يعقد عملية السلام.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة قضية عودة اللاجئين، التي يعتبرها الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً لإعادة بناء البلاد. يذكر أن هناك حوالي 3.1 مليون لاجئ في تركيا و85,000 في المخيمات الأردنية، بالإضافة إلى ملايين النازحين داخلياً. يشير المؤلف إلى أن الاتحاد الأوروبي استخدم المساعدات المالية كأداة سياسية مع تركيا، بينما تتعامل الدول المستقبلة مثل الأردن مع الملف بحذر خوفاً من تسلل الجماعات المتطرفة. أما تكلفة إعادة الإعمار، فيقدرها الفصل بما بين 250 و350 مليار دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم لا تستطيع الحكومة السورية أو حلفاؤها تحمله بمفردهم. وهنا يطرح المؤلف فكرة "المقايضة" المحتملة: إنهاء محدود لولاية الأسد بعد 2025 مقابل قرار من مجلس الأمن لتوفير التمويل لإعادة الإعمار.
يتعمق الفصل في تفاصيل الهيكل السياسي المستقبلي، ويقترح عدة مبادئ توجيهية لدستور جديد. يقترح المؤلف نظاماً يقوم على "الديمقراطية التوافقية" التي تسمح بتهدئة المشاعر الطائفية، مع إمكانية تبني نموذج "الديمقراطية الطائفية" كما في لبنان كبديل. من بين الاقتراحات الأخرى: اعتماد نظام برلماني بصلاحيات محددة للرئيس، والفصل بين السلطة السياسية والدينية، وضمان حقوق الأقليات وعلى رأسها الطائفة العلوية. كما يتناول بالتفصيل إصلاح النظام القضائي والأمني، مشيراً إلى أن استمرار "سيطرة الدولة المعاملاتية" التي أرساها حافظ الأسد وتمسك النظام العلوي بالسلطة خوفاً من الانتقام الطائفي، هما عقبتان رئيسيتان أمام أي مصالحة حقيقية.
يخصص الفصل أقساماً لتحليل أجندة كل قوة أجنبية فاعلة في سوريا. يصف الموقف الأمريكي تحت دونالد ترامب بأنه "مربك ومتقلب"، ويتنقل بين الالتزام بمحاربة داعش والتهديد بالانسحاب. أما حلف الناتو، فيراه الفصل منقسماً بشدة بشأن سوريا، خاصة مع تناقض المصالح بين تركيا وبقية الأعضاء. وتظهر تركيا في موقف صعب، فهي تسعى لمنع قيام كيان كردي على حدودها وتستخدم ملف اللاجئين كورقة ضغط، لكنها تجد نفسها في مواجهة مع روسيا وإيران حول إدلب. وبالنسبة لـإسرائيل، فإن قلقها الأمني ينصب على الوجود الإيراني في سوريا، وهي مستمرة في شن غاراتها الجوية. أما روسيا، فتركز على إبقاء دورها كطرف جيوسياسي فاعل وضمان بقاء قاعدتها البحرية في طرطوس، بينما تسعى إيران إلى تأمين ممر دعم لـحزب الله في لبنان والحفاظ على نفوذها الإقليمي.
يناقش الفصل أخيراً مستقبل الجماعات المقاتلة، ويرى أن المشكلة الأساسية تكمن مع الجماعات العابرة للحدود مثل هيئة تحرير الشام وتنظيم داعش. يقترح أن تلعب منظمة التعاون الإسلامي دوراً محورياً في مواجهة فكر هذه الجماعات وتفكيك أيديولوجيتها، ليس فقط عبر الوسائل العسكرية ولكن أيضاً من خلال نشر الخطاب الديني المعتدل وبرامج تعليمية للشباب. ويختتم الفصل بتأكيد أن مأساة سوريا تكمن في أنها لم تعد تملك زمام مصيرها بنفسها؛ فإما أن تتحد أو تتقسّم بقرار من القوى الخارجية، وأن النظام الحالي لا يملك حافزاً حقيقياً للتغيير، لكن الاستمرار في السياسات نفسها يهدد بإشعال الحرب الأهلية مجدداً. الحل الوحيد في نظره هو بقاء الأسد في الحكم ولكن بسلطات مقيدة، وذلك على الأقل لعقد من الزمن، للتمكن من بناء دولة أكثر انفتاحاً وديمقراطية.
تتمثل التحفظات التي يقرّ بها المؤلف في أن أي حل سيكون صعباً للغاية نظراً لتعدد الأطراف وتضارب مصالحها بشكل غير مسبوق، وأن تكاليف إعادة الإعمار باهظة لدرجة أن لا أحد مستعد للانخراط فيها حالياً. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير المقاتلين بعد انتهاء العمليات الرئيسية وإمكانية تحولهم إلى خلايا نائمة. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، اقتراحه لبقاء الأسد في السلطة كجزء من الحل، وهي فكرة تتعارض مع الموقف الغربي الثابت الذي يطالب برحيله، والذي يعتبره المؤلف غير واقعي في ضوء فشل تجربة ليبيا في 2011.