
الراديكالية الإبداعية في الشرق الأوسط: الثقافة واليسار العربي بعد الانتفاضات
يقع هذا الكتاب في قلب الأسئلة الكبرى التي أثارتها الانتفاضات العربية عام 2011، مقدماً قراءةً معمّقةً وجديدة لهذه الأحداث بوصفها أكثر من مجرد حركات سياسية تطالب بتغيير الأنظمة. يتمحور الموضوع المحوري للكتاب حول فكرة "الراديكالية الإبداعية" بوصفها بديلاً جوهرياً عن "التطرف" بمفهومه المستهلك، سواء كان تطرف الجماعات الدينية أو تطرف الخطاب النيوليبرالي. يدافع المؤلف عن أطروحة مركزية مفادها أن الثورات العربية، وبخاصة المصرية منها، مثلت "قطيعة معرفية" مع الحداثة الغربية العلمانية وأنماط التفكير التي هيمنت على التحليل السياسي. إنها ليست مجرد رد فعل على القمع أو الفقر، بل هي إعادة تعريف للسياسة والفن والدين والكرامة الإنسانية من منظور جديد يستلهم التراث الثقافي والروحي العربي والإسلامي، ويتجاوز في الوقت نفسه الثنائيات المحدودة مثل الديني/العلماني، والفردي/الجماعي، والشرقي/الغربي.
يسير الكتاب في بناء حجته عبر فصول متصلة، يبدأ بتحليل الخطاب السياسي الغربي الذي سبق وساهم في خلق مناخ فكري معادٍ لكل أشكال المعارضة الجذرية، ثم ينتقل إلى نقد الفلسفات الغربية التي استُخدمت لفهم الربيع العربي، ليكشف حدودها، ليتوقف بعدها عند نماذج من الأدب والفن التي تجسد روح الثورة وإبداعيتها، وصولاً إلى التأمل في مصير هذه الثورات ودلالاتها الأوسع. يعتمد المؤلف في ذلك على منهجية تركيبية تمزج بين التحليل السياسي والنقد الأدبي والفلسفي، مستعيناً بمجموعة واسعة من المصادر التي تتراوح بين نصوص كانط وسيد قطب، وأعمال حنة أرندت وبنيامين، وروايات نجيب محفوظ وغسان كنفاني، وشهادات النشطاء والفنانين المشاركين في الأحداث.
يبدأ المؤلف بتحليل الخطاب الذي سبق هجمات 11 سبتمبر، مشيراً إلى كتاب "الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر" الذي حرره بنيامين نتنياهو عام 1986. في هذا الكتاب، يرى المؤلف محاولة مبكرة لصياغة "حرب على الإرهاب" قبل ظهور تنظيم القاعدة، حيث يُختزل الصراع في معركة بين "الإنسانية واللاإنسانية" وبين "الخير والشر"، مع تجاهل تام للسياقات السياسية لحركات التحرر الوطني مثل منظمة التحرير الفلسطينية أو المؤتمر الوطني الأفريقي. يشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب يهدف إلى نقل عداء الحرب الباردة من الشيوعية إلى الإسلام، وتكريس شرعنة رفض الاعتراف بالنضال الفلسطيني، ويضرب مثالاً على ذلك بتجاهل الكتاب لمجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 والتي راح ضحيتها حوالي 3000 لاجئ فلسطيني، بينما ينشغل مؤلفوه بتغطية إعلامية "غير كافية" لأعمال إرهابية أخرى. هذا التحليل يؤسس لما يسميه المؤلف لاحقاً "سياسة الشبيه" أو "سياسة الازدواجية"، وهي السياسة التي تخلط عمداً بين الراديكالية اليسارية والتطرف اليميني لخدمة أغراض أيديولوجية. يستعين المؤلف برواية "دكتور جيكل ومستر هايد" لشرح هذه السياسة، حيث تعمل النيوليبرالية بمنطق الانقسام هذا، فلها وجه يتمثل في الفردانية المفرطة وآخر في السلوك المعادي للمجتمع القائم على الجشع. ويتجسد هذا الانقسام مكانياً في "المجتمع المسوّر" الذي يعزل نفسه عن الأحياء الفقيرة التي يولدها هو نفسه، ويرى المؤلف أن إسرائيل بأكملها يمكن فهمها كنموذج لمثل هذا المجتمع المسوّر.
بعد هذا التأصيل النقدي، ينتقل الكتاب إلى فحص الفلسفات التي استُخدمت لتحليل الربيع العربي، مركزاً على فيلسوفة أوروبية بارزة هي حنة أرندت. يقدّم الفصل قراءةً قريبة في كتابها "الحالة الإنسانية"، بوصفه رؤيةً تتعارض بشكل جوهري مع رؤية الربيع العربي الثورية. يبني المؤلف مقارنته على أن الإقصاءات الفلسفية عند أرندت ليست بريئة، فبينما تستبعد "الحياة التأملية" لصالح "الحياة النشطة"، وتقيم نموذجها للخلود عبر تقسيم هرمي بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي، فهي بذلك تخلق فئة من "الفاعلين السياسيين" الذين تحرروا من ضرورة الاقتصاد ويعتمدون على فائض قيمة عمل الآخرين. يرى المؤلف أن هذا النموذج يشبه "مسرح إعادة ظهور" تستطيع فيه الإنسانية أن تقدّر وتقدّس نفسها، ويقارن بين فاعلي أرندت السياسيين والمشاهير الذين يعرفون بأدائهم لأنفسهم فقط. إن الانتفاضات العربية، كما يرى المؤلف، قلبت هذا النموذج رأساً على عقب، فمن ناحية، كان أحد دوافع الربيع العربي هو سأم الناس من الفاعلين السياسيين الذين يصرّون على بقائهم في السلطة وكأنهم خالدون، مثل مبارك والأسد والقذافي، ومن ناحية أخرى، طالب الثوار بالحق في عزل القادة الذين يعاملون القوى العاملة كشيء يمكن التخلص منه، وهو ما عبرت عنه نكتة مصرية ساخرة هي "مبارك يطالب بتغيير الشعب". كما رفض الثوار الخطاب السياسي الذي يلزمهم بأداء عالم "كما لو"، والتفتوا إلى التعبير الإبداعي من أغانٍ وشعر وجداريات، مستلهمين روح الموالد الصوفية، محققين بذلك الانقلاب على نموذج أرندت: لم يعد الفاعلون السياسيون هم الخالدون، بل قداسة الحياة نفسها كما تتجلى في مراسم الشهداء واحتفالات المولد.
لا يكتفي الكتاب بنقد النظريات الغربية فحسب، بل يتعمق في تحليل الظروف النفسية والاجتماعية التي تدفع الأفراد نحو التطرف العنيف، وذلك من خلال قراءة أدبية للرواية العربية. ينتقل الفكر هنا من فكرة أن الأدب ينتبه إلى الذاتية والتجربة المعاشة، ليركز على مفهومين أساسيين هما "خيبة الأمل المزمنة" و"الإذلال"، وكيف يقودان إلى ما يسميه "النخبوية المنبوذة"، وهي حالة نفسية يشعر فيها الفرد بأنه مختار ومتفوق روحياً بسبب معاناته ورفضه من قبل المجتمع. يبدأ المؤلف بتحليل رواية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني (2002)، متتبعاً قصة الشاب "طه" ابن البواب الذي يُرفض في المقابلة النهائية لكلية الشرطة بسبب أصل والده الاجتماعي المتواضع. يصف المؤلف هذا الرفض بأنه "خيبة أمل مزمنة" ليست مجرد إحباط عابر، بل هي إدراك بأن نظام الترقية الاجتماعية غير أصيل. ينتقل طه بعدها إلى جامعة القاهرة حيث يشعر بالدونية، ليجد في الجماعة الإسلامية ملاذاً نفسياً، حيث يتم التلاعب برغبته في "الاختيار"، ليصبح إيمانه بأنه "مختار الله" تعويضاً روحياً عن رفضه الاجتماعي، وهو ما يسميه المؤلف "النخبوية المنبوذة". يعقد المؤلف مقارنة مثيرة للاهتمام بين حالة طه وحالة الشباب اليهودي في رواية تيودور هرتزل "البلد القديم الجديد"، حيث يعاني هؤلاء من نفس نمط خيبة الأمل المزمنة بسبب معاداة السامية، مما يشير إلى أن هذه الظاهرة النفسية هي ميل إنساني عام وليست حكراً على سياق معين. يستشهد المؤلف بأدلة اجتماعية تدعم أطروحته، مثل تصريح محمد أبو الغار عن شعور الطلاب بأنهم "مسحوقون تماماً" في الجامعة المصرية، وينقل عن سامح نجيب أن فترة الانتظار بين التخرج والحصول على عمل طالت من ثلاث سنوات في 1979 إلى عشر سنوات في 1985. وينتقل الفصل إلى رواية نجيب محفوظ "اليوم الذي قُتل فيه الزعيم" (1985)، معتبراً أنها تمثل بدايات هذا الإحباط المزمن مع سياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، ويصل إلى ذروته بجريمتين متزامنتين: اغتيال الرئيس السادات على يد إسلامي، وقتل علوان لمديره، في إشارة رمزية إلى أن الإرهاب السياسي والجريمة الفردية يولدان من نفس مناخ الإحباط والعار الاجتماعي. ثم يتحول الفصل إلى الأدب الفلسطيني، مركزاً على رواية غسان كنفاني "ما تبقى لكم" (1966) التي تصور الزمن كثقب أسود من الانتظار والفراغ، ويمثل فيه "الصحراء" حضوراً روحياً أبدياً يرمز للوجود المتجذر الذي انقطع عنه الفلسطينيون. يقدم المؤلف تفسيراً مفتوحاً لنهاية الرواية حيث يحدث القتل المزدوج المتزامن، مشيراً إلى أن الرواية تصور الفلسطينيين وقد استوعبوا ديناميكيات "المصادرة" و"الاستبدال" التي فرضها النكبة عليهم، وأن الطريق للخروج يتطلب إعادة الاتصال بالبعد المتزامن للوجود.
يبحث الكتاب بعد ذلك في "سياسات الفخر" و"عبادات الفخر" وثقافات الشعبوية اليمينية، مفرقاً بين "الراديكاليين" الذين يطالبون بالكرامة الإنسانية العالمية، و"المتطرفين" الذين يردون على مشاعر فقدان القيمة الذاتية بمطالبة بالفخر أو الشرف لجماعتهم. ينتقل المؤلف عبر تشكيلات مختلفة من "سياسات الفخر" العرقي والديني، مثل الفخر الأبيض، والفخر الإسلامي، والفخر الهندوسي، والفخر الصهيوني، محاولاً كشف القواسم المشتركة بينها. يستعين بأعمال الباحثين في علم الإنسان، مشيراً إلى كتاب سكوت أتران "التحدث مع العدو" الذي يخلص فيه إلى أن ما يحرك الشباب نحو التطرف ليس القضية الدينية بحد ذاتها بل البحث عن التقدير والمكانة، وإلى إيفيلين ليندنر التي ترى أن المشكلة ليست صدام الحضارات بل صدام الإذلال. يضيف المؤلف تمييزاً إضافياً: بينما يتعلق الشرف بالجماعة والمكانة الاجتماعية، فإن الكرامة تتعلق بإنسانيتنا المشتركة والرغبة في العدالة. ولتوضيح ذلك، يحلل المؤلف حالة سيد قطب، الذي ذهب إلى أمريكا باحثاً عن توافق بين الإسلام والقيم الغربية، لكنه واجه الرفض والشعور بالدونية، فتحول من موقف فلسفي ينشد التكامل إلى موقف يعتبر الغرب حضارة أدنى روحياً. ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل "الفخر الأبيض" ولغة الموسيقى الخاصة به، مركزاً على فرقة "سكريودرايفر" البريطانية، ويلاحظ أن أغاني هذه الفرقة تصور الرجل الأبيض كضحية تناضل لاستعادة أرضها المفقودة، وتلقي باللوم على الهجرة بدلاً من الرأسمالية نفسها. يرى المؤلف في هذا "مقلوباً" أو انعكاساً: فالرجل الأبيض الذي فقد امتيازاته في الرأسمالية المتأخرة، يشعر بأنه يُدفع إلى مساحة "الاحتجاز"، فيرد بمحاولة تأكيد تفوقه عبر العودة إلى أسلاف أسطوريين. ويستخدم المؤلف أندرس بهرنغ بريفيك، منفذ هجمات النرويج عام 2011، كمثال على تداخل "الفخر الأبيض" مع هواجس الذكورة، حيث بنى صورة ذكورية مبالغ فيها معادلاً للذكورة المثالية بفارس الهيكل، محذراً من خطورة أخذ الخيال على محمل الحقيقة، فالتطرف يتميز بتفسير حرفي للأمور. في تناوله لاحقاً لـ"الفخر الإسلامي"، ينتقد المؤلف تقريراً صادراً عن مؤسسة توني بلير، واصفاً إياه بأنه "أساساني" لأنه يفشل في التمييز بين التفسيرات السياسية للإسلام والحالات النفسية، ويجادل بأن الرغبة في "إعادة الاتصال" والأخوة هي ما يحرك الشباب المنعزلين. وفي معرض حديثه عن الإسلاموفوبيا، يحلل المؤلف رسوم شارلي إيبدو المسيئة، معتبراً إياها شكلاً من أشكال الاستفزاز والتنمر، ويخلص إلى أن ردود الفعل الغاضبة من جانب بعض المسلمين هي بالأساس نتيجة للانجرار إلى بنية من الإساءة. كما يشير إلى تقارب أيديولوجيات "الفخر الهندوسي" مع حركات الفخر الأبيض، مستشهداً بآروندهتي روي التي ترى أن فكرة "الهندوسية" كأمة هي فكرة حديثة تم تصنيعها سياسياً لتأمين أغلبية سياسية ضد المسلمين. وينتقل المؤلف إلى مناقشة "الفخر الصهيوني"، مركزاً على مشروع هرتزل في روايته "ألتنلاند" (1902)، ويرى أن هذا المشروع هو محاولة لتجديد الذات اليهودية باستعارة معايير "الفخر الأبيض" الأوروبية، ويهدف إلى خلق ملاذ مغلق. في مقابل هذه التكوينات السابقة، يقارن المؤلف بينها وبين "الفخر الأسود" و"الفخر المثلي"، ويرى أن هذه الحركات تميل نحو الاندماج والشمولية وليس العزلة وكبش الفداء. يستشهد بمارتن لوثر كينغ الذي رأى أن قوة السود لا تتحقق بمعزل عن البيض، ويميز بين "الفخر الكرنفالي" الذي يحتفل بالغرابة ويقلب المعايير السائدة من خلال السخرية، وبين "الابتذال" الذي يأخذ نفسه بجدية ويحاول خلق عالم بديل زائف. في الختام، يبني الفصل حجة قوية بأن حركات "الفخر" المختلفة تشترك في بنية نفسية واحدة: فهي رد فعل على مشاعر الإذلال والعجز، وتحاول التعويض عن ذلك ببناء عوالم خيالية مغلقة، في المقابل، يقدم المؤلف نموذج "الكرامة" المبني على الترابط الإنساني والاعتراف المتبادل، كبديل جذري لهذا المنطق الانفعالي المغلق.
يتوج الكتاب تحليله بالفصل الأهم، الذي يحمل عنوان "جماليات الكرامة أو لماذا كانت الثورة المصرية قصيدة"، حيث يقدم نظريته الجمالية والفلسفية في فهم الثورة. يبدأ المؤلف من ملاحظة لافتة بعد خلع حسني مبارك، ألا وهي ظهور مستطيلات فارغة على جدران المباني العامة، تاركةً أثر "غياب" واضح للصور الرسمية للرئيس. يرى المؤلف أن هذا الفراغ المميز يكشف كيف كانت تلك الصورة بمثابة "تأثير استنساخ" مرتبط بفكرة "السلعيّة" عند ماركس، حيث يبدو القائد وكأنه مصدر ذاتي لنفسه، ويستعين بمسرحية هاملت حيث يشير إلى أن ما يُعبد ليس الشخص بل "الموضع" الملكي نفسه؛ الثورة إذن، بإزالتها للصورة، تكشف أن "الملك شيء ولا شيء" في نهاية المطاف. يبني المؤلف تحليله عبر تجاور رؤيتين بصريتين للثورة: الأولى هي إزالة صورة مبارك، والثانية هي صورة فوتوغرافية لجمهور في "سينما التحرير" بميدان التحرير، مع مبنى "المجمع" (الذي بُني عام 1949) خلفهم، حيث تُعرض في هذه السينما لقطات للثورة نفسها. يستخدم المؤلف هذه الصورة كنقطة ارتكاز لمناقشة مقال والتر بنيامين الشهير "العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه ميكانيكياً" (1936)، ويرى بنيامين أن إعادة الإنتاج الميكانيكي للفن تدمر "الهالة" الخاصة بالعمل الفني، ما يحرر الجماهير ويمنحهم قوة نقدية وإمكانية أن يصبحوا هم أنفسهم صُنّاعاً للفن. لكن المؤلف يقدم قراءات متعددة للصورة متجاوزاً بنيامين، فالقراءة الأولى بنيامينية والثانية أدورنوية ساخرة حول تحويل الثورة إلى سلعة، أما القراءة الثالثة وهي التي يفضّلها المؤلف، فترى أن الصورة تنقل "هالة الثورة" نفسها، لا اختفاءها، وهذه الهالة "غير قابلة للتحديد المكاني"، وهي طوباوية، لأن المدينة الفاضلة هي بالتعريف ما "لا يأخذ مكاناً". يرتكز التحليل الفلسفي على فكرة "النشوء المشترك المترابط" في الفلسفة البوذية كما شرحها ناغارجونا، حيث لا يمكن الفصل بين السبب والنتيجة، فالثيرون خلقوا الثورة والثورة خلقتهم، في حلقة متزامنة من التحقق المتبادل. ويشير المؤلف إلى أن هذا يتجلى في الطبيعة "اللامركزية" للثورة المصرية، وتؤدي هذه النقطة إلى إحساس الثوار بأنهم وجدوا ذواتهم الحقيقية للمرة الأولى، وهو جوهر "الكرامة"، فالفرادى لا قيمة لهم في عزلتهم، لكنهم يكتسبونها من خلال الكل الذي يشاركون في تكوينه، وهو ما يشبه مفهومي "أونهو" و"أوبونتو" الأفريقيين: "الشخص يكون شخصاً بسبب الأشخاص الآخرين". يقدم المؤلف بعدها "نظرية شعرية في الكرامة"، معارضاً إياها بمفهوم كانط الفردي للكرامة ومفهوم سيد قطب القائم على الخضوع لله وحده، فكرامة الثورة تقوم على "النشوء المشترك المترابط": تحرر من الإذلال عبر الاعتراف المتبادل والثقة والرعاية، ويوثق ذلك باقتباس من ريم أبو الفضل حول تغير صورة الذات لدى المصريين وشعار "ارفع راسك فوق أنت مصري". ويرى المؤلف أن المبادئ الثورية (الحرية، المساواة، الإخاء) تفسدها الرأسمالية العلمانية بجعل الحرية مجرد استقلالية، والمساواة مجرد قيمة تبادلية، والإخاء مجرد سياسات هوية، فالمبادئ ليست منفصلة بل هي "شروط متزامنة" لبعضها البعض: "أنا لست حراً إذا لم تكن حراً"، فالكرمة هي الشرط الذي ينبثق من تعايش هذه المبادئ.
في الفصل المتعلق بتصوير المقدس في فن الشهداء، يتناول الكتاب كيفية تمثيل الشهداء في الفن، مقارناً بين السياق اللبناني في زمن الحرب الأهلية والسياق الثوري المصري. يقدم المؤلف إجابة أساسية مفادها أن هناك طريقتين متناقضتين لتمثيل الشهيد: الأولى هي "بوستر الشهيد" الذي تنتجه الأيديولوجيات العسكرية والدينية لتحويل الشهيد إلى رمز استهلاكي أو أداة دعاية، والثانية هي "جدارية الشهيد" كما ظهرت في الثورة المصرية، والتي تهدف إلى تكريم الشهيد كإنسان مقدس بقيمته الذاتية بعيداً عن أي توظيف أيديولوجي. يبدأ الفصل بدراسة تفصيلية لرواية الياس خوري "الوجوه البيضاء"، معتبراً إياها "مقامة محطمة"، حيث تعطلت الوظيفة الساخرة للمقامة لأن الحرب جعلت أشياء كثيرة "غير قابلة للقول". يروي الفصل حكاية خليل جابر، الرجل الذي يُقتل في بداية الرواية، والذي كان يجد عزاءً في الملصقات التي تمجد ابنه الشهيد، لكنه بعد سنوات ينهار ويكرس نفسه لتمزيق هذه الملصقات وطلاء الجدران باللون الأبيض. يقدم المؤلف قراءة مغايرة للقراءة السائدة التي ترى في هذا الفعل مجرد إنكار للحزن، مشيراً إلى أن خليل نفسه أصبح "الوجه الأبيض" أو "الممحى"، فهو يمثل ما لا يستطيع المجتمع مواجهته من نفسه. تتوالى الشهادات لتكشف عن أبعاد أخرى لكارثة الحرب، حيث يُنسى القتلى ذكراهم الحقيقية بينما تُخلَّد صورهم المزيفة، ويصبح المجتمع برمته مجتمعاً من "الأقنعة البيضاء" التي تخفي تواطؤها. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى فحص فن الشهداء لدى حزب الله، حيث يصف المؤلف زيارته لضاحية بيروت الجنوبية ورؤيته لطوابير ملصقات الشهداء، ويربط هذا المشهد بمناقشة أعمال الفنان ربيع مروة الذي يفضح عملية "التركيب" الرقمي في صور شهداء حزب الله، حيث تُركَّب رؤوس الشهداء على أجساد موحّدة، ويرى المؤلف أن هذه الملصقات تمثل "غريزة الموت" الجماعية. في المقابل، ينتقل الفصل إلى جداريات شهداء الثورة المصرية في شارع محمد محمود، حيث يقدم تمييزاً جوهرياً بين "ملصق الشهيد" و"جدارية الشهيد"، فبينما الملصق يمنح الشهيد هالة من الفخر، فإن الجدارية تكرمه كهبة مقدسة، وتعكس نظرة رحيمة من الفنان نحو الشهيد، وتدعو المشاهد لمشاركة هذا الشعور. يستخدم المؤلف مفاهيم دينية كـ "الصنم" و"الأيقونة" للتمييز بين التمثيلين: ففي حين يستولي "الصنم" على العبادة لنفسه، تشير "الأيقونة" إلى حقيقة مقدسة تتجاوزها، فالجداريات إذن هي "أيقونات" تعيد القداسة إلى الحياة البشرية التي جردتها الدولة من قيمتها. يختتم الفصل بتحليل "المنطق التراكمي" للثورة المصرية، كما يتجلى في شعار "كلنا خالد سعيد"، ولا يعني هذا الشعار أن ثواراً جدداً يحلون محل الشهيد، بل يعني أنهم يضيفون أنفسهم إليه في رفض التخلي عنه، وهذا المنطق يقوم على فكرة "الشهادة" كعمل تراكمي مستمر.
يبحث الفصل الخاص بـ"المسيانية الخيلية" في كيفية تجسيد الخلاص والفداء في الأدب والفن الفلسطيني، لا من خلال الرموز الوطنية المألوفة فحسب، بل من خلال مخلوقات بعينها هي الحصان والحمار. يقدم المؤلف أطروحته المركزية بأن هذا "المسياوية الخيلية" تمثل شكلاً من أشكال التوق الطوباوي للتحرر، والذي يتجاوز الصراع على الأرض والحدود ليتصل بعالم روحاني أوسع، فهذه المخلوقات لا تُستخدم كرموز وطنية بحتة، بل ككائنات "أيقونية" تشير إلى واقع مقدس مشترك، وتجسد فكرة "التعايش" في عالم لا يملكه أحد. يبدأ المؤلف بمناقشة فكرة أن الحيوان في الديانات التوحيدية ليس مجرد رمز اعتباطي، بل له قيمة متصلة بالواقع المقدس، ثم ينتقل إلى تقديم أمثلة من الفن التشكيلي، مثل معرض "أنا حمار" للفنان الفلسطيني أسرف فواخري، ومعرض "مهرجان القافلة للفنون" في مصر عام 2013 حيث قام خمسة وأربعون فناناً بتزيين حمير من الألياف الزجاجية. يستعرض المؤلف بعد ذلك نماذج أدبية رئيسية، ففي رواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، يجد بطل الرواية سعيد خلاصه في حمارٍ ضالّ أصابته رصاصة كان موجهة إليه، ليكون الحمار سبباً في بقائه على قيد الحياة، مشيراً إلى أن الحمار لا يرمز للخلاص فحسب، بل يتحقق به الخلاص نفسه. أما في قصة "خيول" لزكي درويش، فيتناول الفصل حكايتين منفصلتين؛ الأولى عن حصانٍ يرفض التخلي عن رغبته الطبيعية في التوقف عند فرس، فيقتله صاحبه، ليبقى الح
الأشخاص
الفصول(10)
1.مقدمة: من عدم الثقة الراديكالي إلى الطليعة الدراويشية10–36▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التمهيدي سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت الانتفاضات العربية، والثورة المصرية بشكل خاص، تمثل قطيعة معرفية مع الحداثة الغربية القائمة على أنوارية علمانية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذه الثورات تمثل شكلاً من أشكال "الراديكالية الإبداعية" التي تختلف جوهرياً عن "تطرف" الجماعات المتطرفة، وذلك عبر كشف الزيف الذي تبنيه سياسات "الازدواجية" أو "سياسة الشبيه" (Doppelganger Politics) التي يخلقها الخطاب النيوليبرالي. يرى المؤلف أن هذه السياسات تخلط عمداً بين الراديكالية اليسارية والتطرف اليميني لخدمة أغراض أيديولوجية، وأن الانتفاضات تكشف حقيقة هذه الخدعة من خلال إحياء قيم جماعية وأخلاقية أصيلة.
يبدأ المؤلف بتحليل الخطاب الذي سبق هجمات 11 سبتمبر، ويشير إلى كتاب "الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر" الذي حرره بنيامين نتنياهو عام 1986. في هذا الكتاب، يرى المؤلف محاولة مبكرة لصياغة "حرب على الإرهاب" قبل ظهور تنظيم القاعدة، حيث يُختزل الصراع في معركة بين "الإنسانية واللاإنسانية" وبين "الخير والشر"، مع تجاهل تام للسياقات السياسية لحركات التحرر الوطني مثل منظمة التحرير الفلسطينية أو المؤتمر الوطني الأفريقي. يشير المؤلف إلى أن هذا الخطاب يهدف إلى نقل عداء الحرب الباردة من الشيوعية إلى الإسلام، وتكريس شرعنة رفض الاعتراف بالنضال الفلسطيني، ويضرب مثالاً على ذلك بتجاهل الكتاب لمجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 والتي راح ضحيتها حوالي 3000 لاجئ فلسطيني، بينما ينشغل مؤلفوه بتغطية إعلامية "غير كافية" لأعمال إرهابية أخرى.
ينتقل المؤلف بعدها إلى تأسيس نظريته حول "سياسة الشبيه"، مستعيناً برواية "دكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت لويس ستيفنسون. يرى المؤلف أن النيوليبرالية تعمل بمنطق الانقسام هذا: وجه "جيكل" يتمثل في الفردانية المفرطة والمسؤولية الذاتية، بينما وجه "هايد" يتمثل في السلوك المعادي للمجتمع القائم على الجشع والافتراس. هذا الانقسام يتجسد مكانياً في "المجتمع المسوّر" (Gated Community) الذي يبني حصونه ليعزل نفسه عن "الأحياء الفقيرة" التي يولدها هو نفسه. يرى المؤلف أن إسرائيل بأكملها يمكن فهمها كنموذج لمثل هذا المجتمع المسوّر، الذي يرفض تحمل المسؤولية عن الفلسطينيين كشعب غير مرغوب فيه، محولاً بذلك فكرة "الملاذ الآمن" إلى امتياز خاص.
يحلل المؤلف بعد ذلك كيف تم تحريف مصطلح "الراديكالية" نفسه، مشيراً إلى أن خطاب "التطرف" (Radicalization) هو ابتكار حديث لإدارة بوش، يهدف إلى خلق صناعة كاملة من الخبراء في خدمة سلطة الدولة، وتجريم أي معارضة جذرية. يستعرض المؤلف نقاط التقاء غير متوقعة بين إيمانويل كانط وسيد قطب، فكلاهما يدعو إلى "الجرأة على المعرفة" ويرى في التحرر من الخضوع لإرادة بشرية أخرى شرطاً للكرامة الإنسانية. لكنه يبين كيف أن هذه الأفكار انحرفت: فكانط أدى إلى النيوليبرالية حيث يصبح السوق هو الإله الجديد، بينما قطب، الذي ينتمي لتيار الإخوان المسلمين، تحول إلى داعية للراديكالية الإسلامية التي تشبه في بنيتها Commodification للإسلام، وتستخدم مفردات رأسمالية مثل "سوق الله". يخلص المؤلف إلى أن النيوليبرالية والإسلاموية المتطرفة هما وجهان لعملة واحدة، كلاهما يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ويرفض التعايش مع الآخر.
ينتقل المؤلف لتقييم "القطيعة المعرفية" التي تمثلها الانتفاضات، معتمداً على نقاشات حول معاني الجذر اللغوي لكلمة "جاهلية". يوضح أن الترجمة الشائعة لكلمة "جاهلية" بأنها "جهل" هي ترجمة غير دقيقة، فالمعنى الأصلي يرتبط بـ"الهمجية" والسلوك المتطرف القائم على الكبرياء الجريح. هذا الفهم الجديد يقود المؤلف إلى تصور المعرفة كـ"علامات طريق" (Way signs) كما يشرح فرانز روزنتال، وهي إشارات إرشادية تعين على التوجيه، ويقابلها المعرفة الشعرية كشكل أعلى. يرى المؤلف أن الثورات العربية، وبخاصة المصرية، استعادت هذا المعنى الأصيل للمعرفة والعالمية، من خلال "أدب الميدان" و"مدنية" التعامل التي تميزت بها، وهي مدنية تختلف عن "الصوابية السياسية" الغربية الجامدة، فهي قائمة على التواصل والاعتراف بالآخر وليس على فرض الامتثال.
أخيراً، يؤكد المؤلف أن الثورة المصرية تمثل قطيعة معرفية لأنها تتجاوز ثنائية "الأنا والآخر" التي قامت عليها الاستشراقية الهيغلية. فبينما تسعى العقلية الهيغلية إلى استيعاب الآخر وامتلاكه، تعمل الثورة على مبدأ "اللاعنف" وتؤكد على "الترابط" بين الأفراد والجماعة. يستشهد المؤلف بتصريحات ومشاهدات تظهر أن الثورة كانت "علمانية وغير علمانية" في آن واحد، وسياسية وغير سياسية، متوقعة وغير متوقعة. هذا الطابع "اللاثنوي" (Non-dualist) هو ما يجعلها، في نظر المؤلف، عملاً فنياً بحد ذاتها، فهي لم تكن مجرد حدث سياسي، بل تجربة إنسانية شاملة أعادت للأفراد "أرواحهم" وكرامتهم. يخلص المؤلف إلى أن مقاومة الثورة للتصنيفات الغربية تُظهر فشل الأدوات التحليلية التقليدية، وتستدعي مناهج جديدة قادرة على فهم هذه الظاهرة الإبداعية في جوهرها.
2.السياسة كمسرح في حنة أرندت *الوضع البشري*37–59▼ ملخص
يستهلّ الفصل بملاحظة مهمّة حول راهنيّة فكر ميشيل فوكو الذي تساءل في مؤتمر بطوكيو عام 1978 عمّا إذا كنا نشهد نهاية عصر الثورات. لكنّ الكاتبة ترى أنّ الانتفاضات العربية، وتحديداً في تونس ومصر، كذّبت هذا التنبؤ وأحدثت قطيعة معرفية مع أيديولوجيات أواخر حقبة الرأسمالية الغربية. ومع أن بعض المحللين مثل مها السعيد وحميد دباشي تعاملوا مع الربيع العربي بوصفه قطيعة مع الهيمنة الغربية، فقد لجأ آخرون إلى نظريات فيلسوفة أوروبية مثل حنة أرندت لفهم هذه الأحداث، دون تمحيص نقدي للسياقات الفلسفية الألمانية التي شكّلت فكرها. لذلك يقدّم الفصل قراءةً قريبة في كتاب أرندت «الحالة الإنسانية»، بوصفه رؤيةً تتعارض بشكل جوهري مع رؤية الربيع العربي الثورية.
يبحث الفصل في السبب المحتمل للإقبال المتجدّد على أعمال أرندت، وهو انشغالها الواسع بالتأسيس الثوري للديمقراطية السياسية، لكن من موقف غير ماركسي صراحةً. واهتمامها الأساسي هو تجديد الإيمان والثقة في السياسة بعد دمار الحرب العالمية الثانية، مع إشارتها الخاصة إلى الحرب النووية والهولوكوست بوصفهما نصاً فرعياً لا مفرّ منه. تبدأ أرندت كتابها بإقصاء فلسفي صارم للحياة التأملية باعتبارها منفصلة تماماً عن الحياة النشطة التي تنحصر أهميتها فيها. فهي تعتبر الحياة التأملية شأناً صوفياً مرتبطاً بالسلبية والخرس، في مقابل الكلام الذي يحدد الحالة الإنسانية. وبالرغم من بعض التناقض في مواقفها، تسعى أرندت إلى فصل المقدس عن العلماني، والتمييز بين الدين والسياسة تمييزاً يمثل نسختها من الإقصاءات التي قام بها أسلافها الفلسفيون الألمان، ولا سيما هيغل وهايدغر.
يبني الفصل مقارنته على أن هذه الإقصاءات ليست بريئة، فمثلاً استبعد هيغل الثقافات الأفريقية الروحانية من التاريخ واعتبرها «غير إنسانية» لتبرير إدخالها في التاريخ عبر العبودية، كما أسند شخصية أنتيغون إلى المجال العائلي بوصفها إلهة الموقد المنزلي بدلاً من كونها متمردة حرة. أما بالنسبة لأرندت، فهي تستبعد ضمنياً الاتجاهات الروحانية عند سبينوزا الذي قابل حبه للعالم بـ«حب القدر» الذي يعني قبول الواقع كما هو. وقد اعترفت أرندت برسالة إلى هايدغر بأن كتابها «الحالة الإنسانية» يدين له «بكل شيء تقريباً من كل ناحية»، لكنها مع ذلك تختلف عنه في إقصائها للكينونة والميتافيزيقا لصالح ما تسميه «الولادة» مستعينةً بالقديس أوغسطين، لكنها تجرّد هذا المفهوم من محتواه اللاهوتي وتجعله بدايةً ذاتية للإنسان في التاريخ.
تقيم أرندت نموذجها للخلود عبر تقسيم هرمي بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي، فالمجال الاقتصادي أدنى بكثير لارتباطه بالضرورة بدل الحرية. وينقسم هذا المجال إلى العمل الوضيع والتصنيع، فالعمل الوضيع هو أدنى درجة في الحالة الإنسانية، لأنه لا ينتج أشياء دائمة، وبالتالي فهو عمل متكرر لا يظهر له أثر، بينما تجد أرندت قيمة أعلى في عمل «الصانع» الذي ينتج منتجات أكثر متانة. لكن هذه المتانة المزعومة للمنتجات الصناعية في المجتمع الرأسمالي أقل استقراراً مما تظن أرندت، لأن السلع تُستبدل وتُرمى باستمرار. أما «الفاعلون السياسيون» فهم الذين تحرروا من ضرورة الاقتصاد ولا تُستخدم أدواتهم لتحقيق غايات الاقتصاد، وهم القادرون على ترك انطباع دائم عن أنفسهم في مجتمعاتهم من حيث المصير التاريخي.
يطرح الفصل سؤالاً مهماً حول مبرر وجود هؤلاء الفاعلين السياسيين إذا كانوا لا يساهمون في المجتمع من خلال العمل الذي يُتوقع من الآخرين، بل يعتمدون على فائض قيمة عمل الآخرين لكي يكونوا أحراراً في أدائهم. وتجيب أرندت بأن كل إنسان فريد بفضل ولادته، وبالتالي لا يمكن استبداله، لكنها ضمنياً تجعل العمال يتخلون عن تفردهم لصالح أولئك الذين لا يضحون بأنفسهم بهذه الطريقة. وتعتبر أرندت أن «مساحة الظهور» التي يحتاجها فاعلوها السياسيون هي في الحقيقة «مسرح إعادة ظهور» تستطيع فيه الإنسانية أن تقدّر وتقدّس نفسها. ويقارن الفصل بين فاعلي أرندت السياسيين والمشاهير، فهؤلاء يُعرفون بشكل أساسي بأدائهم لأنفسهم فقط، مثل الأميرة ديانا التي عرضت تفاصيل حياتها الخاصة، بينما تحافظ الملكة إليزابيث على مسافة بينها وبين دورها.
يعالج الفصل بعد ذلك العلاقة بين نظرية أرندت وفكرة المسرح السياسي عند الفاشية، مستشهداً بتحليل سيباستيان هافنر الذي يرى أن الفاشية لا تحتوي على محتوى أيديولوجي، وأن سياسة هتلر هي «استعراضية سياسية» بامتياز، فالنازيون يقدّرون «النشاط العنيف» و«الهوس بالحركة» و«فعل الفعل». ويرى الفصل أن أرندت تشترك مع هايدغر في رعبها المتعجرف من الكتلة غير المتبلورة للقوى العاملة الرأسمالية التي يسميها هايدغر «الهم». ويعود الفصل إلى ما يسميه «الخداع القاتل للمثالية الألمانية»، وهو محاولة إدخال ما تم إقصاؤه من الخلف، أي الصوفي والديني، وتحويله إلى ملكية إنسانية علمانية. فكل من نيتشه وهايدغر يبحثان عن خلاص غير ديني، وخلود يُعاد تقديمه بوصفه ملكاً للإنسان العلماني، وهذا ما يفسر تقارب هايدغر مع النازية بوصفها بدايةً جديدة، بينما يُظهر نيتشه نفسه بوصفه زرادشت النبي لبداية جديدة في الإنسان الأعلى.
يتقصى الفصل أصول مفاهيم أرندت غير المعترف بها، فيشير إلى أن كتابها صدر بعد ثلاث سنوات من محاضرات أوستن عن «كيف ننجز الأشياء بالكلمات» في بيركلي عام 1955 حيث كانت أرندت أستاذة زائرة، وأن نظرية أفعال الكلام الأدائية تطابق فكرة أرندت عن الخطاب السياسي بوصفه تحقيقاً لذاته. لكن الفرق هو أن الأمثلة التي يقدمها أوستن لأفعال الكلام الأدائية تتعلق بالسلطة الاحتفالية والمؤسسية، بينما عند أرندت فإن الفاعل السياسي يظهر وكأنه الشخصية في مسرحية بلا مؤلف، وأن الفرد الذي يؤدي الدور لا يختلف عن الدور الذي يؤديه. ويشير الفصل أيضاً إلى أن أرندت تستعير مفهوم «المنبوذ الواعي» من برونو لازار، ومفهوم «التراث الضائع للثورة» من أطروحات والتر بنيامين، وأشهر مفهوم لديها «تفاهة الشر» يستند بشكل كبير على أبحاث راؤول هيلبرغ الذي اتهمها بالسرقة الأدبية.
يقترح الفصل أن كلمتها المفتاحية الأساسية قد تكون «التعايش»، فالسؤال الذي طرحته في محاضراتها هو كيف يمكن للناس أن يعيشوا معاً. بيد أن هذا السؤال يفشل عندما تستبعد الحياة التأملية حيث سيكون الصوفيون والمؤمنون والفلاسفة والشعراء في وضع «الزائد عن الحاجة» بشكل خطير، وهذا يتناقض مع تعريف أرندت نفسها للشر الجذري بأنه «جعل البشر زائدين عن الحاجة كبشر». ويشير الفصل إلى أن ما يجمع الشيوعية والفاشية في تشكيلاتهما الشمولية هو إنكار أو تقليص العفوية البشرية وعدم السماح بأي إبداع خارج عن السياسة. وفي مقابل ذلك، يستشهد الفصل بألبرت أينشتاين الذي يرى في محبة القدر أساس الإنجازات العلمية، ويؤكد أن الحقيقة تتجاوز العقلانية الإنسانية، فالفيزياء الكمومية مثلاً تظهر أن الواقع ليس عقلانياً، وقد تبنى نيلز بور رمز الطاويين بينما اعتنق إرفين شرودنغر الهندوسية.
يتناول الفصل قصيدة أودن في رثاء ييتس التي يقول فيها إن «الشعر لا يجعل شيئاً يحدث»، فالشعر ليس فعلاً بالكلمات، لكنه مع ذلك مصدر بهجة ومدح لا يُنكر عيوب البشر، وهو أشبه بالنهر الذي يتدفق، وهذا قريب من قول لاوزي إن «أعلى فضيلة مثل الماء» التي تنفع الجميع دون صراع. وقد أعجب أودن بكتاب أرندت وراجعه، لكنه اعترض على عدم تاريخيتها في تطبيق المجتمع اليوناني القديم على الحاضر، ورأى أن الانقسام اليوناني بين الخاص والعام قد انعكس في العالم الحديث. وفي مقال لاحق، يفضّل أودن شخصية فالستاف على الأمير هال في مسرحية شكسبير «هنري الرابع»، فالستاف الذي يعيش في حاضر أبدي هو شخصية المحبة والعطف والتسامح، وهو أقرب إلى معنى «حب العالم» من القائد السياسي المستقبلي. وقد ردت أرندت على أودن قائلة إنها «متحيزة ضد المحبة» لأنها ترى أن المغفرة ليست مسألة مشاعر بل أداءً يحفظ ماء وجه الطرفين.
ينتقل الفصل في النهاية إلى بيان كيف أن الانتفاضات العربية قلبت نموذج «الحالة الإنسانية» رأساً على عقب. فمن ناحية، كان أحد دوافع الربيع العربي هو سأم الناس من الفاعلين السياسيين الذين يصرّون على بقائهم في السلطة وكأنهم خالدون، مثل مبارك الذي حاول توريث السلطة لابنه جمال، وبشار الأسد الذي ورث السلطة عن أبيه حافظ، والقذافي الذي كانت استمراريته السياسية هي كل شيء، وعلي عبد الله صالح الذي كان يهيئ ابنه أحمد للخلافة. ومن ناحية أخرى، طالب الثوار بالحق في عزل القادة الذين يعتبرون أنفسهم لا يمكن استبدالهم بينما يعاملون القوى العاملة كشيء يمكن التخلص منه، وهو ما عبرت عنه نكتة مصرية ساخرة هي «مبارك يطالب بتغيير الشعب». كما اعترض الثوار على الفاعلين السياسيين الذين يتجاهلون ضروريات الحياة، ليس فقط الخبز بل الكرامة أيضاً، فالسياسة عندهم هي أيضاً وظيفة يفشل القادة في أدائها.
أخيراً، يؤكد الفصل أن الثوار رفضوا الخطاب السياسي الذي يلزمهم بأداء عالم «كما لو»، والتفتوا إلى التعبير الإبداعي من أغانٍ وشعر وجداريات وحكايات. وقد استلهم التعبير الإبداعي في ميدان التحرير روح الموالد الصوفية، بينما استلهم الفنانون السوريون أغاني «العرادة» في الأعراس التقليدية. فما حققته الثورة هو الانقلاب على نموذج أرندت: لم يعد الفاعلون السياسيون هم الخالدون، بل قداسة الحياة نفسها كما تتجلى في مراسم الشهداء واحتفالات المولد. وهذا لا يعني استبدال السياسة بالدين أو الخلط بينهما، بل يعني أن للاجتماعي صوته التجريبي الخاص الذي يطالب بالمساءلة الأخلاقية لمن يملكون السلطة. ففي السياق المصري، تمثل كلمة «بيوس» الوعي الجماعي والقصة المشتركة للشعب التي تؤكدها التعابير الجمالية والثقافية، بينما تمثل «زوي» قداسة كل حياة فريدة، على عكس رؤية أرندت للجماهير الحيوانية. ولا يمكن استبعاد المقدس في السياق المصري لأن الغالبية العظمى من المصريين متدينون، والصوفية بشكل خاص موقوفة على رؤية التسامح بين الأديان والسلام العالمي والقيم التي تتوافق مع مفاهيم التعددية والتعايش، وقد أشار تشارلز هيرشكيند إلى أن الانتفاضة المصرية تحدت التصنيف وفق ثنائية الديني والعلماني. كما أن صعوبة تطبيق أرسطو على المجتمعات المعاصرة تكمن في أن «المجتمع السياسي» عنده كان يشير إلى الدولة المدينة، بينما نتحدث اليوم عن الأمة بوصفها عالم تعايش الشعب.
3.خطابات الأصالة وحسن النية الشعرية: الجزائر، إسرائيل وسوريا60–78▼ ملخص
يطرح هذا الفصل قضية محورية تتعلق بفساد اللغة واستغلالها سياسياً في سياقات ما بعد الاستعمار والصراع، مركزاً على كيفية تحول خطابات "الأصالة" إلى أدوات للقمع والتبرير الأيديولوجي. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن مقاومة هذا الفساد لا تكمن في خطاب سياسي بديل يقع في نفس الفخ، بل في ما يسميه "الإخلاص الشعري"، أي ممارسة أدبية ولغوية تحافظ على حسن النية وتقاوم تجنيدها من قبل السلطة، وذلك من خلال أسلوب سلبي يلتزم بالصمت ذي المعنى والتقليل من الكلام الزائف.
يسير الفصل في خطوتين رئيسيتين. أولاً، يحلل الانتقادات الموجهة لتسلط ما بعد الاستعمار من خلال أعمال الكاتبة الجزائرية آسيا جبار في مذكرتها "البياض الجزائري" (1995) والشاعر الزيمبابوي تشينجيراي هوف في قصائده ومقالاته (1985-2002). يكشف المؤلف كيف يصور كلا الكاتبين "مسرحة" السياسة التي توظف خطابات الأصالة بطريقة سطحية، مستشهداً بمقالات هوف التي تنتقد "الثرثرة الفارغة" للسياسيين الزيمبابويين الذين يصفهم بأنهم بلطجية ينتحلون صفة المنقذين، ومقارناً ذلك بأمثلة من نص جبار عن "المسرح السياسي الجوف" في الجزائر الذي يستغل تأبين المثقفين القتلى، وبخاصة أولئك الذين اغتيلوا خلال أحداث 1993-1994 مثل الطاهر جاووت. ويشير إلى أن هذا الانتقاد يستند إلى أفكار فرانز فانون حول فشل البرجوازية الوطنية التي تحكم بالقوة والخطاب الجوف بدلاً من التنمية الحقيقية.
يستعرض الفصل بعد ذلك الحجج من خلال تحليل نقدي للخطاب الإسرائيلي كما يراه الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في سياق حركة المقاطعة (BDS)، والخطاب السوري الاستبدادي. ينتقد المؤلف بشدة خطاب الكاتبين أميتاف غوش ومارغريت أتوود عند قبولهما جائزة دان الإسرائيلية عام 2010، معتبراً أن دفاعهما عن حرية التعبير كذريعة لقبول الجائزة هو "يافطة أصالة" زائفة تجسد "قتل الكلمات" (verbicide)، وهو مصطلح يستخدمه البرغوثي لوصف تحويل اللغة إلى أداة لإضفاء الشرعية على العنف الجماعي وتشويه صورة الفلسطينيين، مستشهداً بأمثلة على خطاب كراهية صادر عن إسرائيليين. وفيما يتعلق بسوريا، يناقش الفصل "مسرح العبادة" للرئيس حافظ الأسد كما حلله ليزا ويدين، وكيف يستمر هذا النمط من الطاعة المصطنعة مع خلفه بشار الأسد، ويشير إلى أن هذا المسرح هو شكل من أشكال "الشعبوية القسرية" التي تسرق لغة النضال (الحرية، الكرامة) وتفرغها من محتواها.
لتطوير هذه الحجج، يقدم المؤلف أمثلة أدبية محددة كأدلة. يستشهد بقصيدة هوف "لن أهدركم/ مثل الكلمات في قصيدة" ليوضح فكرة الأسلوب الأدبي المقتضب الذي يشير إلى ما هو أسمى وأصدق خارج نطاق التعبير المباشر، وهو ما يسميه لاحقاً "الشعرية السلبية". كما يحلل بالتفصيل قصيدة البرغوثي "بلا رحمة" التي تصور جندياً يعزف على هارمونيكا أغنية حب تسبق القتل، ليبين كيف أن الأغنية الصادقة يمكن أن تتحول إلى تبرير للعنف إذا أُخضعت لمنطق الحرب، وأن الشعر الحقيقي يجب أن يكشف هذا التناقض. كما يقدم قصيدة الشاعرة الفلسطينية رفيف زيادة "إن كانت كلماتي" كمساحة للتواصل الإنساني، حيث تتواصل معاناة غزة بالكلمات التي ترفض أن تكون مجرد شعارات، محققةً بذلك ما يسميه "الإخلاص الشعري".
يقر المؤلف في الفصل بحدود تحليله وتحفظاته، مشيراً إلى أن جبار تستخدم أحياناً لغة "مترفة" قد تقع في فخ ما تحاول مقاومته، وأن مصطلحاتها مثل "الكلمة الداخلية" قد تكون عرضة للاختطاف من قبل الخطاب الذي تنتقده. كما يعترف بأن مناقشة مقاطعة إسرائيل معقدة، وأن المطلوب ليس عزل إسرائيل كدولة مارقة، بل إيصال رسالة تفيد بأنها تعزل نفسها بنفسها بسياساتها العنصرية. ويترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى كون المقاومة الإبداعية "سياسية" بحد ذاتها. من بين الحجج القابلة للنقاش، يقدم المؤلف نقداً لاذعاً لموقف أتوود وغوش، متهماً إياهما بالنفاق وتبني موقف "الضحية" الزائفة، وهي قراءة قاسية لكنها مبنية على تحليل نصوصهما بدقة.
4.من النداءات الهيمنية إلى علامات ثورية أو *أمارة*79–101▼ ملخص
يُفنّد هذا الفصلُ القراءةَ التي يقدّمها جوديث بتلر للثورة المصرية (والانتفاضات العربية عمومًا) في كتابها ملاحظات نحو نظرية أدائية للتجمّع. ينتقد المؤلفُ محمود حسين (أو الكاتب المُحرَّر تحت هذا الاسم) هذه القراءة بوصفها ترجمةً أيديولوجيةً تُخضع الحدثَ الثوري لنظرياتٍ مسبقة، بدلًا من الإنصات لتجارب الناس الحية ومعانيهم الثقافية. يرى الكاتب أن بتلر، بسبب انشغالها النظري، ترتكب أخطاءً واقعية (مثل نسبتها ثورة ميدان التحرير إلى تونس أو تاريخ 2009) مما يدل على بُعدها عن تفاصيل الحدث، وأنها تستخدم الثورة كفرصة لاختبار نظرياتها حول العبور الجندري والهشاشة، بالاقتران مع فلسفة حنة آرنت السياسية، بدلًا من فهم ما يعنيه الانتفاض للمصريين أنفسهم.
يبدأ الفصل بنقد الأساس الفلسفي لنظرية بتلر، التي ترى أن النوع الاجتماعي يُفرَض علينا عبر "نداءات هيمنية" (أو إقصاءات) تُكسِبنا فهمنا لذواتنا، وأن الأجساد شبه صامتة ولا تتحدث إلا عبر النصوص التي تمليها المعايير. يرى المؤلف أن هذا الموقف يقوم على ازدواجية صارمة بين العقل والجسد، وهي ازدواجية يرفضها، مقترحًا أن الوعي والتجربة الحسية يعملان معًا منذ الولادة، فيمكننا بالتالي مقاومة السلطة من خلال فهمنا التجريبي، وليس فقط عبر استيعاب المعايير. ويضرب مثالًا على ذلك بأن تصريح القابلة عند الولادة "إنه ولد" هو إشارة إلى حقيقة قائمة لا فعلٌ مؤسِّسٌ لنظام قواعدي قمعي، معارضًا بذلك نزعة بتلر المضادة للتأسيس، والتي يجدها تتناقض مع اهتمام آرنت بالـ"مولودية" (الولادة وما تُعطيه للفرد).
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فرضية بتلر الأساسية بأن المعركة تخص "الحق في الظهور"، وهو ما يتجلى في حالة الأشخاص العابرين جندريًا الذين يتعرضون لخطر الهجوم لخروجهم عن المعايير. يرى المؤلف أن هذه الفرضية تحمل معنى ضمنيًا بالاستسلام للاعتراف الليبرالي القائم على التسامح، وهو ما يختلف جذريًا عن مطالب الثوار المصريين. يحلل الفصل مفهوم "الاستبداد الجندري" (أو التسلط الجندري)، أي الإيمان الحرفي والقاطع بالمعايير، مقابل التقويض الإبداعي لها، مستخدمًا التمييز بين رواية رادكليف هول بئر العزلة التي تأخذ المعايير على محمل الجد، ورواية فرجينيا وولف أورلاندو التي تسخر منها. ويقترح أن نوبات الهستيريا عند النساء في نهاية القرن التاسع عشر قد كانت استجابةً لهذا الاستبداد الجندري، حيث عبرت الأجساد عن ألمها ورغبتها في التمرد عبر أعراض صامتة عندما مُنع الكلام الصريح.
يُبرز المؤلف المفارقة في أن بتلر، التي تنتقد الهيمنة، تصف الثوار المصريين دائمًا بأنهم "أجساد"، مما يجردهم من عقولهم وأرواحهم ويختزلهم في صورة كائنات شبه صامتة. يجادل بأن هذا يشبه نظرية الثورة كهستيريا جماعية، وأن هذا الإصرار اللغوي يعكس وجهة نظر تلفزيونية بعيدة عن الواقع، مشابهة لبرامج "الواقع" مثل بيغ براذر، حيث يعتبر النشطاء في الميدان عارضين لاحتياجاتهم الخاصة أمام الكاميرات، وزاعمًا أن السبب الحقيقي للمكوث في الساحة هو صعوبة التنقل في مدينة مكتظة مثل القاهرة وضرورة إبقاء الميدان محتلًا لمنع سيطرة الجيش عليه. ويستشهد بشهادات وأقوال مصرية، مثل وِئام التمّامي، التي تؤكد هوةً شاسعة بين ما تعرضه وسائل الإعلام وبين الواقع المعاش، مشبهةً ما تبثه بالـ"إباحية الدراما واليأس". كما يستشهد بالفنان والكاتب علاء الأسواني الذي رأى في ميدان التحرير "مصريين جددًا"، وحسن الجريتلي الذي شبه هرم السلطة بأنه انقلب رأسًا على عقب.
يقدّم المؤلف تجربته الشخصية في هاراري (قبل الاستقلال) وفي مصر ما قبل الثورة، ليدعم فكرة أن الثورة المصرية كانت تجربة تحويلية بهيجة استعاد فيها الناس كرامتهم وروحهم، على عكس وصف بتلر لهم بأنهم كائنات هشة. ويؤكد على أن الحرية والكرامة التي شعر بها المصريون، كما يروون هم أنفسهم، هي الأساس في فهم الحدث، مشيرًا إلى أن "الروح" و"الفكر" و"الصلاة" كانت حاضرة في الميدان، بخلاف نظرية آرنت التي تستبعد "الحياة التأملية" لصالح "الحياة السياسية الفاعلة". من هذا المنطلق، يقترح أن الفصل بين السياسة والبيوبوليتيك (إدارة الحياة) كما تفهمها بتلر، غير كافٍ لفهم الثورة، لأن الثوار لم يعرضوا عجزهم وإنما أكدوا وجودهم كحضور وطني ضروري.
يتناول الفصل البدائل المقترحة لفهم التجمّع الثوري بدلًا من نموذج بتلر. يطرح مفهوم "إلقاء التحية الفوضوي" أو "الاعتراف العفوي" كوسيلة للتعارف تتجاوز النداءات الرسمية المنبثقة من السلطة، حيث يعتمد هذا المفهوم على الاعتراف المتبادل في لقاء حقيقي بين الأفراد، دون أن تفصله أي مرجعية أو قالب مثالي. ويضرب أمثلة من تجاربه الشخصية (مثل وصفه بأنه "باول" من قبل عالم أنثروبولوجيا هندي، أو اعتراف مقاتلات إريتريات به كواحد منهن) ومن فيلم إي. إم. فورستر رحلة إلى الهند، ليؤكد أن هذا النوع من الخاطفة/التحية يكشف عن أواصر خفية تجمع البشر عبر الحدود والاختلافات، بعكس "النداء الهيمني" الذي يقسمهم ويصنفهم في جماعات متجانسة.
يتعمق الفصل في مفهوم "الأمارة" كما طرحه الباحث أيمن الدسوقي في كتابه، لشرح كيف تتواصل الحركات الجماهيرية خارج الأطر الرسمية. تُعرَّف "الأمارة" بأنها "قوة جمالية جماعية" تجمع بين الإحساس بالصدى وأخلاقيات التضامن، وتشتق أصلها من معنى "الحجارة في الصحراء القاحلة" التي تستخدم كعلامات ومواقع إرشادية. يرى المؤلف أن هذا المفهوم يشبه "العلامة الإشارية" (ostensive sign) في الفلسفة التي تشير إلى الواقع دون أن تمثله أو تؤديه. ويجادل بأن الثورة المصرية سبقتها علامات وأمارات كثيرة، من أغاني الراب إلى الجرافيتي إلى منشورات التواصل الاجتماعي، كلها تشكلت بشكل تراكمي كنداء روحي ووعد بموعد، وساعدت الناس على التفاهم مع بعضهم البعض خارج إطار الدولة.
يقدّم الفصل تحليلًا لظاهرة "لا الهتاف، لا التشاؤم" (أو روح التحدي التي ترددت في الميدان) كجزء من هذه العلامات الإشارية. ويشير إلى أماكن مثل دار نشر ميريت التي كانت أشبه بغرفة عمليات إبداعية للتحضير للثورة، حيث كانت تتناقل فيها النكات والأشعار والأخبار المهمة في جو من المؤامرة والترقب، وكأنها "خيوط لعبة بحث عن كنز" جماعية. هذا الأسلوب في التواصل ما قبل الثورة، وما أفرزه من رموز وأهازيج خلالها، يؤكد قدرة الناس على فهم شؤونهم المشتركة وتقييمها والاتفاق على مطالبهم دون الحاجة إلى وسيط نظري أو سياسي، بل من خلال تقليد ثقافي حي من الشعر والقصص.
في الختام، ينتقد الفصل محاولة بتلر تطبيق نظرية "العبور الجندري" على الثورات العربية، ويؤكد أن ذلك يشكل قفزة نظرية غير مبررة. فالعبور الجندري، كما تحلله بتلر، يعتمد على "ذاتية النفي" أو "الاستنتاج الذاتي اللغوي" الذي يختار الفرد من خلاله هويته، بينما الثورات العربية تقوم على مطالب جماعية مادية وسياسية، وتستمد قوتها من واقع تاريخي واجتماعي وليس من تأكيد فردي للذات. ويرى أن خلط هذه الأمور يضعف فهمنا لكل منهما، ويحصر التحرر في نطاق الفرد والاعتراف المؤسسي، متجاهلًا البعد الجماعي والجذري للعدالة الاجتماعية وتقرير المصير.
ينتهي الفصل بمناقشة أدبية وفلسفية للتأكيد على الفرق بين "النداء الهيمني" و"الأمارة"، وبين "الأداء الحرفي" و"الإبداع التخييلي". يستشهد بمقارنة تجري في الكتاب بين رواية Antigone عند بتلر، التي تعتبر أن شخصية أنتيجون تسعى للاستيلاء على السلطة الذكورية، وتفسير المؤلف لها بأنها تقف ضد التسييس اللامحدود وتلتزم بالصلابة (الصمود) والوفاء للروابط الأسرية القائمة على الولادة لا على الاختيار، وهذا يجسد الأمارة ضد منطق السلطة القائم على النفعية. هذه المقارنة التوضيحية تؤكد أن الثورة الحقيقية تعيد الاعتبار لما هو مشترك وإنساني وقديم، بدلًا من الانصياع لمنطق القوة أو محاولة محاكاتها.
5.خيبة الأمل المزمنة والإذلال والنخبوية المنبوذة في الرواية العربية102–121▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الظروف النفسية والوجدانية التي تدفع الأفراد نحو التطرف الثوري أو الراديكالي العنيف، مقدماً إجابة مفادها أن الأدب، وبخاصة الرواية العربية، يقدم مدخلاً لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق من التحليلات الإيديولوجية التقليدية التي تركز على محتوى المعتقدات أو الهوية. ينتقل المؤلف من فكرة أن الأدب ينتبه إلى الذاتية والتجربة المعاشة، ليركز على مفهومين أساسيين هما «خيبة الأمل المزمنة» و«الإذلال»، وكيف يقودان إلى ما يسميه «النخبوية المنبوذة»، وهي حالة نفسية يشعر فيها الفرد بأنه مختار ومتفوق روحياً بسبب معاناته ورفضه من قبل المجتمع، مما يدفعه نحو التطرف.
يبدأ الفصل بتحليل رواية «عمارة يعقوبيان» لـعلاء الأسواني (2002)، متتبعاً قصة الشاب «طه» ابن البواب الذي يحلم بالالتحاق بكلية الشرطة لتحسين وضعه الطبقي، لكنه يُرفض في المقابلة النهائية بسبب أصل والده الاجتماعي المتواضع. يصف المؤلف هذا الرفض بأنه «خيبة أمل مزمنة» ليست مجرد إحباط عابر، بل هي إدراك بأن نظام الترقية الاجتماعية في المجتمع «غير أصيل» وأن مبادئه الديمقراطية مجرد «مهزلة». ينتقل طه بعدها إلى جامعة القاهرة حيث يشعر بالدونية والمحاكاة المزيفة لأقرانه من الطبقة الوسطى، ليجد في الجماعة الإسلامية على الحرم الجامعي ملاذاً نفسياً، حيث يتم التلاعب برغبته في «الاختيار» و«التعيين»، ليصبح إيمانه بأنه «مختار الله» تعويضاً روحياً عن رفضه الاجتماعي، وهو ما يسميه المؤلف «النخبوية المنبوذة».
يعقد المؤلف مقارنة مثيرة للاهتمام بين حالة طه وحالة الشباب اليهودي في رواية تيودور هرتزل «البلد القديم الجديد»، حيث يعاني هؤلاء الشباب من نفس نمط خيبة الأمل المزمنة بسبب معاداة السامية التي تجعلهم غير قابلين للتعيين رغم كفاءتهم العلمية، مما يشير إلى أن هذه الظاهرة النفسية ليست حكراً على سياق عربي أو إسلامي، بل هي ميل إنساني عام. يهدف المؤلف من هذه المقارنة إلى نقد النظرة التي تُذهب الآخرية في التعامل مع التطرف، سواء كان صهيونياً أو إسلامياً، محاولاً إبراز الجذور المشتركة لهذه الظواهر في التجربة الإنسانية.
يستشهد المؤلف بأدلة اجتماعية وسياسية تدعم أطروحته، مثل تصريح محمد أبو الغار عن شعور الطلاب بأنهم «مسحوقون تماماً» في الجامعة المصرية، ومقابلة مع المدونة رحاب بسام (2010) التي تصف حالة الترصد الدائم للفشل. كما ينقل عن سامح نجيب أن فترة الانتظار بين التخرج والحصول على عمل طالت من ثلاث سنوات في 1979 إلى عشر سنوات في 1985، محفزةً الخريجين الفقراء على الانضمام للحركات الإسلامية. يُدخل المؤلف بُعداً اجتماعياً بتعليق مونا أباظة على تناقض ثقافة الأحياء الفقيرة مع ثقافة الفنادق الدولية في القاهرة، مشيراً إلى أن هذا التناقض يرفع التوقعات والآمال ثم يحطمها، مما يجعل الحداثة نفسها تُختبر كتجربة رفض وإحباط، لا كقيمة حضارية.
ينتقل الفصل إلى رواية «اليوم الذي قُتل فيه الزعيم» لـنجيب محفوظ (1985)، معتبراً أنها تمثل بدايات هذا الإحباط المزمن مع سياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات. تدور الرواية حول شابين، «علوان» و«رندا»، تحطم حلمهما في الزواج بسبب الرواتب الهزيلة، فيستغل مديرهما «أنور» ذلك ليتزوج رندا، لكنها تعيش معه تجربة إذلال وخيبة أمل شديدة. يصل الفصل إلى ذروته بجريمتين متزامنتين: اغتيال الرئيس السادات على يد إسلامي، وقتل علوان لمديره، في إشارة رمزية إلى أن الإرهاب السياسي والجريمة الفردية يولدان من نفس مناخ الإحباط والعار الاجتماعي، وأن الإحباط المزمن في عصر مبارك له جذوره في إخفاقات الانفتاح الاقتصادي الساداتي.
يتحول الفصل بعد ذلك إلى الأدب الفلسطيني، مركزاً على رواية «ما تبقى لكم» لـغسان كنفاني (1966)، والتي يرى فيها المؤلف صدىً لرواية محفوظ من حيث البنية السردية متعددة الأصوات والذروة المزدوجة. تدور الرواية في مخيم للاجئين في غزة، حيث يعاني «حامد» من عار عدم قدرته على حماية والده أو الانتقام له من الإسرائيليين، ويحمل مشاعر ازدراء تجاه أخته «مريم» وزوجها «زكريا». تصور الرواية الزمن كثقب أسود من الانتظار والفراغ، والحياة كمصادرة مؤجلة، في حين يمثل «الصحراء» حضوراً روحياً أبدياً متزامناً مع الزمن، يرمز للوجود المتجذر الذي انقطع عنه الفلسطينيون. يرى المؤلف أن حامد يعاني من إسقاط عاره على الآخرين، وأن شعوره بالخزي ينبع عجزاً عن حماية الآخرين من المعاناة، وهو ما يربطه بتجربة بريمو ليفي في معسكرات الاعتقال حول عار الناجين، وبرواية «الطريق إلى بئر السبع» لـإيثيل مانين (1963) التي تصور تفاصيل إذلال الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم.
يقدم المؤلف تفسيراً مفتوحاً لنهاية الرواية، حيث يحدث القتل المزدوج المتزامن بين مريم لزوجها وحامد للجندي الإسرائيلي، أو إمكانية أن يكون حامد هو القتيل في النهاية، أو أن يكون قد تخيل قتل زكريا عبر أخته. يشير إلى أن الرواية تطرح إمكانيات متعددة ومتزامنة للحياة والعمل، بدلاً من المسار الواحد الذي يفرضه المنطق الزمني الخطي للاستعاضة والاستبدال. يخلص إلى أن الرواية تصور الفلسطينيين وقد استوعبوا ديناميكيات «المصادرة» و«الاستبدال» التي فرضها النكبة عليهم، وأن الطريق للخروج من هذه الورطة يتطلب إعادة الاتصال بالبعد المتزامن للوجود، وهو ما يرمز إليه الصحراء.
يختتم الفصل بتحليل قصة كنفاني القصيرة «في جنازتي»، التي تصور إحباط شاب يكتشف أنه سيموت قبل أن يعيش، ويصف شعوره بالتميز والارتقاء الفريد كوسيلة نفسية للتعويض عن هذا العذاب، لكنه يعترف بأن «الحقيقة شيء آخر». ينتقل بعدها إلى رواية «الحب في المنفى» لـبهاء طاهر، والتي ينتقد فيها الأب ابنه المتطرف الذي يتبنى أخلاقية تفوق روحي، مقارناً إياه بكل من يعتقد أنه «شعب الله المختار» أو «أفضل من الآخرين». يربط المؤلف هذا المفهوم بفكرة «المسلم الخارق» عند فتحي بن سلامة، خاتماً بالتمييز بين خيبة الأمل التي تؤدي إلى «النخبوية المنبوذة» وبين الحاجة الإنسانية الحقيقية للتلاقي والتعارف، مقترحاً أن «الملتقى» الحقيقي للمحبَطين هو في الميدان الثوري، وليس في العزلة النخبوية.
يعترف الفصل بحدوده من خلال الإشارة إلى أن هذه الدراسة تطرح مسارات قد تؤدي إما إلى الاحتجاج الثوري أو إلى التطرف العنيف، من دون حسم هذه المفارقة بشكل قاطع. كما يقرّ بأن علم نفس الإرهاب لا يتبع مساراً نمطياً محدداً، ويشير إلى حالات مختلفة من الإحباط المؤسسي لدى منفذي هجمات متفرقين، معتبراً أن هذا يحتاج مزيداً من التحليل في فصل لاحق. تبقى الحجج المتعلقة بتشابه المسارات النفسية بين شخصيات أدبية مختلفة السياقات، مثل طه وشباب هرتزل، مفتوحة للنقاش حول مدى إمكانية تعميم هذه النتائج الأدبية على الواقع السياسي والاجتماعي المعقد.
6.عبادات الفخر وثقافات الشعبوية اليمينية122–144▼ ملخص
يتمركز هذا الفصل حول فكرة أساسية يطرحها المؤلف، وهي التمييز بين موقفين من مواقف الرد على ظروف الاغتراب والإذلال الإنساني. يرى المؤلف أن "الراديكاليين" (المتطرفين فكرياً) يطالبون بالكرامة الإنسانية العالمية، بينما يرد "المتطرفون" (المتشددون) على مشاعر فقدان القيمة الذاتية أو الإهانة بمطالبة بالفخر أو الشرف لجماعتهم. السؤال المحوري الذي يطرحه الفصل هو ما إذا كان الموقف الثاني (التطرف) يمكن فهمه على أنه فهم خاطئ للموقف الأول (الراديكالية)، أي اعتبار المطالبة بالفخر misinterpretation لحاجة أعمق إلى الكرامة. لاستكشاف هذه الفكرة، ينتقل المؤلف عبر تشكيلات مختلفة من "سياسات الفخر" العرقي والديني، محاولاً كشف القواسم المشتركة بينها، ويخص بالذكر: الفخر الأبيض، والفخر الإسلامي، والفخر الهندوسي، والفخر الصهيوني، تاركاً تحليل الكرامة وثورتها للفصل التالي.
يبدأ المؤلف بمناقشة الانتقال من الإذلال إلى الفخر، مستعيناً بأعمال الباحثين في علم الإنسان. يشير إلى كتاب سكوت أتران "التحدث مع العدو" الذي يخلص فيه إلى أن الصراعات السياسية العالمية ليست صراع حضارات بل انهيارها، وأن ما يحرك الشباب نحو التطرف ليس القضية الدينية بحد ذاتها بل البحث عن التقدير والمكانة، خاصة بين الأقران. كما يستحضر إيفيلين ليندنر التي ترى أن المشكلة ليست صدام الحضارات بل صدام الإذلال، وتميز بين إذلال "الشرف" الذي يتعلق بفقدان المكانة الاجتماعية، وإذلال "الكرامة" الذي يتعلق بنزع الصفة الإنسانية. يضيف المؤلف تمييزاً إضافياً: بينما يتعلق الشرف بالجماعة والأنظمة المعيارية، فإن الكرامة تتعلق بإنسانيتنا المشتركة والرغبة في العدالة والإنصاف، وليس في الاعتراف بالمكانة أو المجد، وهذا يتماشى مع أفكار الفيلسوف أڤيشاي مرغليت وفرهد خسروخافر. ولتوضيح ذلك، يحلل المؤلف حالة سيد قطب، الذي ذهب إلى أمريكا باحثاً عن توافق بين الإسلام والقيم الغربية، لكنه واجه الرفض والشعور بالدونية، فتحول من موقف فلسفي ينشد التكامل إلى موقف يعتبر الغرب حضارة أدنى روحياً، ويعزز الإسلام كهوية في مواجهة "الفخر الأبيض" الأمريكي، مما جعله يدخل في ديناميكية الصدام الذي كان ينكره.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل "الفخر الأبيض" ولغة الموسيقى الخاصة به، مركزاً على فرقة "سكريودرايفر" البريطانية كأب روحي لموسيقى تفوق البيض. يلاحظ المؤلف أن أغاني هذه الفرقة تصور الرجل الأبيض كضحية تناضل لاستعادة أرضها المفقودة، وتلقي باللوم على الهجرة بدلاً من الرأسمالية نفسها. هناك محاولة لعكس الأدوار، حيث يصور المهاجر كمستعمر، ويتم تقليد خطاب حركات التحرر الوطني، كما في أغنية "حرروا أرضي". يرى المؤلف في هذا "مقلوباً" أو انعكاساً: فالرجل الأبيض الذي فقد امتيازاته في الرأسمالية المتأخرة، يشعر بأنه يُدفع إلى مساحة "الاحتجاز" التي كانت مخصصة سابقاً للنساء والأجانب، فيرد بمحاولة تأكيد اختلافه وتفوقه عبر العودة إلى أسلاف أسطوريين وروحانيات مفقودة، مثلما يفعل حزب الله في لبنان. يربط المؤلف هذه الرومانسية بالحنين إلى ماضٍ قبل رأسمالي، كما في شعر عزرا باوند، ويقارنها بمعارضة جيمس جويس لهذه النزعة في "يوليسيس". هذه العودة إلى الأسلاف الأبطال تقترن باحتفاء بالاستشهاد والصمود، لكنها تظل حبيسة صيغ مبتذلة، وتحول شعارات "الحرية، المساواة، الكرامة" إلى "النخبوية، والخصوصية، والفخر"، أي إلى أخوة بيضاء مغلقة تشبه النقاء العرقي في النازية والفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
يستخدم المؤلف أندرس بهرنغ بريفيك، منفذ هجمات النرويج عام 2011، كمثال على تداخل "الفخر الأبيض" مع هواجس الذكورة. لم يكن بريفيك "ذئباً وحيداً" بل كان مرتبطاً بجماعات يمينية متطرفة ومستلهماً من موسيقاها مثل مؤدية أغاني سكريودرايفر، ساغا. يشير المؤلف إلى أن بريفيك، الذي رفضه الجيش، عانى من تناقض بين صورته الأنثوية في المراهقة وبين بنيته العضلية لاحقاً، وعزا ذلك إلى تربيته في بيئة نسوية. هذا الشعور بالإهانة والنقص قاده إلى بناء صورة ذكورية مبالغ فيها، معادلاً للذكورة المثالية بفارس الهيكل أو محارب إسكندنافي. هنا، يربط المؤلف بين خيال الفارس الأسطوري والواقع، محذراً من خطورة أخذ الخيال على محمل الحقيقة، فالتطرف يتميز بتفسير حرفي للأمور، ومحاولة تحويل الوهم إلى حقيقة مصطنعة. هذا يظهر في اهتمام الجماعات المتطرفة بصورتها الذاتية، كما تفعل ISIS بملابسها وأعلامها وفيديوهاتها الدعائية، على الرغم من رفضها للفن والأدب. يرى المؤلف في هذا ما أسماه أدورنو "رطانة الأصالة"، حيث تحاول الجماعات المتطرفة خلق واقع مسرحي يفتقر إلى العمق الإنساني.
في تناوله لاحقاً لـ"الفخر الإسلامي"، ينتقد المؤلف تقريراً صادراً عن مؤسسة توني بلير، الذي يصف عقلية "الجهادي" بأنها تهتم بالشرف كوسيلة للتغلب على الإذلال. يرى المؤلف أن هذا التقرير يفشل في التمييز بين التفسيرات السياسية للإسلام والحالات النفسية، واصفاً إياه بأنه "أساساني" (ينظر للجهاد كجوهر ثابت)، إذ أن المزج بين الحنين الرومانسي والفروسية والهوس بالشرف هو سمة مشتركة بين كل حركات الفخر، وليست خاصة بالإسلام. يجادل المؤلف بأن الرغبة في "إعادة الاتصال" والأخوة هي ما يحرك الشباب المنعزلين، وليس مجرد السعي للمكانة، وأن الدعاية الجهادية تقدم نفسها كعلاج للاكتئاب. وفي معرض حديثه عن الإسلاموفوبيا، يحلل المؤلف رسوم شارلي إيبدو المسيئة، معتبراً إياها شكلاً من أشكال الاستفزاز والتنمر، حيث يسعى الرسامون لإثارة غضب المسلمين ليروا أنفسهم كضحايا، في إطار ديناميكية سادية. يخلص المؤلف إلى أن ردود الفعل الغاضبة من جانب بعض المسلمين، وإن كانت تعبيراً عن "فخر إسلامي"، فهي بالأساس نتيجة للانجرار إلى بنية من الإساءة، وليست نابعة من عار أولي، وهو ما يفسر، جزئياً، هجمات شارلي إيبدو، حيث كانت تلك المناطق التي نشأ فيها المهاجمون تعاني من التهميش وعدم الاعتراف بالإنسانية.
بخصوص "الفخر الهندوسي"، يشير المؤلف إلى تقارب أيديولوجياته مع حركات الفخر الأبيض. يذكر أن بريفيك دعا في بيانه إلى التعاون بين حركات المقاومة الأوروبية والهندية، وأن هناك دعماً هندوسياً قومياً لترامب. يستشهد المؤلف بآروندهتي روي التي ترى أن فكرة "الهندوسية" كأمة هي فكرة حديثة تم تصنيعها سياسياً لتأمين أغلبية سياسية ضد المسلمين، وأن حركة "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" (RSS) القومية لم تشارك في النضال ضد الاستعمار البريطاني، بل عملت بعد الاستقلال على تحويل الهند إلى أمة هندوسية. هذا يعني أن القومية الهندوسية هي "استيلاء متأخر على السلطة" وليس عودة إلى مجد قديم، وينبع فخرها من عار أولئك الذين لم يناضلوا. يستخدم الفيلم الوثائقي "الحل النهائي" للمخرج راكيش شارما كدليل على ذلك، حيث يوثق كيف قام القوميون الهندوس بتحريض الجماهير على مذبحة المسلمين في غوجارات عام 2002، رداً على حريق قطار غودرا. يلفت المؤلف الانتباه إلى كيف أن خطاب الكراهية والتلاعب بالعواطف الدينية، كما يفعل الزعيم الروحي "أشاريا دارميندرا" في الفيلم، يخدم أجندة علمانية واقتصادية، حيث تستخدم الدين لإخفاء فشل السياسات النيوليبرالية، فيتم احتلال بلدهم من قبل النخبة الحاكمة نفسها، تماماً كما فعل النازيون مع ألمانيا.
ينتقل المؤلف إلى مناقشة "الفخر الصهيوني"، مركزاً على مشروع هرتزل في روايته "ألتنلاند" (1902). يرى المؤلف أن هرتزل، الذي كان مهووساً بأمه، بنى في روايته عالماً يوتوبياً نظيفاً ومبسطاً على حافة الابتذال (kitsch)، وهو بمثابة عالم ثانوي للتعويض عن شعور بالعجز والإذلال، تماماً كما يفعل تولكين في سيد الخواتم، الذي يهرب فيه من صدمات الحرب إلى عالم ثانوي آمن. يعتبر المؤلف أن مشروع هرتزل هو محاولة لتجديد الذات اليهودية، لكنه يفعل ذلك من خلال استعارة معايير "الفخر الأبيض" الأوروبية، كما يظهر في تصريحات جابوتنسكي عن خلق "عبري" جديد جميل وقوي مقابل "اليد" الضعيف والقبيح. هذا المشروع، كما يصفه المؤلف، هو مشروع "استعماري" يعتمد على إسقاط صفات سلبية على "الآخر" (في إشارة إلى تحليل أوكتاف مانوني عن عقدة نقص المستعمر)، ويهدف إلى خلق ملاذ مغلق، مستوحى من فكرة "نيفرلاند" أو الطفولة الأبدية. يصف المؤلف زيارته لمستوطنة إسرائيلية في القدس بأنها كانت تجربة "غير مألوفة" (uncanny)، حيث بدت الشوارع والمنازل معقمة ومتطابقة ومغلقة على نفسها، كمكان لا يمكن مغادرته، وهو ما يذكره بفكرة "البيت الذي لا يمكنك مغادرته".
في مقابل هذه التكوينات السابقة، يقارن المؤلف بينها وبين "الفخر الأسود" و"الفخر المثلي". يرى المؤلف أن حركات الفخر الأسود والمثلي، باستثناء بعض التيارات الانفصالية، تميل نحو الاندماج والشمولية وليس العزلة وكبش الفداء. يستشهد بمارتن لوثر كينغ الذي رأى أن قوة السود لا تتحقق بمعزل عن البيض، وأن الكرامة للإنسان هي مسألة تبادلية وليست ملكية ذاتية. كما يشير إلى تطور مالكوم إكس بعد حجه إلى مكة، حيث رأى وحدة البشرية. أما بالنسبة للفخر المثلي، فيميز المؤلف بين "الفخر الكرنفالي" الذي يحتفل بالغرابة ويقلب المعايير السائدة من خلال السخرية والتجديد، وبين "الابتذال" (kitsch) الذي يأخذ نفسه بجدية ويحاول خلق عالم بديل زائف، كما في مثال فيلم "كاباريه" الذي يسخر من النازية. فالكرنفال، كما في فن الكرنفال في ترينيداد ولندن، هو فن "اعتراف" وليس "إنكاراً"، فهو يكشف الحقائق بشكل مرح ويحتفي بالحياة، بينما الابتذال، كما في أغنية "الغد ملك لي" في الفيلم، هو إنكار حزين ومثير للشفقة، يحاول إضفاء غلالة بريئة على العنف والكراهية.
في الختام، يمكن القول إن الفصل يبني حجة قوية بأن حركات "الفخر" المختلفة، رغم اختلاف أيديولوجياتها وخلفياتها، تشترك في بنية نفسية واحدة: فهي رد فعل على مشاعر الإذلال والعجز والهجران، وتحاول التعويض عن ذلك ببناء عوالم خيالية مغلقة، تعتمد على رومانسية الماضي وتمجيد الذكورة الحربية والاستشهاد، وتتميز بطابع مسرحي و"مبتذل" (kitsch) في آن واحد. في المقابل، يقدم المؤلف نموذج "الكرامة" المبني على الترابط الإنساني والاعتراف المتبادل والانفتاح على الحاضر، كبديل جذري لهذا المنطق الانفعالي المغلق، وهو ما سيتناوله بالتفصيل في الفصل التالي. هذه الحجة، رغم قوتها، تثير جدلاً حول تعميم مفهوم "الفخر" واختزاله في حالات مرضية، فقد يرى البعض أن الفخر الجماعي، كالفخر الوطني أو العرقي، يمكن أن يكون قوة دافعة للتحرر والبناء وليس مجرد غطاء للعجز.
7.جماليات *الكرامة* أو لماذا كانت الثورة المصرية قصيدة145–164▼ ملخص
هذا الفصل بعنوان «جماليات الكرامة أو لماذا كانت الثورة المصرية قصيدة» يتخذ من تحليلٍ بصريٍّ بسيطٍ نقطةَ انطلاقٍ لاستكشافٍ فلسفيٍّ وجماليٍّ معمّقٍ لطبيعة الثورة المصرية عام 2011. يبدأ المؤلف من ملاحظةٍ لافتةٍ بعد خلع حسني مبارك، ألا وهي ظهور مستطيلاتٍ فارغةٍ بلونٍ مختلفٍ على جدران المباني العامة، تاركةً أثرَ «غيابٍ» واضحٍ للصور الرسمية للرئيس. يرى المؤلف أن هذا الفراغ المميز ليس مجرد أثرٍ مادي، بل هو استحضارٌ لـ«شبحية» صورة القائد الأصلية، ويكشف كيف كانت تلك الصورة بمثابة «تأثير استنساخ» مرتبطٍ بفكرة «السلعيّة» (commodity fetishism) عند ماركس، حيث يبدو الملك أو القائد وكأنه مصدرٌ ذاتيٌّ لنفسه، ينتج نسخاً لا حصر لها من صورته. ويربط المؤلف ذلك بمسرحية هاملت، حيث يلاحظ هاملت أن الناس كانوا يشتمون عمه كلوديوس قبل أن يصبح ملكاً، ثم يعبدون صورته بعد توليه العرش، مما يشير إلى أن ما يُعبد ليس الشخص بل «الموضع» الملكي نفسه؛ الثورة إذن، بإزالتها للصورة، تكشف أن «الملك شيءٌ ولا شيء» في نهاية المطاف.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى بناء تحليله عبر تجاور رؤيتين بصريتين للثورة: الأولى هي إزالة صورة مبارك، والثانية هي صورة فوتوغرافية التقطها عمر روبرت هاملتون لجمهورٍ في «سينما التحرير» بميدان التحرير، مع مبنى «المجمع» (الذي بُني عام 1949) خلفهم. تُعرض في هذه السينما لقطاتٌ للثورة نفسها، مما يمثل إزاحةً لسينما نجوم السينما لصالح صحافة المواطن. يستخدم المؤلف هذه الصورة كنقطة ارتكازٍ لمناقشة مقال والتر بنيامين الشهير «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه ميكانيكياً» (1936). يرى بنيامين أن إعادة الإنتاج الميكانيكي للفن، خاصةً عبر التصوير الفوتوغرافي والسينما، تدمر «الهالة» (aura) الخاصة بالعمل الفني، وهي الهالة المرتبطة بأصله في الطقوس الدينية وقيمته الاحتفالية، ما يحرر الجماهير من كونهم متعبدين منبهرين ويمنحهم قوةً نقديةً وإمكانية أن يصبحوا هم أنفسهم صُنّاعاً للفن. يقتبس المؤلف مقولة الفنان هاتم عبد الرازق الذي تحول من مهندسٍ إلى فنانٍ في الميدان: «هذه الثورة جعلت منا جميعاً فنانين».
لكن المؤلف لا يكتفي بالتحليل البنيوي، بل يقدم ثلاثة قراءات محتملة للصورة، متجاوزاً بنيامين. القراءة الأولى بنيامينية: الجمهور يشاهد لقطاتٍ وثّقها ناشطون بأنفسهم، مدركين أنهم هم من يصنعون التاريخ. القراءة الثانية هي قراءة ثيودور أدورنو الساخرة: فالاستنساخ الفوري للثورة يحولها إلى سلعةٍ وتسلية، ويحول النشطاء إلى نجوم، وهي جزءٌ من «صناعة الثقافة» الجديدة. أما القراءة الثالثة، وهي التي يفضّلها المؤلف، فتتجاوز هاتين النظريتين. يرى أن الصورة تنقل «هالة الثورة» نفسها، لا اختفاءها. هذه الهالة «غير قابلة للتحديد المكاني»، فهي ليست في حشود المشاهدين فقط، ولا في الشاشة التي لا نراها نحن، بل في العلاقة غير المرئية بين الجمهور، والخلفية المضيئة لمبنى «المجمع» (الذي يرمز لثورة 1952)، وبين ما يراه المشاهدون داخل الصورة وما لا نراه نحن. هذه الهالة غير المحددة هي طوباوية، لأن المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) هي بالتعريف ما «لا يأخذ مكاناً»، وما لا يمكن احتواؤه أو تأطيره. يدعم المؤلف هذا بصورٍ شعريةٍ عن الثورات كالأنهار التي لا يمكن قناطرتها، مقتبساً من روزا لوكسمبورغ، وقصة الكاتب السوري أسامة محمد عن انتفاضة بلاده، وقصيدة المؤلف الشخصية عن الثورة بعنوان «القصيدة الحية».
يرتكز التحليل الفلسفي على فكرة «النشوء المشترك المترابط» (dependent co-arising) أو «براتيتياساموتبادا» في الفلسفة البوذية، كما شرحها ناغارجونا، حيث لا يمكن الفصل بين السبب والنتيجة، بل كلٌّ منهما يلد الآخر في آنٍ واحد. فهل الثوريون خلقوا الثورة أم الثورة خلقتهم؟ الجواب هو كليهما معاً، في حلقةٍ متزامنةٍ من التحقق المتبادل. هذا المفهوم يتجاوز المنطق الخطي للسبب والنتيجة، ويرفض فكرة السببية الزمنية الضيقة. ويشير المؤلف إلى أن هذا يتجلى في الطبيعة «اللامركزية» أو «اللاقيادية» للثورة المصرية، التي لم تكن بلا تنظيم، بل كانت شبكةً من المبادرات المتزامنة، مثل حملة «كلنا خالد سعيد» التي أطلقها وائل غنيم، ونداء المدونة أسماء محفوظ عبر الفيديو. لكن النقطة الأعمق هي أن هذا «النشوء المشترك» لا يؤدي إلى إحساسٍ بالفراغ أو «اللا ذات» (anatman) البوذي، بل على العكس، كان الثوريون يشعرون أنهم وجدوا ذواتهم الحقيقية للمرة الأولى، وهو جوهر «الكرامة». فالفرادى لا قيمة لهم في عزلتهم، لكنهم يكتسبونها من خلال الكل الذي يشاركون في تكوينه، وهو ما يشبه مفهومي «أونهو» و«أوبونتو» الأفريقيين: «الشخص يكون شخصاً بسبب الأشخاص الآخرين».
ينتقل المؤلف بعدها لشرح نظريةٍ في «البنية الشعرية»، معارضاً إياها بتعريف رومان ياكوبسون للوظيفة الشعرية الذي يُسقط مبدأ التكافؤ من محور الاختيار إلى محور الدمج، مما يجعل اللغة الشعرية مرجعيةً لذاتها. يرى المؤلف أن هذا التعريف اللغوي يحصر الشعر في اللسانيات ويغفل البعدين اللذين يهمانه: المحور الأفقي «اللازمني» للوحدة والوجود الجمعي، والمحور الزمني (العمودي) للتتابع. الشعر الذي يهمه ليس شعر اللغة المرجعية لذاتها، بل شعراً يحاول أن يعبّر عن «الكل دفعة واحدة» (الوحدة الأفقية) عبر وسيطٍ زمنيٍّ متتابع، مثل النوتة الموسيقية تبني لحناً من «عباراتٍ وترية» (chord-phrases) متتابعة، لكنها تظل متصلة بالكل الذي تلمح إليه. هذه الشعرية شبيهة بموسيقى دانيال بارينبويم حيث يصبح كل شيء مترابطاً ولا يقبل التجزئة، وهو جوهر المقدس. في السياق العربي، يجد المؤلف دعماً لمفهومه في كتاب عاطف الشاعر عن الشعر والسياسة، وفي مفهوم «العمارة» كما طرحه أيمن الدسوقي، حيث الشعر ليس تمثيلاً للواقع بل إشارةٌ إلى مصيرٍ مشتركٍ بين متكلمٍ ومخاطبٍ حاضرين معاً.
بناءً على هذه الرؤية، يجد المؤلف صدىً لتصوره في قصيدة «إرادة الحياة» لأبي القاسم الشابي التي كُتبت عام 1933 لكنها عادت لتحيا بقوةٍ في ثورات 2010-2011، وفي أغاني سيد درويش وفرقة إسكندريلا، وفي تجربة الشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد الذي أعلن أن «الثورة التونسية عملٌ من أعمال الشعر»، وأنشأ «القيادة الشعرية المركزية للثورة»، وهو القائل في قصيدته «أنا الأفقي» رافضاً عمودية السلطة. يسأل المؤلف النشطاء والفنانين، مثل أهداف سويف وأحمد حداد، عمّا إذا كانوا يرون الثورة كقصيدة، فيؤكدان ذلك. القصيدة الحقيقية هي الثورة نفسها، لأنها تجسّد «ديناميكية» الوحدة الجمعية، وتلغي الفصل المصطنع بين الفن والحياة، وهذا هو السبب في أنها تولّد القصائد والأغاني والجداريات بكثرة.
في القسم الأخير، يقدّم المؤلف «نظريةً شعريةً في الكرامة»، معارضاً إياها بمفهوم كانط الفردي للكرامة وبمفهوم سيد قطب القائم على الخضوع لله وحده. كرامة الثورة تقوم على «النشوء المشترك المترابط»: تحررٌ من الإذلال عبر الاعتراف المتبادل والثقة والرعاية. يوثق ذلك باقتباسٍ من ريم أبو الفضل حول تغير صورة الذات لدى المصريين وشعار «ارفع راسك فوق أنت مصري». يربط المؤلف هذا المفهوم الحديث للكرامة بتطور دلالة كلمة «إذلال» الذي تحول في عام 1757 من معناه الإيجابي (وضع الشخص في مكانته الصحيحة في نظامٍ شرفي) إلى معناه السلبي (انتهاك الكرامة)، وهو التطور الذي يزامن صعود الفردانية الغربية وولادة «الذات المُصاحَبة» (doppelganger) التي تطاردها فكرة الموت، وبالتالي فقدان «الروح». في مقابل ذلك، يشير المؤلف إلى أن المبادئ الثورية (الحرية، المساواة، الإخاء) يفسدها الرأسمال العلماني بجعل الحرية مجرد استقلالية، والمساواة مجرد قيمة تبادلية، والإخاء مجرد سياسات هوية قائمة على النرجسية الجماعية.
يرى المؤلف أن هذه المبادئ ليست منفصلة، بل هي «شروطٌ متزامنة» لبعضها البعض، في علاقة تشابه (metaphoric) عبر «النشوء المشترك»: «أنا لست حراً إذا لم تكن حراً». وهي في علاقة مجازية (metonymic) مع الوحدة الأفقية للوجود. الكرامة هي الشرط الذي ينبثق من تعايش هذه المبادئ. في معارضةٍ ضمنيةٍ للمفهوم البوذي، يشدّد المؤلف على «تفرد كل روح» مقابل منطق التبادل الرأسمالي الذي يجعل البشر كياناتٍ قابلةً للاستبدال. الثورة كرّست قيمة «اللاقابلية للاستبدال» للشعب، بينما جعلت القادة هم القابلين للاستبدال. هنا يفصّل مفهوم «الكرامة» في الإسلام من خلال استشهاداتٍ من القرآن الكريم (17:70) وكتاباتٍ عن حقّ كل مولودٍ في الكرامة كحقٍّ فطري، وربطها بالكرم والضيافة. يشير المؤلف إلى أن هذا المفهوم يختلف عن مفهوم «النشوء» (natality) عند حنة آرندت، الذي يركز على الظهور الفردي المتميز، بينما «الكرامة» تعترف بقدسية كل حياة. يربط الخلاصة بتحليل فرهاد خسروخافر للثورة بوصفها ثورة «كرامة» لا ثورة «كبرياء» أو «شرف» تقوم على العنف والانتقام، بل تقوم على السلام و«إزالة العنف» (de-violentization) وتجنب الدخول في منطق الهيغلي للسيد والعبد، والاعتراف بالآخر و«بيئة المسافة» التي تتيح له أن يكون. ويرى أن «أخلاق الميدان» التي ذكرتها ريم أبو الفضل (الاحترام المتبادل، المساواة، التضحية بالنفس) هي تجسيدٌ لهذه الكرامة السخية. «الكرامة» في هذا السياق هي القيمة التي تشمل وتجسد «الحرية، المساواة، التضامن، السلامية، والكرم» كتجلياتٍ لوحدةٍ أعمق، ويمكن النظر إليها من خلال مفهوم «التوحيد». الثورة بهذا المعنى «علامةٌ إرشادية» (ostensive sign)، و«واقعيةٌ طوباوية» لا تفرض مخططاً بل تفتح إمكانياتٍ للإبداع والأمل.
أخيراً، يربط المؤلف هذا الشعرية بـ«شعر العامية» المصرية (shi’r al-ammiyya) الذي بدأ في أوائل الخمسينيات، معتبراً إياه المظهر الشعري الأمثل لهذه الرؤية، لأنه «لاعقلاني» في روحه، يجمع بين الشعبي والطليعي، والشفهي والأدبي، والمقدس وعدم التبجيل. يحلل أشعار فؤاد حداد وصلاح جاهين (الذي يدافع عن البساطة والقوة في «خطاب الدفاع»)، وقصيدة فؤاد قاعود عن صورة الأب التي تخرج من الإطار، والتي يراها المؤلف تنبؤاً بإزالة صورة مبارك، وقصيدة عدنان الصائغ عن تمثال الرئيس الذي يملّ من قاعدته، وقصيدة أحمد حداد بعنوان «المسيرة» التي يخاطب فيها المرأة المصرية بوصفها «لون الثورة»، وأغنية «إنسان» لحمزة نمرة التي تعبّر عن كرامة العطاء في مقابل الأخذ. ينتهي الفصل بنقدٍ لاذعٍ لما بعد الثورة، حيث تعيد قوى الثورة المضادة والسوق الرأسمالية استعمار المقدس عبر «مجتمعات مسوّرة» فاخرة مثل «لا في إن فيرت» في القاهرة الجديدة، التي تعلن عن نفسها بوصفها عودةً للجمال والفن، مقتبساً من مونا أبو زيد تحليلاً لهذه الظاهرة بوصفها «استيلاءً وقحاً» و«تقليداً مبتذلاً» (kitsch) للحياة، في مقابل استمرار الإبداع الراديكالي والنقد الساخر في مصر، ودعوته للتمسك بـ«الراديكالية الإبداعية» كبديلٍ حقيقيٍّ ووحيدٍ للتطرف والرأسمالية، مؤكداً على قيم الكرامة واللياقة العالمية.
في الختام، يقدم الفصل حجةً قابلة للنقاش مفادها أن الثورة المصرية كانت بجوهرها عملاً جمالياً (قصيدة) قبل أن تكون حدثاً سياسياً، وأن فهمها يتطلب أدواتٍ تحليليةً تتجاوز النماذج الغربية العلمانية/الفردية، مستعيناً بفلسفاتٍ ومفاهيمَ من خارج المركز (البوذية، أفريقيا، الإسلام، الشعر العربي). يطرح المؤلف بعداً طوباوياً للثورة كشيءٍ غير قابلٍ للتحقق الكامل، مما يوفر إطاراً لفهم استمراريتها رغم الهزائم الظاهرية، ويفتح مجالاً للنقاش حول العلاقة بين الفن والسياسة، ودور المفاهيم الدينية في تشكيل حركات التحرر المعاصرة.
8.تصوير المقدس في فن الشهداء165–186▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول كيفية تصوير الشهداء في الفن، مقارنًا بين السياق اللبناني في زمن الحرب الأهلية والسياق الثوري المصري. يقدم المؤلف إجابة أساسية مفادها أن هناك طريقتين متناقضتين لتمثيل الشهيد: الأولى هي "بوستر الشهيد" الذي تُنتجه الأيديولوجيات العسكرية والدينية لتحويل الشهيد إلى رمز استهلاكي أو أداة دعاية تخدم استمرار الحرب، والثانية هي "جدارية الشهيد" كما ظهرت في الثورة المصرية، والتي تهدف إلى تكريم الشهيد كإنسان مقدس بقيمته الذاتية، بعيدًا عن أي توظيف أيديولوجي.
يبدأ الفصل بدراسة تفصيلية لرواية الياس خوري "الوجوه البيضاء"، معتبرًا إياها "مقامة محطمة". يوضح المؤلف كيف أن خوري، خلافًا لتصنيفه كروائي ما بعد حداثي، يستخدم بنية المقامة العربية التراثية، حيث يعمل الراوي كمتلقٍّ ومرسلٍ لقصص الآخرين وليس كمؤلف مبدع. لكن في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، تتعطل الوظيفة الساخرة للمقامة لأن الحرب تجعل أشياء كثيرة "غير قابلة للقول"، بينما يؤدي عدم القول هذا إلى استمرار الحرب. فالحرب إذن هي التي كسرت وحدة المجتمع وجعلت اللغة بلا معنى، مما يستدعي إعادة تجميع الذاكرة الجماعية بدلًا من اعتبار المقامة شكلاً أدبيًا تجاوزه الزمن.
يروي الفصل حكاية خليل جابر، الرجل الذي يُقتل في بداية الرواية، وتتكشف قصته من خلال شهادات شخصيات متعددة. يظهر خليل في البداية كأبٍ حزين على ابنه "الشهيد" أحمد، والذي وجد عزاءً في الملصقات التي تمجد ابنه وفي "راتب الشهيد". لكن بعد سنوات، ينهار خليل ويكرس نفسه لتمزيق هذه الملصقات وطلاء الجدران باللون الأبيض. يقدم المؤلف قراءة مغايرة للقراءة السائدة التي ترى في هذا الفعل مجرد إنكار للحزن أو رمزًا لفقدان الذاكرة اللبنانية، مشيرًا إلى أن خليل نفسه أصبح "الوجه الأبيض" أو "الممحى"، فهو يمثل ما لا يستطيع المجتمع مواجهته من نفسه: رائحة الموت والفساد والانهيار الكامل للثقة. من خلال شخصية خليل، يتساءل الفصل عن مدى تواطؤ عائلات الشهداء أنفسهم في شراء موت أبنائهم بالمجد والمال، وعن نفاق شخصيات مثل علي كلاكيش الذي يدّعي الاهتمام بالمجتمع لكنه يتخلى عن خليل ويبلغ عنه، متحملًا جزءًا من المسؤولية عن مقتله.
تتوالى الشهادات لتكشف عن أبعاد أخرى لكارثة الحرب. فمن خلال فاطمة، الخادمة التي تتعامل مع خليل بإنسانية، نتعرف على رؤيته الغريبة للحلم بأغطية بيضاء يتوارى تحتها مع ابنه، وهو ما يقرأه المؤلف كتحرير للشهيد من "إطار" التمثيل (كالصورة في التلفاز أو الملصق) ليصبح في حالة وعي ذاتية متصلة بالأحباء. ومن خلال فهد بدر الدين، المقاتل السابق، نكتشف رفضه للبطولة الزائفة، وقصته عن رفيقه الذي تُرك ليموت في الثلج، حيث تحول "وجهه الأبيض" الحقيقي إلى شعار فارغ. يتعرض فهد أيضًا لضغوط من مخرجي أفلام يريدون استغلال قصته وتحويله إلى "شبح" يؤدّي نصًا جاهزًا، لكنه يرفض أن يُختزل إلى مجرد "مشهد" مثير للشفقة. ويخلص الفصل إلى أن القتلى يُنسى ذكراهم الحقيقية بينما تُخلَّد صورهم المزيفة، وأن المجتمع برمته يشارك في "طلاء" الحقائق باللون الأبيض، ليصبح مجتمعًا من "الأقنعة البيضاء" التي تخفي تواطؤها.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى فحص فن الشهداء لدى حزب الله. يصف المؤلف زيارته لضاحية بيروت الجنوبية ورؤيته لطوابير ملصقات الشهداء التي تخلق إحساسًا بالرهبة والغرابة، وكأنها مسيرة لا نهائية نحو الموت. يربط هذا المشهد بمناقشة أعمال الفنان ربيع مروة، خاصة مشروع "ثلاثة ملصقات" الذي يعرض فيديو لشهيد انتحاري يظهر فيه كإنسان عادي غير واثق من أدائه، مما يكشف هشاشة الصورة البطولية، ومشروع "سكان الصور" الذي يفضح عملية "التركيب" الرقمي في صور شهداء حزب الله، حيث تُركَّب رؤوس الشهداء على أجساد موحّدة، مما يرمز إلى "قطع الرأس" المرتبط بمأساة كربلاء التأسيسية للهوية الشيعية. يرى المؤلف أن هذه الملصقات تمثل "غريزة الموت" الجماعية، أي التضحية المتكررة للعودة إلى حالة أصلية، وتخليد الحزب نفسه على حساب حياة أعضائه.
في المقابل، ينتقل الفصل إلى جداريات شهداء الثورة المصرية في شارع محمد محمود. هنا، يقدم المؤلف تمييزًا جوهريًا بين "ملصق الشهيد" و"جدارية الشهيد". بينما الملصق يمنح الشهيد هالة من الفخر والبطولة، فإن الجدارية تكرمه كهبة مقدسة. فالجداريات المرسومة يدويًا بعناية وحنان، كما في صور الناشط علاء عبد الهادي والطفل عمر صالح، تعكس نظرة رحيمة من الفنان نحو الشهيد، وتدعو المشاهد لمشاركة هذا الشعور. يستخدم المؤلف مفاهيم دينية كـ "الصنم" و"الأيقونة" للتمييز بين التمثيلين: ففي حين يستولي "الصنم" (الملصق الأيديولوجي أو الدولة) على العبادة لنفسه، تشير "الأيقونة" (الجدارية) إلى حقيقة مقدسة تتجاوزها. الجداريات إذن هي "أيقونات" تعيد القداسة إلى الحياة البشرية التي جردتها الدولة من قيمتها، وتؤكد الترابط بين الناس من خلال المشاعر، بدلًا من أن تكون مجرد سلعة.
يختتم الفصل بتحليل "المنطق التراكمي" للثورة المصرية، كما يتجلى في شعار "كلنا خالد سعيد". لا يعني هذا الشعار أن ثوارًا جددًا يحلون محل الشهيد، بل يعني أنهم يضيفون أنفسهم إليه في رفض التخلي عنه، متحدين بذلك محاولات الدولة لتقسيم المجتمع إلى مواطنين صالحين ومنبوذين. هذا المنطق يقوم على فكرة "الشهادة" (الاستشهاد witnessing) كعمل تراكمي مستمر، حيث يستدعي كل شاهد شهودًا آخرين، كما يظهر في فيلم "شهداء الثورة المصرية" الذي يجمع لقطات عنف حقيقية مع إنشاد يكرّم أرواح الشهداء. في المقابل، ينتقد المؤلف منطق "الاستشهاد الانتحاري" الذي يحلل مفهوم "الازدواجية" (مثل دكتور جيكل ومستر هايد) حيث لا يكون الطرفان مستقلين عن بعضهما، فيؤدي سعي كل طرف للانفصال عن الآخر إلى تدمير الذات، وهذا يختلف تمامًا عن "الارتباط المشترك" الثوري الذي ينبني على الاعتراف بالآخر. أخيرًا، يعترض المؤلف على التمييز بين "شهداء حقيقيين" و"شهداء زائفين"، مركزًا بدلًا من ذلك على الفرق بين التمثيلات الدعائية الكاذبة والتمثيلات التي تسعى إلى الصدق، كما يحذر من خطر "إضفاء الطابع غير السياسي" على الشهادة بتحويلها إلى مجرد موضوع للشفقة أو الفردية، وهو ما قد يبتعد بها عن المطالب السياسية الجذرية.
9.المسيانية الخيلية في الأدب والفن الفلسطيني187–198▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية تجسيد الخلاص والفداء في الأدب والفن الفلسطيني، لا من خلال الرموز الوطنية المألوفة فحسب، بل من خلال مخلوقات بعينها هي الحصان والحمار. يقدم المؤلف أطروحته المركزية بأن هذا "المسياوية الخيلية" (Equine Messianism) تمثل شكلاً من أشكال التوق الطوباوي للتحرر، والذي يتجاوز الصراع على الأرض والحدود ليتصل بعالم روحاني أوسع. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المخلوقات لا تُستخدم كرموز وطنية بحتة، بل ككائنات "أيقونية" تشير إلى واقع مقدس مشترك، وتجسد فكرة "التعايش" أو "الملكية المشتركة" في عالم لا يملكه أحد.
يسير الفصل خطوة بخطوة، منتقلاً من تحليل نظري حول مفهوم "الطوطمية" في الثقافات الروحانية، إلى تطبيقاته على أعمال أدبية وفنية فلسطينية محددة. يبدأ المؤلف بمناقشة فكرة أن الحيوان في الديانات التوحيدية ليس مجرد رمز اعتباطي، بل له قيمة متصلة بالواقع المقدس. ثم ينتقل إلى تقديم أمثلة من الفن التشكيلي، مثل معرض "أنا حمار" للفنان الفلسطيني أسرف فواخري (الذي عُرض في معرض "صنع في فلسطين" في هيوستن عام 2003)، ومعرض "مهرجان القافلة للفنون" في مصر عام 2013، حيث قام خمسة وأربعون فناناً بتزيين حمير من الألياف الزجاجية، ليربط بين فكرة الحمار كرمز للمثابرة والعناد وتجسيد لجمالية "الدراويش".
يستعرض المؤلف بعد ذلك نماذج أدبية رئيسية. في رواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، يجد بطل الرواية سعيد خلاصه في حمارٍ ضالّ أصابته رصاصةٌ كانت موجهة إليه، ليكون الحمار سبباً في بقائه على قيد الحياة. يوضح المؤلف هنا أن الحمار لا يرمز للخلاص فحسب، بل يتحقق به الخلاص نفسه، مع تقويض أي معنى بطولي أو متعالي للمسياوية. أما في قصة "خيول" لـزكي درويش، فيتناول الفصل حكايتين منفصلتين؛ الأولى عن حصانٍ يرفض التخلي عن رغبته الطبيعية في التوقف عند فرس، فيوقظ صاحبه الذي يقتله بضربة قاتلة، ليبقى الحصان واقفاً على قائمتيه الخلفيتين بين الأرض والسماء حتى يفقد آخر قطرة دم، في صورة مؤثرة تخلّد لحظة الاستشهاد والعجز عن الانحياز لأي طرف في الصراع. الثانية عن رجل يُدعى مصطفى الصالح، يفقد ساقه ويغيب عن الوعي بعد أن قفز بحصانه فوق دبابة بريطانية، ليرى في عالمه السفلي حصاناً أبيض مجروحاً تلتئم جراحه بفضل أسماك القرش المسالمة، في إشارة إلى عالم طوباوي تلتئم فيه الجراح وتتصالح فيه الكائنات.
يتوسع المؤلف في تحليل رواية إبراهيم نصر الله الملحمية "زمن الخيول البيضاء" (التي صدرت عام 2007)، معتبراً إياها نموذجاً للطليعة الدراويشية. تبدأ الرواية بقدوم فرس بيضاء جميلة تُدعى حمامة (وهو اسم يعني "الحمامة" بالعربية)، وتجسد الرواية تواصلاً روحياً وذهنياً بين البشر والخيول. يرى المؤلف أن حمامة لا تُعبد كصنم، بل تعمل كمرشد روحي أيقوني. يربط الفصل بين مشاهد في الرواية وبين رحلة الإسراء والمعراج (حيث يُقال إن البراق كان مخلوقاً بين الحصان والحمار)، وبين استشهاد الإمام علي في كربلاء حيث يعود حصانه بلا فارس. من خلال شخصية خالد، المقاتل من أجل الحرية، يؤكد المؤلف أن النضال ليس للفوز والاستحواذ، بل للحفاظ على "الحق" و"الإنسان"، مقتبساً من الرواية: "أنا لا أقاتل لكي أفوز، بل لألاّ يضيع حقي".
يقدم المؤلف أدلة إضافية من قصائد وأعمال فنية أخرى، مثل قصيدة "على الشاطئ" لـناجي علوش التي تظهر فيها الخيول وهي تخرج من البحر محمولة بالأمواج، وقصيدة "نبوءة العرافة" لـفدوى طوقان التي تنحاز إلى فارسٍ من عالم آخر ضد الإخوة المتحاربين. كما يحلل مشاهد من فيلم "عرس الجليل" للمخرج ميشيل خليفي (عام 1987)، حيث تتحول فرس المخhtar إلى أداة لتخفيف التوتر بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين، وفيلم "أطفال شاتيلا" للمخرجة مي مصري (عام 1998) الذي يظهر فيه طفل يركب حصاناً أبيض كرمز للأمل.
يُقرّ المؤلف بحدود بعض الطروحات، مثل تفسير رواية "زمن الخيول البيضاء" على أنها مجرد إعادة بناء "أسطورية" مثالية لفلسطين ما قبل النكبة، لكنه يرفض ذلك معتبراً أن النص يعمل وفق "واقعية روحانية"有别 عن الواقعية الغربية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية اعتبار هذه الرؤية شكلاً من أشكال "الشرك" (idolatry)، ليجيب بأنها ليست عبادة للحيوان بل توجيه للروح نحو الحقيقة. تُختتم الحجة بالتركيز على أن "المسياوية الخيلية" تجمع بين التشاؤم (لأنها تتعلق بما لا مكان له) والتفاؤل (لأنها بلا مكان فهي في كل مكان)، وهي رؤية روحانية وعالمية ترفض الاستعمار والاحتكار، وتدافع عن الحرية والحق في الوجود بعيداً عن منطق التملك والهيمنة.
10.ملاحظات ختامية: *الأدب* و*الاقتباس*199–209▼ ملخص
يطرح هذا الفصل الختامي سؤالاً محورياً حول كيفية فهم الثورات العربية وما بعدها، لا كأحداث منعزلة، بل كجزء من حركة أوسع نحو كونية حقيقية. يقدم المؤلف إجابة واضحة: هذه الموجات الثورية المتلاحقة تمثل تحولاً في الوعي الإنساني، وتقديم نموذج معرفي وأخلاقي بديل عن الأنظمة السائدة، سواء كانت نيوليبرالية أو ماركسية تقليدية أو خطابات استعلائية. فالثورة لا تنتهي بفشل حدث محدد، بل هي "بيت فيMigration" و"قصيدة غير مكتملة"، كما يقول في أبياته التي يفتتح بها الفصل، والتي كتبها ليتذكر أن كل ثورة جزء من حركة مستمرة نحو التحرر.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً بتأكيد استمرار روح الثورة رغم قمع الموجة الأولى. يستشهد المؤلف بموجات لاحقة من الانتفاضات، مثل الثورة السودانية (2018-2019) ضد حكم عمر البشير، والثورة الجزائرية (2019) ضد عبد العزيز بوتفليقة، والانتفاضة العراقية واللبنانية (2019) ضد الفساد والطائفية. في لبنان، على سبيل المثال، شكل المتظاهرون خطاً بشرياً متصلاً من طرابلس شمالاً إلى صور جنوباً كرسالة وحدة وطنية. يرى المؤلف أن هذه الحركات تشير إلى انهيار التجربة النيوليبرالية وتفكيك آليات التضليل الأيديولوجي، حيث يرفض المتظاهرون الاعتراف بالسلطة القائمة ولا يسعون لاستبدالها بأخرى، مما يجعل جدلية "السيد والعبد" الهيغلية قديمة وغير ذات صلة.
ينتقل المؤلف بعدها إلى تحليل الأبعاد المعرفية والفلسفية لهذه الثورات. يرفض الفصل تفسيرها بالماركسية التقليدية القائمة على الصراع الطبقي والأخوة والعلمانية المادية. فالثورات العربية، كما يرى، تتجاوز كونها حركات طبقية، وتتضمن بعداً روحانياً ومقدساً يتجاوز الدين المؤسسي، وتضع القيم الأنثوية في المقدمة كما في الثورتين المصرية والسودانية وحركة روجافا في سوريا. ينتقد المؤلف "أخوة" الخطابات الفخرية المتطرفة التي تهمش المرأة، مؤكداً أن الزخم الثوري الحقيقي يتطلب علاقة ندية بين الجنسين. ويناقش الفصل مفهوم "الإبيستيم" (المعرفة اليقينية) كما طرحه لكان، واصفاً إياها بأنها "سرقة معرفة الآخر وتقديمها كمعرفة السيد"، وهو ما يسميه المؤلف "الجدلية كسرقة أدبية"، ناقداً بذلك الفلسفة الهيغلية التي يرى أنها تختلس معرفة "الأقنان" وتقدمها بصورة مشوهة.
يقدم الفصل بديلاً عن هذه المعرفة "المستولى عليها"، وهو ما يسميه المؤلف "الطليعة الدراويشية" وما يرتبط بها من "واقعية شعرية". هذا الشكل من المعرفة والثقافة، كما يشرح، يعمل من خلال التبرع السخي والاعتراف المضياف بالآخر، بدلاً من الاستيلاء والسرقة. يربط المؤلف هذا المفهوم بتجديد مفهوم "الأدب" في العالم العربي، والذي لا يعني فقط الآداب والفنون، بل والأخلاق والسلوك الحضاري. بينما يرى تارك العريس في كتابه أن الاستخدام السياسي للأدب كقناع للنفاق قد أدى إلى تراجع الحضارية وبروز "قلة الأدب" في الفضاء الرقمي، يعارض المؤلف هذا الرأي جزئياً، مؤكداً أن الثورات العربية استطاعت استعادة الأدب على مستوى الشوارع والمجتمع المدني كشكل من أشكال التواصل الصادق والرعاية المتبادلة، بعيداً عن "لغة الأصالة" الزائفة للأنظمة.
يختتم الفصل بمناقشة مفهوم "الاقتباس" (Iqtibas) كما طرحته ماي هواس في دراستها عن الأدب العالمي، وهو مفهوم مستمد من فكرة "إشعال النار من جمرة نار أخرى" أو "أخذ الضوء من الضوء". يرى المؤلف في هذا المفهوم نموذجاً للتأثير الخلاق عبر الثقافات، حيث تشعل الثورات شعلة بعضها البعض، فالانتفاضة الفلسطينية ألهمت التونسية، والتونسية ألهمت المصرية، وهكذا. هذا الإلهام المتبادل، كإضاءة هواتف المتظاهرين في السودان ولبنان كاستعارات لمشاعل الثورة، هو البديل الحقيقي لسرقة الاستعمار. ويؤكد المؤلف أن الاقتباس الحقيقي هو اعتراف سخي بأضواء الآخر، بينما الانتحال الأدبي هو موت لهذا الاقتباس لأنه يقطع مصادر الإلهام.
يتناول الفصل أخيراً ثورة روجافا في شمال وشرق سوريا كنموذج معاصر للإلهام الثوري، مشيراً إلى مفهوم "جينولوجي" (Jineologi) الذي يصفه بأنه "علم المرأة" أو "سوسيولوجيا الحرية" القائم على الالتزامات النسوية والإيكولوجية. يعتبرها المؤلف تجربة في بناء مجتمع لا مركزي قائم على القيم الأناركية والروحانية، ورغم إقراره بصعوبة تطبيق نموذجها في دول ذات حكم مركزي، إلا أنه يرى فيها قدرة على إلهام الحركات الاجتماعية الجذرية. وينتقد المؤلف بشدة العملية العسكرية التركية "نبع السلام" ضد هذه المنطقة، والتي يرى أنها تمثل تناقضاً صارخاً في "الحرب على الإرهاب"، حيث يقف الغرب ضد القوى الأكثر التزاماً بالديمقراطية التشاركية وتحرير المرأة.
يقر المؤلف في ثنايا الفصل بحدود تحليله وصعوبة نقل "الروح الثورية" التي يصفها بأنها تجريبية ولا يمكن فهمها إلا بالمشاركة. كما يترك أسئلة مفتوحة، مثل إمكانية تجاوز العار كجانب سفلي لخطاب السيد، وإمكانية تشكيل معرفة بديلة للمضطهدين. يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حين يميز بشكل حاد بين الاقتباس الملهم والانتحال المدمر، وحين يصور الثورة العربية كحركة روحانية وأخلاقية بقدر ما هي سياسية، مما قد يثير تساؤلات حول الفصل بين هذه المجالات، لكنه في جوهره دعوة لقراءة الثورات بعيداً عن النماذج الغربية الجاهزة، والاعتراف بفضائلها الإبداعية وقيمها الإنسانية الكونية.