المورد
مجتمع مدينة دمشق

مجتمع مدينة دمشق

د. نعيميar

المؤلف في كتابه "مجتمع مدينة دمشق" لا يقدّم جدلاً نظرياً بقدر ما يقدّم تحقيقاً تاريخياً وصفياً شاملاً لمدينة دمشق خلال الفترة الممتدة من أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر. الموضوع المحوري هو رسم صورة متكاملة للمدينة في تلك الحقبة، عبر تحليل نسيجها العمراني، وتركيبتها السكانية، وعلاقات القوى الاجتماعية فيها، والأنشطة الاقتصادية والخدمية. بدلاً من الدفاع عن أطروحة واحدة، يهدف الكتاب إلى تقديم فهم عميق لكيف كانت دمشق في تلك الفترة، مسلطاً الضوء على التنظيم المعقد للمجتمع الدمشقي الذي كان يعمل غالباً كـ"دولة مصغرة" في ظل غياب سلطة مركزية قوية.

تتقدم حجة الكتاب عبر فصول مترابطة، تبدأ بتوصيف الإطار المادي للمدينة: شكلها العام الذي يُشبه طائرة ورقية متمددة جنوباً بطريق الحجاز، وسورها وأبوابها التي ظلت تحتفظ بأهميتها الدفاعية حتى دخول إبراهيم باشا المصري عام 1851م الذي أدى لزوال أجزاء منها. ثم ينتقل إلى تفصيل الحارات، ليس فقط ككتل سكنية بل كوحدات إدارية شبه مستقلة لكل منها شيخها وإمامها وأبوابها الخاصة، وكانت تتوزع على أساس طائفي أو قومي أو حرفي. هذا التنظيم، كما يظهر من خلال السرد، كان انعكاساً لفقدان الأمن والفوضى التي سادت فترات طويلة، فأصبحت الحارة بمثابة ملاذ يوفر لساكنيها الأمن والخدمات الأساسية. بعد وصف الإطار العمراني، يغوص الكتاب في تحليل التركيبة السكانية، ناقشاً إشكالية تقدير عدد السكان في تلك الفترة التي أشارت تقديرات بورتر في منتصف القرن التاسع عشر إلى حوالي 151,000 نسمة، منهم حوالي 112,000 مسلم و12,000 مسيحي و7,500 يهودي. يلي ذلك استعراض مفصل للأسواق التي تجاوز عددها مئة سوق، وللحمامات العامة التي كانت مؤسسات وقفية حيوية في النسيج الاجتماعي، وللخانات والقيساريات التي شكلت مراكز للتبادل التجاري والإيواء. أخيراً، ينتقل الكتاب من وصف المؤسسات إلى وصف الفاعلين، محدداً بنية الهيئة الحاكمة المنقسمة بين أهل السيف وأهل القلم، ومحللاً أوضاع المحكومين الذين تعرضوا لسياسات قاسية من تجنيد إجباري ونزع سلاح في عهد إبراهيم باشا.

يحتوي الكتاب على العديد من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها. فبالإضافة إلى التقديرات السكانية المذكورة، يصف الكتاب سور دمشق وأبوابه مثل الباب الشرقي وباب كيسان التي كانت تغلق عند غروب الشمس، وكيف أن أجزاء من السور هدمت واستخدمت حجارتها في بناء ثكنات الجيش المصري. كما يذكر جائحة الطاعون في فترة ولاية صالح باشا المعدنلي والتي أودت بحياة 150 ألف نسمة، ووباء الجدري عام 1798م الذي كان يقتل ما يزيد عن مئة ولد يومياً. يصف الكتاب أيضاً البيمارستان النوري والبيمارستان القيمري، وكيف أن طريقة العلاج فيهما كانت من العصور الوسطى حيث كان المجانين يوثقون بالسلاسل، وأن أول نقلة نوعية في النظافة والصحة العامة بدأت مع دخول إبراهيم باشا الذي استشار الأطباء الأوروبيين وأدخل نظام الحجر الصحي (الكرانتينا). أما في الأوبئة، فيبرز الفرق في السلوك بين الأحياء، حيث كانت الأحياء المسيحية واليهودية أكثر حرصاً على العزل، مما جعل نسبة الوفيات بينهم أقل. في الجانب المعماري، يصف الكتاب خان أسعد باشا العظم الذي بدأ بناؤه عام 1157هـ/1744م واعتبره الشاعر الفرنسي لامارتين أجمل خان في الشرق، وقصر أسعد باشا العظم الذي استخدمت حجارة سوق الزنوطية القديم في بنائه. كما يذكر سقاية السروجي التي يُعتقد أن أصولها رومانية، ويكشف عن مهنة "الكدك" (الخلو) في الأسواق، ودور "المحتسب" في مراقبة الأسعار والجودة.

يقر المؤلف في أكثر من موضع بحدود المعلومات التي يعتمد عليها. فهو يشير صراحة إلى صعوبة تقدير عدد السكان بدقة، مؤكداً أن الأرقام المتداولة هي تقديرات تقريبية وليست حقائق مطلقة، وأن الإحصاءات الرسمية كانت غير دقيقة بسبب إهمال الضباط وتقاليد المجتمع. كما يلاحظ أن سجلات المحاكم الشرعية ذكرت العديد من المحلات والأزقة الجديدة دون تحديد دقيق لمواقعها، مما جعل رصدها متعذراً. ويعترف بعدم قدرته على الجزم بالفرق الدقيق بين القيسارية والخان في تلك الفترة، مشيراً إلى أن التسميات تداخلت وظيفياً مع الزمن. أما بالنسبة للبيمارستانات، فيقر المؤلف أنها كانت "دوراً للبائسين وأندية للضعفاء" أكثر منها مستشفيات حديثة. هذه التحفظات تعكس منهجية علمية حذرة، وتترك أسئلة مفتوحة أمام الباحثين.

على الرغم من قيمته الوثائقية الكبيرة، إلا أن الكتاب يحتوي على حجج قابلة للنقاش بناءً على المادة المقدمة. أولها، فكرة أن التنظيم الاجتماعي والعمراني للحارات المنغلقة كان انعكاساً لفقدان الأمن، مما قد يُنظر إليه كتفسير حتمي يقلل من عوامل أخرى كالاندماج والتبادل بين الطوائف في الحياة اليومية. ثانياً، القول بأن تزايد عدد الأسواق في العهد العثماني يدل حصراً على تزايد عدد السكان، متجاهلاً إمكانية عوامل أخرى كالتغير في أنماط الاستهلاك أو الديناميكيات الاقتصادية. ثالثاً، فكرة أن "دمشق استطاعت مع الزمن أن تصهر العناصر غير العربية في بوتقتها العربية، باستثناء بعض الأقليات الكبيرة مثل الأكراد"، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين هذه الأقليات والمجتمع الدمشقي، وما إذا كانت العزلة اجتماعية بالكامل أم لها أسباب سياسية واقتصادية. رابعاً، الاعتماد الشديد على شهادات الرحالة الأجانب والعرب كدليل وحيد على جمال المدينة وجاذبيتها، قد يعطي صورة مثالية جزئية عن الحياة اليومية في دمشق. أخيراً، يمكن مناقشة مسؤولية فساد الولاة: هل كان الفساد متأصلاً في شخصيات الحكام أم أنه نتاج حتمي لضعف النظام وعدم استقرار السلطة المركزية؟ هذه النقاط تجعل من الكتاب مادة خصبة للنقاش الأكاديمي، بينما تبقى قيمته الأساسية في حفظ أسماء ومواقع ووظائف نسيج اجتماعي واقتصادي كان يوماً ما نابضاً بالحياة.

الأشخاص

الفصول(15)

1.دمشق ومنشآتها العمرانية67–199▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" للدكتور نعيمي دراسةً وصفيةً شاملةً للنسيج العمراني والاجتماعي لمدينة دمشق، مركزاً على الفترة الممتدة من أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر. لا يقدم المؤلف إجابةً جدليةً بقدر ما يقدّم تحقيقاً تاريخياً وجغرافياً مفصلاً، يهدف إلى رسم صورة متكاملة للمدينة: تسمياتها، أصلها، مكوناتها العمرانية (سور، حارات، شوارع، أسواق)، تركيبتها السكانية، وعلاقات القوى الاجتماعية داخلها.

يسير الفصل وفق بنية موضوعية واضحة، يبدأها باستعراض تاريخي مكثف لتسميات دمشق عبر العصور، مُشيراً إلى أصولها الآرامية القديمة ومعناها المُحتمل (الزهرة المثمرة). يُؤرخ لتعاقب الحضارات والحكام عليها، من الآراميين والرومان إلى المسلمين والأمويين والعباسيين والعثمانيين، وصولاً إلى الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا عام 1851م، مُركّزاً على الأحداث الكبرى كالفتوحات والغزوات التي شكّلت مصير المدينة. بعد ذلك، ينتقل إلى الوصف التفصيلي للمدينة، فيبدأ بشكلها العام الذي يُشبه طائرة الأطفال الورقية، مُمتداً جنوباً بطريق الحجاز، ومُفصّلاً لمناطق التوسع السكاني الجديدة التي نجمت عن الهجرة، خاصة من الريف والمناطق المجاورة.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل المكونات العمرانية الأساسية. يُخصص جزءاً لـ سور دمشق وخندقه، مُبيناً وظيفته الدفاعية التي بقيت قائمة حتى دخل إبراهيم باشا، والذي أدى إلى زوال أجزاء منه. يُعدد أبواب المدينة مثل الباب الشرقي، باب كيسان، باب الصغير، باب الجابية، وأبواباً أخرى، واصفاً هيئتها وكيفية إغلاقها في الملمات. يتبع ذلك تفصيلٌ دقيقٌ لـ حارات دمشق، مُقسّماً إياها إلى "أثمان" داخل السور وخارجه، ومُصنفاً إياها على أساس طائفي وقومي وحرفي. يُبرز الفصل نظام الحارة كوحدة إدارية شبه مستقلة، لها شيخها وإمامها وأبوابها الخاصة، وكانت أشبه بـ "مدينة مصغرة" تُوفر لساكنيها الأمن والخدمات الأساسية.

يُكرّس الفصل بعد ذلك جزءاً كبيراً للتركيبة السكانية، فيناقش إشكالية تقدير عدد السكان في تلك الفترة، مشيراً إلى تضارب الأرقام التي تتراوح بين مئة ألف ومئتي ألف نسمة، ويُعلّق ذلك بصعوبة الإحصاء الدقيق آنذاك. يُقدّم تفصيلاً للتركيبة الدينية والقومية، مستشهداً بإحصاءات بورتر (منتصف القرن التاسع عشر) التي قُدّر فيها عدد السكان بـ 150 ألف نسمة، منهم حوالي 112,000 مسلم و12,000 مسيحي (من طوائف مختلفة) و7,500 يهودي، بالإضافة إلى أعداد من الدروز والغرباء والجنود. يعزو التغيرات السكانية إلى عوامل مثل الأوبئة (كالطاعون والكوليرا والجدري)، والهجرة، والحروب، وسياسات التجنيد الإجباري في عهد إبراهيم باشا.

أخيراً، يُفرد الفصل مساحة لوصف شوارع دمشق وطرقاتها وأسواقها. يصف الشارع الطويل الممتد من باب الجابية إلى باب شرق، واصفاً حالته المعمارية والإنشائية، من أرصفة وأرضيات ترابية وإضاءة بدائية تعتمد على القناديل. أما بالنسبة للأسواق، فيقدم الفصل جرداً شاملاً لأكثر من مئة سوق، منها ما هو قديم مثل سوق الذراع وسوق الحرير، ومنها ما أُنشئ في العهد العثماني مثل سوق السنانية وسوق الوزير. يشرح نظام التخصص المهني في الأسواق، ونظام "الكدك" (ما يُعرف اليوم بالخلو)، ودور "المحتسب" في مراقبة الأسعار والجودة، واصفاً هندسة الدكاكين الضيقة والظليلة ونشاطها اليومي المزدحم بالباعة والمشترين من مختلف الجنسيات والأعراق.

يُقرّ المؤلف في أكثر من موضع بحدود المعلومات المتاحة، خاصة فيما يتعلق بدقة إحصاءات السكان، حيث يؤكد على أن الأرقام المتداولة ليست دقيقة وغالباً ما تكون تقديرية. كما يترك أسئلة مفتوحة ضمنياً حول صعوبة تحديد حدود بعض الحارات والأزقة الجديدة التي ورد ذكرها في سجلات المحاكم الشرعية دون تحديد دقيق لمواقعها.

من خلال هذا السرد التفصيلي، يبرز في الفصل حجة رئيسية قابلة للنقاش، وهي أن التنظيم الاجتماعي والعمراني لدمشق (الحارات المنغلقة، شيوخ الحارات، التوزيع الطائفي) كان انعكاساً لفقدان الأمن والفوضى التي سادت في فترات تاريخية طويلة، وكان هذا التنظيم بمثابة "دولة مصغرة" تُدير شؤون سكانها في ظل غياب سلطة مركزية قوية ومستقرة. تقدّم هذه الفكرة تفسيراً لاستقرار بعض الأقليات في أحياء خاصة بها رغم محاولات الاندماج، وتُفسّر أيضاً ظاهرة الصراعات الدموية التي كانت تنشب بين الحارات المختلفة.

2.أ - الهيئة الحاكمة204–262▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تحليل بنية الهيئة الحاكمة في مدينة دمشق خلال فترة الحكم العثماني، ويجيب المؤلف عن سؤال أساسي: من هم الفاعلون الحقيقيون الذين يمسكون بزمام السلطة في المدينة، وكيف كانت علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع السلطة المركزية في إسطنبول؟ يوضح الفصل أن الهيئة الحاكمة لم تكن كتلة واحدة متماسكة، بل انقسمت إلى فئتين رئيسيتين: أهل السيف (العسكريون) وعلى رأسهم الوالي وكبار ضباط الإنكشارية (مثل القابيقول والبرلية) وضباط السباهية، وأهل القلم (المدنيون الإداريون) وأبرزهم الدفتردار وقاضي القضاة الحنفي ونوابه، ونقيب الأشراف والمفتي.

يقدم الفصل وصفاً دقيقاً لطبيعة العلاقة المتوترة وغير الوثيقة بين هاتين الفئتين، بل وحتى بين أعضاء الفئة الواحدة، ويعزو السبب إلى تضارب المصالح الشخصية وتأثير السلطة المركزية في إسطنبول التي كانت تتعمد إبقاء الجميع متفرقين لضمان سيطرتها. كمثال صارخ على هذه العلاقة السيئة، يورد المؤلف حادثة بين فتحي أفندي ابن القلانسي (دفتردار دمشق) وسليمان باشا العظم (واليها). عند وفاة الوالي، قام الدفتردار بختم داره وخزينته وحجز ممتلكاته وضرب جواري لمعرفة خبيئته. رد أسعد باشا العظم (الوالي الجديد) على هذا التصرف بحقد دفين، لكنه لم يستطع فعل أي شيء لحين حصوله على أمر من إسطنبول بقطع رأس الدفتردار ومصادرة أمواله في عام 1741م.

يواصل الفصل تفصيل مكونات الهيئة الحاكمة بدءاً من الوالي، ممثل السلطان في دمشق، والذي كان يُعين لمدة سنة قابلة للتجديد أو العزل، وغالباً ما يُعزل بعد عودته من الحج. يوضح النص حاشية الوالي الواسعة التي تضم موظفين مدنيين وعسكريين، ويدرس دور ديوان الولاية (مجلس الشورى) الذي كان يضم الوالي، القاضي، المفتي، نقيب الأشراف، وآغا الانكشارية. يشير الفصل إلى أن حالة الديوان تبدلت بشكل كبير في ظل الحكم المصري لـإبراهيم باشا، حيث أُدخل إليه عناصر من أهل الذمة (يهود ونصارى).

يناقش الفصل بإسهاب التحديات الهائلة التي واجهها ولاة دمشق، والتي تراوحت بين زحف المماليك بقيادة أبي الذهب، وحملة نابليون بونابرت، وصعود الحركة الوهابية في الحجاز، والصراعات الدولية، مما جعل معظمهم عاجزين عن إحداث إصلاح. ونتيجة لذلك، اتخذ الولاة مسارين: إما العمل بشكل روتيني والتركيز على مصالحهم الشخصية، أو الحكم بالقوة والقمع كما فعل أحمد باشا الجزار، الذي وصفه المؤلف بأنه فاق جميع أقرانه بمظالمه وأزهق أرواح أكثر من 70,000 شخص، معظمهم من الأبرياء. يلاحظ الفصل أيضاً تذبذب أهمية منصب الوالي؛ فبعد أن كان لوالي دمشق هيمنة على ولايات الشام في القرن الثامن عشر، تراجعت أهميته لصالح والي صيدا (مثل الجزار) بسبب ضعف السلطة المركزية والمستجدات في مصر وفلسطين. وكان مصير معظم الولاة بعد عزلهم مأساوياً، حيث نفوا أو قتلوا وصودرت أموالهم وممتلكاتهم.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الشخصية الثانية في الهيئة الحاكمة، وهو الدفتردار، رئيس أهل القلم ومسؤول المالية في الولاية. يبين الفصل أن قوته كانت تنبع من إشرافه على الموارد المالية (ضريبة الأرض، الجمارك، الخراج) ومن طول فترة بقائه في منصبه مقارنة بالوالي، مما أتاح له بناء نفوذ واسع. يورد المؤلف مثالاً قوياً عن الدفتردار فتحي القلانسي الذي وصفه معاصره بأنه "كان السلطان في الشام"، لكنه قُتل بأمر من أسعد باشا العظم. يشير الفصل أيضاً إلى أن منصب الدفتردارية كان يتوارث أحياناً في أسر بعينها.

يخصص الفصل أقساماً مهمة لموظفين رئيسيين آخرين مثل الكاخيا (الكتخدا)، نائب الوالي ومدبر مكتبه الذي لعب دوراً محورياً وأصبح بعضهم ولاة فيما بعد، والمتسلم الذي كان يحكم أجزاء من الولاية (سنجق) وينوب عن الوالي في غيابه. يصف الفصل دخل المتسلمين الذي كان يأتي من الإقطاعات والعوائد والمغارم التي يفرضونها على الشعب، مما جعلهم غالباً مصدر ظلم وابتزاز. ثم يتناول الشوباصي، رئيس الشرطة، ودوره في حفظ الأمن والأسواق.

في القسم الأخير، يغوص الفصل في تفاصيل أغوات الجند وزعماء السباهية، ويصفهم بأنهم شريحة هامة من الطبقة الحاكمة بسبب نفوذهم العسكري والاقتصادي. يشرح الفصل كيف استقر هؤلاء الضباط في دمشق واصطبغوا بالصبغة المحلية، وكيف أن أغوات البرلية (الإنكشارية المحلية) أصبحوا أكثر ارتباطاً بالسكان من القابيقول (القادمين من إسطنبول). يوضح النص كيف سيطر هؤلاء الأغوات على تجارة الحبوب والمواشي، وتزوجوا من أسر دمشقية بارزة، وامتلكوا قصوراً فخمة. يذكر الفصل أن الإنكشارية أنفسهم، الذين كانوا في البداية جيشاً نخبوياً قوياً، أصابهم الضعف والفساد مع الزمن بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وتراخي السلطة المركزية. يصف الفصل تسليحهم، تمركزهم في قلعة دمشق، وانتشارهم في الحرف التجارية بدلاً من التدريب العسكري، مما جعلهم، في النهاية، "شبه عساكر ينقصهم الانضباط".

في خاتمة الفصل، يعترف المؤلف بحدود المعرفة المتاحة حول بعض الجوانب، مثل طبيعة الدعم المتبادل بين الأغوات والقوى الأخرى التي تظل غامضة، كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى اختلاف مستويات النفوذ والغنى بين أفراد الهيئة الحاكمة رغم انتمائهم للفئة نفسها. الفصل غني بالتفاصيل والأسماء والأحداث التي تثبت أطروحته المركزية حول انقسام وتنافس النخبة الحاكمة. ملاحظة: يمكن القول إن إحدى الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه هي فكرة أن عجز الدولة عن فرض القانون وقوتها كان السبب المباشر في فساد الولاة واعتمادهم على القمع، مما يثير تساؤلاً حول المسؤولية: هل كان الفساد متأصلاً في شخصيات هؤلاء الحكام أم أنه نتاج حتمي لضعف النظام؟

3.ب - هيئة المحكومين263–368▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" للدكتور نعيمي دراسةً معمّقة لهيئة المحكومين في مدينة دمشق، مع تركيز خاص على الفترة الممتدة من أواخر القرن الثامن عشر وحتى الحكم المصري في القرن التاسع عشر. الموضوع المحوري هو تحليل بنية هذه الفئة الاجتماعية وتفاعلاتها مع السلطة الحاكمة، وكيف أثّرت السياسات المتعاقبة، وخاصةً المصرية منها، على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. يقدّم الفصل إجابةً واضحةً عن كيفية تشكّل هذه الهيئة من فئات متباينة داخلياً، وكيف أن سياسات التجنيد الإجباري ونزع السلاح والمساواة القانونية قد أحدثت تغييرات جذرية، بعضها مؤقت وبعضها مهّد لتحولات لاحقة في العهد العثماني.

يسير الفصل خطوةً خطوة، مبتدئاً بوصف الإجراءات القاسية التي اتخذها إبراهيم باشا المصري عند دخوله دمشق. يذكر الفصل أنه بدأ بجمع السلاح من جميع الحارات، فجُمع نحو 900 بندقية، وهو عدد لم يرضِ إبراهيم باشا، فأمر بجمع كمية إضافية من البارود، وفرض على كل فرد ليس لديه بارود أن يشتريه بأغلى ثمن. بعدها، فرض نظام التجنيد الإجباري على المسلمين دون أهل الذمة، الذين كانوا يدفعون بدلاً نقدياً. يصف كاتب محلي عملية المسك هذه، وكيف كان الجنود يمسكون بالرجال من أي طائفة بعد أن كان البعض يتهربون بتغيير ملابسهم. ويضيف قنصل فرنسا في تقرير مؤرخ في 6 كانون الثاني 1831م أن المصريين كانوا يدخلون البيوت قسراً، حتى الحرملك، دون مراعاة لكبير أو صغير. رفض المصريون قبول أموال البدل عن الخدمة الإجبارية، مما زاد من حنق الأهالي، فهرب العديد من أبناء دمشق إلى الريف والصحارى.

يستمر الفصل في سرد آثار هذه السياسات، فيذكر أن سجلات محاكم دمشق تظهر زيادة في عدد طلبات الطلاق من النساء لغياب أزواجهن. كما يصف كيف أن بعض الآباء، هرباً من التجنيد، كانوا يُعدون أبناءهم بالأمراض الجنسية لإضعافهم. يورد الفصل شهادات لمعاصرين تذكر أن الناس كانوا يلجؤون إلى تشويه أنفسهم، كقلع العيون أو قطع الأصابع، أو الاختباء في بيوت القناصل، أو تهريب أبنائهم خارج ولاية الحكم المصري مثل قبرص وكريت. ولم يكتفِ إبراهيم باشا بذلك، بل أخذ العديد من أعيان وزعماء دمشق كرهائن لضمان عدم تعاونهم مع العثمانيين. ومع ذلك، استمرت الدولة العثمانية بمحاولة الاتصال بهؤلاء الزعماء عبر عملائها لإغرائهم بترك خدمة الجيش المصري. بعد خروج الجيش المصري من سورية سنة 1840م، استمرت الدولة العثمانية بتطبيق التجنيد الإجباري، مما أدى إلى اضمحلال شأن أصناف الجند القديمة وحلول الجيش النظامي الجديد محلها.

ينتقل الفصل بعدها لتحليل التركيبة السكانية لمدينة دمشق، فيذكر أن هيئة المحكومين لم تكن كتلة واحدة متجانسة. على الرغم من أن فئات المحكومين كانت هدفاً لمظالم الحكام، إلا أنها لم تسكن في أحياء منعزلة بل كان السكن مختلطاً بين الحاكمين والمحكومين مع المحافظة على الفروق الاجتماعية. أهل الذمة (اليهود والنصارى) كانوا يسكنون في أحياء خاصة بهم (اليهود في الزاوية الجنوبية الشرقية، والنصارى بالقرب منهم وفي الشمال الشرقي)، بينما سكن بقية المسلمين أحياءً متمايزة على أسس قبلية (كـ حي الميدان والشاغور) أو قومية (كـ حي الصالحية والميدان للأكراد) أو إقليمية (كـ حي السودان). ورغم ذلك، بقيت الروابط الدينية هي الأقوى في ظل التعصب الموروث من الحروب الصليبية. كما برزت ظاهرة النفور بين سكان المدينة وسكان الريف، فعلى الرغم من وجود روابط قبلية ومصالح مشتركة، مثل المشاركة في بعض الخصومات السياسية، إلا أن ابن المدينة كان يزدري الفلاح، ويضرب الفصل أمثلة من وقائع مفتي دمشق محمد خليل المرادي التي تظهر هذا الاحتقار.

مع الحكم المصري، الذي استمر لعقد من الزمان، تغير هذا البنيان الاجتماعي الموروث تغيراً عنيفاً. أصبح الحضر يتجهون إلى السهول للزراعة، وفرض التجنيد الإجباري ونزع السلاح قوّض سلطة القادة المحليين. كما أدى علمنة النظام القضائي إلى حرمان الطبقة الحاكمة من مركزها، وساوت السلطات المصرية بين الذمي والمسلم أمام القانون. يصف الدكتور ميخائيل مشاقة هذا الوضع بأنه جعل صوت المستضعفين يبلغ الحكام، بعد أن كان يضيع في الفضاء. استبشرت أغلبية الشعب الدمشقي بالحكم المصري أول الأمر، ولكن سرعان ما تبدد أملهم بسبب إجراءات تضييق الرزق كاحتكار الخرير، وتحديد الأسعار، وسوق أبنائهم للتجنيد، ومصادرة الجمال والبغال، ورفع الضرائب. كان أكثر ما يثير الحنق هو المساواة بأهل الذمة والتجنيد الإجباري.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل أهم فئات هيئة المحكومين، بدءاً بـ تجار دمشق. يوضح أن التجارة لم تكن وقفاً على دين معين، بل مارسها المسلمون واليهود والنصارى. كان لكل طائفة تجارية شيخها، وعلى رأسهم جميعاً الشهبندر. يُلاحظ أن العديد من أبناء الطبقة الحاكمة، كالوالي أسعد باشا العظم ومفتي الأحناف حامد العمادي، كانوا يعملون في التجارة. كانت ممارسة التجارة تعتمد على امتياز يُعرف باسم "الكدك"، وهو حق استعمال عقار لغرض تجاري، وكان يُورث ويُباع ويُشترى حتى من قبل النساء. أدى غياب جهاز الاحتساب في هذه الفترة إلى فوضى في الأسواق وتلاعب بالتجار بالأسعار والأوزان، مما أثار غضب العامة التي هاجمت المحاكم في بعض الأحيان. يصف المستشرق بورر الذي أقام في دمشق سنة 1805م تجارها بأنهم يجلسون كالأمراء ويحلفون الأيمان الكاذبة على أسعار بضاعتهم.

يقدم الفصل تفصيلاً اقتصادياً عن حجم تجارة دمشق، فيذكر أنها بقيت في وضع أفضل من بقية مدن الشام، وأصبحت ميناءً داخلياً لقوافل فارس والهند بعد تدهور تجارة حلب لأسباب عدة منها غزو نابليون لـ مصر والصراعات الداخلية والزلازل. في سنة 1840م، استُخدمت في نقل البضائع التجارية لدمشق 41,650 جملاً و 10,815 بغلًا، مع تجارة نشطة مع بغداد وصلت قيمتها إلى 2.4 مليون فرنك. ومع ذلك، عانى التجار من ابتزاز الولاة والجنود، وتحميلهم أعباء تجهيز قافلة الحج. دخول الحكم المصري غيّر المعادلة، فشجع التجارة بتخفيض الرسوم على الأجانب، وحماية الأموال، وإعادة المحتسب إلى الأسواق، وترميم الدكاكين. لكنه أيضاً زرع محاصيل زراعية للتجارة كالقطن والحرير، مما جعل السوق تعتمد على الواردات الأوروبية، وأدى لانهيار الصناعات المحلية أمام المنافسة الرأسمالية الأوروبية، وهجرة المعادن الثمينة، وظهور تجار جدد يتعاملون مع السلع الأوروبية.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن الحرفيين وطوائفهم، وهو الجزء الأكثر تفصيلاً. يذكر أن أصول هذه التنظيمات تعود إلى العهد الفاطمي، ثم وضعها العثمانيون تحت إشراف المحتسب. بلغ عدد الطوائف الحرفية التي رصدها الفصل في دمشق حوالي 115 طائفة تقريباً، مع الاعتراف بأنه ربما فاته العديد منها. يورد الفصل لائحة طويلة بأسماء هذه الطوائف التي تشمل كل شيء من الصناعات الغذائية (كـ الخبازون والحلوانية) إلى الصناعات الجلدية (كـ الدباغون والإساكفة) والنسيجية (كـ الحريريون والخياطون) والمعدنية (كـ الحدادون والنحاسون) والخدمات (كـ الحمالون والسقاؤون). يلاحظ غياب أسماء النساء بين أعضاء هذه الطوائف، رغم قيامهن بأعمال حرفية هامة.

يصف الفصل البنية التنظيمية للطائفة الحرفية، فكان يرأسها الشيخ الذي ينتخبه الأعضاء وينصبه القاضي. من مهامه لم شمل الطائفة وإنزال العقاب بالمخالفين وتوزيع الضرائب. كان الشيخ في الغالب من الأشراف أو الانكشارية. أسفل الشيخ يوجد النقيب، ثم المعلمون أو الأساتذة (الأسطاوات)، وهم أصحاب المشاغل المستقلون. يليهم الصنّاع الذين أتقنوا الحرفة لكنهم لم يرتقوا بعد لمرتبة المعلم، ثم في الأسفل الأجراء وهم المبتدئون غالباً من الفتيان اليافعين. وكانت هناك رتبة أعلى هي شيخ المشايخ، وهو منصب ذو صبغة دينية غالباً ما يرتبط بالطرق الصوفية ونقابة الأشراف، وكان بإمكانه معاقبة مشايخ الحرف المخالفين. مع ضعف السلطة العثمانية وغياب المحتسب، تخلخلت هذه التنظيمات، فظهر بعض الصناع وهم معلمون وصنّاع في آن واحد، مما يدل على انهيار القواعد المهنية. كما ظهرت تبعية بعض الطوائف لأخرى (اليمق) لأغراض ضريبية.

أخيراً، يُقرّ الفصل بأنه لم يقدم إحصاءات دقيقة لأعداد أفراد كل طائفة، مشيراً إلى أن معرفة ذلك كان سيقود إلى فهم أفضل للسمات الاقتصادية للمدينة. كما يترك التساؤل مفتوحاً حول إمكانية انتظام النساء في طوائف حرفية خاصة بهن، حيث إن سجلات المحاكم تخلو من ذكر ذلك رغم وجود نشاطهن الحرفي.

في الخلاصة، يمكن القول إن الفصل يُظهر بوضوح أن المجتمع الدمشقي قبل الحكم المصري كان مجتمعاً معقداً ومتشظياً، تسوده فوارق دينية وطبقية وحضرية-ريفية، وتحكمه تنظيمات حرفية وتجارية كانت آخذة في التفكك. جاء الحكم المصري ليحدث صدمة عنيفة في هذا البنيان، مهدداً الامتيازات القديمة عبر المساواة القانونية والتجنيد الإجباري ونزع السلاح، ومنفذاً سياسات اقتصادية زراعية وصناعية جعلت دمشق أكثر انفتاحاً على الرأسمالية الأوروبية، مما خلق تجاراً جدداً وأفلس حرفيين قدامى. هذه التغييرات، رغم قسوتها، مهّدت الطريق للإصلاحات العثمانية اللاحقة (كالتنظيمات الخيرية في عهد السلطان عبد المجيد) والتي تبنّت بعض جوانبها، بينما بقيت آثار التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي أحدثها الحكم المصري نقطة تحول رئيسية في تاريخ المجتمع الدمشقي الحديث.

3.سور دمشق76–85▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" وثيقةً عمرانيةً وتاريخيةً لمدينة دمشق، مركزاً على تطورها المكاني والاجتماعي، ومحاولاً الإجابة عن سؤال رئيسي: كيف تشكّلت المدينة عمرانياً واجتماعياً حتى القرن التاسع عشر، وما هي العوامل التي ساهمت في توسعها وتقسيمها الداخلي؟ لا يقدّم الفصل إجابةً واحدةً بقدر ما يرسم صورةً تفصيليةً للنسيج العمراني والاجتماعي المعقّد للمدينة، معتمداً على سجلات المحاكم الشرعية بشكل أساسي.

يسير الفصل خطوةً بخطوة من خلال ثلاثة محاور كبرى. يبدأ بوصف التوسع العمراني لدمشق خارج أسوارها، متتبعاً نشوء الأحياء والمناطق الجديدة. يذكر الفصل أن توسع المدينة لم يكن فقط بفعل النمو السكاني الطبيعي، بل وبسبب هجرة أبناء الريف والغرباء من المسلمين، خاصةً من الأقاليم الشامية والعربية والتركية، الذين كانوا يبحثون عن الرزق والأمن. يورد الفصل أسماءً عديدة لهذه المحلات الجديدة مثل: زقاق الوراقة خارج باب السلام، ومحلة المزابل ظاهر دمشق التابعة لـمحلة العمارة، ومحلة المعمشة بالقرب من جبانة مرج الدحداح، ومحلة الحورة غرب دار السعادة. يوضح الفصل أن التوسع كان أكثر وضوحاً في الجهتين الشمالية الغربية والجنوبية، مفسراً ذلك بتمركز المراكز الاقتصادية والإدارية والدينية والعسكرية في وسط المدينة وجنوبها وغربها، مما جذب المهاجرين للاستيطان في تلك الاتجاهات، والتهمت الأحياء الجديدة معظم البساتين الفاصلة بينها.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى محور السور وأبوابه، مؤكداً أنه ظل محتفظاً بأهميته العسكرية حتى دخول إبراهيم باشا المصري. يصف الفصل مسار السور مع الخندق المحيط به بالتفصيل، مستشهداً بسجلات المحاكم التي تثبت استخدام الخندق كمصرف للماء المالح. يذكر الفصل كيف كانت الأبواب تقفل في الملمات، مثل سنة ١١٥٤ هـ/١٧٤١ م عندما احتمى أبناء حي باب مصلى والسويقة بالمدينة بعد أن ضرب أسعد باشا العظم قوات الإنكشارية في حي الميدان. كذلك، في سنة ١٢١٤ هـ/١١٨٠١ م، تحصنت قوات الإنكشارية داخل السور ووضعت حراسة على كل باب. يعدد الفصل الأبواب التي بقيت حتى القرن التاسع عشر: الباب الشرقي، باب كيسان الذي كان مسدوداً حتى سنة ١٢٠١ هـ/١٧٨٦ م، الباب الصغير أو باب الشاغور، باب الجابية، باب الجديد (الذي صحفته العامة بـباب الحديدباب السر، باب الفرج، وباب جنيق أو الفراديس. يذكر أن الأبواب كانت مجهزة بمصراعين من الخشب المتين المصفح بالحديد، وأن أبواب الحارات الداخلية كانت أيضاً تُقفل عند الحاجة ويحرسها أبناء الحارة عبر فتحات صغيرة تسمى (الخوخات).

أما المحور الثالث والأخير، فيتناول بالتفصيل تقسيم الكتلة السكنية داخل الأسوار وما يحيط بها. يقسمها الفصل إلى "ثمانية أثمان"، خمسة منها خارج السور وثلاثة داخله. يسرد الفصل أسماء هذه الأثمان ويحدد مواقعها وحدودها بدقة، مثل ثمن القنوات، ثمن سوق ساروجة، ثمن الميدان التحتاني، ثمن الميدان الفوقاني، ثمن الشاغور، وثمن الصالحية. ثم ينتقل إلى الأثمان الداخلية فيصف الحارات التابعة لها، مثل حارات باب الجابية (حارة الفسقار، حارة البرورية، حارة مأذنة الشحم، حارة المناطب) وحارات باب توما (حارة المنجيق، حارة القيمرية، حارة الشلاحة، حارة البدرائية). يخلص الفصل من هذا التقسيم التفصيلي إلى ملاحظة مهمة وهي أن توضع السكان كان على أساس طائفي أو قبلي أو قومي أو حرفي. ويضرب أمثلة على ذلك بتوزيع أحياء أهل الذمة بحسب مذاهبهم وطوائفهم (ربانيين، قرائين، سامرة، موارنة، كاثوليك، أرثوذكس)، وسكن العناصر غير العربية في أحياء مثل سوق ساروجا والبحصة والقنوات. ويستثني من هذه القاعدة بعض الأقليات الكبيرة، ولا سيما الأكراد الذين استمرت عزلة أحيائهم حتى أوائل القرن العشرين.

يصف الفصل الحارة الدمشقية بأنها "مدينة مصغرة" بفضل استقلاليتها، إذ كان لكل حارة مسجدها أو كنيسها، وطريقة مستقلة لتوزيع الماء، وحماماتها، وسويقتها الخاصة، وشيخها ومسؤوليها. ويصف الفصل البنية المعمارية للحارة والزقاق والمنزل، فيذكر أن المنازل لا تطل على الشارع إلا بمؤخرتها الخالية من النوافذ، وإن وجدت فهي عالية ومحمية بقضبان حديدية ومصبعات خشبية. الأبواب كانت صغيرة ومصفحة بالمعدن. ويقدم مثالاً حياً على ذلك بـزقاق الست نفيسة في الشاغور البراني، الذي لا يتجاوز عرضه ١٠٠ سم وهو متكسر، وأبواب منازله ضيقة ومخفضة. يُنهي الفصل حديثه عن الحارات بالإشارة إلى دور شيخ الحارة كحلقة وصل بين السكان والسلطة الحاكمة، حيث كان شيخ الحارة غالباً من السباهية الإقطاعيين أو الأثرياء أو رؤساء الأسر القوية أو أغوات الإنكشارية، وساهمت الفوضى في نقل سلطات إجرائية حكومية إليهم، فكانوا يسهرون على راحة أبناء حارتهم ويساعدون السلطة.

يعترف الفصل صراحةً بحدوده، ولا سيما فيما يتعلق بتحديد أماكن المحلات الجديدة بدقة، فيقول إن سجلات المحكمة الشرعية ساعدت في رصد بعضها بينما غاب عنه البعض الآخر. كما يترك أسئلة مفتوحة حول أسباب التوسع السكاني، ملمحاً إلى أن الهجرة كانت عاملاً رئيسياً إلى جانب النمو الطبيعي، دون أن يتعمق في تحليل أسباب هذه الهجرة أو خصائص المهاجرين. هناك أيضاً إشارة إلى أن السور فقد أهميته العسكرية في عهد إبراهيم باشا عندما هُدمت أجزاء منه واستخدمت حجارته في بناء ثكنات الجيش المصري، وهي نقطة تستحق المزيد من التحليل حول التحول الوظيفي للأسوار في العصر الحديث.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، فكرة أن الاندماج في البوتقة العربية شمل معظم العناصر المهاجرة، مع استثناء بعض الأقليات الكبيرة كالأكراد. هذا الطرح يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين هذه الأقليات والمجتمع الدمشقي، وما إذا كانت العزلة اجتماعية بالكامل أم لها أسباب سياسية واقتصادية أيضاً. كما أن وصف الحارة بأنها "مدينة مصغرة" يشير إلى درجة عالية من الاستقلالية واللامركزية، مما يثير تساؤلات حول مدى فاعلية السلطة المركزية وسيطرتها على تفاصيل الحياة اليومية في المدينة.

4.حارات دمشق75–85▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على وصف التكوين العمراني لمدينة دمشق في أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، ويُقدم صورة تفصيلية لشكل المدينة وأحيائها وأسوارها وحاراتها. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن دمشق لم تكن كتلة سكنية متماسكة داخل الأسوار فقط، بل كانت تمتد كـ"طائرة ورقية" نحو الجنوب، وأن توسعها كان مدفوعاً بعوامل ديموغرافية واقتصادية وإدارية، بالإضافة إلى الهجرة.

يبدأ الفصل بوصف المنظر العام لـ دمشق، مشبهاً إياها بطائرة ورقية، حيث تقع الكتلة الأساسية في الشمال داخل الأسوار، ويمتد "ذيل" البناء جنوباً على طول طريق الحجاز، لمسافة ميلين تقريباً وعرض ميل أو يزيد. هذا الامتداد يبدأ من الحوافي الغربية للأسوار، ماراً بأحياء مثل القنوات والسنانية وباب الجابية وقصر الحجاج ومصلى العيدين وميدان الحصى (الميدان التحتاني) والميدان الفوقاني وصولاً إلى بوابة الله.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى ذكر الأحياء الرئيسية خارج أسوار دمشق، والتي تشكل الكتلة السكنية الأساسية في الجهة الشمالية، مثل: مزة القصب، العقيبة، العمارة البرانية، سوق ساروجة، حي البحصة، ومن الناحية الجنوبية حي الشاغور البراني. ويذكر أن توسع المدينة حصل بشكل أساسي على أطراف الأرياف في الجهة الشمالية الغربية والجنوبية، ويعزو ذلك إلى هجرة أبناء الأرياف والغرباء، خاصة المسلمين، بحثاً عن الرزق والأمن، بالإضافة إلى تمركز المراكز الاقتصادية والإدارية والدينية في وسط المدينة وجنوبها وغربها، مما جذب هذه العناصر المهاجرة.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل سور دمشق وخندقه، موضحاً أنه ظل محتفظاً بأهميته العسكرية حتى دخول إبراهيم باشا المصري، حيث قام السكان بتسليمه المفاتيح. يصف الفصل مسار السور والخندق المحيط به، وكيف كانا يطوقان المدينة من جميع الجهات، ويذكر أن الخندق كان يُستخدم كمصرف للمياه المالحة. ويضرب أمثلة على إغلاق أبواب السور في أوقات الملمات، مثل لجوء أبناء حي باب مصلى والسويقة إلى المدينة بعد أن ضرب أسعد باشا العظم قوات الإنكشارية في حي الميدان سنة 1741 م، وتحصن قوات الإنكشارية داخل المدينة سنة 1807 م، وانتقال أهل القرى والميدان إلى داخل السور خوفاً من النهب سنة 1819 م. ويشير الفصل إلى أن أجزاء من السور زالت في عهد إبراهيم باشا، واستخدمت حجارتها في بناء ثكنات الجيش المصري، مما يدل على فقدانه أهميته العسكرية. ثم يسرد الأبواب الرئيسية التي بقيت حتى القرن التاسع عشر، مثل: الباب الشرقي، باب كيسان، الباب الصغير، باب الجابية، باب الحديد، باب السر، باب الفرج، باب جنيق (الفراديس)، مشيراً إلى أن كل باب كان مجهزاً بمصراعين من الخشب المتين المصفح بالحديد، وكان يغلق عند غروب الشمس، وأن للحارات الخارجية أبوابها الخاصة التي كانت تُقفل عند الحاجة ويحرسها أبناء الحارة من خلال فتحات صغيرة تُسمى (الخوخات).

يتناول الفصل بعد ذلك تقسيمات الكتلة السكنية إلى ثمانية أثمان، خمسة منها خارج السور وثلاثة داخله، ويذكر أسماءها ومواقعها وحدودها بشيء من التفصيل. يذكر المؤلف أن توضع السكان في دمشق كان على أساس طائفي أو قبلي أو قومي وحتى حرفي. فمثلاً، كان الجزء الجورة مخصصاً لأهل الذمة، الذين وزعت أحياؤهم بحسب مذاهبهم وطوائفهم (ربانيون، قرائيون، سامرة من اليهود، وموارنة وكاثوليك وأرثوذكس من النصارى). أما بقية الأحياء فكانت سكناً للمسلمين السنة. ويذكر أن العناصر غير العربية سكنت في أحياء مثل سوق ساروجة والبحصة والقنوات والعقيبة والعمارة والميدان، وأن دمشق استطاعت مع الزمن أن تصهر هذه العناصر في بوتقتها العربية، باستثناء بعض الأقليات الكبيرة مثل الأكراد الذين بقوا معزولين حتى أوائل القرن العشرين.

في الجزء الأخير، يصف الفصل طبيعة الحارة الدمشقية كمدينة مصغرة، لها مسجدها أو كنيسها، وطريقتها في توزيع المياه (طالع ماء خاص)، وحماماتها وسويقتها، وشيخها وشرطتها المؤلفة من العسس. ويصف شكل الأزقة والشوارع التي تفضي إلى دروب وأزقة ودخلات مسدودة، وملامح المنازل التي تظهر من الخارج بأبواب صغيرة مصفحة بالمعدن ونوافذ عالية مزودة بقضبان حديدية ومصبعات خشبية. ويورد مثالاً على ذلك بوصف زقاق الست نفيسة في الشاغور البراني، الذي لا يتجاوز عرضه 0 سم (على الأرجح 80 سم) وهو متكسر لا يسمح لشخصين بالمرور معاً، وأبواب منازله ضيقة ومخفضة.

أخيراً، يناقش الفصل دور شيخ الحارة وإمامها وأعيانها ورجال الدين، والذين كانوا في الغالب من السباهية الإقطاعيين أو الأثرياء أو رؤساء الأسر القوية أو بعض أغوات الإنكشارية. ويذكر أمثلة على شيوخ حارات مثل مرادي أحمد بن القلطقجي وعبد الله بن حمزة في سوق ساروجة، ومصطفى آغا بن حضري في الميدان، وفرج ولد موسى شيخاً لحارة اليهود سنة 1807 م. ويوضح أن الفوضى وفقدان الأمن أدى إلى انتقال السلطات التنفيذية الحكومية إلى هؤلاء الشيوخ، فشكلوا هيئات إدارية وقضائية حلوا بها مشاكل أحيائهم وساعدوا السلطة، وفي بعض الأحيان تحملوا تبعات أخطائهم، مما جعل غضب الولاة ينصب عليهم، كما حصل مع آل التروان.

يقر الفصل ببعض القيود والتحفظات، حيث يشير إلى أن سجلات محاكم دمشق الشرعية ذكرت العديد من المحلات والأزقة الجديدة ولكنها لم تحدد أماكنها بدقة، مما جعل رصدها متعذراً في بعض الأحيان. أيضاً، يلاحظ الفصل صعوبة تحديد أسماء بعض الأماكن التي وردت في النصوص التاريخية دون تحديد دقيق لموقعها، مثل ذكر أسماء أزقة وحارات لا تزال مسكونة حتى وقتنا الحاضر دون ذكر مصيرها.

في النهاية، يمكن القول إن هذا الفصل يُشكل وثيقة تاريخية وصفية مهمة لفهم التركيب العمراني والاجتماعي لمدينة دمشق في فترة تاريخية حاسمة. يستند الفصل بشكل كبير على السجلات الشرعية (سجلات المحكمة الكبرى بدمشق) ومصادر تاريخية أخرى (مثل البديري وابن طولون)، مما يمنح معلوماته مصداقية عالية، ولكنه في نفس الوقت قد يكون مليئاً بالتفاصيل الجغرافية والأسماء القديمة التي قد لا تكون مألوفة للقارئ المعاصر. يعتمد الفصل على المنهج الوصفي التحليلي من خلال سرد الأسماء والمواقع وتحليل أسباب التوسع الحضري والتنظيم الاجتماعي، مما يجعله مرجعاً قيماً للمتخصصين في تاريخ المدن والعمارة الإسلامية.

5.سكان دمشق86–92▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول سكان مدينة دمشق، ويسعى إلى تقديم تحليل لبنيتهم الاجتماعية والديموغرافية، وتركيبتهم القومية والدينية، مع التركيز على العوامل المؤثرة في تغير حجم السكان وتوزيعهم داخل أحياء المدينة. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن دمشق في الفترة الممتدة من أوائل القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر كانت مدينة ذات بنية سكانية معقدة ومتغيرة، تأثرت بشكل كبير بالهجرات القسرية والطوعية، وبالكوارث الطبيعية والأوبئة، وبالتحالفات والصراعات بين القوى المحلية.

يسير الفصل وفق تسلسل واضح، يبدأ بمناقشة النفوذ المحلي لشيوخ الحارات وأغوات اليرلية، ويستشهد بمثال مقتل بعضهم على يد والي دمشق أسعد باشا العظم. ثم ينتقل إلى الحديث عن دور مجلس الحارة كحكومة محلية، ويضرب مثالاً على ذلك بإدراك إبراهيم باشا لهذا النفوذ، حيث أخذ شيوخ الحارات كرهائن قبل توجهه إلى حمص لضمان استقرارها. يورد الفصل أيضاً أدلة على الصراعات الدموية بين الحارات، مثل الصدام الذي وقع في سنة 1216 هـ / 1801 م بين أهالي الميدان وأهالي الشاغور، وصدام آخر في سنة 1711 هـ / 1194 م استمر سبعة أيام بين أبناء الحارات وقوات قلعة دمشق من القالي قول، واصفاً إياه بأن البلاد تركت بلا حاكم. وظيفة هذه الأمثلة هي إظهار ضعف سلطة الدولة المركزية وقوة النسيج الاجتماعي المحلي القائم على الحارات.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقدير حجم سكان دمشق، مقارناً إياها بحلب التي فاقتها عدداً في تلك الفترة، ويعزو ذلك لانفتاح حلب على الأجانب ولهجرة أبناء الريف إليها. يذكر المؤلف تقديرات رحالة ومؤرخين متعددة ومتباينة، مثل تقدير براون في أواخر القرن الثامن عشر بأن عدد السكان أقل من مائتي ألف، وتقدير س. بيكنجهام في سنة 1815-1816 م بـ 126000 نسمة منهم 5000 مسيحي و 1500 يهودي و 4000 تركي، وتقدير بورتر في منتصف القرن التاسع عشر بـ 151000 نسمة. يعترف المؤلف صراحة بصعوبة التقدير الدقيق، مشيراً إلى أن الإحصاءات الرسمية كانت غير دقيقة بسبب إهمال الضباط وتقاليد المجتمع التي تمنع إحصاء النساء، ويخلص إلى أن أقرب الأرقام للحقيقة هو ما أورده بورتر مع السماح بهامش خطأ.

يخصص الفصل حيزاً لتحليل العوامل المؤثرة في تغير البنية السكانية، وفي مقدمتها النكبات والكوارث. يذكر الزلازل كزلزال سنة 1111 هـ، والجوائح الوبائية كالطاعون والكوليرا التي وقعت في سنة 1848-1869 م، وجائحة عام 1797-1798 م التي وصفها حسن أغا العبد بأنها لم يسبق لها مثيل، وجائحة الجدري في عام 1798 م التي كانت تقتل ما يزيد عن مئة ولد يومياً. يوضح المؤلف أن هذه الكوارث لم تؤثر فقط على عدد السكان، بل غيرت بنيتهم الديموغرافية بشكل فجائي، بإزهاق أرواح فئات عمرية محددة في الغالب. يشير أيضاً إلى دور الهجرة القسرية، مستشهداً بحادثة سنة 1193 هـ التي دفعت الكثيرين للفرار أو الاختفاء أو التشتت في القرى.

في القسم الأخير، يقدم الفصل تفصيلاً للتركيبة القومية والدينية للسكان، مع ذكر توزيعهم الجغرافي داخل أحياء دمشق وأرباضها. يذكر أن معظم السكان كانوا عرباً سوريين، مع وجود أقليات من العراق، المغرب العربي، الصعيد، السودان، الأرمن، الأكراد، الأتراك، الداغستانيين، الفرس، الهنود، والأفغان. يوضح توزيع هذه الأقليات، كالأكراد في الصالحية والميدان، والفلاحين من قريتي السخنة والنعيرية في الميدان في بيوت على شكل قبة عُرفت باسم القبيبات، والمسيحيين الكاثوليك في زقاق البرج والقرشي، واليهود في الشاغور (حيث سكن 47% منهم)، والشيعة في الخراب والجبورة، والعلويين والإسماعيليين في الجزيماتية وزقاق الحشاشة من حي الميدان. كما يتناول توزيع الأسر الدينية الإسلامية البارزة مثل آل الكزبري، آل الغزي، آل البكري، آل العجلاني وغيرهم في أحياء محددة. يختم الفصل بالإشارة إلى وجود جالية أرمنية في دمشق.

يقر المؤلف بحدود واضحة تتمثل في صعوبة تقدير التعداد السكاني بدقة، وعدم موثوقية الإحصاءات الرسمية والعثمانية أو تقديرات الرحالة، مما يدفعه إلى تقديم ترجيح حذر لأرقام بورتر مع الإشارة إلى هامش الخطأ المحتمل. هذه القيود تجعل من أرقام الفصل مجرد تقديرات تقريبية لا حقائق مطلقة.

8.تعداد أسواق دمشق وأماكنها103–110▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" للدكتور نعيمي محاولةً لتوثيق ورسم صورة تفصيلية لأسواق مدينة دمشق في العهد العثماني، استناداً إلى أحد المصادر التاريخية الرئيسية وهو كتاب "نزهة الرفاق في شرح حال الأسواق" ليوسف بن عبد الهادي، الذي أتم تأليفه سنة 895 هـ / 1490 م. لا يقدم الفصل إجابة نظرية بقدر ما يقدم سرداً وصفياً وجرداً حسابياً لهذه الأسواق، محاولاً الإمساك بهندستها المعمارية وطبيعة نشاطها التجاري والاجتماعي قبل أن تتبدل معالمها بالكامل.

يسير الفصل وفق خطوتين رئيسيتين: أولاً، وصف للحيز المادي للأسواق وطابعها العام، وثانياً، تعداد شبه موسوعي لأسماء الأسواق ومواقعها وأهم ما كان يُباع فيها. يبدأ الفصل بتصوير هندسة "الذكاكين" (الحوانيت) التي كانت تُبنى على شكل عقود حجرية ضيقة ومتطاولة، بحيث لا تتسع لأكثر من زبون واحد، مما كان يسبب ازدحاماً شديداً في الممرات. السمة العامة لهذه الأسواق، كما ينقل المؤلف، هي الظلمة، إذ يصعب دخول ضوء الشمس بسبب ضيق الممرات، وامتداد الحوانيت إلى الداخل تحت الأقبية الحجرية، مع غياب شبه تام للنوافذ والإضاءة الطبيعية. ويصف الفصل الحياة الاجتماعية في هذه الأسواق، فيذكر حوانيت الحلاقين (الزينين) الذين كانوا يدعون المارة، ومقاهي كان يرتادها "الأغوات" بملابسهم الفاخرة من فروات الحرير الأحمر المبطنة بفراء السمور، متقلدين سيوفهم وخناجرهم، ويتقدمهم خدمهم حاملين غلايينهم ونارجيلاتهم.

ولإضفاء الحيوية على هذا المشهد، يستعين المؤلف بشهادة الرحالة بورتر، وينقل عنه أوصافاً حية لعدد من الأسواق. ففي سوق الزرابلية، يصف بورتر مشهد الأيدي المشغولة في تطريز الأحذية الصفراء والشخشور (الذي كان بديلاً للجوارب). وفي سوق الحدادين أو "سوق الحمادين"، يصف سوقاً مظلماً يكاد لا يرى أحدٌ فيه الآخر، يزداد ظلاماً بدخان كير الحدادين، ولا يُسمع فيه سوى صوت مطارق العمال. أما في سوق القباقبية، فيصف مراحل صناعة القباقيب بدءاً من تشكيل الخشب، وصولاً إلى تزيينه بالأحجار الكريمة كاللؤلؤ، ثم تركيب الجلد. ويختتم بورتر جولته بوصف شارع السلطاني ومنه إلى سوق البزور (البزورية) حيث رآى التوابل والفواكه المجففة معروضة بانتظام، وفي وسطه بناء ضخم على الطراز المغربي هو حمام أسعد باشا العظم. ويذكر الفصل أيضاً سوق الحرير (أو البزاز)، الذي كان مخصصاً للنساء، ويقول بورتر إنه لم يستطع اختراقه إلا بصعوبة لشدة الزحام.

بعد هذا التمهيد الوصفي، ينتقل الفصل إلى جوهره وهو تعداد الأسواق نقلاً عن ابن عبد الهادي. يشير المؤلف إلى أن ابن عبد الهادي أحصى في دمشق وضواحيها 111 سوقاً بين كبير وصغير، ولكن مع تكرار بعض الأسماء، فإن الثابت منها بحسب رواية ابن المبرد هو 79 سوقاً، يُضاف إليها أسواق أُحدثت لاحقاً في ظل الدولة العثمانية. يورد الفصل بعد ذلك هذه الأسواق بأسمائها ومواقعها الرئيسية، مع إشارات موجزة لما كانت تختص به، ومن أبرزها: سوق الذراع (خلف الجامع الأموي، لبيع البز والحرير والثياب النفيسة)، سوق الذهبيين (شرفه، وكان يعمل به نصارى)، سوق الدهينية (شرق الجامع، لحاجات النساء)، سوق الحرير، سوق العطارين، سوق السرامجيين (صانعو نوع من الأحذية)، سوق الوراقين والكتبيين (في باب البريد)، سوق الزرابلية (في الرصيف والعقيبة)، سوق السلاح (قبلي الجامع، ويؤكد المؤلف أنه يخص الأسلحة البيضاء كالسيوف والرماح قبل استخدام السلاح الناري)، سوق الصاغة (الجوانية للؤلؤ والجواهر، والبرانية للخواتم والأساور)، سوق البزوريين (البزورية) (تحت سوق السلاح، للنباتات العطرية والأبازير)، سوق العبيين، سوق الجوخيين، سوق الفرايين، سوق الجوار والرقيق (الذي كان يُباع فيه الرقيق يومي الاثنين والخميس عند التكية)، سوق القطنيين، سوق النجادية (لتنجيد الفرش)، سوق الصابون، سوق الحبالين، سوق باب الجابية، وسوق للورود في الصالحية، بالإضافة إلى أسواق متفرقة للحدادين والنجارين في باب الجابية والشاغور وباب الصغير.

يقرّ الفصل بحدود مصادره، حيث يشير إلى أن المؤلف الرئيسي (ابن عبد الهادي) قد كرر أسماء بعض الأسواق، مما يستوجب التثبت منها بروايات أخرى، وأن القائمة النهائية البالغة 79 سوقاً هي الثابتة بحسب رواية ابن المبرد. كما أن الفصل يعترف ضمنياً بعدم شموليته للتطورات الحديثة، إذ يذكر أن الأسواق التي أُنشئت في مناطق السكن الجديدة خارج الأسوار كانت تقدم الخدمات نفسها دون جديد يُذكر، مما يدل على استمرارية الحرف والصناعات القديمة في مجتمع دمشق. وفي النهاية، لا يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش بمفهوم الجدل الفكري، بل هو أشبه بمادة خام وصفية وتوثيقية، قيمتها تكمن في حفظ أسماء ومواقع ووظائف نسيج اقتصادي واجتماعي كان يوماً ما نابضاً بالحياة، مما يفتح الباب أمام الباحثين لتحليل دلالات هذا التوزيع المكاني للحرف وعلاقته ببنية المدينة الاجتماعية والدينية.

9.منتزهات دمشق111–121▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" للدكتور عبد القادر النعيمي حول وصف أسواق دمشق ومنتزهاتها، بهدف تقديم صورة حية للنسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة في العصر العثماني. يقدم المؤلف إجابة ضمنية مفادها أن هذه الأسواق والمتنزهات لم تكن مجرد أماكن للبيع والترفيه، بل كانت انعكاساً لتنظيم الحرف، وطبيعة العلاقات الاقتصادية، وثراء الحياة اليومية، وامتزاج العناصر الطبيعية والبشرية التي شكلت هوية دمشق.

يسير الفصل في جزأين رئيسيين غير معلنين: الجزء الأول والأكبر هو جرد تفصيلي لأسواق دمشق، والجزء الثاني هو وصف لمنتزهاتها. في الجزء الأول، ينتقل المؤلف من سوق إلى آخر، ذاكراً اسم السوق وموقعه والحرفة أو السلعة المختصة بها. يستند في ذلك إلى مصادر تاريخية متنوعة مثل سجلات المحكمة الكبرى بدمشق، وكتاب "قاموس الصناعات الشامية" لمحمد سعيد القاسمي، و**"نزهة الأنام في محاسن الشام"** ليوسف بن عبد الهادي. يبدأ بسرد الأسواق التي كانت تقع عند باب الجابية مثل سوق الدقاقين (بائعي الدقيق)، ثم ينتقل إلى سوق الخراطين، سوق الدفوفيين، وسوق الهوى لبيع آلة الخيل. يتطرق لأسواق الحرفيين في منطقة القلعة مثل سوق السروجيين، سوق الحدرة لبيع الزبيب، سوق القربيين، سوق الجمال، وسوق البقر الذي كان يعقد يوم الجمعة. يذكر أن بعض الأسواق كانت لها أكثر من تسمية، مثل سوق برا وسوق قميلة وسوق ساروجة، والتي كانت كلها أسماء لسوق واحد تحت القلعة لبيع الحلقان. يستمر السرد ليشمل سوق القشاشية عند القلعة، سوق النحاسين، سوق السقطية، سوق الخبل (لبيع الخيل)، ثم ينتقل إلى أسواق باب الفرج مثل سوق المخضرية للبقول، سوق الشماعين، سوق الغرابلية، وسوق القزازين. كما يذكر أسواقاً متفرقة مثل سوق الكتب عند باب البريد، وسوق الابارين، وسوق العلبية بمحلة مأذنة الشحم. يخصص الفصل مساحة لأسواق الحرفيين الذين كانوا متفرقين في البلد وليس لهم مكان محدد، مثل سوق الطباخين وسوق الفقاعية وسوق التنورية. يشير المؤلف إلى أن هذه الأسواق بقيت قائمة خلال العهد العثماني وحتى وقتنا الحاضر، باستثناء القليل منها الذي اندثر، مثل سوق الزنوطية القديم الذي استخدمت حجارته في بناء قصر أسعد باشا العظم. ويضيف أن الأسواق المحدثة في العهد العثماني مثل سوق السنانية (الذي يقع فيه جامع سنان باشا)، وسوق الدرويشية، وسوق محمد باشا العظم، وسوق مدحت باشا، لم تغير من طبيعة علاقات الإنتاج السابقة، بل إن تزايدها يدل على تزايد عدد السكان الذي عجزت الأسواق القديمة عن سد حاجاتهم. يذكر الفصل أيضاً الأسواق المؤقتة التي كانت تعقد أياماً محددة من الأسبوع، مثل سوق نحان حاصبيا في سفح جبل الحرمون بالقرب من قرية قانقاب، حيث كان الفلاحون يتجمعون يوم الثلاثاء للتجارة.

أما الجزء الثاني من الفصل، فيتحول إلى وصف منتزهات دمشق، مفسراً جمالها وثراءها بالمناخ المعتدل حيث تقع دمشق في خط الاعتدال وتجتمع فيها أشجار الأقطار الحارة والباردة والمتوسطة. يعزو المؤلف هذا الخضار أيضاً إلى وفرة المياه من نهر بردى ويد الإنسان الماهرة التي تعاقبت على هذه الأرض منذ القدم، مشيراً إلى دور الآراميين والرومان. ينقل المؤلف شهادات لعلماء وكتّاب غربيين ممن زاروا دمشق وانبهروا بها، مثل موريس باريس الذي قال عنها: "هي جزء من الخيال وموطن الشعر"، وألفونس دو لا مارتين الذي قال: "كانت قباب مساجدها وقصورها الكثيرة تعكس أشعة الشمس الغاربة وكان ينشق المرء أريج الورود"، وبرير هابم الذي قال: "تبدو دمشق في أعالي الجبل وقد أحاطت بها الغوطة كأنها لؤلؤة ما زالت في صدفها". كما يروي قول الشاعر إبراهيم عبد الغني الخياري الذي وصفها بأنها "نزهة للناظر وسلوة لحزون الخاطر وتحفة للقاطن والمسافر". يقسم الفصل المتنزهات إلى نوعين: قريبة من أسوار المدينة كانت تسير إليها على الأقدام، مثل الشرفين الشمالي والجنوبي اللذين يطلان على المرج الأخضر ونهر بردى، ومتنزه الصوفانية، ومتنزه باب شرق الذي كان متنزهاً للنصارى، ومتنزه مرج الدحداح الذي كان معدا كمنتزه للأشراف. ثم يذكر متنزه عين الكرش ومتنزه الآس والجلاس غربي قاسيون، ومتنزه ما بين النهرين الذي وصفه بأنه كان يضم سويقة وحانوت طباخ وصاجاتي وفقاعي وفاكهاني وقلائين. يصف متنزه الجبة بأنها أرض مربعة قدر فدانين عليها سقائف طين بين شجر الصفصاف والجوز والحور، وكل مفرش حصير تحيط به جداول ماء من أربع جهاته من البرك والبحيرات. ويشير إلى أن أصحاب هذه الجنائن ومستأجريها من صناع ومتعيشين كانوا يستقبلون الزوار على الدوام صيفاً وشتاء. يورد الفصل وصفاً مطولاً نقلاً عن الخياري لمتنزه الربوة، حيث يصف بستاناً فيه أنبوب ماء يتصاعد كالفضة والبللور يسمى "النوفرة" أو "الفوار"، و"مجلساً لطيفاً حسن الوضع" يقوم مقابله "إيوان لطيف مركب على أعواد خشب تحته نهر بردى"، وخلال اليوم كانوا يتظللون بالأشجار وتتغنى الأطيار من فوقهم.

يقر الفصل بوجود حدود معرفية من خلال اعتماده على مصادر تاريخية متنوعة (سجلات المحكمة، كتب المؤرخين) مما يدل على محاولة تجميع صورة من أجزاء متفرقة. كما أن الإشارة إلى أسواق "لم يحدد مكانها" أو أسواق "وجدت فيما بعد" تشير إلى أن القائمة ليست شاملة أو قاطعة. في نهاية الفصل، قد يكون هناك حجتان قابلتان للنقاش بناءً على النص نفسه: أولاً، الاستنتاج بأن تزايد عدد الأسواق في العهد العثماني يدل حصراً على تزايد عدد السكان، متجاهلاً إمكانية عوامل أخرى كالتغير في أنماط الاستهلاك أو الديناميكيات الاقتصادية. ثانياً، الاعتماد على شهادات الرحالة الأجانب والعرب كدليل وحيد على جمال المدينة وجاذبيتها، دون تقديم تحليل موضوعي للظروف المعيشية أو الاجتماعية داخل هذه المتنزهات، مما قد يعطي صورة مثالية جزئية عن الحياة اليومية في دمشق.

10.حمامات دمشق122–129▼ ملخص

ملخص الفصل: «حمامات دمشق»

يتناول هذا الفصل موضوع الحمامات العامة في مدينة دمشق خلال العصر العثماني، ويعرضها المؤلف كمؤسسات ذات نفع عام وخدمة اجتماعية حيوية، وليس مجرد أماكن للاستحمام. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن حمامات دمشق كانت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والعمراني للمدينة، حيث ارتبطت بجميع فئات المجتمع، ونُظمت أوقافها، وتنوعت في فخامتها وخدماتها، كما تطورت أعدادها ومواقعها تبعاً لتوسع المدينة وزيادة سكانها.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تعريف الحمامات كمؤسسات وقفية ينتفع بها الجميع، ثم ينتقل إلى تعداد الحمامات وتوزيعها الجغرافي داخل أسوار دمشق وخارجها، مروراً بوصف نمط بنائها المعماري الدقيق، وانتهاءً بشرح نظام تزويدها بالمياه والتدفئة. يستشهد المؤلف بعدة أمثلة لتوضيح طبيعة الأوقاف، مثل حمام فتحي أفندي القلانسي في حي الميدان الذي كان يقدم الاستحمام مجاناً مع وجبة من الصفيحة، وحمام ساقة الذي كانت تخصص دخله لمدارس ومنشآت دينية وللصيانة. كما يذكر أسماء عدد كبير من الحمامات مثل حمام النائب، وحمام منجك، وحمام نور الدين الزنكي في البزورية، وحمام القيشاني، وحمام الملكة، مبيناً مواقعها في الأحياء المختلفة.

لتتبع التغير العددي للحمامات، يستخدم المؤلف إحصائيات من مؤرخين: فالحسن بن أحمد الاريل المتوفى سنة 745 هـ يذكر وجود 76 حماماً داخل السور و49 حماماً خارجها، بينما ابن كنان المتوفى سنة 1151 هـ يحصر عددها الكلي بـ89 حماماً. ويخلص المؤلف من دراسته لسجلات المحاكم إلى أن عدد الحمامات تناقص بين القرنين الثامن والحادي عشر، ثم تزايد بعدها، مع ملاحظة أن الحمامات الخارجية تكاثرت في الفترة المدروسة نتيجة نمو الأحياء السكنية الجديدة.

يصف المؤلف بنية الحمام النمطية بالتفصيل، والتي كانت تتألف غالباً من ثلاث دوائر رئيسية: البراني (الدائرة الخارجية) ويضم مصاطب لخلع الملابس وخزانات لحفظها ونافورة ماء، ثم الوسطاني والجواني (الدوائر الداخلية) المخصصة للاستحمام والمجهزة بأجران رخامية للمياه الساخنة والباردة. يذكر أن بعض الحمامات كانت مكونة من دائرتين فقط. ويشير إلى أن المهندسين أنفقوا جهداً كبيراً على نظام التدفئة، إذ كان الأقميمي (القيم على النار) يُشعل الوقود تحت مرجلين نحاسيين يُسمى الناري والدخاني، حيث يسخن الماء في الناري لينتقل إلى الدخاني، ثم تتوزع حرارة الدخان عبر أنابيب تحت أرضية الوسطاني والجواني لرفع حرارتها. أما الإضاءة فكانت تأتي من فتحات زجاجية في القباب تُسمى القماري.

أما بالنسبة لإمدادات المياه، فكان كل حمام يستقي من طالع خاص يتفرع من طالع رئيسي، مثل نهر بانياس الذي كان يغذي حمام الملكة والقاضي، أو نهر يزيد الذي كان يغذي حمام نور الدين الشهيد. ولضمان استمرار الخدمة في حال انقطاع المياه، أُقيمت خزانات طوارئ داخل الحمامات. ويختتم الفصل بإشارة إلى آراء المؤرخين الذين أجمعوا على أن أكثر الحمامات اتساعاً ونظافة في تلك الفترة كانت: حمام الخياطين، حمام القيشاني، حمام الملكة، حمام النوفرة، حمام المسلك، حمام الخراب، حمام الناصري، حمام البكري، حمام القيمرية، حمام الشيخ، وحمام نور الدين الشهيد.

لم يقر المؤلف بوجود حدود أو تحفظات واضحة في منهجيته، بل اعتمد بشكل أساسي على سجلات المحاكم الشرعية ومصادر المؤرخين. ومع ذلك، فإن الملاحظة التي أوردها بأنه "لا شك أنه قد غاب عنا بعض أسماء الحمامات" تشكل اعترافاً ضمنياً بنقص المعلومات. يمكن القول بأن حجة المؤلف قوية في إثبات الدور الاجتماعي والخدمي للحمامات، لكن النقاش يظل مفتوحاً حول مدى دقة الأرقام التاريخية التي نقلها عن غيره، خاصة أن الأعداد المذكورة تختلف اختلافاً كبيراً بين مؤرخ وآخر مما قد يثير تساؤلاً حول طريقة الحصر ومعايير تصنيف الحمامات كعاملة أو مهملة.

12.البيمارستانات في دمشق133–140▼ ملخص

يتركز هذا الفصل حول تاريخ البيمارستانات في دمشق وتطور الرعاية الصحية والممارسات الطبية فيها، من العصور الوسطى حتى منتصف القرن التاسع عشر، مع التركيز على التحول من الأساليب التقليدية إلى بدايات الطب الحديث. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن دمشق اعتمدت لقرون على ثلاثة بيمارستانات رئيسية كانت بمثابة دور للرعاية الاجتماعية أكثر منها مستشفيات بالمعنى الحديث، وأن نقلة نوعية في النظافة والصحة العامة بدأت فقط مع دخول إبراهيم باشا المصري الذي أدخل إصلاحات صحية وإدارية غير مسبوقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف دقيق لطقوس الحمامات الدمشقية، كالحمامات العامة التي كانت منتشرة في الحارات. يصف الفصل تفاصيل ما كانت تحمله النساء في «البقجة» من أدوات كـ«الطاسة والصابونة والترابة الحلبية»، وما كان الرجال يستخدمونه من «دواء لإزالة شعر العانة والإبطين». يخصص الفصل مساحة لحمامات المناسبات مثل «حمام العرس» و«حمام الولادة» و«حمام الأربعين»، ويبين كيف كانت بعض الحمامات وقفاً على فئات معينة؛ فـ«حمامات حي الميدان» كان يرتادها الفلاحون، و«حمام الراس» كان يقصده الحجاج الأكراد نهاراً والنساء بعد الظهر، بينما كان «حمام المسك» مقصداً للنصارى واليهود لقربه من أحيائهم. لا يخلو الفصل من ذكر سلبيات هذه الحمامات، حيث يورد حوادث السرقة التي كانت تحدث بين الزبائن، وحتى حوادث «تبديل الأطفال الرضع» أو التخلي عن الأطفال غير الشرعيين، في صورة صارخة من صور العيوب الاجتماعية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الموضوع المحوري وهو البيمارستانات الثلاثة في دمشق. الأول هو بيمارستان الخليفة الوليد بن عبد الملك، الذي أنشئ لعزل المجذومين خوفاً من العدوى في محلة «الأعاطلة» بالقرب من باب شرق، واستمر في عمله حتى مطلع القرن العشرين. الثاني والأشهر هو البيمارستان النوري، الذي أسسه نور الدين بن حمود بن زنكي سنة 96 هـ غرب سوق الخياطين. يطنب الفصل في وصفه، مشيراً إلى أنه كان يتألف من أربعة إيوانات لكل منها غرض علاجي، وكانت له أوقاف واسعة تغطي نفقات العلاج والطعام ورواتب ما لا يقل عن عشرين موظفاً من أطباء وصيادلة وعمال. يذكر الفصل أن طريقة العلاج فيه كانت طريقة العصور الوسطى، حيث كان المجانين يوثقون بالسلاسل، وأن أبناء الطبيب مصطفى عودة تطوعوا لمداواة الناس فيه بالطب القديم، وبقي يعمل حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري حيث جُمعت أوقافه لدعم إنشاء مستشفى الغرباء.

أما البيمارستان الثالث فهو البيمارستان القيمري، الواقع غرب جامع الشيخ حسن باشا شوريري. يقدم الفصل وصفاً معمارياً تفصيلياً له، يذكر فيه أجمل الواجهات والأيوان والقاعتين والحاصلين والأوقاف المحددة التي حبسها المؤسس. تُظهر وثيقة الوقف تفصيلاً دقيقاً للرواتب الشهرية للطبيب (70 درهماً ونصف غرارة قمح)، وللكحال (45 درهماً ونصف غرارة قمح)، وللحوائج، وللأمين، وللإمام، وللمعمار، وغيرهم من المرتبات، مما يعكس تنظيماً دقيقاً للعمل. كما يشير الفصل إلى أن التتار بقيادة تمرلنك عند احتلالهم للشام نزلوا في هذا البيمارستان وأشادوا به، وأنه ظل يستقبل المرضى للعلاج في القرن الثاني عشر الهجري، كما يُستدل من ترجمة علي الله الهندي التقشبندي الذي كان يخلو بنفسه في «معالى الأربعين» بجبل قاسيون حيث كان المرضى يعالجون.

يعترف المؤلف بحدود هذه البيمارستانات واضعاً إياها في سياقها التاريخي، فيقرر أنها كانت «دوراً للبائسين وأندية للضعفاء ولأصحاب العاهات والزمانات» أكثر منها مستشفيات حديثة. ويشير بوضوح إلى أن العهد العثماني لم يشهد إنشاء بيمارستانات جديدة حتى منتصف القرن التاسع عشر، باستثناء المستشفى العسكري الذي بناه إبراهيم باشا المصري سنة 1841 هـ/ 1840-1841 م عند احتلاله دمشق. كان هذا المستشفى نقلة في أسلوب العلاج على الطرائق الغربية، بعيداً عن الأساليب القديمة التي اعتمدت على التمائم والتعاويذ وأهملت الطب الوقائي.

يتناول الفصل بعدها مسألة النظافة العامة، فيقر المؤلف صراحة أن الدمشقيين أهملوا عن جهل إزالة مسببات الأمراض؛ فكانت المزابل تتراكم بالقرب من الحارات، وكان عمال الحمامات ينقلون روث الحيوانات لاستخدامه وقوداً، وتُرمى الجثث النافقة في الشوارع. يذكر أن أول إشارة للاهتمام بالنظافة تعود لسنة 1170 م في عهد محمد سلم باشا، لكن الناس استجابوا خوفاً من البطش لا بدافع وعي صحي. ثم يصف التحول الجذري مع دخول إبراهيم باشا، الذي استشار الأطباء الأوروبيين المرافقين لجيشه، فأشاروا بتعيين عمال «لتنظيف الوحم والزبالة من طرقات البلد مع التكنيس ورش المياه». طبقت السلطات المصرية هذه الإجراءات: عينت مكنسين بأجرة شهرية، منعت وضع القمامة الرطبة داخل المحلات، عينت جنوداً لمراقبة النظافة اسمتهم «الطوف»، وجففت المستنقعات وبنَت المجاري. ويعزز المؤلف هذا التحول باقتباس من المؤرخ فتح الله بن أنطون الصايغ الذي عاصر الحكم المصري وقال: «لنقصت الأمراض وكثرت الصحة في البلاد وبين العباد».

في الجزء الأخير، يعود الفصل إلى طرق المعالجة القديمة التي استمرت، فيشير إلى أن الملدوغ بالأفعى كان يُرسل من طرفه مع أثر له (كمحرمة أو طربوش) إلى شيخ يقرأ ويطلب من المرسال الوقوف على رجل واحدة، معتقداً أن السم سيزول. ويذكر أن المرضى كانوا يقصدون أصحاب الكرامات للشفاء، مستشهداً بـأحمد بن مشيش الذي كان يُشفى المرضى بوضع يده. يعترف الفصل بأن هذه الطرق حققت بعض النجاح بفضل الإيحاء النفسي، لكنها كانت عاجزة عن حالات أخرى. وهكذا، يقدم الفصل صورة متكاملة عن واقع الصحة في دمشق، من تنظيم البيمارستانات القديمة وأوقافها، وصولاً إلى الإصلاحات الصحية الأولى التي بشرت بعهد جديد، وإن ظلت طرق العلاج التقليدية سائدة لوقت طويل.

13.الطب ومدارسه في دمشق141–148▼ ملخص

يُشكّل موضوع الطب والأمراض في دمشق إبان العهد العثماني المحور الأساسي لهذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق". يقدّم المؤرخ الدكتور نعيمي صورةً شاملة عن واقع الحياة الصحية في المدينة، مركزاً على ثلاثة عناصر رئيسية: الجوائح والأوبئة المدمرة التي ضربت دمشق، وانتشار الممارسات الطبية التقليدية والشعبية، ومحاولات التحديث التي ظهرت في فترات لاحقة. يهدف الفصل إلى إظهار كيف تعامل المجتمع الدمشقي مع المرض والموت في غياب نظام صحي حديث ومؤسسات تعليمية طبية فعالة.

يسير الفصل وفق بنية واضحة، فيبدأ بعرضٍ لواقع الأوبئة المدمرة. يستشهد المؤلف بمثال الطاعون الذي أصاب دمشق في فترة ولاية صالح باشا المعدنلي الثانية، والذي أودى بحياة ١٥٠ ألف نسمة من سكانها، وكان فتّكه أشد في حوران. ويذكر جائحة وبائية جاءت من مصر عام ١٧٨٥ م، وصلت دمشق في آذار، ومات بسببها كثيرون، بينما كانت حلب أكثر تأثراً، حيث يذكر النص مقتل ١٠٠ ألف نسمة أو أكثر، وإن كان المؤلف يبدي تحفظاً على دقة هذا الرقم نظراً لصغر حجم سكان حلب آنذاك. ثم يضرب الفصل مثالاً بطاعون سنة ١٢٠٧ هـ الذي قضى على ربع سكان دمشق. يصف المؤلف الحياة خلال هذه الجوائح بأنها مشلولة تماماً، حيث تُقفل المدينة والحارات، ويتوقف البيع والشراء، وتُترك الجثث في الشوارع، ويُستأجر حفّارون لدفن الموتى. ويُلاحظ النص تفاوتاً في السلوك بين الأحياء، ففي حلب مثلاً، كانت الأحياء المسيحية واليهودية أكثر حرصاً على العزل وعدم الاختلاط، ويعزو المؤلف ذلك إلى وعي صحي أعلى ناتج عن اختلاطهم بالأجانب الغربيين واكتسابهم وسائل الطب الوقائي، مما جعل نسبة الوفيات بينهم أقل.

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن تطور الإجراءات الصحية، مبرزاً دور الاحتلال المصري. ففي طاعون دمشق سنة ١٢٥٤ هـ، قامت السلطات المصرية بإجراءات غير مسبوقة كالحجر الصحي (الكرانتينا) وعزل المصابين عن المشتبه بهم. يستند المؤلف إلى مذكرات مجهول تصف كيف حوّلت السلطات حدائق مثل عبد الرحمن هاشم وعاصم إلى كرانتينات للمصابين والملوثين، مع إلزام العسكر بالحراسة ومنع الخروج بسهولة، حيث كانت مدة الحجر أربعين يوماً للمطعون وثلاثين للملوث. ويذكر النص أن هذه الإجراءات أدت إلى حصر الوباء وتقليل الخسائر، على عكس الجوائح السابقة.

في القسم الأكبر من الفصل، ينتقل المؤلف لوصف مصادر المعرفة الطبية وروّادها في دمشق. يشير إلى أنه قبل العهد العثماني كانت هناك أربع مدارس طبية هي الدخوارية، الدخوارية، الدنيسيرية، اللؤلؤية، والربيعية، لكنها إما هُدمت أو تحولت لمساكن. مع غياب هذه المدارس، أصبح الطب يُؤخذ من منبعين: الأول هو كتب الطب القديمة المتداولة، والثاني هو السفر للدراسة في إستانبول أو مصر. يذكر الفصل أسماء أطباء بارزين من الطوائف المختلفة: من النصارى حنا الطبيب وعطايا الطبيب ومن اليهود المعلم يوسف اليهودي والمعلم هدايا الطبيب. ومن الأطباء المسلمين الذين ورثوا الطب عن آبائهم، يبرز المؤلف أسماء مثل شرف الدين الرحبي شيخ الأطباء، وأسعد بن إبراهيم الدمشقي الشهير بـابن حجيج، وإبراهيم الخلاصي الذي كان يعرف المرض من النبض والقارورة، ومصطفى آغا عودة الذي كان يعالج الفقراء بالطب القديم. لم يقتصر الطب على هؤلاء، بل برز أيضاً أطباء استخدموا الرقى والحجابات والتعاويذ وقراءة القرآن، مثل محمد طه غزال الذي عالج المصروعين، والشيخ ظبيان الكيلاني الذي كان يرقيهم بالقرآن. وفي المقابل، كان هناك أطباء حصلوا على علومهم من مدارس إستانبول، مثل عبد الإسعاد أيوب الخلوتي الذي أصبح رئيس أطباء البيمارستان هناك، وإبراهيم صرة أميني الذي درس الطب في إستانبول وتزوج ابنة شيخ الإسلام. كما أنتج الفصل أسماء مؤلفين طبيين مثل أبي بكر بن بيبران.

لا يغفل الفصل عن ذكر "المتطفّلين" على مهنة الطب، وهم الدجالون والمشعوذون من رجال ونساء. يُفرد مساحة للحلاقين الذين قدموا خدمات طبية كخلع الأسنان والحجامة وفتح الدمامل، ويروي عن أحمد حلمي العلاف قوله إن الحلاق كان طبيباً وجراحاً وكحالاً وطبيب أسنان في آن واحد، وكان أجر خدماته معقولاً، كدفع زاهية بنت حسن ١١ قرشاً أجرة حكمة للحلاق عبده بن حمزة، وقرشين ثمن لزقات. ثم يتناول دور النساء كقابلات (دايات) يكتسبن الخبرة بالممارسة، ويذكرن باستخدام "كرمبي" خاص أثناء الولادة. كما يذكر الفصل معالجة داء القرع لدى الأطفال على يد امرأة باستخدام الدهونات والمراهم. ويخصص الفصل فقرة لمداواة العيون على يد الكحالين مثل الحاج محمد بن عرفة والسيد عبد الله الكحال، محذراً من دجالين "يخبطون خبط عشواء ويتلاعبون بأعين الناس".

أما بالنسبة للجراحة، فيشير المؤلف إلى أنها كانت مهنة رائجة، نقلًا عن محمد سعيد القاسمي الذي وصف الجرّاح بأنه شخص ثري غالباً، وأن شهرته وحظه هما أعظم رأسماله. ويذكر الفصل العديد من الأدوات الجراحية التي استخدمها الأطباء كالمراود والمباضع والمناجل والمشارط. ويصف الفصل حياة الطبيب اليومية، حيث أقاموا دكاكينهم (عياداتهم) في الأسواق، وكانوا يزورون الأغنياء في بيوتهم. ينقل وصفاً حيّاً لزيارة طبيب لمريضة غنية في حلب من كتاب ألكس راسل، حيث تُراعى التقاليد الاجتماعية في الاحتجاب، فينتظر الطبيب بالخارج حتى تُخلّى الغرفة من النساء وتُسدل الستائر، ثم تدخل المريضة وعلیها نقاب ناعم، وتمسك بيدها ليجسّ النبض، وتشرح له آلامها مجيبة عن أسئلته، وقد تُبدي وجهها أو لسانها عند الحاجة دون أن تزيح النقاب عن شعرها.

ينتهي الفصل بالإشارة إلى بداية التحول نحو الطب الحديث، حيث بدأ الدمشقيون ينهلون المعرفة من المدارس التي أقامتها الدولة العثمانية في إستانبول على الطريقة الأوروبية في عهد السلطان محمود الثاني. ويذكر أن أول احتكاك لهم بهذه المدارس الغربية كان في عهد إبراهيم باشا بعد مقتل البادري توما سنة ١٨٣٩ م. وبقي الطب القديم سائداً في دمشق إلى أن بدأ أبناؤها ينهلون معارفه من إستانبول حيث أقيمت المدارس له وللصيدلة. يُقر المؤلف في ثنايا النص بحدود المادة التاريخية المتاحة ويعتمد على مذكرات مجهولة وسجلات المحاكم كمصادر أساسية، مما يدل على محدودية التوثيق الرسمي المفصل. كما يتحفظ على دقة بعض الأرقام كعدد وفيات طاعون حلب، تاركاً الباب مفتوحاً أمام احتمالية المبالغة. يُظهر الفصل بوضوح التوتر بين الممارسات التقليدية (التي تعتمد على الخبرة الموروثة والرقى) ومحاولات التحديث الطبي، ويمكن القول إن هذه المعارضة بين "طب الأطباء" و"طب المشايخ" والدجالين هي حجة قابلة للنقاش بناءً على مادة الفصل نفسه.

14.بردى والسقايات في دمشق149–158▼ ملخص

يتناول هذا الفصل من كتاب "مجتمع مدينة دمشق" للدكتور نعيمي قضية محورية هي علاقة مدينة دمشق بمصدر حياتها الأول، نهر بردى، وكيفية إدارة وتوزيع مياهه، بالإضافة إلى تطور الخدمات الطبية والصيدلانية في المدينة خلال فترة الحكم العثماني والحملة المصرية. يقدم المؤلف صورة متكاملة عن التحول من الطرق التقليدية في العلاج وإدارة المياه إلى أساليب أكثر حداثة، مع الحفاظ على بعض الممارسات القديمة.

يبدأ الفصل بالحديث عن التطور الطبي في دمشق، مشيراً إلى دور الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا في إدخال الطب الأوروبي الحديث. فقد ضمت الحملة أطباء أوروبيين مثل كلوط بيك ورينالدي وفينولو، بالإضافة إلى أطباء مسلمين وعرب من أمثال خليل الجراح ومحمد مستو. يُسلط الضوء على دور الراهب البادري توما، الذي أقام في دمشق عام 1808م، وقدم طرقاً جديدة في العلاج والوقاية. كما يذكر الفصل إرسال بعض الدمشقيين للدراسة في مصر لتعلم الطب الحديث، وكان من أبرزهم إبراهيم بك النجار، المولود في دير القمر عام 1837م، الذي درس في مدرسة القصر العيني على يد الدكتور كلوط بك ونال شهادته عام 1847م.

رغم هذه البدايات الحديثة، يؤكد المؤلف أن الطرق القديمة في الطب استمرت جنباً إلى جنب مع الطرق الجديدة حتى مطلع القرن العشرين. ويشير إلى تعليق محمد سعيد القاسمي على المتطفلين على مهنة الطب، حيث انتقد الجهلاء الذين يدّعون المعرفة الطبية. ويوضح الفصل أيضاً تطور مهنة الصيدلة، حيث يصف القاسمي نوعين من بائعي الأدوية: "الصيدلاني" التقليدي الذي يبيع الأعشاب والزهورات، و"الأحزخاني" الذي يقدم العلاجات على الطريقة الغربية، مما أدى إلى تراجع مهنة العطارة التقليدية مع ظهور الصيدليات الحديثة.

ينتقل المحور الرئيسي للفصل إلى نهر بردى وأهميته الحيوية لمدينة دمشق التي تعتبر قليلة الأمطار نسبياً. يوضح المؤلف كيف أن سلسلة جبال لبنان وحرمون تمنع الغيوم عن المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تغذي الحوض الجوفي الذي ينبع منه نهر بردى من سفوح جبل الزبداني الشرقية. ويصف رحلة النهر من منبعه، مروراً بترفده بنبع الفيجة الغزير وعيون أخرى، وصولاً إلى تشعبه قبل دخول دمشق إلى فروع رئيسية مثل تورا ويزيد والديراني وبانياس والقنوات، التي تروي بدورها الأحياء والغوطة.

يصف الفصل بالتفصيل نظام توزيع المياه المعقد في دمشق، مشيراً إلى أن أول من حاول جر المياه النظيفة داخل المدينة كانوا اليونان. توزعت المياه عبر شبكة من الطوالع والأقنية، حيث كان لكل حارة أو شارع "طالع" ماء خاص بها. يوضح المؤلف أن المياه كانت تباع وتشترى مع العقار بمقادير محددة تقاس بالأصابع (جزء من الذراع القاسمي)، مثالاً على ذلك بيت في محلة الراعي كان يستقي بمقدار "أصبع واحدة وربع أصبع". وتعكس هذه التفاصيل أهمية المياه وقيمتها الاقتصادية والاجتماعية.

يتناول الفصل عملية "تعزيل" مجاري النهر وفروعه، وهي عملية تنظيف دورية كانت تتم سنوياً في فترات محددة، حيث يصف محمد سعيد القاسمي كيفية قطع الماء عن فروع يزيد وتورا لمدة أسبوعين لتنظيفها من الأوساخ والأحجار. يوضح المؤلف دور الحكام العثمانيين في إصلاح هذه المجاري عند تعطلها، ويضرب مثلاً بالزلزال الذي ضرب دمشق عام 1751م وتسبب في أضرار بالغة لمجاري المياه، فأمر الوالي سليمان باشا العظم بإصلاحها من ماله الخاص في عملية استغرقت خمسة عشر يوماً فقط، واصفاً إياها بأنها كانت "فرجة من أبهى الفرج".

يخصص الفصل قسماً كبيراً للحديث عن "السقايات" و"السبلان" و"البحرات" التي كانت منتشرة في أرجاء دمشق. يصفها المؤلف كمنشآت ذات نفع عام أقامها الحكام والتجار والمحسنون في الشوارع والأسواق والجوامع والمدارس. كانت هذه السقايات تزود بالمياه عبر قساطل فخارية، وكانت تتراوح في أشكالها من البسيط إلى المزخرف بالمقرنصات والزخارف النباتية. من أبرز الأمثلة التي يذكرها: سقاية السروجي التي يُعتقد أن أصولها رومانية، وسقايا وبرك الجامع الأموي وجامع التوبة وجامع الربوة.

في ختام الوصف المعماري، يبرز المؤلف جملة من أشهر الأمثلة على هذه المنشآت المائية التي لا تزال قائمة، مثل بحرة جامع السنانية، وبحرة قصر أسعد باشا العظم، والتكية السليمانية في المرج الأخضر التي يصفها بأنها "أجمل بحرات الماء وفسقياتها في دمشق وأكثرها اتساعاً". يشرح تقنية بناء القساطل الفخارية وكيفية ربطها بمادة "اللامونة" المصنوعة من القطن والكلس والزيت، مشيراً إلى أن حرفة مد هذه الأنابيب كانت حكراً على المسيحيين الذين برعوا فيها.

يمكن القول إن الفصل يقدم نظرة شاملة ومفصلة عن الحياة اليومية في دمشق العثمانية، ربطاً بموردين أساسيين: المياه والصحة. النقطة القابلة للنقاش هي مدى دقة الوصف المثالي الذي يقدمه المؤلف عن نظام توزيع المياه، والذي يعتمد بشكل كبير على شهادات معاصرة مثل محمد سعيد القاسمي، الذي قد يكون متحيزاً لوصف النظام العثماني التقليدي على أنه شامل وعادل، بينما قد تخفي هذه التفاصيل صراعات اجتماعية أو تفاوتاً في الوصول إلى الموار

17.الفنادق والقيساريات والخانات والوكالات170–180▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل دراسةً معمقةً لأهم المنشآت الاقتصادية والاجتماعية في مدينة دمشق خلال العهد العثماني، وهي الفنادق والقيساريات والخانات والوكالات. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن طبيعة هذه المنشآت، مبيّناً أنها لم تكن مجرد أماكن للإيواء، بل كانت مراكز حيوية للتبادل التجاري والحرفي، ومأوى للمسافرين والتجار، ومستودعات للبضائع، ولعبت دوراً محورياً في ربط دمشق بمحيطها الإقليمي والدولي بفضل موقعها الاستراتيجي على طرق القوافل وقوافل الحجاج. يوضح المؤلف أيضاً أن التمييز بين هذه التسميات كان دقيقاً ومتداخلاً مع الزمن.

يسير الفصل خطوةً بخطوة، فيبدأ بتوضيح التداخل في المسميات وأصولها اللغوية المختلفة. فكلمة خان فارسية الأصل وتعني البيت أو القصر، بينما فندق تعود إلى أصول يونانية، وقيسارية يونانية أيضاً وتعني البناء الملكي أو الإمبراطوري، وقد استُخدمت وكالة في كل من مصر ودمشق للإشارة إلى الخان نفسه لكن على نطاق أضيق. يستعرض المؤلف بعد ذلك تاريخياً موجزاً لهذه المنشآت، فيذكر أن الأيوبيين بنوا في دمشق فنادق مثل فندق البزوريين وفندق ابن حية، وقيساريات مثل قيسارية الفخرية وقيسارية السلطان، وخانات مثل خان الزنجاري وخان الصالحية. أما في العهد المملوكي، فلم يعد لفظ "فندق" مستعملاً، وحل محله "قيساريات" و "خانات"، وشُيّدت منشآت جديدة مثل قيسارية مسبك الفولاذ (سنة ٧٢٧هـ/١٢٢٧م) وقيسارية يلبغا (سنة ٧٤٩هـ/١٣٤٨م).

ينتقل الفصل بعدها إلى العهد العثماني، وهو محور الدراسة، فيذكر أن هذه المنشآت استمرت وازدهرت. يسرد المؤلف أمثلةً كثيرة من سجلات المحاكم الشرعية، مثل خان جقمق وخان بيبرس وخان الدكة (المعروف ببيع الجواري والرقيق) وخان السبيل وخان العميان وخان قصر حجاج وخان الخرفان. ويشير إلى أن هذه الخانات لم تكن مخصصة لنزول التجار فقط، بل كانت مأوى لطوائف محددة كالجند، مثل خان اللاوند وخان الدالاتية (للمغاربة)، أو لتجار من أقاليم معينة، مثل خان الحماصنة (الذي بناه سليمان باشا العظم) لتجار حمص. وقد وقفها السلاطين والولاة والتجار على وجوه الخير كفكاك الأسرى والمدارس والجوامع، أو كأوقاف ذرية.

يتناول الفصل بالتفصيل وظائف هذه الخانات، فيصف النشاط التجاري القائم داخلها نقلاً عن رحالة ومؤرخين مثل لا مارتين (سنة ١٨٣١م) وبورتر (سنة ١٨٦٥م)، حيث كان التجار يستأجرون الغرف العلوية لبضائعهم الثمينة والسفلية كمستودعات، ويجلسون على الدرج أو بجانب المخازن لإتمام الصفقات وتناول القهوة والتدخين. ويصف الفصل أيضاً حركة العتالة (الحمالين) وبائعي الشراب والقهوجية. كان تخصص الخانات واضحاً، فمنها ما يختص بحرفة نسج الحرير والالاجة، ومنها للفتالين، وأخرى للمخمل المطرز والدمقس. أما حراسة الخانات، فكانت على عاتق آغا الانكشارية، ويدير شؤونها الأوضة باشي (البواب) الذي يقفل الباب مع الغروب ويثق به الجميع. وقد عمل العديد من المغاربة حراساً في هذه الخانات.

لم تقتصر الخانات على داخل أسوار المدينة، بل امتدت على الطرقات العامة المؤدية إليها، وكانت المأوى الأمين للقوافل والمسافرين في ظل انعدام الأمن، وكانت تبعد الواحدة عن الأخرى ما بين ٢٠ إلى ٤٠ كيلومتراً. يذكر الفصل نماذج مثل خان حسية وخان النبك وخان السلطان (المعروف الآن بـ خان العرايس) وخان القطيفة وخان سعسع وخان جسر بنات يعقوب. يصف الفصل هندسة هذه الخانات العامة، فهي عادة مربعة أو مستطيلة الشكل، بباب عالٍ يسمح بدخول الرواحل إلى ساحة داخلية فسيحة فيها بئر ماء، وتحيط بها غرف المسافرين، ويوجد مسجد للصلاة، وجدرانها الخارجية مرتفعة وخالية من الشبابيك. كان على المسافرين دفع رسوم للحراس أو الخانجية، وكانوا يؤمنون طعامهم وعلف دوابهم بأنفسهم. أقيمت في بعضها زوايا للفقراء يقدم لهم الطعام من الأوقاف.

يعترف المؤلف في نهاية الفصل ببعض الصعوبات والحدود، فيقرر عدم قدرته على الجزم بالفرق الدقيق بين القيسارية والخان في تلك الفترة، على الرغم من وجود أدلة على اختلافهما، مثل ما ورد عن بهرام باشا في حلب حيث كان لديه قيسارية وخان. كما يشير إلى أن التسميات تداخلت وظيفياً مع الزمن، فاستُخدمت ألفاظ مختلفة لمسمىً واحد في بعض الحالات. ويذكر أن العديد من هذه الخانات تهدم بفعل الزمن أو لشق الطرقات، مما حرمنا من تكوين فكرة واضحة عن كل واحدة منها.

من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص، قضية اضمحلال "الربط" (وهي أماكن إيواء مخصصة للنساء العابدات) خلال العهد العثماني. يقدم المؤلف تفسيراً لذلك يعود إلى "ظروف دمشق المتغيرة... حيث المجتمع بالتضييق على المرأة وحجزها في البيوت". هذه المقولة قد تثير جدلاً حول مدى دقة تعميم حالة التضييق على كامل العصر العثماني في دمشق، وما إذا كانت عوامل اقتصادية أو سياسية أخرى قد ساهمت في هذا الاضمحلال، خاصة وأن المصادر تشير إلى أهميتها الاجتماعية السابقة.

18.هندسة الخانات181–187▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول خانات مدينة دمشق، ويؤكد المؤلف على أن هذه الخانات لم تكن مجرد أماكن للتجارة والتخزين، بل كانت مؤسسات ذات وظيفة اجتماعية حيوية. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الخانات في دمشق كانت بمثابة ملتقى للغرباء والأصدقاء، تجري فيها عمليات التعارف وعقد الصفقات والتسلية، وممارسة الحرف، وإيواء المسافرين ودوابهم. يقدم الفصل وصفاً دقيقاً لتعدد وظائف هذه المباني، من كونها سكناً للمسافرين الأجانب الذين يطبخون طعامهم فيها، إلى كونها مقاهي وملتقيات للتسلية والاستماع للحكايات ولعب الشطرنج والداما.

يسير الفصل بشكل أساسي على خطين متوازيين: الأول هو عرض لوظائف الخانات الاجتماعية والاقتصادية، والثاني هو جرد تاريخي ومعماري لأهم هذه الخانات. على المستوى الاجتماعي، يستشهد المؤلف بوصف الخياري لأحد الخانات القريبة من باب جيرون (الجامع الأموي)، حيث يصف جمال مناظره ووجود نافورة ماء "فوار" يصفها بالعجب العجاب، ويذكر أن فيها قهوة تجمع اللطافة. يذكر الفصل أيضاً أن بعض الخانات كانت ملتقى لبنات الهوى والجند، ليثبت أن الوظيفة الاجتماعية للخانات كانت أكبر وأعظم من وظيفتها الاقتصادية.

ينتقل الفصل بعدها إلى حصر وتصنيف الخانات، مشيراً إلى أن بعضها سُمي تيمناً بنوع السلعة أو الحرفة، مثل خان الجوخية لبيع الجوخ، وخان الخياطين الذي بناه الوالي العثماني أحمد شمسي باشا سنة 970 هـ/ 1562-1563 م، وخان الدكة المخصص لبيع الجواري والرقيق. ويضيف أن بعض الخانات الأخرى غيرت اختصاصها مع الزمن لكنها حافظت على اسمها، مثل خان العصرونية وخان العامود وخان الزيت وخان الزعفراني وخان السفرجلاني وخان المرادية، والتي بدأت في استقبال البضائع من الأقطار الأوروبية.

يقدم الفصل قائمة تفصيلية بالخانات التي كانت قائمة في العهد العثماني، معتمداً على مصادر من القرن العاشر للهجرة (كتاب الإعانات على معرفة الخانات ليوسف عبد الهادي) والقرن التاسع عشر الميلادي (كتاب الروضة الغناء في دمشق الفيحاء لنعمان القساطلي الذي أحصى حوالي /و/إ خاناً). يذكر من بينها: خان جقمق (المعروف اليوم بسوق جقمق)، وخان التكة (الدكة)، وخان لالا مصطفى باشا (خارج باب الفرج)، وخان القماحين، وخان بني الناشف، وخان بني رمضان، وخان درويش باشا، وخان المخضبية، وخان السمرجية، وخان سبناي، وخان المغاربة، وخان عبد العظيم، وغيرها الكثير. يلاحظ الفصل أن عدد الخانات المهمة التي بُنيت في العهد العثماني كان قليلاً مقارنة بالعهود السابقة، وأقلها كانت في فترة الدراسة، ولم يتجاوز عدد أصابع اليد.

يكرس الفصل جزءاً كبيراً لوصف الخانات التي بقيت وشهدت اهتماماً في العهد العثماني، وهي التي ما زال بعضها قائماً حتى وقت كتابة النص. يبرز منها خان الخياطين الذي بناه أحمد شمسي باشا، وخان الحرير (أو قيسارية الحرير) الذي بناه درويش باشا والذي يعود تاريخ بنائه حسب النقش على بابه لعام 978 هـ/ 1570-1571 م، وخان سليمان باشا (الذي كان يُسمى قديماً خان الحماصنة) والذي بناه سليمان باشا العظم والي دمشق عام 1141 هـ/ 1728-1729 م، وخان العامود في سوق البزورية، وخان المرادية عند باب البريد الذي جُدد في مطلع القرن العشرين. ثم خان الجمرك، وخان قطنا، وخان الزعفرجية في سوق القبقجية. يذكر أيضاً خان الحرمين (الذي أسماه القساطلي "خان الجواري") المخصص لبيع الجواري والعبيد، وخان التتن (التبغ)، وخان الصدرانية، وخان السفرجلاني، وخان المغاربة.

يُفرد الفصل مساحة خاصة لوصف خان أسعد باشا العظم، معتبراً إياه أوسع وأفخم خان على الإطلاق. بدأ بناؤه سنة 1157 هـ/ 1744 م وتم سنة 1167 هـ/ 1753 م، وقد اشترى أسعد باشا سوق الدق وما حوله لبناء هذه القيسارية التي لا نظير لها. تعرض سقفه للانهيار بعد ستة أعوام من بنائه بسبب زلزال ضرب دمشق عام 1170 هـ/ 1756-1757 م. يصفه المؤلف بأنه أفضل ما بني من الخانات من حيث الاتساع والهندسة والزخرفة، وينقل عنه وصف الشاعر الفرنسي لامارتين الذي زاره سنة 1832 م/ 1248 هـ، ووصفه بأنه أجمل خان في الشرق، وأن قبته الفخمة تذكره بقبة بولس في روما، وبابه يُعتبر قطعة من العمارة الإسلامية التي لا نظير لها.

يتناول الفصل الجانب المعماري، موضحاً أن العثمانيين أدخلوا الفن الرومي في بناء الخانات، فاستبدلوا الأسقف الخشبية (الحملون) بالقباب والعقود. وأولوا عناية كبيرة بالزخرفة مستخدمين الحجارة الملونة (بالأبيض والأسود بالتناوب) في الجدران والأقواس، وهو فن يجمع بين التأثيرات السلجوقية والمملوكية والبيزنطية. حل القوس الرومي (برأسه المقعر عند المخارج والجزء السفلي المحدب) محل القوس الفارمي، كما شاع استخدام القوس نصف الدائري المجزوء، واستُخدمت التيجان المقرنصة في الأعمدة ورُسمت الزخارف النباتية والأزهار.

يختتم الفصل بمناقشة أثر الاحتلال المصري لدمشق على الخانات. فبعد احتلال المصريين لدمشق، استُخدمت الخانات الصالحة لإيواء الجنود قبل بناء الثكنات، وأشرف مهندسون مصريون على ترميم المتداعي منها، مثل تكليف إبراهيم باشا المصري لأحد المهندسين بالكشف على بعض القيساريات. وأدى ذلك إلى تقديم أصحاب المحلات والخانات شكاوى إلى مجلس الشورى للحصول على أجورهم. وبعد بناء الجيش المصري للثكنات الخاصة به، أُعيدت الخانات لأصحابها، ونظم المصريون العمل فيها بوضع دلالين يحصلون على براءة من المحكمة الشرعية، كما عيّنوا ملتزمين لجمع مال القبان. ويخلص المؤلف إلى أن السياسة التي اتبعها الحكم المصري، بالسماح للمنتجات الصناعية الأوروبية بالدخول، أثرت سلباً على الخانات، حيث تمكنت هذه المنتجات من مزاحمة المنسوجات والصناعات الدمشقية لجودتها ورخص ثمنها، مما أدى إلى تعطل أنوال النسيج وبعض الحرف المقامة في الخانات، وتحولت هذه الخانات إلى وظائف أخرى.

يمكن القول إن الفصل يُظهر بوضوح أن ازدهار الخانات أو تراجعها كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالظروف الاقتصادية والسياسية. وأن أهميتها كمراكز اقتصادية واجتماعية جعلتها عرضة للتأثر المباشر بقرارات السلطة، سواء كانت عثمانية بتشجيع البناء والزخرفة، أو مصرية بتغيير استخداماتها وتأثير السياسات التجارية عليها. هذا الربط بين العمران والسلطة والسياسة هو جوهر ما يقدمه الفصل، وإن كان جرد القوائم الطويلة لأسماء الخانات يطغى أحياناً على التحليل الاقتصادي والاجتماعي العميق لها.

19.المنابر الطائفية وهندسة القبور وكيفية دفن الموتى188–199▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول المقابر في مدينة دمشق خلال العهد العثماني، وكيف كانت تعكس التنوع الطائفي والمذهبي للمدينة. يقدم المؤلف تفصيلاً دقيقاً لهندسة القبور وطرق الدفن المختلفة لكل طائفة، مبرزاً كيف أن الموت في دمشق كان امتداداً للحياة الاجتماعية، حيث كانت المقابر تُخصص وتُنظم على أسس دينية وطائفية.

يسير الفصل بمنهجية واضحة، فيبدأ بالحديث عن توزيع المقابر في المدينة وعلاقتها بأحياء السكان. يذكر المؤلف أن توسع المدينة راعى حرمة المقابر، مستشهداً بحي سوق ساروجا الذي تطور ملاصقاً لمقبرة مرج الدحداح. ثم ينتقل إلى تفصيل المقابر حسب الطوائف، موضحاً أن لكل طائفة مقبرة أو أكثر، بل ولكل مذهب في الديانة الواحدة مقبرته الخاصة. يذكر أن مقابر المسلمين كانت منتشرة خارج أسوار المدينة في كل اتجاه، وأكبرها مقبرة الباب الصغير التي كانت في أصلها مقبرة رومانية. ويشير إلى مقابر أخرى هامة مثل مقبرة الميدان التحتاني ومقبرة الميدان الفوقاني ومقبرة مرج الدحداح في الشمال، ومقبرة الشيخ رسلان في الشرق والتي كانت مشتركة بين السنة والشيعة. ويؤكد أن مقابر المسيحيين واليهود كانت قريبة من أماكن سكنهم، فالمقابر المسيحية كانت في الجهة الشرقية والجنوبية من المدينة، بينما كانت مقابر اليهود خارج الأسوار جنوب حيهم مباشرة في الشاغور البراني.

ينتقل الفصل بعدها إلى مفهوم «الترب»، وهي مدافن خاصة بالأعيان والمتنفذين والقادة، كانت تُلحق غالباً بالمدارس أو الزوايا أو الجوامع. يورد المؤلف قائمة مطولة بأسماء هذه الترب مثل الأفريدونية والأيدمرية وغيرها، مشيراً إلى أنها كانت كثيرة قبل العهد العثماني ثم قلت في العهد العثماني وأُدخلت ممارسة دفن الأعيان في مدارسهم كآل المرادي في المدرسة النقشبندية. ثم يذكر أن العديد من علماء دمشق وأعيانها دفنوا في المقابر العامة تبركاً بجوار الصحابة والأولياء، ويضرب أمثلة على مدافن خاصة لأسر بارزة مثل آل الزنكي وآل النابلسي وآل القوتلي وآل مردم بك. وبالنسبة للمسيحيين، يذكر وجود مقبرة خاصة للبطاركة الأرثوذكس ضمن ساحة الكنيسة المريمية، ومقابر منفصلة للخوارنة، وأخرى للطوائف المسيحية المختلفة مثل الأرمن والموارنة والسريان. ويكشف أن مقابر اليهود كانت مقسمة بين طوائفهم الثلاث: الربانيون والقراؤون والسامرة.

يتعمق الفصل في تفاصيل طرق الدفن وهندسة القبور، فيبين كيف كان يختلف وضع الجثة واتجاه القبر بين الأديان. يذكر أن المسلمين يضعون الميت على جانبه الأيمن موجهاً وجهه نحو الكعبة، بينما يضع المسيحيون الميت على ظهره ووجهه للأعلى ويداه متصالبتان، ويتجه قبرهم شرقاً غرباً. أما اليهود فيضعون الميت على ظهره ووجهه للأعلى ويتجه قبرهم شمالاً جنوباً. وبالنسبة لهندسة الضريح، فيميز المؤلف ثلاثة نماذج للأضرحة الإسلامية: الضريح العادي وهو الأكثر شيوعاً وله شكل «جمالون»، والضريح المشايخي وهو على شكل متوازي مستطيلات مشطوف الأعلى لتسهيل إزالة الرفاة، والضريح الحنبلي المشطوف من منتصف الحدبة، ويؤكد أن هذا النوع كان خاصاً بأتباع المذهب الحنبلي. يصف المؤلف أضرحة المسيحيين بأنها كانت على شكل قبر عادي عليه صليب، بينما أضرحة اليهود تميزت بكونها كتلة صخرية مجوفة تنحت عليها كتابات عبرية وتاريخ وفاة بالتقويم العبري، وتزين بنقوش ترمز لحرفة المتوفى مثل المقص للخياط أو المطرقة للنقاش، بالإضافة لنجمة داوود أو الشمعدان المقدس ذي الفروع التسعة.

يقدم الفصل أيضاً معلومات عن العاملين في حفر القبور، واصفاً إياهم بأنهم كانوا يتقاضون أجراً محدداً من آل الميت، لكنهم كانوا يثرون في فترات النكبات العامة والأوبئة مثل زلزال سنة 1170 هـ الذي دمر معظم منشآت دمشق، ومثل وباء سنة 1256 هـ حيث كانت الوفيات تتجاوز الألف إنسان في اليوم. ويشير إلى ممارسات مالية إضافية مثل أجرة «المظلة» و«الكرسي» أيام الصباحيات، وأجرة تفتيش على القبر للسنة.

يعترف المؤلف في ثنايا الفصل بحدود ومنهجية بحثه، معتمداً على السجلات الشرعية لمحاكم دمشق القديمة، مثل سجل محكمة الميدان وسجل القسمة العسكرية، بالإضافة إلى زيارات ميدانية قام بها شخصياً في عام 1981 لمقابر دمشق ولقائه بحفاري القبور ورجال الدين، مما أضفى طابعاً وثائقياً وشخصياً على عمله. تبقى بعض التفاصيل، مثل العدد الدقيق لبعض الترب أو تاريخ تأسيس كل منها، أسئلة مفتوحة قد تتطلب المزيد من البحث.

من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، تلك المتعلقة بتأكيده على أن التقسيم الطائفي للمقابر هو انعكاس مباشر للتقسيم الاجتماعي في الحياة، مما قد يُنظر إليه كتفسير حتمي يقلل من عوامل أخرى كالاندماج والتبادل بين الطوائف الذي كان يحدث في الحياة اليومية. كما أن اعتماد المؤلف على السجلات الشرعية بشكل أساسي قد يعطي وزناً أكبر لصورة الحكام والأعيان مقارنة بحياة عامة الناس وتقاليدهم الدفينية الخاصة.