اليسار العربي: تواريخ وإرث، 1950-1970
يتمحور كتاب "اليساريات العربية" على إعادة قراءة تاريخ اليسار العربي خلال الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن العشرين، مقدماً إياه ليس كتاريخ أحادي أو بسيط، بل كتاريخ معقد ومتعدد الأوجه. يرفض الكتاب النظرة التقليدية التي تختزل اليسار العربي في كونه مجرد تابع لموسكو أو مجرد امتداد للحركات القومية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى فهمه باعتباره "مصفوفة معنى وقيم"؛ أي فضاءً ثقافياً وفكرياً عابراً للحدود، تشابكت فيه الأفكار والتجارب الثورية وتفاعلت محلياً وعالمياً. الموقف الذي يدافع عنه المؤلفون هو أن دراسة هذا التاريخ أمر حيوي لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة اليوم، وأن إهماله الأكاديمي الطويل يستدعي إعادة طرحه كحقل للدراسة بمنظور جديد يتجاوز النظرة التقليدية.
تبدأ حجة الكتاب من مقدمة تحلل حالة "الكآبة اليسارية" التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989، لكنها تلاحظ أن الاهتمام بهذا التاريخ عاد بقوة بعد الانتفاضات العربية عام 2011، مما دفع المؤرخين إلى طرح أسئلة جديدة حول كيفية إحياء ذاكرة اليسار وتوثيق تجاربه عبر المذكرات والروايات وأرشفة الوثائق. ينتقل الكتاب بعدها إلى استكشاف جذور هذه الحركات، فيبدأ بدراسة ثورة 1958 في العراق التي خلقت ظروفاً لظهور حركات يسارية يهودية عراقية (مزراحية)، ثم ينتقل إلى تحول حزب البعث في سوريا من نادٍ ليبرالي في عام 1947 إلى تبني المواقف الثورية بين 1946 و1955، مروراً بسيرة خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري اللبناني، ودور الحزب الشيوعي التونسي في دعم حركات التحرر. تتشابك هذه الخيوط لتكشف عن تنوع التجارب اليسارية في المنطقة، من المغرب إلى مصر، ومن لبنان إلى فلسطين.
يسير الكتاب وفق منطق ينتقل من تحليل السياقات التأسيسية إلى دراسة الممارسات اليومية والتجارب الفردية، ثم إلى تحليل الإرث المؤلم للحركة اليسارية. فبعد الفصول التي تعنى بالأحزاب والتنظيمات، ينتقل الكتاب إلى دراسات تركز على الأفراد والجماعات الصغيرة، مثل دور المهدي بن بركة في بناء التحالف الثلاثي القاري، وتجربة اليسار الجديد المصري في "التنظيم الشيوعي المصري" الذي تشكل عام 1969، ونشاط "لجان العمل" في لبنان. يختتم الكتاب بتتبع "حياة ما بعد الموت" للمفكر الشيوعي المغتال حسين مروة، ليفهم كيف أن القراءات المختلفة لهذا الإرث تعكس الكآبة الحالية تجاه ماضي اليسار، وكيف يطاردنا "المستقبل الماضي" في حاضرنا اليوم.
تتضمن الصفحات وقائع وأرقاماً يصعب نسيانها، فهناك إحصائية لافتة تشير إلى أن 20% من سكان معسكرات المهاجرين في إسرائيل في بداية الخمسينيات صوتوا للحزب الشيوعي الإسرائيلي، رغم أن الكاتب الروائي سامي ميخائيل اتهم "يساريي الصالونات" بالتعامل بازدراء مع اليهود الشرقيين ووصفهم بـ"اللومبنبروليتاريا" في خطاب ألقاه في أغسطس 2012. ومن الوقائع المهمة أن أكثر من 123,000 يهودي غادروا العراق بين عامي 1950 و1951، ليجدوا أنفسهم في معسكرات انتقالية في إسرائيل، حيث برز الحزب الشيوعي الإسرائيلي "ماكي" بوصفه الحزب الوحيد غير الصهيوني الذي خاطب احتياجاتهم. هناك أيضاً وصف مؤثر للمهرجانات الشعرية التي نظمتها مجلة "الجديد" في القرى الفلسطينية الخاضعة للحكم العسكري، حيث كانت القصائد تلقى باللغة العربية الفصحى ذات الوزن والقافية الكلاسيكية، وشارك فيها شعراء مرموقون مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد.
يقدم الكتاب شهادات لافتة عن شخصيات محورية، منها قصة خالد أحمد زكي الثوري العراقي الذي تأثر بالحركات اليسارية في لندن ثم عاد للعراق ليشعل حرباً ثورية في الأهوار هُزم فيها خلال أسابيع، ليصبح رمزاً للفجيعة اليسارية والأمل الضائع. وفي السياق نفسه، يروي الفصل الخاص بـخالد بكداش قصة "الخطيئة الأصلية" المتمثلة في دعم الحزب الشيوعي السوري لخطة تقسيم فلسطين في 1947، وقرار فرض هذا الموقف على فرج الله الحلو الذي أجبر على كتابة رسالة اعتذار ومصالحة عرفت باسم "رسالة صلي"، والتي يشبهها المؤلف بمحاكمات التطهير الستالينية. من الشهادات المهمة أيضاً، الدور الذي لعبه المهدي بن بركة في تعريف مفهوم "الاستعمار الجديد" وتأسيسه في المؤتمر الأفريقي للشعوب في القاهرة في مارس 1961، قبل أن يختطف من شوارع باريس في 29 أكتوبر 1965 حيث اعترف عميل موساد سابق أن الشرطة الفرنسية خطفته، والمخابرات المغربية عذبته حتى الموت.
يقر المؤلفون بحدود وتحفظات عديدة في دراساتهم، فيعترفون بأن ملخصاتهم مجرد لمحات سريعة لكل فصل، وأن تحليل بعض التجارب يعتمد بشكل أساسي على تغطية الصحافة دون الوصول إلى التجارب الشخصية للمشاركين. كما يشيرون إلى أن الدراسات حول فترة الستينيات أهملت الجانب الاقتصادي، رغم أن كتابات مناضلين مثل كتاب "صراع الطبقات في مصر" الذي صدر عام 1969 كان له أثر كبير في رفع الوعي الطبقي. هناك أيضاً اعتراف ضمني بصعوبة قياس الالتزام الأيديولوجي الفعلي لأعضاء الأحزاب، خاصة أن منشوراتهم كانت نخبوية لا يفهمها إلا المثقفون. وفي الفصل الخاص بـبن بركة، يقر المؤلف بأن مساهمته لا تزال "مهملة خارج الأدبيات الفرنكوفونية المتخصصة"، وأن قضية اختفائه ظلت لغزاً لعقود، وأن الدور الأمريكي في اغتياله "تم الادعاء به دون إثبات".
يطرح الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها دعوة المؤلفين إلى إعادة تقييم تاريخ اليسار العربي بعيداً عن النماذج التبسيطية، مثل اعتبار الشيوعيين العرب مجرد أتباع لموسكو، أو النظر إلى الناصرية والبعث فقط كأنظمة، والتأكيد بدلاً من ذلك على أهمية دراسة التناقضات الداخلية والممارسات اليومية والتفاعلات العابرة للحدود. ومن الحجج المثيرة للجدل، فكرة أن اليسار الإسرائيلي الهامشي، رغم صغر حجمه، كان له أثر فكري طويل الأمد على الفلسطينيين يفوق الاعتراف السابق، وأن تبني اليهود للكفاح المسلح بشكل غير مشروط كان الشرط الأساسي لاكتساب مصداقية ثورية لدى الفلسطينيين. كما أن تفسير الكتاب لتحول حزب البعث من الليبرالية إلى الاستبداد، وتبريره لصمت الحزب الشيوعي التونسي عن قضية الصحراء الغربية بالالتزام بآداب العلاقات بين الأحزاب، هي قراءات قد يعتبرها البعض اختزالية أو مبررة بشكل مفرط.
في النهاية، يقدم الكتاب إسهاماً نقدياً واضحاً في دراسة اليسار العربي، حيث لا يكتفي بسرد الأحداث بل يدعو إلى مراجعة جذرية للتصنيفات والأيديولوجيات الشائعة مثل "القومية" و"الاشتراكية" و"الأممية"، وقراءة التاريخ الثقافي والأفكار بعمق أكبر من قراءة التاريخ السياسي التقليدي. فبينما نجح الفصل التمهيدي في تقديم إطار نظري طموح يضع اليسار العربي كعنصر أساسي لفهم تعقيدات المنطقة، تبقى بعض التساؤلات الجوهرية حول ما إذا كان تبرير الحزب للديكتاتورية مجرد "نتيجة حتمية" للظروف، أم أنه كشف عن هشاشة أساسية في الليبرالية العربية نفسها، وهل كان التضامن القومي ضد الغرب يستحق التضحية بالمكاسب الديمقراطية الداخلية، وهو سؤال لا تزال إجاباته محل نقاش عميق.
الفصول(16)
1.Main Content10–21▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل، وهو في الحقيقة ملخصات لفصول كتاب "اليسار العربي"، حول تقديم لمحة شاملة عن الموضوعات والأطروحات الرئيسية التي يتناولها كل فصل من فصول الكتاب. الإجابة التي يقدمها المؤلف، أو المحرر، هي أن تاريخ اليسار العربي ليس تاريخاً أحادياً أو بسيطاً، بل هو تاريخ معقد ومتعدد الأوجه، يتشكل من خلال تفاعلات محلية وإقليمية وعالمية، ومن خلال صراعات فكرية وسياسية داخلية، ومن خلال علاقة جدلية مع القومية والاستعمار الجديد. يقدم الملخص خريطة طريق للقارئ، توضح كيف يعالج كل فصل جانباً مختلفاً من هذه القصة الشاملة، بدءاً من الأيديولوجيات التأسيسية وصولاً إلى الإرث المؤلم والذاكرة.
يسير النص عبر سلسلة من الملخصات الموجزة لكل فصل من فصول الكتاب. الفصل الثاني، بقلم أوريت بشكين، يتناول كيف أن ثورة 1958 في العراق خلقت ظروفاً لظهور حركات يسارية يهودية عراقية (مزراحية)، وكيف غذّى التحرر الوطني في الستينات هذه السياسات والآداب والثقافة الراديكالية. أما الفصل الثالث، بقلم ماتيو ري، فيركز على تحول حزب البعث في سوريا من نادٍ يدعو إلى الأفكار الليبرالية والدستور والانتخابات الحرة في عام 1947، إلى تبني المواقف الثورية ودعم الأفكار الناصرية خلال الفترة من 1946 إلى 1955، نتيجة للتحديات التي واجهتها سوريا ما بعد الاستقلال والتي سعى founders الحزب لمعالجتها عبر "نهضة عربية" قائمة على الاشتراكية.
يتناول الفصل الرابع، بقلم سوني هاوغبوليه، سيرة خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري اللبناني، معارضاً النظرة التقليدية التي تصوره كعميل بسيط لموسكو. يجادل هاوغبوليه بأن قراءة التاريخ من الأسفل، عبر السير الذاتية الدقيقة والنقاشات الداخلية، تكشف عن "أيديولوجية يومية" وصراعات غنية حول الخط المتبع، خاصة فيما يتعلق بقرار الحزب المصيري بدعم خطة التقسيم لفلسطين في 1947، وهو القرار الذي تم فرضه على فرج الله الحلو الذي أجبر على الاعتراف بخطئه. ينتقل الفصل الخامس، بقلم دانييلا ميلفا، إلى الحزب الشيوعي التونسي، محللاً التزامه بالجبهة الخارجية "ثلاثية القارات"، ومواقفه المتباينة تجاه القضية الفلسطينية (التي كان نشطاً فيها) والصحراوية (التي التزم الصمت تجاهها)، مما يكشف عن أولوياته وروابطه التي أعطت مكانة خاصة للاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية المغاربية.
يستعرض الفصل السادس، بقلم جاكوب كرايس، مشاركة الوفود الجزائرية في المهرجانات العالمية للشباب، بدءاً من المهرجان الأول في براغ، وكيف استخدمت هذه المجموعات المتنوعة (الشيوعية والقومية والإسلامية) هذه المحافل للترويج لقضية الاستقلال الوطني ولإقامة روابط تضامن دولية ضمن شبكة من الحركات اليسارية المناهضة للإمبريالية. يركز الفصل السابع، بقلم نيت جورج، على الدور المحوري للمناضل المغربي المهدي بن بركة في بناء التحالف الثلاثي (ثلاثي القارات)، موضحاً كيف تطور فكره من حركات التحرر الوطني الليبرالية إلى ثورات التحرر الوطني الاشتراكية، ومساهمته الحاسمة في تعريف مفهوم "الاستعمار الجديد" ومأسسته في إطار هذه الحركة.
ينتقل الفصل الثامن، بقلم جينارو جيرفاسيو، إلى تجربة اليسار الجديد المصري، وتحديداً جماعة "التنظيم الشيوعي المصري" التي تشكلت عام 1969 وأصبحت "الحزب الشيوعي العمالي المصري" عام 1975. يجادل جيرفاسيو أن هذه الجماعات، رغم جاذبيتها للمثقفين الراديكاليين ونشرها لأفكار اليسار الثالث (فيتنام وكوبا والصين الماوية)، بقيت أسيرة الخطاب القومي والقومي العربي، مركزة على المسألة القومية على حساب المسألة الاجتماعية. أما الفصل التاسع، بقلم مها نصار، فيستعيد كيفية تداول القوميين الفلسطينيين خطابات اليساريين (فلسطينيين ومزارحيين وأشكناز) داخل إسرائيل، وذلك من خلال قراءة وثيقة لمنشورات مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، مثل "اليوميات الفلسطينية" و"شؤون فلسطينية"، والتي لعبت دوراً في إدراج اليساريين الإسرائيليين في القضية الفلسطينية ضمن سياق يساري عالمي.
يبحث الفصل العاشر، بقلم لور غيرغيس، في تجربة "لجان العمل" و"التحقيق المليشياوي" التي أسسها عام 1969 مقاتلو "منظمة العمل الشيوعي في لبنان" (التي تأسست عام 1971)، بقيادة عالم الاجتماع وضاح شرارة، لربط المقاومة الفلسطينية بالنضالات الاجتماعية اللبنانية، متتبعة إعادة صياغة المفهوم الماوي بين أوروبا والعالم العربي. يروي الفصل الحادي عشر، بقلم فيليب وينكلر، قصة الثوري العراقي خالد أحمد زكي، الذي تأثر بالحركات اليسارية في لندن ثم عاد للعراق ليشعل حرباً ثورية في الأهوار هُزم فيها خلال أسابيع، ليصبح رمزاً للمقاومة ضد تعاون الشيوعيين مع الأنظمة، ويُذكر لاحقاً كرمز للفجيعة اليسارية والأمل الضائع.
يتناول الفصل الثاني عشر، بقلم ينس هانسن، لحظتين من الأزمات والنقد في التاريخ الفكري العربي: نقاش عام 1961 بين محمد حسنين هيكل وكلوفيس مقصود حول دور المثقف العضوي والدولة، وظهور كتابات ماركسية عربية عن المادية والفلسفة العربية-الإسلامية في عام 1971، وصولاً إلى عمل حسين مروة "النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية" عام 1978. يختتم الفصل الثالث عشر، بقلم سامر فرنجية، بتتبع "حياة ما بعد الموت" للمفكر الشيوعي المغتال حسين مروة ونصوصه، ليفهم كيف أن القراءات المختلفة لهذا الإرث عبر التحولات السياسية تعكس الكآبة الحالية تجاه ماضي اليسار، وكيف يطاردنا "المستقبل الماضي" في حاضرنا اليوم.
يقرّ الملخص الضمني للفصل بحدود أو تحفظات معينة، فهي مجرد لمحات سريعة لكل فصل، ولا تقدم سوى ملخص مختصر جداً لموضوعاتها. الحجة القابلة للنقاش التي تظهر بوضوح هي دعوة المؤلفين إلى إعادة تقييم تاريخ اليسار العربي بعيداً عن النماذج التبسيطية، مثل اعتبار الشيوعيين العرب مجرد أتباع لموسكو، أو النظر إلى الناصرية والبعث فقط كأنظمة، والتأكيد بدلاً من ذلك على أهمية دراسة التناقضات الداخلية، والممارسات اليومية، والتفاعلات العابرة للحدود، والسير الذاتية للمناضلين الأفراد لتكوين فهم أعمق وأكثر دقة لهذه الحركة السياسية والفكرية المؤثرة.
2.Introduction. The Arab Lefts from the 1950s to the 1970s: Transnational Entanglements and Shifting Legacies22–38▼ ملخص
يتناول هذا الفصل التمهيدي من كتاب «اليساريات العربية» موضوع اليَسار العربي خلال الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن العشرين، ويسعى إلى تفسير سبب الإهمال الأكاديمي الطويل لهذا الموضوع، وإعادة طرحه كحقلٍ للدراسة بمنظور جديد يتجاوز النظرة التقليدية. تطرح المعدّة لوري غيرغيس فكرةً محورية مفادها أن دراسة اليَسار العربي لا ينبغي أن تنحصر في تتبع تاريخ الأحزاب الشيوعية أو الحركات القومية فقط، بل يجب فهمه باعتباره «مصفوفة معنى وقيم» أي فضاءً ثقافياً وفكرياً عابراً للحدود، حيث تشابكت الأفكار والتجارب الثورية وتفاعلت محلياً وعالمياً. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن إعادة قراءة تاريخ هذه الحركات أمرٌ حيوي لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة اليوم.
يبدأ الفصل برصد حالة «الكآبة اليسارية» التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989، والتي طبعت الدراسات المتعلقة باليَسار، حيث نظر إليها كقوة مهزومة. لكن الكاتبة تلاحظ أن الاهتمام بهذا التاريخ عاد بقوة في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بعدة عوامل، أبرزها الانتفاضات العربية عام 2011 التي أعادت إحياء الروح الثورية في المنطقة. هذا التحول دفع المؤرخين إلى طرح أسئلة جديدة حول كيفية إحياء ذاكرة اليَسار، وتوثيق تجاربه عبر المذكرات والروايات وأرشفة الوثائق، بدلاً من التركيز فقط على دور الدولة أو الأحزاب الكبرى. وتشير إلى أن الباحثين أصبحوا أكثر اهتماماً بدراسة المسارات الفردية للمناضلين، والعلاقات المعقدة بين اليَسار والدولة، وبُعدهم عن النظرة التي كانت تحصرهم في صراع القوى العظمى.
يسير الفصل بطريقة منهجية، حيث ينتقل من تحليل السياق التاريخي والسياسي إلى تقديم الإطار النظري والمنهجي للكتاب. يشرح المؤلفون كيف أن سقوط المشروع القومي الوحدوي، وتحديداً فشل الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961، أحدث تحولاً في الخطاب السياسي، مما أدى إلى ظهور ما يسمى بـ«اليَسار الجديد» الذي تأثر بالتجارب الثورية في الجزائر وفيتنام وكوبا، وتبنى أفكاراً أكثر راديكالية في النقد الاجتماعي والاقتصادي. ويبرز الفصل التناقض الجوهري أو «المعضلة» التي واجهتها هذه الحركات: العلاقة المعقدة والمتوترة بين القومية والاشتراكية، وكيف أن العولمة والأممية في تلك الفترة كانتا ترتكزان في الغالب على أسس وطنية، مما خلق حالة من التمزق الفكري لهؤلاء المناضلين.
لتقديم هذه الأفكار، يعتمد الفصل على أمثلة ملموسة من فصول الكتاب نفسه. فمثلاً، يُشير إلى دراسة هانسّن التي تعيد قراءة النقاش الذي جرى عام 1961 بين كلوفيس مقصود ومحمد حسنين هيكل حول علاقة المثقف بالدولة، والذي ساهم في التوجه الاشتراكي لسياسات الرئيس ناصر كما تجسد في الميثاق الوطني المصري عام 1962. كما يستشهد بدراسات أخرى تتتبع كيفية استخدام جبهة التحرير الجزائرية للمهرجانات العالمية للشباب لبناء الهوية الوطنية، وكيف تعامل الحزب الشيوعي التونسي مع تناقض التزامه الأممي تجاه قضايا التحرر مثل القضية الصحراوية. هذه الأمثلة توضح وظيفة الفصل كخريطة طريق للكتاب، حيث يكشف عن تنوع التجارب والمواضيع التي سيتناولها المؤلفون.
يخصص الفصل قسماً مهماً لمناقشة البعد العابر للحدود (Transnational) لليسار العربي، حيث يركز على أن الأفكار والأشخاص والرموز كانت في حركة دائمة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. ويتجلى ذلك في فصول تُعنى بالمناضلين اليهود العرب، كدراسة باشكين لمسارات الشيوعيين اليهود العراقيين بعد هجرتهم إلى إسرائيل، ودراسة مورغنشتيرن لمجلة «الغد» التي كانت لسان حال الحزب الشيوعي الفلسطيني، ودراسة نصار لأنشطة مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية. تسعى هذه الدراسات إلى إظهار كيف تمت صياغة الأفكار اليسارية ونقد الصهيونية والاستعمار في إطار مرجعي يتجاوز الحدود الوطنية.
يعترف الفصل، في ختامه، بوجود ثغرات في الدراسات السابقة ويقترح مجالات بحثية جديدة لم تُستكشف بعد. فمن ناحية، يلاحظ أن الدراسات حول فترة الستينيات أهملت الجانب الاقتصادي، رغم أن كتابات مناضلين مثل كتاب «صراع الطبقات في مصر» الذي صدر عام 1969 كان له أثر كبير في رفع الوعي الطبقي. ومن ناحية أخرى، يطرح تساؤلات عميقة حول مشروعية العنف الثوري في تلك الفترة، وما إذا كانت الممارسات الثورية قد ساهمت، عن قصد أو دون قصد، في تعزيز منطق الحرب والصراع الذي سادت الحرب الباردة، بدلاً من تجاوزه. ويرى أنه من المهم دراسة محاولات اليَسار في تجاوز الانقسامات الطائفية والجندرية والتنظيمية، والتي يعتبرها لحظات الابتكار والفشل الأكبر في تاريخهم.
أخيراً، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم إسهاماً نقدياً واضحاً في دراسة اليَسار العربي، حيث إنه لا يكتفي بسرد الأحداث بل يدعو إلى مراجعة جذرية للتصنيفات والأيديولوجيات الشائعة مثل «القومية» و«الاشتراكية» و«الأممية». النقاش الذي يثيره حول «مصفوفة المعنى» هو دعوة لقراءة التاريخ الثقافي والأفكار بعمق أكبر من قراءة التاريخ السياسي التقليدي. وبهذا، ينجح الفصل في تقديم إطار نظري طموح يضع اليَسار العربي ليس كهامش في تاريخ المنطقة، بل كعنصر أساسي لفهم تعقيداتها السياسية والاجتماعية الراهنة.
3.1 Unforgettable Radicalism: Al-Ittihad in Hebrew Novels39–59▼ ملخص
يستهل الكاتب الفصل بحادثة أثارت ضجة في أغسطس 2012، عندما ألقى الروائي والشيوعي السابق سامي ميخائيل، وهو يهودي عراقي هاجر إلى إسرائيل عام 1949، خطاباً انتقد فيه بشدة اليسار الإسرائيلي. فقد اتهم ميخائيل "يساريي الصالونات" بالتعامل مع اليهود الشرقيين بازدراء ووصفهم بـ"اللومبنبروليتاريا"، مشيراً إلى أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي أهمل الأعضاء الشرقيين رغم أن 20% من سكان معسكرات المهاجرين في بداية الخمسينيات صوتوا له. وخلص ميخائيل إلى وصف إسرائيل بأنها "الدولة الأكثر عنصرية"، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة، لكن الكاتبة ترى أن هذا الموقف لم يكن مجرد تعبير عن الصحوة الشرقية في العقد الحالي، بل كان امتداداً لجذور راديكالية يعود تاريخها إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
يطرح الفصل أطروحة مركزية مفادها أن الفكر الراديكالي واليساري كان منتشراً بين اليهود العراقيين في إسرائيل خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وأن هذا الفكر لم يختفِ بانتقالهم من الكتابة بالعربية إلى العبرية. فبدلاً من اعتبار الكتابات العربية لليهود الشرقيين مجرد مرحلة عابرة في مسيرتهم، ترى الكاتبة أنها تشكل خطاً متصلاً مع أعمالهم العبرية اللاحقة، حيث ظلوا أوفياء لرؤية إنسانية ويسارية تدعو إلى التعاطف بين اليهود والعرب، ونقد القومية العرقية، والتضامن مع الفلسطينيين.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفاصيل هجرة يهود العراق بين عامي 1950 و1951، حيث غادر أكثر من 123,000 يهودي العراق بعد حملة وطنية قومية وإسرائيلية مكثفة. ويصف الكاتب الظروف المأساوية التي واجهتها الجالية في إسرائيل، من العيش في معسكرات انتقالية إلى البطالة المزمنة والتمييز من قبل المؤسسة الإسرائيلية بسبب ثقافتهم العربية. في هذا السياق، برز دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي "ماكي" بوصفه الحزب الوحيد غير الصهيوني، والذي خاطب احتياجات هؤلاء المهاجرين، وكانت صحيفة "الاتحاد" ومجلتا "الجديد" من أهم المنابر الناطقة بالعربية التي ساهمت في بلورة هذا الوعي السياسي، حيث كتب فيها يهود عراقيون مثل سامي ميخائيل وموسى حوري وشمعون بالاس ومنشيه خليفة عن معاناتهم اليومية.
يبرز الفصل فكرة "سياسة التعاطف" التي تبناها كتاب الاتحاد، والتي كانت تهدف إلى خلق جبهة مشتركة بين اليهود العرب والفلسطينيين على أساس معاناتهم المشتركة. فالقراء كانوا يطلعون في نفس العدد على معاناة الفلسطينيين تحت الحكم العسكري ومعاناة اليهود الشرقيين في المعسكرات، مما زرع فكرة التضامن والنضال المشترك من أجل العدالة الاجتماعية. ويشير الكاتب إلى أن هذه السياسات كانت تتصدى لمحاولات تفريق المجتمع على أسس طائفية وعائلية، وكانت تحذر من خطر الانجرار وراء الأحزاب اليمينية مثل "حيروت".
مع تحسن أوضاع بعض اليهود العراقيين في الستينيات واندماجهم في المجتمع، شهد الحزب الشيوعي انشقاقات، حيث غادره مفكرون مثل سامي ميخائيل وشمعون بالاس وساسون سوميخ في أوائل الستينيات بسبب تصلب الحزب الستاليني ودعمه الأعمى للاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، يؤكد الفصل أن هؤلاء المثقفين لم يتخلوا عن رؤيتهم اليسارية والإنسانية، بل نقلوها إلى الأعمال الأدبية بالعبرية. ففي روايات ميخائيل مثل "كل رجال متساوون ولكن بعضهم أكثر" و"حفنة من ضباب"، نجد نفس القضايا التي طرحتها الصحيفة: معاناة المعسكرات، النضال الشيوعي، والتعاطف مع المهمشين.
أما شمعون بالاس، فقد استمر في مشروعه الأدبي بالعبرية مع الحفاظ على رؤيته النقدية للصهيونية بوصفها أيديولوجية أشكنازية معادية للبيئة العربية. ويحلل الفصل بالتفصيل قصتين قصيرتين كتبهما بالاس في أواخر الستينيات لتوضيح هذه الرؤية. في قصة "طريق الوداع"، يصور بالاس عراقية كردية تُدعى سليمة تعمل في بيت دعارة وتخفي شيوعياً يهودياً، حيث يتحول بيت الدعارة إلى رمز للوطن الذي لا مكان فيه للشخصيات المضطهدة. وفي قصة "عمة غاني"، يحول بالاس مأساة الإبادة الجماعية إلى قصة عن امرأة أرمنية عجوز في العراق، ليقول إن معاناة الأقليات المضطهدة في الماضي يمكن أن تلهم التعاطف مع المضطهدين في الحاضر.
في الختام، يقدم الفصل إعادة قراءة لتاريخ مقاومة اليهود الشرقيين في إسرائيل، والتي لم تبدأ مع احتجاجات وادي الصليب أو حركة الفهود السود، بل مع هذه الأصوات الشيوعية العربية اليهودية في الخمسينيات. فعلى الرغم من تغير الظروف، استمر الكتاب مثل ميخائيل وبالاس في نقل رسالة الاتحاد إلى اللغة العبرية، مركزين على ضرورة الإنسانية والتضامن في زمن بدت فيه آفاق السلام قاتمة خاصة بعد احتلال 1967. وهكذا، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش مفادها أن الأدب العبري لليهود العراقيين اليساريين لم يكن مجرد انعطافة أدبية، بل كان استمراراً واعياً لمشروع سياسي وأخلاقي بدأ باللغة العربية، الأمر الذي يقلب الافتراضات السائدة حول تاريخ اليسار في إسرائيل ودور اليهود الشرقيين فيه.
4.2 Beating Hearts: Arab Marxism, Anti-colonialism and Literatures of Coexistence in Palestine/Israel, 1944–6060–77▼ ملخص
يستكشف هذا الفصل ظاهرة ثقافية وسياسية فريدة نشأت في فلسطين/إسرائيل بين عامي 1944 و1960، تمثلت في تعاون مثمر بين مفكرين ونشطاء شيوعيين من الفلسطينيين واليهود العرب، لإنتاج أدب وثقافة عربية مقاومة للاستعمار والصهيونية والفصل العرقي. يقدم المؤلف حجة أساسية مفادها أن هذا التعاون لم يكن وليد الصدفة، بل نشأ من جذور تاريخية مشتركة في حركات الماركسية والشيوعية ومعاداة الاستعمار في الشرق الأوسط، والتي وفرت لهؤلاء المثقفين إطاراً فكرياً وسياسياً بديلاً عن المشروع الصهيوني القائم على الفصل العرقي.
يؤكد الكاتب أن هذا المشهد الثقافي الاستثنائي، الذي تركز حول صحيفة "الاتحاد" ومجلتها الثقافية "الجديد"، كان امتداداً لمسيرة نضالية أطول. فمنذ عام 1929 وحتى 1947، كافح شيوعيون فلسطينيون ويهود داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني وعصبة التحرر الوطني من أجل دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكانها، ومعارضة التقسيم. وعندما لم يحقق هذا المسعى أهدافه، ومع قيام دولة إسرائيل في 1948 وتهجير معظم المجتمع الفلسطيني، وجد هؤلاء المثقفون أنفسهم أمام مهمة جديدة: إعادة بناء الحياة الثقافية العربية من تحت الرماد، ومقاومة سياسات المحو الثقافي التي فرضتها المؤسسة الصهيونية.
يضيء الفصل على التشابكات المعقدة بين تاريخين متوازيين: من ناحية، معاناة الفلسطينيين داخل إسرائيل من الاحتلال العسكري والمصادرة والتمييز، ومن ناحية أخرى، معاناة اليهود العرب الذين هاجروا من العراق والدول العربية من عنصرية وشرق أوسطية ومحوٍ قسري للغتهم العربية وهويتهم. وقد وجد هؤلاء المفكرون، أمثال سامي ميخائيل الذي فر من بغداد عام 1949، أرضية مشتركة مع الفلسطينيين في نضالهم المشترك ضد هذه السياسات، وفي إيمانهم المشترك بإمكانية التعايش الديمقراطي بين الشعبين على أرض واحدة. ويشير الكاتب إلى أن هؤلاء اليهود العرب، الذين جسّدوا ثقافة التعايش العربي اليهودي التي ناضل الحزب الشيوعي من أجل تحقيقها، انضموا إلى الحركة المحلية فقط بعد عام 1948، بعد أن تهدمت مجتمعاتهم في العراق.
يستعرض الفصل الجهود التحريرية والتنظيمية لهذه المجموعة، التي ضمت شخصيات بارزة مثل إميل حبيبي وإميل توما وجبرا نيقولا وسامي ميخائيل، والتي توجت بإطلاق مجلة "الجديد" عام 1953. وقد حدد حبيبي في خطابه الافتتاحي مهمة المجلة بأنها "إشعال حركة أدبية جماهيرية"، وجعل من مكافحة الاضطهاد القومي والدعوة للأخوة العربية اليهودية هدفاً محورياً للنشاط الأدبي، معتبراً أن التقسيم بين العرب واليهود هو أداة استعمارية بامتياز. وقد ترجم هذا البرنامج إلى أعمال أدبية والتزامات عملية، شملت نشر سلسلة "قصص إسرائيلية" التي وثقت معاناة الفلسطينيين والمهاجرين اليهود العرب، ومقالات عن التراث العربي والاسلامي المشترك، مثل مقالة جبرا نيقولا عن الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون كشخصية عربية يهودية بارزة، أو تحليله للحركة الخوارجية في الإسلام كحدث تاريخي ثوري.
يبرز الفصل بشكل خاص الدور الحيوي للمهرجانات الشعرية التي نظمتها "الجديد" في نشر الثقافة المقاومة بين الجماهير الفلسطينية، حتى في القرى الخاضعة للحكم العسكري. ويورد الكاتب وصفاً مؤثراً لهذه الفعاليات التي كانت تجذب المئات وأحياناً الآلاف، حيث تُتلى القصائد باللغة العربية الفصحى ذات الوزن والقافية الكلاسيكية، لتصل بسهولة إلى الجمهور العريض. وقد شارك في هذه الأمسيات شعراء مرموقون مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، إلى جانب كتاب عرب يهود مثل دافيد سماح وساسون سوميخ. ويحلل الفصل بالتفصيل قصيدة "الشهيد" التي ألقاها درويش في مهرجان عكا عام 1958، وقصيدة سماح "أخي توفيق" التي خاطب بها زياد المسجون، في حوار شعري يربط بين نهر دجلة في بغداد ونضال الفلسطينيين، ويحوّل ذكرى كفر قاسم إلى أرضية مشتركة للأمل في مستقبل تعايشي.
في ختام الفصل، يعترف المؤلف بأن هذا المشروع الطموح واجه حدوداً وتراجعاً خلال الستينيات، مع انكشاف جرائم ستالين وتبدد الإيمان بالشيوعية الدولية، وانقسام الحزب الشيوعي الإسرائيلي عام 1965، وهجرة بعض الأعضاء العرب اليهود إلى الساحة الأدبية العبرية. ومع ذلك، يرى الكاتب أن الإرث الثقافي الذي تركه هؤلاء المثقفون استمر في التأثير على الأجيال اللاحقة، ليس فقط في أدب المقاومة الفلسطيني الذي ازدهر عالمياً في السبعينيات، بل أيضاً في نماذج التعاون والترجمة بين اللغتين العربية والعبرية، وفي الأساليب الأدبية التي ترفض الفصل والانعزال، والتي لا تزال تشكل مصدر إلهام للحركات الثقافية المعاصرة المناهضة للاحتلال.
5.3 Free Elections versus Authoritarian Practices: What Baathists Fought For78–97▼ ملخص
يتناول هذا الفصل مساراً فكرياً وسياسياً مهماً في تاريخ الشرق الأوسط، ويتمحور حول سؤال جوهري: كيف انتقل حزب البعث العربي الاشتراكي من جذوره الفكرية الليبرالية الملتزمة بالحرية والديمقراطية إلى تبني الممارسات الاستبدادية التي اشتهر بها لاحقاً في سوريا والعراق؟ يقدّم المؤلف ماتيو ري إجابة واضحة مفادها أن هذا التحول لم يكن انقلاباً مفاجئاً على المبادئ، بل كان نتيجة إعادة ترتيب تدريجية لأولويات القيم لدى قادة الحزب، تأثرت بالسياقات الإقليمية والدولية المتغيرة، وخاصة قضية تحالفاتهم مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر.
يبدأ المؤلف بتقديم إطار نظري لفهم هذا التحول، بالاستناد إلى مفهوم "التسلسل الهرمي للقيم" كما طوّره المؤرخ لوسيان فيفر وطُبّق لاحقاً على دراسة مسارات السياسيين الفرنسيين في أربعينيات القرن العشرين. الفكرة الأساسية هي أن السياسيين مثلهم مثل الناس العاديين، يحملون قيماً متعددة (كالحرية، الوحدة، الاشتراكية، الحياد)، وهذه القيم ليست ثابتة، بل تُرتَّب حسب أولويات تتبدل بتغير الظروف؛ فقد يضطر السياسي للتضحية بقيمة كان يعتز بها في سبيل الدفاع عن قيمة أخرى يراها أكثر إلحاحاً في لحظة معينة. وتطبيق هذا المفهوم على الحالة السورية بين عامي 1946 و1955 يساعد على توضيح كيف يمكن لحركات يسارية أن تتحول إلى مدافعة عن حلول سلطوية.
يرصد الفصل بدايات الحزب التي كانت تؤكد على الحرية، ففي مؤتمر تأسيسه عام 1947، طرح البعث برنامجاً سياسياً يتبنى النظام البرلماني الليبرالي، وينادي بالحريات والحقوق والانتخابات المباشرة، تحت شعار "وحدة، حرية، اشتراكية". وقد اعتبر مؤسساه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار أن الاستعمار هو الذي مزّق الأمة العربية، وأن الحرية والاشتراكية وسيلتان لتحقيق الوحدة والنهضة. في هذه المرحلة المبكرة، كانت الديمقراطية الداخلية وحرية الانتخابات تحتل مرتبة عليا في سلم أولويات الحزب، حتى إن الصحيفة الحزبية ربطت بين التعديل الدستوري الذي سمح بولاية جديدة للرئيس شكري القوتلي وبين قضية تقسيم فلسطين، معتبرةً الأول خيانة مساوية للثانية.
يروي الفصل بعد ذلك كيف بدأت هذه الأولويات تتبدل، فمع صدمة النكبة عام 1948 وما تلاها من احتجاجات، بدأ مفهوم "الانقلاب" يتردد داخل الحزب، لكنه كان مفهوماً ملتبساً؛ إذ لم يكن يعني بالضرورة العنف السياسي للإطاحة بالنظام، بل كان يُفهم كمفهوم أخلاقي واجتماعي يهدف لاستعادة قوة الأمة العربية. وقد ظهر هذا الالتباس بوضوح مع انقلاب حسني الزعيم في 31 مارس 1949، حيث دعم الحزب الانقلاب في البداية معتبراً أنه ضرورة لتصحيح مسار السياسة، لكنه سرعان ما عاد لمعارضته عندما بدأ الزعيم بإظهار ميول ديكتاتورية، كما حصل عندما أقر مشروع خط أنابيب مع الأمريكيين. هذا الموقف المتناقض، الذي جعل الحزب يرحب بانقلاب سامي الحناوي التالي في أغسطس 1949، يكشف عن قبول متزايد لفكرة أن الجيش قد يكون أداة لإقامة "ديمقراطية حقيقية"، بدلاً من النظام المدني الفاسد.
تتضح هذه النزعة أكثر مع تعامل الحزب مع سلسلة الانقلابات المتتالية عام 1949، حيث لم يُبدِ الحزب خيبة أمل كبيرة من نتائج الانتخابات التي لم يحصل فيها سوى على مقعد واحد، بل عزى فشله إلى الفساد المستشري، وأبدى استعداداً للتعاون مع الانقلابيين، أملاً بأن يستعيد الجيش "الصوت الحقيقي للشعب"، على أن تُعاد السلطة في نهاية المطاف إلى البرلمان. هذه المرحلة شهدت تقارباً بين الحزب والضابط أديب الشيشكلي، الذي نفّذ انقلابه الثالث في نهاية العام، من خلال علاقات الزعيم الحزبي أكرم الحوراني. ومع ذلك، سرعان ما انقلبت الأدوار؛ فعندما أقدم الشيشكلي على حل الأحزاب عام 1952، واصل البعث نشاطه بدلاً من الانحلال، على أمل أن يزول النظام، لكن هذا الوضع قاد إلى تحالف جديد واندماج بين حزب البعث وحزب الحوراني الاشتراكي، بعد نفي قياداتهما معاً.
في هذه الأثناء، كانت الأحداث في مصر تشكّل منعطفاً فاصلاً في رؤية البعثيين؛ فرغم أن الصحافة السورية تابعت باهتمام الصراع المصري ضد بريطانيا، إلا أن انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952 لم يحظَ بترحيب البعثيين، بل نظر إليه معظمهم بعين الريبة والقلق، معتبرين أن ناصر والشيشكلي يمثلان معاً "شراً مشتركاً"؛ فكلاهما أهمل الأسس الديمقراطية، ومنع الأحزاب من المشاركة، وأظهر ميلاً للتفاوض مع القوى الغربية، تماماً كما حاول الشيشكلي خلال مهمة جون فوستر دالاس في مايو 1953. ويزيد الفصل من وضوح هذه الصورة بتفصيله لموقف البعث من اتفاقية الجلاء البريطاني عن مصر في يوليو 1954، حيث هاجمت الصحيفة الحزبية ناصر بشدة معتبرةً أن تحالفه مع قوة استعمارية يثبت أنه "لا يؤمن بالحياد ولا بالديمقراطية"، بل أقام "ديكتاتورية شخصية" تشبه Dictatorship الشيشكلي.
لكن نقطة التحول الكبرى تأتي مع انتخابات أكتوبر 1954 في سوريا، وهي الانتخابات التي وصفت بأنها حرة، وحقق فيها البعث فوزاً كبيراً بحصوله على اثنين وعشرين مقعداً من أصل 135، مما جعله القوة الأكثر تنظيماً في البرلمان. هذا الفوز، الذي أكد أحد أهم المبادئ الحزبية، قد وضعه في مواجهة تحدي جديد؛ فالبرلمان المجزأ لم يستطع تشكيل أغلبية مستقرة، مما جعل مواقف الحزب المتشددة أكثر جاذبية. بدأ الحزب يوجه اهتمامه نحو السياسة الخارجية وخاصة القضايا العربية، وتحديداً محاولات العراق للتحالف مع الغرب. مع عودة نوري السعيد إلى السلطة في العراق وتجميده الحياة السياسية، دخل البعث في حملة شرسة ضده، وقد بدا واضحاً أن الحزب أصبح يتبنى خيار "الحياد" كبديل عن الديمقراطية كأولوية، حين بدأ يدافع عن فكرة التحالف مع مصر والسعودية ضد الاتجاه العراقي الغربي، وهو ما تجسد في دعمه للمعاهدة الثلاثية في أبريل 1955.
يختم المؤلف الفصل بتقديم تفسير من ثلاث نقاط لهذا التحول الجذري: أولاً، الصراعات الداخلية داخل الحزب أدت إلى تبنّي أيديولوجية أكثر تطرفاً، وخاصة في القضايا الاجتماعية، مما سمح للقيادة بالسيطرة على البرلمان المجزأ وتصفية خصومها السياسيين. ثانياً، منذ الحرب الكورية، أصبح مفهوم "الحياد" مرادفاً للدفاع عن النفس، وتطور هذا المفهوم ليصبح البعد المحدد للهوية العربية في الصراع، فتغيرت الأولويات من الدفاع عن الديمقراطية إلى الدفاع عن الحياد. ثالثاً، برز ناصر كقائد للمعسكر الحيادي، فوجد البعثيون أنفسهم مجبرين على دعمه، ليس لاقتناعهم بديمقراطيته، بل لأن خطابه الحيادي كان يلبي طموحاتهم القومية. وبهذا، خلص الفصل إلى أن معاداة الإمبريالية وتبني الحياد هما العاملان الأساسيان اللذان دفعا حزباً وُلد على مبادئ ليبرالية إلى تبرير الاستبداد، حيث أصبح الثناء على حياد ناصر يُعلي قيمة أعلى في التسلسل الهرمي لقيم الحزب.
يقرّ المؤلف في معرض دراسته ببعض التحفظات والحدود؛ فهو يشير إلى صعوبة قياس الالتزام الأيديولوجي الفعلي لأعضاء الحزب، وأغلبهم كانوا من المعلمين والطلاب، وأن منشوراتهم كانت نخبوية لا يفهمها إلا المثقفون. كما يعترف بأن الحزب بدا منشغلاً بالشؤون الداخلية أكثر من اهتمامه بالقضايا الدولية قبل عام 1948، ويلاحظ أن التقييم الكامل لمسار الحزب يتطلب قراءة متأنية لصحف ومذكرات قادته مثل عفلق والحوراني وجلال السيد. ويمكن للقارئ أن يستنتج من معطيات الفصل نفسه أن هذه المقاربة تثير تساؤلات جدلية، مثل: هل كان تبرير الحزب للديكتاتورية مجرد "نتيجة حتمية" للظروف، أم أنه كشف عن هشاشة أساسية في الليبرالية العربية نفسها؟ وهل كان التضامن القومي ضد الغرب يستحق التضحية بالمكاسب الديمقراطية الداخلية، خصوصاً وأن الفصل يبين أن الحزب كان لا يزال ينتقد ناصر لديكتاتوريته قبل أن يتحالف معه بعد أشهر قليلة فقط؟
6.4 Dealing with Dissent: Khalid Bakdash and the Schisms of Arab Communism98–116▼ ملخص
يتناول هذا الفصل شخصية خالد بكداش (1921-1985)، القائد التاريخي الطويل للحزب الشيوعي السوري واللبناني، محاولاً تجاوز القراءة التقليدية التي تختزله في كونه مجرد أداة طيعة بيد موسكو. ينتقد المؤلف سوني هاوغبول الاتجاه السائد في الأدبيات الأكاديمية الذي يصور الشيوعيين العرب ككيانات "مزروعة" ومسيطر عليها من الخارج، ويعتبر هذه النظرة اختزالية تقود إلى إهمال دورهم الفعلي في التطورات الفكرية والسياسية المحلية. يسعى الفصل إلى تقديم تاريخ اجتماعي للشيوعية العربية يكشف خفايا الخلافات والنقاشات الداخلية في الحركة، مركزاً على شخصية بكداش كسياسي وقائد وليس كمفكر، متخذاً من موقفه من تقسيم فلسطين عام 1948 نموذجاً لتحليل هذه الديناميات المعقدة.
ينطلق الكاتب من إشكالية أوسع في التأريخ للحركة الشيوعية العالمية، فيستعرض ثلاث مدارس فكرية في دراسة الكومنترن والعلاقة بينه وبين الأحزاب الوطنية. المدرسة الأولى ترى أن الأحزاب أصبحت بسرعة مجرد أتباع خاضعين لموسكو، وهي نظرة سادت خلال الحرب الباردة ولا تزال تؤثر على بعض التحليلات. أما المدرسة الثانية، التي ظهرت مع "التاريخ الاجتماعي الجديد" في ستينيات القرن الماضي، فتركز على التجربة المعاشة للشيوعيين وقراءاتهم وشبكاتهم الاجتماعية بدلاً من السياسات العليا، لكن تأثيرها على دراسات الشيوعية العربية ظل محدوداً. المدرسة الثالثة "ما بعد التصحيحية" ترفض فكرة أن الشيوعيين كانوا دمى، وكذلك فكرة استقلالهم الكامل، وترى أن التوازن بين التأثيرين هو الأقرب للواقع، وهذا هو الموقف الذي يتبناه المؤلف في دراسته.
ينتقل الكاتب إلى الحديث عن الأصول الاجتماعية لتقييم الشيوعية العربية، فيشير إلى ما يسميه "عقدة الأقلية". يذكر أن الشيوعيين العرب كانوا أقلية بمعنيين مترابطين: أولاً، لأن معظم أعضائهم الأوائل جاءوا من مجموعات دينية وعرقية مثل الأكراد والأرمن واليهود والمسيحيين، وثانياً، لأنهم فشلوا في "تعريب" أنفسهم ودمج أنفسهم في محيطهم الاجتماعي على الرغم من تشجيع السوفييت على ذلك منذ الثلاثينيات. لكن المؤلف يحذر من الاستنتاجات المتسرعة من هذا الواقع، مشيراً إلى أن هذه النظرة تقوم على منهجية تمنح الأولوية للتاريخ "من الأعلى إلى الأسفل" الذي يخلط بين عقيدة الحزب وعلاقاته المجتمعية الفعلية. ويستشهد بأعمال الباحثة أوريت باشكين حول الجذور العميقة للشيوعيين العراقيين، وعمل يوهان فرانزين الذي يظهر تحول الحزب الشيوعي العراقي إلى حزب قومي "عراقي" وليس مجرد تابع للسوفييت، كأمثلة على دراسات تثبت أن الماركسيين كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي العربي.
يبحث الفصل بعدها في الدور الذي لعبه بكداش في تطوير الثقافة الشيوعية في سوريا ولبنان. يصفه الكاتب بأنه انبثق من دوائر النخبة المثقفة التي نشأت منذ أواخر العهد العثماني، وانضم للحزب الشيوعي السوري عام 1930 عن عمر يناهز الثامنة عشرة، وهو العام الذي اندمج فيه مع الحزب اللبناني ليشكلا الحزب الشيوعي السوري-اللبناني. بعد رحلة دراسية إلى موسكو، عاد في عام 1932 ليقود معارضة داخلية ضد زعيم الحزب فؤاد الشمالي، ونجح في خلعه وتولي الأمانة العامة عام 1934. عمل بكداش على توسيع الحزب وترجمة الأدبيات الشيوعية وإطلاق مجلة "الطليعة" وصحف أخرى مثل "الطريق"، والتي جمعت الشيوعيين في أجواء من الألفة والصداقة التي ساعدت على صياغة الثقافة السياسية للحزب. خلال الحرب العالمية الثانية، حُرّمت أنشطة الحزب نتيجة لظروف فرنسا، لكن بكداش شكل "عصبة مكافحة النازية والفاشية" كواجهة شيوعية، وعمل كوسيط مهم بين السوفييت والحكومة السورية.
يصل الفصل إلى الحدث المفصلي وهو تقسيم فلسطين، الذي اعتبره المؤلف "الخطيئة الأصلية" لبكداش وللشيوعية العربية. في عام 1947، دعم الاتحاد السوفييتي خطة التقسيم ومهد لذلك منطقياً، ليس عن تعاطف أيديولوجي مع الصهيونية التي كان لينين قد وصفها قبل عقود بأنها "غير قابلة للدفاع عنها علمياً... وخاطئة ورجعية في جوهرها"، ولكن لأن الحركة الصهيونية كانت تعتبر حليفاً مفيداً في ذلك التوقيت كونها معادية لبريطانيا وتضم عناصر اشتراكية. تلقى بكداش التوجيهات من موسكو وعمل على جعلها الموقف الرسمي للحزب، مبرراً ذلك بالالتزام بـ"الشرعية الدولية" المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة، ومكرراً أن الخطر الإمبريالي أكبر من الخطر الصهيوني. كان الحزب الشيوعي هو الوحيد بين الأحزاب الفلسطينية الذي قبل بقرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947، في خضم إجماع عربي واسع على رفضه.
يستعرض المؤلف الانتقادات الداخلية الحادة التي واجهها بكداش، والتي تمثلت في شخصيتين بارزتين: هاشم الأمين وفرج الله الحلو الذي أصبح رئيساً للحزب اللبناني. طالب الحلو، الذي سبق أن كتب كتاباً يثني على الاتحاد السوفييتي، بضرورة إبعاد الحزب عن موقف موسكو حول فلسطين حفاظاً على مصداقيته الوطنية، مع بقائه ملتزماً بموسكو في قضايا أخرى. لكن بكداش، المعروف بقدرته على تكوين صداقات وكسرها بحسب الأهداف الاستراتيجية، قمع هذه المعارضة. النتيجة كانت إجبار الحلو على كتابة رسالة اعتذار ومصالحة معروفة باسم "رسالة صلي"، والتي يصفها المؤلف بأنها تشبه محاكمات التطهير الستالينية في أوروبا الشرقية، حيث كان الغرض الأساسي منها ليس إقناع الجمهور بذنب المتهم، بل إظهار وحدة الحزب وفرض خط سياسي معين وتوضيح عواقب عدم الامتثال.
يختم المؤلف بأن فترة 1947-1948 كانت كاشفة للتنوع والانقسام داخل الشيوعية العربية. فمن ناحية، كان هناك بكداش القائد الموالي بقوة للسوفييت، ومن ناحية أخرى، كانت هناك قطاعات واسعة في الحزب عارضته لكنه نجح في إخضاعها، مما أدى إلى "تسييس مؤسسي" للفكر وتقييد للمثل الديمقراطية التي أعلنها الميثاق الوطني للحزب في مؤتمره عام 1943-1944، ومهد الطريق للانفصال الكامل بين الفرعين السوري واللبناني. يرى المؤلف أن هذا القمع أوجد رد فعل مضاداً مثّل لاحقاً أحد مصادر نشوء اليسار العربي الجديد في ستينيات القرن الماضي، الذي انتقد بكداش لاتّباعه نموذج "المرحلية" الاقتصادي الحتمي الذي يضع الطبقة العاملة "في غرفة انتظار التاريخ".
في الفقرة الأخيرة، يخلص الكاتب بإشارة إلى أن الجدل حول إرث بكداش مستمر بين الشيوعيين اللبنانيين أنفسهم، حيث يعتبره البعض رمزاً للتسلط الستاليني المناهض للفكر، بينما يراه آخرون قائداً بارعاً أبحر بالحزب خلال الحرب الباردة. لكنه يقدم رأيه بأنه من منظور تاريخي، يمكن قراءة بكداش كجزء من حوار أوسع حول المواقف التي تقاطعت مع أجندات قومية واشتراكية أخرى، وليس مجرد امتداد للستالينية أو رمزاً للإرث الأخلاقي للحركة. فبكداش مثّل تقليداً شيوعياً عربياً مهماً، لنُفهمه بشكل أفضل إذا نظرنا إليه من خلال الحوار الذي كان جزءاً منه بدلاً من التركيز فقط على الخيارات التي أغلقها أو الانتقادات التي حاول إسكاتها.
7.5 A Patriotic Internationalism: The Tunisian Communist Party’s Commitment to the Liberation of Peoples117–130▼ ملخص
يتناول هذا الفصل مسار الحزب الشيوعي التونسي بعد الاستقلال، مركزاً على كيفية مزجه بين الخطاب الوطني والقومي من جهة، والالتزام الأممي بتحرر الشعوب من جهة أخرى. يرى المؤلف أن المؤتمر السادس للحزب، المنعقد في نهاية ديسمبر 1957، مثّل نقطة تحول جذرية في تاريخه، إذ قرر "تتويز" الكوادر الحزبية وتبني برنامج وطني بامتياز، وهو ما اعتُبر بمثابة "مؤتمر النقد الذاتي" كما يصفه مؤرخ كان كادراً في الحزب. لم يكن هذا التحول نحو الداخل يعني تخلي الحزب عن التزامه الدولي، بل أعاد توجيهه نحو الدفاع عن حركات التحرر في العالم، لا سيما القضية الفلسطينية بوصفها "الشغل الشاغل العربي الأول"، مقارنةً بالصمت المطبق الذي اكتنف قضية الصحراء الغربية.
يسير الفصل في بنيته من العام إلى الخاص: يبدأ بتأكيد الإطار الفكري والعقائدي العام الذي انطلق منه الحزب، ثم ينتقل إلى ممارساته العملية في الساحة الدولية والعربية، قبل أن يركز على الحالتين المفصليتين: فلسطين والصحراء الغربية. يوضح المؤلف أن الحزب تبنى، في سياق الحرب الباردة، خطاباً مناهضاً للإمبريالية وداعماً للمعسكر الاشتراكي، معتبراً أن الاستقلال لا يعني الانكفاء على الذات، بل يمكن لتونس رغم صغر مساحتها أن تلعب دوراً خاصاً. تجلى هذا الالتزام عبر صحافة نضالية وصحف ناطقة بلسان الحزب، وعلى الأخص عبر نشاط الطلاب التونسيين في باريس، وكذلك من خلال حضور قيادات الحزب في المؤتمرات الدولية، حيث لعب محمد حرمل، الذي قضى فترة منفاه في براغ، دوراً بارزاً في هذه الشبكات. يذكر الفصل أن الحزب دافع بصوت عالٍ عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكان دعمه للقضية الفيتنامية نموذجاً على ذلك، ويعزو هذا الاهتمام إلى شعور التونسيين بالامتنان للفيتناميين إثر هزيمة فرنسا في ديان بيان فو عام 1954، والتي مهدت الطريق للاستقلال التونسي.
في السياق العربي، أولى الحزب أهمية كبرى للثورة الجزائرية، وتابع بتقدير تجربة الجزائر الاشتراكية في التأميمات والإصلاح الزراعي. لكن موقفه من الوحدة العربية كان حذراً ومشروطاً: فقد أقر بالروابط الثقافية واللغوية، لكنه رفض الهيمنة المصرية داخل الجمهورية العربية المتحدة، ودعا إلى وحدة ديمقراطية ثورية تُبنى طوعاً على أسس اشتراكية. تجلى هذا الحذر أيضاً في رفضه لمشروع الاندماج التونسي الليبي، رغم إعجابه بجمال عبد الناصر وبإنجازات معمر القذافي، مفضلاً تعاوناً فيدرالياً بين بلدان المغرب العربي كما تم الاتفاق عليه في مؤتمر طنجة عام 1958.
أما الموقف من القضية الفلسطينية، فيرسم الفصل تطوره بعناية. فبعد التزام الحزب بالموقف السوفيتي الداعم لتقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل، حدث تحول مع ظهور قيادة شيوعية تونسية أكثر حساسية لحقوق الفلسطينيين. ومع ذلك، بقي الحزب واقعياً وملتزماً بقرارات الأمم المتحدة، ودعم خطة الدولتين وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة إثر حرب 1967، معتبراً أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 يحمل أسساً إيجابية، وهو ما عرّضه لانتقادات من شخصيات تقدمية أخرى كالمجموعة التي كانت تدعو لإقامة دولة ديمقراطية واحدة. وعلى الرغم من الهزيمة، أصدر الحزب تقييماً متفائلاً، معتبراً أن حركة التحرر العربي تقدّمت، ومادحاً وحدة الصف العربي في قمة الخرطوم، والكفاح المسلح الفلسطيني، والدعم السوفيتي. كما اعتبر حرب أكتوبر 1973 ونفط العرب دليلاً على تغير موازين القوى وكسر أسطورة "جيش إسرائيل الذي لا يُقهر".
في المقابل، يكشف الفصل عن تناقض لافت في موقف الحزب من حق تقرير المصير، وذلك من خلال معالجته لقضية الصحراء الغربية، التي صمت عنها الحزب التونسي صمتاً تاماً، كما يؤكد الكاتب، بالرغم من أنها كانت مطروحة في المحافل الدولية، ودعا حلفاؤه أنفسهم إلى ذلك. يقدم المؤلف تفسيرين لهذا الصمت: الأول يتمثل في حيرة الحزب بين دعم الأنظمة الثورية الجزائرية والليبية المؤيدة للصحراويين، وبين عدم معارضة الموقف المغربي حفاظاً على التضامن المغاربي، والثاني يتعلق بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب الشقيقة.
وإذ يوضح المؤلف أن الحزب الشيوعي المغربي، عبر صحفه وقائده علي يعتة، كان من أشد المعارضين لاستقلال الصحراء، ويعتبرها أرضاً مغربية ويمنع أي نقد علني لموقف الحزب الشقيق بخصوص الشؤون الداخلية لبلاده، يستنتج أن الحزب التونسي اختار الامتثال لهذه التوصية والتزام الحذر، مفضلاً "الوطنية المسؤولة" التي تتجنب التصعيد. وهكذا، بينما ناضل الحزب علناً من أجل فلسطين، التزم الصمت إزاء الصحراء الغربية.
في استنتاجاته، يحاول المؤلف حل المفارقة الظاهرية في "أممية وطنية" تخدم القضايا الوطنية. يخلص إلى أن هذا التناقض "أكثر ظاهرياً منه حقيقياً"، لأن مفهوم الوطنية في البلدان المستعمَرة لم يكن أداة طبقية بل سلاح مقاومة ضد الإمبريالية، وشرطاً للانتقال نحو الاشتراكية. ويضيف أن تبنّي الاتحاد السوفيتي لشعار "الاشتراكية في بلد واحد" مهد الطريق لتطور أحزاب شيوعية وطنية، وفي النهاية، كما يقول المؤلف، تحولت الأممية البروليتارية إلى "أممية للقوى الوطنية التقدمية". يُخضع الفصل نفسه لبعض الحجج القابلة للنقاش، أبرزها تبريره لصمت الحزب التونسي بالالتزام بآداب العلاقات بين الأحزاب، وتفسيره للتطور التاريخي للأممية كنتيجة حتمية للسياسة السوفيتية، وهي قراءة قد يعتبرها البعض اختزالية.
8.6 Internationalist Nationalism: Making Algeria at World Youth Festivals, 1947–62131–147▼ ملخص
يتناول هذا الفصل موضوعاً محورياً في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، وهو استخدام التيارات السياسية الجزائرية المختلفة للمحافل الدولية، وتحديداً مهرجانات الشباب العالمية، كمنصة لعرض القضية الجزائرية وبناء صورة "الأمة الجزائرية" قبل الاستقلال. يقدم المؤلف جاكوب كرايس حجة مفادها أن النشاط الدولي للحركات الوطنية واليسارية الجزائرية، الذي بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان عنصراً حيوياً في صناعة الأمة الجزائرية، وأن مشاركة الوفود الجزائرية في هذه المهرجانات ساهمت في ترسيخ فكرة وجود أمة جزائرية مستقلة عن فرنسا في الوعي الدولي.
يركز الفصل على المهرجانات السبعة الأولى التي نظمت بين عامي 1947 و1959 في كل من براغ وبودابست وبرلين الشرقية وبوخارست ووارسو وموسكو وفيينا. ويشير إلى أن هذه المهرجانات، التي نظمها الاتحاد العالمي للشباب الديمقراطي والاتحاد الدولي للطلبة، كانت تجمع ما بين 10,000 و34,000 زائر أجنبي، وزاد عدد الوفود الوطنية المشاركة من 71 إلى 133 دولة، مما أتاح للمستعمرات التي تطمح للاستقلال فرصة الظهور كوفود وطنية مستقلة.
يستعرض المؤلف التشكيلة السياسية المتنوعة للوفود الجزائرية التي كانت تمثل طيفاً واسعاً من التيارات، بما في ذلك الشيوعيون من الاتحاد الديمقراطي للشباب الجزائري، والقوميون من جمعية الطلبة المسلمين شمال أفريقيا، والكشافة الإسلامية الجزائرية المقربة من الحركة الوطنية الراديكالية بقيادة مصالي الحاج، وجمعية الكشافة المسلمين الجزائريين المرتبطة بالعلماء الإصلاحيين، بالإضافة إلى جناح الشباب في الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بزعامة فرحات عباس. ويبين أن هذه المجموعات، على اختلاف توجهاتها، لم تكن تمثل الأحزاب مباشرة بل أجنحتها الشبابية، لكنها جميعاً ساهمت في تشكيل الأفكار حول الأمة.
يشرح الفصل الدوافع المختلفة التي كانت تحرك هذه المجموعات. فبينما ركزت الصحافة الشيوعية، وخاصة جريدة "الجزائر الجديدة" الناطقة بالعربية، في البداية على الجانب الأممي وذكر الوفد الجزائري باختصار، بدأت منذ عام 1953 تعطي الأولوية للكفاح الوطني وتصور المهرجانات كمنصة لإعلاء اسم الجزائر، خاصة مع انضمام الشيوعيين الشباب لصفوف جبهة التحرير الوطني لاحقاً. في المقابل، سعت الحركات القومية منذ البداية لاستغلال هذه المهرجانات للترويج لبرنامجها، وكان أبرز مثال على ذلك مسألة رفع العلم الجزائري، التي كانت قضية خلافية منذ عام 1947، حيث قادت الكشافة الإسلامية الجزائرية مسيرات حاملة العلم في مهرجان بودابست.
ينتقل الفصل لتحليل ردود الفعل في بلدين مضيفين هما ألمانيا الشرقية والنمسا. ففي مهرجان برلين الشرقية عام 1951، وبالرغم من أن الحرب الكورية كانت تحتل صدارة الاهتمام، حظي الوفد الجزائري باهتمام ملحوظ؛ إذ نشرت صحيفة "ألمانيا الجديدة" صورة للوفد الجزائري ونشرت تصريحاً كاملاً لقائد الكشافة عمر لقاح، الذي وصف برلين بأنها "العاصمة العالمية" وعرض مساعدة الكشافة الجزائريين في إعادة بناء المدينة. ومع ذلك، لم تكن الجزائر تشكل هماً كبيراً للصحافة الألمانية الشرقية في ذلك الوقت، وكان التغطية تركز على الكشافة المسلمين وتقديمهم كحركة شبابية وطنية رائدة.
على النقيض، يظهر الفصل كيف تغير الوضع جذرياً بحلول مهرجان فيينا عام 1959، حيث كانت الجزائر قد خاضت أربع سنوات ونصف من حرب الاستقلال. ففي هذا المهرجان، الذي لم يقام في الكتلة الشرقية، واحتضنته حكومة نمساوية محافظة قاطعت صحفها الحدث، أصبحت الجزائر تحتل مكانة بارزة في تغطية الصحف الشيوعية مثل "فولكس شتيمه" التي كتبت بإسهاب عن الحرب الجزائرية. ويبرز الفصل حادثة منع السلطات النمساوية رفع العلم الجزائري في حفل الافتتاح، والتي تحولت إلى انتصار للجزائر عندما امتنعت جميع الوفود المشاركة عن رفع أعلامها احتجاجاً، ثم رفع العلم الجزائري خلال تجمع مناهض للاستعمار في وقت لاحق من المهرجان.
يخلص المؤلف إلى أن استخدام القوميين للمهرجانات العالمية لبناء الدولة الجزائرية في سياق دولي كان ناجحاً، حيث ساعد حضورهم المستمر في وضع الجزائر على خريطة الحركات المناهضة للاستعمار عالمياً. ولم تكن المهرجانات مجرد منصة للشيوعيين، بل استخدمها القوميون والإسلاميون كمسرح ضمن مسارح أخرى، دون أن يبدوا اهتماماً بقضايا الحركة الشيوعية العالمية بما يتجاوز مناهضة الاستعمار، الأمر الذي ساهم في النهاية في تقوية التيار الوطني على حساب الحزب الشيوعي الجزائري الذي انحل لاحقاً داخل جبهة التحرير الوطني.
في مقاربة نقدية، يقر المؤلف بأن تحليله يعتمد بشكل أساسي على تغطية الصحافة، ويشير إلى أن هذا النهج قد لا يكشف عن التجارب الشخصية للمشاركين والتصورات التي كانت خارج الخطاب الأيديولوجي الرسمي. يوصي بضرورة دراسة الحسابات الشخصية والذكريات الفردية للمشاركين لفهم أعمق للتبادلات والاتصالات غير الرسمية التي أتاحتها هذه المهرجانات، والتي كثيراً ما قدمت فرصاً للحرية واللقاءات غير المعتادة، على الرغم من كونها منظمة من قبل دول شيوعية.
9.7 Travelling Theorist: Mehdi Ben Barka and Morocco from Anti-colonial Nationalism to the Tricontinental148–168▼ ملخص
يتناول هذا الفصل مسار حياة المناضل المغربي مهدي بن بركة، من نشأته في حي شعبي بالرباط إلى دوره المحوري في بناء التحالف الثلاثي القاري (إفريقيا-آسيا-أمريكا اللاتينية)، مقدماً إياه كنموذج حي لتحول الحركات المناهضة للاستعمار من nationalism تقليدي إلى ثورات تحرر وطني تعمل ضمن إطار أممي واشتراكي عريض. يرى المؤلف أن أهمية بن بركة تكمن في كونه "منظراً متنقلاً" جمع بين العمل الفكري والممارسة السياسية، وساهم بشكل أساسي في بلورة مفهوم الاستعمار الجديد وتوظيفه كأداة نظرية لربط نضالات أمريكا اللاتينية بنضالات إفريقيا وآسيا.
يسير الفصل وفق تسلسل زمني، فيبدأ بنشأة بن بركة عام 1920 في حي سيدي فتاح الشعبي بالرباط، حيث عاش طفولة قاسية في منزل مشترك بلا ماء ولا كهرباء. برز نبوغه المبكر فتكفل الوطنيون بتعليمه في المدارس الاستعمارية الفرنسية النخبوية. انخرط في العمل السياسي مبكراً وهو في الرابعة عشرة من عمره عبر الانضمام إلى لجنة العمل المغربية، ثم انتقل للدراسة في جامعة الجزائر عام 1939 حيث تعرف على شبكة من المناضلين الدوليين من مغاربة وجزائريين وتونسيين، واحتك بتيارات سياسية متنوعة مثل حزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج والحزب الحر الدستوري بقيادة الحبيب بورقيبة. هذا الاحتكاك المبكر بالتعددية السياسية والميل النضالي الدولي شكل وعيه السياسي، وأصبح نائب رئيس جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا التي تخرج منها قادة مغاربيون كثر.
يخصص الفصل قسماً كبيراً لدور بن بركة في حركة الاستقلال المغربية، حيث كان أصغر موقع على وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944 التي أعلنت ميلاد حزب الاستقلال، مما عرضه لأول سجن سياسي. قضى سنوات في المعتقلات والنفي الداخلي في الفترة بين نهاية الحرب العالمية الثانية والاستقلال عام 1956، لعب خلالها أدواراً رئيسية كرئيس للجنة التنفيذية للحزب، من تنظيم الخلايا وتدريب الكوادر إلى التفاوض على معاهدة الاستقلال في إيكس ليه بان في سبتمبر 1955. هنا يبرز المؤلف مفارقة جوهرية: فتحالف الحزب مع الملكية، التي كانت تتمتع بشرعية شعبية كرمز للمقاومة ضد الاستعمار، كان طريق الحزب إلى السلطة لكنه كان خطأه القاتل لاحقاً.
بعد الاستقلال، تولى بن بركة رئاسة الجمعية الوطنية الاستشارية التي لم تكن تملك سلطة فعلية. وعلى الرغم من حماسه المبكر للتنمية، حيث أنشأ فيلق أشغال عامة بنى "طريق الوحدة" الذي ربط مناطق الحماية الفرنسية والإسبانية عام 1957، إلا أنه اصطدم بسقف الإصلاح داخل نظام ملكي ملتزم بالليبرالية الاقتصادية. هذه التجربة قادته لاستنتاج أن "الاستقلال في حد ذاته ليس سوى شكل في حاجة إلى مضمون". فشكل مع اليسار الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في سبتمبر 1959، معلناً برنامجاً طموحاً للإصلاح الداخلي (إصلاح زراعي، تأميم، ديمقراطية حقيقية) ومواقف خارجية راديكالية (إخلاء القواعد العسكرية، دعم الجزائر والوحدة المغاربية).
ينتقل الفصل بعدها إلى البعد الدولي في حياة بن بركة، ففي أبريل 1960 انتخب لعضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التضامن الأفروآسيوي. يصفه المؤلف بأنه كان يتمتع بموقع سياسي فريد جعله مقبولاً من الجميع: فالمحافظون المناهضون للاستعمار لم يستطيعوا الطعن في سجله الوطني، بينما رأى فيه الثوار مناضلاً منفياً من قبل ملك موالٍ للغرب. وقد برع في التوفيق بين nationalism واشتراكية، وعمل كحلقة وصل بين العرب والأفارقة والصين والاتحاد السوفيتي في زمن الانقسام بينهما. استدعاه جمال عبد الناصر مرتين للوساطة، أولاً بين مصر وسوريا عند انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ثم بين مصر وحكومات البعث في سوريا والعراق عام 1963. كما حضر مؤتمر حركة عدم الانحياز التأسيسي في بلغراد عام 1961.
يمثل تعريف الاستعمار الجديد ذروة الإسهام الفكري لبن بركة في الفصل. فبينما ينسب هذا المفهوم عادة إلى كوامي نكروما الذي نشر كتابه عنه عام 1965، يوضح المؤلف أن المصطلح أُسس في المؤتمر الأفريقي للشعوب المنعقد في القاهرة في مارس 1961، حيث ترأس بن بركة لجنة الاستعمار الجديد والأمم المتحدة. عرّف المؤتمر الاستعمار الجديد بأنه "بقاء النظام الاستعماري رغم الاعتراف الرسمي بالاستقلال السياسي"، عبر وسائل غير مباشرة كالتجارة غير المتكافئة والاتفاقيات التقنية والعسكرية. وفي مؤتمر منظمة التضامن الأفروآسيوي في موشي بتنزانيا في فبراير 1963، طور بن بركة هذا المفهوم بالاستشهاد بسياسة بريطانيا في مصر 1922 والعراق 1932، وبالنموذج اللاتيني الأمريكي تحت الهيمنة الأمريكية، مستنتجاً أن ما كان ظاهرة نادرة أصبح "سياسة مطبقة بشكل منهجي". ودعا للتركيز على "مشكلة السلطة" ومع من يحقق الاستقلال، لأنه "اليوم فقط المحتوى السياسي والاقتصادي لذلك الاستقلال هو الذي يحمل معنى تقدمياً".
لكن التحول الأهم في فكر بن بركة تجلى في تقريره الشهير "الخيار الثوري في المغرب" الذي أعده للمؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مايو 1962. يبرز المؤلف أن هذا التقرير لم يفتتح بتحليل الظروف الداخلية كما هو متوقع، بل بموقف من السياق الدولي، مؤكداً أن الوعي الأممي ليس شعاراً بل شرطاً أساسياً للتحول الاجتماعي. دعا بن بركة إلى تحالف مضاد من الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين والبرجوازية التقدمية لمواجهة تحالف الملكية وكبار ملاك الأراضي والبرجوازية المرتبطة برأس المال الفرنسي. لكن التقرير لم يتبن رسمياً، وواجه تحفظات من قيادات حزبية تركّز على السياسة الداخلية.
يخصص الفصل قسماً مهماً لما يسميه "الطريق المضاد للثورة"، أي رد فعل الملكية على التصعيد اليساري. فبعد أن رفض الحسن الثاني الدستور، تعرض بن بركة لأول محاولة اغتيال في نوفمبر 1962. ثم في يوليو 1963، شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واتهمته بالتآمر على الملكية بدعم من الجزائر، وحكم عليه بالإعدام غيابياً في مارس 1964. أبرز حدث في هذا السياق كان حرب الرمال بين المغرب والجزائر في خريف 1963، حيث انحاز بن بركة علناً للجزائر الاشتراكية وندد بـ"خيانة" النظام الملكي. كان هذا الموقف بمثابة قطيعة نهائية: "القومي تجاوز أمته". يلفت المؤلف النظر إلى دور الموساد الإسرائيلي الذي قدم للحسن الثاني أسلحة ومعدات تجسس وذكاءات حول المعارضة، في إطار تحالف مضاد للثورة امتد حتى اغتيال بن بركة لاحقاً.
في المنفى الثاني، بين القاهرة والجزائر، أصبح بن بركة مستشاراً مقرباً من الرئيسين أحمد بن بلة وجمال عبد الناصر، حتى وصفه بن بلة بأنه "وزير خارجيتي الحقيقي". عمل على الملف الكونغولي، واحتك في الجزائر بالقيادات الثورية العالمية من شي جيفارا وفرانس فانون إلى مناضلي المؤتمر الوطني الأفريقي. في هذه الفترة بلور رؤيته للتنمية التي تقوم على "إنتاجية العمل البشري" بدلاً من المؤشرات الكمية مثل الدخل الفردي والاستثمار الأجنبي، معتبراً التعبئة الشعبية وتنظيم الجماهير شرطاً لحل مشكلة تراكم رأس المال.
يختم الفصل بعرض الأشهر الأخيرة من حياة بن بركة عام 1965، والتي وصفها المؤلف بأنها جزء من هجمة مضادة للثورة عالمية. ففي يناير أصبح رئيساً للجنة التحضيرية لمؤتمر التضامن الثلاثي القاري، وعمل بجد لضمان مشاركة كل من موسكو وبكين. لكن التحولات العالمية كانت ضدّه: قمع الحكومة اليمنية لاحتجاجات مارس 1965 التي خلفت مئات القتلى، إلغاء مؤتمر باندونغ الثاني بعد الانقلاب على بن بلة في 19 يونيو، وإطاحة سوكارنو في إندونيسيا في 30 سبتمبر. وفي 29 أكتوبر 1965، اختطف من شوارع باريس، حيث اعترف عميل موساد سابق أن الشرطة الفرنسية خطفته، والمخابرات المغربية عذبته حتى الموت، وذاب الموساد جثته بالأحماض ودفنها في غابة بضواحي باريس. ورغم هذا المصير المأساوي، انعقد المؤتمر الثلاثي القاري في هافانا في يناير 1966 بحضور 512 مندوباً من 83 دولة أو حركة، لكنه لم يعقد إلا مرة واحدة، وألغيت دورته الثانية بسبب هزيمة يونيو 1967.
يكشف المؤلف أن هذا الفصل يواجه تحدياً منهجياً يتمثل في الاعتراف بأن مساهمة بن بركة لا تزال "مهملة خارج الأدبيات الفرنكوفونية المتخصصة"، مؤكداً أن الهدف من دراسته هو استعادة الدور المهمل للفاعلين العرب في بناء التحالف الثلاثي القاري، وليس فقط الدور الذي يخص بن بركة. كما يعترف بأن قضية اختفاء بن بركة ظلت لغزاً لعقود، وأن الدور الأمريكي في اغتياله "تم الادعاء به دون إثبات". تتيح هذه الدراسة مقاربة نقدية للفهم الشائع الذي يعزو مفهوم "الاستعمار الجديد" حصرياً إلى نكروما، وتقدم دليلاً مضاداً على أن التحالف الثلاثي القاري لم يكن نتاجاً للتخطيط الكوبي فحسب، بل كان ثمرة جهود مناضلين عرب وحركات تحررية عبر قارات متعددة.
10.8 Marxism or Left-Wing Nationalism? The New Left in Egypt in the 1970s169–189▼ ملخص
يستكشف هذا الفصل نشأة وتطور ما يُعرف بـ"اليسار الجديد" في مصر خلال سبعينيات القرن العشرين، مركزاً على منظمة "التنظيم الشيوعي المصري" (تشم) التي تأسست عام 1969، والتي تحولت لاحقاً إلى "حزب العمال الشيوعي المصري" عام 1975. يقدم المؤلف جينارو جيرفازيو حجة مفادها أن هزيمة حزيران/يونيو 1967 لم تؤدِ فقط إلى صعود الإسلام السياسي كما يذهب الكثيرون، بل فتحت الباب أيضاً أمام جيل جديد من اليساريين الراديكاليين لرفض هيمنة النظام الناصري وانتقاد اليسار القديم الذي تمت تسويته مع الدولة. يرى المؤلف أن دراسة هذه التجربة، رغم قصر عمرها، تكشف عن رؤية سياسية بديلة ومهمة بعد النكسة، وتقوض السردية القائلة بأن صعود الإسلام السياسي كان حتمياً.
يبدأ الفصل بوضع السياق التاريخي، مشيراً إلى أن احتجاجات 1968 الطلابية، والتي امتدت إلى الإسكندرية في نوفمبر من نفس العام، شكلت أول تحدٍ كبير لحكم عبد الناصر، رغم أنها لم تطرح بديلاً سياسياً واضحاً. يوضح المؤلف أن وفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970 فتحت المجال أمام نشاط سياسي مستقل، وأن الرئيس الجديد أنور السادات أصبح الهدف الرئيسي لغضب وسخرية جيل النشطاء الجدد الذين رأوا فيه رمزاً للتردد والاستسلام. كان الطلاب، الذين تأثروا بحركات التحرر العالمية مثل المقاومة الفلسطينية والفيتكونغ وتشي جيفارا، يشكلون النواة الأساسية لهذا اليسار الجديد، وقد وصفهم أحد قادتهم الطلابيين بأنهم دخلوا اليسار من "باب القومية"، مما أشار مبكراً إلى هيمنة القضية الوطنية على القضايا الاجتماعية في فكرهم.
ينتقل الفصل بعدها إلى تفاصيل تكوين "التنظيم الشيوعي المصري"، مستعرضاً جذوره التي تعود إلى تجربة "وحدة الشيوعيين" التي تشكلت عام 1965 احتجاجاً على قرار حل الأحزاب الشيوعية والاندماج في الاتحاد الاشتراكي العربي. كان الناقد الأدبي إبراهيم فتحي الشخصية الملهمة لهذه المجموعة، الذي جمع حوله مثقفين شباباً عبر مجلة "جاليري 68" الأدبية المستقلة وجمعية "كتاب الغد". من هذه الدوائر، تأسست منظمة "تشم" في ديسمبر 1969 على يد مثقفين مثل عالم الاجتماع حسنين كشك والاقتصادي صلاح الأمروسي والكاتب خليل كلفت. يتميز فكر هذه المنظمة بقطيعته الجذرية مع اليسار القديم، إذ رفضت اعتبار النظام الناصري تقدمياً، ووصفته بأنه تعبير عن "البرجوازية البيروقراطية" التي ستعود حتماً إلى التحالف مع الإمبريالية والرأسمالية القديمة، كما انتقدت بشدة الشيوعيين القدامى مثل ميشيل كامل الذين قبلوا بالاندماج في النظام.
يناقش الفصل بالتفصيل التحديات التي واجهت المنظمة، ومن أبرزها التكوين الاجتماعي لأعضائها الذين كانوا في غالبيتهم العظمى من المثقفين الحضريين من أصول برجوازية صغيرة ومتوسطة، مع حضور رمزي للعمال في الأرياف. حاولت المنظمة معالجة هذا الخلل باندماجها مع مجموعة عمالية من الإسكندرية في نهاية عام 1971، لكن هذا الاندماج أدى إلى كارثة حين تمكنت أجهزة الأمن من اختراق الخلية واعتقال أعضاء اللجنة المركزية. يركز المؤلف على أن هذه التجربة القاسية في السجن، خاصة بالنسبة لإبراهيم فتحي، عززت هاجس السرية لدى المنظمة على حساب الديمقراطية الداخلية والتوسع في صفوف العمال، كما طبع مواقفها السياسية اللاحقة بنوع من الحذر المفرط.
أما بخصوص موقف المنظمة من حرب أكتوبر 1973، فيشير الفصل إلى أن قيادتها، التي كانت في السجن وقتها، أخطأت في توقعها أن نظام السادات لن يشن حرباً ضد إسرائيل بسبب طابعه الطبقي، واعتبرت الحرب مجرد "مبادرة محدودة" لإعادة البلاد إلى "فلك الإمبريالية الأمريكية". يرى المؤلف أن هذا التحليل، رغم اتساقه النظري مع رؤية المنظمة وكونه قد توقع التطورات السياسية اللاحقة، كان ميكانيكياً للغاية ولم يأخذ في الاعتبار طموحات السادات الشخصية.
يخصص الفصل قسماً مهماً لاستراتيجية المنظمة بعد تحولها إلى حزب في سبتمبر 1975، والتي تمحورت حول أولوية "التثقيف الشيوعي للجماهير عبر نشر صحافة الحزب" على حساب العمل المباشر في المصانع. بدلاً من "إضفاء الطابع البروليتاري على الطلاب"، آثرت القيادة، التي كان يسيطر عليها خليل كلفت، خيار "تثقيف العمال" ليجعل منهم "الطليعة الواعية" للثورة الاشتراكية القادمة، ورأت في الطلاب "حلقة وصل" بين الحزب والعمال بعد تخرجهم. أصدر الحزب أربع مطبوعات دورية، بينها "الشيوعي المصري" الذي اعتبرته الجماعات الراديكالية الأخرى منبراً طليعياً بامتياز، وأشادت بتغطيته لحركات التحرر الوطنية حول العالم وترجماته للنصوص الماركسية الدولية، مما جعله بمثابة "الطلليعة" لليسار الراديكالي.
يختتم الفصل بتتبع تراجع الحزب في النصف الثاني من السبعينيات، بدءاً بانشقاق مجموعة "التكتل" في نهاية 1976 التي رغبت في خوض انتخابات 1976 كمرشحين مستقلين في المناطق الفقيرة، وهو ما رفضته اللجنة المركزية. يرى المؤلف أن خروج هؤلاء الأعضاء الأكثر ميلاً للعمل السياسي المباشر أضعف الحزب في وقت كان النظام يتهمه فيه بالوقوف خلف انتفاضة يناير 1977 الشعبية التي اندلعت احتجاجاً على رفع الدعم عن السلع الأساسية، رغم أن دور الشيوعيين فيها كان هامشياً. يشير الفصل إلى أن الحزب فشل في استغلال هذه الانتفاضة وأزمة الشرعية المتنامية للنظام، واستمر في التركيز على القضية الوطنية، خاصة بعد زيارة السادات للقدس، مكتفياً بإدانة "الخيانة الوطنية" دون تقديم أسباب إضافية للجماهير للتعبئة، كما لاحظ المؤلف غياباً مقلقاً للتحليل اليساري لصعود الإسلام السياسي باستثناء مقارنات مع إيران بعد ثورة 1979.
يخلص الفصل إلى أن "تشم/حزب العمال الشيوعي المصري"، الذي لم يتجاوز عدد أعضائه في أوج توسعه 300 عضو، مثل الموجة الثالثة من الحركة الشيوعية المصرية وكانت له بصمة واضحة على الحياة الثقافية المصرية من خلال أعضائه من الأدباء والشعراء والصحفيين. لكن تأثير الحزب الثقافي فاق بكثير أداءه كحزب سياسي معارض، إذ عانى من خطوط استمرار مع اليسار القديم، خاصة في إفراطه بالتركيز على القضايا القومية والإقليمية على حساب القضايا الاجتماعية الداخلية وعلاقته بالطبقة العاملة المصرية. هذه القيود، إلى جانب استراتيجيته القائمة على النشر وعجزه عن الفعل في اللحظات الحاسمة، تفسر العزلة التدريجية لليسار داخل المجتمع المصري في الثمانينيات والتسعينيات.
11.9 Non-Zionists, Anti-Zionists, Revolutionaries: Palestinian Appraisals of the Israeli Left, 1967–73190–207▼ ملخص
يستهل المؤلف الفصل بالحديث عن عدد خاص ضخم من مجلة «ليه تون مودرن» الفرنسية صدر في 4 يونيو 1967، قبل أيام قليلة من اندلاع حرب يونيو، وخصص للصراع العربي الإسرائيلي. ضم العدد مقالات لكتّاب فلسطينيين وعرب وإسرائيليين، وكان موجهاً أساساً لليسار الأوروبي. وعد جان بول سارتر، محرر المجلة، في مقدمته بمعالجة الموضوع «بحياد»، لكن المؤرخ يعقوب دي كابوا أظهر لاحقاً أن العرب كانوا في وضع غير مواتٍ، إذ وقع سارتر وسبعة وستون مثقفاً فرنسياً آخرين بياناً دعماً للدولة اليهودية قبل أيام فقط من صدور العدد. يوضح المؤلف أن اليسار الأوروبي مال بشدة نحو المنظور الإسرائيلي لأسباب بنيوية وثقافية، لا سيما اعتباره قيام إسرائيل تعويضاً عن محرقة الهولوكوست، بينما رأى المثقفون العرب أن إسرائيل كيان استعماري استيطاني غير شرعي، وأن رفض اليسار الأوروبي لدعم قضيتهم ينم عن نفاق وجهل.
يلفت المؤلف الانتباه إلى مقال الكاتب اللبناني جبران مجدلاني، عضو حزب البعث المؤيد للعراق في لبنان، الذي لخص الانقسام بين رؤيتين: الأولى تقبل وجود إسرائيل كأمر واقع وتسعى لحل في إطارها، والثانية «الأقل واقعية» ترفض هذا الأمر مسبقاً. بعد حرب 1967، تعززت هذه الانقسامات، فأطلق اليسار الأوروبي دعوات لانسحاب إسرائيلي دون المساس بشرعية الدولة الصهيونية، بينما رأى مثقفون عرب أن احتلال الأراضي يؤكد الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل، وأن الحل الوحيد هو الكفاح المسلح الثوري. في هذا السياق، أطلقت منظمة التحرير الفلسطينية «هجوماً عالمياً» لربط نضالها بحركات التحرر الأخرى، ولإقناع اليسار الأوروبي بوصف نضالهم، وفي المقابل احتاج الفلسطينيون إلى فهم أعمق للديناميكيات السياسية الإسرائيلية الداخلية، خاصة مع تصاعد الانشقاق داخل الدولة العبرية.
كان مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت منصة رئيسية لهذه النقاشات، حيث نشر مؤلفات وإصدارات دورية مثل «اليوميات الفلسطينية» و«شؤون فلسطينية»، واجتذب كتاباً وباحثين منهم غسان كنفاني ومحمود درويش. يمضي المؤلف في مقارنة كيفية تقييم المثقفين الفلسطينيين لثلاث جهات يسارية إسرائيلية بارزة بين 1967 و1973: الحزب الشيوعي «راكاح» غير الصهيوني، وحركة «ماتزبن» التروتسكية المعادية للصهيونية، ومنظمة «الجبهة الحمراء» الثورية الماوية. يجادل المؤلف أن هذه الجماعات، رغم كونها هامشية في الساحة السياسية الإسرائيلية، أحدثت أثراً على كيفية وضع الفلسطينيين أنفسهم في إطار اليسار العالمي، وأن هذا الأثر امتد أبعد مما اعترف به الباحثون سابقاً.
يقدم المؤلف خلفية تاريخية عن الهيمنة الصهيونية الاشتراكية على السياسة الإسرائيلية طوال ثلاثة عقود، حيث سيطر حزب «مباي» على القيادة، وتناوب معه «مابام» الماركسي الصهيوني الذي شارك في الائتلافات الحاكمة. كان الحزب الشيوعي «ماكي» يتحدى هذه الإجماعات من منظور أممي، لكن انقسامه عام 1965 بين الأعضاء اليهود والعرب أنتج حزب «راكاح» الذي ينتمي معظم أعضائه من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، واتخذ موقفاً معادياً للحرب والاحتلال هو الأكثر وضوحاً عام 1967.
في حديثه عن «راكاح»، يشير المؤلف إلى أن مركز الأبحاث الفلسطيني لم يكن على دراية كافية بالحزب في بداياته، لكن الاهتمام بهذا الحزب نما خلال عام 1968، خاصة بعد أن اعترف الاتحاد السوفيتي به كحزب شيوعي شرعي وحيد في إسرائيل ودعاه لمهرجان الشباب العالمي في صوفيا. هناك التقى فلسطينيون لأول مرة بأعضاء الحزب، بمن فيهم الشعراء محمود درويش وسميح القاسم وعمّال الحزب. بدأت «اليوميات الفلسطينية» تغطي باعتقالات المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ونشاطات «راكاح» المناهضة للاحتلال، وكذلك مواقفه الداعية لتطبيق قرار مجلس الأمن 242، ونقلت انتقادات زعيمه مئير فيلنر لسياسات الحكومة الإسرائيلية، بما فيها إدانة الغارات على لبنان وسوريا في فبراير وسبتمبر 1972 ووصفها بـ«الإرهاب العسكري».
مع ذلك، يلفت المؤلف الانتباه إلى أن «راكاح» لم يربط انتقاداته للسياسات الإسرائيلية بنقد أوسع للصهيونية نفسها، وركز على المجال المحلي دون محاولة جذب اليسار العالمي، مما قلل من حماس المثقفين الفلسطينيين في المنفى تجاهه. هذا على النقيض من «ماتزبن»، التي تشكلت عام 1961 بعد انشقاق تروتسكي عن «ماكي»، وأصبح اسمها مرتبطاً بمجلتها. على الرغم من صغر حجمها، قدمت «ماتزبن» نقداً جذرياً للصهيونية، وخاصة بعد حرب 1967، حيث نظمت احتجاجات تندد بالاحتلال والصهيونية كأيديولوجية للدولة.
يقول المؤلف إن تغطية اليسار الإسرائيلي الراديكالي بدأت تتغير عام 1970 عندما قام بعض أعضاء «ماتزبن» بجولة في الولايات المتحدة وأوروبا، ونشروا مقالاً في مجلة «نيو ليفت ريفيو» في يناير-فبراير 1971 يشرحون فيه الأساس الطبقي للمجتمع الإسرائيلي وانتقاداتهم للصهيونية. تواصل أعضاء «ماتزبن» مع الفلسطينيين في الأردن وأوروبا، وكانوا موضوع مقابلات في الصحافة العربية، بما فيها مقابلة مطولة أجرتها الباحثة في مركز الأبحاث ليلى سالم القاضي مع قائد مجهول في لندن نُشرت في العدد الثاني من «شؤون فلسطينية» في مايو 1971. انتقد القائد موقف «راكاح» القاصر الذي يركز فقط على أراضي 1967، بينما تطالب «ماتزبن» بتفكيك المؤسسات الصهيونية، واصفاً الفرق بأنه بين «حل ثوري وحل غير ثوري».
أيد القائد الكفاح المسلح لكنه شكك في استهداف المدنيين، وانتقد «فتح» لرفضها الاعتراف بالشعب الإسرائيلي كأمة. بعد ثلاثة أشهر، نشرت دراسة كاملة عن «ماتزبن» بمركز الأبحاث وقدم لها الكاتب غسان كنفاني بمقدمة حددت أهميتها المزدوجة: كونها الجماعة الوحيدة التي شككت جذرياً بالصهيونية، وقدرتها على التأثير في اليسار الأوروبي بعد 1967. لكن كنفاني حذر من المبالغة في تقدير حجمها أو قدرتها الثورية، مشيراً إلى تناقض جوهري في موقفها: فمن ناحية تنتقد الطابع الاستعماري الصهيوني، ومن ناحية تعتقد بإمكانية الإطاحة بالصهيونية دون قلب المؤسسات السياسية للدولة، وهو ما اعتبره كنفاني تناقضاً منطقياً.
في سبتمبر 1972، انشق بعض أعضاء «ماتزبن» وشكلوا «الجبهة الحمراء»، معتبرين أن قادتهم «يعتبرون الماركسية نظرية قديمة» وأنهم لم ينتقلوا من النظرية إلى الفعل الثوري. بعد ثلاثة أشهر، أعلنت الشرطة الإسرائيلية عن اكتشاف خلية «الجبهة الحمراء» واعتقلت عشرين شخصاً، ثمانية عشر منهم من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل واثنان من اليهود، بزعم التخطيط لهجمات والتجسس لصالح سوريا. كتب محمود درويش، الذي كان يعمل في مكاتب منظمة التحرير في بيروت، مقالاً في «شؤون فلسطينية» رأى فيه أن رد الفعل الإسرائيلي على الجبهة الحمراء يشير إلى أن مسألة شرعية إسرائيل «انفجرت داخل الوعي الإسرائيلي نفسه»، وأن السلطات تستغل هذه القضية لتصوير جميع المعارضين كجواسيس.
نشرت «شؤون فلسطينية» إفادات اعترافات قادة «الجبهة الحمراء» داود تركي وإيهود (أودي) عدييف، اللذين نفيا تهمة نقل معلومات للاستخبارات السورية لكنهما تبنيا أهدافاً ثورية شاملة لكل العرب. أوضح تركي استلهامه من تشي غيفارا وماو تسي تونغ لتحقيق ثورة اشتراكية، لكنه كان واقعياً بشأن إمكانيات مجموعته. أما عدييف فانتقد «راكاح» لفشلها في فهم الطبيعة الاستعمارية للصهيونية قبل 1967، وانتقد «ماتزبن» لافتقارها لفصل «ما الذي ينبغي فعله»، مؤكداً أن الحل يكمن في تحويل الصراع العربي اليهودي إلى صراع طبقي يتطلب من اليهود إثبات تضامنهم الكامل مع العرب. حكم على تركي وعدييف بأطول مدة سجن بين أعضاء الجبهة، وهي سبعة عشر عاماً.
يذكر المؤلف أن لقاء قادة «الجبهة الحمراء» بعضو مركز الأبحاث حبيب قهوجي في دمشق، والذي كان على علم بدعمهم، أعطى الجبهة وزناً في الساحة الفلسطينية. كما أشار إلى أن ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير، حيّا عدييف في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 1974، وأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة أدرجتهما في قائمة صفقة تبادل أسرى عام 1985، حيث تم إطلاق سراحهما. في الختام، يرى المؤلف أن موقف «الجبهة الحمراء» الثوري الصريح، وخاصة ضم أعضاء يهود كشركاء متساوين، ألهم الفلسطينيين أكثر من موقفي «راكاح» و«ماتزبن»، وأبرز لهم ضرورة تجنب تأطير القضية الفلسطينية كصراع إثني. رغم تخلي منظمة التحرير لاحقاً عن الكفاح المسلح وتبنيها حل الدولتين، يؤكد المؤلف أن المثقفين والنشطاء الفلسطينيين واصلوا الاستفادة من نداءات اليسار الإسرائيلي غير الصهيوني والمعادي للصهيونية لمواجهة الرواية الإسرائيلية والتأكيد على نضالهم من أجل الحرية والمساواة.
يقر المؤلف ضمنياً بقيود بحثه المتمثلة في اعتماد المصادر الفلسطينية على التقارير الصحفية والمواد المنشورة بسبب عدم توفر وصول مباشر لإسرائيل، كما يشير إلى التحفظات التي أبداها كنفاني حول حدود «ماتزبن» الثورية وهي تناقضات جوهرية في رؤيتها. من الحجج التي يطرحها الفصل ويمكن مناقشتها فكرة أن اليسار الإسرائيلي الهامشي، رغم صغر حجمه، كان له أثر فكري طويل الأمد على الفلسطينيين يفوق الاعتراف السابق، وذلك من خلال فتحه فضاءات سياسية نقدية جديدة. كما أن الحجة القائلة بأن تبني اليهود للكفاح المسلح بشكل غير مشروط كان الشرط الأساسي لاكتساب مصداقية ثورية لدى الفلسطينيين تظل مثار نقاش، حيث تطرح تساؤلات حول حدود التضامن اليهودي في نظر الفلسطينيين.
12.10 'Dismount the horse to pick some roses': Militant Enquiry in Lebanese New Left Experiments, 1968–73208–213▼ ملخص
يستكشف هذا الفصل كيفية إعادة تشكيل مفهوم "الاستقصاء المليشياوي" الماوي في تجارب اليسار الجديد اللبناني بين عامي 1968 و1973، عبر تتبع مسار عالم الاجتماع ودّاح شرارة، المولود في بنت جبيل عام 1942 لعائلة شيعية. يرى المؤلف أن ديناميكيات الثورة العالمية في الستينيات والسبعينيات تميزت بالربط بين تحدي النظام السياسي والاقتصادي من جهة، ومنافسة الأعراف الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. ويسعى الفصل إلى فك شيفرة كيفية تحول التداولات المليشياوية وعمليات إعادة تفسير التمثلات والمعارف إلى تغيير شامل في عناصر متعددة، بدءاً ببيئات العمل وصولاً إلى المليشياويين أنفسهم وطرق تأطيرهم للمشكلات.
ينطلق الفصل من افتراض أن العابر للوطنيات والمحلي والعالمي ليس مستويات مرجعية قائمة بذاتها، بل يتفاعل بعضها مع بعض بشكل بنيوي. يعتمد الباحث على مقابلات مع مليشياويين سابقين أجريت بين 2016 و2019، بالإضافة إلى كتابات نظرية ومذكرات مليشياوية ومنشورات المنظمات المعنية. من هذه المصادر: نصوص محسن إبراهيم قائد منظمة الاشتراكيين اللبنانيين، والدورية لبنان الاشتراكي المطبوعة بالاستنسيل، والمجلة الأسبوعية الحرية التي كانت لسان حال حركة القوميين العرب ثم منظمة العمل الشيوعي في لبنان والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. يعامل المؤلف هذه المواد بمرونة، تارة كمصادر تاريخية وتارة كوثائق وتارة كمراجع أكاديمية، مع مقارنة التقييمات النظرية بالأفعال المليشياوية.
يعود الفصل بأصول الاستقصاء المليشياوي إلى ماو تسي تونغ، الذي شدد على ضرورة أن يستمع الثوار للشعب ويجروا استقصاءات حول ظروف معيشتهم، بعبارات مثل "انزل عن الحصان لتقطف بعض الورود" و"بدون استقصاء لا حق في الكلام". انتقلت هذه المفاهيم لاحقاً إلى التيار العمالي الإيطالي (operaismo) كما تمثل في مجلتي Quaderni Rossi وClasse Operaia، ثم إلى مجموعات ما بعد 1968 مثل لوتا كونتينوا، وانتقلت إلى فرنسا منذ 1967 ثم إلى لبنان. يحدد الفصل قنوات النقل الرئيسية: التداولات المليشياوية والمنشورات.
يسرد الفصل المسار التكويني لشرارة: بدأ نشاطه السياسي في كانون الثاني 1953 عندما كان في الرابعة عشرة، وشارك في مظاهرة داعمة للجزائر، ثم انخرط في حزب البعث. بعد ذلك تلقى تدريباً نظرياً ومليشياوياً مكثفاً في فرنسا، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة ليون، وقرأ النصوص الماركسية والماوية الأساسية، واكتشف تيارات يسارية جديدة من ألتوسير إلى الاشتراكية أو الهمجية. التحق بـشبكة جيسون الداعمة للجزائر وبـاتحاد الطلاب الشيوعيين الذي كان ناقداً للحزب الشيوعي الفرنسي. عند عودته إلى لبنان عام 1962، كان لقاؤه بـفواز طرابلسي حاسماً في تأسيس لبنان الاشتراكي عام 1964، وهو التنظيم الذي اندمج لاحقاً مع منظمات أخرى لتأسيس منظمة العمل الشيوعي في لبنان عام 1971. كان الفاعلون الأساسيون في هذه التجربة يقرأون بانتظام لوموند وليه تون مودرن ومنشورات ماسبيرو، وكانت مجلة ليه تون مودرن أساسية في نشأة التنظيم، حيث أراد شرارة وطرابلسي إنشاء مجلة مماثلة تساهم في نقاشات نصوص مهمة مثل "معذبو الأرض" لفرانز فانون.
ناقش شرارة وطرابلسي فكرتهما مع بشير الضيقة، مؤسس دار الطليعة ومجلة دراسات عربية، التي أصبحت منتدى رئيسياً لنشر الأفكار اليسارية والعلمانية. نشرت دار الطليعة ترجمات ملتزمة عديدة، من "الجيش والمجتمع في مصر" لأنور عبد الملك و**"صراع الطبقات في مصر"** لمحمود حسين (الاسم المستعار لبهجت النادي وعادل رفعت) إلى ترجمة طرابلسي الأولى "الثورة المغدورة" لتروتسكي. كما ترجم كل من أحمد بيضون وشرارة وطرابلسي العدد الخاص من ليه تون مودرن المخصص للصراع العربي الإسرائيلي، تحت رعاية معهد فلسطين للدراسات في بيروت، الذي كان مديره محمود سويد عضواً مؤسساً في لبنان الاشتراكي.
بدأت ليه تون مودرن وليه كاييه دو ماي وماسبيرو في عام 1968 بنقل أخبار الاستقصاء المليشياوي والمبادرات العمالية في فرنسا وإيطاليا بانتظام. تابع شرارة عن كثب ظهور اليسار الجديد الإيطالي خاصة لوتا كونتينوا، وعرف شخصياً محمود حسين الذي تعاون معه في ترجمة "صراع الطبقات في مصر" وفي تنسيق عدد خاص من مجلة المسرّة عن الحركة الطلابية المصرية. بالمقابل، لم تقم علاقات مباشرة مع لوتا كونتينوا أو مجموعات اليسار الجديد الإيطالي الأخرى، لكن مجلة الحرية خصصت مقالات عديدة للتجارب المليشياوية الإيطالية، فنشرت تقريراً عام 1970 عن مقال لوتشيانا كاستيلينا حول فيات، وترجمات موسعة لمواقف مجلة المانيفستو. كما نقلت الحرية نصوصاً لمفكرين ثوريين وماركسيين من تشي غيفارا وأميلكار كابرال إلى بول سويزي ومكسيم رودنسون وفريد هاليداي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحديين رئيسيين واجهاه المليشياويون اللبنانيون عند استخدامهم للاستقصاء المليشياوي. الأول يتعلق بمحاولة الربط بين المطالب الاجتماعية اللبنانية والنضال الوطني الفلسطيني، وهو الربط الذي يبدو أن الفصل يشير إلى استحالته في تلك المرحلة. الثاني يتعلق بتجربة لجان العمل، حيث تشير الإشارات في الفصل إلى أن "الربط المستحيل" بين المطالب اللبنانية والنضال الفلسطيني كان تحدياً بنيوياً. يوضح الفصل أن معارضة تجديد ولاية الرئيس فؤاد شهاب (1902-1973، حكم 1958-1964) كانت الفعل التأسيسي لتنظيم لبنان الاشتراكي، حيث كان شهاب قائداً للجيش اللبناني وعُيّن رئيساً بدعم أمريكي وأغلبية إسلامية بعد انتفاضة 1958، ليقود مشروعاً لبناء الدولة.
تتعلق الإشارات الأخيرة في الفصل بتحولات أوسع في اليسار الجديد اللبناني. فبعد تأسيس منظمة الاشتراكيين اللبنانيين عام 1969، اندمجت مع لبنان الاشتراكي واتحاد الشيوعيين اللبنانيين (المنشق عن الحزب الشيوعي اللبناني عام 1968) لتشكيل منظمة العمل الشيوعي في لبنان عام 1971، التي تعتبر أهم مجموعة يسارية جديدة في لبنان وبوتقة للأفكار حاسمة في تكوين شخصيات أصبحت لاحقاً بارزة في المجالين الأكاديمي والفني. بعد أن أنهى شرارة نشاطاته قبل اندلاع الحروب اللبنانية عام 1975، كرس وقته للكتابة في مواضيع متنوعة من الشعر العربي والاجتماع الحي إلى القضايا السياسية والاجتماعية العربية حتى صعود حزب الله. ثلاثة أسئلة قادت مساره الفكري: التفكير في تنوع علاقات القوة والتضامن، وديناميكيات العنف، وبنية الدولة.
يختم الفصل بالإشارة إلى تحول جوهري في طريقة فهم أفراد اليسار الجديد لدورهم، حيث يبدو أنهم أدركوا أن الاستقصاء المليشياوي ليس مجرد تقنية لمعرفة الظروف، بل هو ممارسة تعيد تشكيل المليشياوي نفسه وموقعه في شبكة العلاقات المحلية/العالمية. ومع أن الفصل لا يقدم إجابة قاطعة عن نجاح هذه التجارب أو فشلها، فإن طريقة طرحه للموضوع توحي بأن التناقض بين الطموح النظري والواقع العملي شكل محركاً أساسياً لتطور هذه الحركات. الفصل بحد ذاته يدعو إلى إعادة النظر في تاريخ اليسار اللبناني ليس كمجرد استيراد أيديولوجيات أجنبية، بل كعملية إبداعية من الترجمة والتجريب المحلي، وإن كانت هذه الإعادة لا تخلو من توترات لم تُحسم في الفصل نفسه.
13.11 The 'Che Guevara of the Middle East': Remembering Khalid Ahmad Zaki’s Revolutionary Struggle in Iraq’s Southern Marshes214–242▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل قصة خالد أحمد زكي، الثوري العراقي الذي قاد تمرداً مسلحاً فاشلاً في أهوار جنوب العراق في عام 1968، وكيف تحولت ذكراه إلى رمز متغير في الذاكرة اليسارية العربية. يفتتح المؤلف فيليب وينكلر ملاحظاً أن هذه الحلقة بالكاد تُذكر في كتب التاريخ عن العراق، رغم أنها كانت مصدر إلهام لعشرات القصائد والروايات والاحتفالات التذكارية. السؤال المحوري الذي يحاول الفصل الإجابة عليه هو: كيف تغير معنى الاحتفاء بذكرى زكي عبر الزمن؟ يقدم الكاتب إجابة واضحة: فبينما كانت ذكراه في البداية حافزاً للاستمرار في النضال والنظر إلى المستقبل بأمل، تحولت لاحقاً إلى تعبير عن "الكآبة اليسارية" واليأس من إمكانية تحقيق الثورة.
يسير الفصل وفق بنية زمنية واضحة. يبدأ بسرد السيرة الذاتية لزكي، الذي ولد في بغداد عام 1935 وتنقل في طفولته مع والده مهندس الري، مما جعله شاهداً على فقر الريف العراقي ودفعه للانضمام إلى الحزب الشيوعي العراقي. انتقل إلى لندن في أواخر الخمسينيات حيث ترأس الجمعية العراقية للطلبة وتعاون مع الفيلسوف برتراند راسل في حملات سياسية، متأثراً بثورة تشي جيفارا في كوبا والحرب في فيتنام. يشرح الفصل كيف عاد زكي إلى العراق في أواخر 1966 ليجد الحزب الشيوعي منقسماً بعد تبنيه "خط آب" في أغسطس 1964، الذي فضل التعاون مع نظام الرئيس عارف بدلاً من مواجهته، تحت الضغط السوفيتي. رأى زكي في هذا الخط خيانة، ورفض فكرة الانقلاب العسكري التي طرحها بعض الرفاق، معتبراً أن الطريق الوحيد هو حرب عصابات شعبية طويلة في الريف.
يصف الفصل بعد ذلك اختيار زكي ومجموعة صغيرة من أنصاره للأهوار الجنوبية، المنطقة المعزولة التي يسكنها فقراء المعدان (الشيعة العرب)، والتي كانت تتمتع بتاريخ من التمردات مثل ثورة الزنوج والقرامطة. كانت خطتهم تبدأ بضربات صغيرة ضد الجيش، على أمل أن ينضم الفلاحون إليهم. لكن العملية باءت بالفشل: ضلوا طريقهم في المستنقعات، ولم يتحقق الدعم الجماهيري المتوقع، وهاجمهم الجيش بالطائرات والمركبات البرمائية. في 3 يونيو، قُتل زكي ورفيقاه وأُسر الباقون. ويشير الكاتب إلى أن حزب البعث استولى على السلطة بعد أسابيع فقط، مما أعطى فشل التمرد بُعداً رمزياً درامياً.
ينتقل الفصل إلى قلب تحليله حول "الكآبة اليسارية"، معتمداً على نظرية المؤرخ إنزو ترافيرسو. يفرّق الكاتب بين نوعين منها: الأول "نظرة إلى الأمام" حيث تُعتبر الهزيمة مؤقتة وتحفز على مواصلة النضال، والثاني "نظرة إلى الوراء" حيث يكون فقدان الأمل نهائياً. في البداية، اتسمت ردود الفعل الفورية على موت زكي بالنوع الأول؛ ففي لندن، أقام أصدقاؤه اجتماعات تأبينية وأصدروا كتيباً بعنوان "موت ثوري عراقي" في 1969، رسموا فيه صورته كنسخة عراقية من جيفارا، معتمدين على صورة جيفارا الميت كأيقونة. ووصفوه بأنه نموذج للثوري الأممي الذي ضحى بنفسه، مؤكدين أن دمه "سيلد بذور التحرر". حتى داخل العراق، كما تذكر الروائية هيفاء زنكنة، كانت سيرته مصدر إلهام لاستعادة الأمل في مستقبل النضال ضد حكم البعث.
أما النوع الثاني من الكآبة، "النظرة إلى الوراء"، فيظهر بوضوح في الكتابات والاحتفالات اللاحقة. يلاحظ الكاتب أن مؤرخين وكتّاباً مثل سليم يوسف وطه علي وصفوا انتفاضة زكي بأنها "رومانسية"، "مثالية"، "هزيمة كاملة"، أو "انتحارية" و"مأساة". لقد أصبح زكي رمزاً للبطولة التي كانت محكوم عليها بالفشل حتماً، لا بذرةً لثورة قادمة. ويضرب الكاتب مثالاً برواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر، التي صدرت في 1983، والتي يستحضر فيها أبطالها، وهم شيوعيون عراقيون فروا إلى الجزائر، ذكرى انتفاضة الأهوار كصورة مثالية لكنها "ضائعة بشكل لا يمكن استرجاعه" في مواجهة واقع عربي قاتم من القمع والفقر.
يختتم الكاتب بالأسباب الكامنة وراء هذا التحول في طبيعة الذكرى، وهو ما يشكل الجانب التحليلي الأهم في الفصل. يربط وينكلر هذا اليأس اللاحق بالمسار التاريخي للأحزاب الشيوعية العربية التي اختارت، بتشجيع من الاتحاد السوفيتي، أن تصبح شريكاً صغيراً للأنظمة "التقدمية" و"الاشتراكية" المزعومة. هذا التحالف الذي بدأ في الستينيات، أدى إلى تآكل شعبيتها وتدميرها من الداخل، إما عبر القمع أو عبر فقدان المصداقية. ويشير إلى أن القضاء على التيار الثوري داخل الحزب الشيوعي العراقي اكتمل عندما انضم جناحه الرسمي إلى "الجبهة الوطنية التقدمية" مع حزب البعث في 1973، قبل أن يقوم النظام بملاحقته وتصفيتهم في 1978 و1979، ليحل بعدها عهد صدام حسين الإرهابي حتى 2003، والذي انتهى بغزو أمريكي اعتبرته اليسار العربي كارثة أخرى. في هذا السياق، يقدم الكاتب انتفاضة زكي على أنها محاولة أخيرة ويائسة لتحدي هذا المسار الكارثي، مما يجعلها مرآة مثالية لكآبة اليسار العربي التي أصابته قبل وقت طويل من سقوط الاتحاد السوفيتي. يفترض الفصل ضمنياً أن فشل زكي المبكر كان نذيراً بالفشل الأكبر للأحزاب الشيوعية العربية بأكملها، وأن استحضاره في الذاكرة هو إحياء لذكرى هذا الطريق الذي لم يُسلَك.
14.12 Crisis and Critique: The Transformation of the Arab Radical Tradition in between the 1960s and the 1980s243–263▼ ملخص
يتناول هذا الفصل لحظتين محوريتين في تاريخ الفكر العربي في القرن العشرين، هما لحظتا "أزمة ونقد" كما يسميهما المؤلف، لفهم كيف تحول التقليد الراديكالي العربي بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. اللحظة الأولى هي النقاش العام الذي جمع مثقفين يساريين وقوميين عرباً في القاهرة عام 1961، بينما تتمثل اللحظة الثانية في تحول الماركسيين العرب نحو دراسة الفلسفة العربية-الإسلامية من منظور مادي، والذي بدأ في حوالي عام 1970. يقدم المؤلف قراءة تاريخية لهاتين اللحظتين لاستخلاص دروس حول العلاقة بين الأزمة والنقد، وليقترح أن فهم هذه التحولات يساعدنا على تجاوز لحظاتنا الأكاديمية الراهنة عند ممارسة النقد الثقافي اليوم.
يرى المؤلف أن مفهوم "الأزمة" (بالعربية: الأزمة) كمصطلح خطابي لم يظهر في الفكر العربي إلا في خمسينيات القرن العشرين، على عكس النقد الذاتي الذي كان حاضراً في خطابات الإصلاح الديني والنهضة الأدبية منذ القرن التاسع عشر. ويشير إلى أن الاستعمار، وخاصة نظام الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، حال دون الانتقال من النقد إلى الوعي بالأزمة. في سياق هذا الإطار، يبرز كتاب "أزمة اليسار العربي" لكلوفيس مقصود الصادر عام 1960 كأول محاولة برنامجية لصياغة التحديات البنيوية التي واجهت اليسار العربي بعد الاستقلال. يحدد مقصود أزمة مزدوجة: فمن ناحية، يحقق التحرر الوطني البرجوازي شعوراً بالحرية السياسية دون مساواة اجتماعية حقيقية، ومن ناحية أخرى، تحقق الاشتراكية الاقتصادية شعوراً بالسيادة الجماعية على حساب الحرية السياسية الفردية. ولتجنب تحول القومية العربية إلى شمولية، دعا مقصود إلى "اشتراكية جوهرية" تعمل في خدمة الشعب، ورفض الشيوعية بوصفها "مؤامرة رأسمالية"، مطالباً اليسار العربي بتنظيم نفسه في أحزاب تقدمية مستقلة.
في 1961، استجاب محمد حسنين هيكل، "مثقف البلاط" كما يسميه المؤلف، لدعوة مقصود من خلال عقد مؤتمر في القاهرة استمر ثلاثة أشهر، جمع شباب المنظرين اليساريين مع الجيل الأكبر من الأدباء القوميين المصريين. كان الهدف هو دفع الطليعة اليسارية المترددة إلى الانخراط في مشروع جمال عبد الناصر لبناء الدولة المصرية. يوضح المؤلف أن جزءاً كبيراً من النقاش دار على صفحات صحف مثل الأهرام وروز اليوسف والمساء، وشارك فيه يساريون مصريون مثل لطفي الخولي الذي أفرج عنه حديثاً من السجن، وأكاديميون مثل ماجدي وهبة الذي شخص "أزمة ثقة" سداسية الأبعاد يعاني منها المثقفون، ولويس عوض الذي دافع عن دور المثقفين العلمانيين في التمهيد لثورة 1952. في المقابل، هاجم هيكل في كتابه "أزمة المثقفين" الصادر بعد المؤتمر المثقفين لتاريخهم في التواطؤ مع البريطانيين وال monarchية قبل الثورة، ورفض دعواتهم للعودة إلى الحياة البرلمانية، معتبراً أن الجيش هو القوة الاجتماعية الوحيدة القادرة على تنفيذ الديمقراطية الاجتماعية، ومادحاً نظام الحزب الواحد على حساب الحرية الفردية.
بعد هزيمة 1967، تحول اليسار العربي نحو "النظرية العميقة" كاستجابة للأزمة، فبدأ بعضهم بدراسة الفلسفة الألمانية من هيغل إلى ماركوز، بينما اتجه آخرون إلى تاريخ الفلسفة العربية-الإسلامية من ابن رشد إلى ابن خلدون. في هذا السياق، يأتي مشروع الطيب تيزيني (1939-2019) الذي نشر كتابه "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" عام 1972، وكان يبلغ من العمر 33 عاماً. قدم تيزيني، الذي ناقش أطروحته في جامعة برلين الشرقية، أول تفسير ماركسي عربي مطول لتأثير الفلسفة الأرسطية على الفلسفة العباسية-الأندلسية، مستفيداً من أعمال الماركسيين الألمان مثل إرنست بلوخ وهرمان ليفي، الذين اعتبروا أن الفلسفة الإسلامية على طول خط ابن سينا-ابن طفيل-ابن رشد تشكل نموذجاً مادياً لتحدي المركزية الغربية في تاريخ الفلسفة. هدف مشروع تيزيني إلى إطلاق "ثورة ثقافية عربية" عبر إظهار أن الظروف المادية التاريخية لظهور الإسلام أنتجت اتجاهات متصارعة في الفلسفة، بلغت ذروتها في العقلانية المعتزلية وتوفيق الكندي والفارابي بين الفلسفة اليونانية والعقيدة الإسلامية، وأن ابن سينا بالتحديد تجاوز ثنائية الشكل والمادة، مما جعل التفكير في قوة الطبيعة الذاتية التوليدية ممكناً.
بلغ هذا المشروع ذروته مع صدور كتاب حسين مروة "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" عام 1978 في بيروت وسط الحرب الأهلية، والذي يصفه المؤلف بأنه "مشروع العمر" و"الخلاصة النظرية للماركسية العربية". رأى مروة أن الفكر العربي يعاني من أزمة، وأن المعالجة المنهجية لهذه الأزمة تتطلب نقداً يستعيد الإرث العباسي-الأندلسي من هجمات السلفيين، ويتجاوز الدراسات التاريخية المعزولة أو التعميمات السطحية حول عبقرية العرب العلمية، كما يتجاوز المقاربات المثالية والميتافيزيقية لفيلسوف مثل عبد الرحمن بدوي. ورأى أن ما كان ينقص حتى عمل تيزيني الرائد هو "نظرية للحاضر"، أي تحقيق في ما تخاطر به الفلسفة من أجل احتياجات التحرر والثورة اليوم، مستلهماً بذلك أطروحة والتر بنيامين حول الصورة من الماضي التي تهدد بالاختفاء إذا لم تعترف بها الهواجس الملحة للحاضر. يقدم المؤلف ملاحظة مهمة بأن فلسفة مروة المادية شكلت بديلاً عن النزعات الهوياتية في فهم التاريخين العربي والإسلامي التي كانت تنتشر في السبعينيات.
يسجل المؤلف في ختام الفصل أن اغتيال حسين مروة عام 1987 لم يضع حداً للحزب الشيوعي اللبناني كمشروع تحرري فحسب، بل مثّل أيضاً نهاية تطوير اليسار العربي لبديل جدلي عن المفاهيم الهوياتية للتاريخ. ويخلص إلى أن اليسار العربي، رغم تفوقه التحليلي، لم يقترب من تحويل هذا التفوق إلى قوة سياسية حقيقية خلال الحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. ويقر المؤلف بأن فكرة اليسار التقدمية القائلة بأن النقد الصحيح سيتغلب حتماً على أي أزمة تبدو اليوم مفرطة في التفاؤل والعالمية والتركيز على المستقبل، لكنه يلفت النظر إلى أن ممارسة النقد اليوم، بأشكاله الجزئية والمحافظة، كانت ستبدو هزيمية ومحافظة لأولئك المفكرين المناهضين للاستعمار في الماضي. الفصل بأكمله هو دعوة للتفكير في العلاقة الجدلية بين الأزمة والنقد، وكيف أن كل لحظة أزمة تنتج أشكالها الخاصة من النقد، وأن فهم هذه الديناميكية التاريخية ضروري لأي ممارسة نقدية معاصرة.
15.13 The Afterlives of Husayn Muruwwa: The Killing of an Intellectual, 1987264–279▼ ملخص
يوم الأربعاء في 18 شباط/فبراير 1987، وعلى خلفية معارك الشوارع الضارية التي مزّقت بيروت الغربية، نشرت صحيفة السفير اللبنانية اليسارية خبر اغتيال المفكر وعضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني، حسين مروّة (1910-1987). وقد ورد الخبر في صفحتها الأولى إلى جانب عنوانٍ رئيسي عن المعارك الدائرة بين ميليشيا أمل والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي، والتي أوقعت 30 قتيلاً و120 جريحاً. وقدّمت الصحيفة الرواية "الرسمية" للاغتيال، والتي تبنّاها رئيس التحرير طلال سلمان، بأنه نتاج العنف العبثي للحرب الأهلية المستعرة منذ 1975، حيث قتل "برابرة مجهولون" رمزاً من رموز التسامح والانفتاح الثقافي، في عملية تجريدٍ للجريمة من دلالاتها السياسية وتركها في حالة غموض تخدم التفاهمات الإقليمية حينها.
يرى الكاتب سامر فرنجية أن هذه الرواية تتجاهل السياق السياسي الأوسع للاغتيال. فعام 1987 لم يكن مفصلياً في مسار الحرب الأهلية فحسب، بل كان حاسماً لمصير اليسار اللبناني الذي كان يتعرض لسلسلة اغتيالاتٍ استهدفت مثقفيه ومناضليه، في إطار عملية أوسع لإضعافه وإحلال المقاومة الإسلامية الناشئة محله. فقتلة مروّة لم يكونوا مجهولين، بل كانوا مقربين من القوة السياسية الصاعدة حينها، والتي تجلّت في تحالف المصالح بين تداعيات الحرب الأهلية الطائفية والثورة الإيرانية. وفي خضمّ هذه التحولات، انتهى دور اليسار كلاعبٍ سياسي ليصبح مجرد "موضوعٍ للذاكرة"، ومات مروّة بوصفه مواطناً ومثقفاً ورمزاً ثقافياً، لا بوصفه عضواً في حزبٍ سياسي.
قبل عامين من اغتياله، وتحديداً في 1985، أجرى الشاعر والكاتب اللبناني عباس بيضون (مواليد 1945) سلسلة مقابلات مع مروّة نُشرت في صحيفة السفير، ثم جُمعت لاحقاً في كتابٍ يحمل عنوان "ولدت شيخاً وأموت طفلاً" (1990). يروي هذا الكتاب سيرة تحول مروّة من التديّن إلى الشيوعية، ومن النجف إلى بيروت، أي من "الشيخوخة" إلى "الطفولة"، كقصة انتقالٍ من التقليد إلى الحداثة. وقد أصبحت هذه السيرة أيقونية لأنها نجحت في دمج انقطاعات حياة مروّة المتعددة ضمن مسارٍ تاريخي واحد يتوّج بالماركسية، مقدمةً بذلك أساساً سيرذاتياً للثقة الغائية التي ميّزت اليسار العربي، حيث مثّل انتقال مروّة من التعليم الديني، مروراً بكتّاب النهضة، ووصولاً إلى الماركسية، انعكاساً لتاريخ اليسار نفسه بوصفه اللحظة الأخيرة في قصة تبدأ بالإصلاحية الدينية في القرن التاسع عشر.
يلفت الكاتب النظر إلى أن سيرة مروّة الذاتية تقف على مفترقٍ زمني، إذ صدرت في 1985 في بدايات تحولٍ أعمق بدأ مع "السنوات العجاف" في الثمانينيات وتوّج في فترة ما بعد الحرب. شهدت هذه الفترة انهيار اليسار كمنظومة نظرية وأيديولوجية، حيث تزامن ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية مع ما بعد الحرب الباردة عالمياً، والتحول نحو الليبرالية الذي فرض نظرة "نقدية ذاتية" على سير اليساريين الذاتية. وقد تلا ذلك نشر العديد من الحسابات السيرذاتية التي تروي تجارب "جيل الستينات"، لكن هذه المرة لم تكن روايات تحوّلٍ واعدٍ إلى الماركسية، بل روايات خيبة أمل وتحوّل عنها نحو أشكال من الفكر الليبرالي الجنيني، غالباً بصيغةٍ اعترافية. في هذا المناخ الجديد، أصبحت سيرة مروّة "منفرة" سياسياً وثقافياً، إذ كانت واحدة من آخر السير التي أظهرت قدرة راويها على إتقان عوالم مختلفة وبناء حياته من خلالها، وهو ما لم يعد متاحاً للأجيال التالية التي عاشت التجربة كأزمةٍ وخيبة أمل.
يتتبع المؤلف "حياة مروّة ما بعد الموت" عبر ثلاث محطات رئيسية: إعادة استخدام صورته في أعمال الفنان اللبناني ربيع مروّة (حفيده، مواليد 1967)، وعودة الكاتب عباس بيضون لمراجعة اللحظة ذاتها في مقالاته السيرذاتية، وسفر صورة مروّة إلى الأكاديميا الغربية كمفكرٍ شيعي. ومن خلال هذه المحطات، لا يهتم فرنجية بسيرة مروّة بحد ذاتها، بل بكيفية تنقّل النصوص عبر السياقات السياسية المتغيرة وتأويلاتها من منظور الحاضر. فالأعمال السيرذاتية، بعيداً عن كونها مجرد تفاصيل دقيقة تلوّن التاريخ الكبير، يمكن قراءتها بوصفها تمثيلاً لمواقف سردية وعاطفية أوسع، تكشف ما هو على المحك في طرق إحيائنا "مستقبلاتٍ ماضية" تطارد حاضرنا. إن الماركسية دون ضماناتها الغائية تتحول إلى سيرٍ بلا حلول، وتبقى فعلة التحول معلقة دون أي شعورٍ بالنهاية، وهذا الانقطاع في التقليد اليساري هو ما توضحه "حياة مروّة ما بعد الموت".
يستعرض الفصل تفاصيل رحلة مروّة كما وردت في سيرته الذاتية "ولدت شيخاً وأموت طفلاً"، والتي تتبع تحولاته الفكرية والسياسية عبر التقاليد الأيديولوجية والجغرافيات المختلفة، والتي توّجت بإقامته الأخيرة في بيروت كعضو في الحزب الشيوعي اللبناني منخرطٍ في مشروع عمره: استعادة العناصر التقدمية والجذرية في التراث العربي الإسلامي عبر قراءة جدلية ومادية، وهو المشروع الذي تبلور في دراسته الضخمة "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" الصادرة عام 1978. تبدأ المقابلات بطفولة مروّة في منطقة جبل عامل جنوب لبنان، حيث وُلد عام 1910 (أو 1908) لعائلةٍ دينية عريقة، وكان مقدراً له أن يسير على خطى والده الشيخ علي مروّة الذي درس في النجف، فتلقى تربيةً صارمة حرمته براءة الطفولة. أُرسل بعد وفاة والده إلى النجف في سن الرابعة عشرة عبر بيروت ودمشق وبغداد، وفي النجف بدأ "تحوّله"، حيث تعرّض إلى جانب تعليمه الديني لمجموعة واسعة من الكتابات الأدبية والإصلاحية التي لم تكن مقررة في المناهج، وانضم إلى حركة discontent مع البنية المتصلبة للنجف، فشارك في أنشطة جمعية الشبيبة العاملية النجفية الإصلاحية، قبل أن يغادر النجف عام 1928 إثر رفض رفاقه ومعلميه لأفكاره.
تنقّل مروّة خلال السنوات الست التالية بين دمشق وبيروت وبغداد، فالتحق بجامعة دمشق لدراسة الحقوق والأدب وبدأ مسيرته الكتابية، لكنه اقتنع بالعودة لاستكمال تعليمه الديني، فعاد إلى النجف عام 1934 وأصبح مجتهداً عام 1938، رغم أنه كان يعلم أنه لن يستمر في المسيرة الدينية. انتقل بعدها إلى بغداد حيث درّس وكتب ومارس السياسة، وهناك تعرّض للماركسية عبر نصوص مثل "البيان الشيوعي" و"رأس المال" و"الدولة والثورة" للينين، واقترب من الأوساط الشيوعية العراقية دون أن ينضم للحزب. كانت نقطة التحول الفاصلة أحداث واثبة 1948 في العراق، حيث أعجب بانضباط الشيوعيين ونزاهتهم أثناء الانتفاضة ضد المعاهدة الأنجلو-عراقية، ليُنفى من العراق عام 1949 بعد نشر مقال انتقد فيه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد (1888-1958)، ويعود إلى لبنان لينضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1951، مكملاً بذلك تحوله من "مجتهد" إلى "رفيق".
يشير المؤلف إلى جدلٍ تفسيري حول طبيعة تحول مروّة: ففي حين يرى البعض، مثل المؤرخ يوآف دي كابوا، أنه تحول حداثي من التشيع إلى الماركسية متأثراً بسردية طه حسين التحررية، يؤكد آخرون مثل سيلفيا نايف على البعد الجماعي لهذا التحول بوصفه ظاهرة عصر. لكن فرنجية يرى أن الأهم من تحديد طبيعة التجربة (انقطاع أم اندماج) هو أن جيل مروّة امتلك "شعوراً بالحل" الذي أعاد ترميز الانقطاعات كمراحل تعاقبية وليس تحولات متزامنة، إذ كانت الماركسية ما تزال وعداً بالمصالحة والتكامل. هذا الشعور لم يكن مسألة خيارٍ فردي، بل نتاج "فضاء إشكالي" أيديولوجي ونظري كانت الماركسية فيه هي الإجابة. لقد مثّل هذا الوعد "وعد الشيوعية" بالتكامل، وهو ما سمح لمروّة بأن يصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني عام 1965، وأن يساهم في تأسيس مجلة "الثقافة الوطنية" مع محمد دكروب (1929-2013) عام 1951 تحت إشراف فرج الله الحلو (1906-1959)، وأن يعمل كناقدٍ أدبي إلى جانب زملائه رئيف خوري (1913-1967) وعمر فاخوري (1895-1946)، منخرطاً في مشروعه الأكبر لإعادة قراءة التراث الإسلامي.
يكشف المؤلف عن تحولٍ آخر غير منظور له في قصة مروّة، وهو ما أشار إليه عباس بيضون في مقدمته القصيرة للمقابلات، حيث يضع مسار مروّة وتفرده في سياق جيلٍ من رجال الدين الشباب الذين بلغوا النضج السياسي في الثلاثينيات مع تبلور الدولة اللبنانية الحديثة. لقد سار هؤلاء على خطى إصلاحيين من جيلٍ سابق في جبل عامل، أمثال موسى الزين شرارة (1902-1986) وعبد المطلب الأمين (1916-1974) وصدر الدين شرف الدين (1912-1970)، والذين قادتهم إصلاحاتهم إلى العزلة الاجتماعية في الحقل الوطني الجديد. بالنسبة لبيضون، يكمن استثناء مروّة في "نجاته" من مصير جيله، حيث كان الانقطاع عن النجف عملية جماعية يمكن فهمها من داخل إحداثيات التقليد، بينما كانت الهجرة إلى بيروت بمثابة "المنفى الحقيقي" مقابل "المنفى الداخلي" إلى النجف، فالتحول إلى اليسار هنا لم يكن وعداً بالتحرر فحسب، بل كان وعداً بالتكيف مع بنى الدولة القومية الحديثة.
في مقابل شعور مروّة بالحل والاكتمال، يقدّم عباس بيضون في أعماله السيرذاتية اللاحقة، وتحديداً رواياته الأربع المنشورة بين عامي 2011 و2014، نموذجاً للتحول "المتعثر" أو "الكاذب". ففي مقالته "جهاز لإزالة الأوهام" (من كتاب "مرايا فرانكشتاين")، يصف بيضون تجربته التي بدأت من الانقطاع نفسه عن بيئة تقليدية، لكنه وجد التقاليد وقد أوشكت على الأفول، مما جعل الانقطاع "سهلاً للغاية"، حيث "خلع رجال الدين عمائمهم" وغادر البعض عالمهم أو أصيبوا بأمراض نفسية أو انتحروا. هذا النصر الجيلي السهل هو ما أدى إلى نموه "المتعثر" وإلى نكوصه إلى "طفولة غير مسؤولة"، فلم تعد الطفولة تعني البداية المرحة كما في سيرة مروّة، بل أصبحت تشير إلى حالة من الجمود وغياب الانقطاعات والحلول على حد سواء. ويتدفق المقال بعدها كقصة خداعٍ ذاتي بلغ ذروته في دعم اليسار اللبناني للحرب الأهلية وعنفها "الثوري"، وهو العنف الذي كلف مروّة حياته في النهاية، مخلفاً شعوراً بالحنين "إلى لا أحد ولا شيء بالتحديد".
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى ربيع مروّة، حفيد حسين مروّة، وميراثه للصلة بالماضي. ففي عمله الأول "ملصقات ورقية" (2000) الذي كتبه مع الكاتب إلياس خوري (مواليد 1948)، يبدأ ربيع من شهادة مصورة لشيوعي استشهادي ليتناول مسألة تاريخ اليسار وذاكرته، مكرساً العرض لشهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ومن بينهم جده. لكنه عاد إلى جده في عملٍ لاحق هو "سكان الصور" (2009)، في سياقٍ سياسي مختلف تماماً تصاعدت فيه هيمنة حزب الله، حيث قارن بين ملصقات شهداء الحزب المنظمة في الشوارع وصورة جده حسين مروّة التي لم تعد معلقة على الجدران بل "غائبة" في الفضاءات الخاصة، معتبراً هذا الغياب تعبيراً عن غياب اليسار ودوره. ومع تحول التركيز من الوطني إلى الخاص، عاد ربيع إلى لغة العائلة، فعنون جده صراحةً بأنه "جدّي" في عمل "راكباً على غيمة" (2014) الذي أنجزه مع أخيه ياسر (مواليد 1970)، والذي يروي قصة إصابة الأخير برصاص قناص في 17 شباط/فبراير 1987 أثناء عودته إلى المنزل بعد سماعه خبر اغتيال جده.
يتقاطع في هذا اليوم المصيري إصابة ياسر ووفاة جده ونهاية اليسار كمشروعٍ سياسي، ليطرح الفصل السؤال حول ميراث أيديولوجيةٍ ضائعة، معيداً ترميز الهزيمة العامة بمصطلحات خاصة. ففي العرض، يؤكد ياسر أنهم جميعاً شيوعيون "بالميراث"، فجده كان شيوعياً وأبناؤه وأحفاده كذلك، لكنهم توقفوا عن كونهم شيوعيين بعد وفاته. هذه العبارة تلخص تحول الشيوعية من أيديولوجيا إلى دمٍ يسري في العروق، ليبقى ربيع وياسر "ورثة" لليسار، يبحثان في أنقاضه عما يمكن تأكيده في الحاضر. الإصابة التي سببت شللاً جزئياً وحبسة كلامية ليست مجرد ذكرى وسيطة بوساطة الصور أو النصوص، بل تجربة حشوية مباشرة، شظية رصاصة في دماغ أخٍ، أجبرت ياسر في السابعة عشرة من عمره على العودة إلى "روضة الأطفال" بدلاً من الجامعة، مكرراً بذلك حركة مروّة من الشيخوخة إلى الطفولة، لكن بشكلٍ مأساوي ومعكوس.
لم تقتصر "حياة مروّة ما بعد الموت" على الساحة اللبنانية، بل سافر نصّه عبر الوطنية ليشمل أجيالاً أخرى، حيث أعيد ترميزه من "آخر شيوعي" إلى واحدٍ من أجيال الفكر الإسلامي الشيعي. ففي سياق التساؤل المتزايد حول التمييز التأسيسي بين العلماني والديني في الفكر العربي، وبروز "المسألة الإسلامية" في الأكاديميا، أعادت دراسات مثل دراسة رولا جردي أبي صعب ومالك أبي صعب حول الفكر السياسي الشيعي في لبنان، ترميز الماركسية والشيوعية كمرحلةٍ في تكوين الإسلاموية الشيعية الحديثة، حيث مثّل مروّة إحدى لحظات التلاقي بين التقليدين. وبالمثل، يصنفه مايكل براورز ضمن "الجيل الثاني من المثقفين الشيعة"، في سلسلةٍ تصل إلى جيل حزب الله. هذه الأنساب، بالإضافة إلى تحديها للانقسام العلماني/الديني، تقدم "شعوراً بالنهاية" مختلفاً يمنح مروّة حياة جديدة، لكن كجزءٍ من تقليدٍ مختلف له حاضر، مقابل "الكآبة اليسارية" التي يقدمها خلفاؤه اللبنانيون.
يخلص فرنجية إلى أن "حياة مروّة ما بعد الموت" لا تتعلق بمروّة ومساره الفكري، بل بتنقّل النصوص عبر السياقات السياسية والسؤال حول الحاضر الذي نقرأ منه هذه النصوص. فسؤال "من أي حاضر نؤرخ لليسار ولأي غايات؟" يبقى مفتوحاً ومحدداً لملامح هذا الحاضر. إن شعور مروّة بالحل والاكتمال أصبح خارجاً عن إيقاع حساسيات الحاضر، وبعد استنفاد كلٍّ من الميراث المأساوي والحل الإسلاموي، يبقى التقليد اليساري بلا شعورٍ بالنهاية. هذه هي الحاجة الملحة الآن: إيجاد شعورٍ جديد بالنهاية، يتجنب التكرار الممل لصور الطفولة التي هيمنت على سردية اليسار لنفسه، ويواجه إرث الهزيمة وذاكرة مروّة بطرق جديدة تليق بتعقيد الحاضر وتحولاته.
16.Afterword. The Arab Left: From Rumbling Ocean to Revolutionary Gulf280–313▼ ملخص
يمتد الفصل عبر تاريخ اليسار العربي من خمسينيات وستينيات القرن العشرين وحتى أفوله، مركزاً على الدور المحوري الذي لعبه اليسار بتياراته المختلفة في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي. يطرح الكاتب عبد الرزاق takriti إشكالية أساسية: كيف تحول اليسار العربي من قوة صاعدة هيمنت على الخطاب السياسي إلى ذاكرة مغيبة ومهمشة لعقود؟ الإجابة التي يقدمها تتمحور حول أن اليسار العربي، رغم إخفاقاته وهزائمه، يظل إرثاً تاريخياً غنياً يستحق الاستعادة والدراسة، وأن استحضاره ضروري لفهم الحاضر العربي وتحدياته.
يسير الكاتب في بناء حجته عبر محطات رئيسية. أولاً، يرسم صورة بانورامية لذروة قوة اليسار بحلول 1970، حيث كانت الغالبية العظمى من الشعوب العربية تعيش في دول تتبنى رسمياً معاداة الاستعمار والوحدة والاشتراكية. كانت التشكيلات السياسية الأكبر مثل الأحزاب الشيوعية والبعث وحركة القوميين العرب ذات توجه ثوري وانتشرت عبر الحدود، متأثرة بالمد الماوي والتيارات الجديدة. ويشير الكاتب إلى أهمية الإذاعة في نشر الخطاب الناصري، وإلى أن الجزائر وفلسطين كانتا مركزين لإلهام حركات التحرر عالمياً، مع بروز القاهرة والجزائر وبيروت كمراكز ثورية رئيسية.
ينتقل الكاتب بعدها لإبراز الإرث الثقافي والاجتماعي الضخم لليسار، فيذكر أسماء شخصيات نسائية رائدة مثل نزيهة الدليمي، أول وزيرة عربية، وشاهنده مقلة المناضلة الزراعية. يستعرض المساهمات الثقافية الكبرى، حيث كان شعراء وأدباء بحجم محمود درويش وغسان كنفاني وميّ السيد وبيان نويهض الحوت منتمين لليسار أو متأثرين به بشدة. وفي المجال الفكري، يسلط الضوء على مفكرين مثل سمير أمين وجورج طرابيشي وأنور عبد الملك وصادق جلال العظم ومهدي عامل، مؤكداً أن هؤلاء ساهموا في تشكيل المشهد الفكري العربي بأكمله.
لكن الكاتب يشير إلى أن هذا الإرث الغني "أُهمل حرفياً لعدة عقود"، فبعد ازدهار الكتابات في الستينيات والسبعينيات، قل الإنتاج الفكري باللغة الإنجليزية. يشرح الكاتب أسباب هذا الأفول: صعود الحركات الدينية، التراجع الاستبدادي، التوسع الإسرائيلي، الهيمنة الأمريكية، وانتشار النيوليبرالية. كما يضيف عوامل داخلية كتحول بعض الأحزاب إلى أجهزة قمعية تابعة للدولة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، والانتكاسات التي منيت بها المقاومة الفلسطينية.
يستخدم الكاتب مثالاً أدبياً قوياً لتجسيد هذا الإرث والذاكرة التاريخية، وهو الرواية الخماسية "مدن الملح" للروائي السعودي عبد الرحمن منيف، الذي انشق عن حزب البعث. يرى الكاتب أن الرواية، رغم مقدمة الجزء الثالث منها التي تتحدث عن "زمن الهزيمة"، تمثل مشروعاً هائلاً للتنقيب التاريخي في تاريخ السعودية والخليج، وتعيد بناء تفاصيل معاناة الناس العاديين ببطء متعمد، مقابلةً ذلك بالسرد السريع لقصص القصور. هذا التباين في الإيقاع السردي يخدم غاية جوهرية: إعادة الاعتبار لتجارب الفئات المهمشة التي طُمست وأُهملت في الروايات الرسمية.
بعد ذلك، ينتقل الكاتب للحديث عن الدور المتناقض لمنطقة الجزيرة العربية والخليج، فيؤكد أنها لم تكن مجرد معقل للرجعية، بل كانت ساحة رئيسية للنضال المناهض للاستعمار. يذكر حرب اليمن الشمالي (1962-1967)، وثلاث نضالات مسلحة كبرى هي ثورة الجبل الأخضر في عُمان (1957-1959)، وثورة جنوب اليمن (1963-1967)، وثورة ظفار (1965-1976). ويشير إلى أن المنطقة كانت مسقط رأس حركة فتح ومنطقة مهمة لتجنيد وتمويل فصائل المقاومة، معتبراً أن الاحتجاجات والإضرابات في حقول النفط والقواعد البريطانية أسهمت في العمل العربي المشترك.
يتناول الكاتب تفاصيل النشأة السياسية في الخليج، فيشير إلى جذور الحركات الإصلاحية منذ مطلع القرن العشرين في مجتمعات التجار بالكويت والبحرين، وإلى الدور الكبير الذي لعبه قادة مثل أحمد الخطيب في تأسيس حركة القوميين العرب. يذكر أن غياب الجامعات في المنطقة حتى أواخر الخمسينيات دفع الطلاب للدراسة في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، حيث تشكلت وعيهم السياسي في جمعيات طلابية نابضة. ويضرب مثلاً على الصراع السياسي في التعليم بحالة قطر عام 1956، عندما استبدل الشيخ خليفة بن حمد أثر الإخوان المسلمين في التعليم بمعلمين قوميين عرب من سوريا، من بينهم شخصيات أصبحت لاحقاً رؤساء وزارات ووزراء.
يتطرق الكاتب إلى نشوء الحركة الشيوعية في المنطقة، فيذكر أن أصولها تعود لعام 1946 عندما قرر الحزب الشيوعي الإيراني (توده) إرسال كوادر للخليج لتنظيم العمال. وبعد انقلاب 1953، وصل لاجئون إيرانيون شيوعيون بقيادة حسن نظام إلى البحرين وأسسوا نواة جبهة التحرير الوطني في فبراير 1955، والتي أصدرت برنامجها السياسي الأول عام 1962. يلاحظ الكاتب أن هذا البرنامج تضمن مطالب إصلاحية وديمقراطية ولم يشر صراحة إلى الاشتراكية أو الشيوعية، مما يعكس القيود الفكرية في الفضاء العام آنذاك. ويشير إلى أن التنافس بين القوميين والشيوعيين كان حاداً، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين بسبب موقف الأحزاب الشيوعية الداعم لقرار التقسيم.
يستعرض الكاتب التطورات في السعودية، حيث كانت البداية من إضراب أرامكو عام 1953 بقيادة عبد العزيز أبو سعيد، والذي أسفر عن تأسيس جبهة الإصلاح الوطني التي تحولت لاحقاً إلى جبهة التحرير الوطني التي شارك في تأسيسها شيوعيون بحرينيون وصلوا إلى المنطقة. ويشير إلى أن الحزب الشيوعي السعودي الفعلي لم يظهر إلا في 1975. ثم يربط الكاتب هذا الحراك بتأثير الميثاق الوطني المصري في مايو 1962 الذي أعلن "حتمية الحل الاشتراكي"، فانتشر الخطاب الاشتراكي ولو في صيغته الناصرية المحدودة، مع تزايد تأثير نماذج الصين وكوبا وفيتنام على اليسار العربي، خاصة بعد حرب 1967.
يقدم الكاتب تفسيراً لاقتصار الثورات المسلحة على جنوب الجزيرة، فيرى أن نجاح الثورتين في اليمن الشمالي عام 1962 وجنوب اليمن عام 1963 يعود لظروف بنيوية: وجود حركة عمالية ناضجة في ميناء عدن، وشبكات هجرة عالمية من حضرموت، وضعف وخيانة الحكام المحليين. أما في ظفار، فقد سمحت التضاريس الجبلية الوعرة بقيام حرب عصابات بقيادة كوادر من حركة القوميين العرب، الذين تبنوا الماركسية اللينينية بعد مؤتمرهم في حمرين عام 1968.
يختم الكاتب بتحليل أسباب الهزيمة النهائية، فيذكر أن القمع العسكري بقيادة بريطانيا وإيران والأردن بتمويل سعودي وإماراتي أنهى ثورة ظفار في أوائل 1976. ويصف التحولات الاقتصادية الجذرية التي غيرت بنية المجتمعات الخليجية: اختفاء الاقتصاد القديم القائم على الغوص والزراعة والرعي، واختفاء الطبقة العاملة المحلية مع دخول العمالة الأجنبية الوافدة التي حُرمت من حقوق التجمع والنقابات، مما جعل من المستحيل على الأفكار اليسارية أن تزدهر في هذا السياق. كما يشير إلى الفوارق الطبقية الصارخة داخل الدول الخليجية نفسها.
أخيراً، يعود الكاتب للحديث عن خصائص اليسار العربي بشكل عام، مؤكداً على طابعه العابر للحدود وتضامنه العالمي مع قضايا التحرر في الجزائر وفلسطين وفيتنام وجنوب أفريقيا. يعرض إسهامات فصول الكتاب المختلفة في تحليل تيارات اليسار: من الكتابة عن الشيوعيين اليهود العراقيين، إلى دور اليسار الفلسطيني، وإلى تجربة المثقف الثوري المهدي بن بركة. وفي هذا السياق، يطرح الكاتب تحفظات منهجية حول قراءة تاريخ اليسار، فيحذر من الاختزالية التي تنظر إليه من خلال علاقته بالإسلام فقط، أو تلك التي تساوي بينه وبين الاستبداد كما في حالتي ناصر وحزب البعث، داعياً إلى مقاربة أكثر دقة وتركيباً لتاريخ اليسار، بعيداً عن خطاب الأزمة والانكسار الذي هيمن على فترات لاحقة.
وفي خلاصته، يشير الكاتب إلى أن الجيل الجديد من الناشطين في العقد الأخير من الاحتجاجات والثورات يفتقر إلى البنى التنظيمية والخبرات التي كانت متوفرة لليسار القديم، فحلت الشبكات الفضفاضة محل الأحزاب الجماهيرية، مما حدّ من فعاليتها في مواجهة الحركات الدينية والدولة الأمنية، ويختم بالقول إن استعادة "التواريخ القديمة للنضال" من "المحيط الهادر إلى الخليج الثائر" أصبحت ضرورة ملحة في اللحظة الراهنة.