
الدويلة السورية الموازية: الفرقة المدرعة الرابعة
الدويلة السورية الموازية: الفرقة المدرعة الرابعة
الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك البنية الاقتصادية العسكرية للفرقة المدرعة الرابعة في سوريا، بوصفها ليست مجرد وحدة عسكرية في جيش النظام، بل "دولة موازية" متكاملة تمارس سيادة اقتصادية وسياسية وأمنية داخل أراضي الدولة السورية. يدافع المؤلفان عن أطروحة مركزية مفادها أن هذه الفرقة، بقيادة ماهر الأسد، لم تعد أداة قمع تقليدية فحسب، بل تحولت إلى شبكة استغلال اقتصادي منظم تُموّل نفسها ذاتياً عبر خمسة أنماط رئيسية، وتستخدم هذه العائدات لتعزيز سلطتها السياسية والعسكرية، وإعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية والطائفية بما يخدم استمرار النظام. يقدّم الكتاب هذه الأنشطة على أنها أدوات منهجية مقصودة، لا جرائم ثانوية ناتجة عن فوضى الحرب، لترسيخ الهيمنة وإخضاع المجتمع.
يسير الكتاب في حجته من الاقتصادي إلى العسكري، ومن المحلي إلى الاستراتيجي. يبدأ بمناقشة الأنشطة الاقتصادية الموازية التي تمارسها الفرقة بوصفها الأساس الذي تقوم عليه قوتها النافذة، ثم ينتقل إلى الدور العسكري القمعي الذي لعبته خلال النزاع، ليربط بين التمويل الذاتي الوافر والعنف الممنهج في خدمة أهداف سياسية أوسع. هذا الانتقال ليس اعتباطياً، بل يعكس منطقاً داخلياً: فالسيطرة على الاقتصاد تتيح التمويل الذاتي الكامل، والتمويل الذاتي يمنح الفرقة استقلالية واسعة عن الدولة، وهذه الاستقلالية تُترجم إلى قدرة على تنفيذ أجندات قمعية وتجارية بعيداً عن أي رقابة مؤسسية. يخلص الكتاب إلى أن ما يجمع هذه الأجزاء جميعاً هو منطق "الدولة الموازية": كيان يملك قوته الذاتية، ويستخدمها لفرض إرادته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، سواء عبر الابتزاز المباشر في الحواجز، أو عبر قبضة المخدرات العالمية، أو عبر العنف الاستعراضي في المجازر.
من بين التفاصيل والأرقام اللافتة التي يتضمنها الملخص، يبرز نظام النهب الممنهج (التعفيش) بوصفه عملية مؤسساتية، لا فوضوية، تشارك فيها لجان متخصصة تسهر على تجريد الأحياء من محتوياتها وإعادة بيعها. وتشمل هذه اللجان "لجان التعدين" التي تحتكر نهب النحاس والخردة المعدنية، وتتعاون مع رجال أعمال مثل محمد حمشوى، الوسيط التجاري الذي يمثل ماهر الأسد. يُظهر الكتاب كيف أسهم هذا النهب في خلق "أسواق السُنَّة" في أحياء ذات توتر طائفي عالٍ مثل حي الزهراء في حمص وحي المزة في دمشق، مما أكسب الصراع الاقتصادي بُعداً طائفياً ممنهجاً. وفي العام 2017، أعطى النظام النهبَ مظلة قانونية بوصفه مرحلة تحضيرية لإعادة الإعمار، لكنه حصر حق نهب الخردة المعدنية بالفرقة، بينما بقيت سرقة الممتلكات الشخصية الأخرى "نظرياً" جريمة، إلا أن هذا الحظر ظل عبثياً، إذ وثّق المكتب الأمني الانتهاكات لاستخدامها كإجراء تأديبي ضد العناصر، في أسلوب ميكافيلي يقلد سياسة حافظ الأسد المؤسس.
أما رسم المرور (التعبير)، فيُعرض بوصفه أحد أهم أنماط الاستغلال، وهو فرض ضرائب على الأفراد والبضائع عند الحواجز. بدأت هذه الممارسة في العام 2013 مع قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر رستم في حمص، وانتهت بجعل الفرقة الرابعة المستفيد الحصري منها بحلول العام 2021. تعمل الحواجز كنقاط جمارك غير رسمية، ويمارس العناصر فيها الإذلال والابتزاز. من الشهادات البارزة التي يستشهد بها الكتاب، اتفاق رجل الأعمال حسام القاطرجي، وسيط المخابرات العسكرية المعروف بتهريب النفط، مع الفرقة على دفع 30 بالمئة من قيمة كل حمولة تمر عبر حواجزها. كما يعرض الكتاب وثيقة داخلية تعود لأحد الحواجز في دير الزور تُظهر العائدات اليومية المحصلة، وتوضح طريقة احتساب الرسوم وفق وزن وحمولة السيارات، مما يدل على الطابع الاحترافي والمنظم لهذا الابتزاز. وإلى جانب هذا، يغطي الكتاب المرافقة الأمنية (الترفيق)، وهي عملية توفير الحماية المدفوعة الأجر للقوافل التجارية والمواقع الاستثمارية، وهي ظاهرة تحولت إلى صناعة بعد 2016 عندما شرّع النظام خصخصة جزئية للقطاع الأمني تحت ذرائع إعادة الإعمار. كما يتناول التحكم بالحدود البرية والبحرية، حيث تفرض الفرقة رسوماً كبيرة على المعابر الاستراتيجية مع لبنان والأردن والعراق، وعلى مداخل ميناءي اللاذقية وطرطوس، وتصل الرسوم على سبيل المثال إلى 40 بالمئة من قيمة البضائع عند مدخل ميناء اللاذقية، مما يضر بالمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة. وفي هذا السياق، يقوم الكتاب بتوثيق مصادرة أملاك المدنيين على الحدود السورية اللبنانية، واستخدام شبكة مخبرين في مجتمعات اللاجئين في لبنان لتقديم خدمات الحصول على الأوراق الرسمية أو تسهيل العودة إلى سوريا مقابل رسوم تتراوح بين 400 و1400 دولار على الفرد، وهي ممارسة وُصفت بأنها اتجار مقنن بالبشر.
يُفرد الكتاب مساحة كبيرة لتحليل صناعة وتجارة المخدرات، خاصةً الكبتاغون، التي تُعد من أكثر الأنشطة ربحاً. يذكر أن سوريا كانت ممراً آمناً للمخدرات منذ عقود، وأن المخابرات السورية أشرفت على إنتاج القنب في البقاع اللبناني بين 1980 و2003. ومنذ العام 2019، رسّخت الفرقة الرابعة نفسها كمُصنّع ومُورّد مسيطر، مُستفيدةً من سيطرتها على طرق التجارة، مما جعل تهريب المخدرات يُعتبر تهديداً للاستقرار العالمي. يطرح المؤلفان فرضية مثيرة للجدل حول استخدام المخدرات كأداة سياسية ضد المجتمع السوري، خاصةً مع انتشار مخدرات رخيصة وسيئة النوعية في السوق المحلية. ويوضحان أن الفرقة تحافظ على الهيمنة بدلاً من الاحتكار، مما يسمح لفاعلين آخرين، مثل رجل الأعمال عامر خيتي، بالعمل في هذا المجال. تُروى قصة صعود خيتي، الذي فرّ من سوريا ثم عاد في العام 2014، فاعتقلته قوات الدفاع الوطني، قبل أن يتفاوض على إطلاق سراحه بمساعدة العقيد محمد مخلوف، الذي ساعده على بناء أعماله التي توسعت لتشمل تهريب المخدرات. هذا الربط بين الأمن والاقتصاد، وبين النفوذ العسكري والتجارة، يظهر بوضوح في ممارسة التسليم "التشويقية" للمخدرات، بوجود مسلحين ملثمين يحملون رشاشات من طراز AK-47 في سيارات لاندروفر، وهو ما يحللّه الكتاب بوصفه "عنفاً أدائياً" يخدم أهدافاً متعددة، منها تعزيز شعور الانتماء لدى العناصر، وتذكيرهم باستمرار بأن نشاطهم غير قانوني، مما يجعلهم عرضة للمساءلة في أي وقت.
بعيداً عن الاقتصاد، ينتقل الكتاب إلى الدور العسكري القمعي للفرقة الرابعة منذ بداية النزاع في العام 2011. كانت الفرقة الأداة الرئيسية في قمع المظاهرات السلمية، حيث قادت عمليات القتل والاعتقال والتعذيب في المدن الساخنة بحلول نهاية العام 2012، مثل حمص وبانياس ودرعا والغوطتين. يُقدَّم مجزرة دارة داريا في آب (أغسطس) 2012 كمثال رئيسي على "عنف الفرقة الأدائي"، حيث قُتل مئات المدنيين في حملة منظمة وُصفت بأنها الأكبر والأكثر وحشية منذ بداية الانتفاضة. يحلل الكتاب وظيفة عنف الفرقة الاستعراضي، التي تتجلى في تطبيع العنف بين العناصر لتعزيز رابطتهم الجماعية، وفي استخدام الخطاب الطائفي (كشعارات "يا علي يا حسين") لتأجيج الشعور الطائفي لدى الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك يخدم أهداف النظام في تقسيم المجتمع. ولم يقتصر القمع على العنف المباشر، إذ تعرض الكتاب لاستراتيجية "الاختراق" التي بدأت في العام 2014، والتي اعتمدت على تجنيد وسطاء محليين من المجتمعات المنحازة للمعارضة، عبر ثنائية الترهيب والترغيب، بهدف تفكيك الحاضنة الشعبية للمعارضة في المناطق مثل حلب.
يُقر المؤلفان بحدود وتحفظات ضمنية في المادة المقدمة. من أبرزها الإشارة إلى أن الفرقة لم تكن ناجحة عسكرياً بالرغم من مظهرها القوي، وأن المقاتلين أنفسهم عبّروا عن استيائهم من قادتهم الذين "تاجروا بدمائهم" من أجل اتفاقيات ومصالح شخصية. هذا الاعتراف يضيف بُعداً نقدياً داخلياً، ويكشف عن وجود تصدعات حتى داخل هذا الكيان المتجانس ظاهرياً. كما يشير الفصل إلى أن الأنشطة الاقتصادية الخمسة المذكورة هي الأكثر وضوحاً، لكنها تتوسع يومياً لتشمل قطاعات أخرى مثل التبغ والاستيراد، مما يعترف بأن الصورة المقدمة، رغم شموليتها، ليست نهائية بالضرورة. كما يكشف الكتاب عن التركيبة الاجتماعية لعناصر الميليشيات الاقتصادية، التي ينحدر معظمها من مناطق "علويي الداخل" مثل حمص والسلمية وشمال حماة، ويُفسر التجنيد الانتقائي لهذه الفئة التي تعرضت للتهميش مقارنةً بعلويي الساحل، على أنه خطوة لتسريح مقاتلي الميليشيات وتجنب الاضطرابات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تعويضهم على تضحياتهم، رغم أن هذا يغذي رفضاً متزايداً بين النخب الدينية والاجتماعية للاستغلال الاقتصادي الذي تمارسه الفرقة، والتي تبقى هيمنتها قائمة بفضل سيطرتها الكاملة على الآليات الاقتصادية والحواجز في وسط وشرق البلاد.
يمكن القول إن المادة المقدمة تتيح فرصة لمناقشة بعض الحجج القابلة للنقاش. من أبرزها الفرضية التي يطرحها الكتاب حول استخدام المخدرات كأداة سياسية مقصودة لاستهداف المجتمع السوري، فهي فرضية طموحة تتطلب إثباتات إضافية قد لا تكفيها الشهادات والوثائق الداخلية وحدها، إذ يصعب فصل النية السياسية عن الدافع الاقتصادي البحت في نشاط إجرامي بمثل هذا الحجم. كما أن تركيز الكتاب على الفرقة الرابعة ككيان شبه مستقل قد يُغفل حقيقة أن هذه الفرقة تظل جزءاً من شبكة أوسع من أجهزة الدولة وميليشياتها، وأن بعض أنشطتها قد تكون منسقة مع أجهزة أخرى لأغراض تتجاوز مجرد "الدولة الموازية". ومع ذلك، تبقى هذه التحفظات متوافقة مع الطبيعة التحليلية للكتاب الذي يقدّم مادة غنية ومفصلة تسمح للقارئ بتكوين صورة شاملة عن أحد أخطر الكيانات العسكرية الاقتصادية في سوريا الحديثة.
الفصول(1)
1.الفرقة الرابعة في النزاع السوري25–41▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحليل الأنشطة الاقتصادية الموازية للفرقة الرابعة في سوريا، ويقدّمها بوصفها شبكة متكاملة من الاقتصاد شبه العسكري الذي يخدم أهداف النظام في السيطرة والتمويل الذاتي. يوضح المؤلفان أن هذه الأنشطة ليست مجرد جرائم ثانوية ناتجة عن الحرب، بل هي أدوات منهجية لترسيخ الهيمنة السياسية والاقتصادية، ولإعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية والطائفية. الإجابة المحورية التي يقدّمها الفصل هي أن الفرقة الرابعة، تحت قيادة ماهر الأسد، تحولت إلى "دولة موازية" داخل الدولة السورية، تمول نفسها عبر خمسة أنماط رئيسية من الاستغلال الاقتصادي، وتستخدم عائداتها لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تفصيل هذه الأنماط، مستنداً إلى مقابلات ميدانية مع مصادر متنوعة (ضباط، مقاتلين، موزعين، ناشطي حقوق إنسان) وإلى وثائق داخلية. يبدأ الفصل بمناقشة النهب الممنهج (التعفيش)، وهو عملية مؤسساتية تشارك فيها لجان متخصصة تسهر على تجريد الأحياء من محتوياتها وإعادة بيعها، مع وجود لجان فرعية مثل "لجان التعدين" التي تحتكر نهب النحاس والخردة المعدنية، وتتعاون مع رجال أعمال مثل محمد حمشوى، الذي يُعتبر وسيطاً تجارياً يمثل ماهر الأسد. يوضح الفصل كيف أسهم هذا النهب في خلق "أسواق السُنَّة" في أحياء ذات توتر طائفي عالٍ مثل حي الزهراء في حمص وحي المزة في دمشق، مما أعطى الصراع الاقتصادي بُعداً طائفياً ممنهجاً. وتُبرز القصة التفصيلية لـ رامي عبد الكريم حيدر، عضو الميليشيا العلوي الذي اعتُقل بتهمة الاختلاس ثم أُطلق سراحه بعفو خاص، كيف يمكن استخدام هذه الملفات كورقة ضغط ضد الأفراد. في العام 2017، أعطى النظام النهبَ مظلة قانونية بوصفه مرحلة تحضيرية لإعادة الإعمار، مع حصر حق النهب للخردة المعدنية بالفرقة، بينما بقيت سرقة الممتلكات الشخصية الأخرى "نظرياً" جريمة، إلا أن هذا الحظر ظل عبثياً، إذ وثّق المكتب الأمني الانتهاكات لاستخدامها كإجراء تأديبي، في أسلوب ميكافيلي يقلد سياسة حافظ الأسد.
ثانياً، يدخل الفصل في تفاصيل رسم المرور (التعبير)، وهي عملية فرض ضرائب على الأفراد والبضائع والشاحنات عند الحواجز، وتُعتبر من أهم أنماط الاستغلال. بدأت هذه الممارسة في العام 2013 مع قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر رستم في حمص، وانتهت بجعل الفرقة الرابعة المستفيد الحصري منها بحلول العام 2021. تعمل الحواجز كنقاط جمارك غير رسمية، ويمارس العناصر فيها الإذلال والابتزاز، مما جعل المدنيين ورجال الأعمال على حد سواء مجبرين على دفع "المترتب" عليهم. يستشهد الفصل برجل الأعمال حسام القاطرجي، وسيط المخابرات العسكرية المعروف بتهريب النفط، الذي اتفق مع الفرقة على دفع 30 بالمئة من قيمة كل حمولة تمر عبر حواجزها. كما يُظهر الفصل وثيقة داخلية تعود لأحد الحواجز في دير الزور تُظهر العائدات اليومية المحصلة، وتوضح طريقة احتساب الرسوم وفق وزن وحمولة السيارات، مما يدل على الطابع الاحترافي والمنظم لهذا الابتزاز.
ثالثاً، يتناول الفصل المرافقة الأمنية (الترفيق)، وهي عملية توفير الحماية المدفوعة الأجر للقوافل التجارية والمواقع الاستثمارية. تحولت هذه الظاهرة إلى صناعة بعد 2016 عندما شرّع النظام خصخصة جزئية للقطاع الأمني تحت ذرائع إعادة الإعمار، مما أعطى شرعية لشركات الحماية الخاصة التي ترتبط غالباً بالمكتب الأمني للفرقة. رابعاً، يشرح الفصل التحكم بالحدود البرية والبحرية، حيث تمتلك الفرقة مكاتب وحواجز على المعابر الاستراتيجية مع لبنان والأردن والعراق، وعلى مداخل ميناءي اللاذقية وطرطوس. تفرض هذه الحواجز رسوماً كبيرة على كل الشحنات، تصل على سبيل المثال إلى 40 بالمئة من قيمة البضائع عند مدخل ميناء اللاذقية، مما يرفع تكاليف التجارة الداخلية ويضر بالمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة. كما تقوم الفرقة بمصادرة أملاك المدنيين على الحدود السورية اللبنانية، وتستخدم شبكة مخبرين في مجتمعات اللاجئين في لبنان لتقديم خدمات الحصول على الأوراق الرسمية أو تسهيل العودة إلى سوريا مقابل رسوم تتراوح بين 400 و1400 دولار على الفرد، وهي ممارسة وصفها الفصل بأنها اتجار مقنن بالبشر. خامساً، يُفرد الفصل مساحة كبيرة لتحليل صناعة وتجارة المخدرات، خاصةً الكبتاغون، التي تُعد من أكثر الأنشطة ربحاً. يذكر أن سوريا كانت ممراً آمناً للمخدرات منذ عقود، وأن المخابرات السورية أشرفت على إنتاج القنب في البقاع اللبناني بين 1980 و2003. ومنذ العام 2019، رسّخت الفرقة الرابعة نفسها كمُصنّع ومُورّد مسيطر، مُستفيدةً من سيطرتها على طرق التجارة، مما جعل تهريب المخدرات يُعتبر تهديداً للاستقرار العالمي.
يطرح الفصل فرضية مثيرة للجدل حول استخدام المخدرات كأداة سياسية ضد المجتمع السوري، خاصةً مع انتشار مخدرات رخيصة وسيئة النوعية في السوق المحلية. ويوضح المؤلفان أن الفرقة تحافظ على الهيمنة بدلاً من الاحتكار، مما يسمح لفاعلين آخرين، مثل رجل الأعمال عامر خيتي، بالعمل في هذا المجال. يروي الفصل قصة صعود خيتي، الذي فرّ من سوريا ثم عاد في العام 2014، فاعتقلته قوات الدفاع الوطني، قبل أن يتفاوض على إطلاق سراحه بمساعدة العقيد محمد مخلوف، الذي ساعده على بناء أعماله والتي توسعت لتشمل تهريب المخدرات. وتُظهر ممارسة التسليم "التشويقية" للمخدرات، بوجود مسلحين ملثمين يحملون رشاشات من طراز AK-47 في سيارات لاندروفر، أن عنف الفرقة الأدائي يخدم أهدافاً متعددة، منها تعزيز شعور الانتماء لدى العناصر، وتذكيرهم باستمرار بأن نشاطهم غير قانوني، مما يجعلهم عرضة للمساءلة في أي وقت.
في الجزء الأخير من الفصل، ينتقل النقاش من الاقتصاد إلى الدور العسكري القمعي للفرقة الرابعة منذ بداية النزاع في العام 2011. يوضح الفصل أن الفرقة كانت الأداة الرئيسية في قمع المظاهرات السلمية، حيث قادت عمليات القتل والاعتقال والتعذيب في المدن الساخنة بحلول نهاية العام 2012، مثل حمص وبانياس ودرعا والغوطتين. يُقدّم الفصل مجزرة دارة داريا في آب (أغسطس) 2012 كمثال رئيسي على "عنف الفرقة الأدائي"، حيث قُتل مئات المدنيين في حملة منظمة وُصفت بأنها الأكبر والأكثر وحشية منذ بداية الانتفاضة. ويحلل الفصل وظيفة عنف الفرقة الاستعراضي، التي تتجلى في تطبيع العنف بين العناصر لتعزيز رابطتهم الجماعية، وفي استخدام الخطاب الطائفي (كشعارات "يا علي يا حسين") لتأجيج الشعور الطائفي لدى الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك يخدم أهداف النظام في تقسيم المجتمع. هذا العنف المباشر لم يكن التكتيك الوحيد، إذ تعرض الفصل أيضاً لاستراتيجية "الاختراق" التي بدأت في العام 2014، والتي اعتمدت على تجنيد وسطاء محليين من المجتمعات المنحازة للمعارضة، عبر الثنائية المعروفة (الترهيب والترغيب)، بهدف تفكيك الحاضنة الشعبية للمعارضة في المناطق مثل حلب. أخيراً، يقرّ الفصل بأن الفرقة لم تكن ناجحة عسكرياً بالرغم من مظهرها القوي، وينقل استياء المقاتلين من قادتهم الذين "تاجروا بدمائهم" من أجل اتفاقيات ومصالح شخصية.
في الختام، يشير الفصل إلى أن هذه الأنشطة الاقتصادية الخمسة هي الأكثر وضوحاً، لكنها تتوسع يومياً لتشمل قطاعات أخرى مثل التبغ والاستيراد. كما يكشف عن التركيبة الاجتماعية لعناصر الميليشيات الاقتصادية، التي ينحدر معظمها من مناطق "علويي الداخل" مثل حمص والسلمية وشمال حماة، ويُفسر التجنيد الانتقائي لهذه الفئة، التي تعرضت للتهميش مقارنةً بعلويي الساحل، على أنه خطوة لتسريح مقاتلي الميليشيات وتجنب الاضطرابات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تعويضهم على تضحياتهم، رغم أن هذا يغذي رفضاً متزايداً بين النخب الدينية والاجتماعية للاستغلال الاقتصادي الذي تمارسه الفرقة، والذي تبقى هيمنته قائمة بفضل سيطرتها الكاملة على الآليات الاقتصادية والحواجز في وسط وشرق البلاد.
التحليل والكلمات المفتاحية
أماكن