المورد
ولاية بيروت 1887-1914: التاريخ السياسي والاقتصادي

ولاية بيروت 1887-1914: التاريخ السياسي والاقتصادي

الدكتور الياس جرجس جريجarمطبعة عكار

يُقدّم كتاب "ولاية بيروت، 1887-1914، التاريخ السياسي والاقتصادي" للمؤرخ إلياس جرجس جريح دراسة أكاديمية متعمقة في تاريخ одной من أهم ولايات السلطنة العثمانية في أواخر عهدها. يتمحور الكتاب حول سؤال رئيسي هو: كيف نشأت ولاية بيروت وما هي الظروف السياسية والاقتصادية التي أحاطت بها منذ إنشائها عام 1887 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914؟ يدافع المؤلف عن أطروحة مركزية مفادها أن إنشاء الولاية لم يكن مجرد إجراء إداري عثماني داخلي، بل كان نتاج صراع دولي معقد ومخططات استعمارية بعيدة المدى، حيث كانت بيروت ومرافئها الاخرى بوابة للقوى الأوروبية، خاصة فرنسا، لتحقيق طموحاتها التوسعية في المشرق العربي. ويخلص الكتاب إلى أن هذا التداخل بين المخططات الدولية والسياسة العثمانية والأوضاع المحلية هو المفتاح لفهم تاريخ المنطقة الذي مهّد الطريق لاحتلالها وتقسيمها بعد الحرب.

تبدأ حجة الكتاب بتمهيد منهجي وتاريخي يستعرض الأسباب التي جعلت من بيروت مدينة ذات أهمية استراتيجية، والصراع الذي دار حول إنشائها كولاية. يوضح المؤلف أن موقع بيروت المطل على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكونها حلقة وصل بين التجارة الدولية والداخل السوري، جعلها محط أطماع القوى الدولية. فبعد طرد التجار الفرنسيين من صيدا وعكا عام 1791، انتقل الثقل التجاري الفرنسي إلى بيروت، التي بدأت تتصاعد أهميتها السياسية والاقتصادية بشكل مضطرد خلال الحكم المصري لبلاد الشام (1831-1840) وما بعده. ويشير الكتاب إلى أن فرنسا عملت بشكل منهجي على تحويل بيروت إلى مركز تجاري وقنصلي عالمي، وقدمت مشاريع وخططاً لإنشاء ولاية تكون مركزها، بينما حاولت السلطنة العثمانية عبر "نظام تشكيل الولايات" الذي صدر عام 1864 أن تقلل من أهمية مدن الساحل بضمها إلى ولايتي حلب وسورية الكبيرتين. استمر هذا الصراع الإداري والسياسي حتى عام 1887، حين اقتنعت السلطنة أخيراً بإنشاء ولاية بيروت، التي ضمت خمسة سناجق هي بيروت، عكا، البلقاء (نابلس)، طرابلس الشام، واللاذقية، وذلك بهدف مزدوج: إعطاء بيروت حقها في المركز الذي تستحقه، ومراقبة الوجود الأجنبي المتزايد على الساحل.

ينتقل الكتاب بعدها إلى تفصيل البنية الإدارية للولاية، فيظهر فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع العملي. يصف المؤلف الهيكل الإداري المتدرج من الوالي في القمة إلى المختارين في القرى، ويستعرض تكوين المجالس الإدارية والبلدية. لكنه يبرز بتركيز أن السلطة الفعلية كانت هشة وغير مستقرة، إذ أن معظم الولاة لم يكونوا يبقون في مناصبهم أكثر من بضعة أشهر، مستشهداً بمثال تعيين أربعة ولاة في عام 1905، أحدهم لم يبق سوى 3 أيام. كما يكشف أن سلطة الحكومة المركزية لم تكن تتجاوز محيط مراكز الأقضية، بينما كانت السلطة الفعلية في الأرياف بيد كبار الملاكين الذين احتفظوا بنفوذهم وقواتهم الخاصة، مما اضطر السلطنة إلى إصدار "قانون منع الشقاوة" عام 1905 لمواجهة انتشار العصابات وانعدام الأمن. وفي الجانب المالي، يوضح الكتاب مسار تحصيل الضرائب من القرية حتى مركز الولاية، لكنه يشير إلى أن الأرقام الواردة في السجلات العثمانية حول عدد القرى والسكان كانت "تفتقر إلى الدقة" وغير موثوقة بشكل كامل بسبب الهجرة واندثار القرى.

في الجانب السياسي، يرصد الكتاب الصراع المحتدم بين المخططات الدولية والسلطنة العثمانية على الولاية، من خلال تتبع سلسلة الأحداث من 1888 حتى 1914. يبرز المؤلف الاستراتيجية الفرنسية متعددة الأوجه والتي شملت الاقتصاد عبر الحصول على امتيازات حيوية مثل مرفأ بيروت، والسياسة عبر إقامة علاقات وثيقة مع الولاة والقضاء، والاجتماع عبر احتضان الطائفة المارونية ورموزها الدينية، والإعلام عبر نشر أفكارها. في المقابل، يعرض الكتاب عرقلة السلطنة لانطلاقة الولاية، وتأثرها بالأحداث الإقليمية الكبرى كأحداث أرمينيا وكريت واليمن، والتي أثقلت كاهلها مادياً وعسكرياً. ويصل السرد إلى ذروته مع انقلاب تركيا الفتاة عام 1908، حيث يكشف المؤلف انقسام مواقف سكان الولاية بين مؤيد بشدة ومعارض ضمني ومحايد وذي طموح سياسي أوسع، ممثلاً بـ"اللجنة المركزية السورية في باريس" التي طالبت بالحكم الذاتي. ويبين كيف حاول "الاتحاديون" تعزيز سيطرتهم عبر جمعياتهم وقمع المعارضة، لكن سياسة التتريك التي انتهجوها دفعت العرب إلى تأسيس جمعيات معارضة مثل "الجمعية العربية الفتاة" و"الجمعية القحطانية".

مع اقتراب الحرب العالمية الأولى، يصوّر الكتاب حالة الترقب والاضطراب التي سادت الولاية، حيث أجبرت الهزائم العثمانية المتتالية في طرابلس الغرب (1911) وحروب البلقان (1912) السكان على التساؤل عن مصير بلادهم: "لمن ستكون هذه البلاد؟". استعرض المؤلف في هذا السياق "الموجة الثانية" من الجمعيات والحركات السياسية التي تباينت رؤاها بين الداعين للحماية الفرنسية أو البريطانية، والساعين لإقامة دولة عربية مستقلة. ويحلل الكتاب بالتفصيل قصة "جمعية بيروت الاصلاحية" التي قدمت مطالب واسعة شملت انتخاب مجلس إدارة للولاية بصلاحيات واسعة واعتماد اللغة العربية كلغة رسمية، وكيف انتهت هذه الحركة الإصلاحية الواعدة بحلّها قسراً في 8 أبريل 1913 على يد الوالي الجديد بتنسيق مع حكومة "الاتحاد والترقي"، مما مهّد الطريق لسيطرة عسكرية كاملة عشية الحرب.

أخيراً، ينتقل الكتاب إلى التحليل الاقتصادي المفصل للولاية، فيبدأ بالوضع الزراعي الذي كان العمود الفقري للاقتصاد. يفسر المؤلف كيف أدت قوانين الأراضي العثمانية، وأبرزها "أحكام قانون الأراضي" الصادر عام 1858، إلى تحويل ملكية الأراضي العامة إلى ملكية خاصة، لكنها خدمت عملياً كبار الملاك وأصحاب النفوذ على حساب صغار الفلاحين. يقدم الفصل أرقاماً تفصيلية عن مساحات الأراضي التي بلغت حوالي 7,478,000 دونم في إحصاء عام 1881، وعن إنتاج الحبوب الذي وصل إلى حوالي 4,488,519 هكتولتراً بقيمة تقارب 51,407,170 فرنكاً. كما ينتقد المؤلف بشدة "البنك الزراعي" الذي تأسس عام 1888، معتبراً أنه كان أداة لخسارة صغار الفلاحين لأراضيهم لصالح كبار الملاك. ويختم الفصل بوصف طرق الاستثمار الزراعي البدائية، حيث كان الفلاح يزرع الأرض ثلاث سنوات ثم يتركها سنة للراحة، وكان يستخدم أدوات بسيطة تجرها الحيوانات، لكنه كان يحقق في المقابل مردوداً وسطياً يتراوح بين ست إلى سبع مرات للقمح وتسع إلى إحدى عشرة مرة للشعير.

يمكن القول إن الكتاب يقدم رؤية شاملة ومعقدة لتاريخ ولاية بيروت، تجمع بين التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إطار صراع دولي متصاعد. يعترف المؤلف في مقدمته بصعوبات البحث، خاصة في فهم المصادر العثمانية وتعلم اللغة، وبأن عمله لا يدعي بلوغ الكمال، تاركاً الباب مفتوحاً لأبحاث أكثر عمقاً. تظل بعض النقاط في الكتاب قابلة للنقاش، مثل الاعتماد الكبير على المصادر الفرنسية وخاصة القنصلية منها، مما قد يجعل الرواية في بعض الأحيان أحادية الجانب، لكن غنى التفاصيل والوثائق المتنوعة التي اعتمد عليها المؤلف، من سجلات المحاكم الشرعية إلى الوثائق الفرنسية والعثمانية، يمنح الكتاب مصداقية كبيرة ويجعله مرجعاً مهماً لفهم تاريخ المنطقة في فترة حاسمة من تحولاتها، خاصة وأنه يضيء على جذور الصراعات والمخططات التي ما زالت تترك ظلالها على الكيانات التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى من لبنان وسورية وفلسطين.

الفصول(7)

1.مقدمة منهجية19–52▼ ملخص

تشكّل ولاية بيروت منذ أواخر القرن التاسع عشر جزءاً إدارياً مهماً من أجزاء السلطنة العثمانية، وقد صُنّفت ضمن ولايات الدرجة الأولى. لم يكن هذا التصنيف مسألة شكلية، بل استند إلى اعتبارات عدة: أولها أن الولاية اشتملت على جزء أساسي من الساحل الشرقي للبحر المتوسط الذي دارت عليه صراعات تاريخية وتركّب سكانه من أديان وطوائف متعددة؛ وثانيها أن هذا الجزء شكل حلقة وصل بين حركة التجارة الدولية والداخل السوري، إذ كانت السفينة وسيلة النقل الأساسية، وشكلت مدن الساحل محطات للقوافل التجارية البرية القادمة من إيران شرقاً وشبه الجزيرة العربية جنوباً، فكانت مرافئ الولاية معبراً للبضائع الأوروبية نحو الداخل ومخرجاً لمواد التجارة الخارجية؛ وثالثها أن هذا الموقع جذب أعداداً كبيرة من تجار القوى الدولية الذين أصبحوا ثقلاً تجارياً واجتماعياً ومالياً. نتيجة للتطورات السياسية والعسكرية، أصبحت المنطقة عرضة لصراع المخططات الدولية، فعملت السلطنة على مواجهتها باعتماد تنظيم إداري كان في صلب خطتها، ومحاولة للحد من التدخلات الأجنبية. صدر "نظام تشكيل الولايات" عام 1864، فجعل من سوريا وفلسطين ولايتين كبيرتين: "ولاية حلب" في الشمال ومركزها حلب، و"ولاية سورية" في الجنوب ومركزها دمشق. أرادت السلطنة بهذا التقسيم أن تمسك بحركة التجارة الناشطة التي يسيطر عليها التجار الأجانب، لكن هذا التقسيم تجاهل الأهمية التي أصبحت عليها مدينة بيروت والمدن الساحلية الأخرى التي كانت مراكز أيالات سابقة. اعتبرت القوى الدولية وخاصة فرنسا هذا الإجراء إعاقةً لتطور مصالحها، واقترحت جعل بيروت مركزاً لولاية تمتد من اللاذقية شمالاً إلى حيفا جنوباً. استمر الصراع حول هذه المسألة حتى عام 1887، حين فرض تطور النشاط التجاري وتعاظم النفوذ الأجنبي قناعات جديدة دفعت السلطنة إلى إنشاء ولاية بيروت باقتطاع سناجق كانت تابعة لولاية سورية، وارتبطت أولاً بدمشق ثم بوزارة الداخلية في القسطنطينية. أشارت السلطنة في قرار الإنشاء إلى هدفين: إعطاء بيروت حقها في هذا المركز، ومراقبة الوجود الأجنبي المتكاثر على الساحل والتصدي له. لكن هذه الخطوة جاءت ضعيفة لأنها تلت "خط شريف كلخانة" 1859 الذي اعتبرته القوى الدولية نصراً مهماً، وكانت بعد عودة السلطنة إلى سورية عام 1840 بيد دولية، وبعد "حرب القرم" 1856 وصدور "الخط الهمايوني" الذي التزمت به السلطنة حسب اتفاقية باريس 1856.

تتناول هذه الدراسة "التاريخ السياسي والاقتصادي لولاية بيروت" هذا الصراع والمخططات الدولية والأساليب التي اعتمدتها السلطنة في التصدي للقوى الأجنبية. تبرر المقدمة اختيار الموضوع لكونه لم يدرس بشكل متكامل، وتنبع جِدّته من التزامه بإطاري الزمان والمكان، واعتماده على وثائق ومصادر غير منشورة، وفرضياته واستنتاجاته الجديدة، وكونه موضوعاً لم يسبق أن درس بشكل شامل مترابط. تشير المقدمة إلى نوعين من الدراسات السابقة: الأول يتسم بالاتساع والشمولية وبالتالي البعد عن موضوع الدراسة، والثاني يتسم بالجزئية والتخصص في جزء صغير من جغرافية الولاية. تهدف الدراسة إلى تقديم مؤلف متخصص يتناول تاريخ الولاية بشكل شامل من النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية.

تبرز أهمية الدراسة من كونها تعالج شؤون منطقة حساسة بتركيبها البشري والديني، إذ كانت الولاية بوابة لعبور القوى الدولية، ومن مرافئها جرت محاولات التحكم بالساحل السوري، واحتضنت مدن بيروت وحيفا واللاذقية فعاليات دولية. يمكن أن تشكل الدراسة مدخلاً للتاريخ المعاصر لعدد من الكيانات التي أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى كلبنان وسورية وفلسطين، والتي قامت على أنقاض التنظيم الإداري العثماني من ولايات بيروت وسورية وحلب ومتصرفيتي القدس الشريف وجبل لبنان. اعتمدت الدراسة منهجية الربط بين ما هو سياسي إداري واقتصادي اجتماعي، وتطمح لتقديم نموذج للكتابة التاريخية عن ولايات السلطنة العثمانية.

تتحدد حدود الدراسة بعدة أطر: الإطار الجغرافي ويشمل الشريط الساحلي من اليابسة الممتد على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ويقسم إلى ثلاثة أقسام تفصلها عن بعضها "متصرفية جبل لبنان": القسم الأوسط فيه رأس بيروت وعليه مدينة بيروت مركز الولاية، ويتبع سنجق بيروت أقضية صيداء وصور ومرجعيون؛ والقسم الجنوبي يبعد أقرب جزء منه عن مركز الولاية 48 كيلومتراً، ويمتد ساحله من "النهر الأولي" شمال صيدا حتى شمال يافا بطول 155 كيلومتراً، ويحتوي على سنجقي عكا (وتتبعه أقضية عكا وحيفا وطبريا وصفد والناصرة) ونابلس أو البلقاء (وتتبعه أقضية نابلس وجنين وطول كرم وجماعين)؛ والقسم الشمالي يمتد من جنوب بلدة القلمون جنوباً حتى رأس البسيط شمال اللاذقية بطول 150 كيلومتراً، ويحتوي على سنجقي طرابلس الشام (وتتبعه أقضية طرابلس الشام وعكار وحصن الاكراد وصافيتا) واللاذقية (وتتبعه أقضية اللاذقية وجبلة والمرقب). الإطار الزماني ويتحدد بعمر الولاية من عام 1887 حتى عام 1914، ففي عام 1887 اتخذت السلطنة قرار إنشاء الولاية، وفي عام 1914 دخلت الحرب العالمية الأولى وأرسلت "جمال باشا" حاكماً عسكرياً مفوضاً بصلاحيات استثنائية، فتحولت صلاحيات الكيانات الإدارية المحلية إلى صلاحيات شكلية، وكانت تلك النهاية الطبيعية لتاريخ الولاية. تعتبر هذه الفترة من أغنى مراحل الحكم العثماني بالتطورات الدولية، فبرزت إيطاليا وألمانيا ودخلتا ميدان المنافسة الاستعمارية، وأعلن السلطان "عبد الحميد" خلافته الإسلامية، وأسقطه انقلاب جمعية "تركيا الفتاة" وأعاد الدستور، وعلى الصعيد القومي العربي انعقد "أول مؤتمر عربي في باريس" بين 5 و23 شباط عام 1907، وتأسست "لجنة الوطن العربي في باريس"، ونشر "نجيب عازوري" كتاب "يقظة الأمة العربية"، وأعلن عن تأسيس "جمعية النهضة العربية"، وصدرت "مجلة الاستقلال العربي"، وانعقد "المؤتمر العربي الثاني في باريس" عام 1910. دفعت هذه التطورات السلطنة إلى اعتماد سياسة التتريك، فانخرط العرب في مقاومتها بتشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية. أما الإطار التحليلي فيتناول ما استمر من الماضي متفاعلاً مع حاضر الولاية ومستقبلها، إذ استمرت الخطط الدولية السابقة على إنشاء الولاية تتفاعل مع معطيات القرار التنظيمي الجديد، ورصدت الدراسة حركة السكان المحليين بأسلوب تحليلي يقوم على الربط بين المحلي والإقليمي والدولي. فعلى الصعيد السياسي، استفادت القوى الدولية من بروز الوعي القومي لتثير تناقضات الشعوب مع السلطنة، ومن أبرز خططها تفتيت السلطنة من الداخل بإثارة التعارض بين القوميتين العربية والتركية وخلق قيادات محلية مرتبطة بها. وعلى الصعيد الاقتصادي، ترافق إنشاء الولاية مع ازدياد تطور القوى المنتجة في أوروبا، فسعت حكومات هذه الدول لإيجاد أسواق جديدة لتصريف فائض إنتاجها وتأمين المواد الخام، فبدأ العمل على تمديد شبكة خطوط حديدية بين ولايات بيروت وسورية وحلب، وجرى تحديث المرافئ وتوسيعها وبناء الطرق وتنظيم خطوط البريد والبرق والهاتف بأموال ومواد أوروبية، وكان نصيب ولاية بيروت وافراً من هذه المرافق المنفذة برؤوس أموال فرنسية، ومهد بناء هذه المرافق الطريق لاحتلال البلاد من قبل فرنسا.

تنبع فرضيات الدراسة من وقائع أشار إليها قرار إنشاء الولاية، وتطرح عدة تساؤلات عن أسباب بلوغ بيروت هذه الأهمية بسرعة وسبقها لطرابلس الشام وصيدا، وأسباب تعاظم النفوذ الأجنبي، وما إذا كان يمكن إلحاق هذه المدن بمتصرفية جبل لبنان. تفترض الدراسة أولاً وجود مخططات مدروسة وصراعات لم تحسمها إلا الحرب العالمية الأولى، وأبرزها المشروع الفرنسي من بيروت وجبل لبنان، والمشروع الإنكليزي من عكا وفلسطين، والمشروع الروسي من القدس إلى المياه الدافئة في اللاذقية، وقد عمل كل طرف على تركيز كيان طائفي ديني ليكون قاعدة ومنطلقاً. الفرضية الثانية أن السلطنة عملت على استثارة المشاعر الدينية لمواجهة هذه المشاريع، وأن تحديد موقفها من رأس المال أصبح مسألة مهمة، والمطلوب أن تتخلى عن مؤسسات النظام "المقاطعجي" وتعتمد تقسيمات ومؤسسات جديدة تراعي تطورات العصر. الفرضية الثالثة أن الفرنسيين الذين لعبوا دوراً في بروز كيان جبل لبنان عملوا على تشكيل الولاية من الأجزاء الباقية على الساحل لتكون مدينة بيروت بعيدة عن سلطة الوالي في دمشق. الفرضية الرابعة أن الاهتمام الدولي بالولاية من مدارس وطرق وسكك حديد ما هو إلا لتأمين مصالحهم وتحضير القيادات المحلية لخدمة توجهاتهم. الفرضية الخامسة أن عجز القوى المحلية عن الخلاص من الحكم العثماني وارتباطها بالقوى الدولية جعل مواقفها أسيرة لدى هذه القوى.

تقسم الدراسة إلى بابين بالإضافة إلى مقدمة منهجية ومدخل تاريخي وخاتمة. يتناول المدخل الظروف التاريخية التي أحاطت بتشكيل الولاية والمشاريع الدولية. يتناول الباب الأول الأوضاع الإدارية والسياسية في أربعة فصول: "التشكيل الإداري لولاية بيروت 1887-1909"، و"التاريخ السياسي لولاية بيروت 1887-1908" ويبين كيف عملت السلطنة على عرقلة انطلاقة الولاية وكيف احتضن الفرنسيون هذه النشأة وتأثرت الولاية بأحداث أرمينيا وكريت واليمن، و"ولاية بيروت في ظل انقلاب 1908" ويبحث في أثر الانقلاب على السلطان عبد الحميد وعمل جمعية تركيا الفتاة ومحاولة إلغاء "الامتيازات الأجنبية"، و"وضع الولاية عشية الحرب العالمية الأولى" وما تأسس فيها من جمعيات وأحزاب مهدت الطريق لسقوط البلاد تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني. أما الباب الثاني فينقسم إلى أربعة فصول تدرس الوضع الاقتصادي: الأول عن الوضع الزراعي ومحاصيله ورسومه، والثاني عن الوضع الصناعي وأهم صناعاته، والثالث عن تجارة الولاية بالارتباط مع ولاية سورية ومتصرفية جبل لبنان ومع القوى الدولية عبر المرافئ وما يتعلق بالغرف التجارية والنقود والحركة المالية، والرابع عن المواصلات وحركة النقل من خطوط حديدية وطرق برية وموانئ وبريد وبرق.

تناقش المقدمة الدراسات السابقة المنشورة وغير المنشورة. من الدراسات المنشورة العامة والشاملة عن السلطنة العثمانية، والدراسات الإقليمية التي تناولت بعض ولايات السلطنة، والدراسات الجزئية المتخصصة في مدينة أو قضاء من أجزاء الولاية. من بين الدراسات الميدانية كتاب رفيق التميمي ومحمد بحجت "ولاية بيروت" الصادر عن مطبعة الولاية بطلب من الوالي عزمي بك، وأعيد نشره عام 1975 بعد حذف "المواضيع الهامشية المتعلقة بأقضية موجودة الآن خارج حدود الجمهورية اللبنانية"، ويتضمن مشاهدات ومباحث عن الجغرافيا والتاريخ والأحوال الاجتماعية والدين واللغات والآداب والصنائع، ولا يستند إلى الطرق العلمية في البحث. من الدراسات غير المنشورة أطروحة علي محمد حويلي "التطور الثقافي لمدينة بيروت منذ الفتح المصري لبلاد الشام وحتى الحرب العالمية الأولى 1831-1914" التي أعدت عام 1980 بإشراف د. مسعود ضاهر، وأطروحة ريمون الكك "تطور مدينة بيروت منذ نهاية الحكم المصري حتى إعلان دولة لبنان الكبير 1840-1920" التي أعدت عام 1987 بإشراف د. جوزيف لبكي. يوضح المؤلف نقاط الالتقاء والافتراق بين هذه الأطروحات ودراسته، فالتقاؤهما جزئي في الزمان والمكان، لكن موضوعهما مختلف، ويشير إلى أخطاء في أطروحة الكك منها اعتمادها أن الولاية أنشئت عام 1888 بينما الإنشاء كان عام 1887، وإغفالها فترة زمنية غنية بالأحداث كعدد من الأحداث السياسية المهمة، ويلاحظ أن دراسته تناولت موضوعات الجمعيات والأحزاب في سياق مختلف عن الدراستين، مرتبطاً بالصراع بين تياري جمعية تركيا الفتاة: "الاتحاديون" أنصار الإدارة المركزية و"حزب الائتلاف الحر" مؤيد اللامركزية، وبصراع "تيار العمق" الذي كان يرعاه البريطانيون و"تيار المساحة" أو "التجزئة الأفقية" الذي كان يرعاه الفرنسيون.

تستند الدراسة إلى مصادر متنوعة بالعربية والتركية العثمانية والفرنسية ومصادر مترجمة. من المصادر العربية الوثائق غير المنشورة: أربع وثائق تبين الأسلوب الثبوتي في تعاملات السكان، منها "مضبطة لأولاد جريج شاهين" من قرية بقرزلا في قضاء عكار حررت في 15 تشرين الأول عام 1893، و"صك بيع شرعي" من "عبد الله يوسف سليمان الكوسا" بتاريخ أول حزيران 1886، و"مضبطة بيع" من "عبد الله نقولا يوسف نعمة" حررت في حزيران 1890، و"مضبطة تفرغ وتنازل" من "عثمان أحمد عثمان" وأخيه "حسن" محررة في 25 آذار 1902. ومنها أيضاً سجلات الفتاوى في قضاء عكار وخمسة سجلات موجودة، وسجل قرارات الأوقاف الإسلامية، وسجل الكنيسة البروتستانتية الذي يبدأ من عام 1883 ويتوقف عام 1894، وسجلات المحكمة الشرعية في طرابلس. من المصادر التركية العثمانية وثائق غير منشورة منها "تذكرة الدولة العلية العثمانية" و"تذكرة فيركو الأراضي" و"تذكرة تعداد الحيوانات الأهلية" و"فرمان محال خصوصاً للقوميسيون"، ومجموعة من إعداد "سالنامة" وهي تقويم سنوي يصدره العثمانيون، استندت الدراسة إلى سبعة أعداد من "سالنامة دولة علية عثمانية" وستة أعداد من "سالنامة ولاية سورية" وأربعة أعداد من "سالنامة ولاية بيروت"، وإلى ميكروفيلم "بيروت ولايتي مجلس عموميسنك اوجنجي دوره اجتماعيه سنده جريان ادن مذكراتك ضبطيدر" وهو محضر مداولات الدورة الثالثة لمجلس ولاية بيروت العمومي عام 1909. من المصادر الفرنسية الرسائل الدبلوماسية والقنصلية الفرنسية ومجموعة الوثائق التي جمعها عادل اسماعيل، ومجموعة الرسائل القنصلية البلجيكية. من المصادر المترجمة عن التركية العثمانية مجموعة كبيرة من القوانين القضائية والإدارية التي جمعها "يوسف صادر" في كتاب "مجموعة القوانين" كـ"مجلة الأحكام العدلية" و"قانون الجزاء العثماني" و"قانون أصول المحاكمات الحقوقية" و"قانون التجارة" وغيرها، وعن الروسية كتاب "بيروت وجبل لبنان على مشارف القرن العشرين" لمذكرات العالم الروسي "أ. كريمسكي"، وعن الفرنسية والإنكليزية مجموعة "المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سوريا ولبنان من 1840-1910"، وعن الألمانية مجموعة رسائل الأستاذ "هارتمن" من سوريا عام 1913. تستند الدراسة أيضاً إلى خمس خرائط جغرافية واثني عشر ملحقاً.

واجهت الدراسة صعوبات عدة، منها أن الاتفاقيات الدولية قسمت الإطار الجغرافي للولاية بين ثلاثة كيانات سياسية هي لبنان وسورية وفلسطين، وكان الانتقال إلى فلسطين مستحيلاً بسبب الاحتلال الصهيوني، بالإضافة إلى صعوبات الوضع الأمني المضطرب نتيجة الحرب الأهلية، وانهيار النقد الوطني أمام العملات الأجنبية. ومن الصعوبات أيضاً فهم المصادر العثمانية لأن اللغة العثمانية أصبحت جزءاً من الماضي، فتغلب على ذلك بتعلمها عن طريق بعض المسنين بمساعدة د. حسن ييى الذي ساعد في تعريب وتدقيق بعض الوثائق. يستغرق البحث عن المصادر وقتاً طويلاً، ولا يدعي المؤلف بلوغ الكمال، ويقدم العمل العلمي آملين أن يكون مساعداً لأبحاث تاريخية جديدة أكثر عمقاً وتخصصاً، ويقدم الشكر لأصحاب الوثائق الأصلية وللدكتور مسعود ضاهر الذي زوده بعلمه وخبرته.

يمكن القول إن هذه المقدمة المنهجية تؤسس بعناية لدراسة أكاديمية جادة، إذ تحدد إطار الدراسة الزماني والمكاني بدقة، وتكشف عن فرضيات واضحة، وتناقش الدراسات السابقة بنوع من النقد العلمي، وتعدد مصادرها بشكل يثير الثقة في الموضوعية، وتكشف بصدق عن الصعوبات التي واجهت الباحث. لكن يلاحظ أن النقد الموجه للدراسات السابقة، خاصة أطروحة ريمون الكك، يتسم أحياناً بالتفصيل الشديد والإلحاح على إبراز أوجه القصور فيها، مما قد يوحي برغبة في إثبات تفوق الدراسة الجديدة أكثر من كونه مجرد مراجعة علمية محايدة.

2.الظروف التاريخية التي أحاطت بتشكيل ولاية بيروت53–92▼ ملخص

يبدأ المؤلف بالحديث عن الظروف التاريخية التي أحاطت بتشكيل ولاية بيروت، مشيراً إلى أن قرار إنشائها صدر في السادس من ربيع الآخر عام ١٣٠٥ هجرية، الموافق لعام ١٨٨٧ ميلادية. وقد وقع هذا القرار من قبل "مجلس مخصوص بيروت" الذي كان يجمع ألوية بيروت وعكا والبلقاء وطرابلس الشام واللاذقية، وهي الألوية التي كانت تابعة لولاية سورية ومركزها دمشق. ويوضح المؤلف أن القرار أشار إلى ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الإنشاء: أولاً، "ازدياد أهمية مدينة بيروت وحساسيتها"، وثانياً، "الوقوف في وجه النفوذ الأجنبي والتقليل من شأنه وأسبابه"، وثالثاً، "اتساع ولاية سورية" واتخاذ ولاتها مدينة دمشق مركزاً لهم، الأمر الذي جعل بيروت دون أهميتها الحقيقية.

يسير الفصل بشكل تدريجي ليبين أن هذا القرار جاء ليقيم التوازن ويصحح الخلل القائم بين الأهمية الفعلية التي صارت عليها مدينة بيروت وبين وضعها الإداري الذي كان ينتقص من قيمتها. ويشير المؤلف إلى أن القطع الإداري الذي جرى بين الولاية الجديدة وولاية سورية لم يحصل في المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ استمرت هذه المجالات في تطورها على قاعدة ما تواصل من الماضي إلى حاضر الولاية. ثم ينتقل المؤلف إلى سؤال مهم حول شكل خريطة الولاية التي تشكلت من ثلاثة أجزاء متباعدة بشكل يدعو إلى التساؤل، حيث كانت مدينة بيروت مركز الولاية في وسط الساحل الشرقي للمتوسط، محاطة بمتصرفية جبل لبنان من الشمال والشرق والجنوب، ومفصولة بالمتصرفية عن قسميها الشمالي والجنوبي مسافة طويلة، مما حمل المؤلف على الاعتقاد بوجود مخطط كان يجري العمل على تنفيذه.

يقدم المؤلف تفسيراً لهذا التحول من خلال تتبع الخطوات الأولى التي أدت إلى صعود بيروت، والتي بدأت بخروج التجار الفرنسيين من مدينتي صيدا وعكا. فقد كان التجار الفرنسيون قد جعلوا من مدينة صيدا مركزاً تجارياً هاماً خلال الحكم العثماني، وبلغ عدد بيوتهم التجارية أربعة وثلاثين بيتاً موزعة بين صيدا والرامة وعكا ويافا. غير أن الخلاف الذي وقع بين الأمير يوسف الشهابي (١٧٧٠-١٧٨٩) وأحمد باشا الجزار (١٧٧٥-١٨٠٤) والي صيدا، والمشاكل التي كانت تتعرض لها حركة التجارة على أيدي باشوات السلطنة بسبب موقفهم من الامتيازات الأجنبية واحتكارهم المواد التجارية، أدى إلى طرد التجار الفرنسيين من صيدا وعكا واحتلال خانهم المعروف بخان الافرنج.

بعد هذا الخلاف، يتناول المؤلف الاتجاهين المتكاملين اللذين اتخذهما النشاط الفرنسي، حيث عمل التجار الفرنسيون على نقل مركز تجارتهم من صيدا إلى بيروت بعد أن عاشوا فترة من التشرد في مدينة طرابلس الشام، ورفضوا خلالها عرضاً لبناء خان لهم فيها. ويشير المؤلف إلى أنهم بدأوا يعتمدون ميناء بيروت بشكل غير شرعي يهربون منه واليه بضائعهم، وترسو فيه أكثرية السفن الفرنسية المتجهة إلى سورية، بالرغم من أن المقاطعة كانت بدون أي وكيل قنصلي. وقد حاول الجزار منع هذا التوجه لكن محاولته فشلت، ويستشهد المؤلف بتقرير "غرفة تجارة مرسيليا" لعام ١٨١٠ الذي يبين أن المركز التجاري الفرنسي في صيدا قد انتقل ثقله إلى بيروت، وأن تجارة بيروت أصبحت أهم من تلك التي في صيدا وعكا لسببين: الأول هو أن التجارة في صيدا وعكا بقيت بين يدي الباشا الذي يحتكر البيع والشراء، في حين أن التاجر في بيروت استطاع أن يتخلص من هذا الاحتكار ويتعامل مع من يشاء، والثاني هو أن تجار بيروت كانوا الأقوى لأنهم أغنياء قادرين على التحمل أكثر من الذين بقوا في صيدا وعكا.

أما الاتجاه الثاني فيتعلق بالعمل الرسمي الفرنسي، حيث أحدث طرد التجار من صيدا وعكا صدمة لدى المسؤولين الفرنسيين الذين نظروا إليه على أنه يعبر عن موقف السلطنة من الامتيازات الفرنسية. وقد اتخذ العمل الفرنسي الرسمي اتجاهين متلازمين: الأول هو الضغط على السلطنة بمختلف الوسائل كي تعمل على تحديد قوانينها ومؤسساتها، والثاني هو إعداد خطة بعيدة المدى تطال الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والداخل السوري. وفي هذا الإطار، قدم القنصل الفرنسي في صيدا "مارتن" اقتراحاً بضرورة نقل مركز القنصلية من صيدا إلى بيروت، وقد تحقق ذلك في ١٧ تموز ١٨١١ عندما أصدر الملك أمره، فنفذ "باسكيه" هذا الأمر في ١٨ آب ١٨١١ فصدر قراره بتعيين "ريفن" قنصلاً في بيروت. ثم ارتفع الصوت بضرورة نقل مركز القنصلية الفرنسية العامة من حلب إلى بيروت، وقد برر القنصل الفرنسي في طرابلس "شفاليه رينو" هذا الاقتراح بسببين: الأول هو ضم السلطنة لباشوية طرابلس وباشوية عكا في باشوية واحدة، ورأى أن يكون مركز القنصلية العامة في هذه الباشوية الموحدة، والثاني هو خوف التجار الفرنسيين من أن يسبقهم الانكليز إلى بيروت.

يستعرض المؤلف بعد ذلك تعزز الوجود الأجنبي في بيروت وتزايد أهميتها خلال الحكم المصري لبلاد الشام، حيث أدت حملة محمد علي باشا والي مصر إلى بلاد الشام ضد السلطنة العثمانية في ثلاثينات القرن التاسع عشر (١٨٣١-١٨٤٠) خدمة هامة لحرية التجارة الدولية. فقد أجرى ابنه إبراهيم باشا إصلاحات بعيدة المدى رمت إلى مركزة إدارة البلاد، وساعدت على إلغاء حباية الضرائب بصورة متعسفة، وعلى تطوير الصناعة والتجارة. وخلال الحكم المصري احتلت بيروت موقعاً خاصاً، فكانت الميناء التجاري الأكثر أمناً وأهمية وحركة في كل سورية، وازدادت تجارتها زيادة كبيرة. ويلفت المؤلف إلى أن هذه الفترة شهدت نمو عدد سكان بيروت من حوالي خمسة آلاف نسمة عام ١٨٣٠ إلى سبعة آلاف عام ١٨٤٠، ثم خمسة عشر ألف نسمة عام ١٨٥٤ وثلاثين ألف نسمة عام ١٨٦٤، وأن التطورات التي طرأت على المدينة دفعت السلطنة إلى جعلها مركز إيالة صيدا في التنظيم الاداري الذي أقرته عام ١٨٤٠، مما جعلها من مدن المرتبة الأولى على الصعيد السياسي.

ينتقل المؤلف بعدها إلى الحديث عن المخططات الدولية التي أحاطت بالسلطنة، مشيراً إلى أن إقرار الاصلاح والسلطنة في حال من الضعف أدى إلى ما تريده القوى الدولية، والتي باتت مصالحها من الناحية النظرية في حمى القانون. ومن أهم العوامل التي رجحت المخططات الدولية نذكر: معارضة الباشوات وكبار الملاكين لخط كلخانه الشريف، والخوف من ظهور جزار آخر أو إبراهيم باشا آخر، والقناعة لدى القوى الدولية بأن السلطنة صائرة لا محالة إلى الانحلال. وفي هذا السياق، يوضح المؤلف أن الفرنسيين تبنوا رأي الأباتي اليسوعي "لويس غندولفي دي تورين" وعملوا على تطويره باتجاهين: الأول إيجاد مركز للتجارة الدولية على الساحل الشرقي للمتوسط، والثاني إعداد مرفأ بيروت ليكون مؤهلاً للقيام بمتطلبات هذا المركز التجاري. وقد رأوا في بيروت مفتاح الدخول إلى الجبل ومتنفس الداخل السوري باتجاه أوروبا، وأعدوا لها دوراً يتكامل مع دور جبل لبنان، وأرادوها مدينة عالمية كوسموبوليت مفتوحة للجميع.

يصف المؤلف التحولات التي طرأت على بيروت قبل أن تتحول إلى مركز ولاية، ومنها تحولها إلى مركز مالي قصدته الشركات الأجنبية، حيث بدأ هذا التوجه في شباط عام ١٨٥٦ عندما تأسست "شركة افريقيا والشرق" وهي شركة فرنسية مركزها مرسيليا، وما لبثت أن حذت حذوها شركات فرنسية وانكليزية وألمانية ونمساوية وسويسرية وايطالية ويونانية. كما تحولت إلى مركز قضائي رفيع عندما جرى إنشاء محكمة تجارية ومحكمة جنائية عام ١٨٥٠ تطال صلاحياتهما إيالة صيدا-بيروت، وارتقت رتبة محكمتها التجارية إلى الدرجة الاستئنافية لكل ولاية سورية وجبل لبنان في عام ١٨٧٥. وتحولت أيضاً إلى مركز ثقافي وفكري، حيث وصلت بعثات الكنيسة الأميركية عام ١٨٢٠، ونقل "تمبل" مطبعته إلى بيروت عام ١٨٣٤، وتوجت هذه البعثات عملها بإنشاء "الكلية السورية الإنجيلية" عام ١٨٦٦ التي عرفت فيما بعد بالجامعة الأميركية، كما قام اليسوعيون بنقل كليتهم من غزير إلى بيروت وصارت تعرف باسم جامعة القديس يوسف. وتحولت أخيراً إلى قطب جاذب للمهاجرين وبوابة باتجاه الداخل، خاصة بعد شق طريق للعربات يصل بين بيروت ودمشق عام ١٨٥٧ من قبل الفرنسي "ادمون دي برتوي"، وهو الأول من نوعه في سورية.

يتناول المؤلف بعد ذلك المشاريع الدولية الأخرى التي أشارت إليها المصادر الفرنسية، ومنها المشروع الانكليزي الذي كانت قاعدته فلسطين ومفتاح دخوله عكا-حيفا، والذي سعى الانكليز من خلاله إلى تقليص النفوذ الفرنسي وضربه، ورأوا أن مصلحتهم هي في إنشاء كيان اسرائيلي في فلسطين برعايتهم وحمايتهم، وبدأوا العمل على جمع اليهود المنتشرين في أوروبا والبالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة لإسكانهم في هذا الكيان. أما المشروع الثاني فكان المشروع الروسي الذي انطلق من القدس الشريف باتجاه البحر المتوسط، معتمداً على قاعدة بشرية ذات توجه ديني مؤيد للروس، وقد بدأت هذه الخطة بعد توقيع معاهدة هنكيار أسكلة-سي (٨ تموز ١٨٣٣) بين روسيا والسلطنة العثمانية.

أما السلطنة العثمانية، فقد واجهت هذه المخططات الدولية بقانون تشكيل الولايات، واتخذت عدة خطوات منها: اعتماد تقسيم اداري يقلل من أهمية مدن الساحل، حيث جرى تقسيم بلاد الشام إلى ولايتين كبيرتين، ولاية حلب ومركزها مدينة حلب، وولاية سورية ومركزها مدينة دمشق، مما وضع بيروت في موقع انتقص من أهميتها الفعلية. وقد أدرك الفرنسيون خطورة هذا التوجه العثماني على خطتهم وتدخلوا في الأمر وحاولوا تعديل هذا الاجراء الاداري قبل أن يصدر، ولكن القرار صدر في أوائل أيار ١٨٧٥ وجاء يعبر عن النقاش القائم بين الاتجاهين مشيراً إلى أن كلاً من دمشق وبيروت ستكون مركزاً رئيسياً لإقامة الحاكم العام، وعين حكاماً برتبة قائمقام على مدن بيروت وصيدا وطرابلس وعكا بدون أفضلية لأحدهم على الآخر. وقد شعر القنصل الفرنسي العام في بيروت "ايسار" بخيبة أمل كبيرة ورأى في هذا الاجراء "طعنة توجه إلى بيروت في أكبر وأهم مصالحها"، ولم يقبل الفرنسيون والدول الأوروبية الأخرى ورجال الأعمال المحليون بهذا الاجراء الاداري.

كما اتخذت السلطنة اجراءً آخر تمثل في محاولة الامساك بتجارة الساحل من دمشق، فجعلت دمشق مركزاً للوالي، مما يعني انتقال الادارات المركزية اليها بما فيها ادارة المجلس الأعلى للتجارة، غير أن الصعوبة الأولى التي اعترضت عمل الوالي كانت مسألة تشكيل هذا المجلس لعدم وجود العناصر الكافية في دمشق لتشكيله. وقد رفضت الفعاليات التجارية الانتقال إلى دمشق، وتحرك أعيان بيروت وعقدوا اجتماعات موسعة قرروا فيها تحرير عريضة إلى السلطان وتشكيل وفد منهم للذهاب إلى القسطنطينية، وبممارسة الضغوط الأوروبية وتحرك القوى المحلية أقنعوا المسؤولين العثمانيين ببقاء المجلس الأعلى للتجارة وببقاء انعقاد المحكمة العليا في بيروت، وبتعيين "مدير سياسي" لمدينة بيروت يقيم فيها بشكل دائم ليشكل حلقة وصل بين القناصل العامين للقوى الدولية والحاكم العام في دمشق. غير أن هذه التسوية المؤقتة لم تقض على مصادر الشكوى، واستمرت الشكوى الفرنسية من الاجراءات الادارية للسلطنة، وربما كان لهذه الشكوى ما يبررها على أرض الواقع، غير أن المؤلف يؤكد أنها كانت تحري وفق هدف مرسوم هو تحويل مدينة بيروت إلى مركز ولاية، وما يؤكد هذا الاستنتاج هو أن كل ما قدمته السلطنة من تنازل في أقل من سنة لم يرض التجار الفرنسيين، ولذلك نراهم يقترحون تشكيل ولاية بيروت في رسالة نائب القنصل الفرنسي العام "وال وسكي" إلى وزير الخارجية الفرنسية بتاريخ تشرين الأول ١٨٧٧.

أما الاجراء الثالث الذي اتخذته السلطنة فكان التنكر لأهمية بيروت وتصنيفها من مدن الدرجة الثالثة، حيث جرى في حزيران ١٨٨٠ تغيير التصنيف الاداري لمراكز السناجق في ولاية سورية بشكل كلي، فجاء تصنيفها في ثلاث فئات: الأولى تضم طرابلس ودمشق وعكا، والثانية تضم حمص وحماه وبعلبك وحوران، والثالثة تضم بيروت واللاذقية. ولم يكن أهالي بيروت راضين عن هذا التصنيف الذي رأوا فيه عودة إلى الوراء غير مبررة وغامضة الأسباب، فوجه أعيانها برقية إلى الباب العالي لتذكيره بأن بيروت كانت سابقاً مركزاً للوالي، وطلب القنصل الفرنسي العام "لانج" إلى وزير الخارجية الفرنسية بتاريخ حزيران ١٨٨٠ أن تعمل الحكومة الفرنسية على دعم أهالي بيروت في تنظيم أنفسهم، وهكذا استمر هذا الصراع بين الفرنسيين ومؤيديهم من جهة والسلطنة العثمانية ومؤيديها من جهة أخرى حول إنشاء ولاية بيروت، إلى أن شق هذا الاتجاه طريقه في عام ١٨٨٧.

يختم المؤلف الفصل ببعض الاستنتاجات، حيث يرى أن الامتيازات الأجنبية التي منحتها السلطنة العثمانية للقوى الدولية هي التي ساعدت تجار هذه الدول على أن يقيموا في الأماكن التي يريدونها وأن يتاجروا مع من شاؤوا من أبناء البلاد، مما جعلهم جزءاً من حركة التجارة المحلية ولعبوا دوراً في ترجيح كفة المركز التجاري الذي يتوطنون فيه على كفة مركز آخر. ويشير إلى أن نمو الحركة التجارية بشكل عام وهيمنة التجار الأجانب عليها اصطدم مع ولاة السلطنة الذين لمسوا أن الامتيازات تضرهم وتحد من مصالحهم، مما أدى إلى احتدام الصراع بين الطرفين. وقد نتج عن هذا الصراع خروج التجار الفرنسيين من صيدا وعكا عام ١٧٩١، مما أدى إلى ضمور حركة هذا المركز التجاري الكبير وبداية جديدة في حياة التجارة الدولية. ويؤكد المؤلف أن هذا الوضع دفع التجار إلى التفكير بشكل جدي في المستقبل، فطرحت مسألتان: الأولى تطال السلطنة في العمق وهي تحديد موقفها من رأس المال وأصحابه وضمان سلامتهم، والثانية هي العمل على فصل جبل لبنان ادارياً عن سلطة الولاة في سورية وفلسطين وبناء مرفأ بيروت ليكون مرفأ الجبل والمنطقة الداخلية.

أما في خاتمة الفصل، فيخلص المؤلف إلى أن العمل الدولي بعد طرد التجار الفرنسيين اتخذ توجهين متكاملين: الأول عملي تبنته قوى اقتصادية فرنسية في تحويل تجارة مركز صيدا إلى بيروت كي تصبح المركز التجاري الأول على الساحل الشرقي للمتوسط، والثاني توجه سياسي بعيد المدى تولت العمل به قوى السياسة الدولية، ودفعت به في خطين متلازمين: خط الضغط على السلطنة من أجل تحديث بنيتها السياسية والادارية، وخط العمل على بناء تجمعات بشرية يجمع أبناء كل منها رابطة دينية أو مذهبية مرتبطة بهذه الدول. ويشير المؤلف إلى أن المنطلقات الدينية المذهبية التي اعتمدتها القوى الدولية في التشكيل البشري لهذه التجمعات تتطلب "نقاء طائفياً" أو على الأقل أكثرية من طائفة معينة، وهذه مسألة تحتاج إلى توفر الوقت الكافي للدرس والتخطيط والتنفيذ، وما يؤكد هذا الاستنتاج هو أن الكيان الاداري جبل لبنان قد أنشئ بعد ستين سنة من اقتراحه في عام ١٨٤١، وبدأ بناء مرفأ حديث في بيروت بعد ٨١ سنة، وأنشئ كيان صهيوني في فلسطين بعد مئة وعشر سنوات. ويختم المؤلف بالتأكيد على أن أبناء هذه المناطق كانوا عرضة لآلام الاقتلاع والتهجير وضحايا لهذه المخططات الدولية البعيدة المدى لأنهم كانوا عاجزين عن رؤية أبعادها بحكم تبعيتهم وبعدهم عن موقع القرار في بلادهم، وهو ما سيتحدث عنه في فصول هذه الدراسة.

3.التشكيل الإداري لولاية بيروت 1887 – 191493–162▼ ملخص

التشكيل الإداري لولاية بيروت بين 1887 و1914 يمثل محور هذا الفصل، حيث يقدم المؤلف إلياس جريح تحليلاً تفصيلياً لكيفية نشوء هذه الولاية العثمانية وهيكلتها الإدارية. الإجابة الأساسية التي يقدمها الفصل هي أن إنشاء ولاية بيروت لم يكن مجرد تغيير اسمي، بل كان عملية إعادة هيكلة إدارية شاملة فرضتها ظروف داخلية ودولية معقدة، وأدت إلى تحول بيروت من مدينة ثانوية إلى مركز لولاية من الدرجة الأولى، مع وجود فجوة كبيرة بين النصوص القانونية المنظمة للإدارة والواقع العملي المطبق على الأرض.

يبدأ الفصل عرضه بذكر أن ولاية بيروت اقتطعت من ولاية سورية الكبرى، التي تشكلت بدورها في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، وجاء إنشاؤها بعد تثبيت كيان متصرفية جبل لبنان وصدر نظام الولايات عام 1874، والقائم على تقسيم الدولة إلى ولايات وألوية وأقضية ونواحٍ. يوضح المؤلف أن ولاية بيروت تشكلت عام 1887 (تقريباً)، وضمت خمسة سناجق هي: بيروت، عكا، البلقاء (نابلس)، طرابلس الشام، واللاذقية، وبلغت مساحتها حوالي 17,000 كيلومتر مربع، رغم اختلاف المصادر في توزيع هذه المساحة بين السناجق، وهو ما يعكس حالة عدم الاستقرار الإداري. ويلاحظ أن عدد أقضية الولاية لم يكن ثابتاً، حيث تراوح بين تسعة عشر وواحداً وعشرين قضاءً، وكان قضاءا الناصرة وجماعين عرضة للإلغاء أو الإضافة، وكذلك عدد النواحي الذي تراوح بين 52 و59 ناحية.

ينتقل المؤلف بعد ذلك لوصف البنية الإدارية المتدرجة للولاية بالتفصيل، مبتدئاً بالإدارة المركزية في بيروت وعلى رأسها الوالي، وهو المسؤول الأعلى الذي يرتبط مباشرة بوزير الداخلية في القسطنطينية، وتحدد له القانون مهاماً واسعة تشمل الأمن والعدل والتنمية الاقتصادية والتعليم، مع إلزامه بجولة تفتيشية سنوية. لكن الفصل يبرز أن الواقع كان مختلفاً تماماً، حيث أن معظم الولاة لم يكملوا سنة في منصبهم، بل كان بعضهم يبقى أياماً معدودة فقط، ويورد المؤلف مثالاً على تعيين أربعة ولاة في عام واحد (على الأرجح 1905) هم شكري باشا (20 يوماً)، محمد علي بك (14 يوماً)، علي أكرم بك (3 أيام)، وفريد باشا (14 يوماً)، مما يكشف عن صراع النفوذ وعدم رغبة السلطنة في استقرار الوالي. ويشرح الفصل تكوين مجلس إدارة الولاية من أعضاء طبيعيين (كالحاكم الشرعي والدفتردار) ومنتخبين (أربعة أعضاء، نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من غير المسلمين)، ويحدد شروط الانتخاب التي تتضمن دفع "ويركو" سنوياً لا يقل عن خمسمائة قرش، ويشير إلى أن المجلس كان يتمتع بصلاحيات إدارية ومالية واسعة، لكن قراراته لم تكن نافذة إلا بمصادقة الوالي، مما يضعف دوره ويجعله استشارياً إلى حد كبير. ويستعرض أيضاً مجلس الولاية العمومي، الذي يجتمع مرة في السنة لمدة أربعين يوماً لمناقشة الميزانية، لكنه كان ممنوعاً من التداول في الشؤون السياسية ولا تكتسب قراراته صفة قطعية إلا بتصديق الوالي.

على مستوى السنجق (اللواء)، يصف الفصل دور المتصرف الذي يعين بإرادة سلطانية ويشرف على شؤون لواءه، ويذكر أسماء السناجق الأربعة التي يحكمها متصرفون وهي عكا والبلقاء وطرابلس الشام واللاذقية، ويكمل هيكل الإدارة بذكر مجلس إدارة اللواء الذي يتشكل بطريقة مشابهة لمجلس الولاية وبصلاحيات مماثلة لكن في نطاق السنجق. أما على مستوى القضاء، فيوضح الفصل أن القائمقام هو المسؤول الأعلى الذي يفوضه القانون بإدارة شؤون القضاء وتنفيذ الأوامر الصادرة من المتصرف والوالي، وكان من المتوقع أن يقوم بدورات تفتيشية على القرى والإشراف على الأمن وتنفيذ القوانين. ويورد المؤلف حالة خاصة للملف الوظيفي لـعبد الفتاح بك المرعبي من عكار كمثال على مسار التدرج الوظيفي للقائمقامين، مشيراً إلى أنهم كانوا من خريجي المدرسة السلطانية في القسطنطينية. ومع ذلك، يحذر الفصل من أن السلطة الفعلية في الأقضية كانت بيد كبار الملاكين المتنفذين الذين احتفظوا بقواتهم الخاصة، وأن سلطة الحكومة لم تكن تتجاوز محيط مراكز الأقضية بسبب انتشار العصابات وانعدام الأمن.

ويواصل الفصل وصفه للمستويات الأدنى في الهرم الإداري، ففي الناحية يديرها مدير ناحية تعينه وزارة الداخلية، وتتمثل مهمته الأساسية في إعلان القوانين وتحصيل الأموال. وفي القرية، يديرها المختارون ومجلس شيوخ القرية (أو مجلس اختياريه القرية)، وهم منتخبون من أهالي القرية، ويؤدون وظائف حيوية مثل تحصيل الأموال الأميرية وضبط الولادات والوفيات. ويقدم الفصل وثائق كأمثلة على وجود مختارين اثنين في قرية بقرزلا وقرية تكريت، حتى لو كان السكان من طائفة واحدة، وأحياناً أكثر من اثنين نتيجة العصبيات المحلية. ويخصص الفصل حيزاً مهماً لـالمجلس البلدي، الصادر بقانون البلدية العثماني عام 1877، والذي نص على إنشاء مجلس في كل مدينة وقصبة بعضوية تتراوح بين ستة واثني عشر عضواً، ويحدد شروط الانتخاب والوظائف، لكنه يخلص إلى أن القانون لم ينفذ بالكامل، حيث أنه حتى عام 1910 لم يتجاوز عدد المجالس البلدية في الولاية ثمانية عشر مجلساً، وحرصت منها مراكز أقضية مهمة مثل حصن الأكراد وصافيتا والمرقب، ويعزو المؤلف ذلك ربما إلى تسويف السلطنة أو صعوبة توفير أعضاء يستوفون شروطاً مثل إجادة اللغة التركية.

ينتقل الفصل إلى الجانب الأمني، فيحدد وجود قوتين: الأولى عسكرية تتمثل بحصة الولاية من الجيش الخامس الهمايوني المتمركز في دمشق، وتشمل مشاة وخيالة ومدفعية موزعة في ثكنات ("قشلات") في أنحاء الولاية، ويقدر قوامها بأربعة آلاف جندي مشاة وألفي جندي خيالة. والثانية هي قوة الضابطة الداخلية المكونة من الجاندرمة والبوليس، ويقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً لتوزيع أفرادها على خمسة طوابير في مراكز السناجق، ويبلغ مجموع قوات الجاندرمة حوالي ألف فرد بقيادة سبعين ضابطاً. ويشير إلى المهام النظرية للبوليس في الضابطة الإدارية والعدلية، لكنه يقر بأن هذه القوة كانت غير كافية لفرض الأمن في ولاية مليئة بالمتنفذين والعصابات، خاصة في القرى النائية، مما اضطر السلطنة إلى إصدار "قانون منع الشقاوة" عام 1905 (تقريباً) للتصدي لحوادث القتل وقطع الطرق المنتشرة بكثرة.

في الجانب المالي، يشرح الفصل كيفية إعداد موازنة الولاية وتنفيذها، والتي بدأت السلطنة بتنظيمها منذ عام 1857. ويوضح أن الموازنة كانت تتضمن عمودين للواردات (كالويركو والبدل العسكري والأعشار والرسوم الجمركية) والمصاريف (كالمخصصات الحربية والصحية والتعليمية). ويتبع المؤلف مسار تحصيل الضرائب من أدنى مستوى (القرية) حيث يحدد المخمنون والمختارون الضرائب، إلى القضاء حيث يشرف القائمقام ومدير المال وأمين الصندوق على التحصيل والصرف، ثم إلى السنجق تحت إشراف المتصرف والمحاسب، وأخيراً إلى مركز الولاية حيث يتحمل الوالي والدفتردار مسؤولية الإشراف الكامل على الخزينة بالتنسيق مع الخزانة المركزية. ويشير إلى أن النظام حدد مسؤوليات صارمة ومواعيد نهائية لتسليم الحسابات، مع نصه على معاقبة المقصرين، ويعطي مثالاً على أن تسليم الأموال من القضاء إلى السنجق كان يتم أسبوعياً إذا زاد المبلغ عن 15,000 قرش.

أخيراً، يورد المؤلف في نهاية الفصل جدولاً تفصيلياً بأسماء نواحي الولاية وقُراها التابعة لكل قضاء، ليُبرز عدد الأماكن التي حُرمت من المجالس البلدية رغم استحقاقها، ويختتم بالتحفظ على دقة الأرقام الواردة في المصادر العثمانية الرسمية حول عدد القرى، واصفاً إياها بأنها "تفتقر إلى الدقة"، ويضرب مثالاً على الارتفاع غير المعقول لعدد القرى من 4354 قرية عام 1895 إلى 4209 قرى عام 1897 (هذا الرقم يبدو بحاجة للتحقق)، ثم انخفاضه في السنة التالية، مرجحاً أن سبب هذا الاختلاف هو أن الإحصاءات كانت تضيف القرى الجديدة دون حذف المندثر منها، وأن الهجرة من جراء ظلم كبار الملاكين قد أدت إلى اندثار قرى كثيرة.

4.التاريخ السياسي لولاية بيروت (1908 – 1908)163–250▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل التاريخ السياسي لولاية بيروت في الفترة الممتدة بين عامي 1888 و1908، مركزاً على المخطط الفرنسي للتوسع في سوريا وكيف تعاملت القوى الدولية الأخرى والسلطنة العثمانية مع هذا المخطط. الموضوع المحوري هو الصراع على النفوذ في هذه الولاية الاستراتيجية، حيث يوضح المؤلف أن الفرنسيين اعتبروا ولاية بيروت بوابة لتحقيق طموحاتهم في المنطقة، وأنهم عملوا بشكل منهجي على تعزيز وجودهم فيها منذ إنشائها.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليكشف أبعاد الاستراتيجية الفرنسية المتعددة الأوجه، والتي شملت المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية. فعلى الصعيد الاقتصادي، يذكر الفصل أن الفرنسيين سعوا للحصول على امتيازات المشاريع الحيوية، ومنها مشروع تنوير مدينة بيروت بالغاز قبل سنة من إنشاء الولاية، وحصول يوسف مطران على امتياز بناء مرفأ بيروت في أواخر عام 1887، وهو الامتياز الذي اشتراه منه لاحقاً مجموعة من المتمولين الفرنسيين. أما على الصعيد السياسي، فقد حرص الفرنسيون على إقامة علاقات جيدة مع الولاة والقضاة، ونظموا علاقات قنصليتهم العامة في بيروت بفروعها في المدن الساحلية الأخرى. وعلى الصعيد الاجتماعي، اعتمدوا على احتضان الرموز الدينية، ولا سيما الطائفة المارونية، حيث أعدوا دراسة تفصيلية عن بطريركيتها ومطارنتها ومدارسها، وتدخلوا في انتخاباتها لمنع وصول شخصيات معادية لهم إلى سدة المسؤولية.

يتناول الفصل أيضاً العوائق التي واجهت الولاية منذ نشأتها، حيث تعرضت لعرقلة من أوساط السلطنة العثمانية بسبب خلاف بين السلطان عبد الحميد والصدر الأعظم كامل باشا حول شخصية الوالي، مما أدى إلى تعيين ثلاثة ولاة متتاليين لم يلتحق أي منهم بمركزه. ثم يعرض الفصل سلسلة من الولاة الذين تعاقبوا على الولاية وتفاوتت كفاءاتهم وعلاقاتهم بالفرنسيين، ومنهم الوالي علي باشا الذي عرف بافتقاره للخبرة وخضوعه لنفوذ قاضٍ متعصب، ورؤوف باشا الذي لم يبق في منصبه أكثر من شهرين، وعزيز باشا الذي أقام علاقات ممتازة مع القنصل الفرنسي وأطلعه على أسرار الصراع في القسطنطينية، وكذلك نصوحي بك الذي عرفه البيروتيون سابقاً وكانت علاقته جيدة مع البعثات الأوروبية.

يبرز الفصل الصراع الفرنسي مع المخططات الدولية الأخرى، ولا سيما البريطانية والألمانية. فقد عمل البريطانيون على تنشيط نفوذهم في سوريا ومقاومة النفوذ الفرنسي، خاصة في أوساط الدروز، بينما قام الألمان بمساعٍ للحصول على التزامات خطوط حديدية في سوريا مستفيدين من أجواء زيارة الإمبراطور غليوم الثاني إلى القسطنطينية عام 1889. ويخلص هذا الصراع إلى ذروته في أحداث حوران عام 1896، حيث يصف الفصل كيف تزامنت عودة البريطانيين مع عزم السلطنة على وضع حد للاضطرابات في جبل حوران، وكيف انفجر الوضع في حزيران من ذلك العام، ورفع مشايخ دروز حوران عريضة إلى قناصل إنجلترا وروسيا وفرنسا يطلبون فيها الدعم والحصول على نظام مشابه لنظام جبل لبنان. وقد رأى القنصل الفرنسي العام في بيروت في المشروع البريطاني الداعم للدروز مخاطر متعددة على النفوذ الفرنسي، منها قيام تجمع درزي كبير في حوران تحت إشراف بريطاني، واحتمال نشوب صراع بين فرنسا وروسيا على المسيحيين المحصورين في الجبل.

تتطرق المادة أيضاً إلى تأثير الحوادث الأمنية المجاورة على الولاية، مثل أحداث أرمينيا، حيث فرضت السلطنة ضرائب إضافية لتغطية مصاريف تعمير المؤسسات الدينية التي دمرت أثناء القتال، وكانت حصة ولاية بيروت منها مبلغاً محدداً وُزع على مختلف الطوائف، مما أثار احتجاجات. وكذلك أحداث كريت واليمن، حيث تأثرت الولاية بالحروب التي خاضتها السلطنة، وجمعت القوات من مختلف أنحائها، وكانت بيروت مركزاً لتجمع هذه القوات وسفرها، مما سبب قلقاً لدى الأهالي المسلمين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة قتال إخوة لهم في الدين.

في نهاية الفصل، يستعرض المؤلف مذكرة أعدتها الدائرة السياسية في وزارة الخارجية الفرنسية عام 1895، نوقش فيها جدياً موضوع احتلال سوريا مرتين. وقد أوصت المذكرة بالاقدام على هذا الاحتلال، لكن وزير الخارجية صوّب هذا الاتجاه معتبراً أن الوضع الأوروبي المنقسم يجعل اقتسام السلطنة أمراً غير قابل للتحقيق، واقترحت المذكرة عدة أفكار لتحقيق النفوذ الفرنسي، مثل دعم قيادة سياسية محلية تنفصل عن السلطنة، أو مساندة ولاة مؤيدين للفرنسيين، أو احتضان قيادة متصرفية جبل لبنان. لكن المذكرة وجدت هذه الأفكار مستحيلة التحقيق تقريباً لعدم وجود أحزاب سياسية في البلاد، ولأن الولاة لا يستقرون في مراكزهم، ولأن نفوذ قيادة المتصرفية لم يتجاوز إطارها. وقد شعر الفرنسيون أن جهودهم معرضة للضياع بسبب انتهاء ولاية حاكم جبل لبنان نعوم باشا، الذي عمل على منع ازدياد النفوذ الفرنسي، وأقام علاقات جيدة مع القنصلين الإنكليزي والروسي والألماني، مما جعل عودته إلى منصبه مؤكدة.

يمكن القول إن الفصل يكشف عن صورة معقدة للصراع الاستعماري على المنطقة، وإن كانت المادة معتمدة بشكل كبير على المصادر الفرنسية، مما قد يجعل الرواية أحادية الجانب. غير أن غنى التفاصيل وتنوع الأحداث التي يغطيها الفصل، من المناورات السياسية إلى الحوادث الأمنية، ومن العلاقات الدبلوماسية إلى التفاصيل الاقتصادية، يقدم للقارئ صورة شبه مكتملة عن حالة الولاية في تلك الفترة المضطربة من تاريخ السلطنة العثمانية، وتؤكد الطابع الحيوي لمدينة بيروت في المشروع الفرنسي التوسعي في المشرق العربي.

5.وضع ولاية بيروت في ظل انقلاب 1908251–304▼ ملخص

يُعالج هذا الفصلُ وضعَ ولاية بيروت في أعقاب انقلاب عام 1908 الذي قادته جمعية "تركيا الفتاة" ضد السلطان "عبد الحميد الثاني"، ويُبيّن كيف انعكست هذه الأحداث الكبرى على ولايةٍ كانت تركيبُها السكاني والديني معقداً. يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت الفرحة العارمة التي عمّت الولاية تعبّر عن تأييد حقيقي للانقلاب أم أنها كانت مجرد حالة انفعالية مؤقتة. الإجابة التي يقدّمها المؤلف هي أن مواقف سكان الولاية لم تكن موحدة، بل انقسمت إلى أربعة مواقف رئيسية: موقف مؤيد بشدة، وموقف معارض ضمني، وموقف محايد، وموقف ذي طموح سياسي أوسع، وذلك في إطار صراعٍ على السلطة بين "الاتحاديين" والسلطان.

يسير الفصل خطوةً خطوة عبر مراحل الأحداث، بدءاً من استقبال الأنباء وانتهاءً بتداعياتها. يبدأ بوصف أجواء الفرحة والهتافات بشعارات "الدستور" و"الحرية" و"الإخوة" في مدنٍ مثل بيروت وحيفا، والتي تجلّت في المظاهرات والاحتفالات. لكنه سرعان ما ينتقل إلى الجانب العملي، فيوضح كيف اغتنم البعض فرصة الاضطراب للانتقام من المسؤولين السابقين، كما حدث في طرابلس الشام حيث طالب أهالي المدينة بعزل المتصرف ومحاكمته، فوُضع قيد الإقامة الجبرية. ولم تكن بقية المناطق على الحياد، ففي اللاذقية عبّر أبناء الطبقة الدنيا عن أملهم بتحقيق رغباتهم، بينما رأى أعيانها أنهم سيتمكنون من توجيه الأوامر للموظفين، بينما شهدت حيفا حماساً كبيراً في البداية، لكنه خفت مع إمساك القوى العسكرية بالوضع.

مع تعمّق الأحداث، ينتقل الفصل لتحليل المواقف الأربعة بالتفصيل. فموقف التأييد تجلى في التظاهرات والضغط على الموظفين لدفعهم للاستقالة، كما حدث مع "عبد الرحمن باشا بيضون" و"رسلان أفندي دمشقية" في بيروت. أما الموقف المعارض، فشاركه أصحاب الطرق الصوفية والعائلات النافذة في طرابلس وعكار، والذين اعتبروا الانقلاب ضربةً لنفوذهم، ولجأوا إلى الصمت أو التخريب أحياناً. أما الموقف المحايد، فتمثل في رسالةٍ رعائية أصدرها القاصد الرسولي "المونسنيور جيانين" في حريصا، دعت أبناء الكنيسة لعدم التدخل في صراعات السلطة، معتبرةً أن الخير لا يتحدد بشكل الحكم بل بسلوك الحكام. وأخيراً، يبرز موقف رابع تمثل في "اللجنة المركزية السورية في باريس"، التي طالبت في بلاغٍ لها بمنح سوريا "حكماً ذاتياً" إدارياً، مع بقائها ضمن السلطنة، وذلك انطلاقاً من تحليلها للوضع الدولي واستحالة تطبيق دستورٍ على الطريقة الغربية في دولةٍ متعددة الأعراق.

في خضم هذا التشرذم، يوضح الفصل كيف عمل "الاتحاديون" على تعزيز مواقعهم ومواقع مؤيديهم في الولاية. فقد شكّلوا جمعياتٍ فرعية مثل "جمعية الاتحاد والترقي في بيروت" و"جمعية الاتحاد والترقي في اللاذقية"، والتي بلغ عدد أعضائها حوالي 150 عضواً، وأصبحت ذات نفوذٍ كبير على الولاة والموظفين. كذلك سعوا لكسب الفئات الشعبية، لا سيما العمال، بدعم مطالبهم بزيادة الأجور، كما حدث مع حمالي شركة مرفأ بيروت في 11 آب 1908، وحاولوا كسب التجار عبر الترويج لإلغاء "الامتيازات الأجنبية"، خاصةً الفرنسية، لتحويل نقمة الناس نحو القوى الدولية.

يتناول الفصل بعد ذلك الجهود التي بذلها "الاتحاديون" لتطويق المعارضة، وكان أبرزها تشكيل "جمعية الأخاء العربي العثماني" في تشرين الثاني 1908 لاستمالة العرب، وإجراء انتخابات "مجلس المبعوثان" في أيلول 1908، والتي مثّل فيها الولاية ستة مبعوثين، من بينهم "رضا الصلح" و"سليمان البستاني" عن بيروت، و"محمد أرسلان" عن اللاذقية. ويشير الفصل إلى أن هذه الإجراءات كانت تهدف لخلق توازنٍ بين السلطان والاتحاديين، لكنها كشفت عن انقسام المبعوثين العرب أنفسهم بين مؤيدٍ ومعارض لسياسة الاتحاديين، حيث مال ممثلو بيروت واللاذقية للتأييد، بينما مال ممثلو طرابلس ودمشق للمعارضة.

مع تصلب سياسة "الاتحاديين" بعد خلع السلطان في نيسان 1909، واتجاههم نحو "سياسة التتريك"، بدأ حلفاؤهم العرب في الولاية بانتقادهم. وتُوّج هذا التململ بتأسيس جمعيتين جديدتين في تشرين الثاني 1909 رداً على هذه السياسة: "الجمعية العربية الفتاة"، وهي جمعية سرية تشكلت من طلابٍ عرب في باريس ودعت لاستقلال البلاد العربية، و"الجمعية القحطانية"، التي ضمت مدنيين وعسكريين ودعت إلى "اللامركزية الإدارية". ولم تقتصر التداعيات على الداخل، بل اهتمت القوى الدولية، وخاصة فرنسا، بهذه التطورات، فرصدت مواقف المعارضين وبدأت بتمتين علاقاتها معهم من خلال نظام الحماية، بإعداد لوائح بأسماء الأشخاص الذين تشملهم الحماية الفرنسية في طرابلس وضواحيها، بتعديلاتٍ تقترح زيادة عدد المسلمين المستفيدين من هذه الحماية.

في خضم هذا كله، يُشير الفصل إلى أن ولاية بيروت تأثرت بحوادث أمنية ذات أبعاد سياسية، خاصةً تلك التي حدثت في كانون الأول 1908، حيث لوّح القنصل الفرنسي العام بأن "لجنة الاتحاد والترقي" المحلية استغلتها لتحقيق أهداف سياسية ولدعم تيارٍ معادٍ لمتصرف جبل لبنان "يوسف باشا". ويعترف المؤلف في النهاية بأن الفصل يعتمد بشكل كبير على الوثائق القنصلية الفرنسية، وهي مصدرٌ غني لكنه قد يحمل نظرةً خاصة، كما يترك الباب مفتوحاً حول الطبيعة الحقيقية لبعض الجمعيات، مثل "الجمعية القحطانية"، وما إذا كانت أوراقاً في لعبةٍ سياسية أكبر مما تبدو عليه.

6.ولاية بيروت عشية الحرب العالمية الاولى حتى 1914305–456▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها ولاية بيروت عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في الفترة التي سبقت عام 1914. يقدّم المؤلف إلياس جرجس جريح تحليلاً معمقاً لحالة الترقب والاضطراب التي سادت الولاية، والتي تمثلت في ظهور موجة جديدة من الجمعيات والحركات السياسية، بعد أن توقف نشاط الموجة الأولى التي تأسست إثر الانقلاب العثماني، ولم تحقق أهدافها. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو تساؤل المصير: "لمن ستكون هذه البلاد؟"، وهو التساؤل الذي فرض نفسه بقوة على سكان الولاية بفعل التهديدات الخارجية والهزائم المتلاحقة للسلطنة العثمانية.

يسير الفصل بخطى منهجية، فيبدأ بتحليل العوامل الداخلية والخارجية التي مهدت لظهور هذه الحركات، وعلى رأسها الانقسام داخل جمعية "تركيا الفتاة" بين تيار "الاتحاد والترقي" الداعي للمركزية، وتيار "الائتلاف الحر" الداعي للامركزية. ثم ينتقل ليرصد تداعيات الهزيمتين العسكريتين الكبيرتين اللتين منيت بهما السلطنة: الأولى في ولاية طرابلس الغرب على يد الجيش الإيطالي، التي بدأت بغزوها في 19 سبتمبر 1911، واحتلال مدنها الرئيسية تباعاً، وانتهت باعتراف السلطنة بالسيطرة الإيطالية بموجب اتفاقية لوزان في 15 أكتوبر 1912. أما الهزيمة الثانية فكانت على يد الدول المتحالفة في البلقان في خريف عام 1912، والتي دخلت جيوشها الأراضي التركية. يوضح المؤلف كيف أن هذه الهزائم المتتالية أحدثت صدعاً عميقاً في هيبة السلطنة ومصداقيتها، وفاقمت مشاعر النقمة والكره لدي السكان، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، تجاه الأتراك والأوروبيين معاً.

ينتقل المؤلف بعدها إلى صلب الموضوع، ألا وهو استعراض "الموجة الثانية" من الجمعيات والاتجاهات السياسية التي نشطت في ولاية بيروت، والتي تباينت رؤاها حول مستقبل البلاد. فيعدد الفصل أربعة اتجاهات رئيسية: أولاً، اتجاه يعمل من أجل وضع سورية تحت الحماية الفرنسية، وقد عبرت عنه شخصيات سورية في مصر. ثانياً، اتجاه يعمل لصالح الحماية الانكليزية، وقد استفاد البريطانيون من العلاقات العائلية والاقتصادية الوثيقة بين بيروت ومصر، ومن الصحف الموالية لهم مثل "المفيد" و"المقطم" للترويج لأفكارهم. ثالثاً، اتجاه يسعى لإقامة "خلافة عربية إسلامية"، وقد ظهرت له عدة صور منها خلافة ترعاها فرنسا، أو خلافة مركزها مصر يدعمها الخديوي عباس حلمي. رابعاً، اتجاه طرحته "اللجنة القومية العربية العليا" التي دعت في بيان صادر في 11 ديسمبر 1912 إلى تأسيس مملكة عربية مستقلة. يخلص المؤلف إلى أن هذا الانقسام يعكس حالة المجتمع السوري المنقسم بين مسيحي يرغب بالحماية الأجنبية وخاصة الفرنسية، وإسلامي يرغب بالانضمام إلى مصر تحت الحماية البريطانية، وكلاهما يستبعد في تلك المرحلة سقوط سورية بيد الفرنسيين.

في إطار هذه الحركة الواسعة، يركّز الفصل بشكل خاص على تفاصيل نشأة "جمعية بيروت الاصلاحية" ومطالبها ومصيرها. فبعد إعلان حكومة "الائتلاف الحر" عن نيتها إجراء إصلاحات، بادر أعيان مسلمون ومسيحيون في بيروت إلى عقد اجتماعات مكثفة، توجت بتشكيل لجنة لصياغة مشروع إصلاحي طموح. وقد تضمن المشروع، الذي أعدته الجمعية في صيغته النهائية ووافقت عليه، مطالب واسعة شملت انتخاب مجلس إدارة للولاية يتمتع بصلاحيات واسعة، مع إشراف مراقبين ومستشارين أجانب على الإدارات، واعتبار اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب التركية. يوضح المؤلف أن السلطنة كانت تراقب هذه التحركات، وأن والي بيروت حاول توجيه الحركة الإصلاحية والسيطرة عليها، فأسس لجنة منافسة من أعيان موالين له، لكنها باءت بالفشل أمام إصرار الجمعية على مطالبها.

يختتم الفصل بوصف النهاية الدراماتيكية لهذه الحركة الإصلاحية، والتي تمثلت في انقلاب "حزب الاتحاد والترقي" على حكومة "الائتلاف الحر" واستيلائه على السلطة بالقوة في 23 يناير 1913، وإجبار الصدر الأعظم كامل باشا على الاستقالة. وقد مثل هذا الانقلاب نقطة تحول حاسمة، فقد أرسلت السلطة الجديدة تهديداتها للولاية، وعزلت الوالي "الائتلافي"، وعينت والياً جديداً هو "حازم بك" الذي كلف بمهمة وضع حد للحركة. وبالفعل، ورغم استقباله الودي ظاهرياً لوفد الجمعية، اتبع الوالي الجديد سياسة "فرق تسد" والدس والإغراء بالمناصب، لكنه فشل في كسر إرادة الجمعية. وفي النهاية، وبتنسيق مع الحكومة المركزية وحملة إعلامية واسعة، أصدر الوالي قراراً بحل الجمعية و"نادي الاصلاح" في 8 أبريل 1913، بحجة أن تشكيلها مخالف لقانون الجمعيات ومطالبها مخالفة للدستور، لتنتهي بذلك أولى وأبرز الحركات الإصلاحية المنظمة في ولاية بيروت قبيل الحرب العالمية الأولى.

7.الوضع الزراعي في ولاية بيروت457–527▼ ملخص

يُشكّل الوضع الزراعي محور هذا الفصل، إذ يقدّم المؤلف قراءة تفصيلية للأنظمة العقارية والإنتاج الزراعي في ولاية بيروت بين عامي 1887 و1914. يركّز الفصل على سؤال جوهري: كيف انتقلت ملكية الأراضي من يد الدولة العثمانية (بيت المال) إلى ملكية خاصة، وما هي النتائج الاجتماعية والاقتصادية لهذا التحول؟ يجيب المؤلف بأن قوانين الأراضي العثمانية، ولا سيما "أحكام قانون الأراضي" الصادر عام 1858، كانت الأداة الرئيسية التي دفعت نحو خصخصة الأراضي، لكنها خدمت في практик الأمر كبار الملاك وأصحاب النفوذ على حساب صغار الفلاحين.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر عدة محاور. يبدأ بمساحات الأراضي الزراعية، مستنداً إلى إحصاءات عثمانية. ففي عام 1298 هـ (حوالي 1881م)، بلغ عدد قطع الأراضي في الولاية 148,110 قطعاً بمساحة 7,478,000 دونم تقريباً، موزعة على سناجق الولاية الخمسة: بيروت، طرابلس الشام، اللاذقية، عكا، والبلقاء. ويشير الكاتب إلى أن هذه المساحة ارتفعت إلى أكثر من الضعف مع مطلع القرن العشرين، مما يدل على استمرار عملية إحياء الأراضي الموات، لكنه يحذّر من أن هذه الأرقام تقريبية، إذ كان كبار الملاك يتهربون من تقديم معلومات دقيقة.

ينتقل الفصل بعدها إلى أنواع الملكية العقارية، موضحاً تطورها عبر مرحلتين: مرحلة ما قبل الحكم العثماني (التي شملت الأراضي المملوكة وغير المملوكة)، ومرحلة الحكم العثماني التي أضافت نظام "التيمار" و"الزعامة" و"الخاص" منذ عام 881 هـ، حيث كان يتم تفويض الأراضي للأمراء والجنود مقابل جباية الضرائب وتقديم الجنود للحرب. يوضح الكاتب أن هذا النظام أُلغي عام 1105 هـ (1693م)، وصدرت بدلاً منه "أحكام قانون الأراضي" عام 1274 هـ (1858م)، التي قسّمت الأراضي إلى خمسة أنواع: المملوكة، الأميرية، المتروكة، الموات، والوقفية. ويرى المؤلف أن هذا القانون فتح الباب على مصراعيه لتحويل الأراضي العامة إلى ملكية خاصة، عبر أساليب شرعية (كإحياء الموات ووضع اليد) وأساليب قائمة على النفوذ والقوة.

يستعرض الفصل بعدها أشكال الملكية الناتجة عن هذه التحولات، فيميز بين ثلاث فئات: الملكيات الصغيرة التي امتلكها الفلاحون في الأراضي الجبلية، والملكيات المتوسطة القريبة من القرى السهلية، والملكيات الكبيرة التي تشكلت في السهول الواسعة بفعل نظام الايالة وقانون الأراضي وتواطؤ المختارين. يقدّم الكاتب أمثلة من "سجلات الافتاء" على مضابط شهد بها مختارون ووجوه قرى، تؤكد ملكية عائلات نافذة لأراضٍ واسعة "منذ أكثر من خمسين سنة"، ليرسّخ فكرة أن القانون جاء لتكريس واقع الغصب والاستيلاء.

يخصص الفصل قسماً مهماً للملكيات الوقفية، مقسماً إياها إلى وقف ذري ووقف خيري، وإلى أوقاف مضبوطة وأخرى ملحقة بإدارة "خزينة الأوقاف الهمايونية". ويشير إلى أن نظام إدارة الأوقاف الصادر عام 1291 هـ (1874م) سمح بإمكانية استملاك الوقف، وهو ما اعتبره الكاتب مخالفاً لشروط الملكية الوقفية. ثم يتناول موضوع تسجيل الأراضي، موضحاً أنه قبل قانون "الطابو" لم تكن هناك أوراق ثبوتية رسمية، بل اعتمد الناس على الشهادات العرفية. ويصف الكاتب قوانين الطابو المتتالية التي حددت رسم تسجيل بخمسة بالمئة من قيمة الأرض، كما يشير إلى قانون عام 1284 هـ الذي سمح للأجانب بتملك الأراضي في جميع أنحاء السلطنة باستثناء الحجاز، مما استفادت منه فعلياً دول أوروبية ويهود "الحركة الصهيونية" الذين اشتروا أراضٍ واسعة في فلسطين.

في الجزء الثاني من الفصل، يتناول المؤلف المنتجات الزراعية والمحاصيل، فيبدأ بمديرية الزراعة التي تأسست لترغيب الأهالي بزراعة محاصيل جديدة كالقطن والأرز وقصب السكر، ثم يتوقف عند "البنك الزراعي" الذي تأسس عام 1888، وكان رأسماله تسعين مليون فرنك. ينتقد الكاتب هذا البنك بشدة، إذ يرى أنه استفاد منه كبار الملاك بشكل أساسي، بينما خسر صغار الفلاحين أراضيهم لصالحه عندما عجزوا عن تسديد قروضهم.

أما بخصوص الإنتاج الزراعي، فيقدم الفصل أرقاماً تفصيلية عن المحاصيل الرئيسية. فقد بلغ إنتاج الحبوب حوالي 4,488,519 هكتولتراً بقيمة تقارب 51,407,170 فرنكاً، تصدرها زراعة القمح والشعير والذرة. وتشير الأرقام إلى أن سنجق اللاذقية احتل المرتبة الأولى في إنتاج الحبوب. كما يغطي الفصل محاصيل القطاني (كالحمص والفول والعدس)، ونباتات المشروبات (كعرق السوس والتبغ الذي اشتهر به سنجق اللاذقية)، والخضار والثمار (كالبصل الذي تميز به قضاء عكار)، إضافة إلى محاصيل السمسم والحرير والليمون. ويلاحظ المؤلف أن هذه الأرقام، التي جمعها قناصل وتجار أجانب، لا تعكس الإنتاج الحقيقي الكامل، لأنها تستثني ما يستهلك محلياً وما يقتطع كضرائب عينية.

يختتم الفصل بوصف طرق الاستثمار الزراعي البدائية، معتمداً على تقرير لقنصل فرنسي أشار إلى أن الفلاح المحلي كان يزرع الأرض ثلاث سنوات متتالية ثم يتركها سنة للراحة، وكان يستخدم "صمداً خشبياً" تجره الحيوانات، وسكة حديدية خفيفة لا يتجاوز وزنها أربعة كيلوغرامات. بالرغم من ذلك، كان الفلاحون يحققون مردوداً وسطياً يتراوح بين ست إلى سبع مرات للقمح، وتسع إلى إحدى عشرة مرة للشعير. ويشير الفصل أيضاً إلى صدور "قانون الإسقاء العثماني المؤقت" عام 1911 لتنظيم الخلافات على مياه الري، وقانون تطهير الأنهار غير المملوكة.

يمكن القول إن الفصل يقدّم صورة شاملة ومعقدة للوضع الزراعي، ويؤكد فكرة مركزية: أن قوانين الدولة العثمانية، رغم ما ظهر عليها من حرص على تنظيم الزراعة وتشجيعها، كانت عملياً أداة لتكريس سيطرة كبار الملاك والنافذين، وتوسيع دائرة الملكية الخاصة على حساب الأراضي العامة والفلاحين. وتظل الأرقام الواردة في الفصل تقريبية وتحتاج إلى تحقق، كما أن بعض الأحكام القاطعة، كتأكيد أن "كبار الملاك" كانوا السباقين للاستفادة من القانون، قابلة للنقاش بناءً على تنوع الحالات المذكورة في النص نفسه.